تفسير سورة الفرقان الآية ٤٨ عند البسيط

الإسلام > القرآن > تفسير > البسيط > سورة 25 الفرقان > الآية ٤٨

وَهُوَ ٱلَّذِىٓ أَرْسَلَ ٱلرِّيَـٰحَ بُشْرًۢا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِۦ ۚ وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ طَهُورًۭا ٤٨

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 10 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ﴾ سبق الكلام في تفسيره، ووجوه القراءات في سورة الأعراف (١) قوله تعالى: ﴿ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا ﴾ المفسرون يقولون: من السحاب (٢) (٣) وأما الطهور، فقال أبو إسحاق: كل ما نزل من السماء، أو خرج من بحر، أو أذيب من ثلج، أو بَرَدٍ، فهو طهورة قال النبي -  - في البحر: "هو الطهور ماؤه" (٤) (٥) وقال الأزهري: الطَّهور في اللغة هو: الطاهر المطهر (٦) (٧) (٨)  : "هو الطَّهور ماؤه" (٩) وقال غيره (١٠) (١١) (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) أي: كان إخراجه مطهرًا لهذا المكان.

وقال أبو علي الفارسي: الطَّهور، على ضربين؛ اسم، وصفة، فإذا كان اسمًا كان على ضربين؛ أحدهما: أن يكون مصدرًا كما حكاه سيبويه (١٦)  -: "طهور إناء أحدكم" الحديث (١٧) (١٨) ﴿ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا ﴾ وقوله: ﴿ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا  ﴾ وقوله -  -: "هو الطهور ماؤه" فالطهور هاهنا صفة؛ ألا ترىَ أنه قد ارتفع به الماء كما يرتفع الاسم بالصفات المتقدمة.

وأجاد أبو القاسم الزجاجي -رحمه الله- في تفسير الطهور، وكشف عن حقيقة المعنى؛ فقال: الطهور: اسم للماء الذي يتطهر به، ولا يجوز إلا أن يكون طاهرًا في نفسه، مطهرًا لغيره؛ لأن العرب إذا عدلت عن بناء: فاعل، إلى بناء: فعيل، أو فعول، لم تعدل إلا لزيادة معنى؛ لأن اختلاف الأبنية لاختلاف المعاني، فكما أنه لا يجوز التسوية بين صابر وصَبور، وشاكر وشَكور، كذلك في طاهر وطَهور، فإذا سويت بينهما فقد خالفت ما عليه موضوع الكلام.

والشيء إذا كان طاهرًا في نفسه لا يجوز أن يكون من جنسه ما هو أطهر منه، حتى تصفه بقول: كل طهور لزيادة طهارته، وليس كذلك قادر وقدير، وعالم وعليم، وغافر وغفور؛ لأن هذه نعوت تحتمل (١٩) (٢٠) (٢١) فإن قيل: هذه اللفظة من: طَهُر، وهو لازم، فكيف يجوز أن يُعدَّى ما تبنيه من فعل لازم؟

قلنا: الاعتبار والنظر في هذه اللفظة أدانا إلى معنى التطهير؛ وذلك أنه لا سبيل إلى إطلاق هذا الوصف على الماء الذي ليس بمطهر؛ لأن العرب لا تُسمِّي الشيء الذي لا يقع به التطهر طَهورًا، فَمِن هذا الوجه يجب أن يُعلم، لا من جهة التعدي واللزوم.

الدليل على ذلك قوله -  -: "وترابها لي طهورًا" (٢٢) (٢٣) (٢٤) عِذَاب الثنايا رِيقهن طَهور (٢٥) فإنه لما عُلم أن غاية وصف الماء أن يقال: طَهور، شَبَّه الريق بالماء، وأحبَّ أن يُزيلَ عن الريق سِمة النجاسة، فلم يمكنه أن يصفه إلا بما يوسف به الماء.

ألا ترى أنه قال: عِذاب الثنايا، فوصفها بالعُذوبة، وهي من صفة الماء، فكما أن العذب حقيقة في الماء، مجازٌ في غيره، كذلك: الطَّهور، حقيقةٌ في الماء، مستعارٌ في الريق.

وأما قوله تعالى: ﴿ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا  ﴾ فإن الله تعالى لما وصف الماء في الدنيا بالطهارة فجعله طَهورًا، وهذا غاية ما يوصف به الماء، وصَفَ ذلك الشراب أيضًا هذا الوصف لنعتقد فيه من الطهارة، ما اعتقدناه فيما وصفه من الماء.

فإن قيل: لو كان المراد بالطَّهور ما ذكرتَه لَمَا سُمِّي طَهورًا إلا بعد أن يُطَّهِر فهذا ساقط، ومذهب العرب بخلاف هذا؛ ألا ترى أنهم يسمُّون الطعام الذي يُفطَر عليه: فَطورًا، وكذلك: السَّحور، ويُسمون الشعير: قَضيمًا قبل أن يُقضم، ويقولون: ما في دار فلان مأكولٌ، ولا مشروبٌ، أي: ما أعد له.

