الإسلام > القرآن > سور > سورة 25 الفرقان > الآية ٤٨ من سورة الفرقان
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 163 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٤٨ من سورة الفرقان: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وهذا أيضا من قدرته التامة وسلطانه العظيم ، وهو أنه تعالى يرسل الرياح مبشرات ، أي : بمجيء السحاب بعدها ، والرياح أنواع ، في صفات كثيرة من التسخير ، فمنها ما يثير السحاب ، ومنها ما يحمله ، ومنها ما يسوقه ، ومنها ما يكون بين يدي السحاب مبشرا ، ومنها ما يكون قبل ذلك يقم الأرض ، ومنها ما يلقح السحاب ليمطر; ولهذا قال : ( وأنزلنا من السماء ماء طهورا ) أي : آلة يتطهر بها ، كالسحور والوقود وما جرى مجراه .
فهذا أصح ما يقال في ذلك .
وأما من قال : إنه فعول بمعنى فاعل ، أو : إنه مبني للمبالغة أو التعدي ، فعلى كل منهما إشكالات من حيث اللغة والحكم ، ليس هذا موضع بسطها ، والله أعلم .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا عمر بن حفص بن غياث ، حدثنا أبي ، عن أبي جعفر الرازي ، حدثني حميد الطويل ، عن ثابت البناني قال : دخلت مع أبي العالية في يوم مطير ، وطرق البصرة قذرة ، فصلى ، فقلت له ، فقال : ( وأنزلنا من السماء ماء طهورا ) قال : طهره ماء السماء .
وقال أيضا : حدثنا أبي ، حدثنا أبو سلمة ، حدثنا وهيب عن داود ، عن سعيد بن المسيب في هذه الآية : ( وأنزلنا من السماء ماء طهورا ) [ قال : أنزله الله ماء طاهرا ] لا ينجسه شيء .
وعن أبي سعيد قال : قيل : يا رسول الله ، أنتوضأ من بئر بضاعة؟
- وهي بئر يلقى فيها النتن ، ولحوم الكلاب - فقال : " إن الماء طهور لا ينجسه شيء " رواه الشافعي ، وأحمد وصححه ، وأبو داود ، والترمذي وحسنه ، والنسائي .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا أبو الأشعث ، حدثنا معتمر ، سمعت أبي يحدث عن سيار ، عن خالد بن يزيد ، قال : كان عند عبد الملك بن مروان ، فذكروا الماء ، فقال خالد بن يزيد : منه من السماء ، ومنه ما يسقيه الغيم من البحر فيعذبه الرعد والبرق .
فأما ما كان من البحر ، فلا يكون له نبات ، فأما النبات فمما كان من السماء .
وروي عن عكرمة قال : ما أنزل الله من السماء قطرة إلا أنبت بها في الأرض عشبة أو في البحر لؤلؤة .
وقال غيره : في البر بر ، وفي البحر در .
يقول تعالى ذكره: والله الذي أرسل الرياح الملقحة ( بُشْرًا ) : حياة أو من الحيا والغيث الذي هو منـزله على عباده ( وَأَنـزلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا ) يقول: وأنـزلنا من السحاب الذي أنشأناه بالرياح من فوقكم أيها الناس ماء طهورا.
قوله تعالى : وهو الذي أرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته وأنزلنا من السماء ماء طهورا .قوله تعالى : وهو الذي أرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته تقدم في ( الأعراف ) مستوفى .
قوله تعالى : وأنزلنا من السماء ماء طهورا .فيه خمس عشرة مسألة : الأولى : قوله تعالى : ماء طهورا يتطهر به ، كما يقال : وضوء للماء الذي يتوضأ به .
وكل طهور طاهر وليس كل طاهر طهورا .
فالطهور ( بفتح الطاء ) الاسم .
وكذلك الوضوء والوقود .
وبالضم المصدر ، وهذا هو المعروف في اللغة ; قاله ابن الأنباري .
فبين أن الماء المنزل من السماء طاهر في نفسه مطهر لغيره ; فإن الطهور بناء مبالغة في " طاهر " وهذه المبالغة اقتضت أن يكون طاهرا مطهرا .
وإلى هذا مذهب الجمهور .
وقيل : إن " طهورا " بمعنى طاهر ، وهو قول أبي حنيفة ، وتعلق بقوله تعالى : وسقاهم ربهم شرابا طهورا يعني طاهرا .ويقول الشاعر :خليلي هل في نظرة بعد توبة أداوي بها قلبي علي فجور إلى رجح الأكفال غيد من الظباعذاب الثنايا ريقهن طهورفوصف الريق بأنه طهور وليس بمطهر .
وتقول العرب : رجل نئوم وليس ذلك بمعنى أنه منيم لغيره ، وإنما يرجع ذلك إلى فعل نفسه .
ولقد أجاب علماؤنا عن هذا فقالوا : وصف شراب الجنة بأنه طهور يفيد التطهير عن أوضار الذنوب وعن خسائس الصفات كالغل والحسد ، فإذا شربوا هذا الشراب يطهرهم الله من رحض الذنوب وأوضار الاعتقادات الذميمة ، فجاءوا الله بقلب سليم ، ودخلوا الجنة بصفات التسليم ، وقيل لهم حينئذ : سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين [ ص: 39 ] ولما كان حكمه في الدنيا بزوال حكم الحدث بجريان الماء على الأعضاء كانت تلك حكمته في الآخرة .
وأما قول الشاعر :ريقهن طهورفإنه قصد بذلك المبالغة في وصف الريق بالطهورية لعذوبته وتعلقه بالقلوب ، وطيبه في النفوس ، وسكون غليل المحب برشفه حتى كأنه الماء الطهور ، وبالجملة فإن الأحكام الشرعية لا تثبت بالمجازات الشعرية ; فإن الشعراء يتجاوزون في الاستغراق حد الصدق إلى الكذب ، ويسترسلون في القول حتى يخرجهم ذلك إلى البدعة والمعصية ، وربما وقعوا في الكفر من حيث لا يشعرون .
ألا ترى إلى قول بعضهم :ولو لم تلامس صفحة الأرض رجلها لما كنت أدري علة للتيمموهذا كفر صراح ، نعوذ بالله منه .
قال القاضي أبو بكر بن العربي : هذا منتهى لباب كلام العلماء ، وهو بالغ في فنه ; إلا أني تأملت من طريق العربية فوجدت فيه مطلعا مشرقا ، وهو أن بناء " فعول " للمبالغة ، إلا أن المبالغة قد تكون في الفعل .
المتعدي كما قال الشاعر :ضروب بنصل السيف سوق سمانهاوقد تكون في الفعل القاصر كما قال الشاعر :نئوم الضحى لم تنتطق عن تفضلوإنما تؤخذ طهورية الماء لغيره من الحس نظافة ومن الشرع طهارة ; كقوله عليه السلام : لا يقبل الله صلاة بغير طهور .
وأجمعت الأمة لغة وشريعة على أن وصف " طهور " يختص بالماء فلا يتعدى إلى سائر المائعات وهي طاهرة ; فكان اقتصارهم بذلك على الماء أدل دليل على أن الطهور هو المطهر ، وقد يأتي " فعول " لوجه آخر ليس من هذا كله وهو العبارة به عن الآلة للفعل لا عن الفعل كقولنا : وقود وسحور بفتح الفاء ، فإنها عبارة عن الحطب والطعام [ ص: 40 ] المتسحر به ; فوصف الماء بأنه طهور ( بفتح الطاء ) أيضا يكون خبرا عن الآلة التي يتطهر بها .
فإذا ضمت الفاء في الوقود والسحور والطهور عاد إلى الفعل وكان خبرا عنه .
فثبت بهذا أن اسم الفعول ( بفتح الفاء ) يكون بناء للمبالغة ويكون خبرا عن الآلة ، وهو الذي خطر ببال الحنفية ، ولكن قصرت أشداقها عن لوكه ، وبعد هذا يقف البيان عن المبالغة وعن الآلة على الدليل بقوله تعالى : وأنزلنا من السماء ماء طهورا .
وقوله عليه السلام : جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا يحتمل المبالغة ويحتمل العبارة به عن الآلة ; فلا حجة فيه لعلمائنا ، لكن يبقى قول ليطهركم به نصا في أن فعله يتعدى إلى غيره .الثانية : المياه المنزلة من السماء والمودعة في الأرض طاهرة مطهرة على اختلاف ألوانها وطعومها وأرياحها حتى يخالطها غيرها ، والمخالط للماء على ثلاثة أضرب : ضرب يوافقه في صفتيه جميعا ، فإذا خالطه فغيره لم يسلبه وصفا منهما لموافقته لهما وهو التراب .
والضرب الثاني يوافقه في إحدى صفتيه وهي الطهارة ، فإذا خالطه فغيره سلبه ما خالفه فيه وهو التطهير ، كماء الورد وسائر الطاهرات .
والضرب الثالث يخالفه في الصفتين جميعا ، فإذا خالطه فغيره سلبه الصفتين جميعا لمخالفته له فيهما وهو النجس .الثالثة : ذهب المصريون من أصحاب مالك إلى أن قليل الماء يفسده قليل النجاسة ، وأن الكثير لا يفسده إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه من المحرمات .
ولم يحدوا بين القليل والكثير حدا يوقف عنده ، إلا أن ابن القاسم روى عن مالك في ، الجنب يغتسل في حوض من الحياض التي تسقى فيها الدواب ، ولم يكن غسل ما به من الأذى أنه قد أفسد الماء ; وهو مذهب ابن القاسم وأشهب وابن عبد الحكم ومن اتبعهم من المصريين .
إلا ابن وهب فإنه يقول في الماء بقول المدنيين من أصحاب مالك .
وقولهم ما حكاه أبو مصعب عنهم وعنه : أن الماء لا تفسده النجاسة الحالة فيه قليلا كان أو كثيرا إلا أن تظهر فيه النجاسة الحالة فيه وتغير منه طعما أو ريحا أو لونا .
وذكر أحمد بن المعدل أن هذا قول مالك بن أنس في الماء .
وإلى هذا ذهب إسماعيل بن إسحاق ومحمد بن بكير وأبو الفرج الأبهري وسائر المنتحلين لمذهب مالك ، من البغداديين ; وهو قول الأوزاعي والليث بن سعد والحسن بن صالح وداود بن علي .
وهو مذهب أهل البصرة ، وهو الصحيح في النظر وجيد الأثر .
وقال أبو حنيفة : إذا وقعت نجاسة في الماء أفسدته كثيرا كان أو قليلا إذا تحققت عموم النجاسة فيه .
ووجه تحققها عنده أن تقع [ ص: 41 ] مثلا نقطة بول في بركة ، فإن كانت البركة يتحرك طرفاها بتحرك أحدهما فالكل نجس ، وإن كانت حركة أحد الطرفين لا تحرك الآخر لم ينجس .
وفي المجموعة نحو مذهب أبي حنيفة .
وقال الشافعي بحديث القلتين ، وهو حديث مطعون فيه ; اختلف في إسناده ومتنه ; أخرجه أبو داود والترمذي وخاصة الدارقطني ، فإنه صدر به كتابه وجمع طرقه .
قال ابن العربي : وقد رام الدارقطني على إمامته أن يصحح حديث القلتين فلم يقدر .
وقال أبو عمر بن عبد البر : وأما ما ذهب إليه الشافعي من حديث القلتين فمذهب ضعيف من جهة النظر ، غير ثابت في الأثر ; لأنه قد تكلم فيه جماعة من أهل العلم بالنقل ، ولأن القلتين لا يوقف على حقيقة مبلغهما في أثر ثابت ولا إجماع ، فلو كان ذلك حدا لازما لوجب على العلماء البحث عنه ليقفوا على حد ما حده النبي صلى الله عليه وسلم ; لأنه من أصل دينهم وفرضهم ، ولو كان ذلك كذلك ما ضيعوه ، فلقد بحثوا عما هو أدون من ذلك وألطف .قلت : وفيما ذكر ابن المنذر في القلتين من الخلاف ما يدل على عدم التوقيف فيهما والتحديد .
وفي سنن الدارقطني عن حماد بن زيد عن عاصم بن المنذر قال : القلال الخوابي العظام .
وعاصم هذا هو أحد رواة حديث القلتين .
ويظهر من قول الدارقطني أنها مثل قلال هجر ; لسياقه حديث الإسراء عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لما رفعت إلى سدرة المنتهى في السماء السابعة نبقها مثل قلال هجر وورقها مثل آذان الفيلة .
وذكر الحديث .
قال ابن العربي : وتعلق علماؤنا بحديث أبي سعيد الخدري في بئر بضاعة ، رواه النسائي [ ص: 42 ] والترمذي وأبو داود وغيرهم .
وهو أيضا حديث ضعيف لا قدم له في الصحة فلا تعويل عليه .
وقد فاوضت الطوسي الأكبر في هذه المسألة فقال : إن أخلص المذاهب في هذه المسألة مذهب مالك ، فإن الماء طهور ما لم يتغير أحد أوصافه ; إذ لا حديث في الباب يعول عليه ، وإنما المعول عليه ظاهر القرآن وهو قوله تعالى : وأنزلنا من السماء ماء طهورا وهو ما دام بصفاته ، فإذا تغير عن شيء منها خرج عن الاسم لخروجه عن الصفة ، ولذلك لما لم يجد البخاري إمام الحديث والفقه في الباب خبرا يعول عليه قال : ( باب إذا تغير وصف الماء ) وأدخل الحديث الصحيح : ما من أحد يكلم في سبيل الله والله أعلم بمن يكلم في سبيله إلا جاء يوم القيامة وجرحه يثعب دما اللون لون الدم والريح ريح المسك .
فأخبر صلى الله عليه وسلم أن الدم بحاله وعليه رائحة المسك ، ولم تخرجه الرائحة عن صفة الدموية ، ولذلك قال علماؤنا : إذا تغير الماء بريح جيفة على طرفه وساحله لم يمنع ذلك الوضوء منه .
ولو تغير بها وقد وضعت فيه لكان ذلك تنجيسا له للمخالطة والأول مجاورة لا تعويل عليها .قلت : وقد استدل به أيضا على نقيض ذلك ، وهو أن تغير الرائحة يخرجه عن أصله .
ووجه هذا الاستدلال أن الدم لما استحالت رائحته إلى رائحة المسك خرج عن كونه مستخبثا نجسا ، وأنه صار مسكا ;وإن المسك بعض دم الغزال.فكذلك الماء إذا تغيرت رائحته .
وإلى هذا التأويل ذهب الجمهور في الماء .
وإلى الأول ذهب عبد الملك .
قال أبو عمر : جعلوا الحكم للرائحة دون اللون ، فكان الحكم لها فاستدلوا عليها - في زعمهم - بهذا الحديث .
وهذا لا يفهم منه معنى تسكن إليه النفس ، ولا في الدم معنى الماء فيقاس عليه ، ولا يشتغل بمثل هذا الفقهاء ، وليس من شأن أهل العلم اللغز به وإشكاله ; وإنما شأنهم إيضاحه وبيانه ، ولذلك أخذ الميثاق عليهم ليبيننه للناس ولا يكتمونه ، والماء لا يخلو تغيره بنجاسة أو بغير نجاسة ، فإن كان بنجاسة وتغير فقد أجمع العلماء على أنه غير طاهر ولا مطهر ، وكذلك أجمعوا أنه إذا تغير بغير نجاسة أنه طاهر على أصله .
وقال الجمهور : إنه غير مطهر إلا أن يكون تغيره من تربة ومأة .
وما أجمعوا عليه فهو الحق الذي لا إشكال فيه ، ولا التباس معه .[ ص: 43 ] الرابعة : الماء المتغير بقراره كزرنيخ أو جير يجري عليه ، أو تغير بطحلب أو ورق شجر ينبت عليه لا يمكن الاحتراز عنه فاتفق العلماء أن ذلك لا يمنع من الوضوء به ، لعدم الاحتراز منه والانفكاك عنه ; وقد روى ابن وهب عن مالك أن غيره أولى منه .الخامسة : قال علماؤنا رحمة الله عليهم : ويكره سؤر النصراني وسائر الكفار والمدمن الخمر ، وما أكل الجيف ; كالكلاب وغيرها .
ومن توضأ بسؤرهم فلا شيء عليه حتى يستيقن النجاسة .
قال البخاري : وتوضأ عمر رضي الله عنه من بيت نصرانية .
ذكر سفيان بن عيينة قال : حدثونا عن زيد بن أسلم عن أبيه قال : لما كنا بالشام أتيت عمر بن الخطاب بماء فتوضأ منه فقال : من أين جئت بهذا الماء ؟
ما رأيت ماء عذبا ولا ماء سماء أطيب منه .
قال : قلت : جئت به من بيت هذه العجوز النصرانية ; فلما توضأ أتاها فقال : ( أيتها العجوز أسلمي تسلمي ، بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم بالحق .
قال : فكشفت عن رأسها ; فإذا مثل الثغامة ، فقالت : عجوز كبيرة ، وإنما أموت الآن !
فقال عمر رضي الله عنه : اللهم اشهد ) .
خرجه الدارقطني ، حدثنا الحسين بن إسماعيل قال : حدثنا أحمد بن إبراهيم البوشنجي قال : حدثنا سفيان .
.
.
فذكره .
ورواه أيضا عن الحسين بن إسماعيل قال : حدثنا خلاد بن أسلم حدثنا سفيان عن زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه توضأ من بيت نصرانية أتاها فقال : أيتها العجوز أسلمي .
.
.
وذكر الحديث بمثل ما تقدم .السادسة : فأما الكلب إذا ولغ في الماء فقال مالك : يغسل الإناء سبعا ولا يتوضأ منه وهو طاهر .
وقال الثوري : يتوضأ بذلك الماء ويتيمم معه .
وهو قول عبد الملك بن عبد العزيز ومحمد بن مسلمة .
وقال أبو حنيفة : الكلب نجس ويغسل الإناء منه لأنه نجس .
وبه قال الشافعي وأحمد وإسحاق .
وقد كان مالك يفرق بين ما يجوز اتخاذه من الكلاب وبين ما لا يجوز اتخاذه منها في غسل الإناء من ولوغه .
وتحصيل مذهبه أنه طاهر عنده لا ينجس ولوغه شيئا ولغ فيه طعاما ولا غيره ; إلا أنه استحب هراقة ما ولغ فيه من الماء ليسارة مؤنته .
وكلب البادية والحاضرة سواء .
ويغسل الإناء منه على كل حال سبعا تعبدا .
هذا ما استقر عليه مذهبه [ ص: 44 ] عند المناظرين من أصحابه .
ذكر ابن وهب قال : حدثنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن عطاء عن أبي هريرة قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحياض التي تكون فيما بين مكة والمدينة ، فقيل له : إن الكلاب والسباع ترد عليها .
فقال : لها ما أخذت في بطونها ولنا ما بقي ، شراب وطهور أخرجه الدارقطني .
وهذا نص في طهارة الكلاب وطهارة ما تلغ فيه .
وفي البخاري عن ابن عمر أن الكلاب كانت تقبل وتدبر في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يرشون شيئا من ذلك .
وقال عمر بحضرة الصحابة لصاحب الحوض الذي سأله عمرو بن العاص : هل ترد حوضك السباع .
فقال عمر : يا صاحب الحوض ، لا تخبرنا فإنا نرد على السباع وترد علينا .
أخرجه مالك والدارقطني .
ولم يفرق بين السباع ، والكلب من جملتها ، ولا حجة للمخالف في الأمر بإراقة ما ولغ فيه وأن ذلك للنجاسة ، وإنما أمر بإراقته لأن النفس تعافه لا لنجاسته ; لأن التنزه من الأقذار مندوب إليه ، أو تغليظا عليهم لأنهم نهوا عن اقتنائها كما قاله ابن عمر والحسن ; فلما لم ينتهوا عن ذلك غلظ عليهم في الماء لقلته عندهم في البادية ، حتى يشتد عليهم فيمتنعوا من اقتنائها .وأما الأمر بغسل الإناء فعبادة ؛ لا لنجاسته كما ذكرناه بدليلين : أحدهما : أن الغسل قد دخله العدد .
الثاني : أنه جعل للتراب فيه مدخل لقوله عليه السلام : وعفروه الثامنة بالتراب .
ولو كان للنجاسة لما كان للعدد ولا للتراب فيه مدخل كالبول .
وقد جعل صلى الله عليه وسلم الهر وما ولغ فيه طاهرا ، والهر سبع لا خلاف في ذلك ; لأنه يفترس ويأكل الميتة ; فكذلك الكلب وما كان مثله من السباع ; لأنه إذا جاء نص ذلك في أحدهما كان نصا في الآخر .
وهذا من أقوى أنواع القياس .
هذا لو لم يكن هناك دليل ; وقد ذكرنا النص على طهارته فسقط قول المخالف .
والحمد لله .[ ص: 45 ] السابعة : ما مات في الماء مما لا دم له فلا يضر الماء إن لم يغير ريحه ; فإن أنتن لم يتوضأ به .
وكذلك ما كان له دم سائل من دواب الماء كالحوت والضفدع لم يفسد ذلك الماء موته فيه ; إلا أن تتغير رائحته ، فإن تغيرت رائحته وأنتن لم يجز التطهر به ولا الوضوء منه ، وليس بنجس عند مالك .
وأما ما له نفس سائلة فمات في الماء ونزح مكانه ولم يغير لونه ولا طعمه ولا ريحه فهو طاهر مطهر سواء كان الماء قليلا أو كثيرا عند المدنيين واستحب بعضهم أن ينزح من ذلك الماء دلاء لتطيب النفس به ، ولا يحدون في ذلك حدا لا يتعدى .
ويكرهون استعمال ذلك الماء قبل نزح الدلاء ، فإن استعمله أحد في غسل أو وضوء جاز إذا كانت حاله ما وصفنا .
وقد كان بعض أصحاب مالك يرى لمن توضأ بهذا الماء وإن لم يتغير أن يتيمم فيجمع بين الطهارتين احتياطا ، فإن لم يفعل وصلى بذلك الماء أجزأه .
وروى الدارقطني عن محمد بن سيرين أن زنجيا وقع في زمزم - يعني فمات - فأمر به ابن عباس رضي الله عنه فأخرج فأمر بها أن تنزح .
قال : فغلبتهم عين جاءتهم من الركن فأمر بها فدسمت بالقباطي والمطارف حتى نزحوها ، فلما نزحوها انفجرت عليهم .
وأخرجه عن أبي الطفيل أن غلاما وقع في بئر زمزم فنزحت .
وهذا يحتمل أن يكون الماء تغير ، والله أعلم .
وروى .
شعبة عن مغيرة عن إبراهيم أنه كان يقول : كل نفس سائلة لا يتوضأ منها ، ولكن رخص في الخنفساء والعقرب والجراد والجدجد إذا وقعن في الركاء فلا بأس به .
قال شعبة : وأظنه قد ذكر الوزغة .
أخرجه الدارقطني ، حدثنا الحسين بن إسماعيل قال : حدثنا محمد بن الوليد قال : حدثنا محمد بن جعفر قال : حدثنا شعبة .
.
.
; فذكره .الثامنة : ذهب الجمهور من الصحابة وفقهاء الأمصار وسائر التابعين بالحجاز والعراق أن ما ولغ فيه الهر من الماء طاهر ، وأنه لا بأس بالوضوء بسؤره ; لحديث أبي قتادة ، أخرجه مالك وغيره .
وقد روي عن أبي هريرة فيه خلاف .
وروي عن عطاء بن أبي رباح وسعيد بن المسيب ومحمد بن سيرين أنهم أمروا بإراقة ماء ولغ فيه الهر وغسل الإناء منه .
واختلف في ذلك عن الحسن .
ويحتمل أن يكون الحسن رأى في فمه نجاسة ليصح مخرج الروايتين عنه .[ ص: 46 ] قال الترمذي لما ذكر حديث مالك : وفي الباب عن عائشة وأبي هريرة ، هذا حديث حسن صحيح ، وهو قول أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين ومن بعدهم ، مثل الشافعي وأحمد وإسحاق ، لم يروا بسؤر الهرة بأسا .
وهذا أحسن شيء في الباب ، وقد جود مالك هذا الحديث عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ، ولم يأت به أحد أتم من مالك .
قال الحافظ أبو عمر : الحجة عند التنازع والاختلاف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد صح من حديث أبي قتادة أنه أصغى لها الإناء حتى شربت .
الحديث .
وعليه اعتماد الفقهاء في كل مصر إلا أبا حنيفة ومن قال بقوله ; فإنه كان يكره سؤره .
وقال : إن توضأ به أحد أجزأه ، ولا أعلم حجة لمن كره الوضوء بسؤر الهرة أحسن من أنه لم يبلغه حديث أبي قتادة ، وبلغه حديث أبي هريرة في الكلب فقاس الهر عليه ، وقد فرقت السنة بينهما في باب التعبد في غسل الإناء ، ومن حجته السنة خاصمته ، وما خالفها مطرح .
وبالله التوفيق .ومن حجتهم أيضا ما رواه قرة بن خالد عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : طهور الإناء إذا ولغ فيه الهر أن يغسل مرة أو مرتين شك قرة .
وهذا الحديث لم يرفعه إلا قرة بن خالد ، وقرة ثقة ثبت .قلت : هذا الحديث أخرجه الدارقطني ، ومتنه : طهور الإناء إذا ولغ فيه الكلب أن يغسل سبع مرات الأولى بالتراب والهر مرة أو مرتين شك قرة .
قال أبو بكر : كذا رواه أبو عاصم مرفوعا ، ورواه غيره عن قرة ( ولوغ الكلب ) مرفوعا و ( ولوغ الهر ) موقوفا .
وروى أبو صالح عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يغسل الإناء من الهر كما يغسل من الكلب قال الدارقطني : لا يثبت هذا مرفوعا ، والمحفوظ من قول أبي هريرة واختلف عنه .
وذكر معمر وابن جريج عن ابن طاوس عن أبيه أنه كان يجعل الهر مثل الكلب .
وعن مجاهد أنه قال في الإناء يلغ فيه السنور قال : اغسله سبع مرات .
قاله الدارقطني .التاسعة : الماء المستعمل طاهر إذا كانت أعضاء المتوضئ به طاهرة ; إلا أن مالكا [ ص: 47 ] وجماعة من الفقهاء الجلة كانوا يكرهون الوضوء به .
وقال مالك : لا خير فيه ، ولا أحب لأحد أن يتوضأ به ، فإن فعل وصلى لم أر عليه إعادة الصلاة ويتوضأ لما يستقبل .
وقال أبو حنيفة والشافعي وأصحابهما : لا يجوز استعماله في رفع الحدث ، ومن توضأ به أعاد ; لأنه ليس بماء مطلق ; ويتيمم واجده لأنه ليس بواجد ماء .
وقال بقولهم في ذلك أصبغ بن الفرج ، وهو قول الأوزاعي .
واحتجوا بحديث الصنابحي خرجه مالك وحديث عمرو بن عنبسة أخرجه مسلم ، وغير ذلك من الآثار .
وقالوا : الماء إذا توضئ به خرجت الخطايا معه ; فوجب التنزه عنه لأنه ماء الذنوب .قال أبو عمر : وهذا عندي لا وجه له ; لأن الذنوب لا تنجس الماء لأنها لا أشخاص لها ولا أجسام تمازج الماء فتفسده ، وإنما معنى قوله : ( خرجت الخطايا مع الماء ) إعلام منه بأن الوضوء للصلاة عمل يكفر الله به السيئات عن عباده المؤمنين رحمة منه بهم وتفضلا عليهم .
وقال أبو ثور وداود مثل قول مالك ، وأن الوضوء بالماء المستعمل جائز ; لأنه ماء طاهر لا ينضاف إليه شيء وهو ماء مطلق .
واحتجوا بإجماع الأمة على طهارته إذا لم يكن في أعضاء المتوضئ نجاسة .
وإلى هذا ذهب أبو عبد الله المروزي محمد بن نصر .
وروي عن علي بن أبي طالب وابن عمر وأبي أمامة وعطاء بن أبي رباح والحسن البصري والنخعي ومكحول والزهري أنهم قالوا فيمن نسي مسح رأسه فوجد في لحيته بللا : إنه يجزئه أن يمسح بذلك البلل رأسه ، فهؤلاء كلهم أجازوا الوضوء بالماء المستعمل .
روى عبد السلام بن صالح حدثنا إسحاق بن سويد عن العلاء بن زياد عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مرضي : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج عليهم ذات يوم وقد اغتسل وقد بقيت لمعة من جسده لم يصبها الماء ، فقلنا : يا رسول الله ، هذه لمعة لم يصبها الماء ; فكان له شعر وارد ، فقال بشعره هكذا على المكان فبله .
أخرجه الدارقطني ، وقال : عبد السلام بن صالح هذا بصري وليس بقوي وغيره من الثقات يرويه عن إسحاق عن العلاء مرسلا ، وهو الصواب .[ ص: 48 ] قلت : الراوي الثقة عن إسحاق بن سويد العدوي عن العلاء بن زياد العدوي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اغتسل .
.
.
; الحديث فيما ذكره هشيم .
قال ابن العربي : مسألة الماء المستعمل إنما تنبني على أصل آخر ، وهو أن الآلة إذا أدي بها فرض هل يؤدى بها فرض آخر أم لا ; فمنع ذلك المخالف قياسا على الرقبة إذا أدي بها فرض عتق لم يصلح أن يتكرر في أداء فرض آخر ; وهذا باطل من القول ، فإن العتق إذا أتى على الرق أتلفه فلا يبقى محل لأداء الفرض بعتق آخر .
ونظيره من الماء ما تلف على الأعضاء فإنه لا يصح أن يؤدى به فرض آخر لتلف عينه حسا كما تلف الرق في الرقبة بالعتق حكما ، وهذا نفيس فتأملوه .العاشرة : لم يفرق مالك وأصحابه بين الماء تقع فيه النجاسة وبين النجاسة يرد عليها الماء ، راكدا كان الماء أو غير راكد ; لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : الماء لا ينجسه شيء إلا ما غلب عليه فغير طعمه أو لونه أو ريحه .
