الآية ١٧٦ من سورة آل عمران

الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ١٧٦ من سورة آل عمران

وَلَا يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلْكُفْرِ ۚ إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّوا۟ ٱللَّهَ شَيْـًۭٔا ۗ يُرِيدُ ٱللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّۭا فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ١٧٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 100 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٧٦ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٧٦ من سورة آل عمران عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم : ( ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر ) وذلك من شدة حرصه على الناس كان يحزنه مبادرة الكفار إلى المخالفة والعناد والشقاق ، فقال تعالى : ولا يحزنك ذلك ( إنهم لن يضروا الله شيئا يريد الله ألا يجعل لهم حظا في الآخرة ) أي : حكمته فيهم أنه يريد بمشيئته وقدرته ألا يجعل لهم نصيبا في الآخرة ( ولهم عذاب عظيم ) .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه: ولا يحزنك، يا محمد كفر الذين يسارعون في الكفر مرتدِّين على أعقابهم من أهل النفاق، (16) فإنهم لن يضروا الله بمسارعتهم في الكفر شيئًا، وكما أنّ مسارعتهم لو سارعوا إلى الإيمان لم تكن بنافعته، (17) كذلك مسارعتهم إلى الكفر غير ضارَّته.

كما:- 8262 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: " ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر "، يعني: أنهم المنافقون.

(18) 8263 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر "، أي: المنافقون.

(19) * * * القول في تأويل قوله : يُرِيدُ اللَّهُ أَلا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (176) قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: يريد الله أن لا يجعل لهؤلاء الذين يسارعون في الكفر، نصيبًا في ثواب الآخرة، فلذلك خذلهم فسارعوا فيه.

ثم أخبر أنهم مع حرمانهم ما حرموا من ثواب الآخرة، لهم عذاب عظيم في الآخرة، وذلك عذابُ النار.

وقال ابن إسحاق في ذلك بما:- 8264 - حدثني ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " يريد الله أن لا يجعل لهم حظًّا في الآخرة "، أن يُحبط أعمالهم.

(20) ---------------------- الهوامش : (16) انظر تفسير"سارع" فيما سلف 7: 130 ، 207.

(17) في المطبوعة والمخطوطة: "كما أن مسارعتهم" بغير واو ، والصواب إثبات الواو.

(18) في المطبوعة: "هم المنافقون" ، وأثبت ما في المخطوطة ، ولو قرئت المخطوطة: "فهم المنافقون" ، لكان أجود.

(19) الأثر: 8263 - سيرة ابن هشام 3: 128 ، وهو تتمة الآثار التي آخرها: 8259.

(20) الأثر: 8264 - ليس في سيرة ابن هشام.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر إنهم لن يضروا الله شيئا يريد الله ألا يجعل لهم حظا في الآخرة ولهم عذاب عظيمقوله تعالى : ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر هؤلاء قوم أسلموا ثم ارتدوا خوفا من المشركين ; فاغتم النبي - صلى الله عليه وسلم - فأنزل الله عز وجل : ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر .

وقال الكلبي : يعني به المنافقين ورؤساء اليهود ; كتموا صفة النبي - صلى الله عليه وسلم - في الكتاب [ ص: 267 ] فنزلت .

ويقال : إن أهل الكتاب لما لم يؤمنوا شق ذلك على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ; لأن الناس ينظرون إليهم ويقولون إنهم أهل كتاب ; فلو كان قوله حقا لاتبعوه ، فنزلت ولا يحزنك .

قراءة نافع بضم الياء وكسر الزاي حيث وقع إلا في - الأنبياء - لا يحزنهم الفزع الأكبر فإنه بفتح الياء وبضم الزاي .

وضده أبو جعفر .

وقرأ ابن محيصن كلها بضم الياء وكسر الزاي .

والباقون كلها بفتح الياء وضم الزاي .

وهما لغتان : حزنني الأمر يحزنني ، وأحزنني أيضا وهي لغة قليلة ; والأولى أفصح اللغتين ; قاله النحاس .

وقال الشاعر في أحزن :مضى صحبي وأحزنني الدياروقراءة العامة يسارعون .

وقرأ طلحة " يسرعون في الكفر " .

قال الضحاك : هم كفار قريش .

وقال غيره : هم المنافقون .

وقيل : هو ما ذكرناه قبل .

وقيل : هو عام في جميع الكفار .

ومسارعتهم في الكفر المظاهرة على محمد - صلى الله عليه وسلم - .

قال القشيري : والحزن على كفر الكافر طاعة ; ولكن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يفرط في الحزن على كفر قومه ، فنهي عن ذلك ; كما قال : فلا تذهب نفسك عليهم حسرات وقال : فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا .إنهم لن يضروا الله شيئا أي لا ينقصون من ملك الله وسلطانه شيئا ; يعني لا ينقص بكفرهم .

وكما روي عنأبي ذر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما روى عن الله تبارك وتعالى أنه قال : يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا .

يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم .

يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم .

يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم .

يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفروني أغفر لكم .

يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني .

يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا .

يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد ما نقص ذلك من ملكي شيئا .

يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر .

يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا [ ص: 268 ] نفسه .

خرجه مسلم في صحيحه والترمذي وغيرهما ، وهو حديث عظيم فيه طول يكتب كله .

وقيل : معنى لن يضروا الله شيئا أي لن يضروا أولياء الله حين تركوا نصرهم إذ كان الله عز وجل ناصرهم .قوله تعالى : يريد الله ألا يجعل لهم حظا في الآخرة ولهم عذاب عظيم أي نصيبا .

والحظ النصيب والجد .

يقال : فلان أحظ من فلان ، وهو محظوظ .

وجمع الحظ أحاظ على غير قياس .

قالأبو زيد : يقال رجل حظيظ ، أي جديد إذا كان ذا حظ من الرزق .

وحظظت في الأمر أحظ .

وربما جمع الحظ أحظا .

أي لا يجعل لهم نصيبا في الجنة .

وهو نص في أن الخير والشر بإرادة الله تعالى .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

كان النبي صلى الله عليه وسلم حريصا على الخلق، مجتهدا في هدايتهم، وكان يحزن إذا لم يهتدوا، قال الله تعالى: { ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر } من شدة رغبتهم فيه، وحرصهم عليه { إنهم لن يضروا الله شيئا } فالله ناصر دينه، ومؤيد رسوله، ومنفذ أمره من دونهم، فلا تبالهم ولا تحفل بهم، إنما يضرون ويسعون في ضرر أنفسهم، بفوات الإيمان في الدنيا، وحصول العذاب الأليم في الأخرى، من هوانهم على الله وسقوطهم من عينه، وإرادته أن لا يجعل لهم نصيبا في الآخرة من ثوابه.

خذلهم فلم يوفقهم لما وفق له أولياءه ومن أراد به خيرا، عدلا منه وحكمة، لعلمه بأنهم غير زاكين على الهدى، ولا قابلين للرشاد، لفساد أخلاقهم وسوء قصدهم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل : ( ولا يحزنك ) قرأ نافع " يحزنك " بضم الياء وكسر الزاي ، وكذلك جميع القرآن إلا قوله ( لا يحزنهم الفزع الأكبر ) ضده أبو جعفر وهما لغتان : حزن يحزن وأحزن يحزن إلا أن اللغة الغالبة حزن يحزن ، ( الذين يسارعون في الكفر ) قال الضحاك : هم كفار قريش وقال غيره : هم المنافقون يسارعون في الكفر بمظاهرة الكفار .

( إنهم لن يضروا الله شيئا ) بمسارعتهم في الكفر ، ( يريد الله ألا يجعل لهم حظا في الآخرة ) نصيبا في ثواب الآخرة ، فلذلك خذلهم حتى سارعوا في الكفر ، ( ولهم عذاب عظيم )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ولا يُحْزِنْكَ» بضم الياء وكسر الزاي وبفتحها وضم الزاي من أحزنه «الذين يسارعون في الكفر» يقعون فيه سريعا بنصرته وهم أهل مكة أو المنافقون أي لا تهتم لكفرهم «إنَّهمُ لن يضروا الله شيئا» بفعلهم وإنما يضرون أنفسهم «يريد الله ألا يجعل لهم حظّا» نصيبا «في الآخرة» أي الجنة فلذلك خذلهم الله «ولهم عذاب عظيم» في النار.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

لا يُدْخِل الحزنَ إلى قلبك -أيها الرسول- هؤلاء الكفارُ بمسارعتهم في الجحود والضلال، إنهم بذلك لن يضروا الله، إنما يضرون أنفسهم بحرمانها حلاوة الإيمان وعظيم الثواب، يريد الله ألا يجعل لهم ثوابًا في الآخرة؛ لأنهم انصرفوا عن دعوة الحق، ولهم عذاب شديد.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

الخطاب فى قوله - تعالى - { وَلاَ يَحْزُنكَ الذين يُسَارِعُونَ فِي الكفر } للنبى صلى الله عليه وسلم والمقصود منه تسليته وإدخال الطمأنينة على قلبهن حتى لا يتأثر بما يراه من كفر الكافرين ، ونفاق المنافقين ، وفسق الفاسقين .أى : لا يحزنك ولا يُثِر فى نفسك الحسرات يا محمد ، حال أولئك القوم الذين { يُسَارِعُونَ فِي الكفر } أى يتوغلون فيه ، ويتعجلون فى إظهاره وتأييده والعمل به عند سنوح الفرص ، ويقعون فيه سريعا من تريث أو تدبر أو تفكير والمقصود بالنهى عن الحزن ، النهى عن الاسترسلا فيه وفى الأسباب التى تؤدى إليه ، كأن يظن صلى الله عليه وسلم أن كثرة الضالين ستؤدى إلى انتصارهم على المؤمنين .وقد أشار إلى ذلك صاحب الكشاف فقال : { يُسَارِعُونَ فِي الكفر } يقعون فيه سريعا ، ويرغبون فيه أشد رغبة .

وهم الذين نافقوا من المتخلفين .

وقيل : هم قوم ارتدوا عن الإسلام .

فإن قلت : فما معنى قوله { وَلاَ يَحْزُنكَ } ومن حق الرسول أن يحزن لنفاق من نافق وارتداد من ارتد؟

قلت : معناه : لا يحزنوك لخوف أن يضروك ويعينوا عليك " .ولتضمن المسارعة معنى الوقوع تعدت بحرف " فى " دون حرف " إلى " الشائع تعديتها بها كما فى قوله - تعالى - { وسارعوا إلى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ } وقوله { إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ الله شَيْئاً } تعليل للنهى عن أن يحزنه تسارعهم فى الكفر أى : لا يحزنك يا محمد حال هؤلاء المارقين الذين يسارعون فى الكفر وينتقلون فيه من دركة إلى دركة أقبح من سابقتها ، فإنهم مهما تمادوا فى كفرهم وضلالهم ومحاولتهم إضلال غيرهم ، فإنهم لن يضروا دين الله أو أولياءه بشىء من الضرر حتى ولو كان ضرراً يسيراً .ففى الكلام حذف مضاف والتقدير إنهم لن يضروا أولياء الله شيئا .وفى هذا الحذف تشريف للمؤمنين الصادقين ، وإشعار بأن مضارتهم بمنزلة مضارته - سبحانه - وفى الحديث القدسى : " من عادى لى وليا فقد آذنته بحرب " .ولقد كان النبى صلى الله عليه وسلم بمقتضى طبيعته البشرية ، وغيرته على دين الله - تعالى - يحزن لإعراض المعرضين عن الحق الذى جاء به ، ولقد حكى القرآن ذلك فى كثير من آياته ، ومنه قوله - تعالى - { فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ الله عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ } وقوله - تعالى - { فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ على آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بهذا الحديث أَسَفاً } فأراد - سبحانه - فى هذه الآية الكريمة وأمثالها أن يزيل من نفس رسوله صلى الله عليه وسلم هذا الحزن الذى نتج عن كفر الكافرين ، وأن يطمئنه إلى أن العاقبة ستكون له ولأتباعه المؤمنين الصادقين .وقوله { يُرِيدُ الله أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظّاً فِي الآخرة } استئناف لبيان جزائهم على كفرهم فى الآخرة ، بعد أن بين - سبحانه - عدم إضرارهم لأوليائه فى الدنيا .أى : لا ينبغى لك يا محمد أن تحزن لمسارعة هؤلاء الضالين فى الكفر ، فإنهم لن يضروا أوليائى بشىء من الضرر ، ولأن كفرهم ليس مراغمة لله حتى تحزن ، وإنما هو بإرادته ، لأنه أراد ألا يكون لهم حظ أو نصيب من الخير فى الآخرة بسبب استحبابهم العمى على الهدى ، ولهم مع هذا الحرمان من الخير فى الآخرة { عَذَابٌ عَظِيمٌ } لا يعلم مقدار آلامه وشدته إلا الله تعالى .قال صاحب الكشاف : " فإن قلت : هلا قيل : لا يجعل الله لهم حظا فى الآخرة ، وأى فائدة فى ذكر الإرادة؟

قلت : فائدته الإشعار بأن الداعى إلى حرمانهم وتعذيبهم قد خلص خلوصا لم يبق معه صارف قط حين سارعوا فى الكفر ، تنبيها على تماديهم فى الطغيان وبلوغهم الغاية فيه ، حتى إن أرحم الراحمين يريد أن لا يرحمهم " .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

فيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ نافع ﴿ يَحْزُنكَ ﴾ بضم الياء وكسر الزاي، وكذلك في جميع ما في القرآن إلا قوله: ﴿ لاَ يَحْزُنُهُمُ الفزع الأكبر  ﴾ في سورة الأنبياء، فانه فتح الياء وضم الزاي، والباقون كلهم بفتح الياء وضم الزاي.

قال الأزهري: اللغة الجيدة: حزنه يحزنه على ما قرأ به أكثر القراء، وحجة نافع أنهما لغتان يقال: حزن يحزن كنصر ينصر، وأحزن يحزن كأكرم يكرم لغتان.

المسألة الثانية: اختلفوا في سبب نزول الآية على وجوه: الأول: أنها نزلت في كفار قريش، والله تعالى جعل رسوله آمنا من شرهم، والمعنى: لا يحزنك من يسارع في الكفر بأن يقصد جمع العساكر لمحاربتك، فانهم بهذا الصنيع إنما يضرون أنفسهم ولا يضرون الله، ولا بد من حمل ذلك على أنهم لن يضروا النبي وأصحابه من المؤمنين شيئا، واذا حمل على ذلك فلابد من حمله على ضرر مخصوص، لأن من المشهور أنهم بعد ذلك ألحقوا أنواعا من الضرر بالنبي عليه الصلاة والسلام، والأولى أن يكون ذلك محمولا على أن مقصودهم من جمع العساكر إبطال هذا الدين وإزالة هذه الشريعة، وهذا المقصود لا يحصل لهم، بل يضمحل أمرهم وتزول شوكتهم، ويعظم أمرك ويعلو شأنك.

الثاني: أنها نزلت في المنافقين، ومسارعتهم هي أنهم كانوا يخوفون المؤمنين بسبب وقعة أحد ويؤيسونهم من النصرة والظفر، أو بسبب أنهم كانوا يقولون إن محمداً طالب ملك، فتارة يكون الأمر له، وتارة عليه، ولو كان رسولا من عند الله ما غلب، وهذا كان ينفر المسلمين عن الاسلام، فكان الرسول يحزن بسببه.

قال بعضهم: إن قوما من الكفار أسلموا ثم ارتدوا خوفا من قريش فوقع الغم في قلب الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك السبب، فانه عليه السلام ظن أنهم بسبب تلك الردة يلحقون به مضرة.

فبين الله أن ردتهم لا تؤثر في لحوق ضرر بك قال القاضي: ويمكن أن يقوي هذا الوجه بأمور: الأول: أن المستمر على الكفر لا يوصف بانه يسارع في الكفر، وإنما يوصف بذلك من يكفر بعد الايمان.

الثاني: أن إرادته تعالى أن لا يجعل لهم حظاً في الآخرة لا يليق إلا بمن قد آمن، فاستوجب ذلك، ثم أحبط.

الثالث: أن الحزن إنما يكون على فوات أمر مقصود، فلما قدر النبي صلى الله عليه وسلم الانتفاع بايمانهم، ثم كفروا حزن صلى الله عليه وسلم عند ذلك لفوات التكثير بهم، فآمنه الله من ذلك وعرفه أن وجود إيمانهم كعدمه في أن أحواله لا تتغير.

القول الرابع: أن المراد رؤساء اليهود: كعب بن الأشرف وأصحابه الذين كتموا صفة محمد صلى الله عليه وسلم لمتاع الدنيا.

قال القفال رحمه الله: ولا يبعد حمل الآية على جميع أصناف الكفار بدليل قوله تعالى: ﴿ يأَيُّهَا الرسول لاَ يَحْزُنكَ الذين يُسَارِعُونَ فِي الكفر  ﴾ إلى قوله: ﴿ وَمِنَ الذين هِادُواْ  ﴾ فدلت هذه الآية على أن حزنه كان حاصلا من كل هؤلاء الكفار.

المسألة الثالثة: في الآية سؤال: وهو أن الحزن على كفر الكافر ومعصية العاصي طاعة، فكيف نهى الله عن الطاعة؟

والجواب من وجهين: الأول: أنه كان يفرط ويسرف في الحزن على كفر قومه حتى كاد يؤدي ذلك إلى لحوق الضرر به، فنهاه الله تعالى عن الاسراف فيه ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حسرات  ﴾ الثاني: أن المعنى لا يحزنوك بخوف أن يضروك ويعينوا عليك، ألا ترى إلى قوله: ﴿ إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ الله شَيْئاً ﴾ يعني أنهم لا يضرون بمسارعتهم في الكفر غير أنفسهم، ولا يعود وبال ذلك على غيرهم ألبتة.

ثم قال: ﴿ إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ الله شَيْئاً ﴾ والمعنى أنهم لن يضروا النبي وأصحابه شيئاً، وقال عطاء: يريد: لن يضروا أولياء الله شيئاً.