وكل وصف يجري على الموصوف للمبالغة فإنه يكون لما مضى، والحال، والاستقبال، كما تقول: فلان شَكور للنعم، لا يُراد: إنه شكر فيما مضى، بل يراد به: شاكرٌ في الحال والاستقبال.

وهذا واضح بيِّن -إن شاء الله- انتهى كلامه (٢٦) فأما التفسير؛ فقال ابن عباس، في قوله: ﴿ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا ﴾ يريد: المطر (٢٧) (٢٨) (١) عند قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ  ﴾ حيث ذكر معنى بشرًا، وأصل اشتقاقها، ووجوه القراءات فيها، وباقية ألفاظ الآية تكلم عن ذلك في ست صفحات.

(٢) "تفسير ابن جرير" 19/ 21.

(٣) أخرجه ابن أبي حاتم 8/ 2704، عن السدي، وفيه قوله: ثم يفتح أبواب السماء ليسيل الماء على السحاب ثم تمطر السحاب بعد ذلك.

ولم يذكر نسبته للحسن.

(٤) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 71.

بنصه.

والحديث أخرجه مالك 1/ 22، الطهارة، رقم: 12.

وأحمد 3/ 23، رقم: 7237.

وأبو داود 1/ 64، الطهارة، رقم: 83.

والترمذي 1/ 100، الطهارة، رقم: 69.

والنسائي 1/ 53، الطهارة، رقم: 59.

وابن ماجه 1/ 136، الطهارة، رقم: 386.

من حديث أبي هريرة -  - قال: سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ الله -  - فَقَالَ يَا رَسُولَ الله إِنَّا نَرْكَبُ الْبَحْرَ وَنَحْمِلُ مَعَنَا الْقَلِيلَ مِنَ الْمَاءِ فَإِنْ تَوَضَأْنَا بِهِ عَطِشْنَا أَفَنَتَوَضَّأُ مِنْ مَاءِ الْبَحْرِ فَقَالَ رَسُولُ الله -  -: "هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ".

قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.

وهو في سلسلة الأحاديث الصحيحة، رقم: 480.

أخرج ابن أبي حاتم 8/ 2705، عن عكرمة قال: قال ابن عباس: إن الماء لا ينجسه شيء يُطهر، ولا يطهره شيء، فإن الله -عز وجل- قال: ﴿ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا  ﴾ .

قال ابن عاشور 19/ 47: وماء المطر بالغ منتهى الطهارة إذ لم يختلط به شيء يكدره أو يقذره، وهو في علم الكيمياء أنقى المياه لخلوه عن جميع الجراثيم، فهو الصافي حقًا.

(٥) "العين" 4/ 19 (طهر)، بنصه.

وقد أضاف المحقق زيادات من التهذيب 6/ 171، وجعلها في الأصل، وعلق على ذلك في الحاشية بأنها نص ما نقله صاحب التهذيب، والذي يظهر خلاف ذلك، فالأزهري نقل جزءًا من الكلام، وزاد عليه فجعْلُ المحقق هذه الزيادة من "العين" غير مستقيم.

ويؤكد هذا توافق ما نقل الواحدي مع ما في العين، إذا حذفت الزيادة التي أدخلها المحقق.

(٦) واقتصر على هذا التعريف في "الوجيز" 2/ 780.

(٧) (ما) في (ج).

فقط.

(٨) (ما) في (ج).

فقط.

(٩) "تهذيب اللغة" 6/ 172 (طهر).

(١٠) ذكر نحوه الزمخشري 3/ 276، ونسبه لسيبويه.

(١١) هنا تكرار في (أ)، قدر ثلاثة أسطر.

(١٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).

(١٣) قال ابن السكيت: الرَّقُوء: الدواء الذي يُرقأ به.

والعرب تقول: لا تسبوا الإبل فإن فيها رَقُوء الدماء؛ أي: تعطى في الديات فتحقن الدماء.

"تهذيب اللغة" 9/ 292 (رقا).

والشاهد فيه أن رقوء على وزن فعول، من أرقى.

ومُرقية بالضم على اعتبار اسم الفاعل، وبالفتح باعتبار اسم المفعول.

(١٤) "تهذيب اللغة" 11/ 438 (مشى).

عن ابن السكيت، وفيه: يقال: شربت مَشُوا ومَشاء.

(١٥) "ديوان جرير" ص 460، من قصيدة طويلة يجيب فيها الفرزدق.

المصلى: موضع الصلاة؛ وهو موضع بعينه في المدينة.

واقم: أُطُم من آطام المدينة كأنه سمي بذلك لحصانته، ومعناه أنه يرد عن أهله.

"معجم البلدان" 5/ 408، والأطم: الحصين.

"تهذيب اللغة" 14/ 44 (أطم).

(١٦) أشار إلى ذلك الزمخشري 3/ 276.

(١٧) أخرجه مسلم 1/ 234 الطهارة، رقم: 234.

وأبو داود 1/ 57 الطهارة، رقم: 71.

ولفظه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله -  -:"طهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ أُولاهُنَّ بِالتُّرَابِ".

ضبط حرف الطاء في كلمة: طهور، في صحيح مسلم: بالفتح والضم.