وفرقت الشافعية فقالوا : إذا وردت النجاسة على الماء تنجس ; واختاره ابن العربي .
وقال : من أصول الشريعة في أحكام الماء أن ورود النجاسة على الماء ليس كورود الماء على النجاسة ; لقول النبي صلى الله عليه وسلم : إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده .
فمنع من ورود اليد على الماء وأمر بإيراد الماء عليها ، وهذا أصل بديع في الباب ، ولولا وروده على النجاسة - قليلا كان أو كثيرا - لما طهرت .
وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في بول الأعرابي في المسجد : صبوا عليه ذنوبا من ماء .قال شيخنا أبو العباس : واستدلوا أيضا بحديث القلتين ، فقالوا : إذا كان الماء دون القلتين فحلته نجاسة تنجس وإن لم تغيره ، وإن ورد ذلك القدر فأقل على النجاسة فأذهب عينها بقي الماء على طهارته وأزال النجاسة .
وهذه مناقضة ، إذ المخالطة قد حصلت في الصورتين ، وتفريقهم بورود الماء على النجاسة وورودها عليه فرق صوري ليس فيه من الفقه شيء ، فليس الباب باب التعبدات بل من باب عقلية المعاني ، فإنه [ ص: 49 ] من باب إزالة النجاسة وأحكامها .
ثم هذا كله منهم يرده قوله عليه الصلاة والسلام : الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه .قلت : هذا الحديث أخرجه الدارقطني عن رشدين بن سعد أبي الحجاج عن معاوية بن صالح عن راشد بن سعد عن أبي أمامة الباهلي وعن ثوبان عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وليس فيه ذكر اللون .
وقال : لم يرفعه غير رشدين بن سعد عن معاوية بن صالح وليس بالقوي ، وأحسن منه في الاستدلال ما رواه أبو أسامة عن الوليد بن كثير عن محمد بن كعب عن عبيد الله بن عبد الله بن رافع بن خديج عن أبي سعيد الخدري قال قيل : يا رسول الله ، أنتوضأ من بئر بضاعة ؟
وهي بئر تلقى فيها الحيض ولحوم الكلاب والنتن ; فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الماء طهور لا ينجسه شيء أخرجه أبو داود والترمذي والدارقطني كلهم بهذا الإسناد .
وقال أبو عيسى : هذا حديث حسن ، وقد جود أبو أسامة .
هذا الحديث ولم يرو أحد حديث أبي سعيد في بئر بضاعة أحسن مما روى أبو أسامة .
فهذا الحديث نصي في ورود النجاسة على الماء ، وقد حكم صلى الله عليه وسلم بطهارته وطهوره .
قال أبو داود : سمعت قتيبة بن سعيد قال : سألت قيم بئر بضاعة عن عمقها ; قلت : أكثر ما يكون الماء فيها ؟
قال : إلى العانة .
قلت : فإذا نقص ؟
قال : دون العورة .
قال أبو داود : وقدرت بئر بضاعة بردائي مددته عليها ثم ذرعته فإذا عرضها ستة أذرع ، وسألت الذي فتح لي باب البستان فأدخلني إليه : هل غير بناؤها عما كانت عليه ؟
فقال : لا .
ورأيت فيها ماء متغير اللون .
فكان هذا دليلا لنا على ما ذكرناه ، غير أن ابن العربي قال : إنها في وسط السبخة ، فماؤها يكون متغيرا من قرارها ; والله أعلم .الحادية عشرة : الماء الطاهر المطهر الذي يجوز به الوضوء وغسل النجاسات هو الماء القراح الصافي من ماء السماء والأنهار والبحار والعيون والآبار ، وما عرفه الناس ماء مطلقا غير مضاف إلى شيء خالطه كما خلقه الله عز وجل صافيا ولا يضره لون أرضه على ما بيناه .
وخالف في هذه الجملة أبو حنيفة وعبد الله بن عمرو وعبد الله بن عمر ، فأما أبو حنيفة فأجاز الوضوء بالنبيذ في السفر ، وجوز إزالة النجاسة بكل مائع طاهر ، أما بالدهن والمرق فعنه رواية أنه لا يجوز إزالتها به .
إلا أن أصحابه يقولون : إذا زالت النجاسة به جاز ، وكذلك عنده النار والشمس ، حتى إن جلد الميتة إذا جف في الشمس طهر من غير دباغ .
وكذلك النجاسة على الأرض إذا جفت بالشمس فإنه يطهر ذلك الموضع ، بحيث تجوز الصلاة عليه ، ولكن لا يجوز [ ص: 50 ] التيمم بذلك التراب .
قال ابن العربي : لما وصف الله سبحانه الماء بأنه طهور وامتن بإنزاله من السماء ليطهرنا به دل على اختصاصه بذلك ; وكذلك قال عليه الصلاة والسلام لأسماء بنت الصديق حين سألته عن دم الحيض يصيب الثوب : حتيه ثم اقرصيه ثم اغسليه بالماء .
فلذلك لم يلحق غير الماء بالماء لما في ذلك من إبطال الامتنان ، وليست النجاسة معنى محسوسا حتى يقال كل ما أزالها فقد قام به الغرض ، وإنما النجاسة حكم شرعي عين له صاحب الشرع الماء فلا يلحق به غيره ; إذ ليس في معناه ، ولأنه لو لحق به لأسقطه ، والفرع إذا عاد إلحاقه بالأصل في إسقاطه سقط في نفسه .
وقد كان تاج السنة ذو العز بن المرتضى الدبوسي يسميه فرخ زنى .قلت : وأما ما استدل به على استعمال النبيذ فأحاديث واهية ضعاف لا يقوم شيء منها على ساق ، ذكرها الدارقطني وضعفها ونص عليها .
وكذلك ضعف ما روي عن ابن عباس موقوفا : النبيذ وضوء لمن لم يجد الماء .
في طريقه ابن محرز متروك الحديث .
وكذلك ما روي عن علي أنه قال : لا بأس بالوضوء بالنبيذ .
الحجاج وأبو ليلى ضعيفان .
وضعف حديث ابن مسعود وقال : تفرد به ابن لهيعة وهو ضعيف الحديث .
وذكر عن علقمة بن قيس قال : قلت لعبد الله بن مسعود : أشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد منكم ليلة أتاه داعي الجن ؟
فقال : لا .قلت : هذا إسناد صحيح لا يختلف في عدالة رواته .
وأخرج الترمذي حديث ابن مسعود قال : سألني النبي صلى الله عليه وسلم : ما في إدواتك فقلت : نبيذ .
فقال : ثمرة طيبة وماء طهور .
قال : فتوضأ منه .
قال أبو عيسى : وإنما روي هذا الحديث ، عن أبي زيد عن عبد الله عن [ ص: 51 ] النبي صلى الله عليه وسلم ، وأبو زيد رجل مجهول عند أهل الحديث لا نعرف له رواية غير هذا الحديث ، وقد رأى بعض أهل العلم الوضوء بالنبيذ ، منهم سفيان وغيره ، وقال بعض أهل العلم : لا يتوضأ بالنبيذ ، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق ، وقال إسحاق : إن ابتلي رجل بهذا فتوضأ بالنبيذ وتيمم أحب إلي .
قال أبو عيسى : وقول من يقول لا يتوضأ بالنبيذ أقرب إلى الكتاب والسنة وأشبه ; لأن الله تعالى قال : فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا .
وهذه المسألة مطولة في كتب الخلاف ; وعمدتهم التمسك بلفظ الماء حسبما تقدم في ( المائدة ) بيانه والله أعلم .الثانية عشرة : لما قال الله تعالى : وأنزلنا من السماء ماء طهورا وقال : ليطهركم به توقف جماعة في ماء البحر ; لأنه ليس بمنزل من السماء ، حتى رووا عن عبد الله بن عمر وابن عمرو معا أنه لا يتوضأ به ; لأنه نار ولأنه طبق جهنم .
ولكن النبي صلى الله عليه وسلم بين حكمه حين قال لمن سأله : هو الطهور ماؤه الحل ميتته أخرجه مالك .
وقال فيه أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح .
وهو قول أكثر الفقهاء من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، منهم أبو بكر وعمر وابن عباس ، لم يروا بأسا بماء البحر ، وقد كره بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الوضوء بماء البحر ; منهم ابن عمر وعبد الله بن عمرو ، وقال عبد الله بن عمرو : هو نار .
قال أبو عمر ; وقد سئل أبو عيسى الترمذي عن حديث مالك هذا عن صفوان بن سليم فقال : هو عندي حديث صحيح .
قال أبو عيسى فقلت للبخاري : هشيم يقول فيه ابن أبي برزة .
فقال : وهم فيه ، إنما هو المغيرة بن أبي بردة .
قال أبو عمر : لا أدري ما هذا من البخاري رحمه الله ، ولو كان صحيحا لأخرجه في مصنفه الصحيح عنده ، ولم يفعل لأنه لا يعول في الصحيح إلا على الإسناد .
وهذا الحديث لا يحتج أهل الحديث بمثل إسناده ، وهو عندي صحيح لأن العلماء تلقوه بالقبول له والعمل به ، ولا يخالف في جملته أحد من الفقهاء ، وإنما الخلاف بينهم في بعض معانيه .وقد أجمع جمهور من العلماء وجماعة أئمة الفتوى بالأمصار من الفقهاء : أن البحر طهور ماؤه ، وأن الوضوء به جائز ، إلا ما روي عن عبد الله بن عمر بن الخطاب وعبد الله بن عمرو بن العاص أنهما كرها الوضوء بماء البحر ، ولم يتابعهما أحد من فقهاء الأمصار على ذلك ولا عرج عليه ، ولا التفت إليه لحديث هذا الباب .
وهذا يدلك على اشتهار الحديث عندهم ، وعملهم به وقبولهم له ، وهو أولى عندهم من الإسناد الظاهر الصحة لمعنى ترده الأصول .
وبالله التوفيق .قال أبو عمر : وصفوان بن سليم مولى حميد بن عبد الرحمن بن عوف الزهري ، من عباد [ ص: 52 ] أهل المدينة وأتقاهم لله ، ناسكا ، كثير الصدقة بما وجد من قليل وكثير ، كثير العمل ، خائفا لله ، يكنى أبا عبد الله ، سكن المدينة لم ينتقل عنها ، ومات بها سنة اثنتين وثلاثين ومائة .
ذكر عبد الله بن أحمد بن حنبل قال : سمعت أبي يسأل عن صفوان بن سليم فقال : ثقة من خيار عباد الله وفضلاء المسلمين .
وأما سعيد بن سلمة .
فلم يرو عنه فيما علمت إلا صفوان - والله أعلم - ومن كانت هذه حاله فهو مجهول لا تقوم به حجة عند جميعهم .
وأما المغيرة بن أبي بردة فقيل عنه إنه غير معروف في حملة العلم كسعيد بن سلمة .
وقيل : ليس بمجهول .
قال أبو عمر : المغيرة بن أبي بردة وجدت ذكره في مغازي موسى بن نصير بالمغرب ، وكان موسى يستعمله على الخيل ، وفتح الله له في بلاد البربر فتوحات في البر والبحر .
وروى الدارقطني من غير طريق مالك عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من لم يطهره ماء البحر فلا طهره الله .
قال : إسناده حسن .الثالثة عشرة : قال ابن العربي : توهم قوم أن الماء إذا فضلت للجنب منه فضلة لا يتوضأ به ، وهو مذهب باطل ، فقد ثبت عن ميمونة أنها قالت : أجنبت أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم واغتسلت من جفنة وفضلت فضلة ، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ليغتسل منه فقلت : إني قد اغتسلت منه .
فقال : إن الماء ليس عليه نجاسة ، أو : إن الماء لا يجنب .
قال أبو عمر : وردت آثار في هذا الباب مرفوعة في النهي عن أن يتوضأ الرجل بفضل المرأة .
وزاد بعضهم في بعضها : ولكن ليغترفا جميعا .
فقالت طائفة : لا يجوز أن يغترف الرجل مع المرأة في إناء واحد ; لأن كل واحد منهما متوضئ بفضل صاحبه .
وقال آخرون : إنما كره من ذلك أن تنفرد المرأة بالإناء ثم يتوضأ الرجل بعدها بفضلها .
وكل واحد منهم روى بما ذهب إليه أثرا .
والذي ذهب إليه الجمهور من العلماء وجماعة فقهاء الأمصار أنه لا بأس أن يتوضأ الرجل بفضل المرأة وتتوضأ المرأة من فضله ، انفردت المرأة بالإناء أو لم تنفرد .
وفي مثل هذا آثار كثيرة صحاح .
والذي [ ص: 53 ] نذهب إليه أن الماء لا ينجسه شيء إلا ما ظهر فيه من النجاسات أو غلب عليه منها ; فلا وجه للاشتغال بما لا يصح من الآثار والأقوال .
والله المستعان .روى الترمذي عن ابن عباس قال : حدثتني ميمونة قالت : كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد من الجنابة قال : هذا حديث حسن صحيح .
وروى البخاري عن عائشة قالت : كنت أغتسل أنا والنبي صلى الله عليه وسلم من إناء واحد يقال له الفرق وفي صحيح مسلم عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يغتسل بفضل ميمونة .
وروى الترمذي عن ابن عباس قال : اغتسل بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ، في جفنة فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتوضأ منه فقالت : يا رسول الله ، إني كنت جنبا .
قال : إن الماء لا يجنب .
قال : هذا حديث حسن صحيح ، وهو قول سفيان الثوري ومالك والشافعي .
وروى الدارقطني عن عمرة عن عائشة رضي الله عنها قالت : كنت أتوضأ أنا والنبي صلى الله عليه وسلم من إناء واحد وقد أصابت الهرة منه قبل ذلك .
قال : هذا حديث حسن صحيح .
وروي أيضا عن رجل من بني غفار قال : ، نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن فضل طهور المرأة ، .
وفي الباب عن عبد الله بن سرجس ، وكره بعض الفقهاء فضل طهور المرأة ، وهو قول أحمد وإسحاق .[ ص: 54 ] الرابعة عشرة : روى الدارقطني عن زيد بن أسلم مولى عمر بن الخطاب أن عمر بن الخطاب كان يسخن له الماء في قمقمة ويغتسل به .
قال : وهذا إسناد صحيح .
وروي عن عائشة قالت : دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد سخنت ماء في الشمس .
فقال : لا تفعلي يا حميراء فإنه يورث البرص .
رواه خالد بن إسماعيل المخزومي ، عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ، وهو متروك .
ورواه عمرو بن محمد الأعشم عن فليح عن الزهري عن عروة عن عائشة .
وهو منكر الحديث ، ولم يروه غيره عن فليح ، ولا يصح عن الزهري ; قاله الدارقطني .الخامسة عشرة : كل إناء طاهر فجائز الوضوء منه إلا إناء الذهب والفضة ; لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اتخاذهما .
وذلك - والله أعلم - للتشبه بالأعاجم والجبابرة لا لنجاسة فيهما .
ومن توضأ فيهما أجزأه وضوءه وكان عاصيا باستعمالهما .
وقد قيل : لا يجزئ الوضوء في أحدهما .
والأول أكثر ; قاله أبو عمر .
وكل جلد ذكي فجائز استعماله للوضوء وغير ذلك .
وكان مالك يكره الوضوء في إناء جلد الميتة بعد الدباغ ; على اختلاف من قوله .
وقد تقدم في ( النحل )
تفسير الآيتين 48 و49 أي: هو وحده الذي رحم عباده وأدر عليهم رزقه بأن أرسل الرياح مبشرات بين يدي رحمته وهو المطر فثار بها السحاب وتألف وصار كسفا وألقحته وأدرته بإذن آمرها والمتصرف فيها ليقع استبشار العباد بالمطر قبل نزوله وليستعدوا له قبل أن يفاجئهم دفعة واحدة.
{ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا } يطهر من الحدث والخبث ويطهر من الغش والأدناس، وفيه بركة من بركته أنه أنزله ليحيي به بلدة ميتا فتختلف أصناف النوابت والأشجار فيها مما يأ كل الناس والأنعام.
{ وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا } أي: نسقيكموه أنتم وأنعامكم، أليس الذي أرسل الرياح المبشرات وجعلها في عملها متنوعات، وأنزل من السماء ماء طهورا مباركا فيه رزق العباد ورزق بهائمهم، هو الذي يستحق أن يعبد وحده ولا يشرك معه غيره؟
( وهو الذي أرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته ) يعني المطر ( وأنزلنا من السماء ماء طهورا ) وهو الطاهر في نفسه المطهر لغيره ، فهو اسم لما يتطهر به ، كالسحور اسم لما يتسحر به ، والفطور اسم لما يفطر به ، والدليل عليه ما روينا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في البحر : " هو الطهور ماؤه الحل ميتته " وأراد به المطهر ، فالماء مطهر لأنه يطهر الإنسان من الحدث والنجاسة ، كما قال في آية أخرى : وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ( الأنفال - 11 ) ، فثبت به أن التطهير يختص بالماء .
وذهب أصحاب الرأي إلى أن " الطهور " هو الطاهر ، حتى جوزوا إزالة النجاسة بالمائعات الطاهرة ، مثل الخل وماء الورد والمرق ونحوها .
ولو جاز إزالة النجاسة بها لجاز إزالة الحدث بها .
وذهب بعضهم إلى أن " الطهور " ما يتكرر منه التطهير ، كالصبور اسم لمن يتكرر منه الصبر ، والشكور اسم لمن يتكرر منه الشكر ، وهو قول مالك ، حتى جوز الوضوء بالماء الذي توضأ منه مرة .
وإن وقع في الماء شيء غير طعمه أو لونه أو ريحه هل تزول طهوريته ؟
نظر : إن كان الواقع شيئا لا يمكن صون الماء عنه ، كالطين والتراب وأوراق الأشجار ، لا تزول ، فيجوز الطهارة به كما لو تغير لطول المكث في قراره ، وكذلك لو وقع فيه ما لا يخالطه ، كالدهن يصب فيه فيتروح الماء برائحته يجوز الطهارة به ، لأن تغيره للمجاورة لا للمخالطة .
وإن كان شيئا يمكن صون الماء منه ويخالطه كالخل والزعفران ونحوهما تزول [ طهوريته فلا يجوز الوضوء به .
وإن لم يتغير أحد أوصافه ، ينظر : إن كان الواقع فيه شيئا طاهرا لا تزول ] طهوريته ، فتجوز الطهارة به ، سواء كان الماء قليلا أو كثيرا ، وإن كان الواقع فيه شيئا نجسا ، ينظر : فإن كان الماء قليلا أقل من القلتين ينجس الماء ، وإن كان قدر قلتين فأكثر فهو طاهر يجوز الوضوء به .
والقلتان خمس قرب ، ووزنه خمسمائة رطل ، والدليل عليه ما : أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي ، أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري ، أخبرنا حاجب بن أحمد الطوسي ، حدثنا عبد الرحيم بن المنيب ، أخبرنا جرير عن محمد بن إسحاق ، عن محمد بن جعفر بن الزبير ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر ، عن أبيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه سئل عن الماء يكون في الفلاة وما يرده من الدواب والسباع ؟
فقال : " إذا كان الماء قلتين ليس يحمل الخبث " وهذا قول الشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وجماعة من أهل الحديث : أن الماء إذا بلغ هذا الحد لا ينجس بوقوع النجاسة فيه ما لم يتغير أحد أوصافه .
وذهب جماعة إلى أن الماء القليل لا ينجس بوقوع النجاسة فيه ما لم يتغير طعمه أو لونه أو ريحه ، وهو قول الحسن وعطاء والنخعي والزهري .
واحتجوا بما : أخبرنا أبو القاسم بن عبد الله بن محمد الحنفي ، أخبرنا أبو الحارث طاهر بن محمد الطاهري ، حدثنا أبو محمد الحسن بن محمد بن حكيم ، حدثنا أبو الموجه محمد بن عمرو بن الموجه ، حدثنا صدقة بن الفضل أخبرنا أبو أسامة عن الوليد بن كثير ، عن محمد بن كعب القرظي ، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن رافع بن خديج ، عن أبي سعيد الخدري قال : قيل يا رسول الله أنتوضأ من بئر بضاعة ؟
وهي بئر يلقى فيه الحيض ولحوم الكلاب والنتن ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إن الماء طهور لا ينجسه شيء " .
«وهو الذي أرسل الرياح» وفي قراءة الريح «نُشرا بين يديْ رحمته» متفرقة قدام المطر، وفي قراءة بسكون الشين تخفيفا، وفي أخرى بسكونها ونون مفتوحة مصدر، وفي أخرى بسكونها وضم الموحدة بدل النون: أي مبشرات ومفرد الأولى نشور كرسول والأخيرة بشير «وأنزلنا من السماء ماءً طهورا» مطهرا.
وهو الذي أرسل الرياح التي تحمل السحاب، تبشر الناس بالمطر رحمة منه، وأنزلنا من السماء ماء يُتَطَهَّر به؛ لنخرج به النبات في مكان لا نبات فيه، فيحيا البلد الجدب بعد موات، ونُسْقي ذلك الماء مِن خَلْقِنا كثيرًا من الأنعام والناس.
ثم ذكر - سبحانه - نعمته فى الرياح ، حيث تكون بشيرا بالأمطار التى تحييى الأرض بعد موتها ، فقال - تعالى - : ( وَهُوَ الذي أَرْسَلَ الرياح بُشْرَى بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ) .وبشرا : أى : مبشرات بنزول الغيث المستتبع لمنفعة الخلق .أى : وهو - سبحانه - الذى أرسل - بقدرته - الرياح لتكون بشيرا لعباده بقرب نزول رحمته المتمثلة فى الغيث الذى به حياة الناس والأنعام وغيرهما .قال الجمل : " الرياح " أى : المبشرات وهى الصبا - وتأتى من جهة مطلع الشمس - والجنوب والشمال ، والدبور - وتأتى من ناحية مغرب الشمس - وفى قراءة سبعية : وهو الذى أرسل الريح ..
.
على إرادة الجنس ، و " بشرا " قرىء بسكون الشين وضمها وقرىء - أيضا - نشرا ، أى : متفرقة قدام المطر .وشبيه بهذه الآية قوله - تعال - : ( وَهُوَ الذي يُنَزِّلُ الغيث مِن بَعْدِ مَا قَنَطُواْ وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الولي الحميد ) ثم ذكر - سبحانه - ما ترتب على إرسال الرياح من خير فقال : ( وَأَنزَلْنَا مِنَ السمآء مَآءً طَهُوراً .
.
) .أى : وأنزلنا من السماء ماء طاهرا فى ذاته ، مطهرا لغيره ، سائغا فى شربه ، نافعا للإنسان والحيوان والنبات والطيور وغير ذلك من المخلوقات .ووصف - سبحانه - الماء بالطهور زيادة فى الإشعار بالنعمة وزيادة فى إتمام المنة ، فإن الماء الطهور أهنأ وأنفع مما ليس كذلك .
اعلم أنه تعالى لما بين جهل المعرضين عن دلائل الله تعالى وفساد طريقهم في ذلك ذكر بعده أنواعاً من الدلائل الدالة على وجود الصانع.
النوع الأول: الاستدلال بحال الظل في زيادته ونقصانه وتغيره من حال إلى حال، وفيه مسائل: المسألة الأولى: قوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنه من رؤية العين والثاني: أنه من رؤية القلب يعني العلم، فإن حملناه على رؤية العين فالمعنى أم تر إلى الظل كيف مده ربك وإن كان تخريج لفظه على عادة العرب أفصح وإن حملناه على العلم وهو اختيار الزجاج، فالمعنى ألم تعلم وهذا أولى وذلك أن الظل إذا جعلناه من المبصرات فتأثير قدرة الله تعالى في تمديده غير مرئي بالاتفاق، ولكنه معلوم من حيث إن كل متغير جائز فله مؤثر فحمل هذا اللفظ على رؤية القلب أولى من هذا الوجه.
المسألة الثانية: المخاطب بهذا الخطاب وإن كان هو الرسول عليه السلام بحسب ظاهر اللفظ ولكن الخطاب عام في المعنى، لأن المقصود من الآية بيان نعم الله تعالى بالظل، وجميع المكلفين مشتركون في أنه يجب تنبههم لهذه النعمة وتمكنهم من الاستدلال بها على وجود الصانع.
المسألة الثالثة: الناس أكثروا في تأويل هذه الآية والكلام الملخص يرجع إلى وجهين: الأول: أن الظل هو الأمر المتوسط بين الضوء الخالص وبين الظلمة الخالصة وهو ما بين ظهور الفجر إلى طلوع الشمس، وكذا الكيفيات الحاصلة داخل السقف وأفنية الجدران وهذه الحالة أطيب الأحوال لأن الظلمة الخالصة يكرهها الطبع وينفر عنها الحس، وأما الضوء الخالص وهو الكيفية الفائضة من الشمس فهي لقوتها تبهر الحس البصري وتفيد السخونة القوية وهي مؤذية، فإذن أطيب الأحوال هو الظل ولذلك وصف الجنة به فقال: ﴿ وَظِلّ مَّمْدُودٍ ﴾ وإذا ثبت هذا فنقول إنه سبحانه بين أنه من النعم العظيمة والمنافع الجليلة، ثم إن الناظر إلى الجسم الملون وقت الظل كأنه لا يشاهد شيئاً سوى الجسم وسوى اللون، ونقول الظل ليس أمراً ثالثاً، ولا يعرف به إلا إذا طلعت الشمس ووقع ضوؤها على الجسم زال ذلك الظل فلولا الشمس ووقوع ضوئها على الأجرام لما عرف أن للظل وجوداً وماهية لأن الأشياء إنما تعرف بأضدادها، فلولا الشمس لما عرف الظل، ولولا الظلمة لما عرف النور، فكأنه سبحانه وتعالى لما طلع الشمس على الأرض وزال الظل، فحينئذ ظهر للعقول أن الظل كيفية زائدة على الجسم واللون، فلهذا قال سبحانه: ﴿ ثُمَّ جَعَلْنَا الشمس عَلَيْهِ دَلِيلاً ﴾ أي خلقنا الظل أولاً بما فيه من المنافع واللذات ثم إنا هدينا العقول إلى معرفة وجوده بأن أطلعنا الشمس فكانت الشمس دليلاً على وجود هذه النعمة، ثم قبضناه أي أزلنا الظل لا دفعة بل يسيراً يسيراً فإن كلما ازداد ارتفاع الشمس ازداد نقصان الظل في جانب المغرب، ولما كان الحركات المكانية لا توجد دفعة بل يسيراً يسيراً فكذا زوال الإظلال لا يكون دفعة بل يسيراً يسيراً، ولأن قبض الظل لو حصل دفعة لاختلت المصالح، ولكن قبضها يسيراً يسيراً يفيد معه أنواع مصالح العالم، والمراد بالقبض الإزالة والإعدام هذا أحد التأويلين.
التأويل الثاني: وهو أنه سبحانه وتعالى لما خلق الأرض والسماء وخلق الكواكب والشمس والقمر وقع الظل على الأرض، ثم إنه سبحانه خلق الشمس دليلاً عليه وذلك لأن بحسب حركات الأضواء تتحرك الأظلال فإنهما متعاقبان متلازمان لا واسطة بينهما فبمقدار ما يزداد أحدهما ينقص الآخر، وكما أن المهتدي يهتدي بالهادي والدليل ويلازمه، فكذا الأظلال كأنها مهتدية وملازمة للأضواء فلهذا جعل الشمس دليلاً عليها.
وأما قوله: ﴿ ثُمَّ قبضناه إِلَيْنَا قَبْضاً يَسِيراً ﴾ فأما أن يكون المراد منه انتهاء الأظلال يسيراً يسيراً إلى غاية نقصاناتها، فسمى إزالة الأظلال قبضاً لها أو يكون المراد من قبضها يسيراً قبضها عند قيام الساعة، وذلك بقبض أسبابها وهي الأجرام التي تلقي الأظلال وقوله: ﴿ يَسِيراً ﴾ هو كقوله: ﴿ ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ ﴾ فهذا هو التأويل الملخص.
المسألة الرابعة: وجه الاستدلال به على وجود الصانع المحسن أن حصول الظل أمر نافع للأحياء والعقلاء، وأما حصول الضوء الخالص، أو الظلمة الخالصة، فهو ليس من باب المنافع، فحصول ذلك الظل، إما أن يكون من الواجبات أو من الجائزات، والأول باطل وإلا لما تطرق التغير إليه، لأن الواجب لا يتغير فوجب أن يكون من الجائزات، فلابد له في وجوده بعد العدم، وعدمه بعد الوجود، من صانع قادر مدبر محسن يقدره بالوجه النافع، وما ذاك إلا من يقدر على تحريك الأجرام العلوية وتدبير الأجسام الفلكية وترتيبها على الوصف الأحسن والترتيب الأكمل، وما هو إلا الله سبحانه وتعالى.
فإن قيل: الظل عبارة عن عدم الضوء عما شأنه أن يضيء، فكيف استدل بالأمر العدمي على ذاته، وكيف عده من النعم؟
قلنا: الظل ليس عدماً محضاً، بل هو أضواء مخلوطة بظلم، والتحقيق أن الظل عبارة عن الضوء الثاني وهو أمر وجودي، وفي تحقيقه وبسطه كلام دقيق يرجع فيه إلى كتبنا العقلية.
