تفسير الماوردي سورة الفرقان

الإسلام > القرآن > تفسير > الماوردي > تفسير سورة الفرقان

تفسيرُ سورةِ الفرقان كاملةً من تفسير الماوردي (النكت والعيون) (أبو الحسن الماوردي).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 58 دقيقة قراءة

تفسير سورة الفرقان كاملةً (أبو الحسن الماوردي)

تَبَارَكَ ٱلَّذِى نَزَّلَ ٱلْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِۦ لِيَكُونَ لِلْعَـٰلَمِينَ نَذِيرًا ١ ٱلَّذِى لَهُۥ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًۭا وَلَمْ يَكُن لَّهُۥ شَرِيكٌۭ فِى ٱلْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍۢ فَقَدَّرَهُۥ تَقْدِيرًۭا ٢ وَٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةًۭ لَّا يَخْلُقُونَ شَيْـًۭٔا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرًّۭا وَلَا نَفْعًۭا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًۭا وَلَا حَيَوٰةًۭ وَلَا نُشُورًۭا ٣

سُورَةُ الفُرْقانِ مَكِّيَّةٌ كُلُّها قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: إلّا ثَلاثَ آياتٍ مِنها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ وهي: ﴿ والَّذِينَ لا يَدْعُونَ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَبارَكَ ﴾ في تَبارَكَ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: تَفاعُلٌ مَعَ البَرَكَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّهُ الَّذِي يَجِيءُ البَرَكَةُ مِن قِبَلِهِ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّالِثُ: خالِقُ البَرَكَةِ: قالَهُ إبْراهِيمُ.

وَفي البَرَكَةِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: العُلُوُّ.

الثّانِي: الزِّيادَةُ.

الثّالِثُ: العَظَمَةُ.

فَيَكُونُ تَأْوِيلُهُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ: تَعالى، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي تَزايَدَ، وعَلى الوَجْهِ الثّالِثِ: تَعاظَمَ.

وَ ﴿ الفُرْقانَ ﴾ هو القُرْآنُ وقِيلَ إنَّهُ اسْمٌ لِكُلِّ كُتّابٍ مُنَزَّلٍ كَما قالَ تَعالى: ﴿ وَإذْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ والفُرْقانَ ﴾ وفي تَسْمِيَتِهِ فُرْقانًا وجْهانِ: أحَدُهُما: لِأنَّهُ فَرْقٌ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ.

الثّانِي: لِأنَّ فِيهِ بَيانَ ما شُرِعَ مِن حَلالٍ وحَرامٍ، حَكاهُ النَّقّاشُ.

﴿ عَلى عَبْدِهِ ﴾ يَعْنِي مُحَمَّدًا  ، وقَرَأ ابْنُ الزُّبَيْرِ ( عَلى عِبادِهِ ) بِالجَمْعِ.

﴿ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لِيَكُونَ مُحَمَّدٌ نَذِيرًا، قالَهُ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: لِيَكُونَ الفُرْقانُ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.

والنُّذُرُ: المُحَذِّرُ مِنَ الهَلاكِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: فَلَمّا تَلاقَيْنا وقَدْ كانَ مُنْذِرٌ.

.

نَذِيرًا فَلَمْ يَقْبَلْ نَصِيحَةَ ذِي النُّذُرِ والمُرادُ بِالعالَمِينَ هُنا الإنْسُ والجِنُّ لِأنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ قَدْ كانَ رَسُولًا إلَيْهِما ونَذِيرًا لَهُما وأنَّهُ خاتَمُ الأنْبِياءِ، ولَمْ يَكُنْ غَيْرُهُ عامَّ الرِّسالَةِ إلّا نُوحًا فَإنَّهُ عَمَّ بِرِسالَتِهِ جَمِيعَ الإنْسِ بَعْدَ الطُّوفانِ لِأنَّهُ بَدَأ بِهِ الخَلْقَ، واخْتُلِفَ في عُمُومِ رِسالَتِهِ قَبْلَ الطُّوفانِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: عامَّةٌ لِعُمُومِ العِقابِ بِالطُّوفانِ عَلى مُخالَفَتِهِ في الرِّسالَةِ.

الثّانِي: خاصَّةٌ بِقَوْمِهِ لِأنَّهُ ما تَجاوَزَهم بِدُعائِهِ.

<div class="verse-tafsir"

وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِنْ هَـٰذَآ إِلَّآ إِفْكٌ ٱفْتَرَىٰهُ وَأَعَانَهُۥ عَلَيْهِ قَوْمٌ ءَاخَرُونَ ۖ فَقَدْ جَآءُو ظُلْمًۭا وَزُورًۭا ٤ وَقَالُوٓا۟ أَسَـٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ ٱكْتَتَبَهَا فَهِىَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةًۭ وَأَصِيلًۭا ٥ قُلْ أَنزَلَهُ ٱلَّذِى يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ غَفُورًۭا رَّحِيمًۭا ٦

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ يَعْنِي مُشْرِكِي قُرَيْشٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: القائِلُ مِنهم ذَلِكَ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ.

﴿ إنْ هَذا ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ.

﴿ إلا إفْكٌ افْتَراهُ ﴾ أيْ كَذِبٌ اخْتَلَقَهُ.

﴿ وَأعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ ﴾ وفِيمَن زَعَمُوا أنَّهُ أعانَهُ عَلَيْهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: قَوْمٌ مِنَ اليَهُودِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: عَبْدُ اللَّهِ الحَضْرَمِيُّ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّالِثُ: عَدّاسٌ غُلامُ عُتْبَةَ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

والرّابِعُ: أبُو فُكَيْهَةَ الرُّومِيُّ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

<div class="verse-tafsir"

وَقَالُوا۟ مَالِ هَـٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأْكُلُ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشِى فِى ٱلْأَسْوَاقِ ۙ لَوْلَآ أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌۭ فَيَكُونَ مَعَهُۥ نَذِيرًا ٧ أَوْ يُلْقَىٰٓ إِلَيْهِ كَنزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُۥ جَنَّةٌۭ يَأْكُلُ مِنْهَا ۚ وَقَالَ ٱلظَّـٰلِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًۭا مَّسْحُورًا ٨ ٱنظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا۟ لَكَ ٱلْأَمْثَـٰلَ فَضَلُّوا۟ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًۭا ٩ تَبَارَكَ ٱلَّذِىٓ إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًۭا مِّن ذَٰلِكَ جَنَّـٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُورًۢا ١٠ بَلْ كَذَّبُوا۟ بِٱلسَّاعَةِ ۖ وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِٱلسَّاعَةِ سَعِيرًا ١١ إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍۭ بَعِيدٍۢ سَمِعُوا۟ لَهَا تَغَيُّظًۭا وَزَفِيرًۭا ١٢ وَإِذَآ أُلْقُوا۟ مِنْهَا مَكَانًۭا ضَيِّقًۭا مُّقَرَّنِينَ دَعَوْا۟ هُنَالِكَ ثُبُورًۭا ١٣ لَّا تَدْعُوا۟ ٱلْيَوْمَ ثُبُورًۭا وَٰحِدًۭا وَٱدْعُوا۟ ثُبُورًۭا كَثِيرًۭا ١٤

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالُوا مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهم قالُوا ذَلِكَ إزْراءً عَلَيْهِ أنَّهُ لَمّا كانَ مِثْلُهم مُحْتاجًا إلى الطَّعامِ وَمُتَبَذِّلًا في الأسْواقِ لَمْ يَجُزْ أنْ يَتَمَيَّزَ عَلَيْهِمْ بِالرِّسالَةِ ووَجَبَ أنْ يَكُونَ مِثْلَهم في الحُكْمِ.

الثّانِي: أنَّهم قالُوا ذَلِكَ اسْتِزادَةً لَهُ في الحالِ كَما زادَ عَلَيْهِمْ في الِاخْتِصاصِ فَكانَ يَجِبُ ألّا يَحْتاجَ إلى الطَّعامِ كالمَلائِكَةِ، ولا يَتَبَذَّلُ في الأسْواقِ كالمُلُوكِ.

وَمُرادُهم في كِلا الوَجْهَيْنِ فاسِدٌ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لَيْسَ يُوجِبُ اخْتِصاصُهُ بِالمَنزِلَةِ نَقْلَهُ عَنْ مَوْضِعِ الخِلْقَةِ لِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ كُلَّ جِنْسٍ قَدْ يَتَفاضَلُ أهْلُهُ في المَنزِلَةِ ولا يَقْتَضِي تَمْيِيزَهم في الخِلْقَةِ كَذَلِكَ حالُ مَن فُضِّلَ في الرِّسالَةِ.

الثّانِي: أنَّهُ لَوْ نُقِلَ عَنْ مَوْضُوعِ الخِلْقَةِ بِتَمْيِيزِهِ بِالرِّسالَةِ لَصارَ مِن غَيْرِ جِنْسِهِمْ ولَما كانَ رَسُولًا مِنهم، وذَلِكَ مِمّا تَنْفِرُ مِنهُ النُّفُوسُ.

وَأمّا الوَجْهُ الثّانِي: فَهو أنَّ الرِّسالَةَ لا تَقْتَضِي مَنعَهُ مِنَ المَشْيِ في الأسْواقِ لِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ هَذا مِن أفْعالِ الجَبابِرَةِ وقَدْ صانَ اللَّهُ رَسُولَهُ عَنِ التَّجَبُّرِ.

الثّانِي: لِحاجَتِهِ لِدُعاءِ أهْلِ الأسْواقِ إلى نُبُوَّتِهِ، ومُشاهَدَةِ ما هم عَلَيْهِ مِن مُنْكَرٍ يَمْنَعُ مِنهُ ومَعْرُوفٍ يُقِرُّ عَلَيْهِ.

﴿ لَوْلا أُنْزِلَ إلَيْهِ ﴾ الآيَةَ أيْ هَلّا أُنْزِلَ إلَيْهِ ﴿ مَلَكٌ ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ المَلَكُ دَلِيلًا عَلى صِدْقِهِ.

الثّانِي: أنْ يَكُونَ وزِيرًا لَهُ يَرْجِعُ إلى رَأْيِهِ.

﴿ أوْ يُلْقى إلَيْهِ كَنْزٌ ﴾ فَلا يَكُونُ فَقِيرًا.

﴿ أوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنها ﴾ والجَنَّةُ البُسْتانُ فَكَأنَّهُمُ اسْتَقَلُّوهُ لِفَقْرِهِ.