(١٨) الوَجور: صب الماء أو الدواء في فم الصبي.

"تهذيب اللغة" 11/ 185 (وجر).

وفي "المعجم الوسيط" 2/ 1014: الوجور: الدواء يصب في الحلق.

السَّعوط: الدواء يصب من الأنف.

"تهذيب اللغة" 2/ 67 (سطع)، "المعجم الوسيط" 1/ 431.

اللَّدود: ما يصب من الأدوية ونحوها في أحد شِقي الفم.

"تهذيب اللغة" 14/ 67 (لدد)، "المعجم الوسيط" 2/ 821.

البَرود: كل ما برد به من شيء، كالشَّراب، والكُحل تبرد به الحين.

"تهذيب اللغة" 14/ 106 (برد)، "المعجم الوسيط" 1/ 48.

(١٩) في (أ)، (ب)، زيادة (العفو وزيادة الغفران)، والظاهر أنها تكرار لما سيأتي بعدها، فالكلام لا يستقيم بها.

(٢٠) في (أ)، (ب): واو، بدل: في.

(٢١) في (أ)، (ب): (لم يكن)، وفي (ج): (لا يكون).

(٢٢) الحديث أخرجه مسلم 1/ 371، كتاب المساجد، رقم: 522، من حديث حُذَيْفَةَ، ولفظه: "وَجُعِلَتْ لَنَا الأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدًا وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا إِذَا لَمْ نَجِدِ الْمَاءَ".

وأما حديث "وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا" فهو متفق عليه من حديث جابر -  -.

البخاري، كتاب التيمم، رقم: 335.

الفتح 1/ 435.

ومسلم 1/ 371، كتاب المساجد، رقم: 523.

(٢٣) ما بين المعقوفين في (أ)، (ب)، وفي (ج): ولا يقولون لما تقع به الطهارة طهورًا كالمائعات الطاهرة، والنباتات الطاهرة).

وقوله: كالمائعات الطاهرة، إن كان المراد بالتطهير بها رفع الحدث فهذا صحيح فلا يرفع الحدث إلا الماء، دون غيره من المائعات الطاهرة؛ للنص على استعماله، وللأمر باستعمال التراب عند فقده.

وأما إزالة النجاسة بالمائعات الطاهرة فهو محل خلاف بين أهل العلم، فمن فسر ﴿ طَهُورًا ﴾ بطاهرًا، جوَّز إزالة النجاسات بالمائعات الطاهرة.

ومن فسره بأنه: مطهر، لم يجوز إزالة النجاسة بمائع سوى الماء.

"تفسير الماوردي" 4/ 148، و"تفسير البغوي" 6/ 87.

و"المبسوط" 1/ 96.

و"أحكام القرآن"، للجصاص 5/ 201، وابن العربي 3/ 435.

والاستدلال بالآية على أنه لا يطهر النجاسة إلا الماء استدلال بعيد؛ لأن الآية فيها إخبار عن وصف الماء بهذا الوصف، الذي يبين أصله، ويى فيها منعٌ من تطهير النجاسات بغيره.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: فالراجح في هذه المسألة: أن النجاسة متى زالت بأي وجه كان زال حكمها، فإن الحكم إذا ثبت == بعلة زال بزوالها، لكن لا يجوز استعمال الأطعمة، والأشربة في إرالة النجاسة لغير حاجة؛ لما في ذلك من فساد الأموال، كما لا يجوز الاستنجاء بها.

"الفتاوى" 21/ 475.

قال الزمخشري 3/ 277: لما كان سقي الأناسي من جملة ما أُنزل له الماء وصفه بالطهور إكرامًا لهم، وتتميمًا للمنة عليهم.

(٢٤) في نسخة (ج)، كلمتان غير واضحتين، والأقرب أنهما: والنباتات الطاهرة.

(٢٥) لم أجده في ديوان جرير.

وأنشده ابن العربي في أحكامه 3/ 435، غير منسوب.

وكذا القرطبي 13/ 38.

وأبو حيان 6/ 463، وفي الحاشية: البيت لجميل، ديوانه 93؛ ولم أجده فيه.

وفي حاشية "الدر المصون" 8/ 488: لم أهتد إلى قائله.

(٢٦) لم أجد قول الزجاجي.

قال ابن كثير 6/ 114، في تفسير هذه الآية: أي: آلة يتطهر بها كالسحور، والوقود، وما جرى مجراهما، فهذا أصح ما يقال في ذلك، وأما من قال: إنه مبني للمبالغة والتعدي فعلى كل منهما إشكالات من حيث اللغة، والحكم، ليس هذا موضع بسطها.

والله أعلم.

وقال أبو السعود 6/ 224: وما قيل إنه ما يكون طاهرًا في نفسه، ومطهرًا لغيره، فهو شرح لبلاغته في الطهارة، كما ينبئ عنه قوله تعالى: قال تعالى: ﴿ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ  ﴾ .

(٢٧) "تفسير مقاتل" ص 64 أ.

(٢٨) "تفسير مقاتل" ص 64 أ، بدون: بل.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.3 / 29.5
الإضاءة 29%
البدر بعد 9 يوم
الله أكبر