النوع الثاني: قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ الذي جَعَلَ لَكُمُ اليل لِبَاساً والنوم سُبَاتاً وَجَعَلَ النهار نُشُوراً ﴾ اعلم أنه تعالى شبه الليل من حيث إنه يستر الكل ويغطي باللباس الساتر للبدن، ونبه على ما لنا فيه من النفع بقوله: ﴿ والنوم سُبَاتاً ﴾ والسبات هو الراحة وجعل النوم سباتاً لأنه سبب للراحة قال أبو مسلم: السبات الراحة ومنه يوم السبت لما جرت به العادة من الاستراحة فيه، ويقال للعليل إذا استراح من تعب العلة مسبوت، وقال صاحب الكشاف السبات الموت والمسبوت الميت لأنه مقطوع الحياة قال: وهذا كقوله: ﴿ وَهُوَ الذي يتوفاكم باليل ﴾ وإنما قلنا إن تفسيره بالموت أولى من تفسيره بالراحة، لأن النشور في مقابلته يأباه، قال أبو مسلم: ﴿ وجعل النهار نشوراً ﴾ هو بمعنى الانتشار والحركة كما سمى تعالى نوم الإنسان وفاة، فقال: ﴿ الله يَتَوَفَّى الانفس حِينَ مِوْتِهَا ﴾ والتي لم تمت في منامها كذلك وفق بين القيام من النوم والقيام من الموت في التسمية بالنشور، وهذه الآية مع دلالتها على قدرة الخالق فيها إظهار لنعمه على خلقه، لأن الاحتجاب بستر الليل كم فيه لكثير من الناس من فوائد دينية ودنيوية، والنوم واليقظة شبههما بالموت والحياة، وعن لقمان أنه قال لابنه: كما تنام فتوقظ، كذلك تموت فتنشر.
النوع الثالث: قوله: ﴿ وَهُوَ الذي أَرْسَلَ الرياح بُشْرًاَ بَيْنَ يَدَيْهِ رَحْمَتِهِ ﴾ وقد تقدم تفسيره في سورة الأعراف، ثم فيه مسائل: المسألة الأولى: قرئ (الريح) و(الرياح)، قال الزجاج: وفي (نشراً) خمسة أوجه بفتح النون وبضمها وبضم النون والشين وبالباء الموحدة مع ألف والمؤنث وبشراً بالتنوين، قال أبو مسلم في قرأ (بشراً) أراد جمع بشير مثل قوله تعالى: ﴿ وَمِنْ ءاياته أَن يُرْسِلَ الرياح مبشرات ﴾ وأما بالنون فهو في معنى قوله: ﴿ والناشرات نَشْراً ﴾ وهي الرياح، والرحمة الغيث والماء والمطر.
المسألة الثانية: قوله: ﴿ وَأَنزَلْنَا مِنَ السماء مَاء طَهُوراً ﴾ نص في أنه تعالى ينزل الماء من السماء، لا من السحاب.
وقول من يقول السحاب سماء ضعيف لأن ذاك بحسب الاشتقاق، وأما بحسب وضع اللغة فالسماء اسم لهذا السقف المعلوم فصرفه عنه ترك للظاهر.
المسألة الثالثة: اختلفوا في أن الطهور ما هو؟
قال كثير من العلماء الطهور ما يتطهر به كالفطور ما يفطر به، والسحور ما يتسحر به وهو مروي أيضاً عن ثعلب، وأنكر صاحب الكشاف ذلك، وقال ليس فعول من التفعيل في شيء والطهور على وجهين في العربية: صفة واسم غير صفة فالصفة قولك: ماء طهور كقولك طاهر، والاسم قولك طهور لما يتطهر به كالوضوء والوقود لما يتوضأ به ويوقد به النار.
حجة القول الأول قوله عليه السلام: «التراب طهور المسلم ولو لم يجد الماء عشر حجج» ولو كان معنى الطهور الطاهر لكان معناه التراب طاهر للمسلم وحينئذ لا ينتظم الكلام، وكذا قوله عليه السلام: «طهور إناء أحدكم إذا ولغ الكلب فيه أن يغسله سبعاً» ولو كان الطهور الطاهر لكان معناه طاهر إناء أحدكم وحينئذ لا ينتظم الكلام، ولأنه تعالى قال: ﴿ وَيُنَزّلُ عَلَيْكُم مّن السماء مَاء لّيُطَهّرَكُمْ بِهِ ﴾ فبين أن المقصود من الماء إنما هو التطهر به فوجب أن يكون المراد من كونه طهوراً أنه هو المطهر به لأنه تعالى ذكره في معرض الإنعام، فوجب حمله على الوصف الأكمل ولا شك أن المطهر أكمل من الطاهر.
المسألة الرابعة: اعلم أن الله تعالى ذكر من منافع الماء أمرين: أحدهما: ما يتعلق بالنبات والثاني: ما يتعلق بالحيوان، أما أمر النبات فقوله: ﴿ لّنُحْيِىَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً ﴾ وفيه سؤالات: السؤال الأول: لم قال: ﴿ لّنُحْيِىَ بِهِ بَلْدَةً ﴾ ميتاً ولم يقل ميتة؟
الجواب: لأن البلدة في معنى البلد في قوله: ﴿ فَسُقْنَاهُ إلى بَلَدٍ مَّيّتٍ ﴾ .
السؤال الثاني: ما المراد من حياة البلد وموتها؟
الجواب: الناس يسمون ما لا عمارة فيه من الأرض مواتاً، وسقيها المقتضي لعمارتها إحياء لها.
السؤال الثالث: أن جماعة الطبائعيين وكذا الكعبي من المعتزلة قالوا إن بطبع الأرض والماء وتأثير الشمس فيهما يحصل النبات وتمسكوا بقوله تعالى: ﴿ لّنُحْيِىَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً ﴾ فإن الباء في (به) تقتضي أن للماء تأثيراً في ذلك الجواب: الظاهر وإن دل عليه لكن المتكلمون تركوه لقيام الدلالة على فساد الطبع وأما أمر الحيوان فقوله سبحانه: ﴿ وَنُسْقِيَهِ مِمَّا خَلَقْنَا أنعاما وَأَنَاسِىَّ كَثِيراً ﴾ وفيه سؤالات: السؤال الأول: لم خص الإنسان والأنعام هاهنا بالذكر دون الطير والوحش مع انتفاع الكل بالماء؟
الجواب: لأن الطير والوحش تبعد في طلب الماء فلا يعوزها الشرب بخلاف الأنعام لأنها قنية الأناسي وعامة منافعهم متعلقة بها فكأن الإنعام عليهم بسقي أنعامهم كالإنعام عليهم بسقيهم.
السؤال الثاني: ما معنى تنكير الأنعام والأناسي ووصفهما بالكثرة؟
الجواب: معناه أن أكثر الناس يجتمعون في البلاد القريبة من الأودية والأنهار (ومنافع) المياه فهم في غنية (في شرب المياه عن المطر)، وكثير منهم نازلون في البوادي فلا يجدون المياه للشرب إلا عند نزول المطر وذلك قوله: ﴿ لّنُحْيِىَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً ﴾ يريد بعض بلاد هؤلاء المتباعدين عن مظان الماء ويحتمل في (كثير) أن يرجع إلى قوله: ﴿ وَنُسْقِيَهِ ﴾ لأن الحي يحتاج إلى الماء حالاً بعد حال وهو مخالف للنبات الذي يكفيه من الماء قدر معين، حتى لو زيد عليه بعد ذلك لكان إلى الضرر أقرب، والحيوان يحتاج إليه حالاً بعد حال ما دام حياً.
السؤال الثالث: لم قدم إحياء الأرض وسقي الأنعام على سقي الأناسي الجواب: لأن حياة الأناسي بحياة أرضهم وحياة أنعامهم، فقدم ما هو سبب حياتهم ومعيشتهم على سقيهم لأنهم إذا ظفروا بما يكون سقيا لأرضهم ومواشيهم فقد ظفروا أيضاً بسقياهم وأيضاً فقوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ صرفناه بَيْنَهُمْ ﴾ يعني صرف المطر كل سنة إلى جانب آخر، وإذا كان كذلك فلا يسقي الكل منه بل يسقي كل سنة أناسي كثيراً منه.
السؤال الرابع: ما الأناسي؟
الجواب: قال الفراء والزجاج: الإنسي والأناسي كالكرسي والكراسي، ولم يقل كثيرين لأنه قد جاء فعيل مفرداً ويراد به الكثرة كقوله: ﴿ وَقُرُوناً بَيْنَ ذلك كَثِيراً ﴾ ﴿ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً ﴾ .
واعلم أن الفقهاء قد استنبطوا أحكام المياه من قوله تعالى: ﴿ وَأَنزَلْنَا مِنَ السماء مَاء طَهُوراً ﴾ ونحن نشير إلى معاقد تلك المسائل فنقول هاهنا نظران: أحدهما: أن الماء مطهر والثاني: أن غير الماء هل هو مطهر أم لا؟
النظر الأول: أن نقول الماء إما أن لا يتغير أو يتغير القسم الأول وهو الذي لا يتغير فهو طاهر في ذاته مطهر لغيره، إلا الماء المستعمل فإنه عند الشافعي طاهر وليس بمطهر، وقال مالك والثوري يجوز الوضوء به، وقال أبو حنيفة في رواية أبي يوسف إنه نجس فهاهنا مسائل: المسألة الأولى: في بيان أنه ليس بمطهر، ودليلنا قوله عليه السلام: «لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب» ولو بقي الماء كما كان طاهراً مطهراً لما كان للمنع منه معنى، ومن وجه القياس أن الصحابة كانوا يتوضؤون في الأسفار وما كانوا يجمعون تلك المياه مع علمهم باحتياجهم بعد ذلك إلى الماء، ولو كان ذلك الماء مطهراً لحملوه ليوم الحاجة، واحتج مالك بالآية والخبر والقياس.
أما الآية فمن وجهين: الأول: قوله تعالى: ﴿ وَأَنزَلْنَا مِنَ السماء مَاء طَهُوراً ﴾ وقوله: ﴿ وَيُنَزّلُ عَلَيْكُم مّن السماء مَاء لّيُطَهّرَكُمْ بِهِ ﴾ فدلت الآية على حصول وصف المطهرية للماء، والأصل في الثابت بقاؤه، فوجب الحكم ببقاء هذه الصفة للماء بعد صيرورته مستعملاً، وأيضاً قوله: ﴿ طَهُوراً ﴾ يقتضي جواز التطهر به مرة بعد أخرى والثاني: أنه أمر بالغسل مطلقاً في قوله: ﴿ فاغسلوا ﴾ واستعمال كل المائعات غسل، لأنه لا معنى للغسل إلا إمرار الماء على العضو، قال الشاعر: فياحسنها إذ يغسل الدمع كحلها *** فمن اغتسل بالماء المستعمل فقد أتى بالغسل، فوجب أن يكون مجزئاً له لأنه أتى بما أمر به فوجب أن يخرج عن العهدة وأما السنة فما روي أنه عليه السلام توضأ فمسح رأسه بفضل ما في يده وعنه عليه السلام: أنه توضأ فأخذ من بلل لحيته فمسح به رأسه وعن ابن عباس أنه عليه السلام: اغتسل فرأى لمعة في جسده لم يصبها الماء، فأخذ شعرة عليها بلل فأمرها على تلك اللمعة وأما القياس فإنه ماء طاهر لقي جسداً طاهراً فأشبه ما إذا لقي حجارة أو حديداً، وكذا الماء المستعمل في الكرة الرابعة والمستعمل في التبرد والتنظيف، ولأنه لا خلاف أنه إذا وضع الماء على أعلى وجهه وسقط به فرض ذلك الموضع، ثم نزل ذلك الماء بعينه إلى بقية الوجه فإنه يجزيه مع أن ذلك الماء صار مستعملاً في أعلى الوجه.
المسألة الثانية: الدليل على أن الماء المستعمل طاهر قوله تعالى: ﴿ وَأَنزَلْنَا مِنَ السماء مَاء طَهُوراً ﴾ ومن السنة أنه عليه السلام: أخذ من بلل لحيته ومسح به رأسه، وقال: «خلق الماء طهوراً لا ينجسه شيء إلا ما غير طعمه أو ريحه أو لونه».
وقال الشافعي: إنه عليه السلام توضأ ولا شك أنه أصابه ما تساقط منه، ولم ينقل أنه غير ثوبه ولا أنه غسله، ولا أحد من المسلمين فعل ذلك، فثبت أنهم أجمعوا على أنه ليس بنجس، ولأنه ماء طاهر لقي جسماً طاهراً فأشبه ما إذا لاقى حجارة.
المسألة الثالثة: الماء المستعمل إما أن يكون مستعملاً في أعضاء الوضوء أو في غسل الثياب، أما المستعمل في أعضاء الوضوء فإما أن يكون مستعملاً فيما كان فرضاً وعبادة، أو فيما كان فرضاً ولا يكون عبادة، أو فيما كان عبادة ولا يكون فرضاً، أو فيما لا يكون فرضاً ولا عبادة.
أما القسم الأول: وهو المستعمل فيما كان فرضاً وعبادة فهو غير مطهر باتفاق أصحاب الشافعي.
وأما القسم الثاني: فهو كالماء الذي استعملته الذمية التي تحت الزوج المسلم، أي في غسل حيضها ليحل للزوج غشيانها.
وأما القسم الثالث: فهو كالماء المستعمل في الكرة الثانية والثالثة، والماء المستعمل في تجديد الوضوء، والماء المستعمل في الأغسال المسنونة، فلأصحاب الشافعي في هذين القسمين وجهان: وأما القسم الرابع: فهو كالماء المستعمل في الكرة الرابعة، وفي التبرد والتنظف، فذاك باتفاق أصحاب الشافعي غير مستعمل، وهو طاهر مطهر، أما الماء المستعمل في غسل الثياب، فإذا غسل ثوباً من نجاسة وطهر بغسلة واحدة، يستحب أن يغسله ثلاثاً فالمنفصل في الكرة الثانية والثالثة مطهر على الأصح القسم الثاني: الماء الذي يتغير فنقول الماء إذا تغير، فإما أن يتغير بنفسه أو بغيره، أما الأول فكالمتغير بطول المكث فيجوز الوضوء به، لأنه عليه السلام كان يتوضأ من بئر (قضاعة)، وكان ماؤها كأنه نقاعة الحناء، وأما المتغير بسبب غيره فذلك الغير إما أن لا يكون متصلاً به أو يكون متصلاً به.
أما الذي لا يكون متصلاً به فهو كما لو وقع بقرب الماء جيفة فصار الماء منتناً بسببها فهو أيضاً مطهر، وأما إذا تغير بسبب شيء متصل به فذلك المتصل إما أن يكون طاهراً أو نجساً القسم الأول: إذا كان طاهراً فهو إما أن لا يخالطه أو يخالطه، فإن لم يخالطه فهو كالماء المتغير بسبب وقوع الدهن والطيب والعود والعنبر والكافور الصلب فيه وهذا أيضاً مطهر كما لو كان بقرب الماء جيفة، ولأن الطهورية ثبتت بقوله: ﴿ وَأَنزَلْنَا مِنَ السماء مَاء طَهُوراً ﴾ والأصل في الثابت بقاؤه، وأما المتغير بسبب شيء يخالطه، فذلك المخالط إما أن لا يمكن صون الماء عنه أو يمكن، أما الذي لا يمكن فكالمتغير بالتراب والحمأة والأوراق التي تقع فيه والطحلب الذي يتولد فيه، وهذا أيضاً مطهر، لأن الطهورية ثبتت بالآية والاحتراز عن ذلك عسير، فيكون مرفوعاً لقوله: ﴿ مَّا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي الدين مِنْ حَرَجٍ ﴾ وكذا لو جرى الماء في طريقه على معدن زرنيخ أو نورة أو كحل أو وقع شيء منها فيه أو نبع من معادنها، أما إذا تغير الماء بسبب مخالطة ما يستغني الماء عن جنسه نظر إن كان التغير قليلاً، بحيث لا يضاف الماء إليه بأن وقع فيه زعفران فاصفر قليلاً، أو دقيق فابيض قليلاً، جاز الوضوء به على الصحيح من المذهب، لأنه لم يسلبه إطلاق اسم الماء، وأما إن كان التغير كثيراً فإن استحدث اسماً جديداً كالمرقة لم يجز الوضوء به بالاتفاق، وإن لم يستحدث اسماً جديدا فعند الشافعي لا يجوز الوضوء به، وعند أبي حنيفة يجوز.
حجة الشافعي من وجوه: أحدها: أنه عليه السلام توضأ ثم قال: «هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به» فذلك الوضوء إن كان واقعاً بالماء المتغير وجب أن لا يجوز إلا به، وبالاتفاق ليس الأمر كذلك، فثبت أنه كان بماء غير متغير وهو المطلوب.
وثانيها: أنه إذا اختلط ماء الورد بالماء ثم توضأ الإنسان به، فيحتمل أن بعض الأعضاء قد انغسل بماء الورد دون الماء، وإذا كان كذلك فقد وقع الشك في حصول الوضوء وكان تيقن الحدث قائماً، والشك لا يعارض اليقين فوجب أن يبقى على الحدث، بخلاف ما إذا كان قليلاً لا يظهر أثره فإنه صار كالمعدوم، أما إذا ظهر أثره علمنا أنه باق فيتوجه ما ذكرناه.
وثالثها: أن الوضوء تعبد لا يعقل معناه، فإنه لو توضأ بماء الورد لا يصح وضوؤه ولو توضأ بالماء الكدر المتعفن صح وضوؤه.
وما لا يعقل معناه وجب الاقتصار فيه على مورد النص وترك القياس.
حجة أبي حنيفة وجوه: أحدها: قوله تعالى: ﴿ وَأَنزَلْنَا مِنَ السماء مَاء طَهُوراً ﴾ دلت الآية على كون الماء مطهراً والأصل في الثابت بقاؤه، فوجب بقاء هذه الصفة بعد التغير بالمخالطة.
وثانيها: قوله تعالى: ﴿ فاغسلوا ﴾ أمر بمطلق الغسل وقد أتى به فوجب أن يخرج عن العهدة وقد بينا تقرير هذا الوجه فيما تقدم.
وثالثها: قوله تعالى: ﴿ فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ ﴾ علق جواز التيمم بعدم وجدان الماء وواجد هذا الماء المتغير واجد للماء لأن الماء المتغير ماء مع صفة التغير، والموصوف موجود حال وجود الصفة، فوجب أن لا يجوز له التيمم.
ورابعها: قوله عليه السلام في البحر: «هو الطهور ماؤه» ظاهره يقتضي جواز الطهارة به وإن خالطه غيره، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أطلق ذلك.
وخامسها: أنه عليه السلام أباح الوضوء بسؤر الهرة وسؤر الحائض وإن خالطه شيء من لعابهما.
وسادسها: لا خلاف في الوضوء بماء المدر والسيول مع تغير لونه بمخالطة الطين وما يكون في الصحارى من الحشيش والنبات، ومن أجل مخالطة ذلك له يرى تارة متغيراً إلى السواد وأخرى إلى الحمرة والصفرة فصار ذلك أصلاً في جميع ما خالط الماء إذا لم يغلب عليه فيسلبه اسم الماء القسم الثاني: إذا كان المخالط للماء شيئاً نجساً فمن الناس من زعم أن الماء لا ينجس ما لم يتغير بالنجاسة سواء كان قليلاً أو كثيراً وهو قول الحسن البصري والنخعي ومالك وداود، وإليه مال الشيخ الغزالي في كتاب الإحياء، وقال أبو بكر الرازي مذهب أصحابنا أن كل ما تيقنا فيه جزأ من النجاسة أو غلب على الظن ذلك لم يجز استعماله ولا يختلف على هذا الحد ماء البحر وماء البئر والغدير والراكد والجاري، لأن ماء البحر لو وقعت فيه نجاسة لم يجز استعمال الماء الذي فيه النجاسة وكذلك الماء الجاري، وأما اعتبار أصحابنا للغدير الذي إذا حرك أحد طرفيه لم يتحرك الطرف الآخر، فإنما هو كلام في جهة تغليب الظن في بلوغ النجاسة الواقعة في أحد طرفيه إلى الطرف الآخر، وليس هو كلامنا في أن بعض المياه الذي فيه النجاسة قد يجوز استعمالها، وبعضها لا يجوز استعماله هذا كله كلام أبي بكر وأقول: من الناس من فرق بين القليل والكثير فعن عبدالله بن عمر: إذا كان الماء أربعين قلة لم ينجسه شيء وعن ابن عباس رضي الله عنهما: الحوض لا يغتسل فيه جنب إلا أن يكون فيه أربعون غرباً وهو قول محمد بن كعب القرظي، وقال مسروق وابن سيرين: إذا كان الماء كثيراً لا ينجسه شيء، وقال سعيد بن جبير: الماء الراكد لا ينجسه شيء إذا كان قدر ثلاث قلال وقال الشافعي: إذا كان الماء قلتين بقلال هجر لم ينجسه إلا ما غير طعمه أو ريحه أو لونه، وإن كان أقل ينجس لظهور النجاسة فيه.
واعلم أنه يمكن التمسك لنصرة قول مالك بوجوه: أحدها: قوله تعالى: ﴿ وَأَنزَلْنَا مِنَ السماء مَاء طَهُوراً ﴾ ترك العمل به في الماء الذي تغير لونه أو طعمه أو ريحه لظهور النجاسة فيه فيبقى فيما عداه على الأصل.
وثانيها: قوله عليه السلام: «خلق الله الماء طهوراً لا ينجسه شيء إلا ما غير طعمه أو لونه أو ريحه» وهو نص في الباب.
وثالثها: قوله تعالى: ﴿ فاغسلوا وُجُوهَكُمْ ﴾ المتوضئ بهذا الماء قد غسل وجهه فيكون آتياً بما أمر به فيخرج عن العهدة.
ورابعها: أن من شأن كل مختلطين كان أحدهما غالباً على الآخر أن يتكيف المغلوب بكيفية الغالب فالقطرة من الخل لو وقعت في الماء الكثير بطلت صفة الخلية عنها واتصفت بصفة الماء، وكون أحدهما غالباً على الآخر إنما يعرف بغلبة الخواص والآثار المحسوسة وهي الطعم أو اللون أو الريح، فلا جرم مهما ظهر طعم النجاسة أو لونها أو ريحها كانت النجاسة غالبة على الماء وكان الماء مستهلكاً فيها، فلا جرم يغلب حكم النجاسة فإذا لم يظهر شيء من ذلك كان الغالب هو الماء وكانت النجاسة مستهلكة فيه فيغلب حكم الطهارة.
وخامسها: ما روي عن عمر (أنه) توضأ من جرة نصرانية، مع أن نجاسة أواني النصارى معلومة بظن قريب من العلم، وذلك يدل على أن عمر لم يعول إلا على عدم التغير.
وسادسها: أن تقدير الماء بمقدار معلوم ولو كان معتبراً كالقلتين عند الشافعي وعشر في عشر عند أبي حنيفة رضي الله عنه لكان أولى المواضع بالطهارة مكة والمدينة لأنه لا تكثر المياه هناك لا الجارية وإلا الراكدة الكثيرة ومن أول عصر الرسول صلى الله عليه وسلم إلى آخر عصر الصحابة لم ينقل أنهم خاضوا في تقدير المياه بالمقادير المعينة، ولا أنهم سألوا عن كيفية حفظ المياه عن النجاسات وكانت أواني مياههم يتعاطاها الصبيان والإماء الذين لا يحترزون عن النجاسات.
وسابعها: إصغاء رسول الله صلى الله عليه وسلم الإناء للهرة وعدم منعهم الهرة من شرب الماء من أوانيهم بعد أن كانوا يرون أنه تأكل الفأرة ولم يكن في بلادهم حياض تلغ السنانير فيها وكانت لا تنزل إلى الآبار.
وثامنها: أن الشافعي نص على أن غسالة النجاسات طاهرة إذا لم تتغير ونجسة إذا تغيرت، وأي فرق بين أن يلاقي الماء النجاسة بالورود عليها أو بورودها عليه؟
وأي معنى لقول القائل إن قوة الورود تدفع النجاسة مع أن قوة الورود لم تمنع المخالطة.
وتاسعها: أنهم كانوا يستنجون على أطراف المياه الجارية القليلة، ولا خلاف أن مذهب الشافعي إذا وقع بول في ماء جار ولم يتغير أنه يجوز الوضوء به وإن كان قليلاً، وأي فرق بين الجاري والراكد؟
وليت شعري الحوالة على عدم التغير أولى أو على قوة الماء بسبب الجريان؟.
وعاشرها: إذا وقع بول في قلتين ثم فرقتا فكل كوز يؤخذ منه فهو ظاهر على قول الشافعي ومعلوم أن البول منتشر فيه وهو قليل، فأن فرق بينه إذا وقع ذلك القليل في ذلك القدر من الماء ابتداء، وبينه إذا وصل إليه عند اتصال غيره به؟
وحادي عشرها: أن الحمامات لم تزل في الأعصار الخالية يتوضأ فيها المتقشفون ويغمسون الأيدي والأواني في ذلك القليل من الماء من تلك الحياض مع علمهم بأن الأيدي الطاهرة والنجسة كانت تتوارد عليها ولو كان التقدير بالقلتين معتبراً لاشتهر ذلك ولبلغ ذلك إلى حد التواتر، لأن الأمر الذي تشتد حاجة الجمهور إليه يجب بلوغ نقله إلى حد التواتر لما لم يكن كذلك علمنا أنه غير معتبر وثاني عشرها: أنا لو حكمنا بنجاسة الماء فلا يمكننا أن نحكم بنجاسة الماء إن كان في غاية الكثرة مثل ماء الأودية العظيمة والغدران الكبار، فإن ذلك بالإجماع باطل، فلابد من التقدير بمقدار معين، وقد نقلنا عن الناس تقديرات مختلفة فليس بعضها أولى من بعض فوجب التعارض والتساقط، أما تقدير أبي حنيفة بعشر في عشر فمعلوم أنه مجرد تحكم، وأما تقدير الشافعي بالقلتين بناء على قوله عليه السلام: «إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثاً» فضعيف أيضاً لأن الشافعي لما روى هذا الخبر، قال أخبرني رجل فيكون الراوي مجهولاً، ويكون الحديث مرسلاً وهو عنده ليس بحجة، وأيضاً زعم كثير من المحدثين أنه موقوف على ابن عمر رضي الله عنه، سلمنا صحة الرواية لكنه إحالة مجهول على مجهول لأن القلة غير معلومة فإنها تصلح للكوز والجرة ولكل ما نقل باليد، وهو أيضاً اسم لهامة الرجل ولقلة الجبل، سلمنا كون القلة معلومة لكن في متن الخبر اضطراب فإنه روي إذا بلغ الماء قلتين، وروي إذا بلغ قلة، وروي أربعين قلة، وروي إذا بلغ قلتين أو ثلاثاً، وروي إذا بلغ كوزين سلمنا صحة المتن ولكنه متروك الظاهر لأن قوله لم يحمل خبثاً لا يمكن إجراؤه على ظاهره، فإن الخبث إذا ورد عليه فقد حمله، سلمنا إمكان إجرائه على ظاهره لكن الخبث على قسمين خبث شرعي وخبث حقيقي، والاسم إذا دار بين المسمى اللغوي والمسمى الشرعي، كان حمله على المسمى اللغوي أولى، لأن الاسم حقيقة في المسمى اللغوي مجاز في المسمى الشرعي، دفعاً للاشتراك والنقل، وإذا كان كذلك وجب حمله عليه، والمسمى اللغوي للخبث المستقذر بالطبع قال عليه السلام: «ما استخبثته العرب فهو حرام» إذا ثبت هذا فنقول: معنى قوله لم يحمل خبثاً أي لا يصير مستقذراً طبعاً، ونحن نقول بموجبه لكن لم قلت إنه لا ينجس شرعاً، سلمنا أن المراد من الخبث النجاسة الشرعية لكن قوله لم يحمل خبثاً أي يضعف عن حمله ومعنى الضعف تأثره به، فيكون هذا دليلاً على صيرورته نجساً لا على بقائه طاهراً.
لا يقال: الجواب عن هذه الأسئلة أن يقال إن الشافعي وإن لم يذكر اسم الراوي في بعض المواضع فقد ذكره في سائر المواضع فخرج عن كونه مرسلاً، ولأن سائر المحدثين قد عينوا اسم الراوي.
قوله إنه موقوف على ابن عمر، قلنا لا نسلم فإن يحيى بن معين قال إنه جيد الإسناد فقيل له إن ابن علية وقفه على ابن عمر، فقال إن كان ابن علية وقفه فحماد بن سلمة رفعه وقوله القلة مجهولة قلنا لا نسلم لأن ابن جريج قال في روايته بقلال هجر.
ثم قال: وقد شاهدت قلال هجر فكانت القلة تسع قربتين أو قربتين وشيئاً.
قوله في متنه اضطراب قلنا لا نسلم لأنا وأنتم توافقنا على أن سائر المقادير غير معتبرة فيبقى ما ذكرناه معتبراً.
قوله إنه متروك الظاهر قلنا إذا حملناه على الخبث الشرعي اندفع ذلك، وذلك أولى لأن حمل كلام الشرع على الفائدة الشرعية أولى من حمله على المعنى العقلي، لا سيما وفي حمله على المعنى العقلي يلزم التعطيل، قوله المراد أنه يضعف عن حمله قلنا صح في بعض الروايات أنه قال: «إذا كان الماء قلتين لم ينجس»، ولأنه عليه السلام جعل القلتين شرطاً لهذا الحكم، والمعلق على الشرط عدم عند عدم الشرط وعلى ما ذكروه لا يبقى للقلتين فائدة لأنا نقول: لا شك أن هذا الخبر بتقدير الصحة يقتضي تخصيص عموم قوله تعالى: ﴿ وَأَنزَلْنَا مِنَ السماء مَاء طَهُوراً ﴾ وعموم قوله: ﴿ ولكن يُرِيدُ لِيُطَهّرَكُمْ ﴾ وعموم قوله: ﴿ فاغسلوا وُجُوهَكُمْ ﴾ وعموم قوله صلى الله عليه وسلم: «خلق الماء طهوراً لا ينجسه شيء» وهذا المتخصص لابد وأن يكون بعيداً عن الاحتمال والاشتباه وقلال هجر مجهولة وقول ابن جريج القلة تسع قربتين أو قربتين وشيئاً ليس بحجة، لأن القلة كما أنها مجهولة فكذا القربة مجهولة فإنها قد تكون كبيرة، وقد تكون صغيرة، ولأن الروايات أيضاً مختلفة فتارة قال إذا بلغ الماء قلتين، وتارة أربعين قلة، وتارة كرين فإذا تدافعت وتعارضت لم يجز تخصيص عموم الكتاب والسنة الظاهرة البعيدة عن الاحتمال بمثل هذا الخبر.
هذا تمام الكلام في نصرة قول مالك، واحتج من حكم بنجاسة الماء الذي تقع النجاسة فيه بوجوه: أولها: قوله تعالى: ﴿ وَيُحَرّمُ عَلَيْهِمُ الخبئث ﴾ والنجاسات من الخبائث، وقال تعالى: ﴿ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الميتة والدم ﴾ ، وقال في الخمر: ﴿ رِجْسٌ مّنْ عَمَلِ الشيطان فاجتنبوه ﴾ ومر عليه السلام بقبرين فقال: «إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير إن أحدهما كان لا يستبرئ من البول والآخر كان يمشي بالنميمة» فحرم الله هذه الأشياء تحريماً مطلقاً، ولم يفرق بين حال انفرادها واختلاطها بالماء، فوجب تحريم استعمال كل ما يبقى فيه جزء من النجاسة أكثر ما في الباب أن الدلائل الدالة على كون الماء مطهراً تقتضي جواز الطهارة به، ولكن تلك الدلائل مبيحة والدلائل التي ذكرناها حاظرة والمبيح والحاظر إذا اجتمعا فالغلبة للحاظر، ألا ترى أن الجارية بين رجلين لو كان لأحدهما منها مائة جزء وللآخر جزء واحد، أن جهة الحظر فيها أولى من جهة الإباحة، وأنه غير جائز لواحد منهما وطؤها فكذا هاهنا.
وثانيها: قوله عليه السلام: لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل فيه من الجنابة ذكره على الإطلاق من غير فرق بين القليل والكثير.
وثالثها: قوله عليه السلام: «إذا استيقظ أحدكم من منامه فليغسل يده ثلاثاً قبل أن يدخلها الإناء فإنه لا يدري أين باتت يده» فأمر بغسل اليد احتياطاً من نجاسة قد أصابته من موضع الاستنجاء، ومعلوم أن مثلها إذا أدخلت الماء لم تغيره ولولا أنها تفسده ما كان للأمر بالاحتياط منها معنى.
ورابعها: قوله عليه السلام: «إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثاً» يدل بمفهومه على أنه إذا لم يبلغ قلتين وجب أن يحمل الخبث.
أجاب مالك عن الوجه الأول فقال لا نزاع في أنه يحرم استعمال النجاسة ولكن الجزء القليل من النجاسة المائعة إذا وقع في الماء لم يظهر فيه لونه ولا طعمه ولا رائحته، فلم قلتم إن تلك النجاسة بقيت، ولم لا يجوز أن يقال إنها انقلبت عن صفتها؟
وتقريره ما قدمناه.
وأما قوله عليه السلام: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم» فلم قلتم إن هذا النهي ليس إلا لما ذكرتموه، بل لعل النهي إنما كان لأنه ربما شربه إنسان وذلك مما ينفر طبعه عنه، وليس الكلام في نفرة الطبع، وأما قوله: إذا استيقظ أحدكم من منامه فليغسل يده ثلاثاً فقد أجمعنا على أن هذا الأمر استحباب، فالمرتب عليه كيف يكون أمر إيجاب ثم بتقدير أن يكون أمر إيجاب، فلم قلتم إنه لم يوجه ذلك الإيجاب إلا لما ذكرتموه؟
وأما قوله عليه السلام: «إذا بلغ الماء قلتين» فقد سبق الكلام عليه، ثم بعد النزول عن كل ما قلناه فهو تمسك بالمفهوم والنصوص التي ذكرناها منطوقة والمنطوق راجح على المفهوم، والله أعلم.
النظر الثاني: في أن غير الماء هل هو طهور أم لا؟
فقال الأصم والأوزاعي يجوز الوضوء بجميع المائعات، وقال أبو حنيفة يجوز الوضوء بنبيذ التمر في السفر، وقال أيضاً تجوز إزالة النجاسة بجميع المائعات التي تزيل أعيان النجاسات، وقال الشافعي رضي الله عنه الطهورية مختصة بالماء على الإطلاق ودليله في صورة الحدث قوله تعالى: ﴿ فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ ﴾ أوجب التيمم عند عدم الماء، ولو جاز الوضوء بالخل أو نبيذ التمر لما وجب التيمم عند عدم الماء، وأما في صورة الخبث، فلأن الخل لو أفاد طهارة الخبث لكان طهوراً لأنه لا معنى للطهور إلا المطهر ولو كان طهوراً لوجب أن يجوز به طهارة الحدث لقوله عليه السلام: «لا يقبل الله صلاة أحدكم حتى يضع الطهور مواضعه» وكلمة (حتى) لانتهاء الغاية فوجب انتهاء عدم القبول عند استعمال الطهور وانتهاء عدم القبول يكون بحصول القبول، فلو كان الخل طهوراً لحصل باستعماله قبول الصلاة، وحيث لم يحصل علمنا أن الطهورية في الخبث أيضاً مختصة بالماء.
<div class="verse-tafsir"
قرئ: ﴿ الريح ﴾ و ﴿ الرياح نشرا ﴾ : إحياء.
ونشرا: جمع نشور، وهي المحيية.
ونشرا: تخفيف نشر، وبشرا تخفيف بشر: جمع بشور وبشرى.
و ﴿ بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ ﴾ استعارة مليحة، أي: قدام المطر ﴿ طَهُوراً ﴾ بليغاً في طهارته.
وعن أحمد بن يحيى هو ما كان طاهراً في نفسه مطهراً لغيره، فإن كان ما قاله شرحاً لبلاغته في الطهارة كان سديداً.
ويعضده قوله تعالى: ﴿ وَيُنَزّلُ عَلَيْكُم مّن السماء مَاء لّيُطَهّرَكُمْ بِهِ ﴾ [الأنفال: 11] وإلاّ فليس (فعول) من التفعيل في شيء.
والطهور على وجهين في العربية: صفة، واسم غير صفة؛ فالصفة قولك: ماء طهور، كقولك: طاهر، والاسم قولك لما يتطهر به: طهور، كالوضوء والوقود، لما يتوضأ به وتوقد به النار.
وقولهم: تطهرت طهوراً حسناً، كقولك: وضوأً حسناً، ذكره سيبويه ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: «لا صلاة إلاّ بطهور» أي: طهارة.
فإن قلت: ما الذي يزيل عن الماء اسم الطهور؟
قلت: تيقن مخالطة النجاسة أو غلبتها على الظنّ، تغير أحد أوصافه الثلاثة أو لم يتغير.
أو استعماله في البدن لأداء عبادة عند أبي حنيفة وعند مالك بن أنس رضي الله عنهما: ما لم يتغير أحد أوصافه فهو طهور.
فإن قلت: فما تقول في قوله صلى الله عليه وسلم حين سئل عن بئر بضاعة فقال: «الماء طهور لا ينجسه شيء إلاّ ما غير لونه أو طعمه أو ريحه» ؟
قلت: قال الواقدي: كان بئر بضاعة طريقاً للماء إلى البساتين.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَهُوَ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ ﴾ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ عَلى التَّوْحِيدِ إرادَةً لِلْجِنْسِ.
( نُشْرًا ) ناشِراتٍ لِلْحِسابِ جَمْعُ نُشُورٍ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِالسُّكُونِ عَلى التَّخْفِيفِ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِهِ وبِفَتْحِ النُّونِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ وعاصِمٌ ( بُشْرًا ) تَخْفِيفُ بَشَّرَ جَمْعُ بَشُورٍ بِمَعْنى مُبَشِّرٍ ﴿ بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ﴾ يَعْنِي قُدّامَ المَطَرِ.
﴿ وَأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُورًا ﴾ مُطَهِّرًا لِقَوْلِهِ ﴿ لِيُطَهِّرَكم بِهِ ﴾ .
وهو اسْمٌ لِما يُتَطَهَّرُ بِهِ كالوَضُوءِ والوَقُودِ لِما يُتَوَضَّأُ بِهِ ويُوقَدُ بِهِ.
قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «التُّرابُ طَهُورُ المُؤْمِنِ»، «طَهُورُ إناءِ أحَدِكم إذا ولَغَ الكَلْبُ فِيهِ أنْ يُغْسَلَ سَبْعًا إحْداهُنَّ بِالتُّرابِ» .
وَقِيلَ بَلِيغًا في الطَّهارَةِ وفَعُولٌ وإنْ غَلَبَ في المَعْنَيَيْنِ لَكِنَّهُ قَدْ جاءَ لِلْمَفْعُولِ كالضَّبُوثِ ولِلْمَصْدَرِ كالقَبُولِ ولِلِاسْمِ كالذُّنُوبِ، وتَوْصِيفُ الماءِ بِهِ إشْعارًا بِالنِّعْمَةِ فِيهِ وتَتْمِيمٌ لِلْمِنَّةِ فِيما بَعْدَهُ فَإنَّ الماءَ الطَّهُورَ أهْنَأُ وأنْفَعُ مِمّا خالَطَهُ ما يُزِيلُ طَهُورِيَّتَهُ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ ظَواهِرَهم لَمّا كانَتْ مِمّا يَنْبَغِي أنْ يُطَهِّرُوها فَبَواطِنُهم بِذَلِكَ أوْلى.
﴿ لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا ﴾ بِالنَّباتِ وتَذْكِيرُ ( مَيْتًا ) لِأنَّ البَلْدَةَ في مَعْنى البَلَدِ، ولِأنَّهُ غَيْرُ جارٍ عَلى الفِعْلِ كَسائِرِ أبْنِيَةِ المُبالَغَةِ فَأُجْرِيَ مَجْرى الجامِدِ.
﴿ وَنُسْقِيَهُ مِمّا خَلَقْنا أنْعامًا وأناسِيَّ كَثِيرًا ﴾ يَعْنِي أهْلَ البَوادِي الَّذِينَ يَعِيشُونَ بِالحَيا ولِذَلِكَ نَكَّرَ الأنْعامَ والأناسِيَّ، وتَخْصِيصُهم لِأنَّ أهْلَ المُدُنِ والقُرى يُقِيمُونَ بِقُرْبِ الأنْهارِ، والمَنافِعُ فِيهِمْ وبِما حَوْلَهم مِنَ الأنْعامِ غَنِيَّةٌ عَنْ سُقْيا السَّماءِ وسائِرُ الحَيَواناتِ تَبْعُدُ في طَلَبِ الماءِ فَلا يَعُوزُها الشُّرْبُ غالِبًا مَعَ أنَّ مَساقَ هَذِهِ الآياتِ كَما هو لِلدَّلالَةِ عَلى عِظَمِ القُدْرَةِ، فَهو لِتَعْدادِ أنْواعِ النِّعْمَةِ والأنْعامُ قِنْيَةُ الإنْسانِ وعامَّةُ مَنافِعِهِمْ وعِلْيَةُ مَعايِشِهِمْ مَنُوطَةٌ بِها، ولِذَلِكَ قُدِّمَ سَقْيُها عَلى سَقْيِهِمْ كَما قَدَّمَ عَلَيْها إحْياءَ الأرْضِ فَإنَّهُ سَبَبٌ لِحَياتِها وتَعَيُّشِها، وقُرِئَ «نَسْقِيهِ» بِالفَتْحِ وسَقى وأسْقى لُغَتانِ، وقِيلَ أسْقاهُ جَعَلَ لَهُ سُقَيا «وَأناسِيَّ» بِحَذْفِ ياءٍ وهو جَمْعُ إنْسِيٍّ أوْ إنْسانٌ كَظَرابِيٍّ في ظَرِبانٍ عَلى أنَّ أصْلَهُ أناسِينَ فَقُلِبَتِ النُّونُ ياءً.
<div class="verse-tafsir"
{وَهُوَ الذى أَرْسَلَ الرياح} الريح مكي والمراد الجنس {بُشَرًا} تخفيف بشر جمع بشور {بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ} أي قدام المطر لأنه ريح ثم سحاب ثم مطر وهذه استعارة ملحية {وأنزلنا من السماء ماء} مطر {طَهُوراً} بليغاً في طهارته والطهور صفة كقولك ماء طهور أي طاهر واسم كقولك لما يتطهر به طهور كالوضوء والوقود لما يتوضأ به وتوقد به النار ومصدر بمعنى التطهر كقولك تطهرت طهورا حسنا ومنه قوله عليه الصلاة والسلام إلا بطهور أي بطهارة وما حكي عن ثعلب هو
ما كان طاهراً في نفسه مطهرا لغيره وهو مذهب الشافعى رحمه الله تعالى ان كان هذا زيادة بيان الطهارة فحسن ويعضده قوله تعالى وَيُنَزّلُ عَلَيْكُم من السماء ليطهركم به وإلا فليس فعول من التفعيل فى شئ وقياسه على ما هو مشتق من الأفعال المعتدية كقطوع ومنوع غير سديد لأن بناء
الفرقان (٥٢ - ٤٩)
الفعول للمبالغة فإن كان الفعل متعدياً فالفعول متعدوان كان لازماً فلازم
﴿ وهُوَ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ ﴾ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِالتَّوْحِيدِ عَلى إرادَةِ الجِنْسِ بِألْ أوِ الِاسْتِغْراقِ، فَهو في مَعْنى الجَمْعِ مُوافَقَةً لِقِراءَةِ الجُمْهُورِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قِراءَةُ الجَمْعِ أوْجَهُ؛ لِأنَّ الرِّيحَ مَتى ورَدَتْ في القُرْآنِ مُفْرَدَةً فَهي لِلْعَذابِ، ومَتّى كانْتِ لِلْمَطَرِ والرَّحْمَةِ جاءَتْ مَجْمُوعَةً؛ لِأنَّ رِيحَ المَطَرِ تَتَشَعَّبُ وتَتَذَأَّبُ وتَتَفَرَّقُ وتَأْتِي لَيِّنَةً مِن هاهُنا وهاهُنا وشَيْئًا إثْرَ شَيْءٍ، ورِيحَ العَذابِ تَأْتِي جَسَدًا واحِدًا لا تَتَذَأَّبُ، ألا تَرى أنَّها تُحَطِّمُ ما تَجِدُ وتَهْدِمُهُ.
وقالَ الرُّمّانِيُّ: جُمِعَتْ رِياحُ الرَّحْمَةِ؛ لِأنَّها ثَلاثَةُ لَواقِحَ: الجَنُوبُ والصَّبا والدَّبُّورُ، وأُفْرِدَتْ رِيحُ العَذابِ؛ لِأنَّها واحِدَةٌ لا تُلَقَّحُ وهي الدَّبُّورُ، وفي «قَوْلِهِ إذا هَبَّتِ الرِّيحُ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْها رِياحًا ولا تَجْعَلْها رِيحًا»» إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ في كَلامِ ابْنِ عَطِيَّةَ غُفُولًا عَنِ التَّأْوِيلِ الَّذِي تَتَوافَقُ بِهِ القِراءَتانِ، وقَدْ ذَكَرَ في البَحْرِ أنَّهُ لا يَسُوغُ أنْ يُقالَ في تِلْكَ القِراءَةِ أنَّها أوْجَهُ مِنَ القِراءَةِ الأُخْرى مَعَ أنَّ كُلًّا مِنهُما مُتَواتِرٌ، وألْ في الرِّيحِ لِلْجِنْسِ فَتَعُمُّ، وما ذُكِرَ في التَّفْرِقَةِ بَيْنَ المُفْرَدِ والمَجْمُوعِ أكْثَرِيٌّ أوْ عِنْدَ عَدَمِ القَرِينَةِ أوْ في المُنْكَرِ كَما جاءَ في الحَدِيثِ، وسَيَأْتِي - إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - في سُورَةِ الرُّومِ ما يَتَعَلَّقُ بِهَذا المَبْحَثِ.
﴿ بُشْرًا ﴾ تَخْفِيفُ (بُشُرًا) بِضَمَّتَيْنِ جَمْعُ بَشُورٍ بِمَعْنى مُبَشِّرٍ أيْ: أرْسَلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ، وقُرِئَ «نُشْرًا» بِالنُّونِ والتَّخْفِيفِ جَمْعَ نَشُورٍ كَرَسُولٍ ورُسُلٍ، و«نُشُرًا» بِضَمِّ النُّونِ والشِّينِ وهو جَمْعٌ لِذَلِكَ أيْضًا، أيْ أرْسَلَها ناشِراتٍ لِلسَّحابِ، مِنَ النَّشْرِ بِمَعْنى البَعْثِ؛ لِأنَّها تَجْمَعُهُ كَأنَّها تُحْيِيهِ لا مِنَ النَّشْرِ بِمَعْنى التَّفْرِيقِ؛ لِأنَّهُ غَيْرُ مُناسِبٍ، إلّا أنْ يُرادَ بِهِ السَّوْقُ مَجازًا، و«نَشْرًا» بِفَتْحِ النُّونِ وسُكُونِ الشِّينِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ مُبالَغَةً، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مُطْلَقًا لِـ(أرْسَلَ) لِأنَّهُ بِمَعْنى نَشَرَ، والكُلُّ مُتَواتِرٌ، ورَوِيَ عَنِ ابْنِ السَّمَيْقِعِ أنَّهُ قَرَأ «بُشْرى» بِألِفِ التَّأْنِيثِ.
﴿ بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ﴾ أيْ: قُدّامَ المَطَرِ، وقَدِ اسْتُعِيرَتِ الرَّحْمَةُ لَهُ، ورُشِّحَتِ الِاسْتِعارَةُ أحْسَنَ تَرْشِيحٍ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ في الكَلامِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ وبُشْرًا مِن تَتِمَّةِ الِاسْتِعارَةِ داخِلٌ في جُمْلَتِها، والِالتِفاتُ إلى نُونِ العَظَمَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ﴾ لِإبْرازِ كَمالِ العِنايَةِ بِالإنْزالِ؛ لِأنَّهُ نَتِيجَةُ ما ذُكِرَ مِن إرْسالِ الرِّياحِ، أيْ: أنْزَلْناهُ بِعَظَمَتِنا بِما رَتَّبْنا مِن إرْسالِ الرِّياحِ مِن جِهَةِ العُلُوِّ الَّتِي لَيْسَتْ مَظِنَّةَ الماءِ أوْ مِنَ السَّحابِ أوْ مِنَ الجُرْمِ المَعْلُومِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْصِيلُ الكَلامِ في ذَلِكَ.
﴿ ماءً طَهُورًا ﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ نَعْتٌ لِـ(ماءً) وعَلَيْهِ قِيلَ مَعْناهُ: بَلِيغُ الطَّهارَةِ زائِدُها، ووَجَّهَ في البَحْرِ المُبالَغَةَ بِأنَّها راجِعَةٌ إلى الكَيْفِيَّةِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ لَمْ يُشْبِهْ شَيْءٌ آخَرَ مِمّا في مَقَرِّهِ أوْ مَمَرِّهِ أوْ ما يُطْرَحُ فِيهِ كَمِياهِ الأرْضِ، وفَسَّرَهُ ثَعْلَبٌ بِما كانَ طاهِرًا في نَفْسِهِ مُطَهِّرًا لِغَيْرِهِ، وتَعَقَّبَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِأنَّهُ إنْ كانَ ما قالَهُ شَرْحًا لِبَلاغَتِهِ في الطَّهارَةِ كانَ سَدِيدًا وإلّا فَلَيْسَ فَعَوْلٌ مِنَ التَّفْعِيلِ في شَيْءٍ، وقالَ غَيْرُهُ: إنَّ أخْذَ التَّطْهِيرِ فِيهِ يَأْباهُ لُزُومُ الطَّهارَةِ، والمُبالَغَةُ في اللّازِمِ لا تُوجِبُ التَّعَدِّيَ.
وأجابَ صاحِبُ الكَشْفِ بِأنَّهُ: لَمّا لَمْ تَكُنِ الطَّهارَةُ في نَفْسِها قابِلَةً لِلزِّيادَةِ رَجَعَتِ المُبالَغَةُ فِيها إلى انْضِمامِ مَعْنى التَّطْهِيرِ إلَيْها لا أنَّ اللّازِمَ صارَ مُتَعَدِّيًا، وتَعَقَّبَهُ المَوْلى الدَّوانِيُّ بِأنَّ فِيهِ تَأمُّلًا مِن حَيْثُ إنَّ انْضِمامَ مَعْنى التَّطْهِيرِ لَمّا كانَ مُسْتَفادًا مِنَ المُبالَغَةِ بِمَعُونَةِ عَدَمِ قَبُولِ الزِّيادَةِ كانَتِ المُبالَغَةُ في الجُمْلَةِ سَبَبًا لِلتَّعَدِّي، ثُمَّ قالَ: ويُمْكِنُ التَّفَصِّي بِأنَّ المَعْنى اللّازِمَ باقٍ بِحالِهِ، والمُبالَغَةَ أوْجَبَتِ انْضِمامَ المُتَعَدِّي إلَيْهِ لا تَعْدِيَةَ ذَلِكَ اللّازِمِ وبَيْنَهُما فَرْقانِ، وذَكَرَ بَعْضُ الأجِلَّةِ أنَّ إفادَةَ المُبالَغَةِ تَعَلُّقَ الفِعْلِ بِالغَيْرِ مِمّا لا يُساعِدُهُ لُغَةٌ ولا عُرْفٌ، وأيْنَ هَذا التَّعَلُّقُ في قَوْلِ جَرِيرٍ: إلى رُجَّحِ الأكْفالِ غِيدٍ مِنَ الظَّبا عِذابِ الثَّنايا رِيقُهُنَّ طَهُورُ ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وسَقاهم رَبُّهم شَرابًا طَهُورًا ﴾ ومِن هَذا وأمْثالِهِ اخْتارَ بَعْضُهم كَوْنَ المُبالَغَةِ راجِعَةً إلى الكَيْفِيَّةِ عَلى ما سَمِعْتَ عَنِ البَحْرِ، وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّ ( طَهُورًا ) هُنا اسْمٌ لِما يُتَطَهَّرُ بِهِ كَما في قَوْلِهِ : ««التُّرابُ طَهُورُ المُؤْمِنِ»» وفَعُولٌ - كَما قالَ الأزْهَرِيُّ في كِتابِ الزّاهِرِ - يَكُونُ اسْمَ آلَةٍ لِما يُفْعَلُ بِهِ الشَّيْءُ كَغَسُولٍ ووَضُوءٍ وفَطُورٍ وسَحُورٍ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ، كَما يَكُونُ صِفَةً بِمَعْنى فاعِلٍ كَأكُولٍ، أوْ مَفْعُولٍ كَصَبُوبٍ بِمَعْنى مَصْبُوبٍ، واسْمَ جِنْسٍ كَذَنُوبٍ، ومَصْدَرًا - وهو نادِرٌ - كَقَبُولٍ، فَيُفِيدُ التَّطْهِيرَ لِلْغَيْرِ وضْعًا، ويُمْكِنُ حَمْلُ ما رُوِيَ عَنْ ثَعْلَبٍ عَلى هَذا، واعْتِبارُ كَوْنِهِ طاهِرًا في نَفْسِهِ لِأنَّ كَوْنَهُ مُطَهِّرًا لِلْغَيْرِ فَرْعُ ذَلِكَ، وجُعِلَ - عَلى هَذا - بَدَلًا مِن ماءٍ أوْ عَطْفَ بَيانٍ لَهُ لا نَعْتًا، فَيَكُونُ التَّرْكِيبُ نَحْوُ: أرْسَلْتُ إلَيْكَ ماءً وضُوءًا.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ المُتَبادِرَ - فِيما نَحْنُ فِيهِ - كَوْنُهُ نَعْتًا، فَإنْ أمْكَنَ ذَلِكَ عَلى هَذا الوَجْهِ بِنَوْعِ تَأْوِيلٍ كانَ أبْعَدَ عَنِ القِيلِ والقالِ، وحَكى سِيبَوَيْهِ أنَّ طَهُورًا جاءَ مَصْدَرَ التَّطَهُّرِ في قَوْلِهِمْ: تَطَهَّرْتُ طَهُورًا حَسَنًا، وذَكَرَ أنَّ مِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««لا صَلاةَ إلّا بِطَهُورٍ»» وحَمْلُ ما في الآيَةِ عَلى ذَلِكَ مِمّا لا يَنْبَغِي، وأيًّا ما كانَ فَفي تَوْصِيفِ الماءِ بِهِ إعْظامُ المِنَّةِ كَما لا يَخْفى.
<div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً يعني: سكناً لتسكنوا فيه.
ويقال: لِباساً يعني: ستراً يستر جميع الأشياء وَالنَّوْمَ سُباتاً يعني: راحة للخلق ليستريحوا فيه بالنوم وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً أي: للنشور ينتشرون فيه لابتغاء الرزق.
ثم قال عز وجل: وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ بُشْراً يعني: تنشر السحاب، والاختلاف في القراءات كما ذكرنا في سورة الأعراف بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ يعني: قدام المطر وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ مَآءً طَهُوراً يعني: مطهراً يطهر به الأشياء، ولا يطهر بشيء لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً يعني: أرضاً لا نبات فيها، فينبت بالمطر وَنُسْقِيَهُ يعني: نسقي بالمطر مِمَّا خَلَقْنا أَنْعاماً وَأَناسِيَّ كَثِيراً وهو جماعة الإنس يعني: نسقي به الناس والدواب، لفظ البلدة مؤنث، إلا أن معنى البلدة والبلد واحد، فانصرف إلى المعنى، ولو قال: ميتة، لجاز إلا أنه لم يقرأ.
ثم قال عز وجل: وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ يعني: قسمناه بين الخلق.
ويقال: نصرفه من بلد إلى بلد، مرة بهذا البلد، ومرة ببلد آخر.
كما روي عن ابن مسعود أنه قال: «ما من عام بأمطر من عام، ولكن الله تعالى يصرفه حيث يشاء» ، فذلك قوله وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ- وكما روي عن النبيّ أنه قال: «ما من سنة بأمطر من الأخرى ولكن إذَا عَمِلَ قَوْمٌ بِالمَعَاصِي، حَوَّلَ الله ذلك إلَى غَيْرِهِمْ، فَإذَا عَصَوْا جَمِيعاً، صَرَفَ الله ذلك إلَى الفَيَافِي وَالبِحَارِ» وقال ابن عباس : «ما من عام، بأكثر من عام ولكن يصرفه حيث يشاء» فذلك قوله: ولكن يصرفه حيث يشاء (١) لِيَذَّكَّرُوا يعني: ليتعظوا في صنعه، فيعتبروا في توحيد الله تعالى، فيوحدوه.
وقرأ حمزة والكسائي لّيَذْكُرُواْ بالتخفيف، وضم الكاف.
وقرأ الباقون بالتشديد والنصب.
ثم قال: فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً يعني: كفراناً في النعمة، وهو قولهم: مطرنا بنوء كذا، ويقال: إلا جحوداً وثباتاً على الكفر.
قوله عز وجل: وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا قال مقاتل: ولو شئنا لبعثنا في زمانك فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً يعني: رسولاً، ولكن بعثناك إلى القرى كلها رسولاً اختصصناك بها فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وذلك حين دعوه إلى ملة آبائهم وَجاهِدْهُمْ بِهِ أي بالقرآن جِهاداً كَبِيراً يعني: شديداً.
(١) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة: «أ» .
<div class="verse-tafsir"
ومعنى اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أي: جعل هواه مطاعا فصار كالإله.
إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ أي:
بل هم كالأنعام.
قلت: وعبارة الواحدي: إِنْ هُمْ أي: ما هم إلاَّ كالأنعام، انتهى.
أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً (٤٥) ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً (٤٦) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً وَالنَّوْمَ سُباتاً وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً (٤٧) وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً (٤٨) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنا أَنْعاماً وَأَناسِيَّ كَثِيراً (٤٩)
وقوله سبحانه: أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ ...
الآية: مَدُّ الظل بإطلاقٍ: هو ما بين أول الإسفار إلى بُزُوغ الشمس، ومن بعد مغيبها أيضاً وقتاً يسيراً فإنَّ في هذين الوقتين على الأَرض كُلِّها ظِلاًّ ممدوداً.
وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً أي: ثابتاً غيرَ متحرك ولا منسوخ، لكنه جعل الشمس ونسخها إيَّاه، وطردها له من موضع إلى موضع دليلاً عليه مُبَيِّناً لوجوده ولوجه العبرة فيه، وحكى الطبريّ «١» أَنَّه: لولا الشمسُ لم يُعْلَمْ أَنَّ الظل شيء، إذِ الأشياء إنَّما تُعْرَفُ بأضدادها.
وقوله تعالى: قَبْضاً يَسِيراً يحتمل أَنْ يريد، لطيفاً، أي: شيئاً بعدَ شيءٍ، لا في مرة واحدة.
قال الداوديّ: قال الضَّحَّاكُ: قَبْضاً يَسِيراً يعني: الظِّلَّ إذا علته الشمسُ «٢» ، انتهى.
قال الطبريُّ «٣» : ووصف الليل باللباس من حيث يستُر الأَشياء ويغشاها، والسبات:
ضرب من الإِغماء يعترى اليقظانَ مرضاً، فشُبِّهَ النوم به، والنشور هنا: الإحياء، شبَّهَ اليقظةَ به، ويحتمل أَنْ يريد بالنشور وقتَ انتشار وتفرق، وأَناسِيَّ: قيل [هو] «٤» جمع إنسان،
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ ﴾ أيْ: إلى فِعْلِ رَبِّكَ.
وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: ألَمْ تَعْلَمْ، فَهو مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن رُؤْيَةِ العَيْنِ؛ فالمَعْنى: ألَمْ تَرَ إلى الظِّلِّ كَيْفَ مَدَّهُ رَبُّكَ؟
والظِّلُّ مِن وقْتِ طُلُوعِ الفَجْرِ إلى وقْتِ طُلُوعِ الشَّمْسِ ﴿ وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِنًا ﴾ أيْ: ثابِتًا دائِمًا لا يَزُولُ ﴿ ثُمَّ جَعَلْنا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلا ﴾ فالشَّمْسُ دَلِيلٌ عَلى الظِّلِّ، فَلَوْلا الشَّمْسُ ما عُرِفَ أنَّهُ شَيْءٌ، كَما أنَّهُ لَوْلا النُّورُ ما عُرِفَتِ الظُّلْمَةُ، فَكُلُّ الأشْياءِ تُعْرَفُ بِأضْدادِها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ قَبَضْناهُ إلَيْنا ﴾ يَعْنِي: الظِّلَّ ﴿ قَبْضًا يَسِيرًا ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: سَرِيعًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: خَفِيًّا، قالَهُ مُجاهِدٌ.
وَفِي وقْتِ قَبْضِ الظِّلِّ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ يُقْبَضُ الظِّلُّ وتُجْمَعُ أجْزاؤُهُ المُنْبَسِطَةُ بِتَسْلِيطِ الشَّمْسِ عَلَيْهِ حَتّى تَنْسَخَهُ شَيْئًا فَشَيْئًا والثّانِي: عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ تُقْبَضُ أجْزاءُ الظِّلِّ بَعْدَ غُرُوبِها، ويَخْلُفُ كُلُّ جُزْءٍ مِنهُ جُزْءًا مِنَ الظَّلامِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباسًا ﴾ أيْ: ساتِرًا بِظُلْمَتِهِ، لِأنَّ ظُلْمَتَهُ تَغْشى الأشْخاصَ وتَشْتَمِلُ عَلَيْها اشْتِمالَ اللِّباسِ عَلى لابِسِهِ ﴿ والنَّوْمَ سُباتًا ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: راحَةً، ومِنهُ يَوْمُ السَّبْتِ، لِأنَّ الخَلْقَ اجْتَمَعَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وكانَ الفَراغُ مِنهُ في يَوْمِ السَّبْتِ، فَقِيلَ لِبَنِي إسْرائِيلَ: اسْتَرِيحُوا في هَذا اليَوْمِ ولا تَعْمَلُوا فِيهِ شَيْئًا، فَسُمِّيَ يَوْمَ السَّبْتِ، أيْ: يَوْمَ الرّاحَةِ، وأصْلُ السَّبْتِ: التَّمَدُّدُ، ومَن تَمَدَّدَ اسْتَراحَ.
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: أصْلُ السَّبْتِ: القَطْعُ؛ فالمَعْنى: وجَعَلْنا النَّوْمَ قَطْعًا لِأعْمالِكم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُورًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: تَنْتَشِرُونَ فِيهِ لِابْتِغاءِ الرِّزْقِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: تُنْشَرُ الرُّوحُ بِاليَقَظَةِ كَما تُنْشَرُ بِالبَعْثِ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ ﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في (الأعْرافِ: ٧٥) إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُورًا ﴾ يَعْنِي: المَطَرَ.
قالَ الأزْهَرِيُّ: الطَّهُورُ في اللُّغَةِ: الطّاهِرُ المُطَهِّرُ.
والطَّهُورُ ما يُتَطَهَّرُ بِهِ، كالوَضُوءِ الَّذِي يُتَوَضَّأُ بِهِ، والفَطُورِ الَّذِي يُفْطَرُ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا ﴾ وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو الجَوْزاءِ، وأبُو جَعْفَرٍ: " مَيِّتًا " بِالتَّشْدِيدِ.
قالَ الزَّجّاجُ: لَفْظُ البَلْدَةِ مُؤَنَّثٌ، وإنَّما قِيلَ: " مَيْتًا " لِأنَّ مَعْنى البَلْدَةِ والبَلَدِ سَواءٌ.
وقالَ غَيْرُهُ: إنَّما قالَ: " مَيْتًا "، لِأنَّهُ أرادَ بِالبَلْدَةِ المَكانَ.
وقَدْ سَبَقَ مَعْنى صِفَةِ البَلْدَةِ بِالمَوْتِ [الأعْرافِ: ٥٧] ومَعْنى: ﴿ وَنُسْقِيَهُ ﴾ ؟؟؟
.
وقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ، وأبُو رَجاءٍ، والضَّحّاكُ، والأعْمَشُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: " ونَسْقِيهِ " بِفَتْحِ النُّونِ.
فَأمّا الأناسِيُّ، فَقالَ الزَّجّاجُ: هو جَمْعُ إنْسِيٍّ، مِثْلِ كُرْسِيٍّ وكَراسِيَّ؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ إنْسانٍ، وتَكُونُ الياءُ بَدَلًا مِنَ النُّونِ، الأصْلُ: أناسِينُ مِثْلُ سَراحِينَ.
وقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ، والضَّحّاكُ، وأبُو العالِيَةِ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: " وأناسِيَّ " بِتَخْفِيفِ الياءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ ﴾ يَعْنِي المَطَرَ بَيْنَهم مَرَّةً لِهَذِهِ البَلْدَةِ، ومَرَّةً لِهَذِهِ ﴿ لِيَذَّكَّرُوا ﴾ أيْ: لِيَتَفَكَّرُوا في نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فَيَحْمَدُوهُ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " لِيَذْكُرُوا " خَفِيفَةَ الذّالِ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: يَذْكُرُ في مَعْنى يَتَذَكَّرُ، ﴿ فَأبى أكْثَرُ النّاسِ إلا كُفُورًا ﴾ وهُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ: مُطِرْنا بِنَوْءِ كَذا وكَذا، كَفَرُوا بِنِعْمَةِ اللَّهِ.
﴿ وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا ﴾ المَعْنى: إنّا بَعَثْناكَ إلى جَمِيعِ القُرى لِعَظَمِ كَرامَتِكَ، ﴿ فَلا تُطِعِ الكافِرِينَ ﴾ وذَلِكَ أنَّ كُفّارَ مَكَّةَ دَعَوْهُ إلى دِينِ آبائِهِمْ، ﴿ وَجاهِدْهم بِهِ ﴾ أيْ بِالقُرْآنِ ﴿ جِهادًا كَبِيرًا ﴾ أيْ: تامًّا شَدِيدًا.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَهُوَ الَّذِي أرْسَلَ الرِياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وأنْزَلْنا مِنَ السَماءِ ماءً طَهُورًا ﴾ ﴿ لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا ونُسْقِيَهُ مِمّا خَلَقْنا أنْعامًا وأناسِيَّ كَثِيرًا ﴾ ﴿ وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهم لِيَذَّكَّرُوا فَأبى أكْثَرُ الناسِ إلا كُفُورًا ﴾ ﴿ وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا ﴾ ﴿ فَلا تُطِعِ الكافِرِينَ وجاهِدْهم بِهِ جِهادًا كَبِيرًا ﴾ قَرَأتْ فِرْقَةٌ: "الرِياحَ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "الرِيحَ" عَلى الجِنْسِ، فَهي بِمَعْنى الرِياحِ، وقَدْ نَسَبْنا القِراءَةَ في سُورَةِ الأعْرافِ، وقِراءَةُ الجَمْعِ أوجُهٌ؛ لِأنَّ عُرْفَ "الرِيحِ" مَتى ورَدَتْ في القُرْآنِ مُفْرَدَةً فَإنَّما هي لِلْعَذابِ، ومَتى كانَتْ لِلْمَطَرِ والرَحْمَةِ فَإنَّما هي رِياحٌ؛ لِأنَّ رِيحَ المَطَرِ تَتَشَعَّبُ وتَتَداءَبُ وتَتَفَرَّقُ وتَأْتِي لَيِّنَةً مِن ها هُنا وها هُنا، وشَيْئًا إثْرَ شَيْءٍ، ورِيحُ العَذابِ حَرْجَفٌ لا تَتَداءَبُ، وإنَّما تَأْتِي جَسَدًا واحِدًا، ألا تَرى أنَّها تُحَطِّمْ ما تَجِدُ وتَهْدِمُهُ؟
قالالرُمّانِيُّ: جُمِعَتْ رِياحُ الرَحْمَةِ لِأنَّها ثَلاثَةُ لَواقِحَ: الجَنُوبُ والصَبا والشَمالُ، وأُفْرِدَتْ رِيحُ العَذابِ لِأنَّها واحِدَةٌ، لا تُلَقِّحُ، وهي الدَبُورُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: "وَيَرِدُ" عَلى هَذا قَوْلُ النَبِيِّ إذا هَبَّتِ الرِيحُ: «اللهُمُ اجْعَلْها رِياحًا ولا تَجْعَلْها رِيحًا».
واخْتَلَفَ القُرّاءُ في "النَشْرِ" في النُونِ والباءِ وغَيْرِ ذَلِكَ اخْتِلافًا قَدْ ذَكَرْناهُ في سُورَةِ الأعْرافِ، و "نَشْرًا" مَعْناهُ: مُنْتَشِرَةً مُتَفَرِّقَةً.
و"الطَهُورُ" بِناءُ مُبالَغَةٍ في "طاهِرٍ"، وهَذِهِ المُبالَغَةُ اقْتَضَتْ في ماءِ السَماءِ وفي كُلِّ ما هو مِنهُ وبِسَبِيلِهِ أنْ يَكُونَ طاهِرًا ومُطَهِّرًا، ووَصَفَ البَلْدَةَ بِالمَيِّتِ لِأنَّهُ جَعَلَهُ كالمَصْدَرِ الَّذِي يُوصَفُ بِهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ، وجازَ ذَلِكَ مِن حَيْثُ "البَلْدَةِ" بِمَعْنى "البَلَدِ"، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "لِنُنْشِئَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا ونُسْقِيَهُ" بِضَمِّ النُونِ، وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ، ومَعْناهُ: نَجْعَلُهُ لَهم سُقْيا، هَذا قَوْلُ بَعْضِ اللُغَوِيِّينَ في "أسْقى"، قالُوا: و "سَقى" مَعْناهُ لِلشَّفَةِ، وقالَ الجُمْهُورُ: سَقى وأسْقى بِمَعْنى واحِدٍ، ويُنْشَدُ عَلى ذَلِكَ بَيْتُ لَبِيدٍ: سَقى قَوْمِي بَنِي مَجْدٍ وأسْقى نُمَيْرًا والقَبائِلَ مِن هِلالِ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: "نَسْقِيَهُ" بِفَتْحِ النُونِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ أبِي عَبْلَةَ، وأبِي حَيْوَةَ، ورُوِيَتْ عن عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ.
و"أناسِيَّ" قِيلَ: هو جَمْعُ إنْسانٍ، والياءُ المُشَدَّدَةِ بَدَلٌ مِنَ النُونِ في الواحِدِ، قالَهُ سِيبَوَيْهَ، وقالَ المُبَرِّدُ: هو جَمْعُ إنْسِيٍّ، فَكانَ القِياسُ أنْ يَكُونَ "أناسِيَةٌ"، كَما قالُوا في مُهْلَّبِيٍّ: مَهالِبَةٌ، وحَكى الطَبَرِيُّ عن بَعْضِ اللُغَوِيِّينَ في جَمْعِ إنْسانٍ: أناسِينَ بِالنُونِ، كَسَرْحانَ وبُسْتانٍ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ الحارِثِ: "أناسِيَ" بِتَخْفِيفِ الياءِ.
والضَمِيرُ في "صَرَّفْناهُ" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ: هو عائِدٌ عَلى الماءِ المُنَزَّلِ مِنَ السَماءِ، المَعْنى أنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى جَعَلَ لَهم إنْزالَ الماءِ تَذْكِرَةً بِأنْ يَصْرِفَهُ عن بَعْضِ المَواضِعِ إلى بَعْضٍ، وهو كُلُّهُ في كُلِّ عامٍ بِمِقْدارٍ واحِدٍ، وقالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وقَوْلُهُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ-: ﴿ فَأبى أكْثَرُ الناسِ إلا كُفُورًا ﴾ أيْ في قَوْلِهِمْ: بِالأنْواءِ والكَواكِبِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، وقِيلَ: "كُفُورًا" عَلى الإطْلاقِ لَمّا تَرَكُوا التَذَكُّرَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: الضَمِيرُ في "صَرَّفْناهُ" لِلْقُرْآنِ، وإنْ كانَ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ لِوُضُوحِ الأمْرِ، ويُعَضِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿ وَجاهِدْهم بِهِ ﴾ ، وعَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ الضَمِيرُ في "بِهِ" يُرادُ بِهِ القُرْآنُ عَلى نَحْوِ ما ذَكَرْناهُ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: يُرادُ بِهِ الإسْلامُ.
وقَرَأ عِكْرِمَةُ: "صَرَفْناهُ" بِتَخْفِيفِ الراءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والكُوفِيُّونَ: "لِيَذْكُرُوا" بِسُكُونِ الذالِ، وقَرَأ الباقُونَ: "لِيَذَّكَّرُوا" بِشَدِّ الذالِ والكافِ.
وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَوْ شِئْنا ﴾ الآيَةُ اقْتِضابٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما ذَكَرْناهُ، تَقْدِيرُهُ: ولَكُنّا أفْرَدْناكَ واصْطَفَيْناكَ فَلا تُطِعِ الكافِرِينَ.
<div class="verse-tafsir"
استدلال على الانفراد بالخلق وامتنان بتكوين الرياح والأسحِبة والمطر.
ومناسبة الانتقال من حيث ما في الاستدلال الذي قبله من ذكر حال النشور والامتنان به فانتقل إلى ما في الرّياح من النشور بذكر وصفها بأنها نُشرٌ على قراءة الجمهور، أو لكونها كذلك في الواقع على قراءة عاصم.
ومردود الاستدلال قصر إرسال الرياح وما عطف عليه على الله تعالى إبطالاً لادعاء الشركاء له في الإلهية بنفي الشركة في التصرف في هذه الكائنات وذلك ما لا ينكره المشركون كما تقدم مثله في قوله: ﴿ وهو الذي جعل لكم الليل لباساً ﴾ [الفرقان: 47] إلخ..
وأطلق على تكوين الرياح فعل ﴿ أرسل ﴾ الذي هو حقيقة في بعث شيء وتوجيهه، لأن حركة الرياح تشبه السير.
وقد شاع استعمال الإرسال في إطلاق العنان لخيل السباق.
وهذا استدلال بدقيق صنع الله في تكوين الرياح، فالعامة يعتبرون بما هو داخل تحت مشاهدتهم من ذلك، والخاصة يدركون كيفية حدوث الرياح وهبوبها واختلافها، وذلك ناشئ عن التقاء حرارة جانب من الجو ببرودة جانب آخر.
ثم إن الرياح بهبوبها حارة مرة وباردة أخرى تكوّن الأسحبة وتؤذن بالمطر فلذلك وصفت بأنها نُشُر بين يدي المطر.
قرأ الجمهور ﴿ أَرسل الرياح ﴾ بصيغة الجمع وقرأ ابن كثير ﴿ الريح ﴾ بصيغة الإفراد على معنى الجنس.
والقراءتان متحدتان في المعنى، ولكن غلب جمع الريح في ريح الخير وإفرادُ الريح في ريح العذاب قاله ابن عطية.
وتقدم قوله تعالى ﴿ وتصريف الرياح ﴾ في سورة البقرة (164).
وقرأ الجمهور نُشُراً } بنون في أوله وبضمتين جمع نَشُور كرسول ورُسل.
وقرأ ابن عامر بضم فسكون على تخفيف الحركة.
وقرأ حمزة والكسائي وخلف بفتح النون وسكون الشين على أنه من الوصف بالمصدر، وكلها من النشر وهو البسط كما ينشر الثوب المطوي لأن الرياح تنشر السحاب.
وقرأ عاصم بباء موحدة وسكون الشين جمع بَشُور من التبشير لأنها تبشر بالمطر.
وتقدم قوله ﴿ وهو الذي يرسل الرياح نشراً بين يدي رحمته ﴾ في سورة الأعراف (57).
والإلتفات من الغيبة إلى التكلم في قوله ﴿ وأنزلنا لنحيي ونسقيه ولقد صرفناه ﴾ للداعي الذي قدمناه في قوله آنفاً ﴿ ثم جعلنا الشمس عليه دليلاً ثم قبضناه إلينا ﴾ [الفرقان: 45، 46].
والمراد ب ﴿ رحمته ﴾ المطر لأنه رحمة للناس والحيوان بما يُنْبِته من الشجر والمرعى.
وجملة ﴿ وأنزلنا من السماء ماء طهوراً ﴾ عطف على جملة ﴿ أرسل الرياح ﴾ إلخ، فهي داخلة في حيز القصر، أي وهو الذي أنزل من السماء ماء طهوراً.
وضمير ﴿ أنزلنا ﴾ التفات من الغيبة إلى التكلم لأن التكلم أليق بمقام الامتنان.
وتقدم معنى إنزال الماء من السماء عند قوله: ﴿ أو كصيّب من السماء ﴾ في سورة البقرة (19).
والطَّهور بفتح الطاء من أمثلة المبالغة في الوصف بالمصدر كما يقال: رجل صَبور.
وماء المطر بالغ منتهى الطهارة إذ لم يختلط به شيء يكدره أو يقذره وهو في علم الكيمياء أنقى المياه لخلوه عن جميع الجراثيم فهو الصافي حقاً.
والمعنى: أن الماء النازل من السماء هو بالغ نهاية الطهارة في جنسه من المياه ووصف الماء بالطهور يقتضي أنه مُطهّر لغيره إذ العدول عن صيغة فاعل إلى صيغة فَعول لزيادة معنى في الوصف، فاقتضاؤه في هذه الآية أنه مطهّر لغيره اقتضاء التزامي ليكون مستكملاً وصف الطهارة القاصرة والمتعدية، فيكون ذكر هذا الوصف إدماجاً لمنة في أثناء المنن المقصودة، ويكون كقوله تعالى: ﴿ وينزل عليكم من السماء ماء لِيُطَهِّركم به ﴾ [الأنفال: 11] وصف الطهارة الذاتية وتطهيره، فيكون هذا الوصف إدماجاً ولولا ذلك لكان الأحقّ بمقام الامتنان وصف الماء بالصفاء أو نحو ذلك.
والبلدة: الأرض.
ووصفها بالحياة والموت مجازان للري والجفاف لأن ري الأرض ينشأ عنه النبات وهو يشبه الحي، وجفاف الأرض يجفّ به النبات فيشبه الميّت.
ولماء المطر خاصية الإحياء لكل أرض لأنه لخلّوه من الجراثيم ومن بعض الأجزاء المعدنية والترابية التي تشتمل عليها مياه العيون ومياه الأنهار والأودية كان صالحاً بكل أرض وبكل نبات على اختلاف طباع الأرضين والمنابت.
والبلدة: البلد.
والبلد يذكر ويؤنث مثل كثير من أسماء أجناس البقاع كما قالوا: دار ودَارة.: ووصفت البلدة بميت، وهو وصف مذكر لتأويل ﴿ بلدة ﴾ بمعنى مكان لقصد التخفيف.
وقال في «الكشاف» ما معناه: إنه لما دل على المبالغة في الاتصاف بالموت ولم يكن جارياً على أمثلة المبالغة نزّل منزلة الاسم الجامد (أي فلم يغير).
وأحسن من هذا أنه أريد به اسم الميت، ووصف البلدة به وصف على معنى التشبيه البليغ.
وفي قوله ﴿ لنحي به بلدة ميتاً ﴾ إيماء إلى تقريب إمكان البعث.
و ﴿ نُسقيه ﴾ بضم النون مضارع أسقى مثل الذي بفتح النون فقيل هما لغتان يقال: أسقى وسَقى.
قال تعالى: ﴿ قالتا لا نَسقي ﴾ [القصص: 23] بفتح النون.
وقيل: سقى: أعطى الشراب، وأسقى: هيَّأ الماء للشرب.
وهذا القول أسدّ لأن الفروق بين معاني الألفاظ من محاسن اللغة فيكون المعنى هيَّأناه لشرب الأنعام والأناسي فكل من احتاج للشرب شرب منه سواء من شرب ومن لم يشرب.
و ﴿ أنعاماً ﴾ مفعول ثان ل ﴿ نسقيه ﴾ .
وقوله: ﴿ مما خلقنا ﴾ حال من ﴿ أنعاماً وأناسي ﴾ .
و(مِن) تبعيضية.
و(مَا) موصولة، أي بعض ما خلقناه، والموصول للإيماء إلى علة الخبر، أي نسقيهم لأنهم مخلوقات.
ففائدة هذا الحال الإشارة إلى رحمة الله بها لأنها خلقه.
وفيه إشارة إلى أن أنواعاً أخرى من الخلائق تُسقى بماء السماء، ولكن الاقتصار على ذكر الأنعام والأناسي لأنهما موقع المنة، فالأنعام بها صلاح حال البَادين بألبانها وأصوافها وأشعارها ولُحومها، وهي تشرب من مياه المطر من الأحواض والغدران.
والأناسيّ: جمع إنسيّ، وهو مرادف إنسان.
فالياء فيه ليست للنسب.
وجُمع على فَعالِيّ مثل كُرسي وكَراسِي.
ولو كانت ياؤه نَسب لَجُمع على أنَاسِيَةٍ كما قالوا: صيرفي وصيارفة.
ووصف الأناسيّ ب ﴿ كثيراً ﴾ لأن بعض الأناسيّ لا يشربون من ماء السماء وهم الذين يشربون من مياه الأنهار كالنيل والفرات، والآبار والصهاريج، ولذلك وصف العرب بأنهم بنو ماء السماء.
فالمنة أخص بهم، قال زيادة الحارثي: ونحن بنو ماء السماء فلا نرى *** لأنفسنا من دون مملكةٍ قصراً وفي أحاديث ذكر هاجر زوج إبراهيم عليه السلام قال أبو هريرة «فتلك أمّكم يا بني ماءِ السماء» يعني العرب.
وماء المطر لنقاوته التي ذكرناها صالح بأمعاء كل الناس وكل الأنعام دون بعض مياه العيون والأنهار.
ووصف أناسي وهو جمع بكثير وهو مفرد لأن فعيلاً قد يراد به المتعدد مثل رفيق وكذلك قليل قال تعالى: ﴿ واذكروا إذ كنتم قليلاً ﴾ [الأعراف: 86].
وتقديم ذكر الأنعام على الأناسيّ اقتضاه نسج الكلام على طريقة الأحكام في تعقيبه بقوله: ﴿ ولقد صرفناه بينهم ليذكروا ﴾ ، ولو قدم ذكر ﴿ أناسيَّ ﴾ لتفكك النظم.
ولم يقدم ذكر الناس في قوله تعالى: ﴿ متاعاً لكم ولأنعامكم ﴾ في سورة النازعات (33) لانتفاء الداعي للتقديم فجاء على أصل الترتيب.
وضمير صرفناه } عائد إلى ﴿ ماء طهوراً ﴾ .
والتصريف: التغيير.
والمراد هنا تغيير أحوال الماء، أي مقاديره ومواقعه.
وتوكيد الجملة بلام القسم و(قد) لتحقيق التعليل لأن تصرف المطر محقق لا يحتاج إلى التأكيد وإنما الشيء الذي لم يكن لهم علم به هو أن من حكمة تصريفه بين الناس أن يذكُروا نعمة الله تعالى عليهم مع نزوله عليهم وفي حالة إمساكه عنهم، لأن كثيراً من الناس لا يقدُر قدرَ النعمة إلا عند فقدها فيعلموا أن الله هو الربّ الواحد المختار في خلق الأسباب والمسببات وقد كانوا لا يتدبرون حكمة الخالق ويسندون الآثار إلى مؤثرات وهمية أو صورية.
ولما كان التذكر شاملاً لشكر المنعم عليهم بإصابة المطر ولتفطن المحرومين إلى سبب حرمانهم إياه لعلهم يستغفرون، جيء في التعليل بفعل ﴿ ليذكروا ﴾ ليكون علة لحالتي التصريف بينهم.
وقوله: ﴿ فأبى أكثر الناس إلا كفوراً ﴾ تركيب جرى بمادّته وهيئته مجرى المَثَل في الإخبار عن تصميم المخبر عنه على ما بعد حرف الاستثناء، وذلك يقتضي وجود الصارف عن المستثنى، أي فصمموا على الكفور لا يرجعون عنه لأن الاستثناء من عموم أشياء مبهمة جعلت كلها مما تعلق به الإباء كأنّ الآبين قد عرضت عليهم من الناس أو من خواطرهم أمورٌ وراجعوا فلم يقبلوا منها إلا الكُفور، وإن لم يكن هنالك عَرض ولا إباء، ومنه قوله تعالى في سورة براءة: (32) ﴿ ويأبى الله إلاّ أن يُتِمّ نورَه ﴾ ؛ ألاَ ترى أن ذلك استعمل هنا في مقام معارضة المشركين للتوحيد وفي سورة براءة في مقام معارضة أهل الكتاب للإسلام.
وشدّةُ الفريقين في كفرهم معلومة مكشوفة ولم يُستعمل في قوله تعالى في سورة الصّفّ: (8): ﴿ يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ﴾ والكُفور: مصدر بمعنى الكفر.
وتقدم نظيره في سورة الإسراء، أي أبوا إلاّ الإشراك بالله وعدم التذكر.
وقرأ الجمهور ﴿ ليذّكّروا ﴾ بتشديد الذال وتشديد الكاف مدغمة فيها التاءُ وأصله ليتذكروا.
وقرأ حمزة والكسائي وخلف بسكون الذال وتخفيف الكاف مضمومة، أي ليذْكُروا ما هم عنه غافلون.
ويؤخذ من الآية أن الماء المنزّل من السماء لا يختلف مقداره وإنما تختلف مقادير توزيعه على مواقع القَطر، فعن ابن عباس: ما عامٌ أقل مطراً من عام ولكن الله قسم ذلك بين عباده على ما شاء.
وتلا هذه الآية.
وذكر القرطبي عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما من سنة بأمطرَ من أخرى ولكن إذا عمل قوم المعاصي صَرف الله ذلك إلى غيرهم فإذا عصوا جميعاً صرف الله ذلك إلى الفيافي والبحار» اه.
فحصل من هذا أن المقدار الذي تفضل الله به من المطر على هذه الأرض لا تختلف كميته وإنما يختلف توزيعه.
وهذه حقيقة قررها علماء حوادث الجو في القرن الحاضر، فهو من معجزات القرآن العلمية الراجعة إلى الجهة الثالثة من المقدمة العاشرة لهذا التفسير.
وجوز فريق أن يكون ضمير ﴿ صرفناه ﴾ عائداً إلى غير مذكور معلوم في المقام مرادٍ به القرآن؛ قالوا لأنه المقصود في هذه السورة فإنها افتتحت بذكره، وتكرر في قوله: ﴿ إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجوراً ﴾ [الفرقان: 30].
وأصل هذا التأويل مروي عن عطاء، ولقوله بعده ﴿ وجاهدهم به جهاداً كبيراً ﴾ [الفرقان: 52].
وقيل الضمير عائد إلى الكلام المذكور، أي ولقد صرفنا هذا الكلام وكررناه على ألسنة الرسل ليذّكروا.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ ﴾ قالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: كُلُّ شَيْءٍ في القُرْآنِ مِنَ الرِّياحِ فَهو رَحْمَةٌ، وكُلُّ شَيْءٍ في القُرْآنِ مِنَ الرِّيحِ فَهو عَذابٌ.
وَقِيلَ: لِأنَّ الرِّياحَ جَمْعٌ وهي الجَنُوبُ والشَّمالُ والصَّبا لِأنَّها لَواقِحُ، والعَذابُ رِيحٌ واحِدَةٌ وهي الدَّبُّورُ لِأنَّها لا تُلْقِحُ.
﴿ بُشْرًا ﴾ قُرِئَتْ بِالنُّونِ وبِالباءِ فَمَن قَرَأ بِالنُّونِ فَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ نَشْرُ السَّحابِ حَتّى يُمْطِرَ.
الثّانِي: حَياةٌ لِخَلْقِهِ كَحَياتِهِمْ بِالنُّشُورِ.
وَمَن قَرَأ ﴿ بُشْرًا ﴾ بِالباءِ فَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما لِأنَّها بُشْرى بِالمَطَرِ.
الثّانِي: لِأنَّ النّاسَ يَسْتَبْشِرُونَ بِها.
﴿ بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ﴾ يَعْنِي المَطَرَ لِأنَّهُ رَحْمَةٌ مِنَ اللَّهِ لِخَلْقِهِ، وتَأوَّلَهُ بَعْضُ أصْحابِ الخَواطِرِ يُرْسِلُ رِياحَ النَّدَمِ بَيْنَ يَدَيِ التَّوْبَةِ.
﴿ وَأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُورًا ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: طاهِرًا، قالَهُ أبُو حَنِيفَةَ ولِذَلِكَ جَوَّزَ إزالَةَ النَّجاساتِ بِالمائِعاتِ الطّاهِراتِ.
الثّانِي: مُطَهِّرًا، قالَهُ الشّافِعِيُّ ولِذَلِكَ لَمْ يُجَوِّزْ إزالَةَ النَّجاسَةِ بِمائِعٍ سِوى الماءِ.
﴿ لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا ﴾ وهي الَّتِي لا عِمارَةَ فِيها ولا زَرْعَ، وإحْياؤُها يَكُونُ بِنَباتِ زَرْعِها وشَجَرِها، فَكَما أنَّ الماءَ يُطَهِّرُ الأبْدانَ مِنَ الأحْداثِ والأنْجاسِ، كَذَلِكَ الماءُ يُطَهِّرُ الأرْضَ مِنَ القَحْطِ والجَدْبِ.
﴿ وَنُسْقِيَهُ مِمّا خَلَقْنا أنْعامًا وأناسِيَّ كَثِيرًا ﴾ فَجَمَعَ بِالماءِ حَياةَ النَّباتِ والحَيَوانِ وفي الأناسِيِّ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ جَمْعُ إنْسِيٍّ.
الثّانِي: جَمْعُ إنْسانٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الفُرْقانُ المَذْكُورُ في أوَّلِ السُّورَةِ.
الثّانِي: أرادَ الماءَ الَّذِي أنْزَلَهُ طَهُورًا.
وَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي قَسَمْنا المَطَرَ فَلا يَدُومُ عَلى مَكانٍ فَيَهْلَكُ ولا يَنْقَطِعُ عَنْ مَكانٍ، فَيَهْلَكُ، وهو مَعْنى قَوْلِ قَتادَةَ.
الثّانِي: أنَّهُ يَصْرِفُهُ في كُلِّ عامٍ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ لَيْسَ عامٌ بِأمْطَرَ مِن عامٍ، ولَكِنَّ اللَّهَ يَصْرِفُهُ بَيْنَ عِبادِهِ.
﴿ لِيَذَّكَّرُوا ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لِيَتَذَكَّرُوا النِّعْمَةَ بِنُزُولِهِ.
الثّانِي: لِيَتَذَكَّرُوا النِّعْمَةَ بِانْقِطاعِهِ.
﴿ فَأبى أكْثَرُ النّاسِ إلا كُفُورًا ﴾ قالَ عِكْرِمَةُ: هو قَوْلُهم مُطِرْنا بِالأنْواءِ.
رَوى الرَّبِيعُ بْنُ صَبِيحٍ قالَ: «أُمْطِرَ النّاسُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ذاتَ لَيْلَةٍ فَلَمّا أصْبَحَ قالَ النَّبِيُّ : أصْبَحَ النّاسُ فِيها بَيْنَ رَجُلَيْنِ شاكِرٍ وكافِرٍ، فَأمّا الشّاكِرُ فَيَحْمَدُ اللَّهَ عَلى سُقْياهُ وغِياثِهِ وأمّا الكافِرُ فَيَقُولُ مُطِرْنا بِنَوْءِ كَذا وكَذا» .
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد بن حميد عن عطاء أنه قرأ ﴿ وهو الذي أرسل الرياح ﴾ على الجمع بشراً بالباء، ورفع الباء بنون فيهما خفيفة.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد عن مسروق أنه قرأ ﴿ الرياح نشراً ﴾ بالنون، ونصب النون منونة ومخففة.
وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن المسيب في قوله: ﴿ وأنزلنا من السماء ماء طهوراً ﴾ قال: لا ينجسه شيء.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والدارقطني عن سعيد بن المسيب قال: أنزل الله الماء طهوراً لا ينجسه شيء.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: الماء لا ينجسه شيء.
يطهر ولا يطهره شيء فإن الله قال: ﴿ وأنزلنا من السماء ماء طهوراً ﴾ .
وأخرج الشافعي وأحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والدارقطني والحاكم والبيهقي عن أبي سعيد الخدري قال: «قيل يا رسول الله انتوضأ من بئر بضاعة؟
وهي بئر يلقى فيها الحيض، ولحوم الكلاب، والنتن.
فقال: إن الماء طهور لا ينجسه شيء» .
وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن القاسم بن أبي بزة قال: سأل رجل عبد الله بن الزبير عن طين المطر قال: سألتني عن طهورين جميعاً قال الله تعالى ﴿ وأنزلنا من السماء ماء طهوراً ﴾ وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً» .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ﴾ سبق الكلام في تفسيره، ووجوه القراءات في سورة الأعراف (١) قوله تعالى: ﴿ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا ﴾ المفسرون يقولون: من السحاب (٢) (٣) وأما الطهور، فقال أبو إسحاق: كل ما نزل من السماء، أو خرج من بحر، أو أذيب من ثلج، أو بَرَدٍ، فهو طهورة قال النبي - - في البحر: "هو الطهور ماؤه" (٤) (٥) وقال الأزهري: الطَّهور في اللغة هو: الطاهر المطهر (٦) (٧) (٨) : "هو الطَّهور ماؤه" (٩) وقال غيره (١٠) (١١) (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) أي: كان إخراجه مطهرًا لهذا المكان.
وقال أبو علي الفارسي: الطَّهور، على ضربين؛ اسم، وصفة، فإذا كان اسمًا كان على ضربين؛ أحدهما: أن يكون مصدرًا كما حكاه سيبويه (١٦) -: "طهور إناء أحدكم" الحديث (١٧) (١٨) ﴿ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا ﴾ وقوله: ﴿ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا ﴾ وقوله - -: "هو الطهور ماؤه" فالطهور هاهنا صفة؛ ألا ترىَ أنه قد ارتفع به الماء كما يرتفع الاسم بالصفات المتقدمة.
وأجاد أبو القاسم الزجاجي -رحمه الله- في تفسير الطهور، وكشف عن حقيقة المعنى؛ فقال: الطهور: اسم للماء الذي يتطهر به، ولا يجوز إلا أن يكون طاهرًا في نفسه، مطهرًا لغيره؛ لأن العرب إذا عدلت عن بناء: فاعل، إلى بناء: فعيل، أو فعول، لم تعدل إلا لزيادة معنى؛ لأن اختلاف الأبنية لاختلاف المعاني، فكما أنه لا يجوز التسوية بين صابر وصَبور، وشاكر وشَكور، كذلك في طاهر وطَهور، فإذا سويت بينهما فقد خالفت ما عليه موضوع الكلام.
والشيء إذا كان طاهرًا في نفسه لا يجوز أن يكون من جنسه ما هو أطهر منه، حتى تصفه بقول: كل طهور لزيادة طهارته، وليس كذلك قادر وقدير، وعالم وعليم، وغافر وغفور؛ لأن هذه نعوت تحتمل (١٩) (٢٠) (٢١) فإن قيل: هذه اللفظة من: طَهُر، وهو لازم، فكيف يجوز أن يُعدَّى ما تبنيه من فعل لازم؟
قلنا: الاعتبار والنظر في هذه اللفظة أدانا إلى معنى التطهير؛ وذلك أنه لا سبيل إلى إطلاق هذا الوصف على الماء الذي ليس بمطهر؛ لأن العرب لا تُسمِّي الشيء الذي لا يقع به التطهر طَهورًا، فَمِن هذا الوجه يجب أن يُعلم، لا من جهة التعدي واللزوم.
الدليل على ذلك قوله - -: "وترابها لي طهورًا" (٢٢) (٢٣) (٢٤) عِذَاب الثنايا رِيقهن طَهور (٢٥) فإنه لما عُلم أن غاية وصف الماء أن يقال: طَهور، شَبَّه الريق بالماء، وأحبَّ أن يُزيلَ عن الريق سِمة النجاسة، فلم يمكنه أن يصفه إلا بما يوسف به الماء.
ألا ترى أنه قال: عِذاب الثنايا، فوصفها بالعُذوبة، وهي من صفة الماء، فكما أن العذب حقيقة في الماء، مجازٌ في غيره، كذلك: الطَّهور، حقيقةٌ في الماء، مستعارٌ في الريق.
وأما قوله تعالى: ﴿ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا ﴾ فإن الله تعالى لما وصف الماء في الدنيا بالطهارة فجعله طَهورًا، وهذا غاية ما يوصف به الماء، وصَفَ ذلك الشراب أيضًا هذا الوصف لنعتقد فيه من الطهارة، ما اعتقدناه فيما وصفه من الماء.
فإن قيل: لو كان المراد بالطَّهور ما ذكرتَه لَمَا سُمِّي طَهورًا إلا بعد أن يُطَّهِر فهذا ساقط، ومذهب العرب بخلاف هذا؛ ألا ترى أنهم يسمُّون الطعام الذي يُفطَر عليه: فَطورًا، وكذلك: السَّحور، ويُسمون الشعير: قَضيمًا قبل أن يُقضم، ويقولون: ما في دار فلان مأكولٌ، ولا مشروبٌ، أي: ما أعد له.
وكل وصف يجري على الموصوف للمبالغة فإنه يكون لما مضى، والحال، والاستقبال، كما تقول: فلان شَكور للنعم، لا يُراد: إنه شكر فيما مضى، بل يراد به: شاكرٌ في الحال والاستقبال.
وهذا واضح بيِّن -إن شاء الله- انتهى كلامه (٢٦) فأما التفسير؛ فقال ابن عباس، في قوله: ﴿ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا ﴾ يريد: المطر (٢٧) (٢٨) (١) عند قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ﴾ حيث ذكر معنى بشرًا، وأصل اشتقاقها، ووجوه القراءات فيها، وباقية ألفاظ الآية تكلم عن ذلك في ست صفحات.
(٢) "تفسير ابن جرير" 19/ 21.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم 8/ 2704، عن السدي، وفيه قوله: ثم يفتح أبواب السماء ليسيل الماء على السحاب ثم تمطر السحاب بعد ذلك.
ولم يذكر نسبته للحسن.
(٤) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 71.
بنصه.
والحديث أخرجه مالك 1/ 22، الطهارة، رقم: 12.
وأحمد 3/ 23، رقم: 7237.
وأبو داود 1/ 64، الطهارة، رقم: 83.
والترمذي 1/ 100، الطهارة، رقم: 69.
والنسائي 1/ 53، الطهارة، رقم: 59.
وابن ماجه 1/ 136، الطهارة، رقم: 386.
من حديث أبي هريرة - - قال: سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ الله - - فَقَالَ يَا رَسُولَ الله إِنَّا نَرْكَبُ الْبَحْرَ وَنَحْمِلُ مَعَنَا الْقَلِيلَ مِنَ الْمَاءِ فَإِنْ تَوَضَأْنَا بِهِ عَطِشْنَا أَفَنَتَوَضَّأُ مِنْ مَاءِ الْبَحْرِ فَقَالَ رَسُولُ الله - -: "هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ".
قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وهو في سلسلة الأحاديث الصحيحة، رقم: 480.
أخرج ابن أبي حاتم 8/ 2705، عن عكرمة قال: قال ابن عباس: إن الماء لا ينجسه شيء يُطهر، ولا يطهره شيء، فإن الله -عز وجل- قال: ﴿ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا ﴾ .
قال ابن عاشور 19/ 47: وماء المطر بالغ منتهى الطهارة إذ لم يختلط به شيء يكدره أو يقذره، وهو في علم الكيمياء أنقى المياه لخلوه عن جميع الجراثيم، فهو الصافي حقًا.
(٥) "العين" 4/ 19 (طهر)، بنصه.
وقد أضاف المحقق زيادات من التهذيب 6/ 171، وجعلها في الأصل، وعلق على ذلك في الحاشية بأنها نص ما نقله صاحب التهذيب، والذي يظهر خلاف ذلك، فالأزهري نقل جزءًا من الكلام، وزاد عليه فجعْلُ المحقق هذه الزيادة من "العين" غير مستقيم.
ويؤكد هذا توافق ما نقل الواحدي مع ما في العين، إذا حذفت الزيادة التي أدخلها المحقق.
(٦) واقتصر على هذا التعريف في "الوجيز" 2/ 780.
(٧) (ما) في (ج).
فقط.
(٨) (ما) في (ج).
فقط.
(٩) "تهذيب اللغة" 6/ 172 (طهر).
(١٠) ذكر نحوه الزمخشري 3/ 276، ونسبه لسيبويه.
(١١) هنا تكرار في (أ)، قدر ثلاثة أسطر.
(١٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).
(١٣) قال ابن السكيت: الرَّقُوء: الدواء الذي يُرقأ به.
والعرب تقول: لا تسبوا الإبل فإن فيها رَقُوء الدماء؛ أي: تعطى في الديات فتحقن الدماء.
"تهذيب اللغة" 9/ 292 (رقا).
والشاهد فيه أن رقوء على وزن فعول، من أرقى.
ومُرقية بالضم على اعتبار اسم الفاعل، وبالفتح باعتبار اسم المفعول.
(١٤) "تهذيب اللغة" 11/ 438 (مشى).
عن ابن السكيت، وفيه: يقال: شربت مَشُوا ومَشاء.
(١٥) "ديوان جرير" ص 460، من قصيدة طويلة يجيب فيها الفرزدق.
المصلى: موضع الصلاة؛ وهو موضع بعينه في المدينة.
واقم: أُطُم من آطام المدينة كأنه سمي بذلك لحصانته، ومعناه أنه يرد عن أهله.
"معجم البلدان" 5/ 408، والأطم: الحصين.
"تهذيب اللغة" 14/ 44 (أطم).
(١٦) أشار إلى ذلك الزمخشري 3/ 276.
(١٧) أخرجه مسلم 1/ 234 الطهارة، رقم: 234.
وأبو داود 1/ 57 الطهارة، رقم: 71.
ولفظه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - -:"طهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ أُولاهُنَّ بِالتُّرَابِ".
ضبط حرف الطاء في كلمة: طهور، في صحيح مسلم: بالفتح والضم.
(١٨) الوَجور: صب الماء أو الدواء في فم الصبي.
"تهذيب اللغة" 11/ 185 (وجر).
وفي "المعجم الوسيط" 2/ 1014: الوجور: الدواء يصب في الحلق.
السَّعوط: الدواء يصب من الأنف.
"تهذيب اللغة" 2/ 67 (سطع)، "المعجم الوسيط" 1/ 431.
اللَّدود: ما يصب من الأدوية ونحوها في أحد شِقي الفم.
"تهذيب اللغة" 14/ 67 (لدد)، "المعجم الوسيط" 2/ 821.
البَرود: كل ما برد به من شيء، كالشَّراب، والكُحل تبرد به الحين.
"تهذيب اللغة" 14/ 106 (برد)، "المعجم الوسيط" 1/ 48.
(١٩) في (أ)، (ب)، زيادة (العفو وزيادة الغفران)، والظاهر أنها تكرار لما سيأتي بعدها، فالكلام لا يستقيم بها.
(٢٠) في (أ)، (ب): واو، بدل: في.
(٢١) في (أ)، (ب): (لم يكن)، وفي (ج): (لا يكون).
(٢٢) الحديث أخرجه مسلم 1/ 371، كتاب المساجد، رقم: 522، من حديث حُذَيْفَةَ، ولفظه: "وَجُعِلَتْ لَنَا الأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدًا وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا إِذَا لَمْ نَجِدِ الْمَاءَ".
وأما حديث "وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا" فهو متفق عليه من حديث جابر - -.
البخاري، كتاب التيمم، رقم: 335.
الفتح 1/ 435.
ومسلم 1/ 371، كتاب المساجد، رقم: 523.
(٢٣) ما بين المعقوفين في (أ)، (ب)، وفي (ج): ولا يقولون لما تقع به الطهارة طهورًا كالمائعات الطاهرة، والنباتات الطاهرة).
وقوله: كالمائعات الطاهرة، إن كان المراد بالتطهير بها رفع الحدث فهذا صحيح فلا يرفع الحدث إلا الماء، دون غيره من المائعات الطاهرة؛ للنص على استعماله، وللأمر باستعمال التراب عند فقده.
وأما إزالة النجاسة بالمائعات الطاهرة فهو محل خلاف بين أهل العلم، فمن فسر ﴿ طَهُورًا ﴾ بطاهرًا، جوَّز إزالة النجاسات بالمائعات الطاهرة.
ومن فسره بأنه: مطهر، لم يجوز إزالة النجاسة بمائع سوى الماء.
"تفسير الماوردي" 4/ 148، و"تفسير البغوي" 6/ 87.
و"المبسوط" 1/ 96.
و"أحكام القرآن"، للجصاص 5/ 201، وابن العربي 3/ 435.
والاستدلال بالآية على أنه لا يطهر النجاسة إلا الماء استدلال بعيد؛ لأن الآية فيها إخبار عن وصف الماء بهذا الوصف، الذي يبين أصله، ويى فيها منعٌ من تطهير النجاسات بغيره.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: فالراجح في هذه المسألة: أن النجاسة متى زالت بأي وجه كان زال حكمها، فإن الحكم إذا ثبت == بعلة زال بزوالها، لكن لا يجوز استعمال الأطعمة، والأشربة في إرالة النجاسة لغير حاجة؛ لما في ذلك من فساد الأموال، كما لا يجوز الاستنجاء بها.
"الفتاوى" 21/ 475.
قال الزمخشري 3/ 277: لما كان سقي الأناسي من جملة ما أُنزل له الماء وصفه بالطهور إكرامًا لهم، وتتميمًا للمنة عليهم.
(٢٤) في نسخة (ج)، كلمتان غير واضحتين، والأقرب أنهما: والنباتات الطاهرة.
(٢٥) لم أجده في ديوان جرير.
وأنشده ابن العربي في أحكامه 3/ 435، غير منسوب.
وكذا القرطبي 13/ 38.
وأبو حيان 6/ 463، وفي الحاشية: البيت لجميل، ديوانه 93؛ ولم أجده فيه.
وفي حاشية "الدر المصون" 8/ 488: لم أهتد إلى قائله.
(٢٦) لم أجد قول الزجاجي.
قال ابن كثير 6/ 114، في تفسير هذه الآية: أي: آلة يتطهر بها كالسحور، والوقود، وما جرى مجراهما، فهذا أصح ما يقال في ذلك، وأما من قال: إنه مبني للمبالغة والتعدي فعلى كل منهما إشكالات من حيث اللغة، والحكم، ليس هذا موضع بسطها.
والله أعلم.
وقال أبو السعود 6/ 224: وما قيل إنه ما يكون طاهرًا في نفسه، ومطهرًا لغيره، فهو شرح لبلاغته في الطهارة، كما ينبئ عنه قوله تعالى: قال تعالى: ﴿ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ ﴾ .
(٢٧) "تفسير مقاتل" ص 64 أ.
(٢٨) "تفسير مقاتل" ص 64 أ، بدون: بل.
<div class="verse-tafsir"
﴿ اليل لِبَاساً ﴾ شبَّه ظلام الليل باللباس، لأنه يستر كل شيء كاللباس ﴿ والنوم سُبَاتاً ﴾ قيل: راحة وقيل موتاً لقوله: ﴿ يَتَوَفَّى الأنفس حِينَ مَوْتِهَا والتي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا ﴾ [الزمر: 42] ويدل عليه مقابلته بالنشور ﴿ الرياح بُشْرَى ﴾ ذكر في [الأعراف: 57] ﴿ مَآءً طَهُوراً ﴾ مبالغة في طاهر وقيل: معناه مطهر للناس في الوضوء وغيره.
وبهذا المعنى يقول الفقهاء: ماء طهوراً، أي مطهراً، وكل مطهر طاهر، وليس كل طاهر مطهر ﴿ وَأَنَاسِيَّ ﴾ قيل: جمع إنسي، وقيل جمع إنسان، والأول أصح.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ تشقق ﴾ بتخفيف الشين على حذف تاء التفعل وكذلك في سورة "ق":عاصم وحمزة وعلي وخلف وأبو عمرو.
والآخرون بالتشديد للإدغام.
﴿ وننزل ﴾ من الإنزال ﴿ الملائكة ﴾ بالنصب: ابن كثير.
الباقون ﴿ وينزل ﴾ ماضياً مجهولاً من التنزيل ﴿ الملائكة ﴾ بالرفع.
﴿ يا ليتني اتخذت ﴾ بفتح ياء المتكلم: ابو عمرو ﴿ قومي اتخذوا ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب.
﴿ وثمود ﴾ بغير تنوين في الحالين: حمزة وسهل ويعقوب وحفص.
الآخرون بالتنوين للمشاكلة، أو بتأويل الحي لا القبيلة، أو لأنه اسم الأب الأكبر.
﴿ الريح ﴾ على التوحيد: ابن كثير ﴿ بشراً ﴾ مذكور في "الأعراف".
﴿ ميتاً ﴾ بالتشديد: يزيد ﴿ ونسقيه ﴾ بفتح النون: المفضل والبرجمي الباقون بضمها.
الوقوف: ﴿ ربنا ﴾ ط ﴿ كبيراً ﴾ ه ط ﴿ محجوراً ﴾ ه ﴿ منثوراً ﴾ ه ﴿ مقيلاً ﴾ ه ﴿ تنزيلاً ﴾ ه ﴿ للرحمن ﴾ ط ﴿ عسيراً ﴾ ه ﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ خليلاً ﴾ ه ﴿ إذ جاءني ﴾ ط لأن ما بعده من أخبار الله ظاهراً، ويحتمل أن يكون من تتمة حكاية كلام الظالم.
﴿ خذولاً ﴾ ه ﴿ مهجوراً ﴾ ه ﴿ المجرمين ﴾ ه ط ﴿ ونصيراً ﴾ ه ﴿ واحدة ﴾ ج على تقدير فرقنا إنزاله كذلك أي كما ترى لنثبت وإن وصلت وقفت على ﴿ كذلك ﴾ والتقدير جملة واحدة كذلك الكتاب المنزل وهو التوراة، ثم اضمرت فعلاً أي فرقناه لنثبت.
﴿ ترتيلاً ﴾ ه ﴿ تفسيراً ﴾ ه ط لأن ما بعده مبتدأ ﴿ جهنم ﴾ لا لأن ما بعده خبر ﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ وزيراً ﴾ ه ج للآية ولفاء العطف ﴿ بآياتنا ﴾ ط للفاء الفصيحة أي فذهبا وبلغا فعصوهما ﴿ فدمرناهم تدميراً ﴾ 5ط لأن ﴿ قوم نوح ﴾ منصوب بمحذوف أي وأغرقنا قوم نوح أغرقناهم ﴿ آية ﴾ ط لأن ما بعده مستأنف ﴿ أليما ﴾ ج للآية ولاحتمال عطف ﴿ عاداً ﴾ على الضمير في ﴿ جعلناهم ﴾ واحتمال انتصابه بمحذوف أي وأهلكنا عاداً ﴿ كثيراً ﴾ ه ﴿ الأمثال ﴾ ز فصلاً بين الأمرين المعظمين مع عطف الجملتين المتفقتين ﴿ تتبيراً ﴾ ه ﴿ السوء ﴾ ﴿ يرونها ﴾ لا للعطف مع الإضراب.
﴿ نشوراً ﴾ ه ﴿ هزواً ﴾ ط لحق المحذوف أي يقولون أهذا الذي ﴿ رسولاً ﴾ ه ﴿ عليها ﴾ ط لانتهاء مقولهم ﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ هواه ﴾ ط ﴿ وكيلاً ﴾ ه لا للعطف ﴿ يعقلون ﴾ ه ج لابتداء النفي ﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ الظل ﴾ ج لانتهاء الاستفهام إلىالشرط مع اتحاد المقصود ﴿ ساكناً ﴾ ج للعدول مع العطف ﴿ دليلاً ﴾ ه ﴿ يسيراً ﴾ ه ﴿ نشوراً ﴾ ه ﴿ رحمته ﴾ ج للعدول ﴿ طهوراً ﴾ ه ج لتعلق اللام ﴿ كثيراً ﴾ ه ﴿ ليذكروا ﴾ ز والوصل أولى للفاء ﴿ كفوراً ﴾ ه.
التفسير: هذه شبهة رابعة لمنكري النبوة وإنهم في قول الكلبي أبو جهل والوليد وأضرابهما، وتقريرها أن الحكيم لا بد أن يختار في مقصده طريقاً يكون أسهل إفضاء إليه، ولا شك أن إنزال الملائكة ليشهدوا على صدق محمد أعون على المطلوب، فلو كان محمد صادقاً لكان مؤيداً بإنزال الملائكة الشاهدين بصدقه.
قال الفراء: معنى ﴿ لا يرجون ﴾ لا يخافون، والرجاء في لغة تهامة الخوف، وقال غيره: الرجاء على أصله وهو الأمل إلا أن الخوف يلزمه في هذه الصورة فإن من لا يرجو الجزاء والمعاد لا يخاف العقاب أيضاً.
واللقاء الوصول لا بمعنى المكان والجهة فإنه منزه عن ذلك بل بمعنى الرؤية عند الأشاعرة، أو على إرادة الجزاء والسحاب عند المعتزلة، وقد مر في أوائل البقرة في قوله ﴿ الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه راجعون ﴾ ولعل تفسيره بلقاء الجزاء أنسب في هذا المقام لئلا يناقض قوله: ﴿ أو نرى ربنا ﴾ أي جهرة وعياناً فيأمرنا بتصديقه واتباعه اللهم إلا أن يراد: إن الذين لا يرجون رؤيتنا في الآخرة اقترحوا رؤيتنا في الدنيا.
قال جار الله: لا يخلو إما أن يكونوا عالمين بأن الله عز وجل لا يرسل الملائكة إلى غير الأنبياء وإنه لا يصح أن يرى وإنما علقوا إيمانهم بما لا يكون، وإما أن يكونوا عالمين بذلك وإنما أرادوا التعنت باقتراح آيات سوى الآيات التي نزلت وقامت بها الحجة عليهم كما فعل قوم موسى حين قالوا ﴿ لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ﴾ .
ثم إنه أجاب عن شبهتهم بقوله: ﴿ لقد استكبروا في أنفسهم ﴾ أي أضمروا الاستكبار عن الحق وهو الكفر والعناد في قلوبهم واعتقدوه.
ثم نسبهم إلى الإفراط في الظلم بقوله ﴿ وعتواً ﴾ ثم وصف العتوّ بالكبر.
قال جار الله: اللام جواب قسم محذوف وهذه الجملة في حسن استئنافها غاية وفيها معنى التعجب كأنه قال: ما أشد استكبارهم وما أكبر عتوّهم!
وقال في التفسير الكبير: تحرير هذا الجواب من وجوه أحدها: أن القرآن لما ظهر كونه معجزاً فقد تمت دلالة نبوّة محمد فبعد ذلك لا يكون اقتراح أمثال هذه الآيات إلا محض الاستكبار والاستنكار.
وثانيها أن نزول الملائكة لو حصل لكان ايضاً من جملة المعجزات، ولا يدل على الصدق لخصوص كونه بنزول الملك بل لعموم كونه معجزاً فيكون قبول ذلك وردّ الآخر ترجيحاً لأحد المثلين من غير مرجح.
وثالثها أنهم بتقدير رؤية الرب وتصديقه لرسوله لا يستفيدون علماً أزيد من تصديق المعجزات، لا فرق بين أن يقول النبي اللهم إن كنت صادقاً فأحي هذا الميت فيحييه، وبين أن يقول إن كنت صادقاً فصدّقني فتعيين أحد الطرفين محض العناد.
ورابعها أن العبد ليس له أن يعترض على فعل مولاه إما بحكم المالكية عند الأشعري أو بحكم المصلحة عند المعتزلي.
وخامسها أن السائل الملح المعاند الذي لا يرضى بما ينعم عليه مذموم وإظهار المعجز من جملة الأيادي الجسيمة فرد إحداها واقتراح الأخرى ليس من الأدب في شيء.
وسادسها لعل المراد أني لو علمت بأنهم ليسوا مستكبرين عاتين لأعطيتهم مطلوبهم لكني علمت إنهم إنما سألوا لأجل المكابرة والعناد فلا جرم لا أعطيهم.
وسابعا لعلهم عرفوا من أهل الكتاب أن الله لا يرى في الدنيا وأنه لا ينزل الملائكة على عوام الخلق، ثم إنهم علقوا إيمانهم على ذلك فهم مستكبرون ساخرون.
واستدلت الأشاعرة بقوله: ﴿ لا يرجون لقاءنا ﴾ على أن رؤية الله مرجوّة.
واستدلت المعتزلة بقوله ﴿ لقد استكبروا ﴾ ﴿ وعتواً ﴾ أن اقتراح الرؤية مستنكر ولا يخفى ضعف الاستدلالين: وانتصب ﴿ يوم يرون ﴾ بإضمار "اذكر" فيكون ﴿ لا بشرى ﴾ مستأنفاً أو بما دل عليه ﴿ لا بشرى ﴾ أي يوم يرون الملائكة يمنعون البشرى بالجنة وبرؤية الحق.
﴿ يومئذ ﴾ للتكرير وقوله ﴿ للمجرمين ﴾ ظاهر في موضع الضمير أو عام فيتناول هؤلاء لعمومه، ولأجل هذا العموم استدلت المعتزلة به على القطع بوعيد كل مجرم وإن كان من أهل القبلة، وحمل الأشاعرة الجرم على الكفر.
أما قوله: ﴿ حجراً محجوراً ﴾ فإنها كلمة يتلفظ بها عند لقاء عدوّ أو هجوم نازلة، يضعونها موضع الاستعاذة يقول الرجل للرجل: تفعل كذا؟
فيقول: حجراً.
وقد ذكره سيبويه في باب المصادر التي ترك إظهار فعلها نحو "معاذ الله وعمرك الله ومعناه منعاً" اي اسال الله أن يمنع ذلك منعاً كما أن المستعيذ طالب من الله عز وجل أن يمنع المكروه.
ووصفه بالمحجور للتأكيد كما يقال "شعر شاعر وجد جده".
والأكثرون على أن القائلين هم الكفار إذا رأوا الملائكة عند الموت أو يوم القيامة كرهوا لقاءهم وفزعوا منهم لأنهم لا يلقونهم إلا بما يكرهون فيقولون ما كانوا يقولونه عند نزول كل شدّة.
وقيل: هم الملائكة ومعناه حراماً محرّماً أي جعل الله الجنة والغفران أو البشرى حراماً عليكم.
يروى أن الكفار إذا خرجوا من قبورهم قالت الحفظة لهم: حجراً محجوراً.
وقال الكلبي: الملائكة على أبواب الجنة يبشرون المؤمنين بالجنة ويقولون للمشركين: حجراً محجوراً.
وقال عطية: إذا كان يوم القيامة تأتي الملائكة المؤمنين بالبشرى فإذا رأى الكفار ذلك قالوا لهم: بشرونا فيقولون: حجراً محجوراً.
ثم أخبر عن وعيد آخر لهم وذلك أنهم كانوا يعملون أعمالاً لها صورة الخير من صلة رحم وإغاثة ملهوف وقرى ضيف وأمثالها مع عدم ابتنائها على أساس الإيمان، فمثلت حالهم بحال قوم خالفوا سلطانهم واستعصوا عليه فقدم إلى اشيائهم وقصد إلى ما تحت أيديهم فافسدها بحيث لم يترك منها أثراً وإلا فلا قدوم ولا ما يشبه القدوم، ولتنزهه عن الجسمية وصفاتها.
قال أهل المعاني: القادم إلى لاشيء قاصد له فالقصد هو المؤثر في القدوم فأطلق اسم المسبب على السبب مجازاً.
وقيل: أراد قدوم الملائكة بأمره إلا موضع الحساب في الآخرة.
والهباء ما يخرج من الكوة مع ضوء الشمس شبيه بالغبار.
وقال مقاتل: إنه الغبار الذي يسطع من حوافر الدواب وفي أمثالهم أقل من الهباء شبه عملهم بالهباء في قلته وحقارته.
وأكد المعنى بوصف الهباء بالتناثر لأنك تراه منتظماً مع الضوء حتى إذا حركته الريح تناثر وذهب كل مذهب.
والمراد: جعلناه جامعاً لحقارة الهباء والتناثر ولام الهباء واو بدليل الهبوة بمعناه.
ثم ميز حال الأبرار عن حال الفجار بقوله: ﴿ أصحاب الجنة يومئذ خير ﴾ ووجه صحة التفضيل ما بين في قوله: ﴿ قل أذلك خير أم جنة الخلد ﴾ أو التفاوت بين المنزلتين إنما يرجع إلى الموضع والموضع من حيث إنه موضع لا شر فيه، أو هو على سبيل الفرض اي لو كان لهم مستقر كان مستقر أهل الجنة خيراً منه.
والسمتقر مكان الاستقرار والمقيل المكان الذي يأوون إليه للاسترواح إلى أزواجهم والاستمتاع بمغالتهنّ وملامستهنّ كحال المترفين في الدنيا، ولا نوم في الجنة وإنما سمى مكان دعتهم واسترواحهم إلى الحور مقيلاً على طريق التشبيه، وفي اختيار لفظ الأحسن دون أن يقول "خير مقيلاً" رمزاً إلى التحسنات الحاصلة في مقيلهم من حسن الوجوه وملاحة الصور وغير ذلك.
قال ابن مسعود: لا ينتصف النهار من يوم القيامة حتى يقيل أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار.
وعن سعيد بن جبير: إن الله إذا أخذ في فصل القضاء قضى بينهم كقدر ما بين صلاة الغداة إلى نصف النهار فيقيل أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار.
وقال مقاتل: يخفف الحساب على أهل الجنة حتى يكون بمقدار نصف يوم من ايام الدنيا ثم يقولون من يومهم ذلك في الجنة.
وحاصل الاية أن أصحاب الجنة من المكان في أطيب مكان ومن الزمان في أحسن زمان.
ثم أراد أن يصف أهوال يوم القيامة فقال ﴿ ويوم تشقق ﴾ أي واذكر يوم تتفتح السماء بسبب غمام يخرج منها وفي الغمام الملائكة فينزلون وفي أيديهم صحائف أعمال العباد: قال الفراء: الباء بمعنى "عن" لأن السماء لا تتشقق بالغمام بل عن الغمام كما يقال: انشقت الأرض عن النبات أي ارتفع التراب عنه عند طلوعه، وقال القاضي: لا يمتنع أن يجعل الله الغمام بحيث يشقق السماء باعتماده عليها.
عن مقاتل: تشقق سماء الدنيا فينزل أهلها وكذلك تتشقق سماء سماء، ثم ينزل الكروبيون وحملة العرش، ثم ينزل الرب .
قال العلماء: هذا نزول الحكم والقضاء لا نزول الذات.
وأما نزول الملائكة مع كثرتهم وصغر حجم الأرض بالقياس إلى السماء فقالوا: لا يبعد أن يوسع الله الأرض عرضاً وطولاً بحيث تسع كل هؤلاء.
ومن المفسرين من قال: الملائكة يكونون في الغمام وهو سترة بين السماء والأرض، والله فوق أهل القيامة.
وروى الضحاك عن ابن عباس قال: تتشقق كل سماء وينزل سكانها فيحيطون بالعالم ويصبرون سبع صفوف حول العالم.
والظاهر أن اللام في الغمام لجنس.
ومنهم من قال: هي للعهد والمعهود قوله: ﴿ هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام ﴾ وقيل: هو غمام أبيض رقيق مثل الضبابة كما كان لبني إسرائيل في التيه.
ومعنى ﴿ تنزيلاً ﴾ توكيد للنزول ودلالة على إسراعهم فيه.
قال الزجاج ﴿ الحق ﴾ صفة الملك اي الملك الثابت الذي لا يزول ﴿ للرحمن ﴾ يومئذ ونظيره ﴿ مالك يوم الدين ﴾ ويجوز أن يكون يومئذ تكريراً لقوله ﴿ ويوم تشقق ﴾ وإعرابهما واحد.
والفائدة في تخصيص ذلك اليوم أن يعلم أنه لا مالك فيه سواه لا بالصورة ولا في الحقيقة فيخضع له الملوك وتعنو له الوجوه وتذل رقاب الجبابرة.
قالت الأشاعرة: ههنا لو وجب على الله يومئذ الثواب لاستحق الذم بتركه وكان خائفاً أن لا يفعل فلم يكن له الملك على الإطلاق.
وأيضاً لو كان العبد مالكاً للثواب لم يكن الله مالكاً مطلقاً بل يكون عبداً ضعيفاً لا يقدر على أن لا يؤدي ما عليه من العوض، أو فقيراً محتاجاً إلى أن يدفع الذم عن نفسه بأداء ما عليه؟
وكان ذلك اليوم يوماً عسيراً على الكافرين لا على المؤمنين.
واللام في ﴿ الظالم ﴾ ظاهر الاستغراق والشمول أو للجنس.
وعن ابن عباس أنه للعهد وذلك أن الآية نزلت في عقبة بن أبي معيط وكان يكثر مجالسة الرسول فاتخذ ضيافة ودعا إليها رسول الله فأبى أن يأكل من طعامه حتى يأتي بالشهادتين ففعل، وكان أُبي بن خلف صديقه فعاتبه وقال: صبأت يا عقبة؟
قال: لا ولكن أبى أن يأكل من طعامي وهو في بيتي فاستحييت منه فشهدت له، والشهادة ليست في نفسي.
فقال: وجهي من وجهك حرام إن لقيت محمداً فلم تطأ قفاه لو تبزق في وجهه.
فوجده ساجداً في دار الندوة ففعل ذلك فقال رسول الله : لا ألقاك خارجاً من مكة إلا علوت رأسك بالسيف فقتل يوم بدر أمر علياً بقتله.
وفي روايات الشيعة أن الظالم هو رجل بعينه وأن المسلمين غيروا اسمه وكتموه وجعلوا فلاناً بدلاً من اسمه وذكروا فاضلين من الصحابة وفيه بعد، لأن تغيير القرآن كفر.
والعض على اليدين كناية عن الغيظ والحسرة لأنه من لوازم الغيظ والتحسر غالباً ونظيره "سقط في يده وأكل من بنانه" وأمثال ذلك.
وقال الضحاك: يأكل يديه إلى المرفق ثم تنبت فلا يزال كذلك كلما أكلها نبتت.
قال جار الله: تمنى أن لو صحب الرسول وسلك معه طريقاً واحداً وهو طريق الحق ولم تتشعب به طرق الضلالة والهوى، أو اراد أني كنت ضالاً لم يكن لي سبيل قط فليتني حصلت لنفسي في صحبة الرسول سبيلاً.
وفلان كناية عن الإعلام كما أن الهن كناية عن الأجناس، فإِن أريد بالظالم عقبة فالمعنى ليتني لم اتخذ أُبياً خليلاً فكنى عن اسمه، وإن أريد به الجنس فكل من اتخذ من المضلين خليلاً كان لخليله اسم علم فجعله كناية عن.
قلت: زعم بعض أئمة اللغة أنه لم يثبت استعمال فلان في الفصيح إلا حكاية.
لا يقال: جاءني فلان ولكن يقال: قال زيد جاءني فلان.
لأنه اسم اللفظ الذي هو علم لا اسم مدلول العلم ولذلك جاء في كلام الله : ﴿ يقول يا ليتني ﴾ الخ.
والذكر ذكر الله والقرآن أو موعظة الرسول أو نطقه بشهادة الحق وعزمه على الإسلام والشيطان إشارة إلى خليله الذي أضله كما يضله الشيطان، ثم خذله ولم ينفعه في العاقبة.
أو إشارة إلى إبليس وأنه هو الذي حمله على أن صار خليلاً لذلك المضل وخالف الرسول ثم خذله، أو أراد الجنس فيدخل فيه كل من تشيطن من الجن والإنس.
ثم إن الكفار لما أكثروا من الاعتراضات الفاسدة ووجوه التعنت ضاق صدر الرسول وشكاهم إلى الله عز وجل وقال ﴿ يا رب إن قومي ﴾ يعني قريشاً ﴿ اتخذوا هذا القرآن مهجوراً ﴾ أي تركوه وصدّوا عنه وعن الإيمان به.
وعن ابي مسلم أن المراد: وقال الرسول يوم القيامة.
روي عن أنس عن النبي "من تعلم القرآن وعلمه وعلق مصحفاً لم يتعاهده ولم ينظر فيه جاء يوم القيامة متعلقاً به يقول يا رب العالمين عبدك هذا اتخذني مهجوراً اقض بيني وبينه" .
وقيل: هو من هجر إذا هذى.
والجار محذوف أي جعلوه مهجوراً فيه.
وعلى هذا فله معنيان: أحدهما أنهم زعموا أنه كلام لا فائدة فيه.
والثاني أنهم كانوا إذا سمعوه لغوا فيه.
وجوز الكشاف أن يكون المهجور مصدراً بمعنى الهجر كالميسور والمجلود أي اتخذوه هجراً.
سؤال: هذا النداء بمنزلة قول نوح ﴿ رب إني دعوت قومي ليلاً ونهاراً فلم يزدهم دعائي إلا فراراً ﴾ فكيف صارت شكاية نوح سبباً لحلول العذاب بأمته ولم تصر شكاية نبينا سبباً لذلك؟
الجواب أن الكلام بالتمام، وكان من تمام كلام نوح ﴿ رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً ﴾ ولم يكن كلام رسولنا إلا مجرد الشكاية ولم يقتض الدعاء عليهم وذلك من غاية شفقته على الأمة وإن بلغ إيذاؤهم إياه الغاية "ما أوذي نبي مثل ما أوذيت" هذا مع أنه سلاه وعزاه وأمره بالصبر على أذاهم حين قال ﴿ وكذلك جعلنا ﴾ بين ذلك أن له أسوة بسائر الأنبياء فليصبر على ما يلقاه من قومه كما صبروا، وتمام البحث فيه قد سلف في الأنعام في قوله ﴿ وكذلك جعلنا لكل نبيّ عدواً شياطين الإنس والجن ﴾ ﴿ وكفى بربك هادياً ونصيراً ﴾ إلى مصالح الدين والدنيا أو إلى طريق قهرهم والانتصار منهم ونصيراً لك على أعدائك.
ثم حكى عنهم شبهة خامسة وهي قولهم: هلا نزل عليه القرآن حال كونه جملة واحدة أي مجتمعاً.
ومعنى التنزيل ههنا التعدية فقط لقريتة قوله ﴿ جملة ﴾ خلاف ما تقرر في أكثر المواضع من إرادة التكثير المفيد للتدريج كما مر في قوله ﴿ نزل عليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل ﴾ والقائلون قريش أو اليهود فأجاب الله عن شبهتهم بقوله ﴿ لنثبت ﴾ الخ.
وتقريره من وجوه أحدها: أن محمداً لم يكن قارئاً كاتباً بخلاف موسى وداود وعيسى فلم يكن له بد من التلقن والتحفظ فأنزله الله عليه منجماً في عشرين سنة.
وعن ابن جريج: في ثلاث وعشرين ليكون أقرب إلى الضبط وأبعد عن النسيان والسهو.
وثانيها أن الاعتماد على الحفظ أقرب إلى التحصيل من الاعتماد على الكتابة والحفظ لا بد فيه من التدرج.
وثالثها إن نزول الشرائع متدرجة أسهل على المكلف منها دفعة.
ورابعها أن نزول جبريل ساعة فساعة مما يقوي قلبه ويعينه على تحمل أعباء النبوّة والرسالة.
وخامسها أن نزوله مفرّقاً يوجب وقوع التحدي على أبعاض القرآن وأجزائه ونزوله جملة يقتضي وقوع التحدي على مجموعة، ولا ريب في أن الأول أدخل في الإعجاز.
وسادسها أن نزوله بحسب الوقائع والحوادث أوفق في باب التكاليف والاستبصار وأدل على الأخبار عن الحوادث في أوقاتها.
وسابعها أن في تجديد منصب السفارة في كل حين مزيد شرف لجبريل.
وللترتيل معانٍ منها: أنه قدره آية بعد آية ودفعة عقيب دفعة.
ومنها التأني في القراءة ومعنى ﴿ ورتلناه ﴾ أمرنا بترتيل قراءته ومنه حديث عائشة في قراءته: لا يسرد كسردكم.
هذا لو اراد السامع أن يعدّ حروفها لعدها وهو مأخوذ من ترتيل الأسنان أي تفليحها.
يقال: ثغر مرتل ويشبه بنور الأقحوان في تفليجه.
ومنها أنه نزله في مدد متباعدة الأطراف جملتها عشرون سنة ولم يفرقه في مدد متقاربة.
ثم ذكر أنهم محجوبون في كل أوان بقوله: ﴿ ولا يأتونك بمثل ﴾ اي بسؤال عجيب من اسئلتهم الباطلة الذي كأنه مثل في البطلان إلا ونحن نأتي بالجواب الحق الذي لا محيد عنه وبما هو أحسن معنى ومؤدى من سؤالهم.
قال جار الله: لما كان التفسير هو التكشيف عما يدل عليه الكلام وضع موضع معناه فقالوا: تفسير الكلام كيت وكيت كما قيل: معناه كذا وكذا.
ووجه آخر وهو أن يراد ﴿ ولا يأتونك ﴾ بحال وصفة عجيبة يقولون هلا كانت صفته وحاله أن ينزل معه ملك أو يلقى إليه كنز أو ينزل عليه القرآن جملة إلا أعطيناك نحن ما يحق لك في حكمتنا ومشيئتنا وما هو أحسن بياناً لما بعثت به، ومن جملة ذلك تنزيل القرآن مفرقاً منجماً فإن ذلك أدخل في الإعجاز كما مر، ثم أوعد هؤلاء الجهلة بأنهم شر مكاناً من أهل الجنة والبحث عنه نظير ما مر في صفة أهل الجنة خير مستقراً.
قال جار الله: كأنه قيل لهم: إن الذي يحملكم على هذه الأسئلة هو أنكم تضللون سبيله وتحتقرون مكانه ومنزلته، ولو نظرتم بعين الإنصاف وأنتم من المسحوبين على وجوهكم إلى جهنم لعلمتم أن مكانكم شر من مكانه وسبيلكم أضل من سبيله.
عن أبي هريرة عن النبي "يحشر الناس يوم القيامة على ثلاثة أثلاث: ثلث على الدواب وثلث على وجوههم وثلث على أقدامهم ينسلون نسلاً" .
ثم ذكر طرفاً من قصص الأولين على عادة افتنانه في الكلام تنشيطاً للأذهان وتسلية لنبيه كأنه قال: لست يا محمد بأول من ارسلناه فكذب وآتيناه الآيات فردّ بل آتينا موسى التوراة وقويناه بأخيه ومع ذلك كذب ورد.
ومعنى الوزير تقدم في "طه".
والوزارة لا تنافي النبوة فقد كان يبعث في الزمن الواحد أنبياء ويؤمرون بأن يوازر بعضهم بعضاً.
ولاشتراكهما في النبوة قيل لهما ﴿ اذهبا إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا ﴾ إن حملناه على تكذيب آيات الإلهية فظاهر، وإن حملناه على تكذيب آيات النبوة فاللفظ ماضٍ والمعنى على الاستقبال على عادة إخبار الله .
ويجوز أن يراد إلى القوم الذين آل حالهم إلى أن كذبوا فدمرناهم، وعلى هذا فلا حذف.
والتدمير الإهلاك ﴿ وقوم نوح لما كذبوا الرسل ﴾ بأن كذبوه وكذبوا من قبله من الرسل صريحاً كأنهم لم يروا بعثة الرسل اصلاً كالبراهمة، أو لأن تكذيب واحد من الرسل كتكذيب كلهم ﴿ أغرقناهم وجعلناهم ﴾ أي إغراقهم وقصتهم ﴿ للناس آية ﴾ محل اعتبار ﴿ وأعتدنا للظالمين ﴾ وهم قوم نوح أو لكل من سلك سبيلهم في التكذيب.
وقصة عاد وثمود مذكورة مراراً، وأما الرس فعن أبي عبيدة أنه البئر غير المطوية، والقوم كانوا من عبدة الأصنام اصحاب آبار ومواش، بعث الله عز وجل إليهم شعيباً فدعاهم إلى الإسلام فأبوا، فبيناهم حول الرس انهارت بهم فخسف بهم وبديارهم.
وقيل: الرس قرية بفلج اليمامة قتلوا نبيهم فهلكوا وهم بقية ثمود.
وقيل: هم اصحاب النبي حنظلة بن صفوان ابتلاهم الله بالعنقاء وهي أعظم ما يكون من الطيرسميت بذلك لطول عنقها، وكانت تسكن جبلهم وتنقض على صبيانهم فتخطفهم إن أعوزها الصيد فدعا عليها حنظلة فأصابتها الصاعقة.
ثم إنهم قتلوا حنظلة فأهلكوا.
وقيل: هم اصحاب الأخدود والرس عند العرب الدفن يقال: رس الميت: إذا دفن وغيب في الحفيرة.
وقيل: الرس بأنطاكية قتلوا فيها حبيباً النجار وستجيء القصة في سورة يس.
وعن علي أنهم قوم يعبدون شجرة الصنوبر رسوا نبيهم في الأرض.
وقيل: هم قوم كانت لهم قرى على شاطئ نهر يقال له الرس من بلاد المشرق، فبعث الله إليهم نبياً من ولد يهوذا بن يعقوب فكذبوه فلبث فيهم زماناً ثم حفروا بئراً فرسوه فيها قوالوا: نرجو أن يرضى عنا إلهنا، وكان عامة قومهم يسمعون أنين نبيهم يقول: إلهي وسيدي ترى ضيق مكاني وشدة كربي وضعف قلبي فعجل قبض روحي حتى مات، فأرسل الله ريحاً عاصفة شديدة الحمرة وصارت الأرض من تحتهم حجر كبريت متوقداً وأظلتهم سحابة سوداء فذابت ابدانهم كما يذوب الرصاص.وروى ابن جرير بإسناده إلىالنبي : "إن الله بعث نبياً إلى أهل قرية فلم يؤمن به من أهلها إلا عبد أسود، ثم عدوا على الرسول فحفروا له بئراً فألقوه فيها ثم أطبقوا عليه حجراً ضخماً، فكان ذلك العبد يحتطب فيشتري له طعاماً وشرابا ويرفع الصخرة ويدليه إليه وكان كذلك ما شاء الله فاحتطب يوماً فلما اراد أن يحملها وجد نوماً فاضطجع فضرب الله على آذانه سبع سنين.
ثم انتبه وتمطى وتحول لشقه الآخر فنام سبع سنين، ثم هب فاحتمل حزمته وظن أنه نام ساعة من نهار فجاء إلى القرية فباع حزمته فاشترى طعاماً وشراباً وذهب إلى الحفرة فلم يجد أحداً، وكان قومه استخرجوه فآمنوا به وصدقوه وذلك النبي يسألهم عن الأسود فيقولون: لا ندري حاله حتى قبض الله تعالى النبي وقبض ذلك الأسود فقال : إن ذلك الأسود أول من يدخل الجنة" .
قلت هذه الرواية إن صحت فلا مدخل لها في المقصود فإِن المقام يقتضي أن يكون قوماً كذبوا نبيهم فأهلكوا لأجل ذلك.
أما قوله ﴿ وقروناً بين ذلك ﴾ فالمشار إليه ما ذكر من الأمم وقد يذكر الذاكر أشياء مختلفة ثم يشير إليها بذلك ومثله قوله الحاسب "فذلك كذا" أي فما ذكر من الأعداد مجموعها كذا ﴿ وكلاً ﴾ من الأمم والقرون ﴿ ضربنا له الأمثال ﴾ بينا له القصص العجيبة ليعتبروا ويتعظوا ﴿ وكلاً تبرنا ﴾ أهلكنا أشنع الإهلاك حين لم ينجع فيهم ضرب المثل.
والتتبير التفتيت والتكسير.
و ﴿ كلاً ﴾ الأول منصوب بما دل عليه ضربنا له الأمثال وهو انذرنا أو حذرنا ﴿ كلاً ﴾ الثاني منصوب ﴿ بتبرنا ﴾ لأنه ليس بمشتغل عنه بضميره.
والضمير في ﴿ ولقد أتوا ﴾ لقريش، والقرية سدوم من قرى قوم لوط وكانت خمساً، ومطر السوء الحجارة.
﴿ افلم يكونوا ﴾ في مرات مرورهم على تلك القرية في متاجرهم إلى الشام ﴿ يرونها بل كانوا ﴾ قوماً كفروا بالبعث لا يتوقعون نشوراً وعاقبة فمن ثم لم ينظروا إلى آثار عذاب الله نظر عبرة وادكار.
﴿ و ﴾ من جملة كفرهم وعنادهم أنهم ﴿ إذا رأوك يتخذونك إلا ﴾ محل هزؤ.
ثم فسر ذلك الاستهزاء بأنهم يقولون مشيرين إليه على سبيل الاستحقار.
هذا الذي بعثه الله حال كونه رسولاً بزعمه.
ويجوز أن يكون تسميته رسولاً استهزاء آخر من حيث إنه تسليم وإقرار في معرض الجحود والإنكار.
وفي هذا جهل عظيم لأنهم إن استحقروا صورته فإنه أحسنهم خلقاً وأعدلهم مزاجاً مع أنه لم يكن يدعي التميز بالصورة، وإن استهزؤا بالمعنى فبه قد وقع التحدي بظهور المعجز عليه وقامت الحجة عليهم فهم أحق بالاستهزاء منه حين اصروا على الباطل بعد وضوح البرهان على الحق، ولقد شهد عليهم بمضمون هذا التقرير ابن أخت خالتهم إذ قالوا ﴿ إن كاد ﴾ هي مخففة من الثقيلة واللام في ﴿ ليضلنا ﴾ هي الفارقة كأنهم سلموا أنه لقوة العقل وسطوع الحجة شارف أن يغلبهم على دينهم ويقلبهم عن طريقتهم لولا فرط لجاجهم وصبرهم على عبادة آلهتهم.
أطلقوا المقاربة أوّلاً ثم قيدوها بلولا الامتناعية ثانياً، وفيه أنه بذل قصارى مجهوده في دعوتهم حتى شارفوا على الإيمان بزعمهم.
وحين وصفوه بالإضلال والمضل لا بد ان يكون ضالاً في نفسه فكأنهم وصفوه بالضلال فلا جرم أوعدهم الله على ذلك بقوله ﴿ وسوف يعلمون ﴾ إلى آخر الآية.
وإنما يرون العذاب عند كشف الغطاء عن بصر البصيرة.
ثم بين إنه لا تمسك لهم فيما ذهبوا إليه سوى التقليد واتباع هوى النفس فقال معجباً لرسوله: ﴿ أرأيت من اتخذ إِلَـٰهَهُ هواه ﴾ قدم المفعول الثاني للعناية كما تقول: علمت منطلقاً زيداً.
ثم نفى أن يكون هو حافظاً عليهم كقوله: ﴿ وما أنت عليهم بوكيل ﴾ ﴿ لست عليهم بمصيطر ﴾ قال الكلبي: نسختها آية القتال.
عن سعيد بن جبير: كان الرجل يعبد الحجر فإذا رأى أحسن منه رمى به وأخذ آخر.
ثم أضرب عن ذمهم باتخاذ الهوى إلهاً إلى نوع آخر أشنع في الظاهر قائلاً: ﴿ أم يحسب ﴾ وهي منقطعة ومعناه "بل" أيحسب وخص أكثرهم بالذكر إما لصون الكلام عن المنع على عادة الفصحاء العقلاء، وإما لأن منهم من كان يعرف الحق إلا أن حب الرياسة يحمله على الخلاف.
وإنما نفى عنهم السماع والعقل لانتفاء فائدتهما وأثرهما.
وباقي الآية تفسيرها مذكور في آخر الأعراف في قوله ﴿ أولئك كالأنعام بل هم أضل ﴾ قال جار الله: جعلوا أضل من الأنعام لأنها تنقاد لأربابها التي تعلفها وتعرف المحسن من المسيء وتجذب المنافع وتجتنب المضارّ وتهتدي للمراعي والمشارب، وهؤلاء لا ينقادون لربهم ولا يعرفون إحسانه من إساءة الشيطان، ولا يطلبون أعظم المنافع وهو الثواب، ولا يتقون أشد المضارّ وهو العقاب، ولا يهتدون للحق الذي هو المرتع الهنيّ والمشرب الرويّ، قلت: ويحسن أيضاً ان يذكر في وجه التفضيل أن جهل الأنعام بسيط غير مضر وجهل هؤلاء مركب مضر.
ومنهم من قال: إن الأنعام تسبح لله تعالى بخلاف الكفار.
ثم ذكر طرفا من دلائل التوحيد مع ما فيها من عظيم الأنعام فأولها الاستدلال من أحوال الظل والرؤية إما بمعنى البصر فالمراد: ألم تر إلى صنع ربك أو الم تر إلى الظل كيف مده ربك.
وإما بمعنى العلم وهو ظاهر وذلك أن الظل متغير ولكل متغير موجد وصانع.
والخطاب لكل من له أهلية النظر والاستدلال.
وللكلام في تفسير الآية مجال إلا أن ملخص الأقوال فيه اثنان: الأول أن الظل أمر متوسط بين الضوء الخالص والظلمة الخالصة كالكيفيات الحاصلة داخل السقوف الكاملة وأفنية الجدران وهو أعدل الأحوال، لأن الظلمة الخالصة يكرهها الطبع وينفر عنها الحس والضوء الكامل لقوّته يبهر الحس البصري ويؤذي بالتسخين، ولذلك وصف الجنة به في قوله: ﴿ وظل ممدود ﴾ ثم إن الناظر في الظل إلى الجسم الملون كأنه لا يشاهد شيئاً سوى الجسم واللون، فإذا طلعت الشمس ووقع ضوءها على الجسم زال ظلمه فيظهر للعقول أنه كيفية زائدة على ما شاهده أوّلاً.
فمعنى الآية: ألم تر إلى عجيب صنع ربك ﴿ كيف مدّ الظل ﴾ أي جعله ممتداً منبسطاً على الأجسام.
﴿ ولو شاء لجعله ساكناً ﴾ لاصقاً بكل مظل.
﴿ ثم جعلنا الشمس ﴾ على وجوده ﴿ دليلاً ﴾ فلولا الشمس ووقوع ضوئها على الأجرام لما عرف أن للظل وجوداً، لأن الأشياء إنما تعرف بأضدادها: ﴿ ثم قبضناه ﴾ اي أزلنا الظل لا دفعه بل يسيراً يسيراً فإنه كلما ازداد ارتفاع الشمس ازداد نقصان الإظلال في جانب المغرب شيئاً بعد شيء، وفي القبض على هذا الوجه منافع جمة.
الثاني أنه لما خلق السماء والأرض ألقت السماء ظلها على الأرض ممدوداً منبسطاً، ولو شاء لجعله ساكناً مستقراً على تلك الحالة، ثم خلق الشمس وجعلها دليلاً على ذلك الظل، لأن الظل يتبعها كما يتبع الدليل في الطريق من حيث إنه يزيد بها وينقص ويمتد ويتقلص، ثم لقبض الظل معنيان: أحدهما: انتهاء الإظلال إلى غاية مّا من النقصان بالتدريج، وثانيهما قبضه عند قيام الساعة بقبض أسبابه وهي الأجرام النيرة.
وقوله ﴿ إلينا ﴾ يؤكد هذا المعنى الثاني فيكون قوله ﴿ يسيراً ﴾ كما قال ﴿ ذلك حشر علينا يسير ﴾ الاستدلال الثاني من أحوال الليل والنهار شبه ما يستر من ظلام الليل باللباس الساتر، والسبات الراحة قاله أبومسلم.
وذلك أن النوم سبب الراحة ومنه يوم السبت لما جرت به العادة من الاستراحة فيه عند طائفة، وعلى هذا فالنشور بمعنى الانتشار والحركة.
قال جار الله: السبات الموت والمسبوت الميت لأنه مقطوع الحياة، وعلى هذا فالنشور بمعنى البعث وتكون الآية نظير قوله: ﴿ وهو الذي يتوفاكم بالليل ﴾ عن لقمان أنه قال لابنه: يا بني كما تنام فتوقظ كذلك تموت فتنشر.
الاستدلال الثالث قوله ﴿ وهو الذي أرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته ﴾ أي قدم المطر وقد مر تفسيره في "الأعراف" وأنه لم قال ههنا ﴿ أرسل ﴾ بلفظ الماضي وهناك ﴿ يرسل ﴾ أما قوله ﴿ وأنزلنا من السماء ماء طهوراً ﴾ فهو علم بين الفقهاء في الاستدلال به على طهارة الماء في نفسه وعلى مطهريته لغيره حتى فسر الطهور بعضهم - ومنهم أحمد بن يحيى- بأنه الذي يكون طاهراً في نفسه مطهراً لغيره.
واعتراض عليهم صاحب الكشاف بأن الذي قالوه إن كان شرحاً لبلاغته في الطهارة كان سديداً وإلا فليس "فعول" من "التفعيل" في شيء وأقول: إن الزمخشري سلم ان الطهور في العربية على وجهين: صفة كقولك "ماء طهور" اي طاهر، واسم غير صفة ومعناه ما يتطهر به كالوضوء والوقود بفتح الواو فيهما لما يتوضأ به وتوقد به النار، وعلى هذا فالنزاع مدفوع لأن الماء مما يتطهر به هو كونه مطهراً لغيره فكأنه قال: وأنزلنا من السماء ماء هو آلة للطهارة ويلزمه أن يكون طاهراً في نفسه.
ومما يؤكد هذا التفسير أنه ذكره في معرض الأنعام فوجب حمله على الوصف الأكمل، ولا يخفى أن المطهر أكمل من الطاهر نظيره ﴿ وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ﴾ .
ولا ضير أن نذكر بعض أحكام المياه المستنبطة من الآية فنقول: ههنا نظران: الأول أن عين الماء هو طهور أم لا؟
مذهب الأصم والأوزاعي أنه يجوز الوضوء بجميع المائعات، وقال أبو حنيفة: يجوز الوضوء بنبيذ التمر في السفر وتجوز إزالة النجاسة بجميع المائعات المزيلة لأعيان النجاسات.
وقال الشافعي وغيره من الأئمة: إن الطهورية مختصة بالماء لما مر في أول المائدة من إيجاب التيمم عند عدم الماء ولو شارك الماء مائع آخر لما أمر بالتيمم إلا بعد إعوازه أيضاً ودليله في الخبث قوله "ثم اغسليه بالماء" .
النظر الثاني في الماء وفيه بحثان: الأول في الماء المستعمل وإنه طاهر عند الشافعي وليس بمطهر في قوله الجديد.
أما الأول فلإطلاق الآية ﴿ وأنزلنا من السماء ماء طهوراً ﴾ والصل بقاؤه وللحديث "خلق الماء طهوراً" ولأن السلف كانوا لا يحترزون عن تقاطر ماء الوضوء على ثيابهم وابدانهم، ولأنه ماء طاهر لقي جسماً طاهراً فأشبه ما إذا لاقى حجارة.
وأما الثاني فلقوله "لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب" ولو بقي الماء كما كان طاهراً مطهراً لما كان للمنع منه معنى، وكانت الصحابة لا يعتنون بحفظه ليستعملوه ثانياً ولو كان طهوراً لحفظوا ما يغنيهم عن التيمم.
وقال مالك والسدي: إنه طاهر مطهر لإطلاق الآية والحديث، والأصل بقاء صفته على ما كان عليه.
وروي "أنه توضأ فمسح رأسه بفضل ما في يده" .
وعن ابن عباس " أنه اغتسل فرأى لمعة في جسده لم يصبها الماء فأخذ شعرة عليها بلل فأمرها على تلك اللمعة" ، ولقياس ما انفصل من العضو على ما لم ينفصل منه.
وقال أبو حنيفة: إنه نجس قياساً للنجاسة الحكمية على النجاسة الحقيقية.
والمراد باستعمال الماء في المسألة تأدى عبادة الطهارة به أو انتقال المنع إليه فيه وجهان لأصحاب الشافعي، ويتفرع عليه أن المستعمل في الكرة الثانية والثالثة وفي تجديد الوضوء والأغسال المسنونة ليس بطهور على الأول طهور على الثاني.
والماء المستعمل في الحدث لا يجوز استعماله في الخبث على الأصح لأنه مائع لا يرفع الحدث فلا يزيل الخبث كسائر المائعات.
البحث الثاني الماء المتغير إن تغير بنفسه لطول المكث جاز الوضوء به لأنه كان يتوضأ من بئر بضاعة، وكان ماؤها كأنه نقاعة الحناء.
وإن تغير بغيره ولم يتصل به كما لو وقع بقرب الماء جيفة فأنتن الماء فهو أيضاً مطهر،وإن اتصل به وكان طاهراً ولم يخالطه كما لو تغير بدهن أو عود أو كافور صلب فهو أيضاً مطهر، وإن خالطه فإن لم يمكن صون الماء عنه كالمتغير بالتراب والحمأة والورق المتناثر والطحلب فلا بأس بذلك دفعاً للحرج، وكذا لو جرى الماء في طريقه على معدن زرنيخ أو نورة أو كحل وإن أمكن بأن يكون الماء مستغنياً عن جنس ذلك الخليط فإن كان التغير قليلا بحيث لا يضاف الماء إليه أو لا يستحدث اسما جديدا جاز التوضوء به وإلا فلا خلافاً لأبي حنيفة.
حجة الشافعي أنه توضأ ثم قال: هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به، فذلك الوضوء إن كان بالماء المتغير وجب أن لا يجوز إلا به وليس كذلك بالاتفاق بماء غير متغير وهو المطلوب.
ولقائل أن يقول: إن هذا إشارة إلى كيفية الوضوء لا إلى كيفية الماء، والمراد أنه لا يقبل الصلاة بما دون ذلك، وأما الكمال فلا كلام فيه.
قال: وأيضاً إذا اختلط ماء الولد بالماء فتوضأ الإنسان به يحتمل أن ينغسل بعض الأعضاء بما الورد لا بالماء فيكون الحدث يقيناً والطهر مشكوكاً فيه والشك لا يرفع اليقين، وهذا بخلاف ما إذا كان قليلاً لا يظهر اثره فإنه كالمعدوم.
وأيضاً الوضوء تعبد لا يعقل معناه ولهذا لو توضأ بماء الورد لم يصح وضوءه، ولو توضأ بالماء الكدر والمتعفن صح وضوءه وما لا يعقل معناه وجب الاعتماد فيه على مورد النص.
حجة أبي حنيفة إطلاق الآية وقوله: ﴿ فاغسلوا وجوهكم ﴾ وقوله ﴿ فلم تجدوا ماء ﴾ وهذا الشخص غسل ووجد الماء ولأنه أباح الوضوء بسؤر الهرة وسؤر الحائض وإن خالطهما شيء من لعابهما، ولأنه لا خلاف في جواز الوضوء بماء السيول وإن تغير لونها إلى ألوان ما تمر عليها في الصحاري من الحشائش وغيرها.
هذا كله إذا كان الخليط طاهراً، فإن كان نجساً فمذهب الحسن البصري والنخعي ومالك وداود وإليه الغزالي في الإحياء أن الماء لا ينجس ما لم يتغير بالنجاسة، سواء كان الماء كثيراً أو قليلاً.
ومذهب أبي حنيفة أن الماء ينجس باستعماله في البدن لأداء عبادة.
وتيقن مخالطة النجاسة أو غلبتها على الظن سواء تغير أحد أوصافه الثلاثة أو لم يتغير.
قال أبو بكر الرازي: ولا يختلف على هذا الحد ماء البحر وماء البئر والغدير والراكد والجاري لأن ماء البحر لو وقعت فيه نجاسة لم يجز استعمال الماء الذي فيه النجاسة وكذلك الماء الجاري.
قال: وأما اعتبار أصحابنا للغدير الذي إذا حرك أحد طرفيه لم يتحرك الطرف الآخر فإنما هو كلام في وجه يغلب على الظن عدم بلوغ النجاسة الواقعة في أحد طرفيه إلى الطرف الآخر، وليس كلاماً في أن بعض المياه الذي فيه النجاسة قد يجوز استعماله وبعضها لا يجوز استعماله.
ومن الناس من فرق بين القليل والكثير ثم اختلفوا في حد الكثير: فعن عبد الله بن عمر: إذا كان الماء اربعين قلة لم ينجسه شيء وقال سعيد بن جبير: الماء الراكد لا ينجسه شيء إذا كان قدر ثلاث قلال.
وقال الشافعي: إذا كان الماء قلتين بقلال هجر لم ينجسه إلا ما غير طعمه أو ريحه أو لونه.
وقد ينصر من المذاهب قول مالك لوجوه منها: قوله ﴿ وأنزلنا من السماء ماء طهوراً ﴾ ترك العمل به في الماء الذي تغير لونه أو طعمه أو ريحه لظهور النجاسة فيه، ولقوله "خلق الماء طهوراً لا ينجسه شيء إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه" فبقي ما عداه على الأصل.
ومنها قوله : ﴿ فاغسلوا ﴾ والمتوضئ بهذا الماء قد غسل أعضاءه ولا سيما إذ1 كانت النجاسة مستهلكة فيه لا يظهر عليه آثارهما وخواصها من الطعم أو اللون أو الريح.
ومنها أن عمر توضأ من جرة نصرانية مع أن نجاسة أوانيهم غالبة على الظن، فدل ذلك على أنه لم يعول إلا على عدم التغير.
ومنها أن تقدير الماء بمقدار معلوم لو كان معتبراً كالقلتين عند الشافعي وعشر في عشر عند ابي حنيفة، لكان أولى المواضع بذلك مكة والمدينة لأنه لا تكثر المياه هنالك لا الجارية ولا الراكدة، ولم ينقل أنهم خاضوا في تقدير المياه ولا أنهم سألوا عن كيفية حفظها، وكانت أوانيهم يتعاطاها الصبيان والإماء الذين لا يحترزون عن النجاسات، وكانوا لا يمنعون الهرة من شرب الماء وقد اصغى لها الإناء رسول الله بعد أن كانوا يرون أنها تأكل الفأرة، ولم يكن في بلادهم حياض تكرع السنانير فيها.
ومنها أن الشافعي نص على أن غسالة النجاسة طاهرة إذا لم تتغير بنجس، واي فرق بين أن يلاقي الماء النجاسة بالورود عليها أو بورودها عليه، وأي معنى لقول القائل: إن قوة الورود تدفع النجاسة مع أن قوة الورود لم يتمنع المخالطة؟
ومنها أنهم كانوا يستنجون على أطراف المياه الجارية القليلة.
وقال الشافعي: إذا وقع بول في ماء جارٍ ولم يتغير جاز الوضوء به.
وايّ فرق بين الجاري والراكد؟
والتعويل على قوة الماء بسبب الجريان ليس أولى من التعويل على عدم التغير.
ومنها أنه لو وقعت نجاسة في قلتين فكل كوز يؤخذ منه فهو طاهر عنده، ومعلوم أن البول ينتشر فيه وهو قليل فأي فرق بينه إذا وقع ذلك البول في ذلك القدر من الماء ابتداء وبينه إذا وصل غليه عند اتصال غيره به؟.
ومنها أن الحمامات لم تزل في الأعصار الخالية يتوضأ منها المتقشفون مع علمهم بأن اليدي والأواني الطاهرة والنجسة كانت تتوارد عليها، ولو كان التقدير بالقلتين وغير ذلك معتبراً لاشتهر وتواتر.
ومنها أن النصوص في التقدير متخالفة؛ أما تقدير أبي حنيفة بالعشر في العشر فمجرد تحكم، وأما تقدير الشافعي بالقلتين بناء على قوله "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثاً" فضعيف.
لأن راوية مجهول، فإن الشافعي لما روى هذا الخبر قال: أخبرني رجل.
فيكون الحديث مرسلاً والمرسل عنده ليس بحجة.
سلمناه ولكن القلة مجهولة فإنها تصلح للكوز وللجرة ولكل ما يقل باليد وهي أيضاً اسم لهامة الرجل ولقلة الجبل.
سلمنا لكن في متن الخبر اضطراب، فقد روي "إذا بلغ الماء قلتين" وروي "إذا بلغ قلة" وروي "أربعين" "وإذا بلغ كرين" سلمنا صحة المتن لكنه متروك الظاهر لأن قوله "لم يحمل خبثاً" لا يمكن إجراؤه على ظاهره، فإن الخبث إذا ورد عليه فقد حمله.
سلمنا إجاءه على الظاهر لكن الخبث لغوي وشرعي وحمله على اللغوي لكونه حقيقة أولى، فمعنى الحديث أن لا يصير مستقذراً طبعاً.
ونحن نقول: بموجبه لكن لم قلتم: إنه لا ينجس شرعاً؟
سلمنا أن المراد هو الخبث الشرعي لكن لم لا يجوز أن يكون معنى قوله "لم يحمل خبثاً" أنه يضعف عن حمله أي يتأثر به؟
أجاب بعض الشافعية عن هذه المنوع بأن كثيراً من المحدثين عينوا اسم الراوي في حديث القلتين، فإن يحيى بن معين قال: إنه جيد الإسناد.
فقيل له: إن ابن علية وقفه على ابن عمر.
فقال: إن كان ابن علية وقفه فحماد بن سلمة رفعه.
وقوله "القلة مجهولة" غير مسلم لأن ابن جريج قال في روايته: بقلال هجر.
ثم قال: وقد شاهدت قلال هجر وكانت القلة تسع قربتين وشيئاً.
وإذا كانت هذه الرواية معتبرة فقط لم يكن في متن الحديث اضطراب، وحمل الخبث على الشرعي أولى لأن المسألة شرعية وتفسير عدم حمل الخبث بالتأثر تعسف لأنه صح في بعض الروايات "إذا كان الماء قلتين لم ينجس" ولأنه لا يبقى لذكر القلتين حينئذ فائدة لأن ما دون القلتين ايضاً بتلك المثابة، وزيف بأنه بعد التصحيح يوجب تخصيص عموم الكتاب والسنة الظاهرة البعيدة عن الاحتمال بمثل هذا الخبر المجمل.
حجة من حكم بنجاسة الماء الذي خالطه نجاسة كيف كانت قوله : ﴿ ويحرم عليهم الخبائث ﴾ وقوله ﴿ إنما حرم عليكم الميتة والدم ﴾ } [النحل: 115] وقال في الخمر ﴿ رجس من عمل الشيطان ﴾ حرم هذه الشياء مطلقاً ولم يفرق بين حال انفرادها وحال اختلاطها بالماء، فوجب تحريم استعمال كل ماء تيقنا فيه جزءاً من النجاسة.
وأيضاً الدلائل التي ذكرتموها مبيحة ودلائلنا حاظرة والحاظر غالب على المبيح بدليل أن الجارية المشتركة لا يحل لواحد منهما وطؤها وأيضاً قال "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل فيه من جنابة" أطلق من غير فرق بين القليل والكثير.
أجاب مالك أنه لا نزاع في تحريم استعمال النجاسات، لكن الكلام في أنه متى ما لم يتغير فليس للنجاسة أثر لأنها انقلبت عن صفتها فكأنها معدومة والنهي عن البول في الماء لتنفر الطبع أو للتنزيه لا للتحريم.
واعلم أنه بين في سورة الأنفال أن من غاية إنزال الماء من السماء تطهير المكلفين به حين قال: ﴿ وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ﴾ ففي وصفه ههنا بكونه طهوراً إشارة إلى ذلك.
ثم رتب على الإنزال غايتين أخريين.
أولاهما تتعلق بالنبات، والثانية بالحيوان الأعجم فالناطق.
وفي هذا الترتيب تنبيه على أن الكائنات تبتدئ في الرجوع من الأخس إلى الأشرف، وفيه أن الغرض من الكل هو نوع الإنسان مع أن حياة الأناسي بحياة أرضهم وأنعامهم.
قال ﴿ ميتاً ﴾ مع قوله ﴿ بلدة ﴾ بالتأنيث لأن "فيعلاً" غير جارٍ على الفعل فكأنه اسم جامد وصف به، أو بتأويل البلد والمكان.
والأناسيّ جمع أنسي أو جمع إنسان على أن اصله أناسين فقلبت النون ياء.
و"فعيل" قد يستوي فيه الواحد والجمع فلهذا لم يقل وأناسي كثيرين ومثله ﴿ وقروناً بين ذلك كثيراً ﴾ .
اسئلة أوردها جار الله مع أجوبتها: الأول: أن إنزال الماء موصوفاً بالطهارة وتعليله بالإحياء ولاسقي يؤذن بأن الطهارة شرط في صحة الإحياء والسقي كما تقول: حملني الأمير على فرس جواد لأصيد به الوحش.
الجواب لما كان سقي الأناسي من جملة ما أنزل له الماء وصفه بالطهور إكراماً لهم وتتميماً للمنة عليهم واشارة إلى أن من حق استعمال الماء في الباطن والظاهر أن يكون طاهراً غير مخالط لشيء من القاذورات.
قلت: قد قررنا فائدة هذا الوصف بوجه آخر آنفاً.
السؤال الثاني: لم خص الأنعام من بين ما خلق من الحيوان المنتفع بالماء؟
الجواب لأن الطير والوحش تبعد في طلب لاماء فلا يعوزها الشرب بخلاف الأنعام، ولأنها قنية الإنسان وعامة منافعه متعلقة بها فسقيها إنعام عليه.
الثالث: ما معنى تنكير الأنعام والأناسي ووصفهم بالكثرة؟
الجواب لأن بعض الأنعام والأناسي الذين هم بقرب الأودية والأنهار العظام لا يحتاجون إلى ماء السماء احتياجاً بيناً، ولمثل هذا نكر البلدة في قوله ﴿ بلدة ميتاً ﴾ قوله ﴿ ولقد صرفناه ﴾ الأكثرون على أن الضمير عائد إلى ما ذكر من الدلائل أي كررنا أحوال الإظلال وذكر إنشاء السحاب وإنزال المطر في القرآن وفي سائر الكتب السماوية ليتفكروا ويعتبروا ويعرفوا حق النعمة فيه ويشكروا، فأبى أكثرهم إلا كفران النعمة وجحودها.
وقال آخرون: إنه يرجع إلى أقرب المذكورات وهو المطر أي صرفنا المطر بينهم في البلدان المختلفة والأوقات المتغايرة وعلى الصفات المتباينة من وابل وطل وغير ذلك فأبوا إلا كفوراً وأن يقولوا: مطرنا بنوء كذا استقلالاً.
فإن جعلوا الأنواء كالوسائط والأمارات فلا بأس.
والنوء سقوط نجم من المنازل الثمانية والعشرين للقمر في المغرب مع الفجر وطلوع رقيبه وهو نجم آخر في المشرق يقابله من ساعته في كل ليلة إلى ثلاثة عشر يوماً وهو أكثر، أو إلى أربعة عشر وهو أقل.
والعرب تضيف الأمطار والحر والبرد إلى الساقط منها أو إلى الطالع.
فإذا مضت مدة النوء ولم يحدث شيء من مطر وغيره يقال: خوى نجم كذا أي سقط ولم يكن عنده اثر علوي؟
عن ابن عباس: ما من عام أقل مطراً من عام ولكن الله عز وجل قسم ذلك بين عباده على ما يشاء وتلا هذه الآية.
ويؤيد هذا التفسير تنكير البلدة والأنعام والأناسي.
قال الجبائي: في قوله ﴿ ليذكروا ﴾ دليل على أنه أراد من الكل التذكر والإيمان.
وفي قوله ﴿ فأبى أكثر الناس ﴾ دلالة على أن المكلف له قدرة على الفعل والترك إذ لا يقال للزمن مثلاً إنه أن يسعى.
وقال الكعبي: الضمير في ﴿ بينهم ﴾ لكل الناس فيكون الأكثر داخلا في ذلك العام إذ لا يجوز أن يقال: أنزلناه على قريش ليؤمنوا فأبى أكثر بني تميم إلا كفوراً.
وعند هذا يظهر أنه أراد من جميع المكلفين أن يؤمنوا ويعتبروا ومعارضة الأشاعرة معلومة.
التأويل: ﴿ ويوم تشقق السماء ﴾ سماء القلب من غمام البشرية وهو يوم سعادة الطالبين الصادقين، ونزل ملائكة الصفات الروحانية ﴿ الملك ﴾ الحقيقي ﴿ يومئذ ﴾ ﴿ للرحمن ﴾ إذ لم يبق غيره ورجع إليه وذلك مقام الوحدة والفناء في الله والبقاء به: ﴿ وكان يوماً على الكافرين عسيراً ﴾ إذ لم يبق من صفات النفوس الكافرة وحظوظها أثر ولا عين: ﴿ ويوم يعض الظالم ﴾ نفسه وهو المشرك شركاً ظاهراً أو خفياً ﴿ على يديه ﴾ والآية حكمها عام في كل متحابين اجتمعا على معصية الله .
وعن مالك بن دينار: إنك إن تنقل الحجارة مع الأبرار خير من أن تأكل كل الخبيص مع الفجار.
﴿ لنثبت به فؤادك ﴾ بأن نخلق قلبك بقلب القرآن وكان بذر التوحيد أوقع في قلب النبي في سر ﴿ ألم نشرح لك صدرك ﴾ وكان يتربى بما أنزل عليه بل على قلبه منجماً، فلما أورق كان ورقه ﴿ الرحمن علم القرآن ﴾ فلما أزهر كان زهره ﴿ فأوحى إلى عبده ما أوحى ﴾ فلما أثمر كانت ثمرته ﴿ فاعلم أنه لا إله إلا الله ﴾ ﴿ يحشرون على وجوههم ﴾ لأن توجههم إلى أسفل سافلي الطبيعة فيحشرون منكوسين إلى جهنم البعد عن الحضرة ﴿ الم تر إلى ربك ﴾ فيه أن نبينا رآه وقد قال لموسى ﴿ لن تراني ﴾ وذلك البقاء أنانيته ﴿ كيف مدّ الظل ﴾ عالم الأجسام ﴿ ولو شاء لجعله ساكناً ﴾ في كتم العدم ﴿ ثم جعلنا ﴾ شمس عالم الأرواح على وجود ذلك الظل دليلاً بأن كانت محركة لها إلى غاياتها المخلوقة هي لأجلها، فعرف من ذلك أنه لولا الأرواح لم تخلق الأجساد ولم تتكون بالأجسام.
وفي قوله: ﴿ ثم قبضناه إلينا ﴾ إشارة إلى أن كل مركب فإنه سيحل إلى بسائطه إذا حصل على كماله الأخير.
وبوجه آخر الظل ما سوى نور الأنوار يستدل به على صانعه الذي هو شمس عالم الوجود وهذا شأن الذاهبين من غيره إليه.
وفي قوله ﴿ ثم جعلنا ﴾ إشارة إلى مرتبة أعلى من ذلك وهي الاستدلال به على غيره كقوله: ﴿ أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد ﴾ وهذه مرتبة الصديقين.
وقوله ﴿ ثم قبضناه ﴾ كقوله ﴿ كل شيء هالك ﴾ ﴿ ألا إلى الله تصير الأمور ﴾ وبوجه آخر الظل هو حجاب الذهول والغفلة والشمس شمس التجلي المعروفة من افق العناية عند صباح الهداية: ﴿ ولو شاء لجعله ﴾ دائماً لا يزول وإنما يستدل على الذهول بالعرفان.
وفي قوله: ﴿ ثم قبضناه ﴾ إشارة إلى أن الكشف التام يحصل بالتدريج عند انقضاء مدة التكليف.
ثم بين حكمة الإظلال بقوله: ﴿ وهو الذي جعل لكم ﴾ ليلة البشرية ﴿ لباساً ﴾ كيلا تحترقوا بدوام شمس تجلي الربوبية، وجعل ليوم الغفلة راحة بعد سطوة التجلي، وجعل نهار العرفان نشوراً أي حياة بنور الربوبية ﴿ وهو الذي أرسل ﴾ رياح الإشراق على قلوب الأحباب فتزعجها من المساكنات عند الستر فلا تستقر إلا بالكشف والتجلي ﴿ وأنزلنا ﴾ من سماء الكرم ﴿ ماء ﴾ حياة العرفان الذي يطهر قلوب المشتاقين عن الجنوح إلى المساكنات وما يتداخلها في بعض الأوقات من الغفلات ﴿ لنحيي به بلدة ﴾ القلوب الميتة عن نور الله بنور الله ﴿ ونسقيه ﴾ من جملة مخلوقاتنا من هو على طبع الأنعام لغلبة الصفات الحيوانية عليه فيسقي زرع إيمانه بماء الرحمة والذكر كما قال "لا إله إلا الله تنبت الإيمان في القلب كما ينبت الماء البقلة" ونسقيه من الأنس من سكن إلى رياض الأنس يفطمه به عن مراضع الإنسانية إلى المشارب الروحانية، ويطهره عن وصمة الملاحظات ويذيقه طعم المكاشفات.
﴿ ولقد صرفنا ﴾ الذي هو ماء حياة القلوب بينهم ﴿ ليذكروا ﴾ به أيام جوار الحق وأوطانهم الحقيقية ﴿ فأبى أكثر ﴾ الناسين تلك المعاهدة والمشاهدة ﴿ إلا كفوراً ﴾ بنعمة القرآن وما عرفوا قدرها والله المستعان وإليه المآب.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾ : قد ذكرنا في غير موضع أن حرف ﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾ هو حرف تعجب واستفهام، لكن في الحقيقة على الإيجاب، أي: وقد رأيت.
وقوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ ﴾ أي: إلى تدبير ربك ولطفه أن كيف مد الظل، وهو لا يؤذي ولا يضر ولا يحس، ولا يشعر به أحد بكونه فيه ولا يثقل ولا يخف، ولا يستر ولا يكشف عن وجوه الأشياء، إنما النور هو الكاشف عن وجوه الأشياء، والظلمة هي الساترة لذلك، ونحو ذلك ما يكثر ذكره مما يحيط بالخلائق كلها؛ ليعلم أن من المحسوسات التي يقع عليها الحواس ما لا يدرك حقيقة من نحو الظل الذي ذكرنا هو ما لا يدرك حقيقة، ومن نحو السمع والبصر والعقل والنطق باللسان، ونحو ذلك من المحسوسات؛ ليعلم أن الذي سبيل معرفته الاستدلال وهو منشئ هذه الأشياء - أحق ألا يدرك ولا يحاط بتدبيره ولطفه؛ [و] ليعلم أن من بلغ تدبيره ولطفه هذا المبلغ لا يحتمل أن يعجزه شيء أو يخفى عليه شيء؛ يخبر عن قدرته وتدبيره ولطفه، ليعلم أنه قادر ومدبر بذاته لطيف.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ شَآءَ لَجَعَلَهُ سَاكِناً ﴾ أي: دائباً لا يذهب أبداً، ولا تصيبه الشمس ولا يزول.
وقال بعضهم: ﴿ سَاكِناً ﴾ أي: مستقراً دائماً لا تنسخه الشمس كظل الجنة.
وقوله: ﴿ ثُمَّ جَعَلْنَا ٱلشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً ﴾ : قال بعضهم: أي: تتلوه وتتبعه حتى تأتي على كله.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ جَعَلْنَا ٱلشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً ﴾ يقول: حيثما تكون الشمس يكون الظل، وأصله: أنه بالشمس يعرف الظل أنه ظل، ولولا الشمس ما عرف الظل، فهو دليل معرفته وكونه أنه ظل.
وقوله: ﴿ ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضاً يَسِيراً ﴾ : قال بعضهم: هَيِّناً خفِيّاً، وأصله: أنه يقبض بالشمس الظل وينسخه شيئاً فشيئاً، حتى تأتي على كله.
وقوله: ﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيلَ لِبَاساً ﴾ قيل: سكنا يسكن فيه الخلائق.
وقيل: لباسا، أي: سترا.
﴿ وَٱلنَّوْمَ سُبَاتاً ﴾ قال بعضهم: أي: راحة، يقال: سبت الرجل يسبت سباتا فهو مسبوت.
وقال بعضهم: أصل السبت: التمدد.
وقال بعضهم: سبت الرجل إذا نعس.
وقيل: رجل مسبوت: لا يعقل كأنه مسبت.
﴿ وَجَعَلَ ٱلنَّهَارَ نُشُوراً ﴾ : فمن جعل السبات: النوم، جعل قوله: و ﴿ ٱلنَّهَارَ نُشُوراً ﴾ أي: حياة يحيون فيه.
ومن يقول: السبات: راحة، يجعل النهار نشورا: ينشر فيه للمعاش والكسب وابتغاء الرزق.
وقال بعضهم: يذكر نعمه ومننه على عباده؛ لتأدي شكره.
وقال أبو معاذ: قال مقاتل: ﴿ مَدَّ ٱلظِّلَّ ﴾ يعني: الفيء من أول وقت صلاة الفجر إلى طلوع الشمس.
وأخطأ؛ لا يسمى ذلك الظل: فيئاً.
وقال الكسائي: العرب تقول: الظل من حين تصبح إلى انتصاف النهار، فإذا زالت الشمس عن كبد السماء فما خرج من ظل فذلك الفيء ويقال للفيء: الظل، ولا يقال للظل: فيء قبل الزوال.
وقوله: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ ٱلرِّيَاحَ بُشْرَاً ﴾ : قال بعضهم: ﴿ نشرا ﴾ أي: حياة.
وقال بعضهم: ﴿ نشراً ﴾ للسحاب: تنشره، أي: تبسطه.
وعلى التأويل الأول ننشرها، أي: نحييها.
وقوله: ﴿ بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ﴾ أي: بين يدي المطر، سمي المطر: رحمة؛ لما برحمته يكون؛ وكذلك ما سمى الجنة: رحمة؛ لأنها برحمة ما يدخل من دخل فيها.
وقوله: ﴿ بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ﴾ : هذا يدل أنه لا يفهم باليد: اليد المعروفة التي هي الجارحة، حيث ذكر للمطر ذلك ولا يعرف - أعني: اليد - ليعلم أنه لا يفهم من قوله: بيد الله، بين يدي الله - ذلك، وبالله العصمة.
وقرأ بعضهم: ﴿ بُشْرَاً ﴾ بالباء، وهو من البشارة؛ كقوله: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَن يُرْسِلَ ٱلرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ ﴾ أي: تبشرهم بالرحمة والسعة، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً طَهُوراً ﴾ أي: ما يطهر به الأنجاس والأقذار الظاهر منها والباطن؛ وكذا الطهور أنه يطهر حيثما أصابه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَآ أَنْعَاماً وَأَنَاسِيَّ كَثِيراً ﴾ : قال بعضهم: الأناسي: جمع إنسي.
وقال بعضهم: هي جمع إنسان، وأصله بالنون (أناسين)، لكن أبدلت النون ياء.
وقال أبو عوسجة والقتبي: أناسيّ مشددة، يعني: أناس، وأناسي جماعة الإنسان على ما ذكرنا.
ويحتمل قوله: ﴿ وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَآ أَنْعَاماً وَأَنَاسِيَّ كَثِيراً ﴾ ، أي: نسقيه من الماء الطّهور والمنزل من السماء كثيراً من الأنعام، وكثيراً من الإناس، وكثيراً ما يسقى من المياه المنتزعة من الأرض.
<div class="verse-tafsir"
وهو الذي بعث الرياح مبشرة بنزول المطر الذي هو من رحمته بعباده، وأنزلنا من السماء ماء المطر طاهرًا يتطهرون به.
<div class="verse-tafsir" id="91.mB3J4"