ثم قال تعالى: ﴿ يُرِيدُ الله أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظّاً فِي الأخرة ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: أنه رد على المعتزلة، وتنصيص على أن الخير والشر بارادة الله تعالى، قال القاضي: المراد أنه يريد الاخبار بذلك والحكم به.

واعلم أن هذا الجواب ضعيف من وجهين: الأول: أنه عدول عن الظاهر، والثاني: بتقدير أن يكون الأمر كما قال، لكن الاتيان بضد ما أخبر الله عنه وحكم به محال فيعود الاشكال.

المسألة الثانية: قالت المعتزلة: الارادة لا تتعلق بالعدم، وقال أصحابنا ذلك جائز، والآية دالة على قول أصحابنا لأنه قال: ﴿ يُرِيدُ الله أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظّاً فِي الأخرة ﴾ فبين أن إرادته متعلقة بهذا العدم.

قالت المعتزلة: المعنى أنه تعالى ما أراد ذلك كما قال: ﴿ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العسر  ﴾ قلنا: هذا عدول عن الظاهر.

المسألة الثالثة: الآية تدل على أن النكرة في موضع النفي تعم، إذ لو لم يحصل العموم لم يحصل تهديد الكفار بهذه الآية ثم قال: ﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ ﴾ وهذا كلام مبتدأ والمعنى أنه كما لاحظ لهم البتة من منافع الآخرة فلهم الحظ العظيم من مضار الآخرة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ يسارعون فِي الكفر ﴾ يقعون فيه سريعاً ويرغبون فيه أشدّ رغبة، وهم الذين نافقوا من المتخلفين.

وقيل: هم قوم ارتدّوا عن الإسلام.

فإن قلت: فما معنى قوله: ﴿ وَلاَ يَحْزُنكَ ﴾ ؟

ومن حق الرسول أن يحزن لنفاق من نافق وارتداد من ارتدّ؟

قلت: معناه لا يحزنوك لخوف أن يضرّوك ويعينوا عليك.

ألا ترى إلى قوله ﴿ إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ الله شَيْئاً ﴾ يعني أنهم لا يضرون بمسارعتهم في الكفر غير أنفسهم، وما وبال ذلك عائداً على غيرهم.

ثم بين كيف يعود وباله عليهم بقوله: ﴿ يُرِيدُ الله أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظّاً فِي الاخرة ﴾ أي نصيباً من الثواب ﴿ وَلَهُمْ ﴾ بدل الثواب ﴿ عَذَابٌ عظِيمٌ ﴾ وذلك أبلغ ما ضرّ به الإنسان نفسه.

فإن قلت: هلا قيل: لا يجعل الله لهم حظاً في الآخرة، وأيّ فائدة في ذكر الإرادة؟

قلت: فائدته الإشعار بأنّ الداعي إلى حرمانهم وتعذيبهم قد خلص خلوصاً لم يبق معه صارف قط حين سارعوا في الكفر، تنبيهاً على تماديهم في الطغيان وبلوغهم الغاية فيه، حتى أنّ أرحم الراحمين يريد أن لا يرحمهم ﴿ إِنَّ الذين اشتروا الكفر بالإيمان ﴾ إمّا أن يكون تكريراً لذكرهم للتأكيد والتسجيل عليهم بما أضاف إليهم.

وإمّا أن يكون عاماً للكفار، والأوّل خاصاً فيمن نافق من المتخلفين، أو ارتدّ عن الإسلام أو على العكس.

و ﴿ شَيْئاً ﴾ نصب على المصدر؛ لأن المعنى: شيئاً من الضرر وبعض الضرر ﴿ الذين كَفَرُواْ ﴾ فيمن قرأ بالتاء نصب و ﴿ أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرٌ لاِنفُسِهِمْ ﴾ بدل منه: أي ولا تحسبنّ أنّ ما نملي للكافرين خير لهم، و (إن) مع ما في حيزه ينوب عن المفعولين، كقوله: ﴿ أم تحسب أنّ أكثرهم يسمعون ﴾ [الفرقان: 44] وما مصدرية، بمعنى: ولا تحسبنّ أنّ إملاءنا خير، وكان حقها في قياس علم الخط أن تكتب مفصولة.

ولكنها وقعت في الإمام متصلة فلا يخالف، وتتبع سنة الإمام في خط المصاحف.

فإن قلت: كيف صحّ مجيء البدل ولم يذكر إلا أحد المفعولين، ولا يجوز الاقتصار بفعل الحسبان على مفعول واحد؟

قلت: صحّ ذلك من حيث إنّ التعويل على البدل والمبدل منه في حكم المنحى، ألا تراك تقول: جعلت متاعك بعضه فوق بعض، مع امتناع سكوتك على متاعك.

ويجوز أن يقدّر مضاف محذوف على: ولا تحسبنّ الذين كفروا أصحاب أن الإملاء خير لأنفسهم.

أو ولا تحسبنّ حال الذين كفروا أن الإملاء خير لأنفسهم.

وهو فيمن قرأ بالياء رفع، والفعل متعلق بأن وما في حيزه.

والإملاء لهم: تخليتهم وشأنهم، مستعار من أملى لفرسه إذا أرخى له الطول ليرعى كيف شاء.

وقيل: هو إمهالهم وإطالة عمرهم.

والمعنى: ولا تحسبنّ أن الإملاء خير لهم من منعهم أو قطع آجالهم ﴿ إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ ﴾ (ما) هذه حقها أن تكتب متصلة، لأنها كافة دون الأولى، وهذه جملة مستأنفة تعليل للجملة قبلها، كأنه قيل: ما بالهم لا يحسبون الإملاء خيراً لهم، فقيل: إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً.

فإن قلت: كيف جاز أن يكون ازدياد الإثم غرضاً لله تعالى في إملائه لهم؟

قلت: هو علة للإملاء، وما كل علة بغرض.

ألا تراك تقول: قعدت عن الغزو للعجز والفاقة، وخرجت من البلد لمخافة الشر، وليس شيء منها بغرض لك.

وإنما هي علل وأسباب، فكذلك ازدياد الإثم جعل علة للإمهال وسبباً فيه.

فإن قلت: كيف يكون ازدياد الإثم علة للإملاء كما كان العجز علة للقعود عن الحرب؟

قلت: لما كان في علم الله المحيط بكل شيء أنهم مزدادون إثماً، فكأن الإملاء وقع من أجله وبسببه على طريق المجاز.

وقرأ يحيى بن وثاب بكسر الأولى وفتح الثانية.

ولا يحسبنّ بالياء، على معنى: ولا يحسبنّ الذين كفروا أن إملاءنا لازدياد الإثم كما يفعلون، وإنما هو ليتوبوا ويدخلوا في الإيمان.

وقوله: ﴿ أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرٌ لاِنفُسِهِمْ ﴾ اعتراض بين الفعل ومعموله.

ومعناه: أن إملاءنا خير لأنفسهم إن عملوا فيه وعرفوا إنعام الله عليهم بتفسيح المدّة وترك المعاجلة بالعقوبة.

فإن قلت: فما معنى قوله: ﴿ وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ ﴾ على هذه القراءة؟

قلت: معناه: ولا تحسبوا إن إملاءنا لزيادة الإثم وللتعذيب، والواو للحال، كأنه قيل: ليزداودا إثماً معداً لهم عذاب مهين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ ﴾ يَقَعُونَ فِيهِ سَرِيعًا حِرْصًا عَلَيْهِ، وهُمُ المُنافِقُونَ مِنَ المُتَخَلِّفِينَ، أوْ قَوْمٌ ارْتَدُّوا عَنِ الإسْلامِ.

والمَعْنى لا يَحْزُنُكَ خَوْفُ أنْ يَضُرُّوكَ ويُعِينُوا عَلَيْكَ لِقَوْلِهِ: ﴿ إنَّهم لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا ﴾ أيْ لَنْ يَضُرُّوا أوْلِياءَ اللَّهِ شَيْئًا بِمُسارَعَتِهِمْ في الكُفْرِ، وإنَّما يَضُرُّونَ بِها أنْفُسَهم.

وشَيْئًا يَحْتَمِلُ المَفْعُولَ والمَصْدَرَ وقَرَأ نافِعٌ يُحْزِنْكَ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ حَيْثُ وقَعَ ما خَلا قَوْلَهُ في الأنْبِياءِ لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ، فَإنَّهُ فَتَحَ الياءَ وضَمَّ الزّايَ فِيهِ والباقُونَ كَذَلِكَ في الكُلِّ.

﴿ يُرِيدُ اللَّهُ ألا يَجْعَلَ لَهم حَظًّا في الآخِرَةِ ﴾ نَصِيبًا مِنَ الثَّوابِ في الآخِرَةِ، وهو يَدُلُّ عَلى تَمادِي طُغْيانِهِمْ ومَوْتِهِمْ عَلى الكُفْرِ، وفي ذِكْرِ الإرادَةِ إشْعارٌ بِأنَّ كُفْرَهم بَلَغَ الغايَةَ حَتّى أرادَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ أنْ لا يَكُونَ لَهم حَظٌّ مِن رَحْمَتِهِ، وإنَّ مُسارَعَتَهم في الكُفْرِ لِأنَّهُ تَعالى لَمْ يُرِدْ أنْ يَكُونَ لَهم حَظٌّ في الآخِرَةِ.

﴿ وَلَهم عَذابٌ عَظِيمٌ ﴾ مَعَ الحِرْمانِ عَنِ الثَّوابِ.

﴿ إنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الكُفْرَ بِالإيمانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ، أوْ تَعْمِيمٌ لِلْكَفَرَةِ بَعْدَ تَخْصِيصِ مَن نافَقَ مِنَ المُتَخَلِّفِينَ، أوِ ارْتَدَّ مِنَ العَرَبِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَلاَ يَحْزُنكَ} يحزنك في كل القرآن نافع إلا فى سورة الأنبياء لا يحزنهم الفراغ الأكبر {الذين يسارعون في الكفر} يعنى لا يحزنونك لخوف أن يضروك ألا ترى إلى قوله {إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ الله شَيْئاً} أي أولياء الله يعني أنهم لا يضرون بمسارعتهم في الكفر غير أنفسهم وما وبال ذلك عائداً على غيرهم ثم بين كيف يعود وباله عليهم بقوله {يُرِيدُ الله أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظّاً فِى الآخرة} أي نصيباً من الثواب {وَلَهُمْ} بدل الثواب {عَذَابٌ عظِيمٌ} وذلك أبلغ ما ضر به الإنسان نفسه والآية تدل على إرادة الكفر

ومعاصي لأن إرادته أن لا يكون لهم ثواب في الآخرة لا تكون بدون إرادة كفرهم ومعاصيهم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ولا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ ﴾ خِطابٌ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وتَوْجِيهُهُ إلَيْهِ تَشْرِيفًا لَهُ بِالتَّسْلِيَةِ، مَعَ الإيذانِ بِأنَّهُ الرَّئِيسُ المُعْتَنى بِشُئُونِهِ، والمُرادُ مِنَ المَوْصُولِ: إمّا المُنافِقُونَ المُتَخَلِّفُونَ وإلَيْهِ ذَهَبَ مُجاهِدٌ وابْنُ إسْحاقَ، وإمّا قَوْمٌ مِنَ العَرَبِ ارْتَدُّوا عَنِ الإسْلامِ؛ لِمُقارَبَةِ عَبَدَةِ الأوْثانِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ، وإمّا سائِرُ الكُفّارِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الحَسَنُ، وإمّا المُنافِقُونَ وطائِفَةٌ مِنَ اليَهُودِ حَسْبَما عُيِّنَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنّا بِأفْواهِهِمْ ولَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهم ومِنَ الَّذِينَ هادُوا ﴾ ، وإلَيْهِ ذَهَبَ بَعْضُهم، ومَعْنى ( يُسارِعُونَ في الكُفْرِ ) يَقَعُونَ فِيهِ سَرِيعًا لِغايَةِ حِرْصِهِمْ عَلَيْهِ، وشَدَّةِ رَغْبَتِهِمْ فِيهِ؛ ولِتَضَمُّنِ المُسارَعَةِ مَعْنى الوُقُوعِ تَعَدَّتْ ”بِفِي“ دُونَ ”إلى“، الشّائِعُ تَعْدِيَتُها بِها كَما في ﴿ وسارِعُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكم وجَنَّةٍ ﴾ وغَيْرِهِ وأُوثِرَ ذَلِكَ؛ قِيلَ: لِلْإشْعارِ بِاسْتِقْرارِهِمْ في الكُفْرِ، ودَوامِ مُلابَسَتِهِمْ لَهُ في مَبْدَأِ المُسارَعَةِ ومُنْتَهاها، كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ ﴾ في حَقِّ المُؤْمِنِينَ، وأمّا إيثارُ كَلِمَةِ ”إلى“ في آيَتِها؛ فَلِأنَّ المَغْفِرَةَ والجَنَّةَ مُنْتَهى المُسارِعَةِ وغايَتُها، والمَوْصُولُ فاعِلُ (يَحْزُنُكَ)، ولَيْسَتِ الصِّلَةُ عِلَّةً لِعَدَمِ الحُزْنِ، كَما هو المَعْهُودُ في مِثْلِهِ؛ لِأنَّ الحُزْنَ مِنَ الوُقُوعِ في الكُفْرِ هو الأمْرُ اللّائِقُ؛ لِأنَّهُ قَبِيحٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، يَجِبُ أنْ يَحْزَنَ مِن مُشاهَدَتِهِ، فَلا يَصِحُّ النَّهْيُ عَنِ الحُزْنِ مِن ذَلِكَ، بَلِ العِلَّةُ هُنا ما يَتَرَتَّبُ عَلى تِلْكَ المُسارَعَةِ مِن مُراغَمَةِ المُؤْمِنِينَ، وإيصالِ المَضَرَّةِ إلَيْهِمْ، إلّا أنَّهُ عَبَّرَ بِذَلِكَ مُبالَغَةً في النَّهْيِ.

والمُرادُ: لا يَحْزُنُكَ خَوْفُ أنْ يَضُرُّوكَ، ويُعِينُوا عَلَيْكَ، ويَدُلَّ عَلى ذَلِكَ إيلاءُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّهم لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا ﴾ رَدًّا وإنْكارًا لِظَنِّ الخَوْفِ، والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، والمُرادُ أوْلِياءُ اللَّهِ؛ مَثَلًا لِلْقَرِينَةِ العَقْلِيَّةِ عَلَيْهِ، وفي حَذْفِ ذَلِكَ، وتَعْلِيقِ نَفْيِ الضَّرَرِ بِهِ تَعالى تَشْرِيفٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، وإيذانٌ بِأنَّ مُضارَّتَهم بِمَنزِلَةِ مُضارَّتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وفي ذَلِكَ مَزِيدُ مُبالَغَةٍ في التَّسْلِيَةِ.

( وشَيْئًا ) في مَوْضِعِ المَصْدَرِ أيْ: لَنْ يَضُرُّوهُ ضَرَرًا ما، وقِيلَ: مَفْعُولٌ بِواسِطَةِ حَرْفِ الجَرِّ، أيْ: لَنْ يَضُرُّوهُ بِشَيْءٍ ما أصْلًا، وتَأْوِيلُ يَضُرُّوا بِما يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ إلى مَفْعُولَيْنِ مِمّا لا داعِيَ إلَيْهِ، ولَعَلَّ المَقامَ يَدْعُو إلى خِلافِهِ، وقَرَأ نافِعٌ يُحْزِنُ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ في جَمِيعِ القُرْآنِ، إلّا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ ﴾ فَإنَّهُ فَتَحَها، وضَمَّ الزّايَ، وقَرَأ الباقُونَ كَما قَرَأ نافِعٌ في المُسْتَثْنى، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ عَكْسَ ما قَرَأ نافِعٌ، والماضِي عَلى قِراءَةِ الفَتْحِ حَزِنَ، وعَلى قِراءَةِ الضَّمِّ مِن أحْزَنَ، ومَعْناهُما واحِدٌ إلّا أنَّ حَزَنَ لُغَةٌ قَلِيلَةٌ، وقِيلَ: حَزَنْتُهُ بِمَعْنى أحْدَثْتُ لَهُ حُزْنًا، وأحْزَنْتُهُ بِمَعْنى عَرَّضْتُهُ لِلْحُزْنِ، وقالَ الخَلِيلُ: خَزَنْتُهُ بِمَعْنى جَعَلْتُ فِيهِ حُزْنًا، كَدَهَنْتُهُ بِمَعْنى: جَعَلْتُ فِيهِ دُهْنًا وأحْزَنْتُهُ بِمَعْنى جَعَلْتُهُ حَزِينًا، وقُرِئَ: (يُسْرِعُونَ) بِغَيْرِ ألْفٍ مِن أسْرَعِ، ويُسارِعُونَ بِالإمالَةِ والتَّفْخِيمِ.

﴿ يُرِيدُ اللَّهُ ألا يَجْعَلَ لَهم حَظًّا في الآخِرَةِ ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ المُوجِبِ لِمُسارَعَتِهِمْ، كَأنَّهُ قِيلَ: لِمَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ مَعَ أنَّهم لا يَنْتَفِعُونَ بِهِ ؟

فَأُجِيبَ بِأنَّهُ تَعالى يُرِيدُ أنْ لا يَجْعَلَ لَهم نَصِيبًا ما مِنَ الثَّوابِ في الآخِرَةِ، فَهو يُرِيدُ ذَلِكَ مِنهم، فَكَيْفَ لا يُسارِعُونَ ؟

وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الكُفْرَ بِإرادَةِ اللَّهِ تَعالى، وإنْ عاقَبَ فاعِلَهُ وذَمَّهُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ لِسُوءِ اسْتِعْدادِهِ المُقْتَضِي إفاضَةَ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ في ذِكْرِ الإرادَةِ إيذانًا بِكَمالِ خُلُوصِ الدّاعِي إلى حِرْمانِهِمْ وتَعْذِيبِهِمْ، حَيْثُ تَعَلَّقَتْ بِهِما إرادَةُ أرْحَمِ الرّاحِمِينَ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى مَذْهَبِ الِاعْتِزالِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ كَما لا يَخْفى؛ لِأنَّهُ لَمْ يَقُلْ: لَمْ يُرِدْ كُفْرَهم، ولا رَمَزَ إلَيْهِ، وصِيغَةُ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى دَوامِ الإرادَةِ واسْتِمَرارِها، ويَرْجِعُ إلى دَوامِ واسْتِمَرارِ مَنشَأِ هَذا المُرادِ، وهو الكُفْرُ، فَفِيهِ إشارَةٌ إلى بَقائِهِمْ عَلى الكُفْرِ حَتّى يُهْلَكُوا فِيهِ، ولَهم مَعَ هَذا الحِرْمانِ مِنَ الثَّوابِ بِالكُلِّيَّةِ عَذابٌ عَظِيمٌ، لا يُقَدَّرُ قَدْرُهُ.

نُقِلَ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ لَمّا دَلَّتِ المُسارَعَةُ في الشَّيْءِ عَلى عِظَمِ شَأْنِهِ، وجَلالَةِ قَدْرِهِ عِنْدَ المُسارِعِ وصِفَ عَذابُهُ بِالعِظَمِ؛ رِعايَةً لِلْمُناسَبَةِ، وتَنْبِيهًا عَلى حَقارَةِ ما سارَعُوا فِيهِ وخَساسَتِهِ في نَفْسِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ لَمّا دَلَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهم لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا ﴾ عَلى عِظَمِ قَدْرِ مَن قَصَدُوا إضْرارَهُ وُصِفَ العَذابُ بِالعِظَمِ؛ إيذانًا بِأنَّ قَصْدَ إضْرارِ العَظِيمِ أمْرٌ عَظِيمٌ، يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ العَذابُ العَظِيمُ، والجُمْلَةُ إمّا حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ”لَهُمْ“ أيْ: يُرِيدُ اللَّهُ تَعالى حِرْمانَهم مِنَ الثَّوابِ مُعَدًّا لَهم عَذابٌ عَظِيمٌ، وإمّا مُبْتَدَأةً لِحَظِّهِمْ مِنَ العَذابِ إثْرَ بَيانِ أنْ لا شَيْءَ لَهم مِنَ الثَّوابِ.

وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ؛ لِلنَّهْيِ السّابِقِ، وأنَّ المَعْنى: ولا يَحْزُنُكَ أنَّهم يُسارِعُونَ في إعْلاءِ الكُفْرِ وهَدْمِ الإسْلامِ لا خَوْفًا عَلى الإسْلامِ ولا تَرَحُّمًا عَلَيْهِمْ، أمّا الأوَّلُ فَلِأنَّهم لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا، فَلا يَقْدِرُونَ عَلى هَدْمِ دِينِهِ الَّذِي يُرِيدُ إعْلاءَهُ، وحِينَئِذٍ لا حاجَةَ إلى إرادَةِ أوْلِياءِ اللَّهِ، وأمّا الثّانِي فَلِأنَّهُ يُرِيدُ اللَّهُ أنْ لا يَجْعَلَ لَهم حَظًّا في الآخِرَةِ، ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ.

وأسْتَأْنِسُ لَهُ بِأنَّهُ كَثِيرًا ما وقَعَ نَهْيُ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنْ إيقاعِهِ نَفْسِهِ الكَرِيمَةِ في المَشَقَّةِ لِهِدايَتِهِمْ وعَنْ كَوْنِهِ ضَيِّقَ الصَّدْرِ لِكُفْرِهِمْ، وخُوطِبَ بِأنَّهُ: ( ما عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ )، ولَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ، ولا يَخْلُو عَنْ بُعْدٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ قال الكلبي: يعني به المنافقين ورؤساء اليهود، كتموا صفة محمد  في الكتاب فنزل: وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ.

ويقال: إن أهل الكتاب لما لم يؤمنوا، شقّ ذلك على رسول الله  ، لأن الناس ينظرون إليهم ويقولون: إنهم أهل الكتاب، فلو كان قوله حقاً لا تبعوه.

فنزلت هذه الآية.

ويقال: نزلت في مشركي قريش، لأنهم كانوا أقرباءه، والناس يقولون: لو كان قوله حقا لا تبعه أقرباؤه، فشق ذلك عليه فنزلت وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ أي يبادرون في الكفر ولا يصدقونك إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً أي لا ينقصوا من ملك الله شيئاً وسلطانه شيئاً بكفرهم وهذا كما روى أبو ذر الغفاري عن رسول الله  أنه قال: «قَالَ الله لو أن أولكم وآخركم وجنكم وإنسكم كانوا على أتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ مِنْكُمْ، مَا زَادَ ذلك فِي مُلْكِ الله شَيْئاً وَلَوْ كَانَ أوَّلُكُمْ وَآخِرُكُمْ وَجِنُّكُمْ وَإنْسُكُمْ كَانُوا عَلَى أفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ مِنْكُمْ، مَا نَقَصَ مِنْ مُلْكِ الله جَنَاحَ بَعُوضَةٍ» .

ثم قال تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ أي نصيباً في الجنة وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ في الآخرة.

قرأ نافع: ولا يُحْزِنْك بضم الياء وكسر الزاي، وكذلك ما كان نحو هذا في جميع القرآن إلا في قوله تعالى: لاَ يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ [الأنبياء: 103] وقرأ الباقون بنصب الياء وضم الزاي، وهما لغتان وتفسيرهما واحد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وأصحابه حِينَ حَمَّلَهُمْ أبُو سُفْيَانَ ذلكَ، «فالنَّاسُ» الأوَّلُ هُمُ الرَّكْبُ، و «النَّاسُ» الثَّانِي عَسْكَر قُرَيْش هذا قول/ الجمهورِ، وهو الصوابُ، وقولُ مَنْ قال: إن الآية نزلَتْ في خروجِ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم إلى بدر الصّغرى لميعاد أبي سفيان، وإِنَّ النَّاسَ هنا هو نُعيْمُ بْنُ مسعودٍ- قولٌ ضعيفٌ، وعن ابنِ عَبَّاسٍ أنه قال: «حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ» قَالَهَا إبْرَاهِيمُ- عليه السلام-، حين ألقى في النّار، وقالها محمّد صلّى الله عليه وسلّم حِينَ قَالُوا: إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، رواه مسلم.

والبخاريّ «١» .

انتهى.

وقوله سبحانه: إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ ...

الآية: إشارة إلى جميع ما جرى من أخبار الرَّكْب عن رسالة أبِي سُفْيَان، ومِنْ جَزَعِ مَنْ جَزِعَ من الخَبَر.

وقرأ الجمهورُ «٢» : «يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ» ، قالَ قوم: معناه: يخوِّف المنافقينَ، ومَنْ في قلبه مرضٌ، وحكى أبو الفَتْحِ بْنُ جِنِّي «٣» ، عن ابن عَبَّاس أنه قرأ «يُخَوِّفُكُمْ أَوْلِيَاءَهُ» ، فهذه قراءةٌ ظهر فيها المفعولانِ، وهي مفسِّرة لقراءة الجَمَاعة، وفي قراءة أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ:

«يُخَوِّفُكُمْ بِأَوْلِيَائِهِ» ، وفِي كتاب «القَصْد إلى اللَّه تعالى» للمحاسِبِيِّ «٤» ، قال: وكلما عَظُمَتْ هيبةُ اللَّه عزَّ وجلَّ في صدورِ الأولياء، لم يهابوا معه غيره حياءً منه عزَّ وجلّ أن يخافوا معه سواه.

انتهى.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ ﴾ قَرَأ نافِعٌ "يَحْزُنَكَ" "لِيَحْزُنَنِي" و"لِيُحْزِنَ" بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ في جَمِيعِ القُرْآَنِ، إلّا في (الأنْبِياءِ) لا (يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ) [ الأنْبِياءِ: ١٠٣ ]، فَإنَّهُ فَتَحَ الياءَ، وضَمَّ الزّايَ.

وقَرَأ الباقُونَ كُلَّ ما في القُرْآَنِ بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الزّايِ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: يُشْبِهُ أنْ يَكُونَ نافِعٌ تَبِعَ في سُورَةِ (الأنْبِياءِ) أثَرًا، أوْ أحَبَّ أنْ يَأْخُذَ بِالوَجْهَيْنِ.

وفي الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُمُ المُنافِقُونَ، ورُؤَساءُ اليَهُودِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: المُنافِقُونَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: كُفّارُ قُرَيْشٍ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والرّابِعُ: قَوْمٌ ارْتَدُّوا عَنِ الإسْلامِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

وَقِيلَ: مَعْنى مُسارَعَتِهِمْ في الكُفْرِ: مُظاهَرَتُهم لِلْكُفّارِ، ونَصْرُهم إيّاهم.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ لا يُحْزِنُهُ المُسارَعَةُ في الكُفْرِ؟

فالجَوابُ: لا يَحْزُنْكَ فِعْلُهم، فَإنَّكَ مَنصُورٌ عَلَيْهِمْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهم لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: لَنْ يُنْقِصُوا اللَّهَ شَيْئًا بِكُفْرِهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: لَنْ يَضُرُّوا أوْلِياءَ اللَّهِ شَيْئًا، قالَهُ عَطاءٌ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: والحَظُّ: النَّصِيبُ، والآَخِرَةُ: الجَنَّةُ.

﴿ وَلَهم عَذابٌ عَظِيمٌ ﴾ في النّارِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّما ذَلِكُمُ الشَيْطانُ يُخَوِّفُ أولِياءَهُ فَلا تَخافُوهم وخافُونِ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ إنَّهم لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللهَ ألا يَجْعَلَ لَهم حَظًّا في الآخِرَةِ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ ﴾ ﴿ إنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الكُفْرَ بِالإيمانِ لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئًا ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ مُقْتَضى "إنَّما" في اللُغَةِ الحَصْرُ، هَذا مَنزَعُ المُتَكَلِّمِ بِها مِنَ العَرَبِ.

ثُمَّ إذا نُظِرَ عَقْلًا- وهَذا هو نَظَرُ الأُصُولِيِّينَ- فَهي تَصْلُحُ لِلْحَصْرِ ولِلتَّأْكِيدِ الَّذِي يُسْتَعارُ لَهُ لَفْظُ الحَصْرِ، وهي في هَذِهِ الآيَةِ حاصِرَةٌ، والإشارَةُ بِـ "ذَلِكُمُ" إلى جَمِيعِ ما جَرى مِن أخْبارِ الرَكْبِ العَبْدِيِّينَ، عن رِسالَةِ أبِي سُفْيانَ، ومِن تَحْمِيلِ أبِي سُفْيانَ ذَلِكَ الكَلامَ، ومِن جَزَعِ مَن جَزِعَ مِن ذَلِكَ الخَبَرِ مِن مُؤْمِنٍ أو مُتَرَدِّدٍ.

و"ذَلِكُمُ" في الإعْرابِ ابْتِداءٌ، و"الشَيْطانُ" مُبْتَدَأٌ آخَرُ، و"يُخَوِّفُ أولِياءَهُ" خَبَرٌ عَنِ الشَيْطانِ، والجُمْلَةُ خَبَرُ الِابْتِداءِ الأوَّلِ، وهَذا الإعْرابُ خَيْرٌ في تَناسُقِ المَعْنى مِن أنْ يَكُونَ "الشَيْطانُ" خَبَرَ "ذَلِكُمُ" لِأنَّهُ يَجِيءُ في المَعْنى اسْتِعارَةً بَعِيدَةً، و"يُخَوِّفُ" فِعْلٌ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، لَكِنْ يَجُوزُ الِاقْتِصارُ عَلى أحَدِهِما إذِ الآخَرُ مَفْهُومٌ مِن بِنْيَةِ هَذا الفِعْلِ، لِأنَّكَ إذا قُلْتَ: خَوَّفْتُ زَيْدًا، فَمَعْلُومٌ ضَرُورَةً أنَّكَ خَوَّفْتَهُ شَيْئًا حَقُّهُ أنْ يُخافَ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "يُخَوِّفُ أولِياءَهُ" فَقالَ قَوْمٌ المَعْنى: يُخَوِّفُكم أيُّها المُؤْمِنُونَ أولِياءَهُ الَّذِينَ هم كُفّارُ قُرَيْشٍ، فَحُذِفَ المَفْعُولُ الأوَّلُ، وقالَ قَوْمٌ: المَعْنى يُخَوِّفُ المُنافِقِينَ ومَن في قَلْبِهِ مَرَضٌ، وهم أولِياؤُهُ، فَإذًا لا يَعْمَلُ فِيكم أيُّها المُؤْمِنُونَ تَخْوِيفُهُ، إذْ لَسْتُمْ بِأولِيائِهِ، والمَعْنى: يُخَوِّفُهم كُفّارَ قُرَيْشٍ، فَحُذِفَ هُنا المَفْعُولُ الثانِي واقْتُصِرَ عَلى الأوَّلِ.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ فِيما حَكى أبُو عَمْرٍو الدانِي: "يُخَوِّفُكم أولِياؤُهُ" المَعْنى: يُخَوِّفُكم قُرَيْشٌ ومَن مَعَهُمْ، وذَلِكَ بِإضْلالِ الشَيْطانِ لَهُمْ، وذَلِكَ كُلُّهُ مُضْمَحِلٌّ، وبِذَلِكَ قَرَأ النَخْعِيُّ.

وحَكى أبُو الفَتْحِ بْنُ جِنِّيٍّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قَرَأ: "يُخَوِّفُكم أولِياءَهُ" فَهَذِهِ قِراءَةٌ ظَهَرَ فِيها المَفْعُولانِ، وفَسَّرَتْ قِراءَةَ الجَماعَةِ: "يُخَوِّفُ أولِياءَهُ" وفي قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "يُخَوِّفُكم بِأولِيائِهِ".

والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "فَلا تَخافُوهُمْ" لِكُفّارِ قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ مِن أولِياءِ الشَيْطانِ، حَقَّرَ اللهُ شَأْنَهم وقَوّى نُفُوسَ المُؤْمِنِينَ عَلَيْهِمْ، وأمَرَهم بِخَوْفِهِ هو تَعالى وامْتِثالِ أمْرِهِ مِنَ الصَبْرِ والجَلَدِ، ثُمَّ قَرَّرَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ كَما تَقُولُ: إنْ كُنْتَ رَجُلًا فافْعَلْ كَذا.

وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ "يُحْزِنْكَ" بِضَمِّ الياءِ مِن أحْزَنَ، وكَذَلِكَ قَرَأ في جَمِيعِ القُرْآنِ، إلّا في سُورَةِ الأنْبِياءِ: "لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ" فَإنَّهُ فَتَحَ الياءَ، وقَرَأ الباقُونَ: "يَحْزُنْكَ" بِفَتْحِ الياءِ، مِن قَوْلِكَ: حَزَنْتُ الرَجُلَ.

قالَ سِيبَوَيْهِ: يُقالُ حَزِنَ الرَجُلُ وفُتِنَ إذا أصابَهُ الحُزْنُ والفِتْنَةُ.

وحَزَنْتُهُ وفَتَنْتُهُ، إذا جَعَلْتُ فِيهِ وعِنْدَهُ حُزْنًا وفِتْنَةً، كَما تَقُولُ: دَهَنْتُ وكَحَّلْتُ، إذا جَعَلْتَ دُهْنًا وكُحْلًا، وأحْزَنْتُهُ وأفْتَنْتُهُ إذا جَعَلْتَهُ حَزِينًا وفاتِنًا، كَما تَقُولُ أدْخَلْتُهُ وأسْمَعْتُهُ، هَذا مَعْنى قَوْلِ سِيبَوَيْهِ.

والمُسارَعَةُ في الكُفْرِ هي المُبادَرَةُ إلى أقْوالِهِ وأفْعالِهِ والجِدُّ في ذَلِكَ.

وقَرَأ الحُرُّ النَحْوِيُّ "يُسْرِعُونَ" في كُلِّ القُرْآنِ، وقِراءَةُ الجَماعَةِ أبْلَغُ، لِأنَّ مَن يُسارِعُ غَيْرَهُ أشَدُّ اجْتِهادًا مِنَ الَّذِي يُسْرِعُ وحْدَهُ، ولِذَلِكَ قالُوا: "كُلُّ مُجْرٍ بِالخَلاءِ يُسَرُّ".

وسَلّى اللهُ نَبِيَّهُ بِهَذِهِ الآيَةِ عن حالِ المُنافِقِينَ والمُجاهِدِينَ إذْ كُلُّهم مُسارِعٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهم لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئًا ﴾ خَبَرٌ في ضِمْنِهِ وعِيدٌ لَهم أيْ: إنَّما يَضُرُّونَ أنْفُسَهم.

والحَظُّ إذا لَمْ يُقَيَّدْ فَإنَّما يُسْتَعْمَلُ في الخَيْرِ، ألا تَرى قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وَما يُلَقّاها إلا الَّذِينَ صَبَرُوا وما يُلَقّاها إلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ  ﴾ .

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا ﴾ أطْلَقَ عَلَيْهِمُ الشِراءَ مِن حَيْثُ كانُوا مُتَمَكِّنِينَ مِن قَبُولِ هَذا وهَذا فَجاءَ أخْذُهم لِلْواحِدِ وتَرْكُهم لِلْآخَرِ كَأنَّهُ تَرْكٌ لِما قَدْ أُخِذَ وحُصِّلَ، إذْ كانُوا مُمَكَّنِينَ مِنهُ، ولِمالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ مُتَعَلَّقٌ بِهَذِهِ الآيَةِ في مَسْألَةِ شِراءِ ما تَخْتَلِفُ آحادُ جِنْسِهِ مِمّا لا يَجُوزُ التَفاضُلُ فِيهِ، في أنَّ مَنعَ الشِراءِ عَلى أنْ يَخْتارَ المُبْتاعُ، وباقِي الآيَةِ وعِيدٌ كالمُتَقَدِّمِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

نهي للرسول عن أن يحزن من فعل قوم يحرصون على الكفر أي على أعماله ومعنى ﴿ يسارعون في الكفر ﴾ يتوغّلون فيه ويَعجَلون إلى إظهاره وتأييده والعمل به عند سنوح الفرص، ويحرصون على إلقائه في نفوس الناس، فعبّر عن هذا المعنى بقوله: ﴿ يسارعون ﴾ ، فقيل: ذلك من التضمين ضمّن يسارعون معنى يقعون، فعدّي بفي، وهي طريقة «الكشاف» وشروحه، وعندي أنّ هذا استعارة تمثيلية: شبّه حال حرصهم وجدّهم في تفكير الناس وإدخال الشكّ على المؤمنين وتربّصهم الدوائر وانتهازهم الفرص بحال الطالب المسارع الى تحصيل شيء يخشى أن يَفوته وهو متوغّل فيه متلبس به، فلذلك عدّي بفي الدالة على سرعتهم سرعة طالب التمكين، لا طالب الحصول، إذ هو حاصل عندهم ولو عدّي بإلى لفهم منه أنّهم لم يكفروا عند المسارعة.

قيل: هؤلاء هم المنافقون، وقيل: قوم أسلموا ثم خافوا من المشركين فارتدّوا.

وجملة ﴿ إنهم لن يضروا الله شيئاً ﴾ تعليل للنهي عن أن يحزنه تسارعهم الى الكفر بعلّة يوقن بها الرسول عليه الصلاة والسلام.

وموقع إنّ في مثل هذا المقام إفادة التعليل، وإنّ تُغني غناء فاء التسبّب، كما تقدّم غير مرّة.

ونفي ﴿ لن يضروا الله ﴾ مراد به نفي أن يعطّلوا ما أراده إذ قد كان الله وعد الرسول إظهار دينه على الدّين كلّه، وكان سعي المنافقين في تعطيل ذلك، نهي الله رسوله أن يحزن لما يبدو له من اشتداد المنافقين في معاكسة الدعوة، وبيّن له أنّهم لن يستطيعوا إبطال مراد الله، تذكيراً له بأنه وعده بأنّه متمّ نوره.

ووجه الحاجة الى هذا النهي: هو أنّ نفس الرسول، وإن بلغت مرتقى الكمال، لا تعدو أن تعتريها في بعض أوقات الشدّة أحوال النفوس البشرية: من تأثير مظاهر الأسباب، وتوقّع حصول المسبّبات العادية عندها، كما وقع للرسول صلى الله عليه وسلم يوم بدر.

وهو في العريش، وإذا انتفى إضرارهم الله انتفى إضرارهم المؤمنين فيما وعدهم الله.

وقرأ الجمهور: يَحْزُنك بفتح الياء وضمّ الزاي من حَزَنَه إذا أدخل عليه الحزن، وقرأه نَافع بضم الياء وكسر الزاي من أحزنه.

وجملة ﴿ يريد الله ﴾ استئناف لبيان جزائهم على كفرهم في الآخرة، بعد أن بيّن السلامة من كيدهم في الدنيا والمعنى: أنّ الله خذلهم وسلبهم التوفيق فكانوا مسارعين في الكفر لأنّه أراد أن لا يكون لهم حظّ في الآخرة.

والحظّ: النصيب من شيء نافع.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: هُمُ المُنافِقُونَ وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ وابْنِ إسْحاقَ.

والثّانِي: قَوْمٌ مِنَ العَرَبِ ارْتَدُّوا عَنِ الإسْلامِ.

﴿ إنَّهم لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ ألا يَجْعَلَ لَهم حَظًّا في الآخِرَةِ ﴾ في إرادَتِهِ لِذَلِكَ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنْ يَحْكُمَ بِذَلِكَ.

والثّانِي: مَعْناهُ أنَّهُ سَيُرِيدُ في الآخِرَةِ أنْ يَحْرِمَهم ثَوابَهم لِإحْباطِ إيمانِهِمْ بِكُفْرِهِمْ.

والثّالِثُ: يُرِيدُ أنْ يُحْبِطَ أعْمالَهم بِما اسْتَحَقُّوهُ مِن ذُنُوبِهِمْ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ إسْحاقَ.

﴿ ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ﴾ الطَّيِّبُ المُؤْمِنُونَ، والخَبِيثُ فِيهِ هَهُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما المُنافِقُ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.

والثّانِي: الكافِرُ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ، والسُّدِّيِّ.

واخْتَلَفُوا في الَّذِي وقَعَ بِهِ التَّمْيِيزُ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: بِتَكْلِيفِ الجِهادِ، وهَذا قَوْلُ مَن تَأوَّلَ الخَبِيثَ بِالمُنافِقِ.

والثّانِي: بِالدَّلائِلِ الَّتِي يُسْتَدَلُّ بِها عَلَيْهِمْ وهَذا قَوْلُ مَن تَأوَّلَهُ لِلْكافِرِ.

﴿ وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكم عَلى الغَيْبِ ﴾ قِيلَ: إنَّ سَبَبَ نُزُولِ هَذا «أنَّ قَوْمًا مِنَ المُشْرِكِينَ قالُوا: إنْ كانَ مُحَمَّدٌ صادِقًا فَلْيُخْبِرْنا مَن يُؤْمِنُ ومَن لا يُؤْمِنُ؟

فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

» قالَ السُّدِّيُّ: ما أطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ عَلى الغَيْبِ، ولَكِنَّهُ اجْتَباهُ فَجَعَلَهُ رَسُولًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هو خَيْرًا لَهم بَلْ هو شَرٌّ لَهُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ أحَدُهُما: أنَّهم مانِعُو الزَّكاةِ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.

والثّانِي: أنَّهم أهْلُ الكِتابِ وبَخِلُوا أنْ يُبَيِّنُوا لِلنّاسِ ما في كُتُبِهِمْ مِن نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ  ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: ألَمْ تَسْمَعْ أنَّهُ قالَ: ﴿ يَبْخَلُونَ ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ ﴾ ، أيْ يَكْتُمُونَ ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِالكِتْمانِ.

﴿ سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الَّذِي يُطَوَّقُونَهُ شُجاعٌ أقْرَعُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ.

والثّانِي: أنَّهُ طَوْقٌ مِنَ النّارِ، وهَذا قَوْلُ إبْراهِيمَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر ﴾ قال: هم المنافقون.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن ﴿ ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر ﴾ قال: هم الكفار.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ إن الذين اشتروا الكفر بالإِيمان ﴾ قال: هم المنافقون.

والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ ﴾ .

أكثر القُرّاءِ على ﴿ يَحْزُنْكَ ﴾ -مِنَ الثلاثي-.

وقرأ نافع: ﴿ يَحْزُنْكَ ﴾ -بضمِّ الياء- (١) واختلف أهل اللغة في هذا: فقال قومٌ: (حَزَنَ، وأحْزَنَ)، بمعنى واحد (٢) قال الزّجاج -في باب الوفاق- (٣) و (أمرٌ حازِنٌ ومُحزِنٌ).

وقال ابن المُظَفَّر (٤) (٥) (٦) (٧) وحكى -أيضًا- سيبويه (٨) وحكى أبو زيد -في كتاب (خُبَأة) (٩) وقال الخليل (١٠) (١١) وروى أبو عُبَيد، عن أبي زيد، قال (١٢) (١٣) (١٤) يستعمل الماضي مِنَ الرُّبَاعي، والمضارع مِنَ الثلاثي.

وهذا شاذٌّ؛ لأنه استعمل (أحزَنَ)، وأهمل (يُحْزِن)، واستعمل (يَحْزُنُ)، وأهمل (حَزَنَ).

فمن قرأ بقراءة العامَّة، فَحُجَّته: أنه أشهر اللغَتَيْنِ، وأكثرهما استعمالًا.

قال الأزهري (١٥) وحجّة نافع: قولُ مَن زَعم أنهما لُغَتَان، وما حكاه سيبويه (١٦) (١٧) كما تقول: (كحَلْتُهُ)؛ أي: جعلت فيه كُحْلًا، و (دَهَنْته)؛ جعلت (١٨) (١٩) (٢٠) (٢١) وهذا الذي حكاهُ، حُجَّةُ نافع؛ لأنه أرادَ تغيير (حَزِنَ)، فنقله بالهمز.

قال الخليل (٢٢) (٢٣) (٢٤) (٢٥) وأراد بـ ﴿ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ ﴾ : المنافقين، وقُرَيْظَة والنّضير -في قول ابن عباس- (٢٦) ومعنى مسارعتهم في الكفر: مُظَاهَرَتُهُم (٢٧)  .

وتأويله: يُسارِعُون في نُصْرةِ الكفر.

وقال الضَّحَّاكُ (٢٨) فإذا قيل: معنى قوله: ﴿ وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ ﴾ : لا تحزن لِكفرِهم.

والحزن على كفر الكافر، ومعصيةِ العاصي، طاعةٌ، فكيف نهى عنهُ؟.

قيل: إنما نهى عنه النبيَّ  ، لأنه كان يُفرطُ وُيسْرِفُ في الحُزْنِ على كُفْر قومِهِ، حتى كان يؤدّي ذلك إلى أن يَضُرّ (٢٩) (٣٠) (٣١) ﴿ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ  ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا ﴾ يعنى: أنَّ عائِدَ الوَبَالِ في ذلك عليهم، لا على غيرهم.

وقال عطاء (٣٢) وقوله تعالى: ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ ﴾ يعنى: نصيبًا في المجنة.

وفي هذا رَدٌّ على القَدَرِيّة، وبيان أنَ الخيرَ والشرَّ بإرادة الله -جلَّ وعزَّ- (٣٣) (١) وقد قرأ نافع هذه الآية، وقرأ ﴿ ولِيُحْزِن ﴾ في الآية 10 من سورة المجادلة، و ﴿ ليُحْزِنني ﴾ في الآية 13 من سورة يوسف، بضم الياء وكسر الزاي في كل القرآن، إلا قوله تعالى: ﴿ لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ  ﴾ من سورة الأنبياء، فقد قرأها كباقي القراء الذين فتحوا الياءَ وضمُّوا الزايَ في كل القرآن.

انظر: "السبعة" 219، و"القراءات"، للأزهري 1/ 131، و"الحجة" للفارسي 3/ 99.

(٢) انظر: "تهذيب اللغة" 1/ 807 (حزن)، و"المقاييس" 2/ 54 (حزن)، و"تفسير الثعلبي" 3/ 158 أ، و"ما جاء على فعلت وأفعلت" للجواليقي 34.

قال ابن دريد: (و (حَزَنني الأمر)، و (أحْزَنَنِي)، لغتان فصيحتان، أجازهما أبو زيد وغيره.

وقال الأصمعي: لا أعرف إلا حزنني يحزنني، والرجل (محزون) و (حزين)، ولم يقولوا: (مُحْزَن).

"الجمهرة" 1/ 529.

وفي "الصحاح" للجوهري، ينقل عن اليزيدي قوله: (حزَنه)، لغة قريش، و (أحْزَنَه) لغة تميم.

5/ 2098 (حزن) (٣) لم أقف على هذا المصدر.

(٤) ورد القول التالي -مع اختلاف يسير- في: "تهذيب اللغة": 1/ 807 (حزن)، من قول أبي عمرو، برواية يونس عنه، وليس من قول الليث بن المظفر، فالمؤلف ينقل هنا عن "العين" للخليل وينسب الكلام لابن المظفر.

وانظر هذا المعنى في "العين" للخليل 3/ 160 (حزن).

(٥) في (ج): (يقول).

(٦) (وهو حازن): لم ترد في "تهذيب اللغة".

(٧) في "التهذيب": (وأنا مُحْزَن)، وكلا الكلمتين واردتان في اللغة.

انظر: "اللسان" 2/ 851 (حزن).

(٨) في "الكتاب" 4/ 57.

(٩) لم أقف على هذا المصدر، ولم أعثر في ترجمة أبي زيد فيما رجعت إلي من مصادر على كتابٍ له بهذا الاسم.

انظر: "معجم الأدباء" 3/ 378.

والخُبَأة -في اللغة-: هي المرأة التي تلزم بيتها، وتستتر.

والتي تَطَّلِع ثم تختبئ.

انظر: "اللسان" 2/ 1085 (خبأ).

وكأن الكتاب في الكلمة الغريبة المهمة، وهو ما يتناسب مع المعنى اللغوي له.

وقد يكون الاسم محرفًا عن كتاب آخر له، يحتمل رسمُ اسمِهِ التحريفَ في الخط، وهو: كتاب (حِيلَة ومَحالة)؛ حيث أن رسم (حيلة) قريب من (خبأة)، فحصل فيه التحريف.

والله أعلم.

انظر: المصدر السابق.

ومعنى (حيلة) و (مَحالة): الحِذْق وجودة النظر، والقدرة على التصرف.

انظر: "القاموس" ص 989 (حول).

(١٠) انظر: "كتاب سيبويه" 4/ 56.

(١١) في (ب): (تعيين).

(١٢) قوله، في: "تهذيب اللغة" 1/ 807 (حزن).

نقله عنه بتصرف.

(١٣) في (ب): (صيروا).

(١٤) ما بين المعقوفين في (أ)، (ب)، (ج): (حزنه) والمثبت هو الصواب.

وقد جاء في "التهذيب": (..

ويقولون: يَحْزُنُهُ.

فإذا قالوا أفْعَلَهُ الله؛ فهو بالألف).

وهو يتناسب مع ذكره المؤلف بعده من استعمال الماضي من الرباعي.

(١٥) في "تهذيب اللغة" 1/ 807 (حزن).

نقله عنه بتصرف.

وانظر: قريبًا من عبارة الأزهري هذه في كتابه: "القراءات" 131.

(١٦) في "الكتاب" له 4/ 56.

نقله عنه بتصرف واختصار يسيرين.

(١٧) ما بين المعقوفين زيادة من (ج).

وهي في المصادر السابقة.

(١٨) في (ب): (أي جعلت).

ولم أثبت (أي)؛ لأنها لم ترد في بقية النسخ، ولا في مصادر النص.

(١٩) ضبطت في "كتاب سيبويه": (حِدَةٍ).

وقد ورد النص في كتاب "الحجة" للفارسي 3/ 100، وضبطت فيه كالتالي: (حَدِّه) كما هي مثبتة أعلاه.

(٢٠) في (ج): (لم) بدون واو.

(٢١) هكذا ضُبِطت -هنا- بكسر التاء، وكذا عند الفارسي في "الحجة".

وضَبطت في (كتاب سيبويه): (فَتَنَ) -بفتح التاء-.

وأكثر مصادر اللغة التي رجعت إليها لم تشر إلى (فَتِن) بالكسر، وإنما ذَكَرَتْها بفتح التاء، إلا ما وجدته في "تهذيب اللغة" 3/ 2739 (فتن) ، حيث نقل عن أبي زيد قوله: (فَتِنَ الرجلُ، يفْتَنُ، فُتُونًا: إذا وقع في الفتنة، أو تحول من حال حسنة إلى حال سيئة).

(٢٢) قوله في "كتاب سيبويه" 4/ 57.

نقله عنه بمعناه.

(٢٣) في (ج): (شتر) مهملة من النقط والشكل.

وهذا جاءت في بعدها مهملة من النقط والشكل.

والشَّتْرُ: القطع.

و (شَتَرَ ثَوْبَه): مزَّقه.

و (الشَّتَرُ): الانقطاع، وانقلابٌ في جَفْنِ العين، وانشقاقُهُ، وانشقاقُ الشَّفَةِ السفلى.

يقال: (شَترت عينهُ شَتَرًا)، و (شَتَرها يشْتُرُها شَتْرا)، و (أشْتَرها وشَتَّرها)، و (شَتِرَ يَشْتَر شَتَرًا).

انظر (شتر) في: "اللسان" 4/ 2193، و"القاموس" 413.

(٢٤) في (ج): (فزع) -مهملة من النقط ولاشكل-.

وكذا التي بعدها.

(٢٥) ما بين المعقوفين زيادة من: كتاب سيبويه.

(٢٦) لم أقف على مصدر قوله.

وقد ورد هذا القول عن الكلبي.

انظر: "بحر العلوم" 1/ 317.

وورد عن مجاهد، وابن إسحاق: أنهم المنافقون.

انظر: "تفسير مجاهد" 1/ 139، و"تفسير الطبري" 4/ 185.

(٢٧) المُظاهَرَةُ: المُعَاوَنَة.

و (ظاهَرَ فلانٌ فلانًا): عاوَنَه.

انظر: "اللسان" 5/ 2768 (ظهر).

(٢٨) قوله في: "تفسير الثعلبي" 3/ 158 أ، و"زاد المسير" 1/ 508.

(٢٩) في (ج): (نصر).

(٣٠) في (ج): (نهى).

(٣١) ما بين المعقوفين زيادة من (ج) (٣٢) لم أقف على مصدر قوله.

وقد ذكره ابن الجوزي في "الزاد" 1/ 508.

(٣٣) إنَّ الله -تعالى- خالق الخير والشر، ولكنَّ الشرَّ في بعض مخلوقاته، وليس في خلق الله وفعله؛ لأن خلقَ الله وفعلَه، وقضاءَهُ وقَدَرَه، خيرٌ كلُّه؛ لأنه -تعالى- وضع الأمور في مواضعها، وذلك هو الخير والعدل، أما الشر؛ فهو: وضع الأمور في غير مواضعها، وذلك هو الظُّلْم، واللهُ مُنَزّهٌ عن الظلم.

فأفعاله كلها تدور بين العدل والفضل والحكمة والمصلحة، ولا تخرج عن ذلك، فالله -تعالى- لا ينسب إليه الشرُّ، بل ينسب إليه الخير، وإنما صار الشرُّ شرًا، لانقطاع نسبته واضافته إلى الله تعالى، وفي الحديث: (..

والخير كله في يديك، والشر ليس إليك ..).

أخرجه النسائي في "السنن" 2/ 130 كتاب الصلاة.

باب: الدعاء بين التكبيرة والقراءة.

فلو أضيف إليه، لم يكن شرًّا.

انظر: "شفاء العليل" لابن القيم 179.

وقال: (فإن قلت: لِمَ خَلَقَه وهو شر؟

قلت: خَلْقُهُ له وفِعْلُه، خيرٌ لا شرٌّ، فإن الخلق والفعل قائمٌ به -سبحانه-، والشر يستحيل قيامه به واتصافه به.

وما كان في المخلوق من شر، فلعدم إضافته ونسبته إليه، والفعل والخَلْق يضاف إليه، فكان خيرًا، والذي شاءه كله خير، والذي لم يشأ وجوده بقي على العدم الأصلي، وهو الشر، فإن الشر كلَّه عَدَمٌ، وإنْ سبّبَه جهل وهو: عدم العِلْم، وظلمٌ وهو: عدم العدل.

وما يترتب على ذلك من الآلام فهو من عدم استعداد المحل، وقبوله لأسباب الخيرات واللذات) 181 المصدر السابق، وانظر: "شرح العقيدة الطحاوية" (453) وما بعدها.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَلاَ يَحْزُنكَ ﴾ تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم، وقرئ بفتح الياء وضم الزاي حيث وقع مضارعاً من حزن الثاني، وهو أشهر في اللغة من أحزن ﴿ الذين يسارعون فِي الكفر ﴾ أي يبادرون إلى أقواله وأفعاله وهم المنافقون والكفار ﴿ إِنَّ الذين اشتروا ﴾ الآية: هم المذكورون قبل أو على العموم في جميع الكفار ﴿ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ ﴾ أي نمهلهم أن مفعول يحسبن، وما اسم أن فحقها أن تكتب منفصلة وخير خبر: ﴿ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ ﴾ ما هنا كافة والمعنى ردّ عليهم أي أن الإملاء لهم ليس خيراً لهم إنما هو استدراج ليكتسبوا الإثم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ولا يحزنك ﴾ من الأفعال حيث كان إلا قوله: ﴿ لا يحزنهم الفزع الأكبر  ﴾ نافع ومثله ﴿ ليحزنني  ﴾ و ﴿ ليحزن الذين آمنوا  ﴾ وقرأ يزيد على ضده.

الباقون: بفتح الياء وضم الراء.

ولا خلاف في مثل ﴿ يحزنون  ﴾ و ﴿ لا تحزن  ﴾ مما هو لازم ﴿ ولا يحسبن ﴾ وثلاثة بعدها بالياء التحتانية مع ضم الباء في ﴿ تحسبنهم ﴾ أبو عمرو وابن كثير، وقرأ حمزة كلها بتاء الخطاب، وقرأ أبو جعفر ونافع وابن عامر ويعقوب كلها بالتحتانية إلا قوله: ﴿ فلاتحسبنهم ﴾ فإنها بالتاء وفتح الباء.

الباقون: الأولياء على الغيبة والأخريان بالخطاب.

/ ﴿ يميز ﴾ بالتشديد حيث كان: حمزة وعلي وخلف وسهل ويعقوب عياش مخير.

الباقون: خفيف بفتح الياء وكسر الميم.

﴿ يعملون خبير ﴾ بياء الغيبة: ابن كثير ويعقوب وأبو عمرو ﴿ لقد سمع ﴾ وبابه مدغماً: أبو عمرو وحمزة وعلي وخلف وهشام.

﴿ سيكتب ﴾ بضم الياء وفتح التاء ﴿ وقتلهم ﴾ برفع اللام و ﴿ ويقول ﴾ على الغيبة: حمزة الباقون: بالنون فيهما على التكلم.

ونصب اللام في ﴿ وقتلهم ﴾ ﴿ وبالزبر ﴾ ابن عامر ﴿ وبالكتاب ﴾ الحلواني عن هشام.

الباقون: بغير إعادة الخافض فيهما ﴿ زحزع عن ﴾ مدغماً: شجاع وأبو شعيب من طريق العطار وابن مهران ﴿ ليبيننه ﴾ ﴿ ولا يكتمونه ﴾ بالياء فيهما لأنهم غيب: ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب غير رويس وأبو بكر وحماد.

الباقون: بتاء الخطاب فيهما على حكاية مخاطبتهم.

الوقوف: ﴿ في الكفر ﴾ ج للابتداء بأن ولاحتمال إضمار اللام أو الفاء ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ في الآخرة ﴾ ج لعطف المختلفين مع اتحاج مقصود الكلام ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ شيئاً ﴾ ج لما ذكر ﴿ في الآخرة ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ 5 ﴿ لأنفسهم ﴾ ط ﴿ إثما ﴾ ج لما ذكر أياَ ﴿ مهين ﴾ ه ﴿ من الطيب ﴾ ط ﴿ ورسله ﴾ ط ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ خيراً لهم ﴾ ط ﴿ شراً لهم ﴾ ط ﴿ القيامة ﴾ ط ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ خبير ﴾ ه ﴿ أغنياء ﴾ م لئلا يصير ما بعده من مقولهم، ومن قرأ بضم الياء فوقفه مطلق.

﴿ بغير حق ﴾ ج لمن قرأ ﴿ ويقول ﴾ بالياء لأن التقدير: ويقول الله أو يقول الزبانية فلا ينعطف على قوله: ﴿ سيكتب ﴾ مع اتساق المعنى.

﴿ الحريق ﴾ ه ﴿ للعبيد ﴾ ج ه لاحتمال الصفة وأن يكون المراد هم الذين، والوقف أولى لأنه لا يظلم العبيد ملطقاً لا العبيد الموصوفة.

نعم لو كان بدلاً من الذين قالوا إن الله فقير صح ﴿ تأكله النار ﴾ ط ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ المنير ﴾ ه ﴿ الموت ﴾ ط ﴿ يوم القيامة ﴾ ط لابتداء شرط في أمر معظم.

﴿ فقد فاز ﴾ ط ﴿ الغرور ﴾ ه ﴿ كثيراً ﴾ ط ﴿ الأمور ﴾ ه ﴿ ولا تكتمونه ﴾ ز لأن الجملتين وان اتفقتا لم يكن النبذ متصلاً بأخذ الميثاق فلم يضف إلى ظرف "إذ" ﴿ قليلاً ﴾ ط ﴿ يشترون ﴾ ه ﴿ من العذاب ﴾ ج لما ذكر.

﴿ أليم ﴾ ه {والأ ﴿ ض ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه.

التفسير: نزلت في كفار قريش وإنه  جعل رسوله آمناً من شرهم وأتاح العاقبة له وإن جمعوا الجموع وجهزوا الجيوش حتى يظهر هذا الدين على الأديان كلها، وقيل في المنافقين ومسارعتهم هي أنهم كانوا يخوّفون المؤمنين بسبب واقعة أحد، ويؤيسونهم من النصر والظفر، وربما يقولون: إن محمداً لطالب ملك فتارة يكون الأمر له وتارة يكون عليه، ولو كان رسولاً ما غلبه أحد.

وقيل: إن قوماً من الكفار أسلموا ثم ارتدوا خوفاً من قريش، فاغتم النبي  لذلك فبيّن الله  أن ردتهم لا تؤثر في لحوق ضرر بك.

ونصر بعضهم هذا القول بأن المسارعة وهي شدة الرغبة في الكفر إنما تناسب من كفر بعد الإيمان / المستمر على الكفر، وبأن إرادته أن لا يجعل لهم حظاً في الآخرة إنما تليق بمن آمن فاستوجب الحظ ثم أحبط، وبأن الحزن إنما يكون على فوات أمر مقصود وذلك هو ما قدر النبي  من الانتفاع بإيمانهم أو انتفاعهم بالإيمان فبيّن الله  أنه لا يلحق بسبب فوات ذلك ضرر بالدين، وأن وبال ذلك يعود عليهم كما دل عليه بقية الآية.

فإن قيل: الحزن على كفر الكافر وعلى معصية العاصي طاعة، فكيف نهى نبي الله عن ذلك؟

فالجواب أنه نهي عن الإسراف في الحزن بحيث يأتي عليه ونظيره ﴿ لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين  ﴾ أو المراد لا يحزنوك لخوف أن يضروك ويعينوا عليك ﴿ إنهم لن يضروا الله ﴾ أي دينه ﴿ شيئاً ﴾ من الضرر.

﴿ يريد الله ألا يجعل لهم حظاً في الآخرة ﴾ فيه دليل على أن إرادة الله تتعلق بالعدم، وتنصيص على أن الخير والشر والنفع والضر بإرادة الله، ومعنى قوله: ﴿ ولهم عذاب عظيم ﴾ أنه كما لاحظ لهم من منافع الآخرة فلهم حظ عظيم من مضارها.

وفي الإخبار عن إرادة عدم الجعل دون الإخبار عن عدم الجعل إشعار بأن استحقاقهم للحرمان بلغ إلى حد أراد أرحم الراحمين أن لا يرحمهم وأن الداعي إلى تعذيبهم خلص خلوصاً لم يبق معه صارف ألبتة.

ثم أنزل في اليهود خاصة وهو الأشبه أو في الكفار عامة ﴿ إن الذين اشتروا ﴾ الآية.

والغرض تأكيد تقوية قلب الرسول كأنه قيل: إن أكثرهم ينازعونك في الدين لا لأجل شبهة لهم بل بناء على الحسد والمنازعة في منصب الدنيا.

ومن كان عقله هذا القدر - وهو أن يبيع بالقليل من الدنيا السعادة الكثيرة في الآخرة - كان في غاية الحماقة، ومثله لا يقدر على إلحاق الضرر بالغير.

ولو قيل: إن الآية في المرتدين فالمعنى أن اختيار دين بعد دين ثم الارتداد على العقبين يدل على الاضطراب وضعف الرأي، والإنسان المضطرب الحال لا قدرة له على إيصال الضرر إلى الغير.

ثم بين أن بقاء المنافقين المتخلفين عن الجهاد والكفار الذين بقوا بعد شهداء أحد لا خير فيه فقال: ﴿ ولا يحسبن ﴾ من قرأ بالياء فقوله: ﴿ الذين كفروا ﴾ فاعل، و"أن" مع ما في حيزه ساد مسد مفعوليه.

ومن قرأ بتاء الخطاب فـ ﴿ الذين كفروا ﴾ مفعول أول و"أن" مع ما في حيزه بدل منه.

وصح الإبدال وإن لم يمض إلا أحد المفعولين لأن المبدل في حكم المنحي.

ألا تراك تقول: جعلت متاعك بعضه فوق بعض.

مع امتناع السكوت على متاعك؟

والتقدير: ولا تحسبن الذين كفروا أن إملائي خير لهم على أن "ما" مصدرية.

ويجوز أن يقدر مضافمحذوف أي لا تحسبنهم أصحاب أن الإملاء خير لهم، أو لا تحسبن حال الذين كفروا أن الإملاء خير لأنفسهم.

قال الأصمعي: يقال أملى عليه الزمان أي طال.

وأملى له أي طوّل له وأمهله.

قال أبو عبيدة: ومنه الملا للأرض الواسعة الطويلة، والملوان الليل والنهار.

ويقال: أقمت عنده ملاوة من الدهر أي حيناً وبرهة.

و ﴿ إثماً ﴾ نصب على التمييز.

وفي / وصف العذاب أوّلاً بالعظم ثم بالألم ثم بالإهانة تدرج من الأهون إلى الأشق، وفيه من الوعيد والسخط ما لا يخفى.

قالت الأشاعرة ههنا: إن إطالة المدة من فعل الله لا محالة.

والآية دلت على أنها ليست بخير ففيه دلالة على أنه  فاعل الخير والشر.

وأيضاً إنه نص على أن الغرض من هذا الإملاء، أن يزدادوا إثماً، فإذن الكفر والمعاصي بإرادة الله.

وأيضاً أخبر عنهم أنه لا خير لهم فيه وأنهم لا يحصلون منه إلا على ازدياد الغي والإثم، والإتيان بخلاف خبر الله  محال، فعلمنا أنهم مجبورون على ذلك في صورة مختارين.

أجابت المعتزلة بأن المراد أن هذا الإملاء ليس خيراً من موت الشهداء إذ الآية من تتمة قصة أحد، لا أنه ليس بخير مطلقاً.

وزيف بأن بناء المبالغة لا يجوز ذكره إلا مع المفضل عليه، لكنه لم يذكر فعلمنا أنه لنفي الخيرية لا لنفي كونه خيراً من شيء آخر، وعن الثاني أن ازدياد الإثم علة للإملاء وليس كل علة بغرض كقولك: قعدت عن الغزو للعجز والفاقة.

ومثله ﴿ وجعلو لله أنداداً ليضلوا  ﴾ وهم ما فعلوا ذلك إلا ضلال.

ويقال: ما كانت موعظتي لك إلا للزيادة في تماديك في الغي إذا كانت عاقبة الموعظة ذلك.

ورد بأن حمل اللام على لام العاقبة عدول عن الظاهر، على أنا نعلم بالبرهان أن علمه  بأنهم مزدادون إثماً على تقدير الإمهال علة فاعلية لازديادهم إثماً فكان  فاعلاً للازدياد ومريداً له.

قالوا: في الكلام تقديم وتأخير وترتيبه: لا يحسبن الذين كفروا إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً إنما نملي لهم خير لأنفسهم.

ويعضده قراءة يحيى بن وثاب بكسر "إن" الأولى وفتح الثانية.

وردّ بأن التقديم والتأخير خلاف الأصل، والقراءة الشاذة لا اعتداد بها مع أن الواحدي أنكرها.

ثم إنه  أخبر أنه لا يجوز في حكمته أن يترك المؤمنين على ما هم عليه من اختلاط المخلص بالمنافق، ولكنه يعزل أحد الجنسين عن الآخر بإلقاء الحوادث وإبداء الوقائع كما في قصة أحد.

لله در النائبات فإنها *** صدأ اللئام وصيقل الأحرار فقال: ﴿ ما كان الله ليذر ﴾ اللام لتأكيد النفي والخطاب في ﴿ أنتم ﴾ للمصدقين جميعاً من أهل الإخلاص والنفاق.

خوطبوا بأنه ما كان في حكمة الله أن يترك المخلصين منكم على الحال التي أنتم عليها من اختلاط بعضكم ببعض.

وماز وميَّز لغتان.

مزت الشيء بعضه من بعض أميزه ميزاً، وميّزته تمييزاً.

وفي الحديث " "من ماز أذى عن الطريق فهو له صدقة وحجة " ولفظ الطيب والخبيث وإن كان مفرداً إلا أنه للجنس والمراد جميع / المنافقين من المؤمنين، وإنما قدم الخبيث على الطيب ليقع فعل الميز عليه ليعلم أنه المطرح من الشيئين الملقى لرداءته، فإن الميز يقع على الأدون والأهون.

وبم يحصل هذا الميز؟

قيل: بالمحن والمصائب كالقتل والهزيمة وكما دعاهم النبي  إلى الخروج مع ما بهم من القروح، فبمثل ذلك يظهر الثابت من المتزلزل والساكن من المتقلقل.

وقيل: بإعلاء كلمة الدين وقلة شوكة المخالفين ليظهره على الدين كله.

وقيل: بالوحي إلى نبيه ولهذا أردفه بقوله: ﴿ وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكنّ الله يجتبي ﴾ أي يصطفي ويختار ﴿ من رسله من يشاء ﴾ وبناء الكلام على ثلاث مراتب: الأولى أن هذا المنصب الذي استأثر الله  بعلمه لا يليق بكل منكم، وإنما هو مخصوص بالمصطفين من عيبده.

الثانية أن الرسول أيضاً لا يعلم المغيبات بأن يطلع عليها من تلقاء نفسه وبخاصية فيه، ولكنه إنما يعلم ذلك من طريق الوحي وإطلاع الله  إياه عليه أن هذا مؤمن وذاك منافق.

الثالثة أن هذا أيضاً مختص ببعض الرسل وفي بعض الأوقات حسب مشيئته وإرادته.

﴿ فآمنوا بالله ورسله ﴾ ومن جملة الإيمان بالله أن تعتقدوه وحده علاماً للغيوب، ومن جملة الإيمان بالرسل أن تنزلوهم منازلهم بأن تعلموهم عبيداً مصطفين لا يعلمون من الغيب إلا ما علمهم الله  .

ووجه النظم على القول الأول: لا تظنوا أن هذا التمييز يحصل بأن يطلعكم الله على غيبه ويقول إن فلاناً مؤمن وفلاناً منافق، فإن سنة الله جارية بأنه لا يطلع العوام على غيبه ولا يكون لهم سبيل إلى معرفة الأمور إلا بالامتحان والقرائن المفيدة للظن الغالب، ولكنه يصطفي من رسله من يشاء، فيعلمهم أن هذا مؤمن وذاك منافق ويختارهم للرسالة ووضع التكاليف الشاقة التي بمثلها يتميز الفريقان ويخلص أهل الوفاء من أهل الجفاء.

أو المراد ما كان الله ليطلعكم كلكم عالمين بالغيب من حيث يعلم الرسول حتى تصيروا مستغنين عن الرسول، ولكنه يخص من يشاء بالرسالة ثم يكلف الباقين طاعة هؤلاء الرسل، فآمنوا بالله ورسله كلهم، لأن طريق ثبوت نبوّتهم واحد، فمن أقر بنبوّة واحد منهم لزمه الإقرار بنبوّة كلهم ثم اتبعه الوعد بالثواب فقال: ﴿ وإن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر عظيم ﴾ قال السدي: قال رسول الله  : " "عرضت عليّ أمتي في صورها كما عرضت على آدم وأعلمت من يؤمن بي ومن يكفر " فبلغ ذلك المنافقين فاستهزؤا فقالوا: زعم محمد أنه يعلم من يؤمن به ومن يكفر ونحن معه ولا يعرفنا فأنزل الله ﴿ ما كان الله ليذر المؤمنين ﴾ .

وقال الكلبي: قالت قريش: تزعم يا محمد أن من خالفك فهو في النار والله عليه غضبان، وأن من اتبعك على دينك فهو من أهل الجنة والله عنه راض، فأخبرنا بمن يؤمن بك وبمن لا يؤمن بك فنزلت.

وقال أبو العالية: نزلت حين سأل المؤمنون أن يعطو علامة يفرقون بها بين المؤمن والمنافق.

/ ثم إنه عز من قائل لما بالغ في التحريض على بذل النفس في الجهاد، حرض على بذل المال في سبيل الله فقال: ﴿ ولا تحسبن الذين يبخلون ﴾ من قرأ بتاء الخطاب قدر مضافاً أي لا تحسبن بخل الذين يبخلون هو خيراً لهم، وكذا من قرأ بالياء وجعل فاعله ضمير النبي أو أحد.

ومن جعل الموصول فاعلاً فالمفعول الأول محذوف للدلالة.

التقدير: ولا تحسبن هؤلاء بخلهم هو خيراً وهو صيغة الفصل.

قال الواحدي: جمهور المفسرين على أن هذه الآية نزلت في مانعي الزكاة لترتب الوعيد عليه وسوق الكلام في معرض الذم، ولأن تارك التفضل لو عدّ بخيلاً لم يتخلص الإنسان من البخل إلا بإخراج جميع المال.

وفي حكم الزكاة سائر المصارف الواجبة كالإنفاق على النفس وعلى الأقربين الذين يلزمه مؤنتهم، وعلى المضطر، وفي الذب عن المسلمين إذا قصدهم عدوّ وتعين دفعهم بالمال.

وروى عطية عن ابن عباس أنها نزلت في أحبار اليهود الذين كتموا صفة محمد  ونبوّته.

وأراد بالبخل كتمان العلم الذي آتاهم الله، وعلى هذا يكون عوداً إلى ما انجرّ منه الكلام إلى قصة أحد، وذلك هو شرح أحوال أهل الكتاب ويعضده أن كثيراً من آيات بقية السورة فيهم.

وعلى هذا التفسير فمعنى ﴿ سيطوّقون ﴾ أن الله  يجعل في رقابهم طوقاً من النار كقوله  : " من سئل عن علم يعلمه فكتمه ألجم بلجام من نار" والسر فيه أنهم لم ينطقوا بأفواههم وألسنتهم بما يدل على الحق.

وعلى التفسير الأول فإما أن يكون محمولاً على ظاهره وهو أن يجعل ما بخل به من الزكاة حية يطوّقها في عنقه تنهشه من قرنه إلى قدمه وتنقر رأسه ويقول: أنا مالك.

عن ابن مسعود عن النبي  : " ما من رجل له مال لا يؤدي حق ماله إلا جعل طوقاً في عنقه شجاعاً أقرع يفر منه وهو يتبعه " ثم قرأ مصداقه من كتاب الله عز وجل ﴿ ولا تحسبن الذين يبخلون ﴾ الآية.

وعن ابن عمر قال: قال  : " إن الذي لا يؤدي زكاة ماله يخيل إليه ماله يوم القيامة شجاعاً أقرع له زبيبتان فيلزمه أي يطوّقه يقول: أن كنزك " وأما أن يكون على طريق التمثيل لا على أن ثمة أطواقاً أي سيلزمون إثمه في الآخرة إلزام الطوق.

وفي أمثالهم "يقلدها طوق الحمامة" إذا جاء بهنة يسب بها ويذم.

وقال مجاهد: معناه سيكلفون أن يأتوا بما بخلوا به يوم القيامة.

ونظيره ما روي عن ابن عباس أنه كان يقرأ ﴿ وعلى الذين يطوّقونه فدية  ﴾ قال المفسرون: يكلفونه ولا يطيقونه أي يؤمرون بأداء ما منعوه حتى لا يمكنهم الإتيان به فيكون ذلك توبيخاً على معنى هلا فعلتم ذلك حين كان ممكناً؟

﴿ ولله ميراث السموات والأرض ﴾ وله ما فيهما مما يتوارثه أهلهما من مال وغيره.

فمالهم يبخلون عليه بملكه ولا ينفقونه في سبيله؟

ونظيره قوله: ﴿ وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه  ﴾ وقال كثير من المفسرين: المقصود أنه يبطل ملك جميع المالكين إلا ملك الله فيصير كالميراث.

قال ابن الأنباري: يقال ورث فلان علم فلان إذا تفرد به بعد أن كان مشاركاً له فيه.

ومثله ﴿ وورث سليمان داود  ﴾ أي انفرد بذلك الأمر بعد أن كان داود مشاركاً له فيه أو غالباً عليه ﴿ والله بما تعملون خبير ﴾ من قرأ على الغيبة فظاهر، أي يجازيهم على منعهم الحقوق.

ومن قرأ على الخطاب فللالتفات وهي أبلغ في الوعيد لأن الغضب كأنه تناهى إلى حد أقبل على الخطاب وشافه بالعتاب.

ثم شرع في حكاية شبه الطاعنين في نبوة محمد  .

وذلك أنه لما أمر بالإنفاق في سبيل الله قالوا: لو كان محمد صادقاً في أن الله  يطلب منا المال فهو إذن فقير ونحن أغنياء، لكن الفقر على الله محال فمحمد غير صادق.

وأيضاً لو كان نبياً لكان إنما يطلب المال لأجل أن تجيء نار من السماء فتحرقه كما كان في الأزمنة السالفة، فلما لم يفعل ذلك عرفنا أنه ليس بنبي.

فهذا بيان النظم وليس في الآية تعيين القائلين إلا أن العلماء نسبوا هذا القول إلى اليهود لعنهم الله لقولهم في موضع آخر ﴿ يد الله مغلولة  ﴾ عنوا أنه بخيل.

وذلك الجهل يناسب هذا الجهل، ولأن التشبيه غالب عليهم، والقائل بالتشبيه لا يمكنه إثبات كونه  قادراً على كل المقدورات، وإذا عجز عن إثبات هذا الأصل عجز عن بيان أنه غني، ولما روي عكرمة ومحمد بن إسحق والسدي ومقاتل "أن رسول الله  كتب مع أبي بكر إلى يهود بني قينقاع يدعوهم إلى الإسلام وإلى إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وأن يقرضوا الله قرضاً حسناً.

فقال فنحاص عن عازوراء ـ وهو من علمائهم - أتزعم أن ربنا يستقرضنا أموالنا فهو إذن فقير ونحن أغنياء، فغضب أبو بكر ولطمه في وجهه وقال: لولا الذي بيننا وبينكم من العهد لضربت عنقك.

فذهب فنحاص إلى رسول الله  وقال: يا محمد انظر ما صنع بي صاحبك.

فقال رسول الله صلى الله لأبي بكر: ما الذي حملك على ما صنعت؟

فقال: يا رسول الله إن عدوّ الله قال هكذا.

فجحد ذلك فنحاص فنزلت هذه الآية تصديقاً لأبي بكر" .

وأيضاً إن موسى لما طلب منهم الجهاد ببذل النفوس قالوا له: إذهب أنت وربك فقاتلا.

فلا يبعد أن محمداً  لما طلب منهم الأموال قالوا له: لو كان الإله غنياً فأي حاجة إلى أموالنا.

ثم إن القائل لو كان فنحاصاً وحده فإنما / يستقيم قوله: ﴿ لقد سمع الله قول الذين قالوا ﴾ لأن أتباع الرجل والمقتدين به حكمهم حكمه.

ثم إنه  لم يجبهم عن شبهتهم.

أما على قواعد أهل السنة فبأن يقول يفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد، فلا يبعد أن يأمر عبيدة ببذل الأموال مع كونه أغنى الإغنياء.

وأما على قوانين المعتزلة فبأن في هذا التكليف فوائد منها: إزالة حب المال عن القلب، ومنها التوسل إلى الثواب المخلد، ومنها تسخير البعض للبعض فبذلك ترتبط أمور التمدن وتنتظم أحوال صلاح المعاش والمعاد وإنما لم يجب لكثرة ورودها في القرآن ﴿ لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون  ﴾ ﴿ من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له اضعافاً كثيرة  ﴾ ﴿ وما تنفقوا من خير فلأنفسكم  ﴾ ولأن وجوب الوجود عبارة عن الغنى المطلق حتى لا يحتاج في ذاته ولا في شيء من صفاته ولا بجهة من جهاته إلى ما سوى ذاته.

فمن اعترف بوجوب وجوده ثم شك في كمال غناه في وجوده فقد عاد بالنقض على موضوعه فلا يستحق الجواب عند أولي الألباب، وإنما يستأهل صنوفاً من العتاب وضروباً من العذاب فلهذا قال على جهة الوعيد ﴿ سنكتب ما قالوا ﴾ في صحائف الحفظة، أو نستحفظه ونثبته في علمنا لا ننساه كما يثبت المكتوب فلا ينسى.

وفي التفسير الكبير: سنكتب عنهم هذا الجهل في القرآن حتى يبقى على لسان الأمة إلى يوم القيامة.

ثم عطف عليه قتلهم الأنبياء ليدل على أنهم كما لو يقدروا الله حق قدره حتى نسبوا إليه ما نسبوه، فكذلك لم يقضوا حقوق الأنبياء ففعلوا بهم ما فعلوا.

﴿ ونقول ذوقوا عذاب الحريق ﴾ وهو من أسماء جهنم.

"فعيل" بمعنى "مفعول" كالأليم بمعنى المؤلم.

أو سميت باسم صاحبها أي ذات حرقة.

والمعنى: ينتقم منهم فيقول لهم ذوقوا عذاب النار كما أذقتم المسلمين جرع الغصص.

وهذا القول يحتمل أن يقال عند الموت، أو عند الحشر، أو عند قراءة الكتب.

ويحتمل أن يكون كناية عن الوعيد وإن لم يكن ثمة قول ﴿ ذلك ﴾ العذاب أو الوعيد ﴿ بما قدمت أيديكم ﴾ من السب والقتل.

وذكر الأيدي لأن أكثر الأعمال يباشر باليد، فجعل كل عمل كالواقع بالأيدي على سبيل التغليب وإن كان بعضه باللسان أو بسائر الجوارح والآلات.

وإنما جمع لأن المخاطب جمع ولو كان مفرداً.

قيل: بما قدمت يداك مثنى كما في سورة الحج.

قال الجبائي: قوله: ﴿ وأن الله ﴾ أي وبأن الله ليس بظلام للعبيد، فيه دلالة على أن فعل العقاب بهم كان يكون ظلماً بتقدير أن لا يقع منهم الذنوب.

وفيه بطلان قول المجبرة أن الله يعذب الأطفال بغير جرم ويجوز أن يعذب البالغين بغير ذنب، ويدل على كون العبد فاعلاً وإلا لكان الظلم حاصلاً.

والجواب أنه لم ينف الظلم عن نفسه بمعنى أن الجزاء إنما كان مرتباً على الذنب الصادر بكسب العبد وفعله فلا ظلم، بل بمعنى / أنه مالك الملك، والمالك إذا تصرف في ملكه كيف شاء لم يكن ذلك ظلماً، فخلق ذلك الفعل فيهم وترتيب العذاب عليه لا يكون ظلماً.

قيل: إنه نفى الظلم الكثير عن نفسه وذلك يوهم ثبوت أصل الظلم له، أجاب القاضي بأن العذاب الذي توعد بأن يفعل بهم لو كان ظلماً لكان عظيماً، فنفاه على حد عظمه لو كان ثابتاً.

وهذا يؤكد ما ذكر أن إيصال العقاب إليهم كان يكون ظلماً عظيماً لو لم يكونوا مذنبين، أقو ل: إنه  نفى حقيقة الظلم عنه في قوله: ﴿ وما ظلمناهم  ﴾ ﴿ وهم لا يظلمون  ﴾ وبحقيقة ما ذكرناه أنه مالك الكل له أن يتصرف في ملكه كيف يشاء، ولكنه نفى ههنا كثرة الشر والظلم أن يصدر عنه كأنه قال: إن خُيِّلَ إليكم أن في الوجود شراً بناء على ما في ظنكم من أن الحكيم قد يصدر عنه الشر القليل بتبعية الخير الكثير، فاعلموا أني منزه عن صدور الشر الكثير مني، وأن هذا من الشر القليل الذي في ضمنه خير كثير.

ونقول: أراد نفي الشر القليل وأصل الظلم عنه، ولكن القليل من الظلم بالنسبة إلى رحمته الذاتية كثير، فلهذا عبر عنه بلفظ الكثرة والمبالغة.

ثم قرر الشبهة الأخرى لهم فقال: ﴿ الذين قالوا إن الله عهد إلينا ﴾ قال الكلبي: نزلت في كعب بن الأشرف ومالك بن الصيف ووهب بن يهودا وزيد بن التابوت وفنحاص بن عازوراء وحيي بن أخطب، أتوا رسول الله  فقالوا: تزعم أن الله بعثك إلينا رسولاً، وأنزل عليك الكتاب، وإن الله قد عهد إلينا في التوراة أن لا نؤمن لرسول يزعم أنه جاء من عند الله حتى يأتينا بقربان تأكله النار، فإن جئتنا به صدقناك فنزلت.

قال عطاء: كانت بنو إسرائيل يذبحون لله فيأخذون الثروب وأطايب اللحم فيضعونها في وسط بيت والسقف مكشوف، فيقوم النبي في البيت ويناجي ربه وبنو إسرائيل خارجون واقفون حول البيت، فتنزل نار بيضاء لها دوي وحفيف ولا دخان لها فتأكل ذلك القربان وهو البر الذي يتقرب به إلى الله.

وأصله مصدر كالكفران والرجحان.

ثم سمي به نفس المتقرب به إلى الله ومنه قوله  لكعب بن عجرة: " "يا كعب، الصوم جنة والصلاة قربان" أي بها يتقرب إلى الله ويستشفع في الحاجة لديه.

وللعلماء فيما ادعاه اليهود قولان: قال السدي: إن هذا الشرط جاء في التوراة مع الاستثناء.

قال: من جاءكم يزعم أنه رسول الله فلا تصدقوه حتى يأتيكم بقربان تأكله النار إلا المسيح ومحمداً.

فكانت هذه العادة جارية إلى مبعث المسيح ثم زالت.

وقيل: إنه افتراء لأن المعجزات كلها في كونها خارقة للعادة وآية لصحة النبوة سواء، فأي فائدة في تخصيصها؟

ولأنه إما أن يكون في التوراة أن مدعي / النبوة وإن جاء بجميع الآيات لا تقبلوا قوله إلا أن يجيء بهذه الآية المعينة، وحينئذٍ لا تكون سائر المعجزات دالة على الصدق، وإذا جاز الطعن فيها جاز في هذه.

وإما أن يكون فيها أن مدعي النبوة يطالب بالمعجزة أية كانت.

وحينئذٍ يكون طلب هذا المعجز المعين عبثاً فلهذا نسبهم الله  إلى الجحود والعناد فقال: ﴿ قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم ﴾ أي بمدلوله ومؤدّاه ﴿ فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين ﴾ إنما الإيمان يجب عند الإتيان بالقربان.

وإنما ذكر مجيء الرسل بالبينات ولم يقتصر على مجيء القربان ليتم الإلزام.

وذلك أن القوم يحتمل أن يقولوا إن الإتيان بهذا القربان شرط للنبوة لا موجب لها، والشرط يلزم من عدمه عدم المشروط لكن لا يلزم من وجوده وجود المشروط.

فلو اكتفى بذكر القربان لم يتم الإلزام، وحيث أضاف إليه البينات ثبت أنهم أتوا بالموجب وبالشرط جميعاً، فكان الإقرار بالنبوة واجباً.

ثم سلى رسوله بقوله: ﴿ فإن كذبوك ﴾ في أصل الشريعة والنبوة أو في قولك إن الأنبياء الأقدمين جاؤهم بالبينات وبالقربان فقتلوهم ﴿ فقد كذب رسل من قبلك ﴾ وأي رسل والمصيبة إذا عمت طابت ﴿ جاؤا بالبينات ﴾ وهي الحجج الواضحات والمعجزات الباهرات.

والزبر هي الصحف جمع زبور بمعنى مزبور أي مكتوب.

وقال الزجاج: الزبور كل كتاب ذي حكمة فيشبه أن يكون من الزبر بمعنى الزجر عن خلاف الحق وبه سمي زبور داود لما فيه من الزواجر والمواعظ والكتاب المنير الموضح أو الواضح المستنير.

يعلم من عطف الزبور والكتاب على البينات، أن معجزاتهم كانت مغايرة لكتبهم، وأنها لم تكن معجزة لهم والإعجاز من خواص القرآن.

وعطف الكتاب المنير على الزبر لأن الكتاب بوصفه بالإثارة أو الاستنارة أشرف من مطلق الزبر فخص بعد العموم لشرفه مثل ﴿ وملائكته ورسله وجبريل وميكال  ﴾ وقيل: المراد بالزبر الصحف، وبالكتاب المنير التوراة والإنجيل والزبور.

ثم أكد التسلية بقوله: ﴿ كل نفس ذائقة الموت ﴾ لأن تذكر الموت واستحضاره مما يزيل الغموم والأشجان الدنيوية، وكذا العلم بأن وراء هذه الدار داراً يتميز فيها المحسن عن المسيء، ويرى كل منهما جزاء عمله.

والمراد لكل نفس ذائقة الموت كل ذات.

فالقضية لا يمكن إجراؤها على عمومها لاستثناء الله  منها ﴿ تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك  ﴾ وكذا كل الجمادات لأن لها ذوات.

ولقوله: ﴿ فصعق من في السموات و من في الأرض إلا من شاء الله  ﴾ ولأنه لا موت لأهل الجنة ولأهل النار.

فالمراد المكلفون الحاضرون في دار التكليف، والملائكة عند من يجوّز الموت عليهم.

روي عن ابن عباس: لما نزل قوله  : ﴿ كل من عليها فان ﴾ \[الرحمن: /26\] قالت الملائكة: مات أهل الأرض.

فلما نزل ﴿ كل نفس ذائقة الموت ﴾ قالت الملائكة: متنا.

وفي الآية دليل على أن المقتول ميت وعلى أن النفس باقية بعد البدن، لأن الذائق لا بد أن يكون باقياً حال حصول الذوق.

قالت الحكماء: الموت واجب الحصول عند هذه الحياة الجسمانية لأنها لا تحصل إلا بالرطوبة الغريزية والحرارة الغريزية، ثم إن الحرارة الغريزية تؤثر في تقليل الرطوبة الغريزية.

وإذا قلت: الرطوبة الغريزية ضعفت الحرارة الغريزية، ولا يزال تستمر هذه الحالة إلى أن تفنى الرطوبة الأصلية فتنطفىء الحرارة الغريزية ويحصل الموت، فبهذا الطريق كان الموت ضرورياً في هذه الحياة.

قالوا: والأرواح المجردة لا موت لها، وناقشهم المسلمون فيه ﴿ وإنما توفون أجوركم يوم القيامة ﴾ في ذكر التوفية إشارة إلى أن بعض الأجور يعطى قبل ذلك اليوم كما قال  : " القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار" .

﴿ فمن زحزح عن النار ﴾ الزح التنحية والإبعاد والزحزحة تكريره ﴿ فقد فاز ﴾ لم يقيد الفوز بشيء لأنه لا فوز وراء هذين الأمرين: الخلاص من العذاب والوصل إلى الثواب.

فمن حصل له هذان فقد فاز الفوز المطلق المتناول لكل ما يفاز به.

قال  : " "من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتدركه منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر ويأتي إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه " فالأول رعاية حقوق الله، والثاني محافظة حقوق العباد.

ثم شبه الدنيا بالمتاع الذي يدلس به على المستام ويغرّ حتى يشتريه ثم يتبين له فساده ورداءته، وذلك أن لذاتها تفنى وتبعاتها تبقى.

والغرور بالضم مصدر، الغار المدلس هو الشيطان.

عن علي بن أبي طالب: لين مسها قاتل سمها.

وعن بعضهم: الدنيا ظاهرها مظنة السرور وباطنها مطية الشرور.

وعن سعيد بن جبير: إنما هذا المن آثرها على الآخرة.

فأما من طلب الآخرة بها فإنها متاع بلاغ.

﴿ لتبلون في أموالكم ﴾ اللام جواب القسم المقدر، والنون دخلت مؤكدة، وضمت الواو للساكنين ولما كان يجب لما قبلها من الضم.

والمراد ما نالهم من الفقر والضر والقتل والجرح، والتكاليف الشاقة البدينة والمالية من الصلاة والزكاة والصوم والجهاد, والذي كانوا يسمعونه من الكفرة كالطعن في الدين الحنيف وأهليه، وإغراء المخالفين وتحريضهم عليهم وإغواء المنافقين وتنفيرهم عنهم ﴿ وإن تصبروا ﴾ على ما ابتلاكم الله به ﴿ وتتقوا ﴾ المخالفة أو تصبروا على أداء الواجبات وتتقوا ارتكاب المحظورات ﴿ فإن ذلك ﴾ الصبر والتقوى ﴿ من عزم الأمور ﴾ من معزوماتها الذي لا يترخص العاقل في تركه لكونه حميد العاقبة بين الصواب، أو هو من / عزائم الله ومما ألزمكم الأخذ به.

قال الواحدي: كان هذا قبل نزول آية القتال.

وقال القفال: الظاهر أنها نزلت بعد قصة أحد فلا تكون منسوخة بآية السيف.

والمراد الصبر على ما يؤذون به الرسول على طريق الأقوال الجارية فيما بينهم واستعمال مداراتهم من كثير من الأحوال.

والأمر بالقتال لا ينافي الأمر بالمصابرة على هذا الوجه.

عن كعب بن مالك "أن كعب بن الأشرف اليهودي كان شاعراً وكان يهجو النبي  ويحرض عليه كفار قريش في شعره، وكان النبي  قدم المدينة وأهلها أخلاط - المسلمون والمشركون واليهود - فأراد النبي  أن يستصلحهم كلهم.

فكان المشركون واليهود يؤذونه ويؤذون أصحابه أشد الأذى، فأمر الله نبيه بالصبر على ذلك فنزلت الآية" .

روي "أن رسول الله  ركب على حمار وأردف أسامة بن زيد وراءه يعود سعد بن عبادة في بني الحرث بن خزرج قبل وقعة بدر حتى مر بمجلس فيه عبد الله بن أبي وذلك قبل أن يسلم عبد الله.

فإذا في المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين واليهود، وفي المجلس عبد الله بن رواحة.

فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة خمر عبد الله بن أبي أنفه بردائه وقال: لا تغبروا علينا.

فسلم رسول الله  ثم وقف.

فنزل ودعاهم إلى الله وقرأ عليهم القرآن.

فقال عبد الله بن أبي: أيها المرء إنه لا أحسن مما تقول إن كان حقاً فلا تؤذنا به في مجلسنا.

ارجع إلى رحلك فمن جاءك فاقصص عليه.

فقال عبد الله بن رواحة: بلى يا رسول الله فاغشنا به في مجالسنا فإنا نحب ذلك.

فاستب المسلمون والمشركون واليهود حتى كادوا يتثاورون.

فلم يزل النبي  يخفضهم حتى سكنوا.

ثم ركب النبي  دابته فسار حتى دخل على سعد بن عبادة فقال له: يا سعد ألم تسمع ما قال أبو حباب - يريد عبد الله بن أبي؟

قال: كذا وكذا.

فقال سعد بن عبادة: يا رسول الله اعف عنه واصفح، فوالذي أنزل عليك الكتاب لقد جاء الله بالحق الذي نزل عليك، وقد اصطلح أهل هذه البحيرة على أن يتوّجوه ويعصبوه بالعصابة، فلما ردّ الله ذلك بالحق الذي أعطاكه شرق بذلك فعفا عنه رسول الله  " ، وأنزل الله هذه الآية.

ثم إنه  عجب من حال اليهود أنه كيف يليق بحالهم إيراد الطعن في نبوته مع أن كتبهم ناطقة به- وأيضاً من جملة إيذائهم الرسول أنهم كانوا يكتمون من نعته وصفته فلهذا قال: ﴿ وإذا أخذ الله ﴾ بإضمار "اذكر" والضمير في ﴿ لتبيننه ﴾ قيل لمحمد لأنه معلوم وإن كان غير مذكور أي لتبينن حاله وهذا قول سعيد بن جبير والسدي.

وقال الحسن وقتادة: يعود إلى الكتاب كأنه أكد عليهم إيجاب بيان الكتاب واجتناب كتمانه كما يؤكد على الرجل إذا عزم عليه.

وقيل له الله لتفعلن ﴿ ولا يكتمونه ﴾ قيل: الواو للحال أي غير كاتمين.

ويحتمل أن تكون للعطف وإن لم يكن مؤكداً بالنون.

والأمر بالبيان يتضمن النهي عن الكتمان، لكنه صرح به للتأكيد ﴿ فنبذوه / وراء ظهورهم ﴾ جعلوه كالشيء المطروح المتروك.

وعن علي  : ما أخذ الله على أهل الجهل أن يتعلموا حتى أخذ على أهل العلم أن يعلموا.

وقال قتادة: مثل علم لا يقال به كمثل كنز لا ينفق منه، ومثل حكمة لا تخرج كمثل صنم قائم لا يأكل ولا يشرب.

وطوبى لعالم ناطق ولمستمع واع، هذا علم علماً فبذله، وهذا سمع خيراً فوعاه.

ومعنى قوله: ﴿ واشتروا به ثمناً قليلاً ﴾ أنهم كتموا الحق ليتوسلوا به إلى وجدان حظ يسير من الدنيا ﴿ فبئس ما يشترون ﴾ هو ويدخل في الوعيد كل من كتم شيئاً من أمر الدين لغرض فاسد من تسهيل على الظلمة وتطييب لنفوسهم واستجلاب لمسارّهم واستجذاب لمبارّهم، أو لتقية من غير ضرورة، أو لبخل بالعلم وغيره أن ينسب إلى غيره.

ثم ذكر نوعاً آخر من إيذاء اليهود وأوعدهم عليه وسلى رسوله بذلك فقال: ﴿ لا تحسبن الذين يفرحون ﴾ من قرأ بتاء الخطاب وفتح الباب فالخطاب للرسول أو لكل أحد، وأحد المفعولين ﴿ الذين يفرحون ﴾ والثاني ﴿ بمفازة ﴾ .

وقوله: ﴿ فلاتحسبنهم ﴾ إعادة للعامل لطول الكلام وإفادة التأكيد.

ومن ضم الباء في الثاني مع تاء فالخطاب للمؤمنين، ومن ضمها مع ياء الغيبة فالضمير للذين يفرحون، والمفعول الأول محذوف أي لا يحسبن أنفسهم الذين يفرحون فائزين، والثاني للتأكيد.

ومعنى ﴿ بما أتوا ﴾ بما فعلوا.

وأتى وجاء يستعملان بمعنى فعل.

قال  : ﴿ إنه كان وعده مأتياً  ﴾ ﴿ لقد جئت شيئاً فرياً  ﴾ .

ومعنى بمفازة من العذاب بمنجاة منه أي بمكان الفوز.

وقال الفراء: أي ببعد منه لأن الفوز التباعد عن المكروه.

في الصحيحين "أن مروان قال لرافع أبوابه: اذهب إلى ابن عباس وقل له: لئن كان كل امرىء منا فرح بما أتى وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذباً لنعذبن أجمعون.

فقال ابن عباس: ما لكم ولهذه إنما دعا النبي  يهوداً فسألهم عن شيء فكتموه إياه وأخبروه بغيره، فأروه أن قد استحمدوا إليه بما أخبروه عنه وفرحوا بما أتوا من كتمانهم إياه، ثم قرأ ابن عباس ﴿ وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب ﴾ الآيتين" .

وقال الضحاك: "كتب يهود المدينة إلى يهود العراق واليمن ومن بلغهم كتاب من اليهود في الأرض كلها أن محمداً ليس نبي الله فأثبتوا على دينكم واجمعوا كلمتكم على ذلك.

فاجتمعت كلمتهم على الكفر بمحمد والقرآن، ففرحوا بذلك وقالوا: الحمد لله الذي جمع كلمتنا ولم نتفرق ولم نترك ديننا ونحن أهل الصوم والصلاة، نحن أولياء الله.

فذلك قول الله ﴿ يفرحون بما أتوا ﴾ بما فعلوا ﴿ ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا ﴾ / فأنزل الله هذه الآية" .

يعني بما ذكروا من الصوم والصلاة والعبادة.

وعن أبي سعيد الخدري "أن رجالاً من المنافقين كانوا إذا خرج رسول الله  إلى الغزو تخلفوا عنه، فإذا قدم اعتذروا عنده وحلفوا وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا فأنزل الله هذه الآية" .

وهذه الوجوه كلها مشتركة في الإتيان بما لا ينبغي ومحبة / الحمد عليه ووصفه بسداد السيرة وحسن السريرة.

ونحن إذا أنصفنا من انفسنا وجدنا أكثر مجاري أمورنا على هذه الحالة، فنسأله العصمة والهداية.

ثم ختم الكلام بقوله: ﴿ ولله ملك السموات والأرض ﴾ ولغرض أنه كيف يرجو النجاة من كان معذبه هذا القادر الغالب؟

التأويل: ﴿ هو خيراً لهم بل هو شر لهم ﴾ كل واحد من صفتي البخل والسخاء بمنزلة الإكسير حتى يجعل الخير شراً وبالعكس.

﴿ سيطوّقون ﴾ شبه بالطوق لأنه يحيط بالقلب ومنه ينشأ معظم الصفات الذميمة كالحرص والحسد والحقد والعداوة والكبر والغضب والبخل "حب الدنيا رأس كل خطيئة" ﴿ ولله ميراث السموات والأرض ﴾ الإنسان ورث الدنيا والآخرة أولئك هم الوارثون.

والوارث إذا مات من غير وارث فميراثه لبيت المال.

فالإشارة فيه أن من غلب عليه هذه الصفات ومات قلبه فقد بطل استعداد وراثته فميراثه لله ﴿ إن الله فقير ونحن أغنياء ﴾ فيه أن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى، فيعكس القضايا فيصف الرب بصفات العبد والعبد بصفات الرب وذلك لغلبة الصفات الذميمة واستيلاء سلطان الهوى والشيطان، فيقول تارة: أنا ربكم الأعلى، وتارة إن الله فقير ونحن أغنياء.

﴿ بقربان تأكله النار ﴾ قالت يهود صفات النفس البهيمية والسبعية والشياطنية لا ننقاد لرسول أي لخاطر رحماني أو إلهام رباني حتى يأتينا بقربان هو الدنيا وما فيها يجعلها نسيكة لله عز وجل، تأكله نار الله الموقدة التي تقدح من زناد محبتهم،فإن كثيراً من الطالبين الصادقين يجعلون الدنيا وما فيها قرباناً لله فلا تأكله نار الله، قل يا وارد الحق ﴿ قد جاءكم رسل من قبلي ﴾ أي واردات الحق بالبينات بالحجج الباهرة ﴿ وبالذي قلتم ﴾ أي بجعل الدنيا قرباناً ﴿ فلم قتلتموهم ﴾ غلبتموهم ومحوتموهم حتى لم يبق أثر الواردات.

﴿ كل نفس ذائقة الموت ﴾ كلهم مستعدون للفناء في الله، ولا بد لها من موت.

فمن كان موته بالأسباب تكون حياته بالأسباب، ومن كان فناؤه في الله يكون بقاؤه بالله.

﴿ لتبلون ﴾ بالجهاد الأكبر ﴿ ولتسمعن ﴾ من أهل العلم الظاهر ومن أهل الرياء ﴿ أذى كثيراً ﴾ بالغيبة والملامة والإنكار والاعتراض ﴿ وإن تصبروا ﴾ على جهاد النفس ﴿ وتتقوا ﴾ بالله عما سواه ﴿ فإن ذلك من عزم الأمور ﴾ أي من أمور أولي العزم ﴿ فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل  ﴾ والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْكُفْرِ ﴾ يحتمل الآية وجهين: يحتمل: ولا يحزنك الذين ظاهروا غيرهم من المشركين عليكم، وقد ظاهر أهل مكة غيرهم من المشركين على رسول الله  فيقول الله لرسوله: ﴿ وَلاَ يَحْزُنكَ ﴾ مظاهرتهم عليك؛ فإن الله ينصرك؛ فيخرج هذا مخرج البشارة له بالنصر على أعدائه والغلبة عليهم.

ويحتمل - أيضاً - وجهاً آخر: وهو أن رسول الله  كان يشتد عليه كفرهم بالله، ويحزن لذلك، كقوله -  -: ﴿ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ  ﴾ ؛ فيخرج قوله: ﴿ وَلاَ يَحْزُنكَ ﴾ مخرجَ تَسْكينِ الحزن، ودفْعِهِ عنه، والتسلِّي عن ذلك، لا مخرج النهي؛ إذ الحزن يأخذ الإنسان، ويأتيه من غير تكلف ولا صنع، وكقوله -  -: ﴿ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا  ﴾ : هو على مخرج التسكين والدفع عنه، لا على النهي؛ فكذلك الأول - والله أعلم - وكقوله -  - لأم موسى -  -: ﴿ وَلاَ تَحْزَنِيۤ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيْئاً ﴾ : يحتمل قوله: ﴿ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيْئاً ﴾ ، أي: لن يضروا أولياء الله - عز وجل - إنما ضرر ذلك عليهم؛ كقوله -  -: ﴿ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ  ﴾ .

ويحتمل: ﴿ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيْئاً ﴾ ؛ لأنه ليس لله في فعلهم وعملهم نفع، ولا في ترك ذلك عليه ضرر؛ إنما المنفعة في عملهم لهم، والضرر في ترك عملهم عليهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُرِيدُ ٱللَّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظّاً فِي ٱلآخِرَةِ ﴾ : هذه الآية تنقض على المعتزلة قولهم؛ لأن الله -  - يقول: أراد ألا يجعل لهم في الآخرة حظاً؛ المعتزلة يقولون: بل أراد أن يجعل لهم حظّاً في الآخرة؛ إذ يقولون: أراد لهم الإيمان، وبالإيمان يكون لهم الحظ في الآخرة، فثبت بالآية أنه لم يكن أراد لهم الإيمان، والآية في قوم خاص علم الله -  - أنه لا يؤمنون أبداً؛ فأراد ألا يجعل لهم حظّاً في الآخرة، ولو كان على ما تقوله المعتزلة؛ بأنه أراد أن يجعل لهم حظّاً في الآخرة - لما أراد لهم أن يؤمنوا، ولكن لم يؤمنوا لكان حاصل قولهم: أراد الله ألا يجعل لمن أراد يؤمن في الآخرة، وذلك جور عندهم، وبالله التوفيق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ : وذكر مرة: ﴿ أَلِيمٌ  ﴾ ومرة: ﴿ شَدِيدٌ  ﴾ ؛ لأن التعذيب بالنار أشد العذاب في الشاهد وأعظمه؛ لذلك أوعد بها في الغائب، وجعل شرابهم وطعامهم ولباسهم منها، فنعوذ بالله من ذلك.

وقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلْكُفْرَ بِٱلإِيمَانِ ﴾ : قد ذكرنا تأويل هذا فيما تقدم.

﴿ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيْئاً ﴾ ما ذكرنا أنه على الوجهين اللذين وصفتهما، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ ﴾ الآية: اختلف في قراءتها، قرأ بعضهم بالياء: وبعضهم بالتاء: فمن قرأ بالتاء صرف الخطاب إلى رسول الله  ، فقال: لا تحسبن يا محمد أنما نملي لهم خير لهم؛ إنما نملي لهم ليزدادوا شرّاً.

ومن قرأ بالياء: صرف الخطاب إلى الكفرة، فقال: ﴿ وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ ﴾ يكون خيراً لهم؛ بل إنما نملي لهم ليكون شرّاً وإثماً لهم؛ فالآية على المعتزلة، لكنهم تأولوا بوجهين: أحدهما: على التقديم والتأخير؛ كأنه قال: "ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم ليزدادوا إثما؛، إنما نملي لهم خير لأنفسهم"؛ فيقال [لهم]: لو جاز جعل الآية وصرفها على ما حملتم عليه وصرفتم إليه، جاز حمل جميع الآيات التي فيها وعد للمؤمنين، وصرفها إلى الكافرين، وما كان فيها وعيد للكافرين إلى المؤمنين؛ إذ لا فرق بين هذا وبين جعلكم الخير مكان الإثم، والإثمَ مكان الخير، وبين جعل الوعد في موضع الوعيد، والوعيد في موضع الوعد.

والوجه الثاني: قالوا: أخبر الله -  - عما يئول أمرهم في العاقبة، لا أن كان في الابتداء كذلك؛ كقوله -  -: ﴿ فَٱلْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً  ﴾ ، ومعلوم أنهم لم يلتقطوا ليكون لهم عدواً وحزناً؛ ولكن إخبار عما آل أمره في العاقبة أن صار لهم عدواً وحزناً؛ وكذلك يقال للرجل: سرقت لتقطع، وقتلت لتقتل، وهو لم يسرق ليقطع، ولا قتل ليقتل؛ ولكن إخبار عما آل أمره وحاله في العاقبة؛ فكذلك هذا، لكن الإخبار عما يئول الأمر يخرج مخرج التنبيه عن السهو والغفلة في الابتداء، فالله -  وتعالى - يتعالى عن ذلك؛ فخرج ذلك مخرج التحقيق في الابتداء، لا مخرج الإخبار عما يئول الأمر في العاقبة، وبالله التوفيق.

والثاني: أن من أراد أمراً يعلم أنه لا يكون فهو لجهل يريد ذلك أو لعبث، فالله -  - يتعالى عن الجهل بالعواقب، أو العبث في الفعل؛ دلَّ أنه كان على ما أراد، لا ما لم يرد، ولو كان الله -  وتعالى - لا يفعل بخلقه إلا ما هو أصلح لهم في الدِّين وأَخْيَرُ - لم يكن لنهي رسول الله  عن الإعجاب بما أعطى الكفرة من الأموال والأولاد بقوله -  وتعالى -: ﴿ فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَٰلُهُمْ وَلاَ أَوْلَـٰدُهُمْ...

 ﴾ الآية؛ دلّ أنه قد يعطي ما ليس [هو] بأصلح في الدين ولا أَخْيَرَ، والله أعلم.

وقال الشيخ - رحمه الله -: في قوله: ﴿ وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوۤاْ إِثْمَاً ﴾ ، وقولهِ -  -: ﴿ فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَٰلُهُمْ وَلاَ أَوْلَـٰدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا...

﴾ الآية [التوبة: 55] وقوله -  -: ﴿ أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي ٱلْخَيْرَاتِ بَل لاَّ يَشْعُرُونَ ﴾ \[المؤمنون: 55-56\] ونحو ذلك من الآيات - فيها وجهان على المعتزلة: أحدهما: قولهم في الأصلح: إن الله -  - لو فعل بالخلق شيئاً غيرُهُ أصلحُ لهم في الدين في حال المحنة - كان ذلك جَوْراً، ومعلوم أن الفعل بهم؛ ليزدادوا إثماً لا يبلغ في الصلاح في الدّين الفعلَ بهم؛ ليزدادوا به برّاً، ومعلوم أنه لو كان كذلك لم يكن ليجوز أن يحذر رسوله  عن ذلك، فيقول: لا يعجبك كذا؛ فكأنه قال: لا يعجبك الذي هو صلاح في الدّين، ثم يؤكد ذلك بأنه جعل لهم ذلك ليعذبهم بها، ثم شهد على من حسب ما حسبته المعتزلة بأنهم لا يشعرون؛ فكان ذلك شهادة منه - عز وجل - على كل من وافق رأيُهُ رأيَ أولئك الكفرة: أنهم لا يشعرون، ومعلوم أن الجبابرة والفراعنة لو لم يجعل الله -  - لهم تلك الحواشي والملك والقوة لم يكن ليجترئوا على دعوى الربوبية، ويبلغوا في المآثم ما بلغوا؛ فيكون فوت ذلك أصلح لهم في الدين، وقد قال الله -  -: ﴿ وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ...

﴾ الآية [الزخرف: 33]، ثم كان معلوماً أنه إذا كان بما يجعل ذلك للفكرة يكفرون، فلو جعل للمؤمنين يؤمنون، ثم يجعل كذلك، [والله أعلم].

وأيّد ذلك قوله -  -: ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا...

﴾ الآية [التوبة: 55].

والثاني: أن الإرادة إذ هي صفة لكل فاعل مختار في الحقيقة، وقد أخبر لأي وجه أعطى؛ ثبت أنه أراد ذلك مع ما كان المتعالم من فعل كل أحد لا يخرج على ما أراده ولا يبلغ به ما لو فعل أنه يكون على جهل أو سفه.

فالأول: يكون فعله على ظن أن يكون ذلك فلا يكون.

والثاني: إذا علم ألا يكون؛ فيكون له به عابثاً سفيهاً، جلّ الله -  - عن الوجهين، ثبت أن فعله لما علم أنه يكون لا لغيره ليلحقه به وصف جهل أو سفه؛ وبهما سقوط الربوبية.

ثم وجهت المعتزلة الآية إلى وجهين: أحدهما: على التقديم والتأخير بمعنى: ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم ليزدادوا إثماً إنما نملي خير لأنفسهم.

وذلك فاسد لوجهين: أحدهما: لو كان جعل الخير شرّاً والشرّ خيراً بالتأويل، وصرف الآية على سياقها ونظمها - لجاز ذلك في كل وعد ووعيد، وأمر ونهي، وتحليل وتحريم؛ فيصير كل أمور الدنيا مقلوباً.

والثاني: أنه لو كان كذلك لكان يجب أن يعجب به رسول الله  ؛ إذ على كل ذلك معجباً، ولكانوا فيما حسبوا أن ذلك ضرب لهم - يشعرون، لا ألا يشعرون، مع ما قيل: ﴿ وَلاَ يَحْسَبَنَّ ﴾ بالياء في بعض القراءة، ومتى كان يحسب الكفرة ذلك شرّاً حتى يعاتبوا على الحسبان؟!

والله الموفق.

والثاني: قالوا ذلك خبر عما يئول الأمر إليه؛ كقوله -  -: ﴿ فَٱلْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً  ﴾ ، وهم لا لذلك التقطوا، وكمن يقول للسارق: سرقت لتقطع يدك، وكما يقال: [من الوفر] ...

...

...

...

*** لدوا للموت وابنوا للخراب والذي قالوه إنما هو تنبيه وإيقاظ لقوم لا يذكرون عواقب الأمور، فيحرصون عليها عن غفلة بالعواقب، فأمّا الله -  وتعالى - فمحال أن يكون أمره على ذلك ليكون فيما يذكره ذلك؛ ألا ترى أن أحداً لا يقول: ولدت للموت، أو بنيْتُ للخراب؛ لأنه لا لذلك يفعل، وإن كان إليه يئول، وإنما قول الواعظ لهم بما ذكرت؛ كذلك بطل هذا، وأمر قوم فرعون لم يقل: ليكون لهم عندهم؛ إنما هو ليكون لهم عند الله  ، وبما أراد الله، وكان كذلك، ولا قوة إلا بالله.

وقد بيّنا ما في الحكمة تحقيقه من طريق الاعتبار - ولا قوة إلا بالله - والأصل في ذلك أن الله -  - عالم بمن يؤثر عداوته ويعاند آياته، فإرادته ألا يكون منه ذلك حاجة إليه في موالاته، أو إيجاب غلبة عليه في بعض ما يريد، جل الله عن هذا الوصف.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ولا يُوقِعْك في الحزن -أيها الرسول- الذين يسارعون في الكفر مرتدين على أعقابهم من أهل النفاق، فإنهم لن ينالوا الله بأي ضرر، وإنما يضرون أنفسهم ببعدهم عن الإيمان بالله وطاعته، يريد الله بخذلانهم وعدم توفيقهم ألا يكون لهم نصيب في نعيم الآخرة، ولهم فيها عذاب عظيم في النار.

<div class="verse-tafsir" id="91.3wj4r"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

المسارعة في الكفر هي المسارعة في نصرته والاهتمام بشؤونه والايجاف في مقاومة المؤمنين، وما كل كافر يسارع في الكفر فإن من الكافرين القاعد الذي لا يتحرك لنصرة كفره ولا لمقاومة المخالف له فيه.

والمسارعون المعنيون هنا هم أولئك النفر من المشركين كأبي سفيان ومن كان معه من صناديد قريش، وذهب بعض المفسرين إلى أن المراد بهم المنافقون ورووا في ذلك روايات في سبب النزول، وإنما يأتي هذا لو قال: "يسارعون إلى الكفر" ﴿ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا  ﴾ أي إنهم لا يحاربونك فيضروك بذلك وإنما يحاربون الله تعالى، ولا شك في ضعف قوتهم وعجزها عن مناوأة قوته  فهم لا يضرون بذلك إلا أنفسهم.

﴿ يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآَخِرَةِ  ﴾ أي إنهم على حالة من فساد الفطرة تقتضي حرمانهم من نعيم الآخرة بسنة الله وإرادته فلا نصيب لهم فيها ﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ  ﴾ فوق عذاب الحرمان من نعيمها.

فإن كنت تحزن عليهم رحمة بهم وشفقة عليهم لأن النور بين أيديهم وهم لا يبصرون والهداية قد أُهديت إليهم وهم لا يقبلون، وتطمع في هدايتهم وترجوها، وكلما رأيت منهم حركة جديدة في الكفر حدث لك حزن جديد، فعليك أن لا تحزن أيضًا إن هؤلاء ممن طبع الله على قلوبهم، وختم على سمعهم وأبصارهم فلم يبق في نفوسهم استعداد ما للإيمان فلا مساغ للحزن من حالهم.

﴿ إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالإيمان لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ  ﴾ أعاد المعنى وعممه وأكده بهذه الآية، وهو في بادىء الرأي تكرار ليس فيه زيادة فائدة، ومن فقه الآيتين علم أن تلك في المسارعين في الكفر وهذه في الذين اشتروا الكفر بالإيمان، أي اختاروه ورضوا به كما يرضى المشتري بالسلعة بدلًا من الثمن ويراها بعد بذله فيها متاعًا ينتفع به، بل الشأن في المشتري أن يرى ما أخذه أنفع له مما بذله، فهذا الوصف أعم من الأول، كأنه يقول إن أولئك الكفار الذين تراهم يسارعون في نصرة الكفر وتعزيزه والدفاع دونه ومقاومة المؤمنين لأجله لا شأن لهم ولا يستحقون أن تهتم بأمرهم فإنهم إنما يحاربون الله ويغالبونه والله غالب على أمره، فلا يقدر أحد على ضره، ثم لا ينبغي أن تحزن عليهم أيضًا لأنهم محرومون من رضوان الله.

فلما بيَّن هذا كان مما يمكن أن يخطر في البال أنه حكم خاص بالذين يسارعون في الكفر فبيّن في هذه الآية أنه عام يشمل كل من آثر الكفر على الإيمان فاستبدله به، ففي إعادة العبارة بهذا الأسلوب فائدتان: إحداهما: أن فيها قسمًا من الكافرين لم يذكروا في الآية الأولى.

والثانية: أن فيها مع تأكيد عدم إضرارهم بالنبي  بيانًا لحال من أحوالهم يدل على سخافتهم وضعف عقولهم إذ رضوا بالكفر واختاروه وحسبوه منفعة وفائدة فكأنه يقول إن هؤلاء لا قيمة لهم فيخاف منهم أو يحزن عليهم.

وقد يعرض لبعض الأفكار وهم في هذا المقام ويجول فيها صورة ما يتمتعون به من اللذات والقوة وإمكان نيلهم من المؤمنين إذا أذنبوا كما نالوا منهم يوم أُحد بذنبهم وتقصيرهم فيقول الواهم: آمنا وصدقنا أن هؤلاء سيعذبون في الآخرة ولا يكون لهم نصيب من نعيمها ولكن أليسوا الآن متمتعين بالدنيا؟

أليس لهم فيها القوة ما يمكنهم من الاعتداء علينا؟

وقد كشف هذا الوهم قوله تعالى: ﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ  ﴾ فبيّن لنا سنة حكيمة من سننه في الاجتماع البشري وهي أن الإنسان يبلغ الخير بعمله الحسن، ويقع في الضير بتقصيره في العمل الصالح وتشميره في عمل السيئات، والعبرة بالخواتيم، فكأنه قال: إن هذا الإملاء للكافرين ليس عناية من الله بهم، وإنما هو جري على سنته في الخلق، وهي أن يكون ما يصيب الإنسان من خير وشر هو ثمرة عمله.

ومن مقتضى هذه السنة العادلة أن يكون الإملاء للكافر علة لغروره، وسببًا لاسترساله في فجوره، فيوقعه ذلك في الإثم الذي يترتب عليه العذاب المهين.

﴿ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ  ﴾ ، كان الكلام مسترسلًا في بيان حال المؤمنين في واقعة أُحد وما بعدها، وجاء في السياق بيان حال من ظهر نفاقهم وضعفهم وبيان حال المجاهدين والشهداء ومن هم بمنزلة الشهداء، وحال الكفار المهدِّدين للمسلمين، وكون الإملاء لهم واستدراجهم بطول البقاء في الدنيا ليس خيرًا لهم، وقد كانت واقعة أُحد أشد واقعة أحس المسلمون عقبها بألم الغلب لأنهم لم يكونوا يتوقعونه بعد رؤية بوادر النصر في "بدر" ولأنه ظهر فيه حال المنافقين، وتبيّن ضعف نفوس بعض المؤمنين الصادقين، ولذلك كانت عناية الله تعالى ببيان فوائد المسلمين فيها عظيمة، ومنها ختمها بهذه الآية الكريمة، المبينة لسنة من السنن التي ذكرت في سياق تلك الآيات الحكيمة، والمعنى: ما كان من شأن الله تعالى ولا من سننه في عباده أن يذر المؤمنين على مثل الحال التي كان عليها المسلمون عند حدوث غزوة أُحد حتى يميز الخبيث من الطيب، وكيف كانوا؟.

كانوا يصلون ويمتثلون كل ما يأمرهم به النبي  ومنه إرسال السرايا المعتاد مثلها، ولم تكن فيها مخاوف كبيرة على الإسلام وأهله، ولذلك كان يختلط فيها الصادق بالمنافق بلا تمييز، إذ التمايز لا يكون إلا بالشدائد، أما الرخاء واليسر وتكليف ما لا مشقة فيه كالصلاة والصدقة القليلة فكان يقبله المنافقون كالصادقين لما فيه من حسن الأحدوثة مع التمتع بمزايا الإسلام وفوائده، وربما خدع الشيطان المؤمن الموقن بترغيبه في الزيادة من أعمال العبادات السهلة ولا سيما إذا كان داخلًا في دين جديد لما في ذلك من الرياء والسمعة، والاستواء في الظاهر مدعاة الالتباس والاشتباه.

الشدائد تميز بين القوي في الإيمان والضعيف فيه فهي التي ترفع ضعيف العزيمة إلى مرتبة قويها، وتزيل الالتباس بين الصادقين والمنافقين، وفي ذلك فوائد كبيرة منها أن الصادق قد يفضي ببعض أسرار الملة إلى المنافق لما يغلب عليه من حسن الظن والانخداع بأداء المنافق للواجبات الظاهرة ومشاركته للصادقين في سائر الأعمال فإذا عرفه اتقى ذلك، ومنها أن تعرف الجماعة وزن قوتها الحقيقية لأنها بانكشاف حال المنافقين لها تعرف أنهم عليها لا لها، وبانكشاف حال الضعفاء الذين لم تربهم الشدة تعرف أنهم لا عليها ولا لها.

هذا بعض ما تكشفه الشدة للجماعة من ضرر الالتباس، وأما الأفراد فإنها تكشف لهم حجب الغرور بأنفسهم، فإن المؤمن الصادق قد يغتر بنفسه فلا يدرك ما فيها من الضعف في الاعتقاد والأخلاق لأن هذا مما يخفي مكانه على صاحبه حتى تظهره الشدائد.

فلما كان هذا اللبس ضارًا بالأفراد والجماعات ولم يكن من شأن الله ولا من حكمته أن يستبقي في عباده ما يضرهم مضت سنته بأن يميز الخبيث من الطيب فتظهر الخفايا وتبلى السرائر حتى يرتفع الالتباس، ويتضح المنهج السوي للناس.

قد يخطر في البال أن أقرب وسيلة لرفع اللبس هي أن يطلع الله المؤمنين على الغيب فيعرفوا حقيقة أنفسهم، وحقائق الناس الذين يعيشون معهم، ولكن الله تعالى أخبر أن هذا ليس من شأنه ولا من سنته، كما أن ترك الالتباس والاشتباه ليس من سنته فقال: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ  ﴾ وإنما لم يكن من شأنه إطلاع الناس على الغيب لأنه لو فعل ذلك لأخرج الإنسان عن كونه إنسانًا فإنه تعالى خلق الإنسان نوعًا عاملًا يحصل جميع رغائبه ويدفع جميع مكارهه بالعمل الكسبي الذي ترشده إليه الفطرة وهدى النبوة، ولذلك جرت سنته بأن يزيل هذا اللبس، ويميز بين الخبيث والطيب بالابتلاء بالشدائد، وما تتقاضاه من بذل الأموال والأرواح في سبيله التي هي سبيل الحق والخير لا سبيل الهوى كما ابتلى المؤمنين في واقعة أُحد بجيش عظيم، وابتلاهم باختيار الخروج لمحاربته، وابتلى الرماة منهم بالمخالفة وإخلاء ظهور قومهم لعدوهم، ثم ابتلاهم بظهور العدو عليهم جزاء على ما ذكر حتى ظهر نفاق المنافقين، وزلزال ضعفاء المؤمنين، وثبات كملة الموقنين، ﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ  ﴾ أي يصطفيهم على ما شاء من الغيب وهو ما في تبليغه للناس مصلحة ومنفعة لهم في الإيمان كصفات الله تعالى واليوم الآخر وبعض شؤونه والملائكة.

وهذا هو الغيب الذي أمر المكلفون بالإيمان به ومدحوا عليه في مثل قوله تعالى: ﴿ الم  ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ  الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله