الإسلام > القرآن > سور > سورة 25 الفرقان > الآية ٤٧ من سورة الفرقان
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 111 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٤٧ من سورة الفرقان: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( وهو الذي جعل لكم الليل لباسا ) أي : يلبس الوجود ويغشيه ، كما قال : [ ( والليل إذا يغشى ) [ الليل : 1 ] وقال ] ( والليل إذا يغشاها ) [ الشمس : 4 ] .
( والنوم سباتا ) أي : قطعا للحركة لراحة الأبدان ، فإن الأعضاء والجوارح تكل من كثرة الحركة في الانتشار بالنهار في المعايش ، فإذا جاء الليل وسكن سكنت الحركات ، فاستراحت فحصل النوم الذي فيه راحة البدن والروح معا .
( وجعل النهار نشورا ) أي : ينتشر الناس فيه لمعايشهم ومكاسبهم وأسبابهم ، كما قال تعالى : ( ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون ) [ القصص : 73 ] .
يقول تعالى ذكره: الذي مدّ الظل ثم جعل الشمس عليه دليلا هو الذي جعل لكم أيها الناس الليل لباسا.
وإنما قال جلّ ثناؤه ( جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا ) لأنه جعله لخلقه جنة يجتنون فيها ويسكنون، فصار لهم سترا يستترون به, كما يستترون بالثياب التي يُكسونها.
وقوله: ( وَالنَّوْمَ سُبَاتًا ) يقول: وجعل لكم النوم راحة تستريح به أبدانكم, وتهدأ به جوارحكم.
وقوله: ( وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا ) يقول تعالى ذكره: وجعل النهار يقظة وحياة من قولهم: نَشر الميتُ, كما قال الأعشى: حَــتى يقُــولَ النَّــاسُ مِمَّـا رأَوْا يـــا عَجَبــا للْمَيِّــتِ النَّاشِــرِ (1) ومنه قول الله: وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلا حَيَاةً وَلا نُشُورًا وكان مجاهد يقول في تأويل ذلك ما حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( وَجَعَلَ َالنَّهَارَ نُشُورًا ) قال: ينشر فيه.
حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, مثله.
وإنما اخترنا القول الذي اخترنا في تأويل ذلك, أنه عقيب قوله: ( وَالنَّوْمَ سُبَاتًا ) في الليل.
فإذ كان ذلك كذلك, فوصف النهار بأن فيه اليقظة والنشور من النوم أشبه إذ كان النوم أخا الموت.
والذي قاله مجاهد غير بعيد من الصواب؛ لأن الله أخبر أنه جعل النهار معاشا, وفيه الانتشار للمعاش, ولكن النشور مصدر من قول القائل: نشر, فهو بالنشر من الموت والنوم أشبه, كما صحّت الرواية عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول إذا أصبح وقام من نومه: " الحَمْدُ للهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَما أماتَنا, وإلَيْهِ النُّشُورُ".
----------------------- الهوامش: (1) البيت لأعشى بني قيس بن ثعلبة ( ديوان طبعة القاهرة ، بشرح الدكتور محمد حسين 141) وهو من قصيدة يهجو بها علقمة بن علاثة ، ويمدح عامر بن الطفيل في المنافرة التي جرت بينهما .
وقبل البيت قوله : لَــو أسْـنَدَتْ مَيْتًـا إلـى صَدْرِهَـا عَــاشَ وَلَــمْ يَنْقَــلْ إلـى قَـابِرِ والبيت كذلك في ( اللسان : نشر) قال : ونشر الله الميت ينشره نشرًا ونشورًا ، وأنشره ، فنشر الميت ( برفع الميت ) لا غير : أحياه قال الأعشى : حتى يقول ...
" البيت .
وهذا محل الشاهد عند المؤلف .
قوله تعالى : وهو الذي جعل لكم الليل لباسا والنوم سباتا وجعل النهار نشورا .فيه أربع مسائل :الأولى : قوله تعالى : وهو الذي جعل لكم الليل لباسا يعني سترا للخلق يقوم مقام اللباس في ستر البدن .
قال الطبري : وصف الليل باللباس تشبيها من حيث يستر الأشياء ويغشاها .الثانية : قال ابن العربي : ظن بعض الغفلة أن من صلى عريانا في الظلام أنه يجزئه ; لأن الليل لباس .
وهذا يوجب أن يصلي في بيته عريانا إذا أغلق عليه بابه .
والستر في الصلاة عبادة تختص بها ليست لأجل نظر الناس .
ولا حاجة إلى الإطناب في هذا .الثالثة : قوله تعالى : والنوم سباتا أي راحة لأبدانكم بانقطاعكم عن الأشغال .
وأصل السبات من التمدد .
يقال : سبتت المرأة شعرها أي نقضته وأرسلته .
ورجل مسبوت أي ممدود الخلقة .
وقيل للنوم سبات لأنه بالتمدد يكون ، وفي التمدد معنى الراحة .
وقيل : السبت القطع ; فالنوم انقطاع عن الاشتغال ; ومنه سبت اليهود لانقطاعهم عن الأعمال فيه .
وقيل : السبت الإقامة في المكان ; فكأن السبات سكون ما وثبوت عليه ; فالنوم سبات على معنى أنه سكون عن الاضطراب والحركة .
وقال الخليل : السبات نوم ثقيل ; أي جعلنا نومكم ثقيلا ليكمل الإجمام والراحة .الرابعة : قوله تعالى : وجعل النهار نشورا من الانتشار للمعاش ; أي : النهار سبب الإحياء للانتشار .
شبه اليقظة فيه بتطابق الإحياء مع الإماتة .
وكان عليه السلام إذا أصبح قال : الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور .
أي: من رحمته بكم ولطفه أن جعل الليل لكم بمنزلة اللباس الذي يغشاكم، حتى تستقروا فيه وتهدؤوا بالنوم وتسبت حركاتكم أي: تنقطع عند النوم، فلولا الليل لما سكن العباد ولا استمروا في تصرفهم فضرهم ذلك غاية الضرر، ولو استمر أيضا الظلام لتعطلت عليهم معايشهم ومصالحهم، ولكنه جعل النهار نشورا ينتشرون فيه لتجاراتهم وأسفارهم وأعمالهم فيقوم بذلك ما يقوم من المصالح.
( وهو الذي جعل لكم الليل لباسا ) أي : سترا تستترون به ، يريد أن ظلمته تغشى كل شيء ، كاللباس الذي يشتمل على لابسه ، ) ( والنوم سباتا ) راحة لأبدانكم وقطعا لعملكم ، وأصل " السبت " : القطع ، والنائم مسبوت لأنه انقطع عمله وحركته .
( وجعل النهار نشورا ) أي : يقظة وزمانا ، تنتشرون فيه لابتغاء الرزق ، وتنتشرون لأشغالكم .
«وهو الذي جعل لكم الليل لباسا» ساترا كاللباس «والنوم سُباتا» راحة للأبدان بقطع الأعمال «وجعل النهار نشورا» منشورا فيه لابتغاء الرزق وغيره.
والله تعالى هو الذي جعل لكم الليل ساترًا لكم بظلامه كما يستركم اللباس، وجعل النوم راحة لأبدانكم، وجعل لكم النهار؛ لتنتشروا في الأرض، وتطلبوا معايشكم.
ثم انتقلت السورة من الحديث عن الظل ومده وقبضه .
إلى الحديث عن الليل والنوم والنهار .
فقال - تعالى - : ( وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الليل لِبَاساً والنوم سُبَاتاً وَجَعَلَ النهار نُشُوراً ) .
ولباسا : أى : ساترا بظلامه كما يستر اللباس ما تحته .والسبات : الانقطاع عن الحركة مع وجود الروح فى البدن ، مأخوذ من السبت بمعنى القطع أو الراحة والسكون ، ومنه قوله - تعالى - : ( وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً ) أى راحة لأبدانكم .والنشور : بمعنى الانتشار والحركة لطلب المعاش .
أى : وهو - سبحانه - الذى جعل لكم - أيها الناس - الليل " لباسا " أى : ساترا لكم يستركم كما يستر اللباس عوراتكم ، وجعل لكم النوم " سباتا " أى : راحة لأبدانكم من عناء العمل .
وما يصاحبه من مشقة وتعب ، وجعل - سبحانه - النهار " نشورا " أى : وقتا مناسبا لانتشاركم فيه ، وللسير فى مناكب الأرض ، طلبا للرزق والكسب ووسائل المعيشة .وهكذا تتقلب الحياة بالإنسان وهو تارة تحت جنح الليل الساتر ، وتارة مستغرق فى نومه ، وتارة يكدح لطلب معاشه .وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : ( وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً وَجَعَلْنَا الليل لِبَاساً وَجَعَلْنَا النهار مَعَاشاً ).
اعلم أنه تعالى لما بين جهل المعرضين عن دلائل الله تعالى وفساد طريقهم في ذلك ذكر بعده أنواعاً من الدلائل الدالة على وجود الصانع.
النوع الأول: الاستدلال بحال الظل في زيادته ونقصانه وتغيره من حال إلى حال، وفيه مسائل: المسألة الأولى: قوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنه من رؤية العين والثاني: أنه من رؤية القلب يعني العلم، فإن حملناه على رؤية العين فالمعنى أم تر إلى الظل كيف مده ربك وإن كان تخريج لفظه على عادة العرب أفصح وإن حملناه على العلم وهو اختيار الزجاج، فالمعنى ألم تعلم وهذا أولى وذلك أن الظل إذا جعلناه من المبصرات فتأثير قدرة الله تعالى في تمديده غير مرئي بالاتفاق، ولكنه معلوم من حيث إن كل متغير جائز فله مؤثر فحمل هذا اللفظ على رؤية القلب أولى من هذا الوجه.
المسألة الثانية: المخاطب بهذا الخطاب وإن كان هو الرسول عليه السلام بحسب ظاهر اللفظ ولكن الخطاب عام في المعنى، لأن المقصود من الآية بيان نعم الله تعالى بالظل، وجميع المكلفين مشتركون في أنه يجب تنبههم لهذه النعمة وتمكنهم من الاستدلال بها على وجود الصانع.
المسألة الثالثة: الناس أكثروا في تأويل هذه الآية والكلام الملخص يرجع إلى وجهين: الأول: أن الظل هو الأمر المتوسط بين الضوء الخالص وبين الظلمة الخالصة وهو ما بين ظهور الفجر إلى طلوع الشمس، وكذا الكيفيات الحاصلة داخل السقف وأفنية الجدران وهذه الحالة أطيب الأحوال لأن الظلمة الخالصة يكرهها الطبع وينفر عنها الحس، وأما الضوء الخالص وهو الكيفية الفائضة من الشمس فهي لقوتها تبهر الحس البصري وتفيد السخونة القوية وهي مؤذية، فإذن أطيب الأحوال هو الظل ولذلك وصف الجنة به فقال: ﴿ وَظِلّ مَّمْدُودٍ ﴾ وإذا ثبت هذا فنقول إنه سبحانه بين أنه من النعم العظيمة والمنافع الجليلة، ثم إن الناظر إلى الجسم الملون وقت الظل كأنه لا يشاهد شيئاً سوى الجسم وسوى اللون، ونقول الظل ليس أمراً ثالثاً، ولا يعرف به إلا إذا طلعت الشمس ووقع ضوؤها على الجسم زال ذلك الظل فلولا الشمس ووقوع ضوئها على الأجرام لما عرف أن للظل وجوداً وماهية لأن الأشياء إنما تعرف بأضدادها، فلولا الشمس لما عرف الظل، ولولا الظلمة لما عرف النور، فكأنه سبحانه وتعالى لما طلع الشمس على الأرض وزال الظل، فحينئذ ظهر للعقول أن الظل كيفية زائدة على الجسم واللون، فلهذا قال سبحانه: ﴿ ثُمَّ جَعَلْنَا الشمس عَلَيْهِ دَلِيلاً ﴾ أي خلقنا الظل أولاً بما فيه من المنافع واللذات ثم إنا هدينا العقول إلى معرفة وجوده بأن أطلعنا الشمس فكانت الشمس دليلاً على وجود هذه النعمة، ثم قبضناه أي أزلنا الظل لا دفعة بل يسيراً يسيراً فإن كلما ازداد ارتفاع الشمس ازداد نقصان الظل في جانب المغرب، ولما كان الحركات المكانية لا توجد دفعة بل يسيراً يسيراً فكذا زوال الإظلال لا يكون دفعة بل يسيراً يسيراً، ولأن قبض الظل لو حصل دفعة لاختلت المصالح، ولكن قبضها يسيراً يسيراً يفيد معه أنواع مصالح العالم، والمراد بالقبض الإزالة والإعدام هذا أحد التأويلين.
التأويل الثاني: وهو أنه سبحانه وتعالى لما خلق الأرض والسماء وخلق الكواكب والشمس والقمر وقع الظل على الأرض، ثم إنه سبحانه خلق الشمس دليلاً عليه وذلك لأن بحسب حركات الأضواء تتحرك الأظلال فإنهما متعاقبان متلازمان لا واسطة بينهما فبمقدار ما يزداد أحدهما ينقص الآخر، وكما أن المهتدي يهتدي بالهادي والدليل ويلازمه، فكذا الأظلال كأنها مهتدية وملازمة للأضواء فلهذا جعل الشمس دليلاً عليها.
وأما قوله: ﴿ ثُمَّ قبضناه إِلَيْنَا قَبْضاً يَسِيراً ﴾ فأما أن يكون المراد منه انتهاء الأظلال يسيراً يسيراً إلى غاية نقصاناتها، فسمى إزالة الأظلال قبضاً لها أو يكون المراد من قبضها يسيراً قبضها عند قيام الساعة، وذلك بقبض أسبابها وهي الأجرام التي تلقي الأظلال وقوله: ﴿ يَسِيراً ﴾ هو كقوله: ﴿ ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ ﴾ فهذا هو التأويل الملخص.
المسألة الرابعة: وجه الاستدلال به على وجود الصانع المحسن أن حصول الظل أمر نافع للأحياء والعقلاء، وأما حصول الضوء الخالص، أو الظلمة الخالصة، فهو ليس من باب المنافع، فحصول ذلك الظل، إما أن يكون من الواجبات أو من الجائزات، والأول باطل وإلا لما تطرق التغير إليه، لأن الواجب لا يتغير فوجب أن يكون من الجائزات، فلابد له في وجوده بعد العدم، وعدمه بعد الوجود، من صانع قادر مدبر محسن يقدره بالوجه النافع، وما ذاك إلا من يقدر على تحريك الأجرام العلوية وتدبير الأجسام الفلكية وترتيبها على الوصف الأحسن والترتيب الأكمل، وما هو إلا الله سبحانه وتعالى.
فإن قيل: الظل عبارة عن عدم الضوء عما شأنه أن يضيء، فكيف استدل بالأمر العدمي على ذاته، وكيف عده من النعم؟
قلنا: الظل ليس عدماً محضاً، بل هو أضواء مخلوطة بظلم، والتحقيق أن الظل عبارة عن الضوء الثاني وهو أمر وجودي، وفي تحقيقه وبسطه كلام دقيق يرجع فيه إلى كتبنا العقلية.
النوع الثاني: قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ الذي جَعَلَ لَكُمُ اليل لِبَاساً والنوم سُبَاتاً وَجَعَلَ النهار نُشُوراً ﴾ اعلم أنه تعالى شبه الليل من حيث إنه يستر الكل ويغطي باللباس الساتر للبدن، ونبه على ما لنا فيه من النفع بقوله: ﴿ والنوم سُبَاتاً ﴾ والسبات هو الراحة وجعل النوم سباتاً لأنه سبب للراحة قال أبو مسلم: السبات الراحة ومنه يوم السبت لما جرت به العادة من الاستراحة فيه، ويقال للعليل إذا استراح من تعب العلة مسبوت، وقال صاحب الكشاف السبات الموت والمسبوت الميت لأنه مقطوع الحياة قال: وهذا كقوله: ﴿ وَهُوَ الذي يتوفاكم باليل ﴾ وإنما قلنا إن تفسيره بالموت أولى من تفسيره بالراحة، لأن النشور في مقابلته يأباه، قال أبو مسلم: ﴿ وجعل النهار نشوراً ﴾ هو بمعنى الانتشار والحركة كما سمى تعالى نوم الإنسان وفاة، فقال: ﴿ الله يَتَوَفَّى الانفس حِينَ مِوْتِهَا ﴾ والتي لم تمت في منامها كذلك وفق بين القيام من النوم والقيام من الموت في التسمية بالنشور، وهذه الآية مع دلالتها على قدرة الخالق فيها إظهار لنعمه على خلقه، لأن الاحتجاب بستر الليل كم فيه لكثير من الناس من فوائد دينية ودنيوية، والنوم واليقظة شبههما بالموت والحياة، وعن لقمان أنه قال لابنه: كما تنام فتوقظ، كذلك تموت فتنشر.
النوع الثالث: قوله: ﴿ وَهُوَ الذي أَرْسَلَ الرياح بُشْرًاَ بَيْنَ يَدَيْهِ رَحْمَتِهِ ﴾ وقد تقدم تفسيره في سورة الأعراف، ثم فيه مسائل: المسألة الأولى: قرئ (الريح) و(الرياح)، قال الزجاج: وفي (نشراً) خمسة أوجه بفتح النون وبضمها وبضم النون والشين وبالباء الموحدة مع ألف والمؤنث وبشراً بالتنوين، قال أبو مسلم في قرأ (بشراً) أراد جمع بشير مثل قوله تعالى: ﴿ وَمِنْ ءاياته أَن يُرْسِلَ الرياح مبشرات ﴾ وأما بالنون فهو في معنى قوله: ﴿ والناشرات نَشْراً ﴾ وهي الرياح، والرحمة الغيث والماء والمطر.
المسألة الثانية: قوله: ﴿ وَأَنزَلْنَا مِنَ السماء مَاء طَهُوراً ﴾ نص في أنه تعالى ينزل الماء من السماء، لا من السحاب.
وقول من يقول السحاب سماء ضعيف لأن ذاك بحسب الاشتقاق، وأما بحسب وضع اللغة فالسماء اسم لهذا السقف المعلوم فصرفه عنه ترك للظاهر.
المسألة الثالثة: اختلفوا في أن الطهور ما هو؟
قال كثير من العلماء الطهور ما يتطهر به كالفطور ما يفطر به، والسحور ما يتسحر به وهو مروي أيضاً عن ثعلب، وأنكر صاحب الكشاف ذلك، وقال ليس فعول من التفعيل في شيء والطهور على وجهين في العربية: صفة واسم غير صفة فالصفة قولك: ماء طهور كقولك طاهر، والاسم قولك طهور لما يتطهر به كالوضوء والوقود لما يتوضأ به ويوقد به النار.
حجة القول الأول قوله عليه السلام: «التراب طهور المسلم ولو لم يجد الماء عشر حجج» ولو كان معنى الطهور الطاهر لكان معناه التراب طاهر للمسلم وحينئذ لا ينتظم الكلام، وكذا قوله عليه السلام: «طهور إناء أحدكم إذا ولغ الكلب فيه أن يغسله سبعاً» ولو كان الطهور الطاهر لكان معناه طاهر إناء أحدكم وحينئذ لا ينتظم الكلام، ولأنه تعالى قال: ﴿ وَيُنَزّلُ عَلَيْكُم مّن السماء مَاء لّيُطَهّرَكُمْ بِهِ ﴾ فبين أن المقصود من الماء إنما هو التطهر به فوجب أن يكون المراد من كونه طهوراً أنه هو المطهر به لأنه تعالى ذكره في معرض الإنعام، فوجب حمله على الوصف الأكمل ولا شك أن المطهر أكمل من الطاهر.
المسألة الرابعة: اعلم أن الله تعالى ذكر من منافع الماء أمرين: أحدهما: ما يتعلق بالنبات والثاني: ما يتعلق بالحيوان، أما أمر النبات فقوله: ﴿ لّنُحْيِىَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً ﴾ وفيه سؤالات: السؤال الأول: لم قال: ﴿ لّنُحْيِىَ بِهِ بَلْدَةً ﴾ ميتاً ولم يقل ميتة؟
الجواب: لأن البلدة في معنى البلد في قوله: ﴿ فَسُقْنَاهُ إلى بَلَدٍ مَّيّتٍ ﴾ .
السؤال الثاني: ما المراد من حياة البلد وموتها؟
الجواب: الناس يسمون ما لا عمارة فيه من الأرض مواتاً، وسقيها المقتضي لعمارتها إحياء لها.
السؤال الثالث: أن جماعة الطبائعيين وكذا الكعبي من المعتزلة قالوا إن بطبع الأرض والماء وتأثير الشمس فيهما يحصل النبات وتمسكوا بقوله تعالى: ﴿ لّنُحْيِىَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً ﴾ فإن الباء في (به) تقتضي أن للماء تأثيراً في ذلك الجواب: الظاهر وإن دل عليه لكن المتكلمون تركوه لقيام الدلالة على فساد الطبع وأما أمر الحيوان فقوله سبحانه: ﴿ وَنُسْقِيَهِ مِمَّا خَلَقْنَا أنعاما وَأَنَاسِىَّ كَثِيراً ﴾ وفيه سؤالات: السؤال الأول: لم خص الإنسان والأنعام هاهنا بالذكر دون الطير والوحش مع انتفاع الكل بالماء؟
الجواب: لأن الطير والوحش تبعد في طلب الماء فلا يعوزها الشرب بخلاف الأنعام لأنها قنية الأناسي وعامة منافعهم متعلقة بها فكأن الإنعام عليهم بسقي أنعامهم كالإنعام عليهم بسقيهم.
السؤال الثاني: ما معنى تنكير الأنعام والأناسي ووصفهما بالكثرة؟
الجواب: معناه أن أكثر الناس يجتمعون في البلاد القريبة من الأودية والأنهار (ومنافع) المياه فهم في غنية (في شرب المياه عن المطر)، وكثير منهم نازلون في البوادي فلا يجدون المياه للشرب إلا عند نزول المطر وذلك قوله: ﴿ لّنُحْيِىَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً ﴾ يريد بعض بلاد هؤلاء المتباعدين عن مظان الماء ويحتمل في (كثير) أن يرجع إلى قوله: ﴿ وَنُسْقِيَهِ ﴾ لأن الحي يحتاج إلى الماء حالاً بعد حال وهو مخالف للنبات الذي يكفيه من الماء قدر معين، حتى لو زيد عليه بعد ذلك لكان إلى الضرر أقرب، والحيوان يحتاج إليه حالاً بعد حال ما دام حياً.
السؤال الثالث: لم قدم إحياء الأرض وسقي الأنعام على سقي الأناسي الجواب: لأن حياة الأناسي بحياة أرضهم وحياة أنعامهم، فقدم ما هو سبب حياتهم ومعيشتهم على سقيهم لأنهم إذا ظفروا بما يكون سقيا لأرضهم ومواشيهم فقد ظفروا أيضاً بسقياهم وأيضاً فقوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ صرفناه بَيْنَهُمْ ﴾ يعني صرف المطر كل سنة إلى جانب آخر، وإذا كان كذلك فلا يسقي الكل منه بل يسقي كل سنة أناسي كثيراً منه.
السؤال الرابع: ما الأناسي؟
الجواب: قال الفراء والزجاج: الإنسي والأناسي كالكرسي والكراسي، ولم يقل كثيرين لأنه قد جاء فعيل مفرداً ويراد به الكثرة كقوله: ﴿ وَقُرُوناً بَيْنَ ذلك كَثِيراً ﴾ ﴿ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً ﴾ .
واعلم أن الفقهاء قد استنبطوا أحكام المياه من قوله تعالى: ﴿ وَأَنزَلْنَا مِنَ السماء مَاء طَهُوراً ﴾ ونحن نشير إلى معاقد تلك المسائل فنقول هاهنا نظران: أحدهما: أن الماء مطهر والثاني: أن غير الماء هل هو مطهر أم لا؟
النظر الأول: أن نقول الماء إما أن لا يتغير أو يتغير القسم الأول وهو الذي لا يتغير فهو طاهر في ذاته مطهر لغيره، إلا الماء المستعمل فإنه عند الشافعي طاهر وليس بمطهر، وقال مالك والثوري يجوز الوضوء به، وقال أبو حنيفة في رواية أبي يوسف إنه نجس فهاهنا مسائل: المسألة الأولى: في بيان أنه ليس بمطهر، ودليلنا قوله عليه السلام: «لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب» ولو بقي الماء كما كان طاهراً مطهراً لما كان للمنع منه معنى، ومن وجه القياس أن الصحابة كانوا يتوضؤون في الأسفار وما كانوا يجمعون تلك المياه مع علمهم باحتياجهم بعد ذلك إلى الماء، ولو كان ذلك الماء مطهراً لحملوه ليوم الحاجة، واحتج مالك بالآية والخبر والقياس.
أما الآية فمن وجهين: الأول: قوله تعالى: ﴿ وَأَنزَلْنَا مِنَ السماء مَاء طَهُوراً ﴾ وقوله: ﴿ وَيُنَزّلُ عَلَيْكُم مّن السماء مَاء لّيُطَهّرَكُمْ بِهِ ﴾ فدلت الآية على حصول وصف المطهرية للماء، والأصل في الثابت بقاؤه، فوجب الحكم ببقاء هذه الصفة للماء بعد صيرورته مستعملاً، وأيضاً قوله: ﴿ طَهُوراً ﴾ يقتضي جواز التطهر به مرة بعد أخرى والثاني: أنه أمر بالغسل مطلقاً في قوله: ﴿ فاغسلوا ﴾ واستعمال كل المائعات غسل، لأنه لا معنى للغسل إلا إمرار الماء على العضو، قال الشاعر: فياحسنها إذ يغسل الدمع كحلها *** فمن اغتسل بالماء المستعمل فقد أتى بالغسل، فوجب أن يكون مجزئاً له لأنه أتى بما أمر به فوجب أن يخرج عن العهدة وأما السنة فما روي أنه عليه السلام توضأ فمسح رأسه بفضل ما في يده وعنه عليه السلام: أنه توضأ فأخذ من بلل لحيته فمسح به رأسه وعن ابن عباس أنه عليه السلام: اغتسل فرأى لمعة في جسده لم يصبها الماء، فأخذ شعرة عليها بلل فأمرها على تلك اللمعة وأما القياس فإنه ماء طاهر لقي جسداً طاهراً فأشبه ما إذا لقي حجارة أو حديداً، وكذا الماء المستعمل في الكرة الرابعة والمستعمل في التبرد والتنظيف، ولأنه لا خلاف أنه إذا وضع الماء على أعلى وجهه وسقط به فرض ذلك الموضع، ثم نزل ذلك الماء بعينه إلى بقية الوجه فإنه يجزيه مع أن ذلك الماء صار مستعملاً في أعلى الوجه.
المسألة الثانية: الدليل على أن الماء المستعمل طاهر قوله تعالى: ﴿ وَأَنزَلْنَا مِنَ السماء مَاء طَهُوراً ﴾ ومن السنة أنه عليه السلام: أخذ من بلل لحيته ومسح به رأسه، وقال: «خلق الماء طهوراً لا ينجسه شيء إلا ما غير طعمه أو ريحه أو لونه».
وقال الشافعي: إنه عليه السلام توضأ ولا شك أنه أصابه ما تساقط منه، ولم ينقل أنه غير ثوبه ولا أنه غسله، ولا أحد من المسلمين فعل ذلك، فثبت أنهم أجمعوا على أنه ليس بنجس، ولأنه ماء طاهر لقي جسماً طاهراً فأشبه ما إذا لاقى حجارة.
المسألة الثالثة: الماء المستعمل إما أن يكون مستعملاً في أعضاء الوضوء أو في غسل الثياب، أما المستعمل في أعضاء الوضوء فإما أن يكون مستعملاً فيما كان فرضاً وعبادة، أو فيما كان فرضاً ولا يكون عبادة، أو فيما كان عبادة ولا يكون فرضاً، أو فيما لا يكون فرضاً ولا عبادة.
أما القسم الأول: وهو المستعمل فيما كان فرضاً وعبادة فهو غير مطهر باتفاق أصحاب الشافعي.
وأما القسم الثاني: فهو كالماء الذي استعملته الذمية التي تحت الزوج المسلم، أي في غسل حيضها ليحل للزوج غشيانها.
وأما القسم الثالث: فهو كالماء المستعمل في الكرة الثانية والثالثة، والماء المستعمل في تجديد الوضوء، والماء المستعمل في الأغسال المسنونة، فلأصحاب الشافعي في هذين القسمين وجهان: وأما القسم الرابع: فهو كالماء المستعمل في الكرة الرابعة، وفي التبرد والتنظف، فذاك باتفاق أصحاب الشافعي غير مستعمل، وهو طاهر مطهر، أما الماء المستعمل في غسل الثياب، فإذا غسل ثوباً من نجاسة وطهر بغسلة واحدة، يستحب أن يغسله ثلاثاً فالمنفصل في الكرة الثانية والثالثة مطهر على الأصح القسم الثاني: الماء الذي يتغير فنقول الماء إذا تغير، فإما أن يتغير بنفسه أو بغيره، أما الأول فكالمتغير بطول المكث فيجوز الوضوء به، لأنه عليه السلام كان يتوضأ من بئر (قضاعة)، وكان ماؤها كأنه نقاعة الحناء، وأما المتغير بسبب غيره فذلك الغير إما أن لا يكون متصلاً به أو يكون متصلاً به.
أما الذي لا يكون متصلاً به فهو كما لو وقع بقرب الماء جيفة فصار الماء منتناً بسببها فهو أيضاً مطهر، وأما إذا تغير بسبب شيء متصل به فذلك المتصل إما أن يكون طاهراً أو نجساً القسم الأول: إذا كان طاهراً فهو إما أن لا يخالطه أو يخالطه، فإن لم يخالطه فهو كالماء المتغير بسبب وقوع الدهن والطيب والعود والعنبر والكافور الصلب فيه وهذا أيضاً مطهر كما لو كان بقرب الماء جيفة، ولأن الطهورية ثبتت بقوله: ﴿ وَأَنزَلْنَا مِنَ السماء مَاء طَهُوراً ﴾ والأصل في الثابت بقاؤه، وأما المتغير بسبب شيء يخالطه، فذلك المخالط إما أن لا يمكن صون الماء عنه أو يمكن، أما الذي لا يمكن فكالمتغير بالتراب والحمأة والأوراق التي تقع فيه والطحلب الذي يتولد فيه، وهذا أيضاً مطهر، لأن الطهورية ثبتت بالآية والاحتراز عن ذلك عسير، فيكون مرفوعاً لقوله: ﴿ مَّا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي الدين مِنْ حَرَجٍ ﴾ وكذا لو جرى الماء في طريقه على معدن زرنيخ أو نورة أو كحل أو وقع شيء منها فيه أو نبع من معادنها، أما إذا تغير الماء بسبب مخالطة ما يستغني الماء عن جنسه نظر إن كان التغير قليلاً، بحيث لا يضاف الماء إليه بأن وقع فيه زعفران فاصفر قليلاً، أو دقيق فابيض قليلاً، جاز الوضوء به على الصحيح من المذهب، لأنه لم يسلبه إطلاق اسم الماء، وأما إن كان التغير كثيراً فإن استحدث اسماً جديداً كالمرقة لم يجز الوضوء به بالاتفاق، وإن لم يستحدث اسماً جديدا فعند الشافعي لا يجوز الوضوء به، وعند أبي حنيفة يجوز.
حجة الشافعي من وجوه: أحدها: أنه عليه السلام توضأ ثم قال: «هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به» فذلك الوضوء إن كان واقعاً بالماء المتغير وجب أن لا يجوز إلا به، وبالاتفاق ليس الأمر كذلك، فثبت أنه كان بماء غير متغير وهو المطلوب.
وثانيها: أنه إذا اختلط ماء الورد بالماء ثم توضأ الإنسان به، فيحتمل أن بعض الأعضاء قد انغسل بماء الورد دون الماء، وإذا كان كذلك فقد وقع الشك في حصول الوضوء وكان تيقن الحدث قائماً، والشك لا يعارض اليقين فوجب أن يبقى على الحدث، بخلاف ما إذا كان قليلاً لا يظهر أثره فإنه صار كالمعدوم، أما إذا ظهر أثره علمنا أنه باق فيتوجه ما ذكرناه.
وثالثها: أن الوضوء تعبد لا يعقل معناه، فإنه لو توضأ بماء الورد لا يصح وضوؤه ولو توضأ بالماء الكدر المتعفن صح وضوؤه.
وما لا يعقل معناه وجب الاقتصار فيه على مورد النص وترك القياس.
حجة أبي حنيفة وجوه: أحدها: قوله تعالى: ﴿ وَأَنزَلْنَا مِنَ السماء مَاء طَهُوراً ﴾ دلت الآية على كون الماء مطهراً والأصل في الثابت بقاؤه، فوجب بقاء هذه الصفة بعد التغير بالمخالطة.
وثانيها: قوله تعالى: ﴿ فاغسلوا ﴾ أمر بمطلق الغسل وقد أتى به فوجب أن يخرج عن العهدة وقد بينا تقرير هذا الوجه فيما تقدم.
وثالثها: قوله تعالى: ﴿ فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ ﴾ علق جواز التيمم بعدم وجدان الماء وواجد هذا الماء المتغير واجد للماء لأن الماء المتغير ماء مع صفة التغير، والموصوف موجود حال وجود الصفة، فوجب أن لا يجوز له التيمم.
ورابعها: قوله عليه السلام في البحر: «هو الطهور ماؤه» ظاهره يقتضي جواز الطهارة به وإن خالطه غيره، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أطلق ذلك.
وخامسها: أنه عليه السلام أباح الوضوء بسؤر الهرة وسؤر الحائض وإن خالطه شيء من لعابهما.
وسادسها: لا خلاف في الوضوء بماء المدر والسيول مع تغير لونه بمخالطة الطين وما يكون في الصحارى من الحشيش والنبات، ومن أجل مخالطة ذلك له يرى تارة متغيراً إلى السواد وأخرى إلى الحمرة والصفرة فصار ذلك أصلاً في جميع ما خالط الماء إذا لم يغلب عليه فيسلبه اسم الماء القسم الثاني: إذا كان المخالط للماء شيئاً نجساً فمن الناس من زعم أن الماء لا ينجس ما لم يتغير بالنجاسة سواء كان قليلاً أو كثيراً وهو قول الحسن البصري والنخعي ومالك وداود، وإليه مال الشيخ الغزالي في كتاب الإحياء، وقال أبو بكر الرازي مذهب أصحابنا أن كل ما تيقنا فيه جزأ من النجاسة أو غلب على الظن ذلك لم يجز استعماله ولا يختلف على هذا الحد ماء البحر وماء البئر والغدير والراكد والجاري، لأن ماء البحر لو وقعت فيه نجاسة لم يجز استعمال الماء الذي فيه النجاسة وكذلك الماء الجاري، وأما اعتبار أصحابنا للغدير الذي إذا حرك أحد طرفيه لم يتحرك الطرف الآخر، فإنما هو كلام في جهة تغليب الظن في بلوغ النجاسة الواقعة في أحد طرفيه إلى الطرف الآخر، وليس هو كلامنا في أن بعض المياه الذي فيه النجاسة قد يجوز استعمالها، وبعضها لا يجوز استعماله هذا كله كلام أبي بكر وأقول: من الناس من فرق بين القليل والكثير فعن عبدالله بن عمر: إذا كان الماء أربعين قلة لم ينجسه شيء وعن ابن عباس رضي الله عنهما: الحوض لا يغتسل فيه جنب إلا أن يكون فيه أربعون غرباً وهو قول محمد بن كعب القرظي، وقال مسروق وابن سيرين: إذا كان الماء كثيراً لا ينجسه شيء، وقال سعيد بن جبير: الماء الراكد لا ينجسه شيء إذا كان قدر ثلاث قلال وقال الشافعي: إذا كان الماء قلتين بقلال هجر لم ينجسه إلا ما غير طعمه أو ريحه أو لونه، وإن كان أقل ينجس لظهور النجاسة فيه.
واعلم أنه يمكن التمسك لنصرة قول مالك بوجوه: أحدها: قوله تعالى: ﴿ وَأَنزَلْنَا مِنَ السماء مَاء طَهُوراً ﴾ ترك العمل به في الماء الذي تغير لونه أو طعمه أو ريحه لظهور النجاسة فيه فيبقى فيما عداه على الأصل.
وثانيها: قوله عليه السلام: «خلق الله الماء طهوراً لا ينجسه شيء إلا ما غير طعمه أو لونه أو ريحه» وهو نص في الباب.
وثالثها: قوله تعالى: ﴿ فاغسلوا وُجُوهَكُمْ ﴾ المتوضئ بهذا الماء قد غسل وجهه فيكون آتياً بما أمر به فيخرج عن العهدة.
ورابعها: أن من شأن كل مختلطين كان أحدهما غالباً على الآخر أن يتكيف المغلوب بكيفية الغالب فالقطرة من الخل لو وقعت في الماء الكثير بطلت صفة الخلية عنها واتصفت بصفة الماء، وكون أحدهما غالباً على الآخر إنما يعرف بغلبة الخواص والآثار المحسوسة وهي الطعم أو اللون أو الريح، فلا جرم مهما ظهر طعم النجاسة أو لونها أو ريحها كانت النجاسة غالبة على الماء وكان الماء مستهلكاً فيها، فلا جرم يغلب حكم النجاسة فإذا لم يظهر شيء من ذلك كان الغالب هو الماء وكانت النجاسة مستهلكة فيه فيغلب حكم الطهارة.
وخامسها: ما روي عن عمر (أنه) توضأ من جرة نصرانية، مع أن نجاسة أواني النصارى معلومة بظن قريب من العلم، وذلك يدل على أن عمر لم يعول إلا على عدم التغير.
وسادسها: أن تقدير الماء بمقدار معلوم ولو كان معتبراً كالقلتين عند الشافعي وعشر في عشر عند أبي حنيفة رضي الله عنه لكان أولى المواضع بالطهارة مكة والمدينة لأنه لا تكثر المياه هناك لا الجارية وإلا الراكدة الكثيرة ومن أول عصر الرسول صلى الله عليه وسلم إلى آخر عصر الصحابة لم ينقل أنهم خاضوا في تقدير المياه بالمقادير المعينة، ولا أنهم سألوا عن كيفية حفظ المياه عن النجاسات وكانت أواني مياههم يتعاطاها الصبيان والإماء الذين لا يحترزون عن النجاسات.
وسابعها: إصغاء رسول الله صلى الله عليه وسلم الإناء للهرة وعدم منعهم الهرة من شرب الماء من أوانيهم بعد أن كانوا يرون أنه تأكل الفأرة ولم يكن في بلادهم حياض تلغ السنانير فيها وكانت لا تنزل إلى الآبار.
وثامنها: أن الشافعي نص على أن غسالة النجاسات طاهرة إذا لم تتغير ونجسة إذا تغيرت، وأي فرق بين أن يلاقي الماء النجاسة بالورود عليها أو بورودها عليه؟
وأي معنى لقول القائل إن قوة الورود تدفع النجاسة مع أن قوة الورود لم تمنع المخالطة.
وتاسعها: أنهم كانوا يستنجون على أطراف المياه الجارية القليلة، ولا خلاف أن مذهب الشافعي إذا وقع بول في ماء جار ولم يتغير أنه يجوز الوضوء به وإن كان قليلاً، وأي فرق بين الجاري والراكد؟
وليت شعري الحوالة على عدم التغير أولى أو على قوة الماء بسبب الجريان؟.
وعاشرها: إذا وقع بول في قلتين ثم فرقتا فكل كوز يؤخذ منه فهو ظاهر على قول الشافعي ومعلوم أن البول منتشر فيه وهو قليل، فأن فرق بينه إذا وقع ذلك القليل في ذلك القدر من الماء ابتداء، وبينه إذا وصل إليه عند اتصال غيره به؟
وحادي عشرها: أن الحمامات لم تزل في الأعصار الخالية يتوضأ فيها المتقشفون ويغمسون الأيدي والأواني في ذلك القليل من الماء من تلك الحياض مع علمهم بأن الأيدي الطاهرة والنجسة كانت تتوارد عليها ولو كان التقدير بالقلتين معتبراً لاشتهر ذلك ولبلغ ذلك إلى حد التواتر، لأن الأمر الذي تشتد حاجة الجمهور إليه يجب بلوغ نقله إلى حد التواتر لما لم يكن كذلك علمنا أنه غير معتبر وثاني عشرها: أنا لو حكمنا بنجاسة الماء فلا يمكننا أن نحكم بنجاسة الماء إن كان في غاية الكثرة مثل ماء الأودية العظيمة والغدران الكبار، فإن ذلك بالإجماع باطل، فلابد من التقدير بمقدار معين، وقد نقلنا عن الناس تقديرات مختلفة فليس بعضها أولى من بعض فوجب التعارض والتساقط، أما تقدير أبي حنيفة بعشر في عشر فمعلوم أنه مجرد تحكم، وأما تقدير الشافعي بالقلتين بناء على قوله عليه السلام: «إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثاً» فضعيف أيضاً لأن الشافعي لما روى هذا الخبر، قال أخبرني رجل فيكون الراوي مجهولاً، ويكون الحديث مرسلاً وهو عنده ليس بحجة، وأيضاً زعم كثير من المحدثين أنه موقوف على ابن عمر رضي الله عنه، سلمنا صحة الرواية لكنه إحالة مجهول على مجهول لأن القلة غير معلومة فإنها تصلح للكوز والجرة ولكل ما نقل باليد، وهو أيضاً اسم لهامة الرجل ولقلة الجبل، سلمنا كون القلة معلومة لكن في متن الخبر اضطراب فإنه روي إذا بلغ الماء قلتين، وروي إذا بلغ قلة، وروي أربعين قلة، وروي إذا بلغ قلتين أو ثلاثاً، وروي إذا بلغ كوزين سلمنا صحة المتن ولكنه متروك الظاهر لأن قوله لم يحمل خبثاً لا يمكن إجراؤه على ظاهره، فإن الخبث إذا ورد عليه فقد حمله، سلمنا إمكان إجرائه على ظاهره لكن الخبث على قسمين خبث شرعي وخبث حقيقي، والاسم إذا دار بين المسمى اللغوي والمسمى الشرعي، كان حمله على المسمى اللغوي أولى، لأن الاسم حقيقة في المسمى اللغوي مجاز في المسمى الشرعي، دفعاً للاشتراك والنقل، وإذا كان كذلك وجب حمله عليه، والمسمى اللغوي للخبث المستقذر بالطبع قال عليه السلام: «ما استخبثته العرب فهو حرام» إذا ثبت هذا فنقول: معنى قوله لم يحمل خبثاً أي لا يصير مستقذراً طبعاً، ونحن نقول بموجبه لكن لم قلت إنه لا ينجس شرعاً، سلمنا أن المراد من الخبث النجاسة الشرعية لكن قوله لم يحمل خبثاً أي يضعف عن حمله ومعنى الضعف تأثره به، فيكون هذا دليلاً على صيرورته نجساً لا على بقائه طاهراً.
لا يقال: الجواب عن هذه الأسئلة أن يقال إن الشافعي وإن لم يذكر اسم الراوي في بعض المواضع فقد ذكره في سائر المواضع فخرج عن كونه مرسلاً، ولأن سائر المحدثين قد عينوا اسم الراوي.
قوله إنه موقوف على ابن عمر، قلنا لا نسلم فإن يحيى بن معين قال إنه جيد الإسناد فقيل له إن ابن علية وقفه على ابن عمر، فقال إن كان ابن علية وقفه فحماد بن سلمة رفعه وقوله القلة مجهولة قلنا لا نسلم لأن ابن جريج قال في روايته بقلال هجر.
ثم قال: وقد شاهدت قلال هجر فكانت القلة تسع قربتين أو قربتين وشيئاً.
قوله في متنه اضطراب قلنا لا نسلم لأنا وأنتم توافقنا على أن سائر المقادير غير معتبرة فيبقى ما ذكرناه معتبراً.
قوله إنه متروك الظاهر قلنا إذا حملناه على الخبث الشرعي اندفع ذلك، وذلك أولى لأن حمل كلام الشرع على الفائدة الشرعية أولى من حمله على المعنى العقلي، لا سيما وفي حمله على المعنى العقلي يلزم التعطيل، قوله المراد أنه يضعف عن حمله قلنا صح في بعض الروايات أنه قال: «إذا كان الماء قلتين لم ينجس»، ولأنه عليه السلام جعل القلتين شرطاً لهذا الحكم، والمعلق على الشرط عدم عند عدم الشرط وعلى ما ذكروه لا يبقى للقلتين فائدة لأنا نقول: لا شك أن هذا الخبر بتقدير الصحة يقتضي تخصيص عموم قوله تعالى: ﴿ وَأَنزَلْنَا مِنَ السماء مَاء طَهُوراً ﴾ وعموم قوله: ﴿ ولكن يُرِيدُ لِيُطَهّرَكُمْ ﴾ وعموم قوله: ﴿ فاغسلوا وُجُوهَكُمْ ﴾ وعموم قوله صلى الله عليه وسلم: «خلق الماء طهوراً لا ينجسه شيء» وهذا المتخصص لابد وأن يكون بعيداً عن الاحتمال والاشتباه وقلال هجر مجهولة وقول ابن جريج القلة تسع قربتين أو قربتين وشيئاً ليس بحجة، لأن القلة كما أنها مجهولة فكذا القربة مجهولة فإنها قد تكون كبيرة، وقد تكون صغيرة، ولأن الروايات أيضاً مختلفة فتارة قال إذا بلغ الماء قلتين، وتارة أربعين قلة، وتارة كرين فإذا تدافعت وتعارضت لم يجز تخصيص عموم الكتاب والسنة الظاهرة البعيدة عن الاحتمال بمثل هذا الخبر.
هذا تمام الكلام في نصرة قول مالك، واحتج من حكم بنجاسة الماء الذي تقع النجاسة فيه بوجوه: أولها: قوله تعالى: ﴿ وَيُحَرّمُ عَلَيْهِمُ الخبئث ﴾ والنجاسات من الخبائث، وقال تعالى: ﴿ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الميتة والدم ﴾ ، وقال في الخمر: ﴿ رِجْسٌ مّنْ عَمَلِ الشيطان فاجتنبوه ﴾ ومر عليه السلام بقبرين فقال: «إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير إن أحدهما كان لا يستبرئ من البول والآخر كان يمشي بالنميمة» فحرم الله هذه الأشياء تحريماً مطلقاً، ولم يفرق بين حال انفرادها واختلاطها بالماء، فوجب تحريم استعمال كل ما يبقى فيه جزء من النجاسة أكثر ما في الباب أن الدلائل الدالة على كون الماء مطهراً تقتضي جواز الطهارة به، ولكن تلك الدلائل مبيحة والدلائل التي ذكرناها حاظرة والمبيح والحاظر إذا اجتمعا فالغلبة للحاظر، ألا ترى أن الجارية بين رجلين لو كان لأحدهما منها مائة جزء وللآخر جزء واحد، أن جهة الحظر فيها أولى من جهة الإباحة، وأنه غير جائز لواحد منهما وطؤها فكذا هاهنا.
وثانيها: قوله عليه السلام: لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل فيه من الجنابة ذكره على الإطلاق من غير فرق بين القليل والكثير.
وثالثها: قوله عليه السلام: «إذا استيقظ أحدكم من منامه فليغسل يده ثلاثاً قبل أن يدخلها الإناء فإنه لا يدري أين باتت يده» فأمر بغسل اليد احتياطاً من نجاسة قد أصابته من موضع الاستنجاء، ومعلوم أن مثلها إذا أدخلت الماء لم تغيره ولولا أنها تفسده ما كان للأمر بالاحتياط منها معنى.
ورابعها: قوله عليه السلام: «إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثاً» يدل بمفهومه على أنه إذا لم يبلغ قلتين وجب أن يحمل الخبث.
أجاب مالك عن الوجه الأول فقال لا نزاع في أنه يحرم استعمال النجاسة ولكن الجزء القليل من النجاسة المائعة إذا وقع في الماء لم يظهر فيه لونه ولا طعمه ولا رائحته، فلم قلتم إن تلك النجاسة بقيت، ولم لا يجوز أن يقال إنها انقلبت عن صفتها؟
وتقريره ما قدمناه.
وأما قوله عليه السلام: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم» فلم قلتم إن هذا النهي ليس إلا لما ذكرتموه، بل لعل النهي إنما كان لأنه ربما شربه إنسان وذلك مما ينفر طبعه عنه، وليس الكلام في نفرة الطبع، وأما قوله: إذا استيقظ أحدكم من منامه فليغسل يده ثلاثاً فقد أجمعنا على أن هذا الأمر استحباب، فالمرتب عليه كيف يكون أمر إيجاب ثم بتقدير أن يكون أمر إيجاب، فلم قلتم إنه لم يوجه ذلك الإيجاب إلا لما ذكرتموه؟
وأما قوله عليه السلام: «إذا بلغ الماء قلتين» فقد سبق الكلام عليه، ثم بعد النزول عن كل ما قلناه فهو تمسك بالمفهوم والنصوص التي ذكرناها منطوقة والمنطوق راجح على المفهوم، والله أعلم.
النظر الثاني: في أن غير الماء هل هو طهور أم لا؟
فقال الأصم والأوزاعي يجوز الوضوء بجميع المائعات، وقال أبو حنيفة يجوز الوضوء بنبيذ التمر في السفر، وقال أيضاً تجوز إزالة النجاسة بجميع المائعات التي تزيل أعيان النجاسات، وقال الشافعي رضي الله عنه الطهورية مختصة بالماء على الإطلاق ودليله في صورة الحدث قوله تعالى: ﴿ فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ ﴾ أوجب التيمم عند عدم الماء، ولو جاز الوضوء بالخل أو نبيذ التمر لما وجب التيمم عند عدم الماء، وأما في صورة الخبث، فلأن الخل لو أفاد طهارة الخبث لكان طهوراً لأنه لا معنى للطهور إلا المطهر ولو كان طهوراً لوجب أن يجوز به طهارة الحدث لقوله عليه السلام: «لا يقبل الله صلاة أحدكم حتى يضع الطهور مواضعه» وكلمة (حتى) لانتهاء الغاية فوجب انتهاء عدم القبول عند استعمال الطهور وانتهاء عدم القبول يكون بحصول القبول، فلو كان الخل طهوراً لحصل باستعماله قبول الصلاة، وحيث لم يحصل علمنا أن الطهورية في الخبث أيضاً مختصة بالماء.
<div class="verse-tafsir"
شبه ما يستر من ظلام الليل باللباس الساتر.
والسبات: الموت.
والمسبوت: الميت؛ لأنه مقطوع الحياة، وهذا كقوله: ﴿ وَهُوَ الذى يتوفاكم باليل ﴾ [الأنعام: 60] .
فإن قلت: هلا فسرته بالراحة؟
قلت: النشور في مقابلته يأباه إباء العيوف الوِرْد وهو مرنق.
وهذه الآية مع دلالتها على قدرة الخالق فيها إظهار لنعمته على خلقه؛ لأنّ الاحتجاب بستر الليل، كم فيه لكثير من الناس من فوائد دينية ودنيوية، والنوم واليقظة وشبههما بالموت والحياة، أي عبرة فيها لمن اعتبر، وعن لقمان أنه قال لابنه: يا بني، كما تنام فتوقظ، كذلك تموت فتنشر.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباسًا ﴾ شَبَّهَ ظَلامَهُ بِاللِّباسِ في سَتْرِهِ.
﴿ والنَّوْمَ سُباتًا ﴾ راحَةً لِلْأبْدانِ بِقِطْعِ المَشاغِلِ، وأصْلُ السَّبْتِ القَطْعُ أوْ مَوْتًا كَقَوْلِهِ: ﴿ وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكم بِاللَّيْلِ ﴾ لِأنَّهُ قَطَعَ الحَياةَ ومِنهُ المَسْبُوتُ لِلْمَيِّتِ.
﴿ وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُورًا ﴾ ذا نُشُورٍ أيِ انْتِشارٌ يَنْتَشِرُ فِيهِ النّاسُ لِلْمَعاشِ، أوْ بُعِثَ مِنَ النَّوْمِ بَعْثَ الأمْواتِ فَيَكُونُ إشارَةً إلى أنَّ النَّوْمَ واليَقَظَةَ أُنْمُوذَجٌ لِلْمَوْتِ والنُّشُورِ.
وعَنْ لُقْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ يا بُنَيَّ كَما تَنامُ فَتُوقَظُ كَذَلِكَ تَمُوتُ فَتُنْشَرُ.
<div class="verse-tafsir"
وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا (٤٧)
{وهو الذي جعل لكم الليل لِبَاساً} جعل الظلام الساتر كاللباس {والنوم سُبَاتاً} راحة لأبدانكم وقطعاً لأعمالكم والسبت القطع والنائم مسبوت لأنه انقطع عمله وحركته وقيل السبات الموت المسبوت الميت لأنه مقطوع الحياة وهو كقوله تعالى وهو الذى يتوفاكم بالليل ويعضده ذكر النشور في مقابلته {وَجَعَلَ النهار نشورا} إذا لنشور انبعاث من النوم كنشور الميت أى ينشر فيه الخلق للمعاش وهذه الآية مع دلالتها على قدرة الخالق فيها إظهار لنعمته والحياة عبرة لمن اعتبر وقال لقمان لابنه كما تنام فتوعظ كذلك تموت فتنشر
﴿ وهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباسًا ﴾ بَيانٌ لِبَعْضِ بَدائِعِ آثارِ قُدْرَتِهِ - عَزَّ وجَلَّ - ورَوائِعِ أحْكامِ رَحْمَتِهِ ونِعْمَتِهِ الفائِضَةِ عَلى الخَلْقِ، وتَلْوِينُ الخِطابِ لِتَوْفِيَةِ مَقامِ الِامْتِنانِ حَقَّهُ، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ(جَعَلَ) وتَقْدِيمُها عَلى مَفْعُولَيْهِ لِلِاعْتِناءِ بِبَيانِ كَوْنِ ما بَعْدُ مِن مَنافِعِهِمْ، وفي تَعْقِيبِ بَيانِ أحْوالِ الظِّلِّ بِبَيانِ أحْكامِ اللَّيْلِ الَّذِي هو ظِلُّ الأرْضِ مِن لُطْفِ المَسْلَكِ ما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ، أيْ: وهو الَّذِي جَعَلَ لِنَفْعِكُمُ اللَّيْلَ كاللِّباسِ يَسْتُرُكم بِظَلامِهِ كَما يَسْتُرُكُمُ اللِّباسُ ( وجَعَلَ النَّوْمَ ) الَّذِي يَقَعُ فِيهِ غالِبًا بِسَبَبِ اسْتِيلاءِ الأبْخِرَةِ عَلى القُوى عادَةً، وقِيلَ: بِشَمِّ نَسِيمٍ يَهَبُّ مِن تَحْتِ العَرْشِ، ولا يَكادُ يَصِحُّ.
﴿ سُباتًا ﴾ راحَةً لِلْأبْدانِ بِقِطَعِ الأفاعِيلِ الَّتِي تَكُونُ حالَ اليَقَظَةِ، وأصْلُ السَّبْتِ القَطْعُ، وقِيلَ: يَوْمُ السَّبْتِ لِما جَرَتِ العادَةُ مِنَ الِاسْتِراحَةِ فِيهِ عَلى ما قِيلَ، وقِيلَ: لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَخْلُقْ فِيهِ شَيْئًا، ويُقالُ لِلْعَلِيلِ إذا اسْتَراحَ مِن تَعَبِ العِلَّةِ: مَسْبُوتٌ، وإلى هَذا ذَهَبَ أبُو مُسْلِمٍ.
وقالَ أبُو حَيّانَ: السُّباتُ ضَرْبٌ مِنَ الإغْماءِ يَعْتَرِي اليَقْظانَ مَرَضًا، فَشُبِّهَ النَّوْمُ بِهِ، والسَّبْتُ الإقامَةُ في المَكانِ فَكانَ النَّوْمُ سُكُونًا ما.
﴿ وجَعَلَ النَّهارَ نُشُورًا ﴾ أيْ: ذا نُشُورٍ، يَنْتَشِرُ فِيهِ النّاسُ لِطَلَبِ المَعاشِ، فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وجَعَلْنا النَّهارَ مَعاشًا ﴾ وفي جَعْلِهِ نَفْسَ النُّشُورِ مُبالَغَةٌ، وقِيلَ: نُشُورًا بِمَعْنى (ناشِرًا) عَلى الإسْنادِ المَجازِيِّ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالسُّباتِ المَوْتُ لِما فِيهِ مِن قَطْعِ الإحْساسِ أوِ الحَياةِ، وعُبِّرَ عَنِ النَّوْمِ بِهِ لِما بَيْنَهُما مِنَ المُشابَهَةِ التّامَّةِ في انْقِطاعِ أحْكامِ الحَياةِ، وعَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكم بِاللَّيْلِ ﴾ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها والَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها ﴾ وبِالنُّشُورِ البَعْثُ، أيْ: وجَعَلَ النَّهارَ زَمانَ بَعْثٍ مِن ذَلِكَ السُّباتِ، أوْ نَفْسَ البَعْثِ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ.
وأبى الزَّمَخْشَرِيُّ الرّاحَةَ في تَفْسِيرِ السُّباتِ، وقالَ: إنَّهُ يَأْباهُ النُّشُورُ في مُقابَلَتِهِ إباءَ العَيُوفِ الوَرْدَ وهو مُرَنَّقٌ، وكَأنَّ ذَلِكَ لِأنَّ النُّشُورَ في القُرْآنِ لا يَكادُ يُوجَدُ بِمَعْنى الِانْتِشارِ والحَرَكَةِ لِطَلَبِ المَعاشِ، وعَلَّلَ في الكَشْفِ إباءَ الزَّمَخْشَرِيِّ بِذَلِكَ، وبِأنَّ الآياتِ السّابِقَةَ واللّاحِقَةَ - مَعَ ما فِيها مِنَ التَّذْكِيرِ بِالنِّعْمَةِ والقُدْرَةِ - أُدْمِجَ فِيها الدَّلالَةُ عَلى الإعادَةِ، فَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أنْ لا يُفَرَّقَ بَيْنَ هَذِهِ وبَيْنَ أتْرابِها.
وكَأنَّهُ جَعَلَ جَعْلَ اللَّيْلِ لِباسًا والنَّوْمَ فِيهِ سُباتًا بِمَجْمُوعِهِ مُقابِلَ جَعْلِ النَّهارِ نُشُورًا، ولِهَذا كُرِّرَ (جَعَلَ) فِيهِ لِما فى النُّشُورِ مِن مَعْنى الظُّهُورِ والحَرَكَةِ النّاصِبَةِ، أوْ مَعْنى الظُّهُورِ والبَعْثِ، ولَمْ يَسْلُكْ في آيَةِ سُورَةِ النَّبَأِ هَذا المَسْلَكَ لِما لا يَخْفى.
<div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً يعني: سكناً لتسكنوا فيه.
ويقال: لِباساً يعني: ستراً يستر جميع الأشياء وَالنَّوْمَ سُباتاً يعني: راحة للخلق ليستريحوا فيه بالنوم وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً أي: للنشور ينتشرون فيه لابتغاء الرزق.
ثم قال عز وجل: وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ بُشْراً يعني: تنشر السحاب، والاختلاف في القراءات كما ذكرنا في سورة الأعراف بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ يعني: قدام المطر وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ مَآءً طَهُوراً يعني: مطهراً يطهر به الأشياء، ولا يطهر بشيء لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً يعني: أرضاً لا نبات فيها، فينبت بالمطر وَنُسْقِيَهُ يعني: نسقي بالمطر مِمَّا خَلَقْنا أَنْعاماً وَأَناسِيَّ كَثِيراً وهو جماعة الإنس يعني: نسقي به الناس والدواب، لفظ البلدة مؤنث، إلا أن معنى البلدة والبلد واحد، فانصرف إلى المعنى، ولو قال: ميتة، لجاز إلا أنه لم يقرأ.
ثم قال عز وجل: وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ يعني: قسمناه بين الخلق.
ويقال: نصرفه من بلد إلى بلد، مرة بهذا البلد، ومرة ببلد آخر.
كما روي عن ابن مسعود أنه قال: «ما من عام بأمطر من عام، ولكن الله تعالى يصرفه حيث يشاء» ، فذلك قوله وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ- وكما روي عن النبيّ أنه قال: «ما من سنة بأمطر من الأخرى ولكن إذَا عَمِلَ قَوْمٌ بِالمَعَاصِي، حَوَّلَ الله ذلك إلَى غَيْرِهِمْ، فَإذَا عَصَوْا جَمِيعاً، صَرَفَ الله ذلك إلَى الفَيَافِي وَالبِحَارِ» وقال ابن عباس : «ما من عام، بأكثر من عام ولكن يصرفه حيث يشاء» فذلك قوله: ولكن يصرفه حيث يشاء (١) لِيَذَّكَّرُوا يعني: ليتعظوا في صنعه، فيعتبروا في توحيد الله تعالى، فيوحدوه.
وقرأ حمزة والكسائي لّيَذْكُرُواْ بالتخفيف، وضم الكاف.
وقرأ الباقون بالتشديد والنصب.
ثم قال: فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً يعني: كفراناً في النعمة، وهو قولهم: مطرنا بنوء كذا، ويقال: إلا جحوداً وثباتاً على الكفر.
قوله عز وجل: وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا قال مقاتل: ولو شئنا لبعثنا في زمانك فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً يعني: رسولاً، ولكن بعثناك إلى القرى كلها رسولاً اختصصناك بها فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وذلك حين دعوه إلى ملة آبائهم وَجاهِدْهُمْ بِهِ أي بالقرآن جِهاداً كَبِيراً يعني: شديداً.
(١) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة: «أ» .
<div class="verse-tafsir"
ومعنى اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أي: جعل هواه مطاعا فصار كالإله.
إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ أي:
بل هم كالأنعام.
قلت: وعبارة الواحدي: إِنْ هُمْ أي: ما هم إلاَّ كالأنعام، انتهى.
أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً (٤٥) ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً (٤٦) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً وَالنَّوْمَ سُباتاً وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً (٤٧) وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً (٤٨) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنا أَنْعاماً وَأَناسِيَّ كَثِيراً (٤٩)
وقوله سبحانه: أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ ...
الآية: مَدُّ الظل بإطلاقٍ: هو ما بين أول الإسفار إلى بُزُوغ الشمس، ومن بعد مغيبها أيضاً وقتاً يسيراً فإنَّ في هذين الوقتين على الأَرض كُلِّها ظِلاًّ ممدوداً.
وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً أي: ثابتاً غيرَ متحرك ولا منسوخ، لكنه جعل الشمس ونسخها إيَّاه، وطردها له من موضع إلى موضع دليلاً عليه مُبَيِّناً لوجوده ولوجه العبرة فيه، وحكى الطبريّ «١» أَنَّه: لولا الشمسُ لم يُعْلَمْ أَنَّ الظل شيء، إذِ الأشياء إنَّما تُعْرَفُ بأضدادها.
وقوله تعالى: قَبْضاً يَسِيراً يحتمل أَنْ يريد، لطيفاً، أي: شيئاً بعدَ شيءٍ، لا في مرة واحدة.
قال الداوديّ: قال الضَّحَّاكُ: قَبْضاً يَسِيراً يعني: الظِّلَّ إذا علته الشمسُ «٢» ، انتهى.
قال الطبريُّ «٣» : ووصف الليل باللباس من حيث يستُر الأَشياء ويغشاها، والسبات:
ضرب من الإِغماء يعترى اليقظانَ مرضاً، فشُبِّهَ النوم به، والنشور هنا: الإحياء، شبَّهَ اليقظةَ به، ويحتمل أَنْ يريد بالنشور وقتَ انتشار وتفرق، وأَناسِيَّ: قيل [هو] «٤» جمع إنسان،
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ ﴾ أيْ: إلى فِعْلِ رَبِّكَ.
وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: ألَمْ تَعْلَمْ، فَهو مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن رُؤْيَةِ العَيْنِ؛ فالمَعْنى: ألَمْ تَرَ إلى الظِّلِّ كَيْفَ مَدَّهُ رَبُّكَ؟
والظِّلُّ مِن وقْتِ طُلُوعِ الفَجْرِ إلى وقْتِ طُلُوعِ الشَّمْسِ ﴿ وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِنًا ﴾ أيْ: ثابِتًا دائِمًا لا يَزُولُ ﴿ ثُمَّ جَعَلْنا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلا ﴾ فالشَّمْسُ دَلِيلٌ عَلى الظِّلِّ، فَلَوْلا الشَّمْسُ ما عُرِفَ أنَّهُ شَيْءٌ، كَما أنَّهُ لَوْلا النُّورُ ما عُرِفَتِ الظُّلْمَةُ، فَكُلُّ الأشْياءِ تُعْرَفُ بِأضْدادِها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ قَبَضْناهُ إلَيْنا ﴾ يَعْنِي: الظِّلَّ ﴿ قَبْضًا يَسِيرًا ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: سَرِيعًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: خَفِيًّا، قالَهُ مُجاهِدٌ.
وَفِي وقْتِ قَبْضِ الظِّلِّ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ يُقْبَضُ الظِّلُّ وتُجْمَعُ أجْزاؤُهُ المُنْبَسِطَةُ بِتَسْلِيطِ الشَّمْسِ عَلَيْهِ حَتّى تَنْسَخَهُ شَيْئًا فَشَيْئًا والثّانِي: عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ تُقْبَضُ أجْزاءُ الظِّلِّ بَعْدَ غُرُوبِها، ويَخْلُفُ كُلُّ جُزْءٍ مِنهُ جُزْءًا مِنَ الظَّلامِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباسًا ﴾ أيْ: ساتِرًا بِظُلْمَتِهِ، لِأنَّ ظُلْمَتَهُ تَغْشى الأشْخاصَ وتَشْتَمِلُ عَلَيْها اشْتِمالَ اللِّباسِ عَلى لابِسِهِ ﴿ والنَّوْمَ سُباتًا ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: راحَةً، ومِنهُ يَوْمُ السَّبْتِ، لِأنَّ الخَلْقَ اجْتَمَعَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وكانَ الفَراغُ مِنهُ في يَوْمِ السَّبْتِ، فَقِيلَ لِبَنِي إسْرائِيلَ: اسْتَرِيحُوا في هَذا اليَوْمِ ولا تَعْمَلُوا فِيهِ شَيْئًا، فَسُمِّيَ يَوْمَ السَّبْتِ، أيْ: يَوْمَ الرّاحَةِ، وأصْلُ السَّبْتِ: التَّمَدُّدُ، ومَن تَمَدَّدَ اسْتَراحَ.
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: أصْلُ السَّبْتِ: القَطْعُ؛ فالمَعْنى: وجَعَلْنا النَّوْمَ قَطْعًا لِأعْمالِكم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُورًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: تَنْتَشِرُونَ فِيهِ لِابْتِغاءِ الرِّزْقِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: تُنْشَرُ الرُّوحُ بِاليَقَظَةِ كَما تُنْشَرُ بِالبَعْثِ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ ﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في (الأعْرافِ: ٧٥) إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُورًا ﴾ يَعْنِي: المَطَرَ.
قالَ الأزْهَرِيُّ: الطَّهُورُ في اللُّغَةِ: الطّاهِرُ المُطَهِّرُ.
والطَّهُورُ ما يُتَطَهَّرُ بِهِ، كالوَضُوءِ الَّذِي يُتَوَضَّأُ بِهِ، والفَطُورِ الَّذِي يُفْطَرُ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا ﴾ وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو الجَوْزاءِ، وأبُو جَعْفَرٍ: " مَيِّتًا " بِالتَّشْدِيدِ.
قالَ الزَّجّاجُ: لَفْظُ البَلْدَةِ مُؤَنَّثٌ، وإنَّما قِيلَ: " مَيْتًا " لِأنَّ مَعْنى البَلْدَةِ والبَلَدِ سَواءٌ.
وقالَ غَيْرُهُ: إنَّما قالَ: " مَيْتًا "، لِأنَّهُ أرادَ بِالبَلْدَةِ المَكانَ.
وقَدْ سَبَقَ مَعْنى صِفَةِ البَلْدَةِ بِالمَوْتِ [الأعْرافِ: ٥٧] ومَعْنى: ﴿ وَنُسْقِيَهُ ﴾ ؟؟؟
.
وقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ، وأبُو رَجاءٍ، والضَّحّاكُ، والأعْمَشُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: " ونَسْقِيهِ " بِفَتْحِ النُّونِ.
فَأمّا الأناسِيُّ، فَقالَ الزَّجّاجُ: هو جَمْعُ إنْسِيٍّ، مِثْلِ كُرْسِيٍّ وكَراسِيَّ؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ إنْسانٍ، وتَكُونُ الياءُ بَدَلًا مِنَ النُّونِ، الأصْلُ: أناسِينُ مِثْلُ سَراحِينَ.
وقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ، والضَّحّاكُ، وأبُو العالِيَةِ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: " وأناسِيَّ " بِتَخْفِيفِ الياءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ ﴾ يَعْنِي المَطَرَ بَيْنَهم مَرَّةً لِهَذِهِ البَلْدَةِ، ومَرَّةً لِهَذِهِ ﴿ لِيَذَّكَّرُوا ﴾ أيْ: لِيَتَفَكَّرُوا في نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فَيَحْمَدُوهُ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " لِيَذْكُرُوا " خَفِيفَةَ الذّالِ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: يَذْكُرُ في مَعْنى يَتَذَكَّرُ، ﴿ فَأبى أكْثَرُ النّاسِ إلا كُفُورًا ﴾ وهُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ: مُطِرْنا بِنَوْءِ كَذا وكَذا، كَفَرُوا بِنِعْمَةِ اللَّهِ.
﴿ وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا ﴾ المَعْنى: إنّا بَعَثْناكَ إلى جَمِيعِ القُرى لِعَظَمِ كَرامَتِكَ، ﴿ فَلا تُطِعِ الكافِرِينَ ﴾ وذَلِكَ أنَّ كُفّارَ مَكَّةَ دَعَوْهُ إلى دِينِ آبائِهِمْ، ﴿ وَجاهِدْهم بِهِ ﴾ أيْ بِالقُرْآنِ ﴿ جِهادًا كَبِيرًا ﴾ أيْ: تامًّا شَدِيدًا.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِلَّ ولَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِنًا ثُمَّ جَعَلْنا الشَمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلا ﴾ ﴿ ثُمَّ قَبَضْناهُ إلَيْنا قَبْضًا يَسِيرًا ﴾ ﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَيْلَ لِباسًا والنَوْمَ سُباتًا وجَعَلَ النَهارَ نُشُورًا ﴾ "ألَمْ تَرَ" مَعْناهُ: انْتَبِهْ، والرُؤْيَةُ هُنا رُؤْيَةُ القَلْبِ، وأدْغَمَ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "رَبِّكَ كَيْفَ"، قالَ أبُو حاتِمْ: والبَيانُ أحْسَنُ، و "مَدُّ الظِلِّ" بِإطْلاقٍ، هو ما بَيْنَ أوَّلِ الإسْفارِ إلى بُزُوغِ الشَمْسِ، ومِن بَعْدِ مَغِيبِها مُدَّةً يَسِيرَةً، فَإنَّ في هَذَيْنَ الوَقْتَيْنِ ظِلٌّ مَمْدُودٌ عَلى الأرْضِ مَعَ أنَّهُ نَهارٌ، وفي سائِرِ أوقاتِ النَهارِ ظِلالٌ مُتَقَطِّعَةٌ، و "المَدُّ" و "القَبْضُ" مُطَّرِدٌ فِيها، وهو عِنْدِي المُرادُ في الآيَةِ، واللهُ أعْلَمُ.
ومِنَ الظِلِّ المَمْدُودِ ما ذَكَرَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى في هَواءِ الجَنَّةِ؛ لِأنَّها لَمّا كانَتْ لا شَمْسَ فِيها كانَ ظِلُّها مَمْدُودًا أبَدًا.
وتَظاهَرَتْ أقْوالُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ هَذا الظِلَّ هو مِنَ الفَجْرِ إلى طُلُوعِ الشَمْسِ، وذَلِكَ مُعْتَرَضٌ بِأنَّ ذَلِكَ في غَيْرِ نَهارٍ، بَلْ في بَقايا اللَيْلِ، فَلا يُقالُ لَهُ ظِلٌّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِنًا ﴾ أيْ ثابِتًا غَيْرَ مُتَحَرِّكٍ ولا مَنسُوخٍ، ولَكِنَّهُ جَعَلَ الشَمْسَ ونَسْخَها إيّاهُ وطَرْدَها لَهُ مِن مَوْضِعٍ إلى مَوْضِعٍ دَلِيلًا عَلَيْهِ مُبَيِّنًا لِوُجُودِهِ ولِوَجْهِ العِبْرَةِ فِيهِ، وحَكى الطَبَرِيُّ أنَّهُ لَوْلا الشَمْسُ لَمْ يُعْلَمْ أنَّ الظِلَّ شَيْءٌ؛ إذِ الأشْياءُ تُعْرَفُ بِأضْدادِها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَبْضًا يَسِيرًا ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ:، لَطِيفًا، أيْ: شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ في مَرَّةٍ واحِدَةٍ لا بِعُنْفٍ، قالَ مُجاهِدٌ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: مُعَجَّلًا، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: سَهْلًا قَرِيبَ التَناوُلِ.
قالَ الطَبَرِيُّ: ووَصَفَ اللَيْلَ بِاللِباسِ تَشْبِيهًا مِن حَيْثُ يَسْتُرُ الأشْياءَ ويَغْشاها.
و "السُباتُ" ضَرْبٌ مِنَ الإغْماءِ يَعْتَرِي اليَقْظانَ مَرَضًا فَشُبِّهَ النائِمْ بِهِ، والسَبْتُ: الإقامَةُ بِالمَكانِ، فَكَأنَّ السُباتَ سُكُونٌ ما وثُبُوتٌ عَلَيْهِ.
و "النُشُورُ" في هَذا المَوْضِعِ الإحْياءُ، شَبَّهَ اليَقَظَةَ بِهِ لِيَتَطابَقَ الإحْياءُ مَعَ الإماتَةِ والتَوَفِّي اللَذَيْنِ يَتَضَمَّنُهُما النَوْمُ والسُباتُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالنُشُورِ وقْتَ انْتِشارٍ وتَفَرُّقٍ لِطَلَبِ المَعاشِ وابْتِغاءِ فَضْلِ اللهِ، و ﴿ النَهارَ نُشُورًا ﴾ وما قَبْلَهُ مِن بابِ: لَيْلُ نائِمْ ونَهارُ صائِمْ.
<div class="verse-tafsir"
مناسبة الانتقال من الاستدلال باعتبار أحوال الظلّ والضَّحاء إلى الاعتبار بأحوال اللّيل والنهار ظاهرة، فالليل يشبه الظِلّ في أنه ظلمة تعقب نور الشمس.
ومورد الاستدلال المقصد المستفاد من تعريف جُزَأي الجملة وهو قصر إفراد، أي لا يشركه غيره في جعل الليل والنهار.
أما كون الجعل المذكور بخلق الله فهم يُقرون به؛ ولكنهم لما جعلوا له شركاء على الإجمال أُبطلت شركتهم بقصر التصرف في الأزمان على الله تعالى لأنه إذا بطل تصرفهم في بعض الموجودات اختلت حقيقة الإلهية عنهم إذ الإلهية لا تقبل التجزئة.
و ﴿ لكم ﴾ متعلق ب ﴿ جعل ﴾ أي من جملة ما خُلق له الليل أنه يكون لباساً لكم.
وهذا لا يقتضي أن الليل خُلق لذلك فقط لأن الليل عَوْد الظلمة إلى جانب من الكرة الأرضية المحتجب عن شعاع الشمس باستداراته فتحصُل من ذلك فوائد جمة منها ما في قوله تعالى بعد هذا ﴿ وهو الذي جعل الليل والنهار خِلْفَة لمن أراد أن يذكّر...
﴾ [الفرقان: 62] إلخ.
وقد رجع أسلوب الكلام من المتكلم إلى الغيبة على طريقة الإلتفات.
و ﴿ لباساً ﴾ مشبه به على طريقة التشبيه البليغ، أي ساتراً لكم يسْتر بعضَكم عن بعض.
وفي هذا الستر مِنَن كثيرة لقضاء الحوائج التي يجب إخفاؤها.
وتقديم الاعتبار بحالة ستر الليل على الاعتبار بحالة النوم لرعي مناسبة الليل بالظل كما تقدم، بخلاف قوله: ﴿ وخلقناكم أزواجاً وجعلنا نومكم سباتاً وجعلنا الليل لباساً ﴾ في سورة النبأ (8 10)، فإن نعمة النوم أهم من نعمة الستر، ولأن المناسبة بين نعمة خلق الأزواج وبين النوم أشد.
وقد جمعت الآية استدلالاً وامتناناً فهي دليل على عظم قدرة الخالق، وهي أيضاً تذكير بنعمة، فإن في اختلاف الليل والنهار آيات جمّةً لما يدل عليه حصول الظلمة من دِقة نظام دوران الأرض حول الشمس ومن دقة نظام خلق الشمس، ولِما يتوقف عليه وجود النهار من تغير دوران الأرض ومن فوائد نور الشمس، ثم ما في خلال ذلك من نظام النوم المناسب للظلمة حين ترتخي أعصاب الناس فيحصل لهم بالنوم تجدد نشاطهم، ومن الاستعانة على التستر بظلمة الليل ومن نظام النهار من تجدد النشاط وانبعاث الناس للعمل وسآمتهم من الدعة، مع ما هو ملائم لذلك من النور الذي به إبصار ما يقصده العاملون.
والسبات له معان متعددة في اللغة ناشئة عن التوسع في مادة السبت وهو القطع.
وأنسب المعاني بمقام الامتنان هو معنى الراحة وإن كان في كلا المعنيين اعتبار بدقيق صنع الله تعالى.
وفسر الزمخشري السبات بالموت على طريقة التشبيه البليغ ناظراً في ذلك إلى مقابلته بقوله: ﴿ وجعل النهار نشوراً ﴾ .
وإعادة فعل ﴿ جعل ﴾ في قوله: ﴿ وجعل النهار نشوراً ﴾ دون أن يعاد في قوله ﴿ والنوم سباتاً ﴾ مشعرة بأنه تنبيه إلى أنه جعلٌ مخالف لجَعْل الليل لباساً.
وذلك أنه أخبر عنه بقوله ﴿ نشوراً ﴾ ، والنشور: بعث الأموات، وهو إدماج للتذكير بالبعث وتعريض بالاستدلال على من أحالوه، بتقريبه بالهبوب في النهار.
وفي هذا المعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم إذا أصبح «الحمد لله الذي أحيانا بعد إذ أماتنا وإليه النشور» والنشور: الحياة بعد الموت، وتقدم قريباً عند قوله تعالى: ﴿ بل كانوا لا يرجون نشوراً ﴾ [الفرقان: 40].
وهو هنا يحتمل معنيين أن يكون مراداً به البروز والانتشار فيكون ضد اللباس في قوله: ﴿ وهو الذي جعل لكم الليل لباساً ﴾ فيكون الإخبار به عن النهار حقيقياً، والمنّة في أن النهار ينتشر فيه الناس لحوائجهم واكتسابهم.
ويحتمل أن يكون مراداً به بعث الأجساد بعد موتها فيكون الإخبار على طريقة التشبيه البليغ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ ﴾ أيْ بَسَطَهُ عَلى الأرْضِ وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ الظِّلَّ اللَّيْلُ لِأنَّهُ ظِلُّ الأرْضِ يُقْبِلُ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ ويُدْبِرُ بِطُلُوعِها.
الثّانِي: أنَّهُ ظِلُّ النَّهارِ بِما حُجِبَ مِن شُعاعِ الشَّمْسِ.
وَفِي الفَرْقِ بَيْنَ الظِّلِّ والفَيْءِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ الظِّلَّ ما قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ والفَيْءَ ما بَعْدَ طُلُوعِها.
الثّانِي: أنَّ الظِّلَّ ما قَبْلَ الزَّوالِ والفَيْءَ ما بَعْدَهُ.
﴿ ثُمَّ قَبَضْناهُ إلَيْنا ﴾ يَعْنِي الظِّلَّ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ قَبَضَ الظِّلَّ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ.
الثّانِي: بِغُرُوبِها.
﴿ قَبْضًا يَسِيرًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: سَرِيعًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: سَهْلًا، قالَهُ أبُو مالِكٍ.
الثّالِثُ: خَفِيًّا، قالَهُ مُجاهِدٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباسًا ﴾ يَعْنِي غِطاءً لِأنَّهُ يَسْتُرُ كَما يَسْتُرُ اللِّباسُ.
﴿ والنَّوْمَ سُباتًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِأنَّهُ مَسْبُوتٌ فِيهِ، والنّائِمُ لا يَعْقِلُ كالمَيِّتِ، حَكاهُ النَّقّاشُ.
الثّانِي: يَعْنِي راحَةً لِقَطْعِ العَمَلِ ومِنهُ سُمِّيَ يَوْمُ السَّبْتِ، لِأنَّهُ يَوْمُ راحَةٍ لِقَطْعِ العَمَلِ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.
﴿ وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُورًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِانْتِشارِ الرُّوحِ بِاليَقَظَةِ فِيهِ مَأْخُوذٌ مِنَ النَّشْرِ والبَعْثِ.
الثّانِي: لِانْتِشارِ النّاسِ في مَعايِشِهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ﴾ قال: بعد الفجر قبل أن تطلع الشمس.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ ألم تر إلى ربك كيف مد الظل...
﴾ الآية.
قال: ألم تر إنك إذا صليت الفجر كان ما بين مطلع الشمس إلى مغربها ظلاً؟
ثم بعث الله عليه الشمس دليلاً فقبض الله الظل.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ﴾ قال: ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ﴿ ولو شاء لجعله ساكناً ﴾ قال: دائماً ﴿ ثم جعلنا الشمس عليه دليلاً ﴾ يقول: طلوع الشمس ﴿ ثم قبضناه إلينا قبضاً يسيراً ﴾ قال: سريعاً.
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبه وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ﴾ قال: ظل الغداة قبل طلوع الشمس ﴿ ولو شاء لجعله ساكناً ﴾ قال: لا تصيبه الشمس ولا يزول ﴿ ثم جعلنا الشمس عليه دليلاً ﴾ قال: تحويه ﴿ ثم قبضناه إلينا ﴾ فاحوينا الشمس إياه ﴿ قبضاً يسيراً ﴾ قال: خفيفاً.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن الحسن ﴿ ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ﴾ قال: مده من المشرق إلى المغرب فيما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ﴿ ولو شاء لجعله ساكناً ﴾ قال: تركه كما هو ظلاً ممدوداً ما بين المشرق والمغرب.
وأخرج ابن أبي حاتم عن أيوب بن موسى ﴿ ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ﴾ قال: الأرض كلها ظل.
ما بين صلاة الغداة إلى طلوع الشمس ﴿ ثم قبضناه إلينا قبضاً يسيراً ﴾ قال: قليلاً قليلاً.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن إبراهيم التيمي والضحاك وأبي مالك الغفاري في قوله: ﴿ كيف مد الظل ﴾ قالوا: الظل: ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ﴿ ثم جعلنا الشمس عليه دليلاً ﴾ قالوا: على الظل ﴿ ثم قبضناه إلينا قبضاً يسيراً ﴾ يعني ما تقبض الشمس من الظل.
وأخرج عبد بن حميد عن أبي العالية ﴿ كيف مد الظل ﴾ قال: من حين يطلع الفجر إلى حين تطلع الشمس.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي ﴿ جعلنا الشمس عليه دليلاً ﴾ قال: يتبعه فيقبضه حيث كان.
وأما قوله تعالى: ﴿ وجعل النهار نشوراً ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس قال: إن النهار اثنتا عشرة ساعة، فأول الساعة ما بين طلوع الفجر إلى أن ترى شعاع الشمس، ثم الساعة الثانية إذا رأيت شعاع الشمس إلى أن يضيء الاشراق.
عند ذلك لم يبق من قرونها شيء، وصفا لونها، فإذا كانت بقدر ما تريك عينك قيد رحمين فذلك أول الضحى، وذلك أول ساعة من ساعات الضحى، ثم من بعد ذلك الضحى ساعتين، ثم الساعة السادسة حين نصف النهار.
فإذا زالت الشمس عن نصف النهار فتلك ساعة صلاة الظهر، وهي التي قال الله: ﴿ أقم الصلاة لدلوك الشمس ﴾ ثم من بعد ذلك العشي ساعتين، ثم الساعة العاشرة ميقات صلاة العصر وهي الآصال، ثم من بعد ذلك ساعتين إلى الليل.
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبه وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ وجعل النهار نشوراً ﴾ ﴿ وجعل النهار نشورا ﴾ قال: ينشر فيه.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة ﴿ وجعل النهار نشوراً ﴾ قال: لمعايشهم وحوائجهم وتصرفهم.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا ﴾ قال ابن عباس: يريد ألبسته الظلمة ليسكن فيه.
وعلى هذا المعنى: ذا لباس من الظلمة؛ أي: أُلبس الظلمة ليُتركَ فيه العملُ والتصرف.
قال مقاتل: يعني سكنًا (١) ﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ ﴾ (٢) (٣) (٤) والله تعالى ألبسنا الليل وغشاناه لنسكن فيه (٥) وقوله: ﴿ وَالنَّوْمَ سُبَاتًا ﴾ قال الليث: السبات: السبات: النوم شِبه غشية.
يقال: سبت المريض، فهو مسبوت (٦) (٧) (٨) ﴿ وَالنَّوْمَ سُبَاتًا ﴾ أي: قطعًا لأعمالكم (٩) قال ابن عباس ومقاتل: ينتشرون فيه لابتغاء الرزق (١٠) (١١) (١) "تفسير مقاتل" ص 64 أ.
وهو قول الهوَّاري 3/ 212.
(٢) "تأويل مشكل القرآن" ص 144، وذكر فيه أيضًا قوله تعالى: ﴿ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا ﴾ .
(٣) "تهذيب اللغة" 12/ 444 (لبس)، بمعناه.
وفي "تنوير المقابس" ص 304؛ ملبسا يلبس كل شيء فيه.
(٤) "ديوان ذي الرمة" ص 313، والبيت بتمامه: فلمَّا لَبِسنَ الليلَ أوحين نَصَّبتْ ...
له مِنْ خَذا آذانها وهُوَ جانحُ لبسن الليل: دخلن فيه، يريد نصبت آذانها لبرد الليل، كانت قد خفضتها ثم رفعت رءوسها ونصبت آذانها في ذا الوقت حين جنح الليل، والخذا: الاسترخاء.
"ديوان ذي الرمة" بشرح الخطيب التبريزي ص 313.
(٥) بنصه، في "تفسير الطوسي" 7/ 270.
وذكر ابن قتيبة في "تأويل مشكل القرآن" ص 144، قولين في معنى: ﴿ لِبَاسًا ﴾ سترًا وحجابًا لأبصاركم.
القول الثاني: سكنًا.
واقتصر في كتابه "الغريب" ص 313، على القول الأول.
(٦) كتاب "العين" 7/ 239 (سبت) ونقله عنه الأزهري، "تهذيب اللغة" 12/ 387.
(٧) في "معاني القرآن" للزجاج 5/ 272، في تفسير سورة النبأ.
قال مقاتل 46 أ: يعني الإنسان مسبوتًا لا يعقل كأنه ميت.
وذكر نحوه الهواري 3/ 212.
(٨) "تهذيب اللغة" 12/ 386 (سبت)، قاله الأزهري بعد نقل قول الزجاج.
واقتصر ابن قتيبة، في الغريب ص 313.
على تفسير السبات بالراحة ثم قال: وأصل السبات: التمدد.
وذكر الأزهري 12/ 386، عن ابن الأنباري، أنه قال؛ لا يعلم في كلام العرب سبت بمعنى: استراح، وإنما معنى سبت: قطع.
وجعل الزمخشري 3/ 276، مقابلة السبات بالنشور يمنع من "تفسيره" بالراحة، فقال: والمسبوت: الميت؛ لأنه مقطوع الحياة، وهذا كقوله تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ ﴾ ورد هذا أبو حيان 6/ 462، قال: ولا يأباه إلا لو تعين تفسير النشور بالحياة.
وهو كلام جيد.
(٩) "تهذيب اللغة" 12/ 386 (سبت)، ينصه.
منسوبًا لابن الأنباري.
وفي "تفسير الثعلبي" 8/ 99 ب: راحة لأبدانكم وقطعًا لعملكم.
(١٠) "تفسير مقاتل" ص 64 أ، و"تفسير مجاهد" 2/ 454، وأخرج ابن أبي حاتم 8/ 2704، عن قتادة لمعايشهم ولحوايجهم ولتصرفهم.
(١١) "تفسير ابن جرير" 19/ 21، بمعناه.
واستشهد على ذلك بقول النبي - - إذا أصبح وقام من نومه: ﴿ الْحَمْدُ لله الّذِي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا وإِلَيْهِ النُّشُورُ ﴾ .
أخرجه البخاري، كتاب الدعوات، رقم: 6312 الفتح 11/ 113، والترمذي 5/ 449، كتاب الدعوات، رقم: 3417.
<div class="verse-tafsir"
﴿ اليل لِبَاساً ﴾ شبَّه ظلام الليل باللباس، لأنه يستر كل شيء كاللباس ﴿ والنوم سُبَاتاً ﴾ قيل: راحة وقيل موتاً لقوله: ﴿ يَتَوَفَّى الأنفس حِينَ مَوْتِهَا والتي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا ﴾ [الزمر: 42] ويدل عليه مقابلته بالنشور ﴿ الرياح بُشْرَى ﴾ ذكر في [الأعراف: 57] ﴿ مَآءً طَهُوراً ﴾ مبالغة في طاهر وقيل: معناه مطهر للناس في الوضوء وغيره.
وبهذا المعنى يقول الفقهاء: ماء طهوراً، أي مطهراً، وكل مطهر طاهر، وليس كل طاهر مطهر ﴿ وَأَنَاسِيَّ ﴾ قيل: جمع إنسي، وقيل جمع إنسان، والأول أصح.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ تشقق ﴾ بتخفيف الشين على حذف تاء التفعل وكذلك في سورة "ق":عاصم وحمزة وعلي وخلف وأبو عمرو.
والآخرون بالتشديد للإدغام.
﴿ وننزل ﴾ من الإنزال ﴿ الملائكة ﴾ بالنصب: ابن كثير.
الباقون ﴿ وينزل ﴾ ماضياً مجهولاً من التنزيل ﴿ الملائكة ﴾ بالرفع.
﴿ يا ليتني اتخذت ﴾ بفتح ياء المتكلم: ابو عمرو ﴿ قومي اتخذوا ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب.
﴿ وثمود ﴾ بغير تنوين في الحالين: حمزة وسهل ويعقوب وحفص.
الآخرون بالتنوين للمشاكلة، أو بتأويل الحي لا القبيلة، أو لأنه اسم الأب الأكبر.
﴿ الريح ﴾ على التوحيد: ابن كثير ﴿ بشراً ﴾ مذكور في "الأعراف".
﴿ ميتاً ﴾ بالتشديد: يزيد ﴿ ونسقيه ﴾ بفتح النون: المفضل والبرجمي الباقون بضمها.
الوقوف: ﴿ ربنا ﴾ ط ﴿ كبيراً ﴾ ه ط ﴿ محجوراً ﴾ ه ﴿ منثوراً ﴾ ه ﴿ مقيلاً ﴾ ه ﴿ تنزيلاً ﴾ ه ﴿ للرحمن ﴾ ط ﴿ عسيراً ﴾ ه ﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ خليلاً ﴾ ه ﴿ إذ جاءني ﴾ ط لأن ما بعده من أخبار الله ظاهراً، ويحتمل أن يكون من تتمة حكاية كلام الظالم.
﴿ خذولاً ﴾ ه ﴿ مهجوراً ﴾ ه ﴿ المجرمين ﴾ ه ط ﴿ ونصيراً ﴾ ه ﴿ واحدة ﴾ ج على تقدير فرقنا إنزاله كذلك أي كما ترى لنثبت وإن وصلت وقفت على ﴿ كذلك ﴾ والتقدير جملة واحدة كذلك الكتاب المنزل وهو التوراة، ثم اضمرت فعلاً أي فرقناه لنثبت.
﴿ ترتيلاً ﴾ ه ﴿ تفسيراً ﴾ ه ط لأن ما بعده مبتدأ ﴿ جهنم ﴾ لا لأن ما بعده خبر ﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ وزيراً ﴾ ه ج للآية ولفاء العطف ﴿ بآياتنا ﴾ ط للفاء الفصيحة أي فذهبا وبلغا فعصوهما ﴿ فدمرناهم تدميراً ﴾ 5ط لأن ﴿ قوم نوح ﴾ منصوب بمحذوف أي وأغرقنا قوم نوح أغرقناهم ﴿ آية ﴾ ط لأن ما بعده مستأنف ﴿ أليما ﴾ ج للآية ولاحتمال عطف ﴿ عاداً ﴾ على الضمير في ﴿ جعلناهم ﴾ واحتمال انتصابه بمحذوف أي وأهلكنا عاداً ﴿ كثيراً ﴾ ه ﴿ الأمثال ﴾ ز فصلاً بين الأمرين المعظمين مع عطف الجملتين المتفقتين ﴿ تتبيراً ﴾ ه ﴿ السوء ﴾ ﴿ يرونها ﴾ لا للعطف مع الإضراب.
﴿ نشوراً ﴾ ه ﴿ هزواً ﴾ ط لحق المحذوف أي يقولون أهذا الذي ﴿ رسولاً ﴾ ه ﴿ عليها ﴾ ط لانتهاء مقولهم ﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ هواه ﴾ ط ﴿ وكيلاً ﴾ ه لا للعطف ﴿ يعقلون ﴾ ه ج لابتداء النفي ﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ الظل ﴾ ج لانتهاء الاستفهام إلىالشرط مع اتحاد المقصود ﴿ ساكناً ﴾ ج للعدول مع العطف ﴿ دليلاً ﴾ ه ﴿ يسيراً ﴾ ه ﴿ نشوراً ﴾ ه ﴿ رحمته ﴾ ج للعدول ﴿ طهوراً ﴾ ه ج لتعلق اللام ﴿ كثيراً ﴾ ه ﴿ ليذكروا ﴾ ز والوصل أولى للفاء ﴿ كفوراً ﴾ ه.
التفسير: هذه شبهة رابعة لمنكري النبوة وإنهم في قول الكلبي أبو جهل والوليد وأضرابهما، وتقريرها أن الحكيم لا بد أن يختار في مقصده طريقاً يكون أسهل إفضاء إليه، ولا شك أن إنزال الملائكة ليشهدوا على صدق محمد أعون على المطلوب، فلو كان محمد صادقاً لكان مؤيداً بإنزال الملائكة الشاهدين بصدقه.
قال الفراء: معنى ﴿ لا يرجون ﴾ لا يخافون، والرجاء في لغة تهامة الخوف، وقال غيره: الرجاء على أصله وهو الأمل إلا أن الخوف يلزمه في هذه الصورة فإن من لا يرجو الجزاء والمعاد لا يخاف العقاب أيضاً.
واللقاء الوصول لا بمعنى المكان والجهة فإنه منزه عن ذلك بل بمعنى الرؤية عند الأشاعرة، أو على إرادة الجزاء والسحاب عند المعتزلة، وقد مر في أوائل البقرة في قوله ﴿ الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه راجعون ﴾ ولعل تفسيره بلقاء الجزاء أنسب في هذا المقام لئلا يناقض قوله: ﴿ أو نرى ربنا ﴾ أي جهرة وعياناً فيأمرنا بتصديقه واتباعه اللهم إلا أن يراد: إن الذين لا يرجون رؤيتنا في الآخرة اقترحوا رؤيتنا في الدنيا.
قال جار الله: لا يخلو إما أن يكونوا عالمين بأن الله عز وجل لا يرسل الملائكة إلى غير الأنبياء وإنه لا يصح أن يرى وإنما علقوا إيمانهم بما لا يكون، وإما أن يكونوا عالمين بذلك وإنما أرادوا التعنت باقتراح آيات سوى الآيات التي نزلت وقامت بها الحجة عليهم كما فعل قوم موسى حين قالوا ﴿ لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ﴾ .
ثم إنه أجاب عن شبهتهم بقوله: ﴿ لقد استكبروا في أنفسهم ﴾ أي أضمروا الاستكبار عن الحق وهو الكفر والعناد في قلوبهم واعتقدوه.
ثم نسبهم إلى الإفراط في الظلم بقوله ﴿ وعتواً ﴾ ثم وصف العتوّ بالكبر.
قال جار الله: اللام جواب قسم محذوف وهذه الجملة في حسن استئنافها غاية وفيها معنى التعجب كأنه قال: ما أشد استكبارهم وما أكبر عتوّهم!
وقال في التفسير الكبير: تحرير هذا الجواب من وجوه أحدها: أن القرآن لما ظهر كونه معجزاً فقد تمت دلالة نبوّة محمد فبعد ذلك لا يكون اقتراح أمثال هذه الآيات إلا محض الاستكبار والاستنكار.
وثانيها أن نزول الملائكة لو حصل لكان ايضاً من جملة المعجزات، ولا يدل على الصدق لخصوص كونه بنزول الملك بل لعموم كونه معجزاً فيكون قبول ذلك وردّ الآخر ترجيحاً لأحد المثلين من غير مرجح.
وثالثها أنهم بتقدير رؤية الرب وتصديقه لرسوله لا يستفيدون علماً أزيد من تصديق المعجزات، لا فرق بين أن يقول النبي اللهم إن كنت صادقاً فأحي هذا الميت فيحييه، وبين أن يقول إن كنت صادقاً فصدّقني فتعيين أحد الطرفين محض العناد.
ورابعها أن العبد ليس له أن يعترض على فعل مولاه إما بحكم المالكية عند الأشعري أو بحكم المصلحة عند المعتزلي.
وخامسها أن السائل الملح المعاند الذي لا يرضى بما ينعم عليه مذموم وإظهار المعجز من جملة الأيادي الجسيمة فرد إحداها واقتراح الأخرى ليس من الأدب في شيء.
وسادسها لعل المراد أني لو علمت بأنهم ليسوا مستكبرين عاتين لأعطيتهم مطلوبهم لكني علمت إنهم إنما سألوا لأجل المكابرة والعناد فلا جرم لا أعطيهم.
وسابعا لعلهم عرفوا من أهل الكتاب أن الله لا يرى في الدنيا وأنه لا ينزل الملائكة على عوام الخلق، ثم إنهم علقوا إيمانهم على ذلك فهم مستكبرون ساخرون.
واستدلت الأشاعرة بقوله: ﴿ لا يرجون لقاءنا ﴾ على أن رؤية الله مرجوّة.
واستدلت المعتزلة بقوله ﴿ لقد استكبروا ﴾ ﴿ وعتواً ﴾ أن اقتراح الرؤية مستنكر ولا يخفى ضعف الاستدلالين: وانتصب ﴿ يوم يرون ﴾ بإضمار "اذكر" فيكون ﴿ لا بشرى ﴾ مستأنفاً أو بما دل عليه ﴿ لا بشرى ﴾ أي يوم يرون الملائكة يمنعون البشرى بالجنة وبرؤية الحق.
﴿ يومئذ ﴾ للتكرير وقوله ﴿ للمجرمين ﴾ ظاهر في موضع الضمير أو عام فيتناول هؤلاء لعمومه، ولأجل هذا العموم استدلت المعتزلة به على القطع بوعيد كل مجرم وإن كان من أهل القبلة، وحمل الأشاعرة الجرم على الكفر.
أما قوله: ﴿ حجراً محجوراً ﴾ فإنها كلمة يتلفظ بها عند لقاء عدوّ أو هجوم نازلة، يضعونها موضع الاستعاذة يقول الرجل للرجل: تفعل كذا؟
فيقول: حجراً.
وقد ذكره سيبويه في باب المصادر التي ترك إظهار فعلها نحو "معاذ الله وعمرك الله ومعناه منعاً" اي اسال الله أن يمنع ذلك منعاً كما أن المستعيذ طالب من الله عز وجل أن يمنع المكروه.
ووصفه بالمحجور للتأكيد كما يقال "شعر شاعر وجد جده".
والأكثرون على أن القائلين هم الكفار إذا رأوا الملائكة عند الموت أو يوم القيامة كرهوا لقاءهم وفزعوا منهم لأنهم لا يلقونهم إلا بما يكرهون فيقولون ما كانوا يقولونه عند نزول كل شدّة.
وقيل: هم الملائكة ومعناه حراماً محرّماً أي جعل الله الجنة والغفران أو البشرى حراماً عليكم.
يروى أن الكفار إذا خرجوا من قبورهم قالت الحفظة لهم: حجراً محجوراً.
وقال الكلبي: الملائكة على أبواب الجنة يبشرون المؤمنين بالجنة ويقولون للمشركين: حجراً محجوراً.
وقال عطية: إذا كان يوم القيامة تأتي الملائكة المؤمنين بالبشرى فإذا رأى الكفار ذلك قالوا لهم: بشرونا فيقولون: حجراً محجوراً.
ثم أخبر عن وعيد آخر لهم وذلك أنهم كانوا يعملون أعمالاً لها صورة الخير من صلة رحم وإغاثة ملهوف وقرى ضيف وأمثالها مع عدم ابتنائها على أساس الإيمان، فمثلت حالهم بحال قوم خالفوا سلطانهم واستعصوا عليه فقدم إلى اشيائهم وقصد إلى ما تحت أيديهم فافسدها بحيث لم يترك منها أثراً وإلا فلا قدوم ولا ما يشبه القدوم، ولتنزهه عن الجسمية وصفاتها.
قال أهل المعاني: القادم إلى لاشيء قاصد له فالقصد هو المؤثر في القدوم فأطلق اسم المسبب على السبب مجازاً.
وقيل: أراد قدوم الملائكة بأمره إلا موضع الحساب في الآخرة.
والهباء ما يخرج من الكوة مع ضوء الشمس شبيه بالغبار.
وقال مقاتل: إنه الغبار الذي يسطع من حوافر الدواب وفي أمثالهم أقل من الهباء شبه عملهم بالهباء في قلته وحقارته.
وأكد المعنى بوصف الهباء بالتناثر لأنك تراه منتظماً مع الضوء حتى إذا حركته الريح تناثر وذهب كل مذهب.
والمراد: جعلناه جامعاً لحقارة الهباء والتناثر ولام الهباء واو بدليل الهبوة بمعناه.
ثم ميز حال الأبرار عن حال الفجار بقوله: ﴿ أصحاب الجنة يومئذ خير ﴾ ووجه صحة التفضيل ما بين في قوله: ﴿ قل أذلك خير أم جنة الخلد ﴾ أو التفاوت بين المنزلتين إنما يرجع إلى الموضع والموضع من حيث إنه موضع لا شر فيه، أو هو على سبيل الفرض اي لو كان لهم مستقر كان مستقر أهل الجنة خيراً منه.
والسمتقر مكان الاستقرار والمقيل المكان الذي يأوون إليه للاسترواح إلى أزواجهم والاستمتاع بمغالتهنّ وملامستهنّ كحال المترفين في الدنيا، ولا نوم في الجنة وإنما سمى مكان دعتهم واسترواحهم إلى الحور مقيلاً على طريق التشبيه، وفي اختيار لفظ الأحسن دون أن يقول "خير مقيلاً" رمزاً إلى التحسنات الحاصلة في مقيلهم من حسن الوجوه وملاحة الصور وغير ذلك.
قال ابن مسعود: لا ينتصف النهار من يوم القيامة حتى يقيل أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار.
وعن سعيد بن جبير: إن الله إذا أخذ في فصل القضاء قضى بينهم كقدر ما بين صلاة الغداة إلى نصف النهار فيقيل أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار.
وقال مقاتل: يخفف الحساب على أهل الجنة حتى يكون بمقدار نصف يوم من ايام الدنيا ثم يقولون من يومهم ذلك في الجنة.
وحاصل الاية أن أصحاب الجنة من المكان في أطيب مكان ومن الزمان في أحسن زمان.
ثم أراد أن يصف أهوال يوم القيامة فقال ﴿ ويوم تشقق ﴾ أي واذكر يوم تتفتح السماء بسبب غمام يخرج منها وفي الغمام الملائكة فينزلون وفي أيديهم صحائف أعمال العباد: قال الفراء: الباء بمعنى "عن" لأن السماء لا تتشقق بالغمام بل عن الغمام كما يقال: انشقت الأرض عن النبات أي ارتفع التراب عنه عند طلوعه، وقال القاضي: لا يمتنع أن يجعل الله الغمام بحيث يشقق السماء باعتماده عليها.
عن مقاتل: تشقق سماء الدنيا فينزل أهلها وكذلك تتشقق سماء سماء، ثم ينزل الكروبيون وحملة العرش، ثم ينزل الرب .
قال العلماء: هذا نزول الحكم والقضاء لا نزول الذات.
وأما نزول الملائكة مع كثرتهم وصغر حجم الأرض بالقياس إلى السماء فقالوا: لا يبعد أن يوسع الله الأرض عرضاً وطولاً بحيث تسع كل هؤلاء.
ومن المفسرين من قال: الملائكة يكونون في الغمام وهو سترة بين السماء والأرض، والله فوق أهل القيامة.
وروى الضحاك عن ابن عباس قال: تتشقق كل سماء وينزل سكانها فيحيطون بالعالم ويصبرون سبع صفوف حول العالم.
والظاهر أن اللام في الغمام لجنس.
ومنهم من قال: هي للعهد والمعهود قوله: ﴿ هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام ﴾ وقيل: هو غمام أبيض رقيق مثل الضبابة كما كان لبني إسرائيل في التيه.
ومعنى ﴿ تنزيلاً ﴾ توكيد للنزول ودلالة على إسراعهم فيه.
قال الزجاج ﴿ الحق ﴾ صفة الملك اي الملك الثابت الذي لا يزول ﴿ للرحمن ﴾ يومئذ ونظيره ﴿ مالك يوم الدين ﴾ ويجوز أن يكون يومئذ تكريراً لقوله ﴿ ويوم تشقق ﴾ وإعرابهما واحد.
والفائدة في تخصيص ذلك اليوم أن يعلم أنه لا مالك فيه سواه لا بالصورة ولا في الحقيقة فيخضع له الملوك وتعنو له الوجوه وتذل رقاب الجبابرة.
قالت الأشاعرة: ههنا لو وجب على الله يومئذ الثواب لاستحق الذم بتركه وكان خائفاً أن لا يفعل فلم يكن له الملك على الإطلاق.
وأيضاً لو كان العبد مالكاً للثواب لم يكن الله مالكاً مطلقاً بل يكون عبداً ضعيفاً لا يقدر على أن لا يؤدي ما عليه من العوض، أو فقيراً محتاجاً إلى أن يدفع الذم عن نفسه بأداء ما عليه؟
وكان ذلك اليوم يوماً عسيراً على الكافرين لا على المؤمنين.
واللام في ﴿ الظالم ﴾ ظاهر الاستغراق والشمول أو للجنس.
وعن ابن عباس أنه للعهد وذلك أن الآية نزلت في عقبة بن أبي معيط وكان يكثر مجالسة الرسول فاتخذ ضيافة ودعا إليها رسول الله فأبى أن يأكل من طعامه حتى يأتي بالشهادتين ففعل، وكان أُبي بن خلف صديقه فعاتبه وقال: صبأت يا عقبة؟
قال: لا ولكن أبى أن يأكل من طعامي وهو في بيتي فاستحييت منه فشهدت له، والشهادة ليست في نفسي.
فقال: وجهي من وجهك حرام إن لقيت محمداً فلم تطأ قفاه لو تبزق في وجهه.
فوجده ساجداً في دار الندوة ففعل ذلك فقال رسول الله : لا ألقاك خارجاً من مكة إلا علوت رأسك بالسيف فقتل يوم بدر أمر علياً بقتله.
وفي روايات الشيعة أن الظالم هو رجل بعينه وأن المسلمين غيروا اسمه وكتموه وجعلوا فلاناً بدلاً من اسمه وذكروا فاضلين من الصحابة وفيه بعد، لأن تغيير القرآن كفر.
والعض على اليدين كناية عن الغيظ والحسرة لأنه من لوازم الغيظ والتحسر غالباً ونظيره "سقط في يده وأكل من بنانه" وأمثال ذلك.
وقال الضحاك: يأكل يديه إلى المرفق ثم تنبت فلا يزال كذلك كلما أكلها نبتت.
قال جار الله: تمنى أن لو صحب الرسول وسلك معه طريقاً واحداً وهو طريق الحق ولم تتشعب به طرق الضلالة والهوى، أو اراد أني كنت ضالاً لم يكن لي سبيل قط فليتني حصلت لنفسي في صحبة الرسول سبيلاً.
وفلان كناية عن الإعلام كما أن الهن كناية عن الأجناس، فإِن أريد بالظالم عقبة فالمعنى ليتني لم اتخذ أُبياً خليلاً فكنى عن اسمه، وإن أريد به الجنس فكل من اتخذ من المضلين خليلاً كان لخليله اسم علم فجعله كناية عن.
قلت: زعم بعض أئمة اللغة أنه لم يثبت استعمال فلان في الفصيح إلا حكاية.
لا يقال: جاءني فلان ولكن يقال: قال زيد جاءني فلان.
لأنه اسم اللفظ الذي هو علم لا اسم مدلول العلم ولذلك جاء في كلام الله : ﴿ يقول يا ليتني ﴾ الخ.
والذكر ذكر الله والقرآن أو موعظة الرسول أو نطقه بشهادة الحق وعزمه على الإسلام والشيطان إشارة إلى خليله الذي أضله كما يضله الشيطان، ثم خذله ولم ينفعه في العاقبة.
أو إشارة إلى إبليس وأنه هو الذي حمله على أن صار خليلاً لذلك المضل وخالف الرسول ثم خذله، أو أراد الجنس فيدخل فيه كل من تشيطن من الجن والإنس.
ثم إن الكفار لما أكثروا من الاعتراضات الفاسدة ووجوه التعنت ضاق صدر الرسول وشكاهم إلى الله عز وجل وقال ﴿ يا رب إن قومي ﴾ يعني قريشاً ﴿ اتخذوا هذا القرآن مهجوراً ﴾ أي تركوه وصدّوا عنه وعن الإيمان به.
وعن ابي مسلم أن المراد: وقال الرسول يوم القيامة.
روي عن أنس عن النبي "من تعلم القرآن وعلمه وعلق مصحفاً لم يتعاهده ولم ينظر فيه جاء يوم القيامة متعلقاً به يقول يا رب العالمين عبدك هذا اتخذني مهجوراً اقض بيني وبينه" .
وقيل: هو من هجر إذا هذى.
والجار محذوف أي جعلوه مهجوراً فيه.
وعلى هذا فله معنيان: أحدهما أنهم زعموا أنه كلام لا فائدة فيه.
والثاني أنهم كانوا إذا سمعوه لغوا فيه.
وجوز الكشاف أن يكون المهجور مصدراً بمعنى الهجر كالميسور والمجلود أي اتخذوه هجراً.
سؤال: هذا النداء بمنزلة قول نوح ﴿ رب إني دعوت قومي ليلاً ونهاراً فلم يزدهم دعائي إلا فراراً ﴾ فكيف صارت شكاية نوح سبباً لحلول العذاب بأمته ولم تصر شكاية نبينا سبباً لذلك؟
الجواب أن الكلام بالتمام، وكان من تمام كلام نوح ﴿ رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً ﴾ ولم يكن كلام رسولنا إلا مجرد الشكاية ولم يقتض الدعاء عليهم وذلك من غاية شفقته على الأمة وإن بلغ إيذاؤهم إياه الغاية "ما أوذي نبي مثل ما أوذيت" هذا مع أنه سلاه وعزاه وأمره بالصبر على أذاهم حين قال ﴿ وكذلك جعلنا ﴾ بين ذلك أن له أسوة بسائر الأنبياء فليصبر على ما يلقاه من قومه كما صبروا، وتمام البحث فيه قد سلف في الأنعام في قوله ﴿ وكذلك جعلنا لكل نبيّ عدواً شياطين الإنس والجن ﴾ ﴿ وكفى بربك هادياً ونصيراً ﴾ إلى مصالح الدين والدنيا أو إلى طريق قهرهم والانتصار منهم ونصيراً لك على أعدائك.
ثم حكى عنهم شبهة خامسة وهي قولهم: هلا نزل عليه القرآن حال كونه جملة واحدة أي مجتمعاً.
ومعنى التنزيل ههنا التعدية فقط لقريتة قوله ﴿ جملة ﴾ خلاف ما تقرر في أكثر المواضع من إرادة التكثير المفيد للتدريج كما مر في قوله ﴿ نزل عليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل ﴾ والقائلون قريش أو اليهود فأجاب الله عن شبهتهم بقوله ﴿ لنثبت ﴾ الخ.
وتقريره من وجوه أحدها: أن محمداً لم يكن قارئاً كاتباً بخلاف موسى وداود وعيسى فلم يكن له بد من التلقن والتحفظ فأنزله الله عليه منجماً في عشرين سنة.
وعن ابن جريج: في ثلاث وعشرين ليكون أقرب إلى الضبط وأبعد عن النسيان والسهو.
وثانيها أن الاعتماد على الحفظ أقرب إلى التحصيل من الاعتماد على الكتابة والحفظ لا بد فيه من التدرج.
وثالثها إن نزول الشرائع متدرجة أسهل على المكلف منها دفعة.
ورابعها أن نزول جبريل ساعة فساعة مما يقوي قلبه ويعينه على تحمل أعباء النبوّة والرسالة.
وخامسها أن نزوله مفرّقاً يوجب وقوع التحدي على أبعاض القرآن وأجزائه ونزوله جملة يقتضي وقوع التحدي على مجموعة، ولا ريب في أن الأول أدخل في الإعجاز.
وسادسها أن نزوله بحسب الوقائع والحوادث أوفق في باب التكاليف والاستبصار وأدل على الأخبار عن الحوادث في أوقاتها.
وسابعها أن في تجديد منصب السفارة في كل حين مزيد شرف لجبريل.
وللترتيل معانٍ منها: أنه قدره آية بعد آية ودفعة عقيب دفعة.
ومنها التأني في القراءة ومعنى ﴿ ورتلناه ﴾ أمرنا بترتيل قراءته ومنه حديث عائشة في قراءته: لا يسرد كسردكم.
هذا لو اراد السامع أن يعدّ حروفها لعدها وهو مأخوذ من ترتيل الأسنان أي تفليحها.
يقال: ثغر مرتل ويشبه بنور الأقحوان في تفليجه.
ومنها أنه نزله في مدد متباعدة الأطراف جملتها عشرون سنة ولم يفرقه في مدد متقاربة.
ثم ذكر أنهم محجوبون في كل أوان بقوله: ﴿ ولا يأتونك بمثل ﴾ اي بسؤال عجيب من اسئلتهم الباطلة الذي كأنه مثل في البطلان إلا ونحن نأتي بالجواب الحق الذي لا محيد عنه وبما هو أحسن معنى ومؤدى من سؤالهم.
قال جار الله: لما كان التفسير هو التكشيف عما يدل عليه الكلام وضع موضع معناه فقالوا: تفسير الكلام كيت وكيت كما قيل: معناه كذا وكذا.
ووجه آخر وهو أن يراد ﴿ ولا يأتونك ﴾ بحال وصفة عجيبة يقولون هلا كانت صفته وحاله أن ينزل معه ملك أو يلقى إليه كنز أو ينزل عليه القرآن جملة إلا أعطيناك نحن ما يحق لك في حكمتنا ومشيئتنا وما هو أحسن بياناً لما بعثت به، ومن جملة ذلك تنزيل القرآن مفرقاً منجماً فإن ذلك أدخل في الإعجاز كما مر، ثم أوعد هؤلاء الجهلة بأنهم شر مكاناً من أهل الجنة والبحث عنه نظير ما مر في صفة أهل الجنة خير مستقراً.
قال جار الله: كأنه قيل لهم: إن الذي يحملكم على هذه الأسئلة هو أنكم تضللون سبيله وتحتقرون مكانه ومنزلته، ولو نظرتم بعين الإنصاف وأنتم من المسحوبين على وجوهكم إلى جهنم لعلمتم أن مكانكم شر من مكانه وسبيلكم أضل من سبيله.
عن أبي هريرة عن النبي "يحشر الناس يوم القيامة على ثلاثة أثلاث: ثلث على الدواب وثلث على وجوههم وثلث على أقدامهم ينسلون نسلاً" .
ثم ذكر طرفاً من قصص الأولين على عادة افتنانه في الكلام تنشيطاً للأذهان وتسلية لنبيه كأنه قال: لست يا محمد بأول من ارسلناه فكذب وآتيناه الآيات فردّ بل آتينا موسى التوراة وقويناه بأخيه ومع ذلك كذب ورد.
ومعنى الوزير تقدم في "طه".
والوزارة لا تنافي النبوة فقد كان يبعث في الزمن الواحد أنبياء ويؤمرون بأن يوازر بعضهم بعضاً.
ولاشتراكهما في النبوة قيل لهما ﴿ اذهبا إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا ﴾ إن حملناه على تكذيب آيات الإلهية فظاهر، وإن حملناه على تكذيب آيات النبوة فاللفظ ماضٍ والمعنى على الاستقبال على عادة إخبار الله .
ويجوز أن يراد إلى القوم الذين آل حالهم إلى أن كذبوا فدمرناهم، وعلى هذا فلا حذف.
والتدمير الإهلاك ﴿ وقوم نوح لما كذبوا الرسل ﴾ بأن كذبوه وكذبوا من قبله من الرسل صريحاً كأنهم لم يروا بعثة الرسل اصلاً كالبراهمة، أو لأن تكذيب واحد من الرسل كتكذيب كلهم ﴿ أغرقناهم وجعلناهم ﴾ أي إغراقهم وقصتهم ﴿ للناس آية ﴾ محل اعتبار ﴿ وأعتدنا للظالمين ﴾ وهم قوم نوح أو لكل من سلك سبيلهم في التكذيب.
وقصة عاد وثمود مذكورة مراراً، وأما الرس فعن أبي عبيدة أنه البئر غير المطوية، والقوم كانوا من عبدة الأصنام اصحاب آبار ومواش، بعث الله عز وجل إليهم شعيباً فدعاهم إلى الإسلام فأبوا، فبيناهم حول الرس انهارت بهم فخسف بهم وبديارهم.
وقيل: الرس قرية بفلج اليمامة قتلوا نبيهم فهلكوا وهم بقية ثمود.
وقيل: هم اصحاب النبي حنظلة بن صفوان ابتلاهم الله بالعنقاء وهي أعظم ما يكون من الطيرسميت بذلك لطول عنقها، وكانت تسكن جبلهم وتنقض على صبيانهم فتخطفهم إن أعوزها الصيد فدعا عليها حنظلة فأصابتها الصاعقة.
ثم إنهم قتلوا حنظلة فأهلكوا.
وقيل: هم اصحاب الأخدود والرس عند العرب الدفن يقال: رس الميت: إذا دفن وغيب في الحفيرة.
وقيل: الرس بأنطاكية قتلوا فيها حبيباً النجار وستجيء القصة في سورة يس.
وعن علي أنهم قوم يعبدون شجرة الصنوبر رسوا نبيهم في الأرض.
وقيل: هم قوم كانت لهم قرى على شاطئ نهر يقال له الرس من بلاد المشرق، فبعث الله إليهم نبياً من ولد يهوذا بن يعقوب فكذبوه فلبث فيهم زماناً ثم حفروا بئراً فرسوه فيها قوالوا: نرجو أن يرضى عنا إلهنا، وكان عامة قومهم يسمعون أنين نبيهم يقول: إلهي وسيدي ترى ضيق مكاني وشدة كربي وضعف قلبي فعجل قبض روحي حتى مات، فأرسل الله ريحاً عاصفة شديدة الحمرة وصارت الأرض من تحتهم حجر كبريت متوقداً وأظلتهم سحابة سوداء فذابت ابدانهم كما يذوب الرصاص.وروى ابن جرير بإسناده إلىالنبي : "إن الله بعث نبياً إلى أهل قرية فلم يؤمن به من أهلها إلا عبد أسود، ثم عدوا على الرسول فحفروا له بئراً فألقوه فيها ثم أطبقوا عليه حجراً ضخماً، فكان ذلك العبد يحتطب فيشتري له طعاماً وشرابا ويرفع الصخرة ويدليه إليه وكان كذلك ما شاء الله فاحتطب يوماً فلما اراد أن يحملها وجد نوماً فاضطجع فضرب الله على آذانه سبع سنين.
ثم انتبه وتمطى وتحول لشقه الآخر فنام سبع سنين، ثم هب فاحتمل حزمته وظن أنه نام ساعة من نهار فجاء إلى القرية فباع حزمته فاشترى طعاماً وشراباً وذهب إلى الحفرة فلم يجد أحداً، وكان قومه استخرجوه فآمنوا به وصدقوه وذلك النبي يسألهم عن الأسود فيقولون: لا ندري حاله حتى قبض الله تعالى النبي وقبض ذلك الأسود فقال : إن ذلك الأسود أول من يدخل الجنة" .
قلت هذه الرواية إن صحت فلا مدخل لها في المقصود فإِن المقام يقتضي أن يكون قوماً كذبوا نبيهم فأهلكوا لأجل ذلك.
أما قوله ﴿ وقروناً بين ذلك ﴾ فالمشار إليه ما ذكر من الأمم وقد يذكر الذاكر أشياء مختلفة ثم يشير إليها بذلك ومثله قوله الحاسب "فذلك كذا" أي فما ذكر من الأعداد مجموعها كذا ﴿ وكلاً ﴾ من الأمم والقرون ﴿ ضربنا له الأمثال ﴾ بينا له القصص العجيبة ليعتبروا ويتعظوا ﴿ وكلاً تبرنا ﴾ أهلكنا أشنع الإهلاك حين لم ينجع فيهم ضرب المثل.
والتتبير التفتيت والتكسير.
و ﴿ كلاً ﴾ الأول منصوب بما دل عليه ضربنا له الأمثال وهو انذرنا أو حذرنا ﴿ كلاً ﴾ الثاني منصوب ﴿ بتبرنا ﴾ لأنه ليس بمشتغل عنه بضميره.
والضمير في ﴿ ولقد أتوا ﴾ لقريش، والقرية سدوم من قرى قوم لوط وكانت خمساً، ومطر السوء الحجارة.
﴿ افلم يكونوا ﴾ في مرات مرورهم على تلك القرية في متاجرهم إلى الشام ﴿ يرونها بل كانوا ﴾ قوماً كفروا بالبعث لا يتوقعون نشوراً وعاقبة فمن ثم لم ينظروا إلى آثار عذاب الله نظر عبرة وادكار.
﴿ و ﴾ من جملة كفرهم وعنادهم أنهم ﴿ إذا رأوك يتخذونك إلا ﴾ محل هزؤ.
ثم فسر ذلك الاستهزاء بأنهم يقولون مشيرين إليه على سبيل الاستحقار.
هذا الذي بعثه الله حال كونه رسولاً بزعمه.
ويجوز أن يكون تسميته رسولاً استهزاء آخر من حيث إنه تسليم وإقرار في معرض الجحود والإنكار.
وفي هذا جهل عظيم لأنهم إن استحقروا صورته فإنه أحسنهم خلقاً وأعدلهم مزاجاً مع أنه لم يكن يدعي التميز بالصورة، وإن استهزؤا بالمعنى فبه قد وقع التحدي بظهور المعجز عليه وقامت الحجة عليهم فهم أحق بالاستهزاء منه حين اصروا على الباطل بعد وضوح البرهان على الحق، ولقد شهد عليهم بمضمون هذا التقرير ابن أخت خالتهم إذ قالوا ﴿ إن كاد ﴾ هي مخففة من الثقيلة واللام في ﴿ ليضلنا ﴾ هي الفارقة كأنهم سلموا أنه لقوة العقل وسطوع الحجة شارف أن يغلبهم على دينهم ويقلبهم عن طريقتهم لولا فرط لجاجهم وصبرهم على عبادة آلهتهم.
أطلقوا المقاربة أوّلاً ثم قيدوها بلولا الامتناعية ثانياً، وفيه أنه بذل قصارى مجهوده في دعوتهم حتى شارفوا على الإيمان بزعمهم.
وحين وصفوه بالإضلال والمضل لا بد ان يكون ضالاً في نفسه فكأنهم وصفوه بالضلال فلا جرم أوعدهم الله على ذلك بقوله ﴿ وسوف يعلمون ﴾ إلى آخر الآية.
وإنما يرون العذاب عند كشف الغطاء عن بصر البصيرة.
ثم بين إنه لا تمسك لهم فيما ذهبوا إليه سوى التقليد واتباع هوى النفس فقال معجباً لرسوله: ﴿ أرأيت من اتخذ إِلَـٰهَهُ هواه ﴾ قدم المفعول الثاني للعناية كما تقول: علمت منطلقاً زيداً.
ثم نفى أن يكون هو حافظاً عليهم كقوله: ﴿ وما أنت عليهم بوكيل ﴾ ﴿ لست عليهم بمصيطر ﴾ قال الكلبي: نسختها آية القتال.
عن سعيد بن جبير: كان الرجل يعبد الحجر فإذا رأى أحسن منه رمى به وأخذ آخر.
ثم أضرب عن ذمهم باتخاذ الهوى إلهاً إلى نوع آخر أشنع في الظاهر قائلاً: ﴿ أم يحسب ﴾ وهي منقطعة ومعناه "بل" أيحسب وخص أكثرهم بالذكر إما لصون الكلام عن المنع على عادة الفصحاء العقلاء، وإما لأن منهم من كان يعرف الحق إلا أن حب الرياسة يحمله على الخلاف.
وإنما نفى عنهم السماع والعقل لانتفاء فائدتهما وأثرهما.
وباقي الآية تفسيرها مذكور في آخر الأعراف في قوله ﴿ أولئك كالأنعام بل هم أضل ﴾ قال جار الله: جعلوا أضل من الأنعام لأنها تنقاد لأربابها التي تعلفها وتعرف المحسن من المسيء وتجذب المنافع وتجتنب المضارّ وتهتدي للمراعي والمشارب، وهؤلاء لا ينقادون لربهم ولا يعرفون إحسانه من إساءة الشيطان، ولا يطلبون أعظم المنافع وهو الثواب، ولا يتقون أشد المضارّ وهو العقاب، ولا يهتدون للحق الذي هو المرتع الهنيّ والمشرب الرويّ، قلت: ويحسن أيضاً ان يذكر في وجه التفضيل أن جهل الأنعام بسيط غير مضر وجهل هؤلاء مركب مضر.
ومنهم من قال: إن الأنعام تسبح لله تعالى بخلاف الكفار.
ثم ذكر طرفا من دلائل التوحيد مع ما فيها من عظيم الأنعام فأولها الاستدلال من أحوال الظل والرؤية إما بمعنى البصر فالمراد: ألم تر إلى صنع ربك أو الم تر إلى الظل كيف مده ربك.
وإما بمعنى العلم وهو ظاهر وذلك أن الظل متغير ولكل متغير موجد وصانع.
والخطاب لكل من له أهلية النظر والاستدلال.
وللكلام في تفسير الآية مجال إلا أن ملخص الأقوال فيه اثنان: الأول أن الظل أمر متوسط بين الضوء الخالص والظلمة الخالصة كالكيفيات الحاصلة داخل السقوف الكاملة وأفنية الجدران وهو أعدل الأحوال، لأن الظلمة الخالصة يكرهها الطبع وينفر عنها الحس والضوء الكامل لقوّته يبهر الحس البصري ويؤذي بالتسخين، ولذلك وصف الجنة به في قوله: ﴿ وظل ممدود ﴾ ثم إن الناظر في الظل إلى الجسم الملون كأنه لا يشاهد شيئاً سوى الجسم واللون، فإذا طلعت الشمس ووقع ضوءها على الجسم زال ظلمه فيظهر للعقول أنه كيفية زائدة على ما شاهده أوّلاً.
فمعنى الآية: ألم تر إلى عجيب صنع ربك ﴿ كيف مدّ الظل ﴾ أي جعله ممتداً منبسطاً على الأجسام.
﴿ ولو شاء لجعله ساكناً ﴾ لاصقاً بكل مظل.
﴿ ثم جعلنا الشمس ﴾ على وجوده ﴿ دليلاً ﴾ فلولا الشمس ووقوع ضوئها على الأجرام لما عرف أن للظل وجوداً، لأن الأشياء إنما تعرف بأضدادها: ﴿ ثم قبضناه ﴾ اي أزلنا الظل لا دفعه بل يسيراً يسيراً فإنه كلما ازداد ارتفاع الشمس ازداد نقصان الإظلال في جانب المغرب شيئاً بعد شيء، وفي القبض على هذا الوجه منافع جمة.
الثاني أنه لما خلق السماء والأرض ألقت السماء ظلها على الأرض ممدوداً منبسطاً، ولو شاء لجعله ساكناً مستقراً على تلك الحالة، ثم خلق الشمس وجعلها دليلاً على ذلك الظل، لأن الظل يتبعها كما يتبع الدليل في الطريق من حيث إنه يزيد بها وينقص ويمتد ويتقلص، ثم لقبض الظل معنيان: أحدهما: انتهاء الإظلال إلى غاية مّا من النقصان بالتدريج، وثانيهما قبضه عند قيام الساعة بقبض أسبابه وهي الأجرام النيرة.
وقوله ﴿ إلينا ﴾ يؤكد هذا المعنى الثاني فيكون قوله ﴿ يسيراً ﴾ كما قال ﴿ ذلك حشر علينا يسير ﴾ الاستدلال الثاني من أحوال الليل والنهار شبه ما يستر من ظلام الليل باللباس الساتر، والسبات الراحة قاله أبومسلم.
وذلك أن النوم سبب الراحة ومنه يوم السبت لما جرت به العادة من الاستراحة فيه عند طائفة، وعلى هذا فالنشور بمعنى الانتشار والحركة.
قال جار الله: السبات الموت والمسبوت الميت لأنه مقطوع الحياة، وعلى هذا فالنشور بمعنى البعث وتكون الآية نظير قوله: ﴿ وهو الذي يتوفاكم بالليل ﴾ عن لقمان أنه قال لابنه: يا بني كما تنام فتوقظ كذلك تموت فتنشر.
الاستدلال الثالث قوله ﴿ وهو الذي أرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته ﴾ أي قدم المطر وقد مر تفسيره في "الأعراف" وأنه لم قال ههنا ﴿ أرسل ﴾ بلفظ الماضي وهناك ﴿ يرسل ﴾ أما قوله ﴿ وأنزلنا من السماء ماء طهوراً ﴾ فهو علم بين الفقهاء في الاستدلال به على طهارة الماء في نفسه وعلى مطهريته لغيره حتى فسر الطهور بعضهم - ومنهم أحمد بن يحيى- بأنه الذي يكون طاهراً في نفسه مطهراً لغيره.
واعتراض عليهم صاحب الكشاف بأن الذي قالوه إن كان شرحاً لبلاغته في الطهارة كان سديداً وإلا فليس "فعول" من "التفعيل" في شيء وأقول: إن الزمخشري سلم ان الطهور في العربية على وجهين: صفة كقولك "ماء طهور" اي طاهر، واسم غير صفة ومعناه ما يتطهر به كالوضوء والوقود بفتح الواو فيهما لما يتوضأ به وتوقد به النار، وعلى هذا فالنزاع مدفوع لأن الماء مما يتطهر به هو كونه مطهراً لغيره فكأنه قال: وأنزلنا من السماء ماء هو آلة للطهارة ويلزمه أن يكون طاهراً في نفسه.
ومما يؤكد هذا التفسير أنه ذكره في معرض الأنعام فوجب حمله على الوصف الأكمل، ولا يخفى أن المطهر أكمل من الطاهر نظيره ﴿ وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ﴾ .
ولا ضير أن نذكر بعض أحكام المياه المستنبطة من الآية فنقول: ههنا نظران: الأول أن عين الماء هو طهور أم لا؟
مذهب الأصم والأوزاعي أنه يجوز الوضوء بجميع المائعات، وقال أبو حنيفة: يجوز الوضوء بنبيذ التمر في السفر وتجوز إزالة النجاسة بجميع المائعات المزيلة لأعيان النجاسات.
وقال الشافعي وغيره من الأئمة: إن الطهورية مختصة بالماء لما مر في أول المائدة من إيجاب التيمم عند عدم الماء ولو شارك الماء مائع آخر لما أمر بالتيمم إلا بعد إعوازه أيضاً ودليله في الخبث قوله "ثم اغسليه بالماء" .
النظر الثاني في الماء وفيه بحثان: الأول في الماء المستعمل وإنه طاهر عند الشافعي وليس بمطهر في قوله الجديد.
أما الأول فلإطلاق الآية ﴿ وأنزلنا من السماء ماء طهوراً ﴾ والصل بقاؤه وللحديث "خلق الماء طهوراً" ولأن السلف كانوا لا يحترزون عن تقاطر ماء الوضوء على ثيابهم وابدانهم، ولأنه ماء طاهر لقي جسماً طاهراً فأشبه ما إذا لاقى حجارة.
وأما الثاني فلقوله "لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب" ولو بقي الماء كما كان طاهراً مطهراً لما كان للمنع منه معنى، وكانت الصحابة لا يعتنون بحفظه ليستعملوه ثانياً ولو كان طهوراً لحفظوا ما يغنيهم عن التيمم.
وقال مالك والسدي: إنه طاهر مطهر لإطلاق الآية والحديث، والأصل بقاء صفته على ما كان عليه.
وروي "أنه توضأ فمسح رأسه بفضل ما في يده" .
وعن ابن عباس " أنه اغتسل فرأى لمعة في جسده لم يصبها الماء فأخذ شعرة عليها بلل فأمرها على تلك اللمعة" ، ولقياس ما انفصل من العضو على ما لم ينفصل منه.
وقال أبو حنيفة: إنه نجس قياساً للنجاسة الحكمية على النجاسة الحقيقية.
والمراد باستعمال الماء في المسألة تأدى عبادة الطهارة به أو انتقال المنع إليه فيه وجهان لأصحاب الشافعي، ويتفرع عليه أن المستعمل في الكرة الثانية والثالثة وفي تجديد الوضوء والأغسال المسنونة ليس بطهور على الأول طهور على الثاني.
والماء المستعمل في الحدث لا يجوز استعماله في الخبث على الأصح لأنه مائع لا يرفع الحدث فلا يزيل الخبث كسائر المائعات.
البحث الثاني الماء المتغير إن تغير بنفسه لطول المكث جاز الوضوء به لأنه كان يتوضأ من بئر بضاعة، وكان ماؤها كأنه نقاعة الحناء.
وإن تغير بغيره ولم يتصل به كما لو وقع بقرب الماء جيفة فأنتن الماء فهو أيضاً مطهر،وإن اتصل به وكان طاهراً ولم يخالطه كما لو تغير بدهن أو عود أو كافور صلب فهو أيضاً مطهر، وإن خالطه فإن لم يمكن صون الماء عنه كالمتغير بالتراب والحمأة والورق المتناثر والطحلب فلا بأس بذلك دفعاً للحرج، وكذا لو جرى الماء في طريقه على معدن زرنيخ أو نورة أو كحل وإن أمكن بأن يكون الماء مستغنياً عن جنس ذلك الخليط فإن كان التغير قليلا بحيث لا يضاف الماء إليه أو لا يستحدث اسما جديدا جاز التوضوء به وإلا فلا خلافاً لأبي حنيفة.
حجة الشافعي أنه توضأ ثم قال: هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به، فذلك الوضوء إن كان بالماء المتغير وجب أن لا يجوز إلا به وليس كذلك بالاتفاق بماء غير متغير وهو المطلوب.
ولقائل أن يقول: إن هذا إشارة إلى كيفية الوضوء لا إلى كيفية الماء، والمراد أنه لا يقبل الصلاة بما دون ذلك، وأما الكمال فلا كلام فيه.
قال: وأيضاً إذا اختلط ماء الولد بالماء فتوضأ الإنسان به يحتمل أن ينغسل بعض الأعضاء بما الورد لا بالماء فيكون الحدث يقيناً والطهر مشكوكاً فيه والشك لا يرفع اليقين، وهذا بخلاف ما إذا كان قليلاً لا يظهر اثره فإنه كالمعدوم.
وأيضاً الوضوء تعبد لا يعقل معناه ولهذا لو توضأ بماء الورد لم يصح وضوءه، ولو توضأ بالماء الكدر والمتعفن صح وضوءه وما لا يعقل معناه وجب الاعتماد فيه على مورد النص.
حجة أبي حنيفة إطلاق الآية وقوله: ﴿ فاغسلوا وجوهكم ﴾ وقوله ﴿ فلم تجدوا ماء ﴾ وهذا الشخص غسل ووجد الماء ولأنه أباح الوضوء بسؤر الهرة وسؤر الحائض وإن خالطهما شيء من لعابهما، ولأنه لا خلاف في جواز الوضوء بماء السيول وإن تغير لونها إلى ألوان ما تمر عليها في الصحاري من الحشائش وغيرها.
هذا كله إذا كان الخليط طاهراً، فإن كان نجساً فمذهب الحسن البصري والنخعي ومالك وداود وإليه الغزالي في الإحياء أن الماء لا ينجس ما لم يتغير بالنجاسة، سواء كان الماء كثيراً أو قليلاً.
ومذهب أبي حنيفة أن الماء ينجس باستعماله في البدن لأداء عبادة.
وتيقن مخالطة النجاسة أو غلبتها على الظن سواء تغير أحد أوصافه الثلاثة أو لم يتغير.
قال أبو بكر الرازي: ولا يختلف على هذا الحد ماء البحر وماء البئر والغدير والراكد والجاري لأن ماء البحر لو وقعت فيه نجاسة لم يجز استعمال الماء الذي فيه النجاسة وكذلك الماء الجاري.
قال: وأما اعتبار أصحابنا للغدير الذي إذا حرك أحد طرفيه لم يتحرك الطرف الآخر فإنما هو كلام في وجه يغلب على الظن عدم بلوغ النجاسة الواقعة في أحد طرفيه إلى الطرف الآخر، وليس كلاماً في أن بعض المياه الذي فيه النجاسة قد يجوز استعماله وبعضها لا يجوز استعماله.
ومن الناس من فرق بين القليل والكثير ثم اختلفوا في حد الكثير: فعن عبد الله بن عمر: إذا كان الماء اربعين قلة لم ينجسه شيء وقال سعيد بن جبير: الماء الراكد لا ينجسه شيء إذا كان قدر ثلاث قلال.
وقال الشافعي: إذا كان الماء قلتين بقلال هجر لم ينجسه إلا ما غير طعمه أو ريحه أو لونه.
وقد ينصر من المذاهب قول مالك لوجوه منها: قوله ﴿ وأنزلنا من السماء ماء طهوراً ﴾ ترك العمل به في الماء الذي تغير لونه أو طعمه أو ريحه لظهور النجاسة فيه، ولقوله "خلق الماء طهوراً لا ينجسه شيء إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه" فبقي ما عداه على الأصل.
ومنها قوله : ﴿ فاغسلوا ﴾ والمتوضئ بهذا الماء قد غسل أعضاءه ولا سيما إذ1 كانت النجاسة مستهلكة فيه لا يظهر عليه آثارهما وخواصها من الطعم أو اللون أو الريح.
ومنها أن عمر توضأ من جرة نصرانية مع أن نجاسة أوانيهم غالبة على الظن، فدل ذلك على أنه لم يعول إلا على عدم التغير.
ومنها أن تقدير الماء بمقدار معلوم لو كان معتبراً كالقلتين عند الشافعي وعشر في عشر عند ابي حنيفة، لكان أولى المواضع بذلك مكة والمدينة لأنه لا تكثر المياه هنالك لا الجارية ولا الراكدة، ولم ينقل أنهم خاضوا في تقدير المياه ولا أنهم سألوا عن كيفية حفظها، وكانت أوانيهم يتعاطاها الصبيان والإماء الذين لا يحترزون عن النجاسات، وكانوا لا يمنعون الهرة من شرب الماء وقد اصغى لها الإناء رسول الله بعد أن كانوا يرون أنها تأكل الفأرة، ولم يكن في بلادهم حياض تكرع السنانير فيها.
ومنها أن الشافعي نص على أن غسالة النجاسة طاهرة إذا لم تتغير بنجس، واي فرق بين أن يلاقي الماء النجاسة بالورود عليها أو بورودها عليه، وأي معنى لقول القائل: إن قوة الورود تدفع النجاسة مع أن قوة الورود لم يتمنع المخالطة؟
ومنها أنهم كانوا يستنجون على أطراف المياه الجارية القليلة.
وقال الشافعي: إذا وقع بول في ماء جارٍ ولم يتغير جاز الوضوء به.
وايّ فرق بين الجاري والراكد؟
والتعويل على قوة الماء بسبب الجريان ليس أولى من التعويل على عدم التغير.
ومنها أنه لو وقعت نجاسة في قلتين فكل كوز يؤخذ منه فهو طاهر عنده، ومعلوم أن البول ينتشر فيه وهو قليل فأي فرق بينه إذا وقع ذلك البول في ذلك القدر من الماء ابتداء وبينه إذا وصل غليه عند اتصال غيره به؟.
ومنها أن الحمامات لم تزل في الأعصار الخالية يتوضأ منها المتقشفون مع علمهم بأن اليدي والأواني الطاهرة والنجسة كانت تتوارد عليها، ولو كان التقدير بالقلتين وغير ذلك معتبراً لاشتهر وتواتر.
ومنها أن النصوص في التقدير متخالفة؛ أما تقدير أبي حنيفة بالعشر في العشر فمجرد تحكم، وأما تقدير الشافعي بالقلتين بناء على قوله "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثاً" فضعيف.
لأن راوية مجهول، فإن الشافعي لما روى هذا الخبر قال: أخبرني رجل.
فيكون الحديث مرسلاً والمرسل عنده ليس بحجة.
سلمناه ولكن القلة مجهولة فإنها تصلح للكوز وللجرة ولكل ما يقل باليد وهي أيضاً اسم لهامة الرجل ولقلة الجبل.
سلمنا لكن في متن الخبر اضطراب، فقد روي "إذا بلغ الماء قلتين" وروي "إذا بلغ قلة" وروي "أربعين" "وإذا بلغ كرين" سلمنا صحة المتن لكنه متروك الظاهر لأن قوله "لم يحمل خبثاً" لا يمكن إجراؤه على ظاهره، فإن الخبث إذا ورد عليه فقد حمله.
سلمنا إجاءه على الظاهر لكن الخبث لغوي وشرعي وحمله على اللغوي لكونه حقيقة أولى، فمعنى الحديث أن لا يصير مستقذراً طبعاً.
ونحن نقول: بموجبه لكن لم قلتم: إنه لا ينجس شرعاً؟
سلمنا أن المراد هو الخبث الشرعي لكن لم لا يجوز أن يكون معنى قوله "لم يحمل خبثاً" أنه يضعف عن حمله أي يتأثر به؟
أجاب بعض الشافعية عن هذه المنوع بأن كثيراً من المحدثين عينوا اسم الراوي في حديث القلتين، فإن يحيى بن معين قال: إنه جيد الإسناد.
فقيل له: إن ابن علية وقفه على ابن عمر.
فقال: إن كان ابن علية وقفه فحماد بن سلمة رفعه.
وقوله "القلة مجهولة" غير مسلم لأن ابن جريج قال في روايته: بقلال هجر.
ثم قال: وقد شاهدت قلال هجر وكانت القلة تسع قربتين وشيئاً.
وإذا كانت هذه الرواية معتبرة فقط لم يكن في متن الحديث اضطراب، وحمل الخبث على الشرعي أولى لأن المسألة شرعية وتفسير عدم حمل الخبث بالتأثر تعسف لأنه صح في بعض الروايات "إذا كان الماء قلتين لم ينجس" ولأنه لا يبقى لذكر القلتين حينئذ فائدة لأن ما دون القلتين ايضاً بتلك المثابة، وزيف بأنه بعد التصحيح يوجب تخصيص عموم الكتاب والسنة الظاهرة البعيدة عن الاحتمال بمثل هذا الخبر المجمل.
حجة من حكم بنجاسة الماء الذي خالطه نجاسة كيف كانت قوله : ﴿ ويحرم عليهم الخبائث ﴾ وقوله ﴿ إنما حرم عليكم الميتة والدم ﴾ } [النحل: 115] وقال في الخمر ﴿ رجس من عمل الشيطان ﴾ حرم هذه الشياء مطلقاً ولم يفرق بين حال انفرادها وحال اختلاطها بالماء، فوجب تحريم استعمال كل ماء تيقنا فيه جزءاً من النجاسة.
وأيضاً الدلائل التي ذكرتموها مبيحة ودلائلنا حاظرة والحاظر غالب على المبيح بدليل أن الجارية المشتركة لا يحل لواحد منهما وطؤها وأيضاً قال "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل فيه من جنابة" أطلق من غير فرق بين القليل والكثير.
أجاب مالك أنه لا نزاع في تحريم استعمال النجاسات، لكن الكلام في أنه متى ما لم يتغير فليس للنجاسة أثر لأنها انقلبت عن صفتها فكأنها معدومة والنهي عن البول في الماء لتنفر الطبع أو للتنزيه لا للتحريم.
واعلم أنه بين في سورة الأنفال أن من غاية إنزال الماء من السماء تطهير المكلفين به حين قال: ﴿ وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ﴾ ففي وصفه ههنا بكونه طهوراً إشارة إلى ذلك.
ثم رتب على الإنزال غايتين أخريين.
أولاهما تتعلق بالنبات، والثانية بالحيوان الأعجم فالناطق.
وفي هذا الترتيب تنبيه على أن الكائنات تبتدئ في الرجوع من الأخس إلى الأشرف، وفيه أن الغرض من الكل هو نوع الإنسان مع أن حياة الأناسي بحياة أرضهم وأنعامهم.
قال ﴿ ميتاً ﴾ مع قوله ﴿ بلدة ﴾ بالتأنيث لأن "فيعلاً" غير جارٍ على الفعل فكأنه اسم جامد وصف به، أو بتأويل البلد والمكان.
والأناسيّ جمع أنسي أو جمع إنسان على أن اصله أناسين فقلبت النون ياء.
و"فعيل" قد يستوي فيه الواحد والجمع فلهذا لم يقل وأناسي كثيرين ومثله ﴿ وقروناً بين ذلك كثيراً ﴾ .
اسئلة أوردها جار الله مع أجوبتها: الأول: أن إنزال الماء موصوفاً بالطهارة وتعليله بالإحياء ولاسقي يؤذن بأن الطهارة شرط في صحة الإحياء والسقي كما تقول: حملني الأمير على فرس جواد لأصيد به الوحش.
الجواب لما كان سقي الأناسي من جملة ما أنزل له الماء وصفه بالطهور إكراماً لهم وتتميماً للمنة عليهم واشارة إلى أن من حق استعمال الماء في الباطن والظاهر أن يكون طاهراً غير مخالط لشيء من القاذورات.
قلت: قد قررنا فائدة هذا الوصف بوجه آخر آنفاً.
السؤال الثاني: لم خص الأنعام من بين ما خلق من الحيوان المنتفع بالماء؟
الجواب لأن الطير والوحش تبعد في طلب لاماء فلا يعوزها الشرب بخلاف الأنعام، ولأنها قنية الإنسان وعامة منافعه متعلقة بها فسقيها إنعام عليه.
الثالث: ما معنى تنكير الأنعام والأناسي ووصفهم بالكثرة؟
الجواب لأن بعض الأنعام والأناسي الذين هم بقرب الأودية والأنهار العظام لا يحتاجون إلى ماء السماء احتياجاً بيناً، ولمثل هذا نكر البلدة في قوله ﴿ بلدة ميتاً ﴾ قوله ﴿ ولقد صرفناه ﴾ الأكثرون على أن الضمير عائد إلى ما ذكر من الدلائل أي كررنا أحوال الإظلال وذكر إنشاء السحاب وإنزال المطر في القرآن وفي سائر الكتب السماوية ليتفكروا ويعتبروا ويعرفوا حق النعمة فيه ويشكروا، فأبى أكثرهم إلا كفران النعمة وجحودها.
وقال آخرون: إنه يرجع إلى أقرب المذكورات وهو المطر أي صرفنا المطر بينهم في البلدان المختلفة والأوقات المتغايرة وعلى الصفات المتباينة من وابل وطل وغير ذلك فأبوا إلا كفوراً وأن يقولوا: مطرنا بنوء كذا استقلالاً.
فإن جعلوا الأنواء كالوسائط والأمارات فلا بأس.
والنوء سقوط نجم من المنازل الثمانية والعشرين للقمر في المغرب مع الفجر وطلوع رقيبه وهو نجم آخر في المشرق يقابله من ساعته في كل ليلة إلى ثلاثة عشر يوماً وهو أكثر، أو إلى أربعة عشر وهو أقل.
والعرب تضيف الأمطار والحر والبرد إلى الساقط منها أو إلى الطالع.
فإذا مضت مدة النوء ولم يحدث شيء من مطر وغيره يقال: خوى نجم كذا أي سقط ولم يكن عنده اثر علوي؟
عن ابن عباس: ما من عام أقل مطراً من عام ولكن الله عز وجل قسم ذلك بين عباده على ما يشاء وتلا هذه الآية.
ويؤيد هذا التفسير تنكير البلدة والأنعام والأناسي.
قال الجبائي: في قوله ﴿ ليذكروا ﴾ دليل على أنه أراد من الكل التذكر والإيمان.
وفي قوله ﴿ فأبى أكثر الناس ﴾ دلالة على أن المكلف له قدرة على الفعل والترك إذ لا يقال للزمن مثلاً إنه أن يسعى.
وقال الكعبي: الضمير في ﴿ بينهم ﴾ لكل الناس فيكون الأكثر داخلا في ذلك العام إذ لا يجوز أن يقال: أنزلناه على قريش ليؤمنوا فأبى أكثر بني تميم إلا كفوراً.
وعند هذا يظهر أنه أراد من جميع المكلفين أن يؤمنوا ويعتبروا ومعارضة الأشاعرة معلومة.
التأويل: ﴿ ويوم تشقق السماء ﴾ سماء القلب من غمام البشرية وهو يوم سعادة الطالبين الصادقين، ونزل ملائكة الصفات الروحانية ﴿ الملك ﴾ الحقيقي ﴿ يومئذ ﴾ ﴿ للرحمن ﴾ إذ لم يبق غيره ورجع إليه وذلك مقام الوحدة والفناء في الله والبقاء به: ﴿ وكان يوماً على الكافرين عسيراً ﴾ إذ لم يبق من صفات النفوس الكافرة وحظوظها أثر ولا عين: ﴿ ويوم يعض الظالم ﴾ نفسه وهو المشرك شركاً ظاهراً أو خفياً ﴿ على يديه ﴾ والآية حكمها عام في كل متحابين اجتمعا على معصية الله .
وعن مالك بن دينار: إنك إن تنقل الحجارة مع الأبرار خير من أن تأكل كل الخبيص مع الفجار.
﴿ لنثبت به فؤادك ﴾ بأن نخلق قلبك بقلب القرآن وكان بذر التوحيد أوقع في قلب النبي في سر ﴿ ألم نشرح لك صدرك ﴾ وكان يتربى بما أنزل عليه بل على قلبه منجماً، فلما أورق كان ورقه ﴿ الرحمن علم القرآن ﴾ فلما أزهر كان زهره ﴿ فأوحى إلى عبده ما أوحى ﴾ فلما أثمر كانت ثمرته ﴿ فاعلم أنه لا إله إلا الله ﴾ ﴿ يحشرون على وجوههم ﴾ لأن توجههم إلى أسفل سافلي الطبيعة فيحشرون منكوسين إلى جهنم البعد عن الحضرة ﴿ الم تر إلى ربك ﴾ فيه أن نبينا رآه وقد قال لموسى ﴿ لن تراني ﴾ وذلك البقاء أنانيته ﴿ كيف مدّ الظل ﴾ عالم الأجسام ﴿ ولو شاء لجعله ساكناً ﴾ في كتم العدم ﴿ ثم جعلنا ﴾ شمس عالم الأرواح على وجود ذلك الظل دليلاً بأن كانت محركة لها إلى غاياتها المخلوقة هي لأجلها، فعرف من ذلك أنه لولا الأرواح لم تخلق الأجساد ولم تتكون بالأجسام.
وفي قوله: ﴿ ثم قبضناه إلينا ﴾ إشارة إلى أن كل مركب فإنه سيحل إلى بسائطه إذا حصل على كماله الأخير.
وبوجه آخر الظل ما سوى نور الأنوار يستدل به على صانعه الذي هو شمس عالم الوجود وهذا شأن الذاهبين من غيره إليه.
وفي قوله ﴿ ثم جعلنا ﴾ إشارة إلى مرتبة أعلى من ذلك وهي الاستدلال به على غيره كقوله: ﴿ أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد ﴾ وهذه مرتبة الصديقين.
وقوله ﴿ ثم قبضناه ﴾ كقوله ﴿ كل شيء هالك ﴾ ﴿ ألا إلى الله تصير الأمور ﴾ وبوجه آخر الظل هو حجاب الذهول والغفلة والشمس شمس التجلي المعروفة من افق العناية عند صباح الهداية: ﴿ ولو شاء لجعله ﴾ دائماً لا يزول وإنما يستدل على الذهول بالعرفان.
وفي قوله: ﴿ ثم قبضناه ﴾ إشارة إلى أن الكشف التام يحصل بالتدريج عند انقضاء مدة التكليف.
ثم بين حكمة الإظلال بقوله: ﴿ وهو الذي جعل لكم ﴾ ليلة البشرية ﴿ لباساً ﴾ كيلا تحترقوا بدوام شمس تجلي الربوبية، وجعل ليوم الغفلة راحة بعد سطوة التجلي، وجعل نهار العرفان نشوراً أي حياة بنور الربوبية ﴿ وهو الذي أرسل ﴾ رياح الإشراق على قلوب الأحباب فتزعجها من المساكنات عند الستر فلا تستقر إلا بالكشف والتجلي ﴿ وأنزلنا ﴾ من سماء الكرم ﴿ ماء ﴾ حياة العرفان الذي يطهر قلوب المشتاقين عن الجنوح إلى المساكنات وما يتداخلها في بعض الأوقات من الغفلات ﴿ لنحيي به بلدة ﴾ القلوب الميتة عن نور الله بنور الله ﴿ ونسقيه ﴾ من جملة مخلوقاتنا من هو على طبع الأنعام لغلبة الصفات الحيوانية عليه فيسقي زرع إيمانه بماء الرحمة والذكر كما قال "لا إله إلا الله تنبت الإيمان في القلب كما ينبت الماء البقلة" ونسقيه من الأنس من سكن إلى رياض الأنس يفطمه به عن مراضع الإنسانية إلى المشارب الروحانية، ويطهره عن وصمة الملاحظات ويذيقه طعم المكاشفات.
﴿ ولقد صرفنا ﴾ الذي هو ماء حياة القلوب بينهم ﴿ ليذكروا ﴾ به أيام جوار الحق وأوطانهم الحقيقية ﴿ فأبى أكثر ﴾ الناسين تلك المعاهدة والمشاهدة ﴿ إلا كفوراً ﴾ بنعمة القرآن وما عرفوا قدرها والله المستعان وإليه المآب.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾ : قد ذكرنا في غير موضع أن حرف ﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾ هو حرف تعجب واستفهام، لكن في الحقيقة على الإيجاب، أي: وقد رأيت.
وقوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ ﴾ أي: إلى تدبير ربك ولطفه أن كيف مد الظل، وهو لا يؤذي ولا يضر ولا يحس، ولا يشعر به أحد بكونه فيه ولا يثقل ولا يخف، ولا يستر ولا يكشف عن وجوه الأشياء، إنما النور هو الكاشف عن وجوه الأشياء، والظلمة هي الساترة لذلك، ونحو ذلك ما يكثر ذكره مما يحيط بالخلائق كلها؛ ليعلم أن من المحسوسات التي يقع عليها الحواس ما لا يدرك حقيقة من نحو الظل الذي ذكرنا هو ما لا يدرك حقيقة، ومن نحو السمع والبصر والعقل والنطق باللسان، ونحو ذلك من المحسوسات؛ ليعلم أن الذي سبيل معرفته الاستدلال وهو منشئ هذه الأشياء - أحق ألا يدرك ولا يحاط بتدبيره ولطفه؛ [و] ليعلم أن من بلغ تدبيره ولطفه هذا المبلغ لا يحتمل أن يعجزه شيء أو يخفى عليه شيء؛ يخبر عن قدرته وتدبيره ولطفه، ليعلم أنه قادر ومدبر بذاته لطيف.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ شَآءَ لَجَعَلَهُ سَاكِناً ﴾ أي: دائباً لا يذهب أبداً، ولا تصيبه الشمس ولا يزول.
وقال بعضهم: ﴿ سَاكِناً ﴾ أي: مستقراً دائماً لا تنسخه الشمس كظل الجنة.
وقوله: ﴿ ثُمَّ جَعَلْنَا ٱلشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً ﴾ : قال بعضهم: أي: تتلوه وتتبعه حتى تأتي على كله.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ جَعَلْنَا ٱلشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً ﴾ يقول: حيثما تكون الشمس يكون الظل، وأصله: أنه بالشمس يعرف الظل أنه ظل، ولولا الشمس ما عرف الظل، فهو دليل معرفته وكونه أنه ظل.
وقوله: ﴿ ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضاً يَسِيراً ﴾ : قال بعضهم: هَيِّناً خفِيّاً، وأصله: أنه يقبض بالشمس الظل وينسخه شيئاً فشيئاً، حتى تأتي على كله.
وقوله: ﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيلَ لِبَاساً ﴾ قيل: سكنا يسكن فيه الخلائق.
وقيل: لباسا، أي: سترا.
﴿ وَٱلنَّوْمَ سُبَاتاً ﴾ قال بعضهم: أي: راحة، يقال: سبت الرجل يسبت سباتا فهو مسبوت.
وقال بعضهم: أصل السبت: التمدد.
وقال بعضهم: سبت الرجل إذا نعس.
وقيل: رجل مسبوت: لا يعقل كأنه مسبت.
﴿ وَجَعَلَ ٱلنَّهَارَ نُشُوراً ﴾ : فمن جعل السبات: النوم، جعل قوله: و ﴿ ٱلنَّهَارَ نُشُوراً ﴾ أي: حياة يحيون فيه.
ومن يقول: السبات: راحة، يجعل النهار نشورا: ينشر فيه للمعاش والكسب وابتغاء الرزق.
وقال بعضهم: يذكر نعمه ومننه على عباده؛ لتأدي شكره.
وقال أبو معاذ: قال مقاتل: ﴿ مَدَّ ٱلظِّلَّ ﴾ يعني: الفيء من أول وقت صلاة الفجر إلى طلوع الشمس.
وأخطأ؛ لا يسمى ذلك الظل: فيئاً.
وقال الكسائي: العرب تقول: الظل من حين تصبح إلى انتصاف النهار، فإذا زالت الشمس عن كبد السماء فما خرج من ظل فذلك الفيء ويقال للفيء: الظل، ولا يقال للظل: فيء قبل الزوال.
وقوله: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ ٱلرِّيَاحَ بُشْرَاً ﴾ : قال بعضهم: ﴿ نشرا ﴾ أي: حياة.
وقال بعضهم: ﴿ نشراً ﴾ للسحاب: تنشره، أي: تبسطه.
وعلى التأويل الأول ننشرها، أي: نحييها.
وقوله: ﴿ بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ﴾ أي: بين يدي المطر، سمي المطر: رحمة؛ لما برحمته يكون؛ وكذلك ما سمى الجنة: رحمة؛ لأنها برحمة ما يدخل من دخل فيها.
وقوله: ﴿ بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ﴾ : هذا يدل أنه لا يفهم باليد: اليد المعروفة التي هي الجارحة، حيث ذكر للمطر ذلك ولا يعرف - أعني: اليد - ليعلم أنه لا يفهم من قوله: بيد الله، بين يدي الله - ذلك، وبالله العصمة.
وقرأ بعضهم: ﴿ بُشْرَاً ﴾ بالباء، وهو من البشارة؛ كقوله: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَن يُرْسِلَ ٱلرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ ﴾ أي: تبشرهم بالرحمة والسعة، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً طَهُوراً ﴾ أي: ما يطهر به الأنجاس والأقذار الظاهر منها والباطن؛ وكذا الطهور أنه يطهر حيثما أصابه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَآ أَنْعَاماً وَأَنَاسِيَّ كَثِيراً ﴾ : قال بعضهم: الأناسي: جمع إنسي.
وقال بعضهم: هي جمع إنسان، وأصله بالنون (أناسين)، لكن أبدلت النون ياء.
وقال أبو عوسجة والقتبي: أناسيّ مشددة، يعني: أناس، وأناسي جماعة الإنسان على ما ذكرنا.
ويحتمل قوله: ﴿ وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَآ أَنْعَاماً وَأَنَاسِيَّ كَثِيراً ﴾ ، أي: نسقيه من الماء الطّهور والمنزل من السماء كثيراً من الأنعام، وكثيراً من الإناس، وكثيراً ما يسقى من المياه المنتزعة من الأرض.
<div class="verse-tafsir"
والله هو الَّذي صيَّر لكم الليل بمنزلة لباس يستركم، ويستر الأشياء، وهو الَّذي صيَّر لكم النوم راحة تستريحون به من أشغالكم، وهو الَّذي صيَّر لكم النهار وقتًا تنطلقون فيه إلى أعمالكم.
<div class="verse-tafsir" id="91.gZaL6"