قالَ الحَسَنُ: واللَّهِ ما زَواها عَنْ نَبِيِّهِ إلّا اخْتِيارًا ولا بَسَطَها لِغَيْرِهِ إلّا اغْتِرارًا ولَوْلا ذاكَ لَما أعالَهُ.

قَوْلُهُ: ﴿ وَقالَ الظّالِمُونَ ﴾ يَعْنِي مُشْرِكِي قُرَيْشٍ وقِيلَ إنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبَعْرى.

﴿ إنْ تَتَّبِعُونَ إلا رَجُلا مَسْحُورًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: سُحِرَ فَزالَ عَقْلُهُ.

الثّانِي: أيْ سَحَرَكم فِيما يَقُولُهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ ﴾ يَعْنِي ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِمْ.

﴿ فَضَلُّوا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فَضَلُّوا عَنِ الحَقِّ في ضَرْبِها.

الثّانِي: فَناقَضُوا في ذِكْرِها لِأنَّهم قالُوا افْتَراهُ ثُمَّ قالُوا تُمْلى عَلَيْهِ وهُما مُتَناقِضانِ.

﴿ فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَخْرَجًا مِنَ الأمْثالِ الَّتِي ضَرَبُوها، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: سَبِيلًا إلى الطّاعَةِ لِلَّهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّالِثُ: سَبِيلًا إلى الخَيْرِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا أُلْقُوا مِنها مَكانًا ضَيِّقًا ﴾ قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: إنَّ جَهَنَّمَ لَتَضِيقُ عَلى الكافِرِينَ كَضِيقِ الزُّجِّ عَلى الرُّمْحِ.

﴿ مُقَرَّنِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مُكَتَّفِينَ، قالَهُ أبُو صالِحٍ.

الثّانِي: يُقْرَنُ كُلُّ واحِدٌ مِنهم إلى شَيْطانِهِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

﴿ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُورًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: ويْلًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: هَلاكًا، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّالِثُ: مَعْناهُ وانْصِرافاهُ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ: « (أوَّلُ مَن يَقُولُهُ إبْلِيسُ)» .

<div class="verse-tafsir"

قُلْ أَذَٰلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ ٱلْخُلْدِ ٱلَّتِى وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ ۚ كَانَتْ لَهُمْ جَزَآءًۭ وَمَصِيرًۭا ١٥ لَّهُمْ فِيهَا مَا يَشَآءُونَ خَـٰلِدِينَ ۚ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ وَعْدًۭا مَّسْـُٔولًۭا ١٦

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَهم فِيها ما يَشاءُونَ ﴾ يَعْنِي مِنَ النَّعِيمِ فَأمّا المَعاصِي فَتُصْرَفُ عَنْ شَهَواتِهِمْ.

﴿ خالِدِينَ ﴾ يَعْنِي في الثَّوابِ كَخُلُودِ أهْلِ النّارِ في العِقابِ.

﴿ كانَ عَلى رَبِّكَ وعْدًا مَسْؤُولا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ وعْدُ اللَّهِ لَهم بِالجَزاءِ فَسَألُوهُ الوَفاءَ فَوَفّاهُ، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ.

الثّانِي: المَلائِكَةُ تَسْألُ اللَّهَ لَهم فَيُجابُونَ إلى مَسْألَتِهِمْ، وهو مَعْنى قَوْلِ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ.

الثّالِثُ: أنَّهم سَألُوا اللَّهَ الجَنَّةَ في الدُّنْيا ورَغِبُوا إلَيْهِ بِالدُّعاءِ فَأجابَهم في الآخِرَةِ إلى ما سَألُوا وأعْطاهم ما طَلَبُوا، وهو مَعْنى قَوْلِ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ.

<div class="verse-tafsir"

وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَقُولُ ءَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِى هَـٰٓؤُلَآءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا۟ ٱلسَّبِيلَ ١٧ قَالُوا۟ سُبْحَـٰنَكَ مَا كَانَ يَنۢبَغِى لَنَآ أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَآءَ وَلَـٰكِن مَّتَّعْتَهُمْ وَءَابَآءَهُمْ حَتَّىٰ نَسُوا۟ ٱلذِّكْرَ وَكَانُوا۟ قَوْمًۢا بُورًۭا ١٨ فَقَدْ كَذَّبُوكُم بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًۭا وَلَا نَصْرًۭا ۚ وَمَن يَظْلِم مِّنكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًۭا كَبِيرًۭا ١٩

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما أنَّهُ حَشْرُ المَوْتِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: حَشْرُ البَعْثِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

﴿ وَما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ قالَهُ مُجاهِدٌ: هم عِيسى وعُزَيْرٌ والمَلائِكَةُ.

﴿ فَيَقُولُ أأنْتُمْ أضْلَلْتُمْ عِبادِي هَؤُلاءِ ﴾ وهَذا تَقْرِيرٌ لِإكْذابِ مَنِ ادَّعى ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وإنْ خَرَجَ مَخْرَجَ الِاسْتِفْهامِ.

وَفِيمَن يُقالُ لَهُ ذَلِكَ القَوْلُ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ يُقالُ هَذا لِلْمَلائِكَةِ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّانِي: لِعِيسى وعُزَيْرٍ والمَلائِكَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

﴿ أمْ هم ضَلُّوا السَّبِيلَ ﴾ أيْ أخْطَأُوا قَصْدَ الحَقِّ فَأجابُوا بِأنْ: ﴿ قالُوا سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أنْ نَتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِن أوْلِياءَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما ما كُنّا نُوالِيهِمْ عَلى عِبادَتِنا.

الثّانِي: ما كُنّا نَتَّخِذُهم لَنا أوْلِياءَ.

﴿ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهم وآباءَهُمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَتَّعَهم بِالسَّلامَةِ مِنَ العَذابِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

الثّانِي: بِطُولِ العُمْرِ، حَكاهُ النَّقّاشُ.

الثّالِثُ: بِالأمْوالِ والأوْلادِ.

﴿ حَتّى نَسُوا الذِّكْرَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: حَتّى تَرَكُوا القُرْآنَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: حَتّى غَفَلُوا عَنِ الطّاعَةِ.

الثّالِثُ: حَتّى نَسُوا الإحْسانَ إلَيْهِمْ والإنْعامَ عَلَيْهِمْ.

﴿ وَكانُوا قَوْمًا بُورًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي هَلْكى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، مَأْخُوذٌ مِنَ البَوارِ وهو الهَلاكُ.

الثّانِي: هُمُ الَّذِينَ لا خَيْرَ فِيهِمْ، قالَهُ الحَسَنُ مَأْخُوذٌ مِن بَوارِ الأرْضِ وهو تُعَطِّلُها مِنَ الزَّرْعِ فَلا يَكُونُ فِيها خَيْرٌ.

الثّالِثُ: أنَّ البَوارَ الفَسادُ، قالَهُ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ وقَتادَةُ، مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ بارَتْ إذا كَسَدَتْ كَسادَ الفاسِدِ ومِنهُ الأثَرُ المَرْوِيُّ: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِن بَوارِ الأيِّمِ، وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبْعَرى: يا رَسُولَ المَلِيكِ إنَّ لِسانِي راتِقٌ ما فَتَقَتْ إذْ أنا بُورُ ﴿ فَقَدْ كَذَّبُوكم بِما تَقُولُونَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ المَلائِكَةَ والرُّسُلَ قَدْ كَذَّبُوا الكُفّارَ فِيما يَقُولُونَ أنَّهُمُ اتَّخَذُوهم أوْلِياءَ مِن دُونِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: أنَّ المُشْرِكِينَ كَذَّبُوا المُؤْمِنِينَ فِيما يَقُولُونَهُ مِن نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ  ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

﴿ فَما تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا ولا نَصْرًا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: صَرْفُ العَذابِ عَنْهم ولا يَنْصُرُونَ أنْفُسَهم، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: فَما يَسْتَطِيعُونَ صَرْفَ الحُجَّةِ عَنْهم ولا نَصْرًا عَلى آلِهَتِهِمْ في تَعْذِيبِهِمْ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّالِثُ: فَما يَسْتَطِيعُونَ صَرْفَكَ يا مُحَمَّدُ عَنِ الحَقِّ ولا نَصْرَ أنْفُسِهِمْ مِن عَذابِ التَّكْذِيبِ، حَكاهُ عِيسى.

الرّابِعُ: أنَّ الصَّرْفَ الحِيلَةُ حَكاهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ والصَّرْفُ الحِيلَةُ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ إنَّهُ لَيَتَصَرَّفُ أيْ يَحْتالُ.

وَأمّا قَوْلُهم لا يُقْبَلُ مِنهم صَرْفٌ ولا عَدْلٌ فَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ الصَّرْفَ: النّافِلَةُ، والعَدْلَ: الفَرِيضَةُ.

الثّانِي: أنَّ الصَّرْفَ: الدِّيَةُ، والعَدْلَ: القَوَدُ.

<div class="verse-tafsir"

وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلَّآ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِى ٱلْأَسْوَاقِ ۗ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍۢ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ ۗ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًۭا ٢٠

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلْنا بَعْضَكم لِبَعْضٍ فِتْنَةً أتَصْبِرُونَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ افْتِتانُ الفَقِيرِ بِالغَنِيِّ أنْ يَقُولَ لَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَنِي مِثْلَهُ غَنِيًّا والأعْمى بِالبَصِيرِ أنْ يَقُولَ لَوْ شاءَ لَجَعَلَنِي مِثْلَهُ بَصِيرًا، والسَّقِيمِ بِالصَّحِيحِ أنْ يَقُولَ لَوْ شاءَ لَجَعَلَنِي مِثْلَهُ صَحِيحًا، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّانِي: فِتْنَةٌ بِالعُدْوانِ في الدِّينِ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.

الثّالِثُ: أنَّ الفِتْنَةَ صَبْرُ الأنْبِياءِ عَلى تَكْذِيبِ قَوْمِهِمْ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

الرّابِعُ: أنَّها نَزَلَتْ حِينَ أسْلَمَ أبُو ذَرٍّ الغِفارِيُّ وعَمّارٌ وصُهَيْبٌ وبِلالٌ وعامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ وسالِمٌ مَوْلى أبِي حُذَيْفَةَ وأمْثالُهم مِنَ الفُقَراءِ المَوالِي فَقالَ المُسْتَهْزِئُونَ مِن قُرَيْشٍ: انْظُرُوا إلى أتْباعِ مُحَمَّدٍ مِن فُقَرائِنا ومُوالِينا فَنَزَلَتْ فِيهِمُ الآيَةُ، حَكاهُ النَّقّاشُ.

وَفِي الفِتْنَةِ هُنا وجْهانِ: أحَدُهُما: البَلاءُ.

