تفسير سورة آل عمران الآية ١٧٦ عند البسيط

الإسلام > القرآن > تفسير > البسيط > سورة 3 آل عمران > الآية ١٧٦

وَلَا يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلْكُفْرِ ۚ إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّوا۟ ٱللَّهَ شَيْـًۭٔا ۗ يُرِيدُ ٱللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّۭا فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ١٧٦

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 8 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

قوله تعالى: ﴿ وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ ﴾ .

أكثر القُرّاءِ على ﴿ يَحْزُنْكَ ﴾ -مِنَ الثلاثي-.

وقرأ نافع: ﴿ يَحْزُنْكَ ﴾ -بضمِّ الياء- (١) واختلف أهل اللغة في هذا: فقال قومٌ: (حَزَنَ، وأحْزَنَ)، بمعنى واحد (٢) قال الزّجاج -في باب الوفاق- (٣) و (أمرٌ حازِنٌ ومُحزِنٌ).

وقال ابن المُظَفَّر (٤) (٥) (٦) (٧) وحكى -أيضًا- سيبويه (٨) وحكى أبو زيد -في كتاب (خُبَأة) (٩) وقال الخليل (١٠) (١١) وروى أبو عُبَيد، عن أبي زيد، قال (١٢) (١٣) (١٤) يستعمل الماضي مِنَ الرُّبَاعي، والمضارع مِنَ الثلاثي.

وهذا شاذٌّ؛ لأنه استعمل (أحزَنَ)، وأهمل (يُحْزِن)، واستعمل (يَحْزُنُ)، وأهمل (حَزَنَ).

فمن قرأ بقراءة العامَّة، فَحُجَّته: أنه أشهر اللغَتَيْنِ، وأكثرهما استعمالًا.

قال الأزهري (١٥) وحجّة نافع: قولُ مَن زَعم أنهما لُغَتَان، وما حكاه سيبويه (١٦) (١٧) كما تقول: (كحَلْتُهُ)؛ أي: جعلت فيه كُحْلًا، و (دَهَنْته)؛ جعلت (١٨) (١٩) (٢٠) (٢١) وهذا الذي حكاهُ، حُجَّةُ نافع؛ لأنه أرادَ تغيير (حَزِنَ)، فنقله بالهمز.

قال الخليل (٢٢) (٢٣) (٢٤) (٢٥) وأراد بـ ﴿ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ ﴾ : المنافقين، وقُرَيْظَة والنّضير -في قول ابن عباس- (٢٦) ومعنى مسارعتهم في الكفر: مُظَاهَرَتُهُم (٢٧)  .

وتأويله: يُسارِعُون في نُصْرةِ الكفر.

وقال الضَّحَّاكُ (٢٨) فإذا قيل: معنى قوله: ﴿ وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ ﴾ : لا تحزن لِكفرِهم.

والحزن على كفر الكافر، ومعصيةِ العاصي، طاعةٌ، فكيف نهى عنهُ؟.

قيل: إنما نهى عنه النبيَّ  ، لأنه كان يُفرطُ وُيسْرِفُ في الحُزْنِ على كُفْر قومِهِ، حتى كان يؤدّي ذلك إلى أن يَضُرّ (٢٩) (٣٠) (٣١) ﴿ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ  ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا ﴾ يعنى: أنَّ عائِدَ الوَبَالِ في ذلك عليهم، لا على غيرهم.

وقال عطاء (٣٢) وقوله تعالى: ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ ﴾ يعنى: نصيبًا في المجنة.

وفي هذا رَدٌّ على القَدَرِيّة، وبيان أنَ الخيرَ والشرَّ بإرادة الله -جلَّ وعزَّ- (٣٣) (١) وقد قرأ نافع هذه الآية، وقرأ ﴿ ولِيُحْزِن ﴾ في الآية 10 من سورة المجادلة، و ﴿ ليُحْزِنني ﴾ في الآية 13 من سورة يوسف، بضم الياء وكسر الزاي في كل القرآن، إلا قوله تعالى: ﴿ لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ  ﴾ من سورة الأنبياء، فقد قرأها كباقي القراء الذين فتحوا الياءَ وضمُّوا الزايَ في كل القرآن.

انظر: "السبعة" 219، و"القراءات"، للأزهري 1/ 131، و"الحجة" للفارسي 3/ 99.

(٢) انظر: "تهذيب اللغة" 1/ 807 (حزن)، و"المقاييس" 2/ 54 (حزن)، و"تفسير الثعلبي" 3/ 158 أ، و"ما جاء على فعلت وأفعلت" للجواليقي 34.

قال ابن دريد: (و (حَزَنني الأمر)، و (أحْزَنَنِي)، لغتان فصيحتان، أجازهما أبو زيد وغيره.

وقال الأصمعي: لا أعرف إلا حزنني يحزنني، والرجل (محزون) و (حزين)، ولم يقولوا: (مُحْزَن).

"الجمهرة" 1/ 529.

وفي "الصحاح" للجوهري، ينقل عن اليزيدي قوله: (حزَنه)، لغة قريش، و (أحْزَنَه) لغة تميم.

5/ 2098 (حزن) (٣) لم أقف على هذا المصدر.

(٤) ورد القول التالي -مع اختلاف يسير- في: "تهذيب اللغة": 1/ 807 (حزن)، من قول أبي عمرو، برواية يونس عنه، وليس من قول الليث بن المظفر، فالمؤلف ينقل هنا عن "العين" للخليل وينسب الكلام لابن المظفر.

وانظر هذا المعنى في "العين" للخليل 3/ 160 (حزن).

(٥) في (ج): (يقول).

(٦) (وهو حازن): لم ترد في "تهذيب اللغة".

(٧) في "التهذيب": (وأنا مُحْزَن)، وكلا الكلمتين واردتان في اللغة.

انظر: "اللسان" 2/ 851 (حزن).

(٨) في "الكتاب" 4/ 57.

(٩) لم أقف على هذا المصدر، ولم أعثر في ترجمة أبي زيد فيما رجعت إلي من مصادر على كتابٍ له بهذا الاسم.

انظر: "معجم الأدباء" 3/ 378.

والخُبَأة -في اللغة-: هي المرأة التي تلزم بيتها، وتستتر.

والتي تَطَّلِع ثم تختبئ.

انظر: "اللسان" 2/ 1085 (خبأ).

وكأن الكتاب في الكلمة الغريبة المهمة، وهو ما يتناسب مع المعنى اللغوي له.

وقد يكون الاسم محرفًا عن كتاب آخر له، يحتمل رسمُ اسمِهِ التحريفَ في الخط، وهو: كتاب (حِيلَة ومَحالة)؛ حيث أن رسم (حيلة) قريب من (خبأة)، فحصل فيه التحريف.

والله أعلم.

انظر: المصدر السابق.

ومعنى (حيلة) و (مَحالة): الحِذْق وجودة النظر، والقدرة على التصرف.

انظر: "القاموس" ص 989 (حول).

(١٠) انظر: "كتاب سيبويه" 4/ 56.

(١١) في (ب): (تعيين).

(١٢) قوله، في: "تهذيب اللغة" 1/ 807 (حزن).

نقله عنه بتصرف.

(١٣) في (ب): (صيروا).

(١٤) ما بين المعقوفين في (أ)، (ب)، (ج): (حزنه) والمثبت هو الصواب.

وقد جاء في "التهذيب": (..

ويقولون: يَحْزُنُهُ.

فإذا قالوا أفْعَلَهُ الله؛ فهو بالألف).

وهو يتناسب مع ذكره المؤلف بعده من استعمال الماضي من الرباعي.

(١٥) في "تهذيب اللغة" 1/ 807 (حزن).

نقله عنه بتصرف.

وانظر: قريبًا من عبارة الأزهري هذه في كتابه: "القراءات" 131.

(١٦) في "الكتاب" له 4/ 56.

نقله عنه بتصرف واختصار يسيرين.

(١٧) ما بين المعقوفين زيادة من (ج).

وهي في المصادر السابقة.

(١٨) في (ب): (أي جعلت).

ولم أثبت (أي)؛ لأنها لم ترد في بقية النسخ، ولا في مصادر النص.

(١٩) ضبطت في "كتاب سيبويه": (حِدَةٍ).

وقد ورد النص في كتاب "الحجة" للفارسي 3/ 100، وضبطت فيه كالتالي: (حَدِّه) كما هي مثبتة أعلاه.

(٢٠) في (ج): (لم) بدون واو.

(٢١) هكذا ضُبِطت -هنا- بكسر التاء، وكذا عند الفارسي في "الحجة".

وضَبطت في (كتاب سيبويه): (فَتَنَ) -بفتح التاء-.

وأكثر مصادر اللغة التي رجعت إليها لم تشر إلى (فَتِن) بالكسر، وإنما ذَكَرَتْها بفتح التاء، إلا ما وجدته في "تهذيب اللغة" 3/ 2739 (فتن) ، حيث نقل عن أبي زيد قوله: (فَتِنَ الرجلُ، يفْتَنُ، فُتُونًا: إذا وقع في الفتنة، أو تحول من حال حسنة إلى حال سيئة).

(٢٢) قوله في "كتاب سيبويه" 4/ 57.

نقله عنه بمعناه.

(٢٣) في (ج): (شتر) مهملة من النقط والشكل.

وهذا جاءت في بعدها مهملة من النقط والشكل.

والشَّتْرُ: القطع.

و (شَتَرَ ثَوْبَه): مزَّقه.

و (الشَّتَرُ): الانقطاع، وانقلابٌ في جَفْنِ العين، وانشقاقُهُ، وانشقاقُ الشَّفَةِ السفلى.

يقال: (شَترت عينهُ شَتَرًا)، و (شَتَرها يشْتُرُها شَتْرا)، و (أشْتَرها وشَتَّرها)، و (شَتِرَ يَشْتَر شَتَرًا).

انظر (شتر) في: "اللسان" 4/ 2193، و"القاموس" 413.

(٢٤) في (ج): (فزع) -مهملة من النقط ولاشكل-.

وكذا التي بعدها.

(٢٥) ما بين المعقوفين زيادة من: كتاب سيبويه.

(٢٦) لم أقف على مصدر قوله.

وقد ورد هذا القول عن الكلبي.

انظر: "بحر العلوم" 1/ 317.

وورد عن مجاهد، وابن إسحاق: أنهم المنافقون.

انظر: "تفسير مجاهد" 1/ 139، و"تفسير الطبري" 4/ 185.

(٢٧) المُظاهَرَةُ: المُعَاوَنَة.

و (ظاهَرَ فلانٌ فلانًا): عاوَنَه.

انظر: "اللسان" 5/ 2768 (ظهر).

(٢٨) قوله في: "تفسير الثعلبي" 3/ 158 أ، و"زاد المسير" 1/ 508.

(٢٩) في (ج): (نصر).

(٣٠) في (ج): (نهى).

(٣١) ما بين المعقوفين زيادة من (ج) (٣٢) لم أقف على مصدر قوله.

وقد ذكره ابن الجوزي في "الزاد" 1/ 508.

(٣٣) إنَّ الله -تعالى- خالق الخير والشر، ولكنَّ الشرَّ في بعض مخلوقاته، وليس في خلق الله وفعله؛ لأن خلقَ الله وفعلَه، وقضاءَهُ وقَدَرَه، خيرٌ كلُّه؛ لأنه -تعالى- وضع الأمور في مواضعها، وذلك هو الخير والعدل، أما الشر؛ فهو: وضع الأمور في غير مواضعها، وذلك هو الظُّلْم، واللهُ مُنَزّهٌ عن الظلم.

فأفعاله كلها تدور بين العدل والفضل والحكمة والمصلحة، ولا تخرج عن ذلك، فالله -تعالى- لا ينسب إليه الشرُّ، بل ينسب إليه الخير، وإنما صار الشرُّ شرًا، لانقطاع نسبته واضافته إلى الله تعالى، وفي الحديث: (..

والخير كله في يديك، والشر ليس إليك ..).

أخرجه النسائي في "السنن" 2/ 130 كتاب الصلاة.

باب: الدعاء بين التكبيرة والقراءة.

فلو أضيف إليه، لم يكن شرًّا.

انظر: "شفاء العليل" لابن القيم 179.

وقال: (فإن قلت: لِمَ خَلَقَه وهو شر؟

قلت: خَلْقُهُ له وفِعْلُه، خيرٌ لا شرٌّ، فإن الخلق والفعل قائمٌ به -سبحانه-، والشر يستحيل قيامه به واتصافه به.

وما كان في المخلوق من شر، فلعدم إضافته ونسبته إليه، والفعل والخَلْق يضاف إليه، فكان خيرًا، والذي شاءه كله خير، والذي لم يشأ وجوده بقي على العدم الأصلي، وهو الشر، فإن الشر كلَّه عَدَمٌ، وإنْ سبّبَه جهل وهو: عدم العِلْم، وظلمٌ وهو: عدم العدل.

وما يترتب على ذلك من الآلام فهو من عدم استعداد المحل، وقبوله لأسباب الخيرات واللذات) 181 المصدر السابق، وانظر: "شرح العقيدة الطحاوية" (453) وما بعدها.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.6 / 29.5
الإضاءة 31%
البدر بعد 9 يوم
الحمد لله