والثّانِي: الِاخْتِبارُ.

﴿ أتَصْبِرُونَ ﴾ يَعْنِي عَلى ما مُحِنْتُمْ بِهِ مِن هَذِهِ الفِتْنَةِ، وفِيهِ اخْتِصارٌ وتَقْدِيرُهُ أمْ لا تَصْبِرُونَ.

﴿ وَكانَ رَبُّكَ بَصِيرًا ﴾ قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: بَصِيرًا بِما يُصْبَرُ مِمَّنْ يَجْزَعُ.

وَيَحْتَمِلُ وجْهًا آخَرَ: بَصِيرًا بِالحِكْمَةِ فِيما جَعَلَ بَعْضَكم لِبَعْضٍ فِتْنَةً.

<div class="verse-tafsir"

۞ وَقَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ أَوْ نَرَىٰ رَبَّنَا ۗ لَقَدِ ٱسْتَكْبَرُوا۟ فِىٓ أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْ عُتُوًّۭا كَبِيرًۭا ٢١ يَوْمَ يَرَوْنَ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةَ لَا بُشْرَىٰ يَوْمَئِذٍۢ لِّلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًۭا مَّحْجُورًۭا ٢٢ وَقَدِمْنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُوا۟ مِنْ عَمَلٍۢ فَجَعَلْنَـٰهُ هَبَآءًۭ مَّنثُورًا ٢٣ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌۭ مُّسْتَقَرًّۭا وَأَحْسَنُ مَقِيلًۭا ٢٤

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لا يَخافُونَ ولا يَخْشَوْنَ، قالَهُ السُّدِّيُّ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: إذا لَسَعَتْهُ النَّحْلُ لَمْ يَرْجُ لَسْعَها وخالَفَها في بَيْتِ نَوْبٍ عَوامِلِ أيْ لَمْ يَخْشَ.

الثّانِي: لا يُبالُونَ، قالَهُ ابْنُ عُمَيْرٍ، وأنْشَدَ لِخُبَيْبٍ.

لَعَمْرَكَ ما أرْجُو إذا كُنْتَ مُسْلِمًا ∗∗∗ عَلى أيِّ حالٍ كانَ في اللَّهِ مَصْرَعِي أيْ ما أُبالِي.

الثّالِثُ: لا يَأْمُلُونَ، حَكاهُ ابْنُ شَجَرَةَ وأنْشَدَ قَوْلَ الشّاعِرِ: أتَرْجُو أُمَّةٌ قَتَلَتْ حُسَيْنًا ؎ شَفاعَةَ جَدِّهِ يَوْمَ الحِسابِ ﴿ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لِيُخْبِرُونا أنَّ مُحَمَّدًا نَبِيٌّ قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

الثّانِي: لِيَكُونُوا رُسُلًا إلَيْنا مِن رَبِّهِمْ بَدَلًا مِن رِسالَةِ مُحَمَّدٍ  .

﴿ أوْ نَرى رَبَّنا ﴾ فَيَأْمُرُنا بِاتِّباعِ مُحَمَّدٍ وتَصْدِيقِهِ.

﴿ لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا في أنْفُسِهِمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: تَكَبَّرُوا في أنْفُسِهِمْ لِما قَلَّ في أعْيُنِهِمْ مِن إرْسالِ مُحَمَّدٍ  نَبِيًّا إلَيْهِمْ.

الثّانِي: اسْتَكْبَرُوا في أنْفُسِهِمْ بِما اقْتَرَحُوهُ مِن رُؤْيَةِ اللَّهِ ونُزُولِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمْ.

﴿ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ التَّجَبُّرُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

الثّانِي: العِصْيانُ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

الثّالِثُ: أنَّهُ السَّرَفُ في الظُّلْمِ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.

الرّابِعُ: أنَّهُ الغُلُوُّ في القَوْلِ، حَكاهُ النَّقّاشُ.

الخامِسُ: أنَّهُ شِدَّةُ الكُفْرِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

قِيلَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي أُمَيَّةَ بْنِ المُغِيرَةِ ومِكْرَزِ بْنِ حَفْصِ بْنِ الأخْنَفِ في جَماعَةٍ مِن قُرَيْشٍ قالُوا: لَوْلا أُنْزِلُ عَلَيْنا المَلائِكَةُ أوْ نَرى رَبَّنا.

فَنَزَلَ فِيهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: عِنْدَ المَوْتِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

الثّانِي: يَوْمَ القِيامَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

﴿ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ ﴾ يَعْنِي بِالجَنَّةِ، قالَهُ عَطِيَّةُ العَوْفِيُّ: إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ يُلْقى المُؤْمِنُ بِالبُشْرى فَإذا رَأى الكافِرُ ذَلِكَ تَمَنّاهُ فَلَمْ يَرَهُ مِنَ المَلائِكَةِ.

﴿ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَعْناهُ مَعاذَ اللَّهِ أنْ تَكُونَ لَكُمُ البُشْرى يَوْمَئِذٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: مَعْناهُ: مَنَعَنا أنْ نَصِلَ إلى شَيْءٍ مِنَ الخَيْرِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

الثّالِثُ: حَرامًا مُحَرَّمًا أنْ تَكُونَ لَكُمُ البُشْرى يَوْمَئِذٍ، قالَهُ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، والضَّحّاكُ، وقَتادَةُ ومِنهُ قَوْلُ المُلْتَمِسِ: حَنَّتْ إلى النَّخْلَةِ القُصْوى فَقُلْتُ لَها ∗∗∗ حَجْرٌ حَرامٌ إلّا تِلْكَ الدَّهارِيسَ.

وَفِي القائِلِينَ حِجْرًا مَحْجُورًا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ المَلائِكَةُ قالُوهُ لِلْكُفّارِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّانِي: أنَّهُمُ الكُفّارُ قالُوهُ لِأنْفُسِهِمْ، قالَهُ قَتادَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَقَدِمْنا ﴾ أيْ عَمَدْنا، قالَهُ مُجاهِدٌ، قالَ الرّاجِزُ: وقَدِمَ الخَوارِجُ الضُّلّالُ ∗∗∗ إلى عُبّادِ رَبِّهِمْ فَقالُوا إنَّ دِماءَكم لَنا حَلالُ ﴿ إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مِن عَمِلَ خَيْرًا لا يُتَقَبَّلُ مِنهم لِإحْباطِهِ بِالكُفْرِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: مِن عَمِلَ صالِحًا لا يُرادُ بِهِ وجْهُ اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ المُبارَكِ.

﴿ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ رَهْجُ الدَّوابِّ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ.

الثّانِي: أنَّهُ كالغُبارِ يَكُونُ في شُعاعِ الشَّمْسِ إذا طَلَعَتْ في كُوَّةٍ، قالَهُ الحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ ما ذَرَّتُهُ الرِّياحُ مِن يابِسِ أوْراقِ الشَّجَرِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الرّابِعُ: أنَّها الماءُ المُراقُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الخامِسُ: أنَّهُ الرَّمادُ، قالَهُ عُبَيْدُ بْنُ يَعْلى.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا ﴾ يَعْنِي مَنزِلًا في الجَنَّةِ مِن مُسْتَقَرِّ الكُفّارِ في النّارِ.

﴿ وَأحْسَنُ مَقِيلا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ المُسْتَقَرَّ في الجَنَّةِ والمَقِيلَ دُونَها، قالَهُ أبُو سِنانٍ.

الثّانِي: أنَّهُ عَنى مَوْضِعَ القائِلَةِ لِلدَّعَةِ وإنْ لَمْ يَقِيلُوا، ذَكَرَهُ ابْنُ عِيسى.

الثّالِثُ: أنَّهُ يَقِيلُ أوْلِياءَ اللَّهِ بَعْدَ الحِسابِ عَلى الأُسْرَةِ مَعَ الحُورِ العِينِ، ويَقِيلُ أعْداءَ اللَّهِ مَعَ الشَّياطِينِ المُقَرَّنِينَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الرّابِعُ: لِأنَّهُ يَفْرَغُ مِن حِسابِهِمْ وقْتَ القائِلَةِ وهو نِصْفُ النَّهارِ، فَذَلِكَ أحْسَنُ مَقِيلًا، مِن مَقِيلِ الكُفّارِ، قالَهُ الفَرّاءُ.

<div class="verse-tafsir"

وَيَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَآءُ بِٱلْغَمَـٰمِ وَنُزِّلَ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ تَنزِيلًا ٢٥ ٱلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ لِلرَّحْمَـٰنِ ۚ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ عَسِيرًۭا ٢٦ وَيَوْمَ يَعَضُّ ٱلظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يَـٰلَيْتَنِى ٱتَّخَذْتُ مَعَ ٱلرَّسُولِ سَبِيلًۭا ٢٧ يَـٰوَيْلَتَىٰ لَيْتَنِى لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًۭا ٢٨ لَّقَدْ أَضَلَّنِى عَنِ ٱلذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَآءَنِى ۗ وَكَانَ ٱلشَّيْطَـٰنُ لِلْإِنسَـٰنِ خَذُولًۭا ٢٩

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: بِمَعْنى عَلى الغَمامِ كَما يُقالُ رَمَيْتُ بِالقَوْسِ وعَنِ القَوْسِ ويَكُونُ المُرادُ بِهِ الغَمامَ المَعْهُودَ والَّذِي دُونَ السَّماءِ لِأنَّهُ يَبْقى دُونَها إذا انْشَقَّتْ غَمامٌ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ غَمامٌ أبْيَضُ يَكُونُ في السَّماءِ يُنْزِلُهُ اللَّهُ عَلى أنْبِيائِهِ مِثْلَ الَّذِي أظَلُّ بَنِي إسْرائِيلَ، وقَدْ قالَ في ظِلٍّ مِنَ الغَمامِ فَتَنْشَقُّ السَّماءُ فَيَخْرُجُ مِنها.

﴿ وَنُزِّلَ المَلائِكَةُ تَنْزِيلا ﴾ يَعْنِي أنَّ المَلائِكَةَ تَنْزِلُ فِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ، وهو يَوْمُ التَّلاقِ.

الَّذِي يَلْتَقِي فِيهِ أهْلُ السَّماءِ وأهْلُ الأرْضِ.

وَفِي نُزُولِهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لِيُبَشِّرُوا المُؤْمِنَ بِالجَنَّةِ، والكافِرَ بِالنّارِ.

الثّانِي: لِيَكُونَ مَعَ كُلِّ نَفْسٍ سائِقٌ وشَهِيدٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ ﴾ قِيلَ هو عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ.

﴿ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: سَبِيلًا بِطاعَةِ اللَّهِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: طَرِيقًا إلى النَّجاةِ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.

الثّالِثُ: وسِيلَةٌ عِنْدَ الرَّسُولِ يَكُونُ وصْلَةً إلَيْهِ، قالَهُ الأخْفَشُ.

﴿ يا ويْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: يَعْنِي الشَّيْطانَ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وأبُو رَجاءٍ.

الثّانِي: أنَّهُ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، قالَهُ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ.

الثّالِثُ: أنَّهُ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، قالَهُ السُّدِّيُّ، وذَكَرَ «أنَّ سَبَبَ ذَلِكَ أنَّ عُقْبَةُ وأُمَيَّةُ كانا خَلِيلَيْنِ وكانَ عُقْبَةُ يَغْشى مَجْلِسَ النَّبِيِّ  ، فَقالَ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ لَهُ: بَلَغَنِي أنَّكَ صَبَوْتَ إلى دِينِ مُحَمَّدٍ، فَقالَ: ما صَبَوْتُ، قالَ: فَوَجْهِي مِن وجْهِكَ حَرامٌ حَتّى تَأْتِيَهُ فَتَتْفُلَ في وجْهِهِ وتَتَبَرَّأ مِنهُ، فَأتى عُقْبَةُ رَسُولَ اللَّهِ  فَتَفَلَ عَلى وجْهِهِ وتَبَرَّأ مِنهُ، فاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ  فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ مُخْبِرًا عَمّا يَصِيرُ إلَيْهِ ﴿ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ ﴾ الآيَةَ والَّتِي بَعْدَها» .

وفُلانٌ لا يُثَنّى ولا يُجْمَعُ.

<div class="verse-tafsir"

وَقَالَ ٱلرَّسُولُ يَـٰرَبِّ إِنَّ قَوْمِى ٱتَّخَذُوا۟ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانَ مَهْجُورًۭا ٣٠ وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِىٍّ عَدُوًّۭا مِّنَ ٱلْمُجْرِمِينَ ۗ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِيًۭا وَنَصِيرًۭا ٣١

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذا القُرْآنَ مَهْجُورًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهم هَجَرُوهُ بِإعْراضِهِمْ عَنْهُ فَصارَ مَهْجُورًا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: أنَّهم قالُوا فِيهِ هَجْرًا أيْ قَبِيحًا، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: أنَّهم جَعَلُوهُ هَجْرًا مِنَ الكَلامِ وهو ما لا نَفْعَ فِيهِ مِنَ العَبَثِ والهَذَيانِ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

<div class="verse-tafsir"

وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلْقُرْءَانُ جُمْلَةًۭ وَٰحِدَةًۭ ۚ كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِۦ فُؤَادَكَ ۖ وَرَتَّلْنَـٰهُ تَرْتِيلًۭا ٣٢ وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَـٰكَ بِٱلْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا ٣٣ ٱلَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ أُو۟لَـٰٓئِكَ شَرٌّۭ مَّكَانًۭا وَأَضَلُّ سَبِيلًۭا ٣٤

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً ﴾ في قائِلِ ذَلِكَ مِنَ الكُفّارِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم كُفّارُ قُرَيْشٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّهُمُ اليَهُودُ حِينَ رَأوْا نُزُولَ القُرْآنِ مُفَرَّقًا، قالُوا: هَلّا أُنْزِلَ عَلَيْهِ جُمْلَةً واحِدَةً، كَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ عَلى مُوسى.

﴿ كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِنُشَجِّعَ بِهِ قَلَبَكَ، لِأنَّهُ مُعْجِزٌ يَدُلُّ عَلى صِدْقِكَ، وهو مَعْنى قَوْلِ السُّدِّيِّ.

الثّانِي: مَعْناهُ كَذَلِكَ أنْزَلْناهُ مُفَرَّقًا لِنُثَبِّتَهُ في فُؤادِكَ.

وَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِأنَّهُ كانَ أُمِّيًّا ولَمْ يَنْزِلِ القُرْآنُ عَلَيْهِ مَكْتُوبًا، فَكانَ نُزُولُهُ مُفَرَّقًا أثْبَتَ في فُؤادِهِ، وأعْلَقَ بِقَلْبِهِ.

الثّانِي: لِنُثَبِّتَ فُؤادَكَ بِاتِّصالِ الوَحْيِ ومُداوَمَةِ نُزُولِ القُرْآنِ، فَلا تَصِيرُ بِانْقِطاعِ الوَحْيِ مُسْتَوْحِشًا.

﴿ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلا ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: ورَسَلْناهُ تَرْسِيلًا، شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: وفَرَّقْناهُ تَفْرِيقًا، قالَهُ إبْراهِيمُ.

الثّالِثُ: وفَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الرّابِعُ: وفَسَّرْناهُ تَفْسِيرًا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الخامِسُ: وبَيَّنّاهُ تَبْيِينًا، قالَهُ قَتادَةُ.

رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : «يا ابْنَ عَبّاسٍ إذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فَرَتِّلْهُ تَرْتِيلًا فَقُلْتُ وما التَّرْتِيلُ؟، قالَ: بَيِّنْهُ تَبْيِينًا ولا تَبْتُرْهُ بَتْرَ الدَّقَلِ، ولا تَهُذُّهُ هَذَّ الشِّعْرِ ولا يَكُونُ هَمُّ أحَدِكم آخِرَ السُّورَةِ» .

<div class="verse-tafsir"

وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ وَجَعَلْنَا مَعَهُۥٓ أَخَاهُ هَـٰرُونَ وَزِيرًۭا ٣٥ فَقُلْنَا ٱذْهَبَآ إِلَى ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا فَدَمَّرْنَـٰهُمْ تَدْمِيرًۭا ٣٦ وَقَوْمَ نُوحٍۢ لَّمَّا كَذَّبُوا۟ ٱلرُّسُلَ أَغْرَقْنَـٰهُمْ وَجَعَلْنَـٰهُمْ لِلنَّاسِ ءَايَةًۭ ۖ وَأَعْتَدْنَا لِلظَّـٰلِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًۭا ٣٧ وَعَادًۭا وَثَمُودَا۟ وَأَصْحَـٰبَ ٱلرَّسِّ وَقُرُونًۢا بَيْنَ ذَٰلِكَ كَثِيرًۭا ٣٨ وَكُلًّۭا ضَرَبْنَا لَهُ ٱلْأَمْثَـٰلَ ۖ وَكُلًّۭا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًۭا ٣٩ وَلَقَدْ أَتَوْا۟ عَلَى ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِىٓ أُمْطِرَتْ مَطَرَ ٱلسَّوْءِ ۚ أَفَلَمْ يَكُونُوا۟ يَرَوْنَهَا ۚ بَلْ كَانُوا۟ لَا يَرْجُونَ نُشُورًۭا ٤٠

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأصْحابَ الرَّسِّ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ الرَّسَّ المَعْدِنُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

الثّانِي: أنَّهُ قَرْيَةٌ مِن قُرى اليَمامَةِ يُقالُ لَهُ الفَجُّ مِن ثَمُودَ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ ما بَيْنَ نَجْرانَ واليَمَنِ إلى حَضْرَمَوْتَ، قالَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ.

الرّابِعُ: أنَّهُ البِئْرُ.

وَفِيها ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ بِئْرٌ بِأذْرَبِيجانَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّها البِئْرُ الَّتِي قُتِلَ فِيها صاحِبُ ياسِينَ بِأنْطاكِيَةِ الشّامِ حَكاهُ النَّقّاشُ.

الثّالِثُ: أنَّ كُلَّ بِئْرٍ إذا حُفِرَتْ ولَمْ تُطْوَ فَهي رَسٌّ قالَ زُهَيْرٌ بَكَرْنَ بُكُورًا واسْتَحَرْنَ بِسُحْرَةٍ فَهُنَّ ووادِي الرَّسِّ كاليَدِ في الفَمِ وَفِي أصْحابِ الرَّسِّ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهم قَوْمُ شُعَيْبٍ، حَكاهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ.

الثّانِي: أنَّهم قَوْمٌ رَسُّوا نَبِيَّهم في بِئْرٍ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

الثّالِثُ: أنَّهم قَوْمٌ كانُوا نُزُولًا عَلى بِئْرٍ يَعْبُدُونَ الأوْثانَ، وكانُوا لا يَظْفَرُونَ بِأحَدٍ يُخالِفُ دِينَهم إلّا قَتَلُوهُ ورَسُّوهُ فِيها، وكانَ الرَّسُّ بِالشّامِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الرّابِعُ: أنَّهم قَوْمٌ أرْسَلَ اللَّهُ إلَيْهِمْ نَبِيًّا فَأكَلُوهُ وهم أوَّلُ مَن عَمِلَ نِساؤُهُمُ السِّحْرَ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ أتَوْا عَلى القَرْيَةِ ﴾ وهي سَدُومُ قَرْيَةُ لُوطٍ.

﴿ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ ﴾ الحِجارَةُ الَّتِي أُمْطِرُوا بِها، والَّذِينَ أتَوْا عَلَيْها قُرَيْشٌ.

﴿ أفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها ﴾ أيْ يَعْتَبِرُونَ بِها.

﴿ بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُورًا ﴾ أيْ لا يَخافُونَ بَعْثًا.

<div class="verse-tafsir"

وَإِذَا رَأَوْكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَـٰذَا ٱلَّذِى بَعَثَ ٱللَّهُ رَسُولًا ٤١ إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ ءَالِهَتِنَا لَوْلَآ أَن صَبَرْنَا عَلَيْهَا ۚ وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ ٱلْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا ٤٢ أَرَءَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُۥ هَوَىٰهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا ٤٣ أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ ۚ إِنْ هُمْ إِلَّا كَٱلْأَنْعَـٰمِ ۖ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا ٤٤

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهم قَوْمٌ كانَ الرَّجُلُ مِنهم يَعْبُدُ حَجَرًا يَسْتَحْسِنُهُ، فَإذا رَأى أحْسَنَ مِنهُ عَبَدَهُ وتَرَكَ الأوَّلَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّهُ الحارِثُ بْنُ قَيْسٍ كانَ إذا هَوى شَيْئًا عَبَدَهُ، حَكاهُ النَّقّاشُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ الَّذِي يَتَّبِعُ هَواهُ في كُلِّ ما دَعا إلَيْهِ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.

﴿ أفَأنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وكِيلا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي ناصِرًا، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: حَفِيظًا، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

الثّالِثُ: كَفِيلًا قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الرّابِعُ: مُسَيْطِرًا، قالَهُ السُّدِّيُّ.

<div class="verse-tafsir"

أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ ٱلظِّلَّ وَلَوْ شَآءَ لَجَعَلَهُۥ سَاكِنًۭا ثُمَّ جَعَلْنَا ٱلشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًۭا ٤٥ ثُمَّ قَبَضْنَـٰهُ إِلَيْنَا قَبْضًۭا يَسِيرًۭا ٤٦ وَهُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ لِبَاسًۭا وَٱلنَّوْمَ سُبَاتًۭا وَجَعَلَ ٱلنَّهَارَ نُشُورًۭا ٤٧

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ ﴾ أيْ بَسَطَهُ عَلى الأرْضِ وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ الظِّلَّ اللَّيْلُ لِأنَّهُ ظِلُّ الأرْضِ يُقْبِلُ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ ويُدْبِرُ بِطُلُوعِها.

الثّانِي: أنَّهُ ظِلُّ النَّهارِ بِما حُجِبَ مِن شُعاعِ الشَّمْسِ.

وَفِي الفَرْقِ بَيْنَ الظِّلِّ والفَيْءِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ الظِّلَّ ما قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ والفَيْءَ ما بَعْدَ طُلُوعِها.

الثّانِي: أنَّ الظِّلَّ ما قَبْلَ الزَّوالِ والفَيْءَ ما بَعْدَهُ.

﴿ ثُمَّ قَبَضْناهُ إلَيْنا ﴾ يَعْنِي الظِّلَّ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ قَبَضَ الظِّلَّ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ.

الثّانِي: بِغُرُوبِها.

﴿ قَبْضًا يَسِيرًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: سَرِيعًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: سَهْلًا، قالَهُ أبُو مالِكٍ.

الثّالِثُ: خَفِيًّا، قالَهُ مُجاهِدٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباسًا ﴾ يَعْنِي غِطاءً لِأنَّهُ يَسْتُرُ كَما يَسْتُرُ اللِّباسُ.

﴿ والنَّوْمَ سُباتًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِأنَّهُ مَسْبُوتٌ فِيهِ، والنّائِمُ لا يَعْقِلُ كالمَيِّتِ، حَكاهُ النَّقّاشُ.

الثّانِي: يَعْنِي راحَةً لِقَطْعِ العَمَلِ ومِنهُ سُمِّيَ يَوْمُ السَّبْتِ، لِأنَّهُ يَوْمُ راحَةٍ لِقَطْعِ العَمَلِ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.

﴿ وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُورًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِانْتِشارِ الرُّوحِ بِاليَقَظَةِ فِيهِ مَأْخُوذٌ مِنَ النَّشْرِ والبَعْثِ.

الثّانِي: لِانْتِشارِ النّاسِ في مَعايِشِهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.

<div class="verse-tafsir"

وَهُوَ ٱلَّذِىٓ أَرْسَلَ ٱلرِّيَـٰحَ بُشْرًۢا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِۦ ۚ وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ طَهُورًۭا ٤٨ لِّنُحْـِۧىَ بِهِۦ بَلْدَةًۭ مَّيْتًۭا وَنُسْقِيَهُۥ مِمَّا خَلَقْنَآ أَنْعَـٰمًۭا وَأَنَاسِىَّ كَثِيرًۭا ٤٩ وَلَقَدْ صَرَّفْنَـٰهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا۟ فَأَبَىٰٓ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ إِلَّا كُفُورًۭا ٥٠

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ ﴾ قالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: كُلُّ شَيْءٍ في القُرْآنِ مِنَ الرِّياحِ فَهو رَحْمَةٌ، وكُلُّ شَيْءٍ في القُرْآنِ مِنَ الرِّيحِ فَهو عَذابٌ.

وَقِيلَ: لِأنَّ الرِّياحَ جَمْعٌ وهي الجَنُوبُ والشَّمالُ والصَّبا لِأنَّها لَواقِحُ، والعَذابُ رِيحٌ واحِدَةٌ وهي الدَّبُّورُ لِأنَّها لا تُلْقِحُ.

﴿ بُشْرًا ﴾ قُرِئَتْ بِالنُّونِ وبِالباءِ فَمَن قَرَأ بِالنُّونِ فَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ نَشْرُ السَّحابِ حَتّى يُمْطِرَ.

الثّانِي: حَياةٌ لِخَلْقِهِ كَحَياتِهِمْ بِالنُّشُورِ.

وَمَن قَرَأ ﴿ بُشْرًا ﴾ بِالباءِ فَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما لِأنَّها بُشْرى بِالمَطَرِ.

الثّانِي: لِأنَّ النّاسَ يَسْتَبْشِرُونَ بِها.

﴿ بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ﴾ يَعْنِي المَطَرَ لِأنَّهُ رَحْمَةٌ مِنَ اللَّهِ لِخَلْقِهِ، وتَأوَّلَهُ بَعْضُ أصْحابِ الخَواطِرِ يُرْسِلُ رِياحَ النَّدَمِ بَيْنَ يَدَيِ التَّوْبَةِ.

﴿ وَأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُورًا ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: طاهِرًا، قالَهُ أبُو حَنِيفَةَ ولِذَلِكَ جَوَّزَ إزالَةَ النَّجاساتِ بِالمائِعاتِ الطّاهِراتِ.

الثّانِي: مُطَهِّرًا، قالَهُ الشّافِعِيُّ ولِذَلِكَ لَمْ يُجَوِّزْ إزالَةَ النَّجاسَةِ بِمائِعٍ سِوى الماءِ.

﴿ لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا ﴾ وهي الَّتِي لا عِمارَةَ فِيها ولا زَرْعَ، وإحْياؤُها يَكُونُ بِنَباتِ زَرْعِها وشَجَرِها، فَكَما أنَّ الماءَ يُطَهِّرُ الأبْدانَ مِنَ الأحْداثِ والأنْجاسِ، كَذَلِكَ الماءُ يُطَهِّرُ الأرْضَ مِنَ القَحْطِ والجَدْبِ.

﴿ وَنُسْقِيَهُ مِمّا خَلَقْنا أنْعامًا وأناسِيَّ كَثِيرًا ﴾ فَجَمَعَ بِالماءِ حَياةَ النَّباتِ والحَيَوانِ وفي الأناسِيِّ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ جَمْعُ إنْسِيٍّ.

الثّانِي: جَمْعُ إنْسانٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الفُرْقانُ المَذْكُورُ في أوَّلِ السُّورَةِ.

الثّانِي: أرادَ الماءَ الَّذِي أنْزَلَهُ طَهُورًا.

وَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي قَسَمْنا المَطَرَ فَلا يَدُومُ عَلى مَكانٍ فَيَهْلَكُ ولا يَنْقَطِعُ عَنْ مَكانٍ، فَيَهْلَكُ، وهو مَعْنى قَوْلِ قَتادَةَ.

الثّانِي: أنَّهُ يَصْرِفُهُ في كُلِّ عامٍ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ لَيْسَ عامٌ بِأمْطَرَ مِن عامٍ، ولَكِنَّ اللَّهَ يَصْرِفُهُ بَيْنَ عِبادِهِ.

﴿ لِيَذَّكَّرُوا ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لِيَتَذَكَّرُوا النِّعْمَةَ بِنُزُولِهِ.

الثّانِي: لِيَتَذَكَّرُوا النِّعْمَةَ بِانْقِطاعِهِ.

﴿ فَأبى أكْثَرُ النّاسِ إلا كُفُورًا ﴾ قالَ عِكْرِمَةُ: هو قَوْلُهم مُطِرْنا بِالأنْواءِ.

رَوى الرَّبِيعُ بْنُ صَبِيحٍ قالَ: «أُمْطِرَ النّاسُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ  ذاتَ لَيْلَةٍ فَلَمّا أصْبَحَ قالَ النَّبِيُّ  : أصْبَحَ النّاسُ فِيها بَيْنَ رَجُلَيْنِ شاكِرٍ وكافِرٍ، فَأمّا الشّاكِرُ فَيَحْمَدُ اللَّهَ عَلى سُقْياهُ وغِياثِهِ وأمّا الكافِرُ فَيَقُولُ مُطِرْنا بِنَوْءِ كَذا وكَذا» .

<div class="verse-tafsir"

وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِى كُلِّ قَرْيَةٍۢ نَّذِيرًۭا ٥١ فَلَا تُطِعِ ٱلْكَـٰفِرِينَ وَجَـٰهِدْهُم بِهِۦ جِهَادًۭا كَبِيرًۭا ٥٢ ۞ وَهُوَ ٱلَّذِى مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ هَـٰذَا عَذْبٌۭ فُرَاتٌۭ وَهَـٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌۭ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًۭا وَحِجْرًۭا مَّحْجُورًۭا ٥٣ وَهُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ مِنَ ٱلْمَآءِ بَشَرًۭا فَجَعَلَهُۥ نَسَبًۭا وَصِهْرًۭا ۗ وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًۭا ٥٤

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا تُطِعِ الكافِرِينَ ﴾ يَعْنِي إلى ما يَدْعُونَكَ إلَيْهِ: إمّا مِن تَعْظِيمِ آلِهَتِهِمْ، وإمّا مِن مُوادَعَتِهِمْ.

﴿ وَجاهِدْهم بِهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِالقُرْآنِ.

الثّانِي: بِالإسْلامِ.

﴿ جِهادًا كَبِيرًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِالسَّيْفِ.

الثّانِي: بِالغِلْظَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ البَحْرَيْنِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: هو إرْسالُ أحَدِهِما إلى الآخَرِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّانِي: هو تَخْلِيَتُها، حَكاهُ النَّقّاشُ وقالَ الأخْفَشُ مَأْخُوذٌ مِن مَرَجْتَ الشَّيْءَ إذا خَلَّيْتَهُ، ومَرَجَ الوالِي النّاسَ إذا تَرَكَهم، وأمْرَجْتُ الدّابَّةَ إذا خَلَّيْتَها تَرْعى، ومِنهُ قَوْلُ العَجّاجِ: رَعى بِها مَرْجَ رَبِيعٍ مُمْرَجا وَفِي البَحْرِينِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: بَحْرُ السَّماءِ وبَحْرُ الأرْضِ، وهو قَوْلُ سَعِيدٍ، ومُجاهِدٍ.

الثّانِي: بَحْرُ فارِسَ والرُّومِ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ.

الثّالِثُ: بَحْرُ العَذْبِ وبَحْرُ المالِحِ.

﴿ هَذا عَذْبٌ فُراتٌ وهَذا مِلْحٌ أُجاجٌ ﴾ قالَ عَطاءٌ: الفُراتُ: العَذْبُ، وقِيلَ هو أعْذَبُ العَذْبِ.

وَفي الأُجاجِ: ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ المالِحُ، وهو قَوْلُ عَطاءٍ، وقِيلَ: هو أمْلَحُ المالِحِ.

الثّانِي: أنَّهُ المُرُّ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ.

والثّالِثُ: أنَّهُ الحارُّ المُؤَجَّجُ، مَأْخُوذٌ مِن تَأجُّجِ النّارِ، وهو قَوْلُ ابْنِ بَحْرٍ.

﴿ وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقُويِلَ: أحَدُها: حاجِزٌ مِنَ البَرِّ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، ومُجاهِدٍ.

الثّانِي: أنَّ البَرْزَخَ: التُّخُومُ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ.

والثّالِثُ: أنَّهُ الأجَلُ ما بَيْنَ الدُّنْيا والآخِرَةِ، وهو قَوْلُ الضَّحّاكِ.

﴿ وَحِجْرًا مَحْجُورًا ﴾ أيْ مانِعًا لا يَخْتَلِطُ العَذْبُ بِالمالِحِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: فَرُبَّ في سُرادِقٍ مَحْجُورٍ ∗∗∗ سُرْتُ إلَيْهِ مِن أعالِي السُّورِ مَحْجُورٌ أيْ مَمْنُوعٌ.

وَتَأوَّلَ بَعْضُ المُتَعَمِّقِينَ في غَوامِضِ المَعانِي أنَّ مَرْجَ البَحْرَيْنِ قُلُوبُ الأبْرارِ مُضِيئَةٌ بِالبِرِّ، وهو العَذْبُ، وقُلُوبُ الفُجّارِ مُظْلِمَةٌ بِالفُجُورِ وهو المِلْحُ الأُجاجُ، وهو بَعِيدٌ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الماءِ بَشَرًا ﴾ يَعْنِي مِنَ النُّطْفَةِ إنْسانًا.

﴿ فَجَعَلَهُ نَسَبًا وصِهْرًا ﴾ فالنَّسَبُ مِن تَناسُبِ كُلِّ والِدٍ ووَلَدٍ، وكُلُّ شَيْءٍ أضَفْتَهُ إلى شَيْءٍ عَرَّفْتَهُ بِهِ فَهو مُناسِبُهُ.

وَفِي الصِّهْرِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الرِّضاعُ وهو قَوْلُ طاوُوسٍ.

الثّانِي: أنَّهُ المَناكِحُ وهو مَعْنى قَوْلِ قَتادَةَ، وقالَ الكَلْبِيُّ: النَّسَبُ مَن لا يَحُلُّ نِكاحُهُ مِنَ القَرابَةِ، والصِّهْرُ مَن يَحِلُّ نِكاحُهُ مِنَ القَرابَةِ وغَيْرِ القَرابَةِ.

وَأصْلُ الصِّهْرِ الِاخْتِلاطُ، فَسُمِّيَتِ المَناكِحُ صِهْرًا لِاخْتِلاطِ النّاسِ بِها، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُصْهَرُ بِهِ ما في بُطُونِهِمْ  ﴾ وقِيلَ إنَّ أصْلَ الصِّهْرِ المُلاصَقَةُ.

<div class="verse-tafsir"

وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ ۗ وَكَانَ ٱلْكَافِرُ عَلَىٰ رَبِّهِۦ ظَهِيرًۭا ٥٥ وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلَّا مُبَشِّرًۭا وَنَذِيرًۭا ٥٦ قُلْ مَآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَن شَآءَ أَن يَتَّخِذَ إِلَىٰ رَبِّهِۦ سَبِيلًۭا ٥٧ وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱلْحَىِّ ٱلَّذِى لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِۦ ۚ وَكَفَىٰ بِهِۦ بِذُنُوبِ عِبَادِهِۦ خَبِيرًا ٥٨ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِتَّةِ أَيَّامٍۢ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ۚ ٱلرَّحْمَـٰنُ فَسْـَٔلْ بِهِۦ خَبِيرًۭا ٥٩ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱسْجُدُوا۟ لِلرَّحْمَـٰنِ قَالُوا۟ وَمَا ٱلرَّحْمَـٰنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًۭا ۩ ٦٠

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَكانَ الكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيرًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: عَوْنًا، مَأْخُوذٌ مِنَ المَظاهِرِ وهي المَعُونَةُ، ومَعْنى قَوْلِهِ ﴿ عَلى رَبِّهِ ﴾ أيْ عَلى أوْلِياءِ رَبِّهِ.

الثّانِي: هَيِّنًا، مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ: ظَهْرُ فُلانٍ بِحاجَتِي إذا تَرَكَها واسْتَهانَ بِها قالَ تَعالى: ﴿ واتَّخَذْتُمُوهُ وراءَكم ظِهْرِيًّا  ﴾ أيْ هَيِّنًا، ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ: تَمِيمَ بْنَ زَيْدٍ لا تَكُونَنَّ حاجَتِي بِظَهْرٍ فَلا يَعْيا عَلَيَّ جَوابُها قِيلَ إنَّها نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قالُوا وما الرَّحْمَنُ أنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا وزادَهم نُفُورًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ العَرَبَ لَمْ تَكُنْ تَعْرِفُ الرَّحْمَنَ في أسْماءِ اللَّهِ تَعالى: وكانَ مَأْخُوذًا مِنَ الكِتابِ، فَلَمّا دُعُوا إلى السُّجُودِ لِلَّهِ تَعالى بِهَذا الِاسْمِ سَألُوا عَنْهُ مَسْألَةَ الجاهِلِ بِهِ فَقالُوا: ﴿ وَما الرَّحْمَنُ أنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا ﴾ .

الثّانِي: أنَّ مُسَيْلِمَةَ الكَذّابَ كانَ يُسَمّى الرَّحْمَنَ، فَلَمّا سَمِعُوا هَذا الِاسْمَ في القُرْآنِ حَسِبُوهُ مُسَيْلِمَةَ، فَأنْكَرُوا ما دُعُوا إلَيْهِ مِنَ السُّجُودِ لَهُ.

والثّالِثُ: أنَّ هَذا قَوْلُ قَوْمٍ كانُوا يَجْحَدُونَ التَّوْحِيدَ ولا يُقِرُّونَ بِاللَّهِ تَعالى، فَلَمّا أُمِرُوا أنْ يَسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ ازْدادُوا نُفُورًا مَعَ هَواهم بِما دُعُوا إلَيْهِ مِنَ الإيمانِ، وإلّا فالعَرَبُ المُعْتَرِفُونَ بِاللَّهِ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ الأصْنامَ لِتُقَرِّبَهم إلى اللَّهِ زُلْفى كانُوا يَعْرِفُونَ الرَّحْمَنَ في أسْمائِهِ وأنَّهُ اسْمٌ مُسَمًّى مِنَ الرَّحْمَةِ يَدُلُّ عَلى المُبالَغَةِ في الوَصْفِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ بَحْرٍ.

<div class="verse-tafsir"

تَبَارَكَ ٱلَّذِى جَعَلَ فِى ٱلسَّمَآءِ بُرُوجًۭا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَٰجًۭا وَقَمَرًۭا مُّنِيرًۭا ٦١ وَهُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ خِلْفَةًۭ لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًۭا ٦٢

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ في السَّماءِ بُرُوجًا ﴾ فِيها أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّها النُّجُومُ العِظامُ، وهو قَوْلُ أبِي صالِحٍ.

الثّانِي: أنَّها قُصُورٌ في السَّماءِ فِيها الحَرَسُ، وهو قَوْلُ عَطِيَّةَ العَوْفِيِّ.

الثّالِثُ: أنَّها مَواضِعُ الكَواكِبِ.

والرّابِعُ: أنَّها مَنازِلُ الشَّمْسِ، وقُرِئَ بُرْجًا، قَرَأ بِذَلِكَ قَتادَةُ، وتَأوَّلَهُ النَّجْمَ.

﴿ وَقَمَرًا مُنِيرًا ﴾ يَعْنِي مُضِيئًا، ولِذا جَعَلَ الشَّمْسَ سِراجًا والقَمَرَ مُنِيرًا، لِأنَّهُ لَمّا اقْتَرَنَ بِضِياءِ الشَّمْسِ وهَّجَ حَرَّها جَعَلَها لِأجْلِ الحَرارَةِ سِراجًا، ولَمّا كانَ ذَلِكَ في القَمَرِ مَعْدُومًا جَعَلَهُ نُورًا.

﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ والنَّهارَ خِلْفَةً ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ جَعَلَ ما فاتَ مِن عَمَلِ أحَدِهِما خِلْفَةً يَقْضِي في الآخَرِ، قالَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ والحَسَنُ.

الثّانِي: أنَّهُ جَعَلَ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مُخالِفًا لِصاحِبِهِ فَجَعَلَ أحَدَهُما أبْيَضَ والآخَرَ أسْوَدَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما يَخْلُفُ صاحِبَهُ إذا مَضى هَذا جاءَ هَذا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ: بِها العَيْنُ والآرامُ يَمْشِينَ خِلْفَةً وأطْلاؤُها يَنْهَضْنَ مِن كُلِّ مَجْثَمِ ﴿ لِمَن أرادَ أنْ يَذَّكَّرَ ﴾ أيْ يُصَلِّي بِالنَّهارِ صَلاةَ اللَّيْلِ ويُصَلِّي بِاللَّيْلِ صَلاةَ النَّهارِ.

﴿ أوْ أرادَ شُكُورًا ﴾ هو النّافِلَةُ بَعْدَ الفَرِيضَةِ، وقِيلَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

<div class="verse-tafsir"

وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى ٱلْأَرْضِ هَوْنًۭا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلْجَـٰهِلُونَ قَالُوا۟ سَلَـٰمًۭا ٦٣ وَٱلَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًۭا وَقِيَـٰمًۭا ٦٤ وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ ۖ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا ٦٥ إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرًّۭا وَمُقَامًۭا ٦٦ وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُوا۟ لَمْ يُسْرِفُوا۟ وَلَمْ يَقْتُرُوا۟ وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًۭا ٦٧

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَعِبادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: عُلَماءُ وكُلَماءُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أعِفّاءُ أتْقِياءُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّالِثُ: بِالسَّكِينَةِ والوَقارِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الرّابِعُ: مُتَواضِعِينَ لا يَتَكَبَّرُونَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

﴿ وَإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا ﴾ الجاهِلُونَ فِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ الكُفّارُ.

الثّانِي: السُّفَهاءُ.

﴿ قالُوا سَلامًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: قالُوا سَدادًا، قالَهُ مُجاهِدٌ لِأنَّهُ قَوْلٌ سَلِيمٌ.

الثّانِي: قالُوا وعَلَيْكَ السَّلامُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ طَلَبُ المُسالَمَةِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لازِمًا، قالَهُ ابْنُ عِيسى، ومِنهُ الغَرِيمُ لِمُلازَمَتِهِ وأنْشَدَ الأعْشى: إنْ يُعاقِبْ يَكُنْ غَرامًا وإنْ يُعْ طِرْ جَزِيلًا فَإنَّهُ لا يُبالِي الثّانِي: شَدِيدًا، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ، ومِنهُ سُمِّيَتْ شِدَّةُ المِحْنَةِ غَرامًا قالَ بِشْرُ بْنُ أبِي خازِمٍ: ويَوْمُ الجِفارِ ويَوْمُ النِّسا ∗∗∗ رِ كانا عَذابًا، وكانَ غَرامًا الثّالِثُ: ثَقِيلًا، قالَهُ قُطْرُبٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَهم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ  ﴾ .

الرّابِعُ: أنَّهم أُغْرِمُوا بِالنَّعِيمِ في الدُّنْيا عَذابَ النّارِ، قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: إنَّ اللَّهَ سَألَ الكُفّارَ عَنْ فَأغْرَمَهم فَأدْخَلَهم جَهَنَّمَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ إذا أنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لَمْ يُنْفِقُوا في مَعْصِيَةِ اللَّهِ، والإسْرافُ النَّفَقَةُ في المَعاصِي، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: لَمْ يُنْفِقُوا كَثِيرًا فَيَقُولُ النّاسُ قَدْ أسْرَفُوا، قالَهُ إبْراهِيمُ.

الثّالِثُ: لا يَأْكُلُونَ طَعامًا يُرِيدُونَ بِهِ نَعِيمًا ولا يَلْبَسُونَ ثَوْبًا يُرِيدُونَ بِهِ جَمالًا، قالَهُ يَزِيدُ بْنُ أبِي حَبِيبٍ، قالَ: هَؤُلاءِ أصْحابُ النَّبِيِّ  كانَتْ قُلُوبُهم عَلى قَلْبِ رَجُلٍ واحِدٍ.

الرّابِعُ: لَمْ يُنْفِقُوا نَفَقَةً في غَيْرِ حَقِّها فَإنَّ النَّفَقَةَ في غَيْرِ حَقِّها إسْرافٌ، قالَهُ ابْنُ سِيرِينَ.

﴿ وَلَمْ يَقْتُرُوا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لَمْ يَمْنَعُوا حُقُوقَ اللَّهِ فَإنَّ مَنعَ حُقُوقِ اللَّهِ إقْتارٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: لا يُعَرِّيهِمْ ولا يُجِيعُهم، قالَهُ إبْراهِيمُ.

الثّالِثُ: لَمْ يُمْسِكُوا عَنْ طاعَةِ اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الرّابِعُ: لَمْ يُقَصِّرُوا في الحَقِّ، قالَهُ الأعْمَشُ.

رَوى مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ  عَنِ النَّفَقَةِ في الإسْرافِ والإقْتارِ ما هو، فَقالَ: مَن مَنَعَ مِن حَقٍّ فَقَدْ قَتَّرَ، ومَن أعْطى في غَيْرِ حَقٍّ فَقَدْ أسْرَفَ» .

﴿ وَكانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوامًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي عَدْلًا، قالَهُ الأعْمَشُ.

الثّانِي: أنَّ القِوامَ: أنْ يُخْرِجُوا في اللَّهِ شَطْرَ أمْوالِهِمْ، قالَهُ وهْبٌ.

الثّالِثُ: أنَّ القِوامَ: أنْ يُنْفِقَ في طاعَةِ اللَّهِ ويَكُفَّ عَنْ مَحارِمِ اللَّهِ.

وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: أنَّ القِوامَ ما لَمْ يُمْسَكْ فِيهِ عَزِيزٌ ولَمْ يُقْدَمْ فِيهِ عَلى خَطَرٍ، والفَرْقُ بَيْنَ القَوامِ بِالفَتْحِ والقِوامِ بِالكَسْرِ، ما قالَهُ ثَعْلَبٌ: أنَّهُ بِالفَتْحِ الِاسْتِقامَةُ والعَدْلُ، وبِالكَسْرِ ما يَدُومُ عَلَيْهِ الأمْرُ ويَسْتَقِرُّ.

<div class="verse-tafsir"

وَٱلَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا ءَاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ يَلْقَ أَثَامًۭا ٦٨ يُضَـٰعَفْ لَهُ ٱلْعَذَابُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِۦ مُهَانًا ٦٩ إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلًۭا صَـٰلِحًۭا فَأُو۟لَـٰٓئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّـَٔاتِهِمْ حَسَنَـٰتٍۢ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًۭا رَّحِيمًۭا ٧٠ وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَـٰلِحًۭا فَإِنَّهُۥ يَتُوبُ إِلَى ٱللَّهِ مَتَابًۭا ٧١

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ﴾ يَعْنِي لا يَجْعَلُونَ لِلَّهِ تَعالى شَرِيكًا، ولا يَجْعَلُونَ بَيْنَهم وبَيْنَهُ في العِبادَةِ وسِيطًا.

﴿ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ ﴾ يَعْنِي حَرَّمَ قَتْلَها، وهي نَفْسُ المُؤْمِنِ والمَعاهِدِ.

﴿ إلا بِالحَقِّ ﴾ والحُقُّ المُسْتَباحُ بِهِ قَتْلُها، ما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: «لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلّا بِإحْدى ثَلاثٍ: كُفْرٍ بَعْدَ إيمانٍ، أوْ زِنًى بَعْدَ إحْصانٍ، أوْ قَتْلِ نَفْسٍ بِغَيْرِ نَفْسٍ» .

﴿ وَلا يَزْنُونَ ﴾ والزِّنى إتْيانُ النِّساءِ المُحَرَّماتِ في قُبُلٍ أوْ دُبُرٍ، واللِّواطُ زِنًى في أحَدِ القَوْلَيْنِ وهو في القَوْلِ الثّانِي مُوجِبٌ لِقَتْلِ الفاعِلِ والمَفْعُولِ بِهِ، وفي إتْيانِ البَهائِمِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ كالزِّنى في الفَرْقِ بَيْنَ البِكْرِ والثَّيِّبِ.

الثّانِي: أنَّهُ يُوجِبُ قَتْلَ البَهِيمَةِ ومَن أتاها لِلْخَبَرِ المَأْثُورِ فِيهِ.

الثّالِثُ: أنَّهُ يُوجِبُ التَّعْزِيرَ.

فَجَمَعَ في هَذِهِ الآيَةِ بَيْنَ ثَلاثٍ مِنَ الكَبائِرِ: الشِّرْكِ وقَتْلِ النَّفْسِ والزِّنى، رَوى عَمْرُو بْنُ شُرَحْبِيلَ «عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ (أوْ قالَ غَيْرِي): أيُّ ذَنْبٍ أعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ؟

قالَ: (أنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وهو خَلَقَكَ) قالَ: ثُمَّ أيٌّ؟

قالَ: (أنْ تَقْتُلَ ولَدَكَ خِيفَةَ أنْ يَطْعَمَ مَعَكَ) قالَ: ثُمَّ أيٌّ ؟

قالَ: (أنْ تُزانِيَ حَلِيلَةَ جارِكَ) قالَ: فَأنْزَلَ اللَّهُ ذَلِكَ.

» ﴿ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ﴾ يَعْنِي هَذِهِ الثَّلاثَةَ أوْ بَعْضَها ﴿ يَلْقَ أثامًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: : أحَدُها: أنَّ الأثامَ العُقُوبَةُ قالَهُ بَلْعامُ بْنُ قَيْسٍ: جَزى اللَّهُ ابْنَ عُرْوَةَ حَيْثُ أمْسى عُقُوقًا والعُقُوقُ لَهُ أثامُ الثّانِي: أنَّ الأثامَ اسْمُ وادٍ في جَهَنَّمَ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ، وقَتادَةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: لَقِيتُ المَهالِكَ في حَرْبِنا ∗∗∗ وبَعْدَ المَهالِكِ تَلْقى أثامًا الثّالِثُ: الجَزاءُ، قالَهُ السُّدِّيُّ، وقالَ الشّاعِرُ: وإنَّ مَقامَنا نَدْعُو عَلَيْكم ∗∗∗ بِأبْطَحَ ذِي المَجازِ لَهُ أثامُ ﴿ يُضاعَفْ لَهُ العَذابُ يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ المُضاعَفَةَ عَذابُ الدُّنْيا وعَذابُ الآخِرَةِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: أنَّها الجَمْعُ بَيْنَ عُقُوباتِ الكَبائِرِ المُجْتَمِعَةِ.

الثّالِثُ: أنَّها اسْتِدامَةُ العَذابِ بِالخُلُودِ.

﴿ وَيَخْلُدْ فِيهِ ﴾ أيْ يَخْلُدُ في العَذابِ بِالشِّرْكِ.

﴿ مُهانًا ﴾ بِالعُقُوبَةِ.

﴿ إلا مَن تابَ ﴾ يَعْنِي مِنَ الزِّنى.

﴿ وَآمَنَ ﴾ يَعْنِي مِنَ الشِّرْكِ.

﴿ وَعَمِلَ عَمَلا صالِحًا ﴾ يَعْنِي بَعْدَ السَّيِّئاتِ.

﴿ فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: في الدُّنْيا يُبَدِّلُهم بِالشِّرْكِ إيمانًا، وبِالزِّنى إحْصانًا وبِذِكْرِ اللَّهِ بَعْدَ نِسْيانِهِ، وبِطاعَتِهِ بَعْدَ عِصْيانِهِ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ الحَسَنِ، وقَتادَةَ.

الثّانِي: أنَّهُ في الآخِرَةِ فِيمَن غَلَبَتْ حَسَناتُهُ عَلى سَيِّئاتِهِ فَيُبَدِّلُ اللَّهُ السَّيِّئاتِ حَسَناتٍ، قالَهُ أبُو هُرَيْرَةَ.

الثّالِثُ: أنَّهُ يُبَدِّلُ اللَّهُ عِقابَ سَيِّئاتِهِ إذا تابَ مِنها بِثَوابِ حَسَناتِهِ إذا انْتَقَلَ إلَيْها، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

﴿ وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا ﴾ لِما تَقَدَّمَ قَبْلَ التَّوْبَةِ.

﴿ رَحِيمًا ﴾ لِما بَعْدَها.

وَحَكى الكَلْبِيُّ «أنَّ وحْشِيًّا وهو عَبْدُ عُتْبَةَ بْنِ غَزْوانَ كَتَبَ بَعْدَ وقْعَةِ أُحُدٍ وقَتْلِ حَمْزَةَ إلى النَّبِيِّ  : هَلْ مِن تَوْبَةٍ؟

فَإنَّ اللَّهَ أنْزَلَ بِمَكَّةَ إياسِي مِن كُلِّ خَيْرٍ ﴿ والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ﴾ الآيَةَ وإنَّ وحْشِيًّا قَدْ فَعَلَ هَذا كُلَّهُ، وقَدْ زَنى وأشْرَكَ وقَتَلَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ إلا مَن تابَ ﴾ أيْ مِنَ الزِّنى وآمَنَ بَعْدَ الشِّرْكِ وعَمِلَ صالِحًا بَعْدَ السَّيِّئاتِ، فَكَتَبَ بِها رَسُولُ اللَّهِ  إلَيْهِ فَقالَ وحْشِيٌّ: هَذا شَرْطٌ شَدِيدٌ ولَعَلِّي لا أبْقى بَعْدَ التَّوْبَةِ حَتّى أعْمَلَ صالِحًا، فَكَتَبَ لِرَسُولِ اللَّهِ  : هَلْ مِن شَيْءٍ أوْسَعَ مِن هَذا؟

فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ  ﴾ ، فَكَتَبَ بِها رَسُولُ اللَّهِ  إلى وحْشِيٍّ.

فَأرْسَلَ وحْشِيٌّ إلى النَّبِيِّ  : إنّى لَأخافُ أنْ لا أكُونَ في مَشِيئَةِ اللَّهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ في وحْشِيٍّ وأصْحابِهِ ﴿ قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا  ﴾ الآيَةَ.

فَبَعَثَ بِها رَسُولُ اللَّهِ  إلى وحْشِيٍّ إلى النَّبِيِّ  فَأسْلَمَ.

» <div class="verse-tafsir"

وَٱلَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ ٱلزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا۟ بِٱللَّغْوِ مَرُّوا۟ كِرَامًۭا ٧٢ وَٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا۟ بِـَٔايَـٰتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا۟ عَلَيْهَا صُمًّۭا وَعُمْيَانًۭا ٧٣ وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَٰجِنَا وَذُرِّيَّـٰتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍۢ وَٱجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ٧٤

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ ﴾ فِيهِ سَبْعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ الشِّرْكُ بِاللَّهِ، قالَهُ الضَّحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: أنَّهُ أعْيادُ أهْلِ الذِّمَّةِ وشَبَهُهُ، قالَ ابْنُ سِيرِينَ هو الشَّعانِينُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ الغِناءُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الرّابِعُ: مَجالِسُ الخَنا، قالَهُ عَمْرُو بْنُ قَيْسٍ.

الخامِسُ: أنَّهُ لَعِبٌ كانَ في الجاهِلِيَّةِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

السّادِسُ: أنَّهُ الكَذِبُ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، وقَتادَةُ.

السّابِعُ: أنَّهُ مَجْلِسٌ كانَ يُشْتَمُ فِيهِ النَّبِيُّ  ، قالَهُ خالِدُ بْنُ كَثِيرٍ.

وَيَحْتَمِلُ ثامِنًا: أنَّهُ العُهُودُ عَلى المَعاصِي.

﴿ وَإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ ما كانَ يَفْعَلُهُ المُشْرِكُونَ مِن أذِيَّةِ المُسْلِمِينَ في أنْفُسِهِمْ وأعْراضِهِمْ فَيُعْرِضُوا عَنْهم وعَنْ أذاهم، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: أنَّهم إذا ذَكَرُوا النِّكاحَ كَنَّوْا عَنْهُ، حَكاهُ العَوّامُ.

الثّالِثُ: أنَّهم إذا ذَكَرُوا الفُرُوجَ كَنَّوْا عَنْها، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الباقِرُ رَحِمَهُ اللَّهُ.

الرّابِعُ: أنَّهم إذا مَرُّوا بِإفْكِ المُشْرِكِينَ يُنْكِرُوهُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الخامِسُ: أنَّ اللَّغْوَ هُنا المَعاصِي كُلُّها، ومَرُّهم بِها كِرامًا إعْراضُهم عَنْها، قالَهُ الحَسَنُ.

وَيَحْتَمِلُ سادِسًا: وإذا مَرُّوا بِالهَزْلِ عَدَلُوا عَنْهُ إلى الجِدِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ إذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: بِوَعْدِهِ ووَعِيدِهِ.

الثّانِي: بِأمْرِهِ ونَهْيِهِ.

﴿ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وعُمْيانًا ﴾ يَعْنِي سَمِعُوا الوَعْظَ فَلَمْ يَصُمُّوا عَنْهُ وأبْصَرُوا الرُّشْدَ فَلَمْ يَعْمَوْا عَنْهُ بِخِلافِ مَن أصَمَّهُ الشِّرْكُ عَنِ الوَعْظِ وأعْماهُ الضَّلالُ عَنِ الرُّشْدِ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: لَمْ يُقِيمُوا، قالَهُ الأخْفَشُ.

الثّانِي: لَمْ يَتَغافَلُوا، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رَبَّنا هَبْ لَنا مِن أزْواجِنا وذُرِّيّاتِنا قُرَّةَ أعْيُنٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: اجْعَلْ أزْواجَنا وذُرِّيّاتِنا قُرَّةَ أعْيُنٍ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّانِي: ارْزُقْنا مِن أزْواجِنا ومِن ذُرِّيّاتِنا أعْوانًا ﴿ قُرَّةَ أعْيُنٍ ﴾ أيْ أهْلَ طاعَةٍ تَقَرُّ بِهِ أعْيُنُنا في الدُّنْيا بِالصَّلاحِ، وفي الآخِرَةِ بِالجَنَّةِ.

وَفي قُرَّةِ العَيْنِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ تُصادِفَ ما يُرْضِيهِما فَتَقَرَّ عَلى النَّظَرِ إلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ.

الثّانِي: أنَّ القَرَّ البَرْدُ فَيَكُونُ مَعْناهُ بَرَّدَ اللَّهُ دَمْعَها، لِأنَّ دَمْعَةَ السُّرُورِ بارِدَةٌ.

وَدَمْعَةَ [الحُزْنِ] حارَةٌ، وضِدَّ قُرَّةِ العَيْنِ سُخْنَةُ العَيْنِ، قالَهُ الأصْمَعِيُّ.

﴿ واجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إمامًا ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أمْثالًا، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

الثّانِي: رِضًا، قالَهُ جَعْفَرٌ الصّادِقُ.

الثّالِثُ: قادَةً إلى الخَيْرِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الرّابِعُ: أئِمَّةَ هُدًى يُهْتَدى بِنا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الخامِسُ: نَأْتَمُّ بِمَن قَبْلَنا حَتّى يَأْتَمَّ بِنا مَن بَعْدَنا، قالَهُ مُجاهِدٌ.

وَفِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ طَلَبَ الرِّياسَةِ في الدِّينِ نَدْبٌ.

<div class="verse-tafsir"

أُو۟لَـٰٓئِكَ يُجْزَوْنَ ٱلْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا۟ وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةًۭ وَسَلَـٰمًا ٧٥ خَـٰلِدِينَ فِيهَا ۚ حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّۭا وَمُقَامًۭا ٧٦ قُلْ مَا يَعْبَؤُا۟ بِكُمْ رَبِّى لَوْلَا دُعَآؤُكُمْ ۖ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًۢا ٧٧

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الغُرْفَةَ ﴾ فِيها وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ الغُرْفَةَ الجَنَّةُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّانِي: أنَّها أعْلى مَنازِلِ الجَنَّةِ وأفْضَلُها كَما أنَّ الغُرْفَةَ أعْلى مَنازِلِ الدُّنْيا، حَكاهُ ابْنُ شَجَرَةَ.

﴿ بِما صَبَرُوا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِما صَبَرُوا عَنِ الشَّهَواتِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّانِي: بِما صَبَرُوا عَلى طاعَةِ اللَّهِ.

﴿ وَيُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي بَقاءً دائِمًا.

الثّانِي: مُلْكًا عَظِيمًا.

﴿ وَسَلامًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها جِماعُ السَّلامَةِ الخَيْرُ.

الثّانِي: هو أنْ يُحَيِّيَ بَعْضُهم بَعْضًا بِالسَّلامِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

وَلِأصْحابِ الخَواطِرِ في التَّحِيَّةِ والسَّلامِ وجْهانِ: أحَدُهُما: التَّحِيَّةُ عَلى الرُّوحِ والسَّلامُ عَلى الجَسَدِ.

الثّانِي: أنَّ التَّحِيَّةَ عَلى العَقْلِ والسَّلامَ عَلى النَّفْسِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ ما يَعْبَأُ بِكم رَبِّي ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ما يَصْنَعُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: ما يُبالِي، قالَهُ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ.

﴿ لَوْلا دُعاؤُكُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لَوْلا عِبادَتُكم وإيمانُكم بِهِ، والدُّعاءُ العِبادَةُ.

الثّانِي: لَوْلا دُعاؤُهُ لَكم إلى الطّاعَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: لَوْلا دُعاؤُكم لَهُ إذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ وأصابَكُمُ السُّوءُ رَغْبَةً إلَيْهِ وخُضُوعًا إلَيْهِ.

﴿ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: كَذَّبْتُمْ بِرُسُلِي.

الثّانِي: قَصَّرْتُمْ عَنْ طاعَتِي مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ قَدْ كَذَبَ في الحَرْبِ إذا قَصَّرَ.

﴿ لِزامًا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ عَذابُ الدُّنْيا وهو القَتْلُ يَوْمَ بَدْرٍ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وأُبَيٌّ.

الثّانِي: عَذابُ الآخِرَةِ في القِيامَةِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ المَوْتُ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: يُوَلِّي عِنْدَ حاجَتِها البَشِيرُ ولَمْ أجْزَعْ مِنَ المَوْتِ اللِّزامِ الرّابِعُ: هو لُزُومُ الحُجَّةِ في الآخِرَةِ عَلى تَكْذِيبِهِمْ في الدُّنْيا، قالَهُ الضَّحّاكُ، وأظْهَرَ الأوْجُهَ أنْ يَكُونَ اللِّزامُ الجَزاءَ لِلُزُومِهِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله