الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ١٧٥ من سورة آل عمران
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 125 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٧٥ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ثم قال تعالى : ( إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه ) أي : يخوفكم أولياءه ، ويوهمكم أنهم ذوو بأس وذوو شدة ، قال الله تعالى : ( فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين ) [ أي : ف ] إذا سول لكم وأوهمكم فتوكلوا علي والجئوا إلي ، فأنا كافيكم وناصركم عليهم ، كما قال تعالى : ( أليس الله بكاف عبده ويخوفونك بالذين من دونه ) إلى قوله : ( قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون ) [ الزمر : 36 - 38 ] وقال تعالى : ( فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا ) [ النساء : 76 ] وقال تعالى : ( أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون ) [ المجادلة : 19 ] وقال تعالى : ( كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز ) [ المجادلة : 21 ] وقال [ تعالى ] ( ولينصرن الله من ينصره ) [ الحج : 40 ] وقال تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم [ ويثبت أقدامكم ] ) [ محمد : 7 ] وقال تعالى : ( إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد .
يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار ) [ غافر : 51 ، 52 ] .
القول في تأويل قوله : إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ قال أبو جعفر: يعني بذلك تعالى ذكره: إنما الذي قال لكم، أيها المؤمنون: إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ ، فخوفوكم بجموع عدوّكم ومسيرهم إليكم، من فعل الشيطان ألقاه على أفواه من قال ذلك لكم، يخوفكم بأوليائه من المشركين -أبي سفيان وأصحابه من قريش- لترهبوهم، وتجبنوا عنهم، كما:- 8256 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " إنما ذلكم الشيطان يخوّف أولياءه "، يخوف والله المؤمنَ بالكافر، ويُرهب المؤمن بالكافر.
8257 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال مجاهد: " إنما ذلكم الشيطان يخوّف أولياءه "، قال: يخوّف المؤمنين بالكفار.
8258 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: " إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه "، يقول: الشيطان يخوّف المؤمنين بأوليائه.
8259 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " إنما ذلكم الشيطان يخوّف أولياءه "، أي: أولئك الرهط، يعني النفر من عبد القيس، الذين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما قالوا، وما ألقى الشيطان على أفواههم=" يخوّف أولياءه "، أي: يرهبكم بأوليائه.
(10) 8260 - حدثني يونس قال، أخبرنا علي بن معبد، عن عتاب بن بشير مولى قريش، عن سالم الأفطس في قوله: " إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه "، قال: يخوفكم بأوليائه.
* * * وقال آخرون: معنى ذلك، إنما ذلكم الشيطان يعظِّم أمر المشركين، أيها المنافقون، في أنفسكم فتخافونه.
* ذكر من قال ذلك: 8261 - حدثنا محمد قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: ذكر أمر المشركين وعِظمهم في أعين المنافقين فقال: " إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه "، يعظم أولياءه في صدوركم فتخافونه.
* * * قال أبو جعفر: فإن قال قائل: وكيف قيل: " يخوف أولياءه "؟
وهل يخوف الشيطان أولياءه؟
[وكيف] قيل= إن كان معناه يخوّفكم بأوليائه=" يخوف أولياءه "؟
(11) قيل: ذلك نظير قوله: لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا [سورة الكهف: 2] بمعنى: لينذركم بأسه الشديد، وذلك أن البأس لا يُنذر، وإنما ينذر به.
(12) * * * وقد كان بعض أهل العربية من أهل البصرة يقول: معنى ذلك: يخوف الناسَ أولياءه، كقول القائل: " هو يُعطي الدراهم، ويكسو الثياب "، بمعنى: هو يعطي الناس الدراهم ويكسوهم الثياب، فحذف ذلك للاستغناء عنه.
* * * قال أبو جعفر: وليس الذي شبه [من] ذلك بمشتبه، (13) لأن " الدراهم " في قول القائل: " هو يعطي الدراهم "، معلوم أن المعطَى هي" الدراهم "، وليس كذلك " الأولياء " -في قوله: " يخوف أولياءه "- مخوَّفين، (14) بل التخويف من الأولياء لغيرهم، فلذلك افترقا.
* * * القول في تأويل قوله : فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (175) قال أبو جعفر: يقول: فلا تخافوا، أيها المؤمنون، المشركين، ولا يعظُمَن عليكم أمرهم، ولا ترهبوا جمعهم، مع طاعتكم إياي، ما أطعتموني واتبعتم أمري، وإني متكفِّل لكم بالنصر والظفر، (15) ولكن خافون واتقوا أن تعصوني وتخالفوا أمري، فتهلكوا=" إن كنتم مؤمنين "، يقول: ولكن خافونِ دون المشركين ودون جميع خلقي، أنْ تخالفوا أمري، إن كنتم مصدِّقي رسولي وما جاءكم به من عندي.
---------------- الهوامش : (10) الأثر: 8259 - سيرة ابن هشام 3: 128 ، وهو تتمة الآثار التي آخرها: 8253.
(11) في المطبوعة والمخطوطة: "وهل يخوف الشيطان أولياءه؟
قيل إن كان معناه يخوفكم بأوليائه" وهو كلام لا يستقيم ، ورجحت أن الناسخ أسقط ما زدته بين القوسين.
(12) انظر معاني القرآن للفراء 1: 248.
(13) في المطبوعة: "الذي شبه ذلك بمشبه" ، والذي في المخطوطة مثله إلا أنه كتب"بمشتبه" ورجحت أن الناسخ أسقط"من" فوضعها بين القوسين ، مع إثبات نص المخطوطة ، وهو الصواب.
(14) السياق: "وليس كذلك الأولياء.
.
.
مخوفين".
(15) في المخطوطة: "وإني متكلف لكم بالنصر" ، وهو خطأ فاحش ، تعالى ربنا عن أن يتكلف شيئًا ، وهو القادر الذي لا يؤوده شيء.
وقد أصاب ناشر الطبعة السالفة فيما فعل.
قوله تعالى : إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنينقال ابن عباس وغيره : المعنى يخوفكم أولياءه ; أي بأوليائه ، أو من أوليائه ; فحذف حرف الجر ووصل الفعل إلى الاسم فنصب .
كما قال تعالى : لينذر بأسا شديدا أي لينذركم ببأس شديد ; أي يخوف المؤمن بالكافر .
وقال الحسن والسدي : المعنى يخوف أولياءه المنافقين ; ليقعدوا عن قتال المشركين .
فأما أولياء الله فإنهم لا يخافونه إذا خوفهم .
وقد قيل : إن المراد هذا الذي يخوفكم بجمع الكفار شيطان من شياطين الإنس ; إما نعيم بن مسعود أو غيره ، على الخلاف في ذلك كما تقدم .
فلا تخافوهم أي لا تخافوا الكافرين المذكورين في قوله : إن الناس قد جمعوا لكم .
أو يرجع إلى الأولياء إن قلت : إن المعنى يخوف بأوليائه أي يخوفكم أولياءه .قوله تعالى : وخافون أي خافوني في ترك أمري إن كنتم مصدقين بوعدي .
والخوف في كلام العرب الذعر .
وخاوفني فلان فخفته ، أي كنت أشد خوفا منه .
والخوفاء المفازة لا ماء بها .
ويقال : ناقة خوفاء وهي الجرباء .
والخافة كالخريطة من الأدم يشتار فيها العسل .
قال سهل بن عبد الله : اجتمع بعض الصديقين إلى إبراهيم الخليل فقالوا : ما الخوف ؟
فقال : لا تأمن حتى تبلغ المأمن .
قال سهل : وكان الربيع بن خيثم إذا مر بكير يغشى عليه ; فقيل لعلي بن أبي طالب ذلك ; فقال : إذا أصابه ذلك فأعلموني .
فأصابه فأعلموه ، فجاءه فأدخل يده في قميصه فوجد حركته عالية فقال : أشهد أن هذا أخوف أهل زمانكم .
فالخائف من الله تعالى هو [ ص: 266 ] أن يخاف أن يعاقبه إما في الدنيا وإما في الآخرة ; ولهذا قيل : ليس الخائف الذي يبكي ويمسح عينيه ، بل الخائف الذي يترك ما يخاف أن يعذب عليه .
ففرض الله تعالى على العباد أن يخافوه فقال : وخافون إن كنتم مؤمنين وقال : وإياي فارهبون .
ومدح المؤمنين بالخوف فقال : يخافون ربهم من فوقهم .
ولأرباب الإشارات في الخوف عبارات مرجعها إلى ما ذكرنا .
قال الأستاذ أبو علي الدقاق : دخلت على أبي بكر بن فورك رحمه الله عائدا ، فلما رآني دمعت عيناه ، فقلت له : إن الله يعافيك ويشفيك .
فقال لي : أترى أني أخاف من الموت ؟
إنما أخاف مما وراء الموت .
وفي سنن ابن ماجه عن أبي ذر قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إني أرى ما لا ترون وأسمع ما لا تسمعون أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجدا لله والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا وما تلذذتم بالنساء على الفرشات ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله والله لوددت أني كنت شجرة تعضد .
خرجه الترمذي وقال : حديث حسن غريب .
ويروى من غير هذا الوجه أن أبا ذر قال : ( لوددت أني كنت شجرة تعضد ) ، والله أعلم .
{ إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه } أي: إن ترهيب من رهب من المشركين، وقال: إنهم جمعوا لكم، داع من دعاة الشيطان، يخوف أولياءه الذين عدم إيمانهم، أو ضعف.
{ فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين } أي: فلا تخافوا المشركين أولياء الشيطان، فإن نواصيهم بيد الله، لا يتصرفون إلا بقدره، بل خافوا الله الذي ينصر أولياءه الخائفين منه المستجيبين لدعوته.
وفي هذه الآية وجوب الخوف من الله وحده، وأنه من لوازم الإيمان، فعلى قدر إيمان العبد يكون خوفه من الله، والخوف المحمود: ما حجز العبد عن محارم الله.
قوله تعالى : ( إنما ذلكم الشيطان ) يعني : ذلك الذي قال لكم : ( إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم ) من فعل الشيطان ألقى في أفواههم ليرهبوهم ويجبنوا عنهم ، ( يخوف أولياءه ) أي يخوفكم بأوليائه ، وكذلك هو في قراءة أبي بن كعب يعني : يخوف المؤمنين بالكافرين قال السدي : يعظم أولياءه في صدورهم ليخافوهم يدل عليه قراءة عبد الله بن مسعود " يخوفكم أولياءه " ( فلا تخافوهم وخافون ) في ترك أمري ( إن كنتم مؤمنين ) مصدقين بوعدي فإني متكفل لكم بالنصرة والظفر .
«إنما ذلكم» أي القائل لكم إن الناس إلخ «الشيطان يخوِّفُ» ـكم «أولياءه» الكفار «فلا تخافوهم وخافون» في ترك أمري «إن كنتم مؤمنين» حقَّا.
إنَّما المثبِّط لكم في ذلك هو الشيطان جاءكم يخوِّفكم أنصاره، فلا تخافوا المشركين؛ لأنّهم ضعاف لا ناصر لهم، وخافوني بالإقبال على طاعتي إن كنتم مصدِّقين بي، ومتبعين رسولي.
ثم أمر الله - تعالى - عباده المؤمنين أن يجعلوا خشيتهم وخوفهم منه وحده ، فقال - تعالى - : { إِنَّمَا ذلكم الشيطان يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ } .فالخطاب فى الآية الكريمة للمؤمنين ، والإشارة بذلك إلى المثبط بالذات أو بالواسطة .وقوله { إِنَّمَا } أداة حصر ، و { ذلكم } مبتدأ و { الشيطان } خبره ، وقوله : { يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ } جملة مستأنفة مبينة لشيطنته .وقيل إن { ذلكم } مبتدأ أول ، و { الشيطان } مبتدأ ثان .
وقوله : { يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ } خبر للمبتدأ الثانى .
وهو وخبره خبر للمبتدأ الأول .والمراد بالشيطان إبليس لأنه علم بالغلبة عليه ولأنه هو الذى يخوف بالوسوسة .
وقيل المراد به أتباعه الذين دسهم لكى يرهبوا المؤمنين من الكافرين وهم جماعة بنى عبد القيس أو نعيم بن مسعود المجاشعى .إنما ذلكم المثبط لكم عن لقاء أعدائكم هو الشيطان ، الذى يوسوس فى قلوبكم بالشر بذاته ، أو بواسطة أتباعه الضالين ، ومن شأن المؤمنين الصادقين أنهم لا يتأثرون بهذه الوساوس الكاذبة ، وإنما الذين يتأثرون بها هم ضعاف الإيمان .وقوله { يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ } أى يخوف أولياءه المنافقين وضعفاء الإيمان ليقعدوا عن مقاتلة المشركين .
أما أنتم أيها المؤمنون الصادقون فإنكم لن يقعدكم تخويفه ، لأن هذا التخويف لا أثر له فى قلب من آمن بالله حق الإيمان ، واتقاه حق تقاته .وقيل إن معنى { يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ } يخوفكم بأوليائه فحذف المفعول وحذف الجار .
كما فى قوله : { فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي اليم } أى فإذا خفت عليه فرعون .
فحذف المفعول .
وكما فى قوله : { لِيُنذِرَ يَوْمَ التلاق } أى لينذركم يوم التلاقى .وقيل إن المعنى : يخوفكم أولياءه فحذف المفعول الأول كما تقول : أعطيت الأموال ، أى أعطيت القوم الأموال .وقوله { فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ } أى فلا تخافوا أولياء الشيطان ، بل اجعلوا خوفكم منى وحدى ، إن كنتم مؤمنين حقا .فالمقصود بهذه الجملة الكريمة تشجيعهم ، وتقويتهم ، وإلهاب شعورهمن إذ الإيمان الحق يستلزم الخوف من الله دون سواه .والمراد بالنهى عن الخوف وهو أمر نفسى : النهى عن أسبابه التى من أهمها حب الدنيا وكراهية الموت أى خذوا بأسباب القوة التى من أهمها التمسك بتقوى الله فإن ذلك يزيل الخوف من قلوبكم .وفى المقابلة بين النهى عن الخوف من أولياء الشيطان ، وبين الأمر بأن يكون خوفهم من الله وحده ، فى هذه المقابلة إرشاد إلى العلاج الذى يزيل الخوف والفزع من نفوسهم .
لأن الذى يجعل خشيته وخوفه من الله وحده لن يستطيع الشيطان أو أولياؤه أن يبعدوه عن الطريق القويم وصدق الله إذ يقول : { إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ } وبذلك ترى أن الآيات الكريمة قد رفعت منازل الشهداء إلى أعلى الدرجات ، وصرحت بأنهم أحياء عند ربهم يرزقون .
كما أثنت ثناء مستطابا على الذين لبوا دعوة رسولهم صلى الله عليه وسلم حين دعاهم إلى الجهاد فى سبيل الله ، ولم يمنعهم عن إجابة دعوته ما بهم من جراح ، أو ما قاله لهم المرجفون من أقوال باطلة ، فرضى الله عنهم وأرضاهم .ثم أخذ القرآن فى تسلية النبى صلى الله عليه وسلم عما يراه من كفر الكفارين .
وعناد المعاندين ، وفى بيان أن كفر الكافر إنما يعود عليه ضرره لا على غيره ، وأنه - سبحانه - يملى للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته ، وأن حكمته - سبحانه - تقتضى تمييز الخبيث من الطيب .
فقال - تعالى - : { وَلاَ يَحْزُنكَ الذين .
.
.
} .
اعلم أن قوله: ﴿ الشيطان ﴾ خبر ﴿ ذلكم ﴾ بمعنى: انما ذلكم المثبط هو الشيطان ﴿ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ ﴾ جملة مستأنفة بيان لتثبيطه، أو ﴿ الشيطان ﴾ صفة لاسم الاشارة و ﴿ يُخَوّفُ ﴾ الخبر، والمراد بالشيطان الركب، وقيل: نعيم بن مسعود، وسمي شيطاناً لعتوه وتمرده في الكفر، كقوله: ﴿ شياطين الإنس والجن ﴾ وقيل: هو الشيطان يخوف بالوسوسة.
أما قوله تعالى: ﴿ يُخَوّفُ أَوْلِيَاءهُ ﴾ ففيه سؤال: وهو أن الذين سماهم الله بالشيطان إنما خوفوا المؤمنين، فما معنى قوله: ﴿ الشيطان يُخَوّفُ أَوْلِيَاءهُ ﴾ والمفسرون ذكروا فيه ثلاثة أوجه: الأول: تقدير الكلام: ذلكم الشيطان يخوفكم بأوليائه، فحذف المفعول الثاني وحذف الجار، ومثال حذف المفعول الثاني قوله تعالى: ﴿ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي اليم ﴾ أي فاذا خفت عليه فرعون، ومثال حذف الجار قوله تعالى: ﴿ لِّيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا ﴾ معناه: لينذركم ببأس وقوله: ﴿ لِيُنذِرَ يَوْمَ التلاق ﴾ أي لينذركم بيوم التلاق، وهذا قول الفراء، والزجاج، وأبي علي.
قالوا: ويدل عليه قراءة أبي بن كعب ﴿ يخوفكم بأوليائه ﴾ .
القول الثاني: أن هذا على قول القائل: خوفت زيدا عمرا، وتقدير الآية: يخوفكم أولياءه، فحذف المفعول الأول، كما تقول: أعطيت الأموال، أي أعطيت القوم الأموال، قال ابن الانباري: وهذا أولى من ادعاء جار لا دليل عليه وقوله: ﴿ لِّيُنْذِرَ بَأْسًا ﴾ أي لينذركم بأساً وقوله: ﴿ لِيُنذِرَ يَوْمَ التلاق ﴾ أي لينذركم يوم التلاق والتخويف يتعدى إلى مفعولين من غير حرف جر تقول: خاف زيد القتال، وخوفته القتال وهذا الوجه يدل عليه قراءة ابن مسعود ﴿ يخوفكم أَوْلِيَاءهُ ﴾ .
القول الثالث: أن معنى الآية: يخوف أولياءه المنافقين ليقعدوا عن قتال المشركين، والمعنى الشيطان يخوف أولياءه الذين يطيعونه ويؤثرون أمره، فأما أولياء الله، فانهم لا يخافونه إذا خوفهم ولا ينقادون لأمره ومراده منهم، وهذا قول الحسن والسدي، فالقول الأول فيه محذوفان، والثاني فيه محذوف واحد، والثالث لا حذف فيه.
وأما الأولياء فهم المشركون والكفار، وقوله: ﴿ فَلاَ تَخَافُوهُمْ ﴾ الكناية في القولين الأولين عائدة إلى الأولياء.
وفي القول الثالث عائدة إلى ﴿ الناس ﴾ في قوله: ﴿ إِنَّ الناس قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ ﴾ ﴿ فَلاَ تَخَافُوهُمْ ﴾ فتقعدوا عن القتال وتجنبوا ﴿ وَخَافُونِ ﴾ فجاهدوا مع رسولي وسارعوا إلى ما يأمركم به ﴿ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ يعني أن الايمان يقتضي أن تؤثروا خوف الله على خوف الناس.
<div class="verse-tafsir"
﴿ الشيطان ﴾ خبر ذلكم، بمعنى: إنما ذلكم المثبط هو الشيطان.
ويخوّف أولياءه: جملة مستأنفة بيان لشيطنته.
أو الشيطان صفة لاسم الإشارة.
ويخوف الخبر.
والمراد بالشيطان نعيم، أو أبو سفيان.
ويجوز أن يكون على تقدير حذف المضاف، بمعنى إنما ذلكم قول الشيطان، أي قول إبليس لعنه الله ﴿ يُخَوّفُ أَوْلِيَاءهُ ﴾ يخوّفكم أولياءه الذين هم أبو سفيان وأصحابه.
وتدل عليه قراءة ابن عباس وابن مسعود: ﴿ يخوفكم أولياءه ﴾ .
وقوله: فلا تخافوهم.
وقيل يخوّف أولياءه القاعدين عن الخروج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فإن قلت: فإلام رجع الضمير في ﴿ فَلاَ تَخَافُوهُمْ ﴾ على هذا التفسير؟
قلت: إلى الناس في قوله: ﴿ إِنَّ الناس قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ ﴾ [آل عمران: 183] فلا تخافوهم فتقعدوا عن القتال وتجبنوا ﴿ وَخَافُونِ ﴾ فجاهدوا مع رسولي وسارعوا إلى ما يأمركم به ﴿ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ يعني أنّ الإيمان يقتضي أن تؤثرواخوف الله على خوف الناس ﴿ وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ الله ﴾ [الأحزاب: 39] .
<div class="verse-tafsir"
﴿ فانْقَلَبُوا ﴾ فَرَجَعُوا مِن بَدْرٍ.
﴿ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ ﴾ عافِيَةٍ وثَباتٍ عَلى الإيمانِ وزِيادَةٍ فِيهِ.
﴿ وَفَضْلٍ ﴾ ورِبْحٍ في التِّجارَةِ فَإنَّهم لَمّا أتَوْا بَدْرًا وأوْفَوْا بِها سُوقًا فاتَّجَرُوا ورَبِحُوا.
﴿ لَمْ يَمْسَسْهم سُوءٌ ﴾ مِن جِراحَةٍ وكَيْدِ عَدُوٍّ.
﴿ واتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ ﴾ الَّذِي هو مَناطُ الفَوْزِ بِخَيْرِ الدّارَيْنِ بِجَراءَتِهِمْ وخُرُوجِهِمْ.
﴿ واللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ﴾ قَدْ تَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ بِالتَّثْبِيتِ وزِيادَةِ الإيمانِ والتَّوْفِيقِ لِلْمُبادَرَةِ إلى الجِهادِ، والتَّصَلُّبِ في الدِّينِ وإظْهارِ الجَراءَةِ عَلى العَدُوِّ، وبِالحِفْظِ عَنْ كُلِّ ما يَسُوءُهُمْ، وإصابَةِ النَّفْعِ مَعَ ضَمانِ الأجْرِ حَتّى انْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ.
وفِيهِ تَحْسِيرٌ لِلْمُتَخَلِّفِ وتَخْطِئَةُ رَأْيِهِ حَيْثُ حَرَمَ نَفْسَهُ ما فازُوا بِهِ.
﴿ إنَّما ذَلِكُمُ الشَّيْطانُ ﴾ يُرِيدُ بِهِ المُثَبِّطَ نُعَيْمًا أوْ أبا سُفْيانَ، والشَّيْطانُ خَبَرُ ذَلِكُمُ وما بَعْدَهُ بَيانٌ لِشَيْطَنَتِهِ أوْ صِفَتِهِ وما بَعْدَهُ خَبَرٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى قَوْلِهِ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ إنَّما ذَلِكم قَوْلُ الشَّيْطانِ يَعْنِي إبْلِيسَ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ.
﴿ يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ ﴾ القاعِدِينَ عَنِ الخُرُوجِ مَعَ الرَّسُولِ، أوْ يُخَوِّفُكم أوْلِياءَهُ الَّذِينَ هم أبُو سُفْيانَ وأصْحابُهُ.
﴿ فَلا تَخافُوهُمْ ﴾ الضَّمِيرُ لِلنّاسِ الثّانِي عَلى الأوَّلِ وإلى الأوْلِياءِ عَلى الثّانِي.
﴿ وَخافُونِ ﴾ في مُخالَفَةِ أمْرِي فَجاهِدُوا مَعَ رَسُولِي.
إنْ ﴿ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ فَإنَّ الإيمانَ يَقْتَضِي إيثارَ خَوْفِ اللَّهِ تَعالى عَلى خَوْفِ النّاسِ.
<div class="verse-tafsir"
{إِنَّمَا ذلكم الشيطان} هو خبر ذلكم أي
آل عمران (١٧٥ _ ١٧٨)
إنما ذلكم المثبط هو الشيطان وهو نعيم {يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ} أي المنافقين وهو جملة مستأنفة بيان لشيطنته أو الشيطاتن صفة لاسم الاشارة ويخوف الخبر {فَلاَ تَخَافُوهُمْ} أي أولياءه {وَخَافُونِ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ} لأن الإيمان يقتضي أن يؤثر العبد خوف الله على خوف غيره وخافونى في الوصل والوقف سهل ويعقوب وافقهما أبو عمرو في الوصل
﴿ إنَّما ذَلِكُمُ ﴾ الإشارَةُ إلى المُثَبِّطِ بِالذّاتِ أوْ بِالواسِطَةِ، والخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ وهو مُبْتَدَأٌ، وقَوْلُهُ: ﴿ الشَّيْطانُ ﴾ بِمَعْنى إبْلِيسَ لِأنَّهُ عَلَمٌ لَهُ بِالغَلَبَةِ خَبَرُهُ عَلى التَّشْبِيهِ البَلِيغِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِشَيْطَنَتِهِ، أوْ حالٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً ﴾ .
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الشَّيْطانُ صِفَةً لِاسْمِ الإشارَةِ عَلى التَّشْبِيهِ أيْضًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَجازًا حَيْثُ جَعَلَهُ هو ويُخَوِّفُ هو الخَبَرُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذا إشارَةً إلى قَوْلِ المُثَبِّطِ فَلا بُدَّ حِينَئِذٍ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ قَوْلُ الشَّيْطانِ، والمُرادُ بِهِ إبْلِيسُ أيْضًا، ولا تَجَوُّزَ فِيهِ عَلى الصَّحِيحِ، وإنَّما التَّجَوُّزُ في الإضافَةِ إلَيْهِ؛ لِأنَّهُ لَمّا كانَ القَوْلُ بِوَسْوَسَتِهِ وسَبَبِهِ جُعِلَ كَأنَّهُ قَوْلُهُ، والمُسْتَكِنُّ في (يُخَوِّفُ) إمّا لِلْمُقَدَّرِ وإمّا لِلشَّيْطانِ بِحَذْفِ الرّاجِعِ إلى المُقَدَّرِ أيْ يُخَوِّفُ بِهِ، والمُرادُ بِأوْلِيائِهِ إمّا أبُو سُفْيانَ وأصْحابُهُ، فالمَفْعُولُ الأوَّلُ لِيُخَوِّفُ مَحْذُوفٌ أيْ يُخَوِّفُكم أوْلِياءَهُ بِأنْ يُعَظِّمَهم في قُلُوبِكم، ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا ﴾ وبِذِكْرِ هَذا المَفْعُولِ قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ.
وقَرَأُ بَعْضُهم يُخَوِّفُكم بِأوْلِيائِهِ، وعَلى هَذا المَعْنى أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الزَّجّاجُ وأبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ وغَيْرُهُما، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا تَخافُوهُمْ ﴾ أيْ فَلا تَخافُوا أوْلِياءَهُ الَّذِينَ خَوَّفَكم إيّاهم ﴿ وخافُونِ ﴾ في مُخالَفَةِ أمْرِي، وإمّا المُتَخَلِّفُونَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَأوْلِياءَهُ هو المَفْعُولُ الأوَّلُ، والمَفْعُولُ الثّانِي إمّا مَتْرُوكٌ أوْ مَحْذُوفٌ لِلْعِلْمِ بِهِ أيْ يُوقِعُهم في الخَوْفِ، أوْ يُخَوِّفُهم مِن أبِي سُفْيانَ وأصْحابِهِ، وعَلى هَذا لا يَصِحُّ عَوْدُ ضَمِيرِ ﴿ تَخافُوهُمْ ﴾ إلى الأوْلِياءِ بَلْ هو راجِعٌ إلى النّاسِ.
الثّانِي كَضَمِيرِ -اخْشَوْهم - فَهو رَدٌّ لَهُ أيْ فَلا تَخافُوا النّاسَ وتَقْعُدُوا عَنِ القِتالِ وتَجْبُنُوا ﴿ وخافُونِ ﴾ فَجاهِدُوا مَعَ رَسُولِي وسارِعُوا إلى امْتِثالِ ما يَأْمُرُكم بِهِ، وإلى هَذا الوَجْهِ ذَهَبَ الحَسَنُ والسُّدِّيُّ، وادَّعى الطِّيبِيُّ أنَّ النَّظْمَ يُساعِدُ عَلَيْهِ، والخِطابُ حِينَئِذٍ لِفَرِيقَيِ الخارِجِينَ والمُتَخَلِّفِينَ، والقَصْدُ التَّعْرِيضُ بِالطّائِفَةِ الأخِيرَةِ، وقِيلَ: الخِطابُ لَها، و ﴿ أوْلِياءَهُ ﴾ إذْ ذاكَ مِن وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ نَعْيًا عَلَيْهِمْ بِأنَّهم أوْلِياءُ الشَّيْطانِ، واسْتَظْهَرَ بَعْضُهم هَذا القِيلَ مُطْلَقًا مُعَلِّلًا لَهُ بِأنَّ الخارِجِينَ لَمْ يَخافُوا إلّا اللَّهَ تَعالى.
﴿ وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ ﴾ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ قِيامَ احْتِمالِ التَّعْرِيضِ يُمْرِضَ هَذا التَّعْلِيلِ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ النَّهْيِ أوِ الِانْتِهاءِ عَلى ما قَبْلَها، فَإنَّ كَوْنَ المُخَوِّفِ شَيْطانًا أوْ قَوْلًا لَهُ مِمّا يُوجِبُ عَدَمَ الخَوْفِ والنَّهْيِ عَنْهُ، وأثْبَتَ أبُو عَمْرٍو ياءَ (وخافُونِ) وصْلًا، وحَذَفَها وقْفًا، والباقُونَ يَحْذِفُونَها مُطْلَقًا وهي ضَمِيرُ المَفْعُولِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ (175) إنْ كانَ الخِطابُ لِلْمُتَخَلِّفِينَ فالأمْرُ فِيهِ واضِحٌ، وإنْ كانَ لِلْخارِجِينَ كانَ مُساقًا لِلْإلْهابِ والتَّهْيِيجِ لَهم لِتَحَقُّقِ إيمانِهِمْ، وإنْ كانَ لِلْجَمِيعِ فَفِيهِ تَغْلِيبٌ، وأيًّا ما كانَ فالجَزاءُ مَحْذُوفٌ، وقِيلَ: إنْ كانَ الخِطابُ فِيما تَقَدَّمَ لِلْمُؤْمِنِينَ الخُلَّصِ لَمْ يَفْتَقِرْ إلى الجَزاءِ لِكَوْنِهِ في مَعْنى التَّعْلِيلِ، وإنْ كانَ لِلْآخَرِينَ افْتُقِرَ إلَيْهِ، وكَأنَّ المَعْنى إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَخافُونِي وجاهِدُوا مَعَ رَسُولِي؛ لِأنَّ الإيمانَ يَقْتَضِي أنْ تُؤْثِرُوا خَوْفَ اللَّهِ تَعالى عَلى خَوْفِ النّاسِ.
* * * هَذا (ومِن بابِ الإشارَةِ) في الآياتِ ﴿ ولَئِنْ قُتِلْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ بِسَيْفِ المَحَبَّةِ ﴿ أوْ مُتُّمْ ﴾ بِالمَوْتِ الِاخْتِبارِيِّ ﴿ لَمَغْفِرَةٌ ﴾ أيْ سَتْرٌ لِوُجُودِكم ﴿ مِنَ اللَّهِ ورَحْمَةٌ ﴾ مِنهُ تَعالى بِتَحَلِّيكم بِصِفاتِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ ﴾ أيْ أهْلُ الكَثْرَةِ.
﴿ فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ ﴾ أيْ بِاتِّصافِكَ بِرَحْمَةٍ رَحِيمِيَّةٍ أيْ رَحْمَةٍ تابِعَةٍ لِوُجُودِكَ المَوْهُوبِ الإلَهِيِّ لا الوُجُودِ البَشَرِيِّ ﴿ لِنْتَ لَهم ولَوْ كُنْتَ فَظًّا ﴾ مَوْصُوفًا بِصِفاتِ النَّفْسِ كالفَظاظَةِ والغِلَظِ ﴿ لانْفَضُّوا مِن حَوْلِكَ ﴾ ولَمْ يَتَحَمَّلُوا مُؤْنَةَ ذَلِكَ، أوْ يُقالُ: لَوْ لَمْ تَغْلِبْ صِفاتُ الجَمالِ فِيكَ عَلى نُعُوتِ الجَلالِ لَتَفَرَّقُوا عَنْكَ ولَما صَبَرُوا مَعَكَ، أوْ يُقالُ: لَوْ سَقَيْتَهم صَرْفَ شَرابِ التَّوْحِيدِ غَيْرَ مَمْزُوجٍ بِما فِيهِ لَهم حَظٌّ لَتَفَرَّقُوا هائِمِينَ عَلى وُجُوهِهِمْ غَيْرَ مُطِيقِينَ الوُقُوفَ مَعَكَ لَحْظَةً، أوْ يُقالُ: لَوْ كُنْتَ مُدَقِّقًا عَلَيْهِمْ أحْكامَ الحَقائِقِ لَضاقَتْ صُدُورُهم ولَمْ يَتَحَمَّلُوا أثْقالَ حَقِيقَةِ الآدابِ في الطَّرِيقِ، ولَكِنْ سامَحْتَهم بِالشَّرِيعَةِ والرُّخَصِ.
﴿ فاعْفُ عَنْهُمْ ﴾ فِيما يَتَعَلَّقُ بِكَ مِن تَقْصِيرِهِمْ مَعَكَ لِعُلُوِّ شَأْنِكَ وكَوْنِكَ لا تَرى في الوُجُودِ غَيْرَ اللَّهِ ﴿ واسْتَغْفِرْ لَهُمْ ﴾ فِيما يَتَعَلَّقُ بِحَقِّ اللَّهِ تَعالى لِاعْتِذارِهِمْ أوِ اسْتَغْفِرْ لَهم ما يَجْرِي في صُدُورِهِمْ مِنَ الخَطِراتِ الَّتِي لا تَلِيقُ بِالمَعْرِفَةِ ﴿ وشاوِرْهم في الأمْرِ ﴾ إذا كُنْتَ في مَقامِ الفِعْلِ اخْتِبارًا لَهم وامْتِحانًا لِمَقامِهِمْ ﴿ فَإذا عَزَمْتَ ﴾ وذَلِكَ إذا كُنْتَ في مَقامِ مُشاهِدَةِ الرُّبُوبِيَّةِ والخُرُوجِ مِنَ التَّفْرِقَةِ إلى الجَمْعِ، ﴿ فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ ﴾ فَإنَّهُ حَسْبُكَ فِيما يُرِيدُ مِنكَ وتُرِيدُ مِنهُ، وذَكَرَ بَعْضُ المُتَصَوِّفَةِ أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُفْهَمَ مِنَ الآيَةِ كَوْنُ الخِطابِ مَعَ الرُّوحِ الإنْسانِيِّ، وأنَّهُ لِأنَّ لِصِفاتِ النَّفْسِ وقُواها الشَّهَوِيَّةِ والغَضَبِيَّةِ لِتَسْتَوْفِيَ حَظَّها، ويَرْتَبِطُ بِذَلِكَ بَقاءُ النَّسْلِ وصَلاحُ المَعاشِ، ولَوْلا ذَلِكَ لاضْمَحَلَّتْ تِلْكَ القُوى وتَلاشَتْ واخْتَلَّتِ الحِكْمَةُ وفُقِدَتِ الكِمالاتُ الَّتِي خُلِقَ الإنْسانُ لِأجْلِها.
﴿ إنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ ﴾ تَحْقِيقٌ لِمَعْنى التَّوَكُّلِ والتَّوْحِيدِ في الأفْعالِ.
وقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ السّادَةِ قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى أسْرارَهم أنَّ نَصْرَ اللَّهِ تَعالى لِعِبادِهِ مُتَفاوِتُ المَراتِبِ، فَنَصْرُهُ المُرِيدِينَ بِتَوْفِيقِهِمْ لِقَمْعِ الشَّهَواتِ، ونَصْرُهُ المُحِبِّينَ بِنَعْتِ المُداناتِ، ونَصْرُهُ العارِفِينَ بِكَشْفِ المُشاهِداتِ، وقَدْ قِيلَ: إنَّما يُدْرِكُ نَصْرَ اللَّهِ تَعالى مَن تَبَرَّأ مِن حَوْلِهِ وقَوَّتِهِ واعْتَصَمَ بِرَبِّهِ في جَمِيعِ أسْبابِهِ، ﴿ وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ ﴾ لِكَمالِ قُدُسِهُ وغايَةِ أمانَتِهِ فَلَمْ يُخْفِ حَقَّ اللَّهِ تَعالى عَنْ عِبادِهِ، وأعْطى عِلْمَ الحَقِّ لِأهْلِ الحَقِّ، ولَمْ يَضَعْ أسْرارَهُ إلّا عِنْدَ الأُمَناءِ مِن أمَتِّهِ.
﴿ أفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ ﴾ أيِ النَّبِيِّ في مَقامِ الرِّضْوانِ الَّتِي هي جَنَّةُ الصِّفاتِ، لِاتِّصافِهِ بِصِفاتِ اللَّهِ تَعالى ﴿ كَمَن باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ ﴾ وهو الغالُّ المُحْتَجِبُ بِصِفاتِ نَفْسِهِ ﴿ ومَأْواهُ جَهَنَّمُ ﴾ وهي أسْفَلُ حَضِيضِ النَّفْسِ المُظْلِمَةِ ﴿ هم دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ أيْ كُلٌّ مِن أهْلِ الرِّضا والسُّخْطِ مُتَفاوِتُونَ في المَراتِبِ حَسْبَ الِاسْتِعْداداتِ.
﴿ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولا مَنَّ أنْفُسِهِمْ ﴾ إذْ هو صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِرْآةُ الحَقِّ يَتَجَلّى مِنهُ عَلى المُؤْمِنِينَ، ولَوْ تَجَلّى لَهم صِرْفًا لاحْتَرَقُوا بِأوَّلِ سَطَواتِ عَظَمَتِهِ، ومَعْنى كَوْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ (مِن أنْفُسِهِمْ) كَوْنُهُ في لِباسِ البَشَرِ ظاهِرًا بِالصُّورَةِ الَّتِي هم عَلَيْها، وحَمْلُ المُؤْمِنِينَ عَلى العارِفِينَ، والرَّسُولُ عَلى الرُّوحِ الإنْسانِيِّ المُنَوَّرِ بِنُورِ الأسْماءِ والصِّفاتِ المَبْعُوثِ لِإصْلاحِ القُوى غَيْرُ بَعِيدٍ في مَقامِ الإشارَةِ ﴿ أوَلَمّا أصابَتْكم مُصِيبَةٌ ﴾ في أثْناءِ السَّيْرِ في اللَّهِ تَعالى وهي مُصِيبَةُ الفَتْرَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْكم ﴿ قَدْ أصَبْتُمْ ﴾ قُوى النَّفْسِ ﴿ مِثْلَيْها ﴾ مَرَّةً عِنْدَ وُصُولِكم إلى مَقامِ تَوْحِيدِ الأفْعالِ، ومَرَّةً عِنْدَ وُصُولِكم إلى مَقامِ تَوْحِيدِ الصِّفاتِ ﴿ قُلْتُمْ أنّى ﴾ أصابَنا هَذا ونَحْنُ في بَيْداءِ السَّيْرِ في اللَّهِ تَعالى عَزَّ وجَلَّ، ﴿ قُلْ هو مِن عِنْدِ أنْفُسِكُمْ ﴾ لِأنَّهُ بَقِيَ فِيها بَقِيَّةٌ ما مِن صِفاتِها، ولا يُنافِي قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ قُلْ كُلٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴾ لِأنَّ السَّبَبَ الفاعِلَ في الجَمِيعِ هو الحَقُّ جَلَّ شَأْنُهُ، والسَّبَبَ القابِلِيَّ أنْفُسُهم، ولا يَفِيضُ مِنَ الفاعِلِ إلّا ما يَلِيقُ بِالِاسْتِعْدادِ، ويَقْتَضِيهِ، فَبِاعْتِبارِ الفاعِلِ يَكُونُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وبِاعْتِبارِ القابِلِ يَكُونُ مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ، ورُبَّما يُقالُ ما يَكُونُ مِن أنْفُسِهِمْ أيْضًا يَكُونُ مِنَ اللَّهِ تَعالى نَظَرًا إلى التَّوْحِيدِ إذْ لا غَيْرَ ثَمَّةَ.
﴿ ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ سَواءٌ قُتِلُوا بِالجِهادِ الأصْغَرِ وبَذْلِ الأنْفُسِ طَلَبًا لِرِضا اللَّهِ تَعالى، أوْ بِالجِهادِ الأكْبَرِ وكَسْرِ النَّفْسِ وقَمْعِ الهَوى بِالرِّياضَةِ ﴿ أمْواتًا بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾ بِالحَياةِ الحَقِيقِيَّةِ مُقَرَّبِينَ في حَضْرَةِ القُدُسِ ﴿ يُرْزَقُونَ ﴾ مِنَ الأرْزاقِ المَعْنَوِيَّةِ وهي المَعارِفُ والحَقائِقُ، وقَدْ ورَدَ في بَعْضِ الأخْبارِ «أنَّ أرْواحَ الشُّهَداءِ في أجُوافِ طَيْرٍ خُضْرٍ تَدُورُ في أنْهارِ الجَنَّةِ، وتَأْكُلُ مِن ثِمارِها، وتَأْوِي إلى قَنادِيلَ مِن ذَهَبٍ مُعَلَّقَةٍ في ظِلِّ العَرْشِ»، ونَقَلَ ذَلِكَ بِهَذا اللَّفْظِ بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ، وجَعَلَ الطَّيْرَ الخُضْرَ إشارَةً إلى الأجْرامِ السَّماوِيَّةِ، والقَنادِيلَ مِن ذَهَبٍ إشارَةً إلى الكَواكِبِ، وأنْهارَ الجَنَّةِ مَنابِعَ العُلُومِ ومَشارِعَها، وثِمارَها الأحْوالَ والمَعارِفَ.
والمَعْنى أنَّ أرْواحَ الشُّهَداءِ تَتَعَلَّقُ بِالنَّيِّراتِ مِنَ الأجْرامِ السَّماوِيَّةِ بِنَزاهَتِها، وتَرِدُ مَشارِعُ العُلُومِ وتَكْتَسِبُ هُناكَ المَعارِفَ والأحْوالَ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا مِمّا لا يَنْبَغِي اعْتِقادُهُ كَما أشَرْنا إلَيْهِ فِيما سَبَقَ، فَإنْ كانَ ولا بُدَّ مِنَ التَّأْوِيلِ فَلْيُجْعَلِ الطَّيْرُ إشارَةً إلى الصُّوَرِ الَّتِي تَظْهَرُ بِها الأرْواحُ بِناءً عَلى أنَّها جَواهِرُ مُجَرَّدَةٌ، وأُطْلِقَ اسْمُ الطَّيْرِ عَلَيْها إشارَةً إلى خِفَّتِها ووُصُولِها بِسُرْعَةٍ حَيْثُ أذِنَ لَها.
ونَظِيرُ ذَلِكَ في الجُمْلَةِ قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في حَدِيثِ: ”«الأطْفالُ هم دَعامِيصُ الجَنَّةِ“» والدَّعامِيصُ جَمْعُ دُعْمُوصٍ وهي دُوْيَّبَةٌ تَكُونُ في مُسْتَنْقَعِ الماءِ كَثِيرَةُ الحَرَكَةِ لا تَكادُ تَسْتَقِرُّ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ الأطْفالَ لَيْسُوا تِلْكَ الدُّوْيَّبَةَ في الجَنَّةِ، لَكِنَّهُ أرادَ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ الإخْبارَ بِأنَّهم سَيّاحُونَ في الجَنَّةِ، فَعَبَّرَ بِذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ، ووَصْفُ الطَّيْرِ بِالخُضْرِ إشارَةٌ إلى حُسْنِها وطَراوَتِها، ومِنهُ خَبَرُ: «إنَّ الدُّنْيا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ» .
وقَوْلُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: إنَّ الغَزْوَ حُلْوٌ خَضِرٌ.
ومِن أمْثالِهِمُ: النَّفْسُ خَضْراءُ، وقَدْ يُرِيدُونَ بِذَلِكَ أنَّها تَمِيلُ لِكُلِّ شَيْءٍ وتَشْتَهِيهِ، وأمْرُ الظَّرْفِيَّةِ في الخَبَرِ سَهْلٌ، وباقِي ما فِيهِ إمّا عَلى ظاهِرِهِ، وإمّا مُؤَوَّلٌ، وعَلى الثّانِي يُرادُ مِنَ الجَنَّةِ الجَنَّةُ المَنَوِيَّةُ وهي جَنَّةُ الذّاتِ والصِّفاتِ، ومِن أنْهارِها ما يَحْصُلُ مِنَ التَّجَلِّياتِ، ومِن ثِمارِها ما يُعَقِّبُ تِلْكَ التَّجَلِّياتِ مِنَ الآثارِ، ومِنَ القَنادِيلِ المُعَلَّقَةِ في ظِلِّ العَرْشِ مَقاماتٌ لا تَكْتَنِهُ مُعَلَّقَةٌ في ظِلِّ عَرْشِ الوُجُودِ المُطْلَقِ المُحِيطِ، وكَوْنُها مِن ذَهَبٍ إشارَةً إلى عَظَمَتِها، وأنَّها لا تُنالُ إلّا بِشِقِّ الأنْفُسِ.
وحاصِلُ المَعْنى عَلى هَذا أنَّ أرْواحَ الشُّهَداءِ الَّذِينَ جادُوا بِأنْفُسِهِمْ في مَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى، أوْ قَتَلَهُمُ الشَّوْقُ إلَيْهِ -عَزَّ شَأْنُهُ- تَتَمَثَّلُ صُوَرًا حَسَنَةً ناعِمَةً طَرِيَّةً يَسْتَحْسِنُها مَن رَآها، تَطِيرُ بِجَناحِيِ القَبُولِ والرِّضا في أنْواعِ التَّجَلِّياتِ الإلَهِيَّةِ، وتَكْتَسِبُ بِذَلِكَ أنْواعًا مِنَ اللَّذائِذِ المَعْنَوِيَّةِ، الَّتِي لا يُقَدِّرُ قَدْرَها، ويَتَجَدَّدُ لَها في مِقْدارِ كَلِّ لَيْلَةٍ مَقامٌ جَلِيلٌ، لا يُنالُ إلّا بِمِثْلِ أعْمالِهِمْ، وذَلِكَ هو النَّعِيمُ المُقِيمُ، والفَوْزُ العَظِيمُ، وكَأنَّ مَن أوَّلَ هَذا الخَبَرَ وأمْثالَهُ قَصَدَ سَدَّ بابِ التَّناسُخُ، ولَعَلَّهُ بِالمَعْنى الَّذِي يَقُولُ بِهِ أهْلُ الضَّلالِ غَيْرُ لازِمٍ، كَما أشَرْنا إلَيْهِ في آيَةِ البَقَرَةِ ﴿ فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ﴾ مِنَ الكَرامَةِ والنِّعْمَةِ والزُّلْفى عِنْدَهُ، ﴿ ويَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِن خَلْفِهِمْ ﴾ وهُمُ الغُزاةُ الَّذِينَ لَمْ يُقْتَلُوا بَعْدُ، أوِ السّالِكُونَ المُجاهِدُونَ أنْفُسَهُمُ الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا دَرَجَتَهم إلى ذَلِكَ الوَقْتِ ﴿ ألا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ ﴾ لِفَوْزِهِمْ بِالمَأْمَنِ الأعْظَمِ، والحَبِيبِ الأكْرَمِ ﴿ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ ﴾ عَظِيمَةٍ، وهي جَنَّةُ الصِّفاتِ ﴿ وفَضْلٍ ﴾ أيْ: زِيادَةٍ عَلَيْها، وهي جَنَّةُ الذّاتِ، ومَعَ ذَلِكَ ﴿ إنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ ﴾ أجْرَ إيمانِ المُؤْمِنِينَ الَّذِي هو جَنَّةُ الأفْعالِ، وثَوابُ الأعْمالِ، ﴿ الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ ﴾ بِالفَناءِ بِالوَحْدَةِ الذّاتِيَّةِ، والقِيامِ بِحَقِّ الِاسْتِقامَةِ ﴿ مِن بَعْدِ ما أصابَهُمُ القَرْحُ ﴾ أيْ: كَسْرُ النَّفْسِ ﴿ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا مِنهُمْ ﴾ وهُمُ الثّابِتُونَ في مَقامِ المُشاهِدَةِ وأتْقَنُوا النَّظَرَ إلى نُفُوسِهِمْ لَهم ﴿ أجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ وراءَ أجْرِ الإيمانِ، ﴿ الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ ﴾ المُنْكِرُونَ قَبْلَ الوُصُولِ إلى المُشاهَدَةِ ﴿ إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ ﴾ وتَحَشَّدُوا لِلْإنْكارِ عَلَيْكم ﴿ فاخْشَوْهُمْ ﴾ ، واتْرُكُوا ما أنْتُمْ عَلَيْهِ ﴿ فَزادَهُمْ ﴾ ذَلِكَ القَوْلُ ﴿ إيمانًا ﴾ ، أيْ يَقِينًا وتَوْحِيدًا بِنَفْيِ الغَيْرِ، وعَدَمِ المُبالاةِ بِهِ، وتَوَصَّلُوا بِنَفْيِ ما سِوى اللَّهِ تَعالى إلى إثْباتِهِ ﴿ وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ ﴾ فَشاهَدُوهُ ثُمَّ رَجَعُوا إلى تَفاصِيلِ الصِّفاتِ بِالِاسْتِقامَةِ، وقالُوا: نِعْمَ الوَكِيلُ ﴿ فانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ ﴾ أيْ: رَجَعُوا بِالوُجُودِ الحَقّانِيِّ في جَنَّةِ الصِّفاتِ والذّاتِ ﴿ لَمْ يَمْسَسْهم سُوءٌ ﴾ : لَمْ يُؤْذِهِمْ أحَدٌ؛ إذْ لا أحَدَ إلّا الأحَدُ، ﴿ واتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ ﴾ في حالِ سُلُوكِهِمْ حَتّى فازُوا بِجَنَّةِ الذّاتِ المُشارِ إلَيْها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ﴾ كَما أشَرْنا إلَيْهِ ﴿ إنَّما ذَلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ ﴾ المَحْجُوبِينَ بِأنْفُسِهِمْ ﴿ فَلا تَخافُوهُمْ ﴾ المُنْكِرِينَ ﴿ وخافُونِ ﴾ ؛ إذْ لَيْسَ في الوُجُودِ سِوايَ ﴿ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ أيْ مُوَحِّدِينَ تَوْحِيدًا حَقِيقِيًّا، واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ لِلصَّوابِ، وهو حَسْبُنا ونِعْمَ الوَكِيلُ <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ قال في رواية الكلبي: وذلك أن أبا سفيان حين رجع من أُحد، نادى فقال: يا محمد، إن الموعد بيننا وبينك موسم بدر الصغرى.
فقال لعمر: «قُلْ لَهُ ذَلِكَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ إِنْ شَاءَ الله تَعَالَى» .
ثم ندم أبو سفيان، فقال لنعيم بن مسعود- وكان يخرج إلى المدينة للتجارة-: إذا أتيت المدينة، فخوّفهم لكيلا يخرجوا.
فلما قدم نعيم المدينة قال: إن أبا سفيان قد جمع خلقاً كثيرة، فكره أصحاب رسول الله الخروج إليهم وتثاقلوا، فلما رأى ذلك رسول الله منهم قال: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لأَخْرُجَنَّ إِلَيْهِمْ وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ مَعِي مِنْكُمْ أَحَدٌ» قال: فمضى رسول الله للميعاد، ومعه نحواً من سبعين رجلاً، حتى انتهوا إلى ذلك الموضع، وكان هنالك سوق فلم يخرج أحد من أهل مكة، فتسوقوا من السوق حاجتهم وانصرفوا، فنزل قوله تعالى: الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ.
مِنْ بَعْدِ مَا أَصابَهُمُ الْقَرْحُ يعني أصابتهم الجراحات يوم أُحد لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ أي الذين أوفوا الميعاد وَاتَّقَوْا السخط في معصية رسول الله لهم أَجْرٌ عَظِيمٌ أي ثواب كثير الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ يعني نعيم بن مسعود، وإنما أراد به جنس الناس وكان رجلاً واحداً إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ يعني أبا سفيان وأصحابه فَاخْشَوْهُمْ ولا تخرجوا إليهم فَزادَهُمْ إِيماناً أي تصديقاً، ويقيناً، وجرأة على القتال وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ أي ثقتنا بالله، وأيقنوا أن الله لا يخذل محمدا وَنِعْمَ الْوَكِيلُ أي نعم الثقة لنا.
فَانْقَلَبُوا انصرفوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ أي بأجر من الله وَفَضْلٍ يعني ما تسوقوا به من السوق، واشتروا الأشياء بسعر رخيص لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ يعني قتال وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ أي ذو مَنِّ عظيم.
وقال في رواية الضحاك: كان ذلك يوم أُحد، لما انهزمت قريش، ونزلت في مواضع، وكثرت الجراحات في أصحاب محمد ، فهمّ رسول الله بالخروج إليهم فأجابه سبعون رجلاً، فنزلت هذه الآية قوله تعالى: إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ يعني نعيم بن مسعود، لأن كل عات متمرد شيطان يخوف أولياءه، يعني بأوليائه الكفار.
ويقال: يخوف أشكاله.
وقال الزجاج: إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ أي ذلك التخويف عمل الشيطان، يخوفكم من أوليائه.
وقال القتبي: يخوف أولياءه أي بأوليائه، أي كما.
قال تعالى: لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً [الكهف: 2] يعني لينذركم ببأس شديد.
ثم قال تعالى: فَلا تَخافُوهُمْ في الخروج وَخافُونِ في القعود إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ أي مصدقين.
قال الزجاج: معناه إن كنتم مصدقين، فقد أعلمتكم أني أنصركم عليهم.
<div class="verse-tafsir"
وأصحابه حِينَ حَمَّلَهُمْ أبُو سُفْيَانَ ذلكَ، «فالنَّاسُ» الأوَّلُ هُمُ الرَّكْبُ، و «النَّاسُ» الثَّانِي عَسْكَر قُرَيْش هذا قول/ الجمهورِ، وهو الصوابُ، وقولُ مَنْ قال: إن الآية نزلَتْ في خروجِ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم إلى بدر الصّغرى لميعاد أبي سفيان، وإِنَّ النَّاسَ هنا هو نُعيْمُ بْنُ مسعودٍ- قولٌ ضعيفٌ، وعن ابنِ عَبَّاسٍ أنه قال: «حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ» قَالَهَا إبْرَاهِيمُ- عليه السلام-، حين ألقى في النّار، وقالها محمّد صلّى الله عليه وسلّم حِينَ قَالُوا: إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، رواه مسلم.
والبخاريّ «١» .
انتهى.
وقوله سبحانه: إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ ...
الآية: إشارة إلى جميع ما جرى من أخبار الرَّكْب عن رسالة أبِي سُفْيَان، ومِنْ جَزَعِ مَنْ جَزِعَ من الخَبَر.
وقرأ الجمهورُ «٢» : «يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ» ، قالَ قوم: معناه: يخوِّف المنافقينَ، ومَنْ في قلبه مرضٌ، وحكى أبو الفَتْحِ بْنُ جِنِّي «٣» ، عن ابن عَبَّاس أنه قرأ «يُخَوِّفُكُمْ أَوْلِيَاءَهُ» ، فهذه قراءةٌ ظهر فيها المفعولانِ، وهي مفسِّرة لقراءة الجَمَاعة، وفي قراءة أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ:
«يُخَوِّفُكُمْ بِأَوْلِيَائِهِ» ، وفِي كتاب «القَصْد إلى اللَّه تعالى» للمحاسِبِيِّ «٤» ، قال: وكلما عَظُمَتْ هيبةُ اللَّه عزَّ وجلَّ في صدورِ الأولياء، لم يهابوا معه غيره حياءً منه عزَّ وجلّ أن يخافوا معه سواه.
انتهى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّما ذَلِكُمُ الشَّيْطانُ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: ذَلِكَ التَّخْوِيفُ كانَ فِعْلَ الشَّيْطانِ، سَوَّلَهُ لِلْمُخَوِّفِينَ.
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ مَعْناهُ يُخَوِّفُكم بِأوْلِيائِهِ، قالَهُ الفَرّاءُ، واسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا ﴾ ، أيْ: بِبَأسُ، وبِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ ﴾ ، أيْ: بِيَوْمِ التَّلاقِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: يُخَوِّفُكم مِن أوْلِيائِهِ، بِدَلِيلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا تَخافُوهم وخافُونِ ﴾ .
وَهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةَ، وإبْراهِيمَ، وابْنِ قُتَيْبَةَ.
وَأنَشَدَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في ذَلِكَ: وأيْقَنْتُ التَّفَرُّقَ يَوْمَ قالُوا تُقُسِّمَ مالَ أرْبَدَ بِالسِّهامِ أرادَ: أيْقَنْتُ بِالتَّفَرُّقِ، قالَ: فَلَمّا أسْقَطَ الباءَ أعْمَلَ الفِعْلَ فِيما بَعْدَها ونَصَبَهُ.
قالَ: والَّذِي نَخْتارُهُ في الآَيَةِ: أنَّ المَعْنى: يُخَوِّفُكم أوْلِياءَهُ.
تَقُولُ العَرَبُ: قَدْ أعْطَيْتُ الأمْوالَ، يُرِيدُونَ: أعْطَيْتُ القَوْمَ الأمْوالَ، فَيَحْذِفُونَ القَوْمَ، ويَقْتَصِرُونَ عَلى ذِكْرِ المَفْعُولِ الثّانِي.
فَهَذا أشْبَهُ مِنِ ادِّعاءِ "باءٍ" ما عَلَيْها دَلِيلٌ، ولا تَدْعُوا إلَيْها ضَرُورَةً.
والثّانِي: أنَّ مَعْناهُ: يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ المُنافِقِينَ، لِيَقْعُدُوا عَنْ قِتالِ المُشْرِكِينَ، قالَهُ الحَسَنُ، والسُّدِّيُّ، وذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا تَخافُوهُمْ ﴾ يَعْنِي: أوْلِياءَ الشَّيْطانِ ﴿ وَخافُونِ ﴾ في تَرْكِ أمْرِي.
وفي "إنَّ" قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها بِمَعْنى: "إذْ" قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ.
والثّانِي: أنَّها لِلشَّرْطِ، وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ في آَخَرِينَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّما ذَلِكُمُ الشَيْطانُ يُخَوِّفُ أولِياءَهُ فَلا تَخافُوهم وخافُونِ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ إنَّهم لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللهَ ألا يَجْعَلَ لَهم حَظًّا في الآخِرَةِ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ ﴾ ﴿ إنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الكُفْرَ بِالإيمانِ لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئًا ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ مُقْتَضى "إنَّما" في اللُغَةِ الحَصْرُ، هَذا مَنزَعُ المُتَكَلِّمِ بِها مِنَ العَرَبِ.
ثُمَّ إذا نُظِرَ عَقْلًا- وهَذا هو نَظَرُ الأُصُولِيِّينَ- فَهي تَصْلُحُ لِلْحَصْرِ ولِلتَّأْكِيدِ الَّذِي يُسْتَعارُ لَهُ لَفْظُ الحَصْرِ، وهي في هَذِهِ الآيَةِ حاصِرَةٌ، والإشارَةُ بِـ "ذَلِكُمُ" إلى جَمِيعِ ما جَرى مِن أخْبارِ الرَكْبِ العَبْدِيِّينَ، عن رِسالَةِ أبِي سُفْيانَ، ومِن تَحْمِيلِ أبِي سُفْيانَ ذَلِكَ الكَلامَ، ومِن جَزَعِ مَن جَزِعَ مِن ذَلِكَ الخَبَرِ مِن مُؤْمِنٍ أو مُتَرَدِّدٍ.
و"ذَلِكُمُ" في الإعْرابِ ابْتِداءٌ، و"الشَيْطانُ" مُبْتَدَأٌ آخَرُ، و"يُخَوِّفُ أولِياءَهُ" خَبَرٌ عَنِ الشَيْطانِ، والجُمْلَةُ خَبَرُ الِابْتِداءِ الأوَّلِ، وهَذا الإعْرابُ خَيْرٌ في تَناسُقِ المَعْنى مِن أنْ يَكُونَ "الشَيْطانُ" خَبَرَ "ذَلِكُمُ" لِأنَّهُ يَجِيءُ في المَعْنى اسْتِعارَةً بَعِيدَةً، و"يُخَوِّفُ" فِعْلٌ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، لَكِنْ يَجُوزُ الِاقْتِصارُ عَلى أحَدِهِما إذِ الآخَرُ مَفْهُومٌ مِن بِنْيَةِ هَذا الفِعْلِ، لِأنَّكَ إذا قُلْتَ: خَوَّفْتُ زَيْدًا، فَمَعْلُومٌ ضَرُورَةً أنَّكَ خَوَّفْتَهُ شَيْئًا حَقُّهُ أنْ يُخافَ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "يُخَوِّفُ أولِياءَهُ" فَقالَ قَوْمٌ المَعْنى: يُخَوِّفُكم أيُّها المُؤْمِنُونَ أولِياءَهُ الَّذِينَ هم كُفّارُ قُرَيْشٍ، فَحُذِفَ المَفْعُولُ الأوَّلُ، وقالَ قَوْمٌ: المَعْنى يُخَوِّفُ المُنافِقِينَ ومَن في قَلْبِهِ مَرَضٌ، وهم أولِياؤُهُ، فَإذًا لا يَعْمَلُ فِيكم أيُّها المُؤْمِنُونَ تَخْوِيفُهُ، إذْ لَسْتُمْ بِأولِيائِهِ، والمَعْنى: يُخَوِّفُهم كُفّارَ قُرَيْشٍ، فَحُذِفَ هُنا المَفْعُولُ الثانِي واقْتُصِرَ عَلى الأوَّلِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ فِيما حَكى أبُو عَمْرٍو الدانِي: "يُخَوِّفُكم أولِياؤُهُ" المَعْنى: يُخَوِّفُكم قُرَيْشٌ ومَن مَعَهُمْ، وذَلِكَ بِإضْلالِ الشَيْطانِ لَهُمْ، وذَلِكَ كُلُّهُ مُضْمَحِلٌّ، وبِذَلِكَ قَرَأ النَخْعِيُّ.
وحَكى أبُو الفَتْحِ بْنُ جِنِّيٍّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قَرَأ: "يُخَوِّفُكم أولِياءَهُ" فَهَذِهِ قِراءَةٌ ظَهَرَ فِيها المَفْعُولانِ، وفَسَّرَتْ قِراءَةَ الجَماعَةِ: "يُخَوِّفُ أولِياءَهُ" وفي قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "يُخَوِّفُكم بِأولِيائِهِ".
والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "فَلا تَخافُوهُمْ" لِكُفّارِ قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ مِن أولِياءِ الشَيْطانِ، حَقَّرَ اللهُ شَأْنَهم وقَوّى نُفُوسَ المُؤْمِنِينَ عَلَيْهِمْ، وأمَرَهم بِخَوْفِهِ هو تَعالى وامْتِثالِ أمْرِهِ مِنَ الصَبْرِ والجَلَدِ، ثُمَّ قَرَّرَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ كَما تَقُولُ: إنْ كُنْتَ رَجُلًا فافْعَلْ كَذا.
وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ "يُحْزِنْكَ" بِضَمِّ الياءِ مِن أحْزَنَ، وكَذَلِكَ قَرَأ في جَمِيعِ القُرْآنِ، إلّا في سُورَةِ الأنْبِياءِ: "لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ" فَإنَّهُ فَتَحَ الياءَ، وقَرَأ الباقُونَ: "يَحْزُنْكَ" بِفَتْحِ الياءِ، مِن قَوْلِكَ: حَزَنْتُ الرَجُلَ.
قالَ سِيبَوَيْهِ: يُقالُ حَزِنَ الرَجُلُ وفُتِنَ إذا أصابَهُ الحُزْنُ والفِتْنَةُ.
وحَزَنْتُهُ وفَتَنْتُهُ، إذا جَعَلْتُ فِيهِ وعِنْدَهُ حُزْنًا وفِتْنَةً، كَما تَقُولُ: دَهَنْتُ وكَحَّلْتُ، إذا جَعَلْتَ دُهْنًا وكُحْلًا، وأحْزَنْتُهُ وأفْتَنْتُهُ إذا جَعَلْتَهُ حَزِينًا وفاتِنًا، كَما تَقُولُ أدْخَلْتُهُ وأسْمَعْتُهُ، هَذا مَعْنى قَوْلِ سِيبَوَيْهِ.
والمُسارَعَةُ في الكُفْرِ هي المُبادَرَةُ إلى أقْوالِهِ وأفْعالِهِ والجِدُّ في ذَلِكَ.
وقَرَأ الحُرُّ النَحْوِيُّ "يُسْرِعُونَ" في كُلِّ القُرْآنِ، وقِراءَةُ الجَماعَةِ أبْلَغُ، لِأنَّ مَن يُسارِعُ غَيْرَهُ أشَدُّ اجْتِهادًا مِنَ الَّذِي يُسْرِعُ وحْدَهُ، ولِذَلِكَ قالُوا: "كُلُّ مُجْرٍ بِالخَلاءِ يُسَرُّ".
وسَلّى اللهُ نَبِيَّهُ بِهَذِهِ الآيَةِ عن حالِ المُنافِقِينَ والمُجاهِدِينَ إذْ كُلُّهم مُسارِعٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهم لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئًا ﴾ خَبَرٌ في ضِمْنِهِ وعِيدٌ لَهم أيْ: إنَّما يَضُرُّونَ أنْفُسَهم.
والحَظُّ إذا لَمْ يُقَيَّدْ فَإنَّما يُسْتَعْمَلُ في الخَيْرِ، ألا تَرى قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وَما يُلَقّاها إلا الَّذِينَ صَبَرُوا وما يُلَقّاها إلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ﴾ .
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا ﴾ أطْلَقَ عَلَيْهِمُ الشِراءَ مِن حَيْثُ كانُوا مُتَمَكِّنِينَ مِن قَبُولِ هَذا وهَذا فَجاءَ أخْذُهم لِلْواحِدِ وتَرْكُهم لِلْآخَرِ كَأنَّهُ تَرْكٌ لِما قَدْ أُخِذَ وحُصِّلَ، إذْ كانُوا مُمَكَّنِينَ مِنهُ، ولِمالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ مُتَعَلَّقٌ بِهَذِهِ الآيَةِ في مَسْألَةِ شِراءِ ما تَخْتَلِفُ آحادُ جِنْسِهِ مِمّا لا يَجُوزُ التَفاضُلُ فِيهِ، في أنَّ مَنعَ الشِراءِ عَلى أنْ يَخْتارَ المُبْتاعُ، وباقِي الآيَةِ وعِيدٌ كالمُتَقَدِّمِ.
<div class="verse-tafsir"
يجوز أن يكون ﴿ الذين قال لهم الناس ﴾ إلى آخره، بدلاً من ﴿ الذين استجابوا لله والرسول ﴾ [آل عمران: 172]، أو صفة له، أو صفة ثانية للمؤمنين في قوله: ﴿ وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين ﴾ [آل عمران: 171] على طريقة ترك العطف في الأخبار.
وإنَّما جيء بإعادة الموصول، دون أن تعطف الصلة على الصلة، اهتماماً بشأن هذه الصلة الثانية حتّى لا تكون كجزء صلةٍ، ويجوز أن يكون ابتداء كلام مستأنففٍ، فيكون مبتدأ وخبره قوله: ﴿ إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه ﴾ [آل عمران: 175] أي ذلك القول، كما سيأتي.
وهذا تخلّص بذكر شأن من شؤون المسلمين كفاهم الله به بأس عدوّهم بعد يَوم أحُد بعاممٍ، إنجازاً لوعدهم مع أبي سفيان إذ قال: مَوعدكم بدر في العام القابل، وكان أبو سفيان قد كره الخروج إلى لقاء المسلمين في ذلك الأجل، وكاد للمسلمين ليُظهر إخلاف الوعد منهم ليجعل ذلك ذريعة إلى الإرجاف بين العرب بضعف المسلمين، فجَاعَل ركباً من عبدِ القيس مارينَ بمَرّ الظَّهْرانَ قرب مكّة قاصدين المدينة للميرة، أن يخبروا المسلمين بأنّ قريشاً جمعوا لهم جيشاً عظيماً، وكان مع الركب نعيم بن مسعود الأشجعي، فأخبر نعيم ومن معه المسلمين بذلك فزاد ذلك المسلمين استعداداً وحميّة للدين، وخرجوا إلى الموعد وهو بدر، فلم يجدوا المشركين وانتظروهم هنالك، وكانت هنالك سوق فاتّجَرُوا ورجعوا سالمين غير مذمومين، فذلك قوله تعالى: ﴿ الذين قال لهم الناس أي الركب العَبْدِيُّون إن الناس قد جمعوا لكم ﴾ أي إنّ قريشاً قد جمعوا لكم.
وحذف مفعول ﴿ جمعوا ﴾ أي جمعوا أنفسهم وعُددهم وأحلافهم كما فعلوا يوم بدر الأول.
وقال بعض المُفسّرين وأهل العربية: إنّ لفظ الناس هنا أطلق على نُعيم بن مسعود وأبي سفيان، وجعلوه شاهداً على استعمال الناس بمعنى الواحد والآية تحتمله، وإطلاق لفظ الناس مراداً به واحد أو نحوه مستعمل لقصد الإبهام، ومنه قوله تعالى: ﴿ أم يحسدون الناس على ما ءاتاهم الله من فضله ﴾ [النساء: 54] قال المفسّرون: يعني ب (الناس) محمداً صلى الله عليه وسلم وقوله: ﴿ فزادهم إيماناً ﴾ أي زادهم قول الناس، فضمير الرفع المستتر في ﴿ فزادهم ﴾ عائد إلى القول المستفاد من فعل ﴿ قال لهم الناس ﴾ أو عائد إلى الناس، ولمّا كان ذاك القول مراداً به تخويف المسلمين ورجوعهم عن قصدهم.
وحصل منه خلاف ما أراد به المشركون، جُعل ما حصل به زائداً في إيمان المسلمين.
فالظاهر أنّ الإيمان أطلق هنا على العمل، أي العزم على النصر والجهاد، وهو بهذا المعنى يزيد وينقص.
ومسألة زيادة الإيمان ونقصه مسألة قديمة، والخلاف فيها مبنيّ على أنّ الأعمال يطلق عليها اسم الإيمان، كما قال تعالى: ﴿ وما كان اللَّه ليضيع إيمانكم ﴾ [البقرة: 143] يعني صَلاتكم.
أمّا التَّصديق القلبي وهو عقد القلب على إثبات وجود الله وصفاته وبعثة الرسل وصدق الرسول، فلا يقبل النقص، ولا يقبل الزيادة، ولذلك لا خلاف بين المسلمين في هذا المعنى، وإنّما هو خلاف مبني على اللفظ، غير أنّه قد تقرّر في علم الأخلاق أنّ الاعتقاد الجازم إذا تكررت أدلّته، أو طال زمانه، أو قارنته التجارب، يزداد جلاء وانكشافاً، وهو المعبّر عنه بالمَلَكة، فلعلّ هذا المعنى ممّا يراد بالزيادة، بقرينة أنّ القرآن لم يطلق وصف النقص في الإيمان بل ما ذكر إلا الزيادة، وقد قال إبراهيمُ عليه السلام: ﴿ بلى ولكن ليطمئنّ قلبي ﴾ [البقرة: 260] وقولهم: ﴿ حسبنا الله ونعم الوكيل ﴾ كلمة لعلّهمُ ألهموها أو تلقّوها عن النبي صلى الله عليه وسلم وحسب أي كاف، وهو اسم جامد بمعنى الوصف ليس له فعل، قالوا: ومنه اسمه تعالى الحَسيب، فهو فعيل بمعنى مُفعل.
وقيل: الإحساب هو الإكفاء، وقيل: هو اسم فعل بمعنى كفى، وهو ظاهر القاموس.
وردّه ابن هشام في توضيحه بأنّ دخول العوامل عليه نحو ﴿ فإنّ حسبك الله ﴾ ، وقولهم: بحسبك درهم، ينافي دعوى كونه اسم فعل لأنّ أسماء الأفعال لا تدخل عليها العوامل، وقيل: هو مصدر، وهو ظاهر كلام سيبويه.
وهو من الأسماء اللازمة للإضافة لفظاً دون معنى، فيبنى على الضمّ مثل: قبلُ وبعدُ، كقولهم: اعطه درهيمن فَحَسْبُ، ويتجدّد له معنى حينئذ فيكون بمعنى لا غير.
وإضافته لا تفيده تعريفاً لأنّه في قوة المشتقّ ولذلك توصف به النكرة، وهو ملازم الإفراد والتذكير فلا يثنّى ولا يجمعُ ولا يؤنّث لأنّه لجموده شابَه المصدر، أو لأنّه لمّا كان اسم فعل فهو كالمصدر، أو لأنّه مصدر،، وهو شأن المصادر، ومَعناها: إنّهم اكتفوا بالله ناصراً وإن كانوا في قِلّة وضعف.
وجملة ﴿ ونعم الوكيل ﴾ معطوفة على ﴿ حسبنا الله ﴾ في كلام القائلين، فالواو من المحكي لا من الحكاية، وهو من عطف الإنشاء على الخبر الذي لا تطلب فيه إلا المناسبة.
والمخصوص بالمدح محذوف لتقدّم دليله.
و ﴿ الوكيل ﴾ فعيل بمعنى مفعول أي موكول إليه.
يقال: وكل حاجته إلى فلان إذا اعتمد عليه في قضائها وفوّض إليه تحصيلها، ويقال للذي لا يستطيع القيام بشؤونه بنفسه: رَجل وَكَل بفتحتين أي كثير الاعتماد على غيره، فالوكيل هو القائم بشأن من وكّله، وهذا القيام بشأن الموكِّل يختلف باختلاف الأحوال الموكّل فيها، وبذلك الاختلاف يختلف معنى الوكيل، فإن كان القيام في دفع العداء والجور فالوكيل الناصر والمدافع ﴿ قل لست عليكم بوكيل ﴾ [الأنعام: 66]، ومنه ﴿ فمن يجادل اللَّه عنهم يوم القيامة أمَّن يكون عليهم وكيلاً ﴾ [النساء: 109].
ومنه الوكيل في الخصومة، وإن كان في شؤون الحياة فالوكيل الكافل والكافي منه: ﴿ أن لا تتخذوا من دوني وكيلاً ﴾ [الإسراء: 2] كما قال: ﴿ قد جعلتم الله عليكم كفيلاً ﴾ [النحل: 91] ولذلك كان من أسمائه تعالى: الوكيل، وقولُه: ﴿ وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل ﴾ ومنه الوكيل على المال، ولذلك أطلق على هذا المعنى أيضاً اسم الكفيل في قوله تعالى: ﴿ وقد جعلتم اللَّه عليكم كفيلاً ﴾ .
وقد حمل الزمخشري الوكيل على ما يشمل هذا عند قوله تعالى: ﴿ وهو على كل شيء وكيل ﴾ في سورة [الأنعام: 102]، فقال: وهو مالك لكلّ شيء من الأرزاق والآجال رقيب على الأعمال.
وذلك يدل على أنّ الوكيل اسم جامع للرقيب والحافظ في الأمور التي يُعني الناس بحفظها ورقابتها وادّخارها، ولذلك يتقيّد ويتعمّم بحسب المقامات.
وقوله: فانقلبوا بنعمة من الله } تعقيب للإخبار عن ثبات إيمانهم وقولِهم: حسبنا الله ونعم الوكيل، وهو تعقيب لمحذوف يدلّ عليه فعل ﴿ فانقلبوا ﴾ ، لأنّ الانقلاب يقتضي أنَّهم خرجوا للقاء العدوّ الذي بلغ عنهم أنّهم جمعوا لَهم ولم يَعبأوا بخويف الشيطان، والتقدير: فخرجوا فانقلبوا بنعمة من الله.
والباء للملابسة أي ملابسين لِنعمة وفضل من الله.
فالنعمة هي ما أخذوه من الأموال، والفضلُ فضل الجهاد.
ومعنى لم يمسسهم سوء لم يلاقوا حرباً مع المشركين.
وجملة ﴿ إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه ﴾ إمّا استئناف بياني إن جَعلتَ قوله: ﴿ الذين قال لهم الناس ﴾ بدلاً أو صفة كما تقدّم، وإمَّا خبر عن ﴿ الذين قال لهم الناسإن جَعلَت قوله: الذين قال لهم الناس ﴾ مبتدأ، والتقدير: الذين قال لهم الناس إلى آخره إنّما مقالهم يخوّف الشيطان به.
ورابط هذه الجملة بالمبتدأ، وهو «الذين قال لهم الناس» على هذا التقدير، هو اسم الإشارة، واسم الإشارة مبتدأ.
ثم الإشارة بقوله: ﴿ ذلكم ﴾ إمّا عائد إلى المقال فلفظ الشيطان على هذا مبتدأ ثان، ولفظه مستعمل في معناه الحقيقي، والمعنى: أنّ ذلك المقال ناشئ عن وسوسة الشيطان في نفوس الذين دبّروا مكيدة الإرجاف بتلك المقالة لتخويف المسلمين بواسطة ركب عبد القيس.
وإمّا أن تعود الإشارة الى ﴿ الناس ﴾ من قوله: ﴿ قال لهم الناس ﴾ لأن الناس مؤوّل بشخص، أعني نُعميا بن مسعود، فالشيطان بدل أو بيان من اسم الإشارة وأطلق عليه لفظ شيطان على طريقة التشبيه البليغ.
وقوله: ﴿ يخوف أولياءه ﴾ تقديره يخوّفكم أولياءه، فحذف المفعول الأول لفعل (يخوّف) بقرينة قوله بعده: ﴿ فلا تخافوهم ﴾ فإنّ خَوّف يتعدّى إلى مفعولين إذ هو مضاعف خاف المجرّد، وخاف يتعدّى الى مفعول واحد فصار بالتضعيف متعدّياً إلى مفعولين من باب كَسَا كما قال تعالى: ﴿ ويخوّفكم اللَّه نفسه ﴾ [آل عمران: 28].
وضمير ﴿ فلا تخافوهم ﴾ على هذا يعود إلى ﴿ أولياءه ﴾ وجملة ﴿ وخافون ﴾ معترضة بين جملة ﴿ فلا تخافوهم ﴾ وجملة ﴿ إن كنتم مؤمنين ﴾ .
وقوله: ﴿ إن كنتم مؤمنين ﴾ شرط مؤخّر تقدّم دليل جوابه، وهو تذكير وإحماء لإيمانهم وإلا فقد علم أنّهم مؤمنون حقّاً.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا بَلْ أحْياءٌ ﴾ يَعْنِي أنَّهم في الحالِ وبَعْدَ القَتْلِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، فَأمّا في الجَنَّةِ فَحالُهم في ذَلِكَ مَعْلُومَةٌ عِنْدَ كافَّةِ المُؤْمِنِينَ، ولَيْسَ يَمْتَنِعُ إحْياؤُهم في الحِكْمَةِ.
وَقَدْ رَوى ابْنُ مَسْعُودٍ وجابِرٌ وابْنُ عَبّاسٍ أنَّ النَّبِيَّ قالَ: « (لَمّا أُصِيبَ إخْوانُكم بِأُحُدٍ جَعَلَ اللَّهُ أرْواحَهم في حَواصِلِ طَيْرٍ خُضْرٍ تَرِدُ أنْهارَ الجَنَّةِ وتَأْكُلُ مِن ثِمارِها).» وفي ﴿ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم بِحَيْثُ لا يَمْلِكُ لَهم أحَدٌ نَفْعًا ولا ضَرًّا إلّا رَبُّهم.
والثّانِي: أنَّهم أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ مِن حَيْثُ يَعْلَمُ أنَّهم أحْياءٌ دُونَ النّاسِ.
﴿ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِن خَلْفِهِمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَقُولُونَ: إخْوانُنا يُقْتَلُونَ كَما قُتِلْنا فَيُصِيبُونَ مِن كَرامَةِ اللَّهِ ما أصَبْنا، وهو قَوْلُ قَتادَةَ، وابْنِ جُرَيْجٍ.
والثّانِي: أنَّهُ يُؤْتى الشَّهِيدُ بِكِتابٍ فِيهِ ذِكْرُ مَن يَقْدَمُ عَلَيْهِ مِن إخْوانِهِ فَيُبَشَّرُ بِذَلِكَ فَيَسْتَبْشِرُ كَما يَسْتَبْشِرُ أهْلُ الغائِبِ في الدُّنْيا بِقُدُومِهِ، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.
﴿ الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكم فاخْشَوْهُمْ ﴾ أمّا النّاسُ في المَوْضِعَيْنِ وإنْ كانَ بِلَفْظِ الجَمْعِ فَهو واحِدٌ لِأنَّهُ تَقْدِيرُ الكَلامِ جاءَ القَوْلُ مِن قِبَلِ النّاسِ، والَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ هُمُ المُسْلِمُونَ وفي النّاسِ القائِلِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: هو أعْرابِيٌّ جُعِلَ لَهُ عَلى ذَلِكَ جُعْلٌ، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.
والثّانِي: هو نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ الأشْجَعِيُّ، وهَذا قَوْلُ الواقِدِيِّ.
والنّاسُ الثّانِي أبُو سُفْيانَ وأصْحابُهُ.
واخْتَلَفُوا في الوَقْتِ الَّذِي أرادَ أبُو سُفْيانَ أنْ يَجْمَعَ لَهم هَذا الجَمْعَ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: بَعْدَ رُجُوعِهِ عَلى أُحُدٍ سَنَةَ ثَلاثٍ حَتّى أوْقَعَ اللَّهُ في قُلُوبِ المُشْرِكِينَ الرُّعْبَ كَفُّوا، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ إسْحاقَ، وقَتادَةَ.
والثّانِي: أنَّ ذَلِكَ في بَدْرٍ الصُّغْرى سَنَةَ أرْبَعٍ بَعْدَ أُحُدٍ بِسَنَةٍ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.
﴿ إنَّما ذَلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ ﴾ التَّخْوِيفُ مِنَ الشَّيْطانِ والقَوْلُ مِنَ النّاسِ، وفي تَخْوِيفِ أوْلِيائِهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ يُخَوِّفُ المُؤْمِنِينَ مِن أوْلِيائِهِ المُشْرِكِينَ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ.
والثّانِي: أنَّهُ يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ المُنافِقِينَ لِيَقْعُدُوا عَنْ قِتالِ المُشْرِكِينَ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، والسُّدِّيِّ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن اسحق وابن جرير والبيهقي في الدلائل عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لحمراء الأسد، وقد أجمع أبو سفيان بالرجعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وقالوا: رجعنا قبل أن نستأصلهم، لَنَكُرَّنَّ على بقيتهم.
فبلغه أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج في أصحابه يطلبهم، فثنى ذلك أبا سفيان وأصحابه ومر ركب من عبد القيس فقال لهم أبو سفيان: بلغوا محمداً أنا قد أجمعنا الرجعة الى أصحابه لنستأصلهم.
فلما مر الركب برسول الله صلى الله عليه وسلم بحمراء الأسد أخبروه بالذي قال أبو سفيان؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون معه ﴿ حسبنا الله ونعم الوكيل ﴾ فأنزل الله في ذلك ﴿ الذين استجابوا لله والرسول....
﴾ الآيات.
وأخرج موسى بن عقبة في مغازيه والبيهقي في الدلائل عن ابن شهاب قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم استنفر المسلمين لموعد أبي سفيان بدراً، فاحتمل الشيطان أولياءه من الناس، فمشوا في الناس يخوفونهم وقالوا: قد أخبرنا أن قد جمعوا لكم من الناس مثل الليل، يرجون أن يواقعوكم فينتهبوكم، فالحذر الحذر....
فعصم الله المسلمين من تخويف الشيطان، فاستجابوا لله ورسوله وخرجوا ببضائع لهم وقالوا: إن لقينا أبا سفيان فهو الذي خرجنا له، وإن لم نلقه ابتعنا بضائعنا.
فكان بدر متجراً يوافي كل عام، فانطلقوا حتى أتوا موسم بدر، فقضوا منه حاجتهم، وأخلف أبو سفيان الموعد فلم يخرج هو ولا أصحابه، ومر عليهم ابن حمام فقال: من هؤلاء؟
قالوا: رسول الله وأصحابه ينتظرون أبا سفيان ومن معه من قريش.
فقدم على قريش فأخبرهم، فأرعب أبو سفيان ورجع إلى مكة، وانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بنعمة من الله وفضل، فكانت تلك الغزوة تدعى غزوة جيش السويق، وكانت في شعبان سنة ثلاث.
وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس قال: إن الله قذف في قلب أبي سفيان الرعب يوم أحد بعد الذي كان منه، فرجع إلى مكة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن أبا سفيان قد أصاب منكم طرفاً، وقد رجع وقذف الله في قلبه الرعب» ، وكانت وقعة أحد في شوّال، وكان التجار يقدمون المدينة في ذي القعدة، فينزلون ببدر الصغرى في كل سنة مرة، وأنهم قدموا بعد وقعة أحد، وكان أصاب المؤمنين القرح واشتكوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، واشتد عليهم الذي أصابهم، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ندب الناس لينطلقوا معه وقال: إنما ترتحلون الآن فتأتون الحج ولا تقدرون على مثلها حتى عام مقبل.
فجاء الشيطان فخوف أولياءه فقال: ﴿ إن الناس قد جمعوا لكم ﴾ فأبى الناس أن يتبعوه فقال: إني ذاهب وإن لم يتبعني أحد.
فانتدب معه أبو بكر، وعمر، وعلي، وعثمان، والزبير، وسعد، وطلحة، وعبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وأبو عبيدة بن الجراح؛ في سبعين رجلاً، فساروا في طلب أبي سفيان، فطلبوه حتى بلغوا الصفراء، فأنزل الله: ﴿ الذين استجابوا لله والرسول...
﴾ الآية.
وأخرج النسائي وابن أبي حاتم والطبراني بسند صحيح من طريق عكرمة عن ابن عباس قال: لما رجع المشركون عن أحد قالوا: لا محمداً قتلتم، ولا الكواعب أردفتم.
بئسما صنعتم ارجعوا.
فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، فندب المسلمين فانتدبوا حتى بلغ حمراء الأسد؛ أو بئر أبي عنبة، شك سفيان فقال المشركون: نرجع قابل.
فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانت تعد غزوة.
فأنزل الله: ﴿ الذين استجابوا لله والرسول...
﴾ الآية.
وقد كان أبو سفيان قال للنبي صلى الله عليه وسلم: موعدكم موسم بدر حيث قتلتم أصحابنا، فأما الجبان فرجع، وأما الشجاع فأخذ أهبة القتال والتجارة.
فأتوه فلم يجدوا به أحد وتسوقوا.
فأنزل الله: ﴿ فانقلبوا بنعمة من الله وفضل...
﴾ الآية.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عكرمة قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر الصغرى وبهم الكلوم، خرجوا لموعد أبي سفيان فمر بهم أعرابي، ثم مر بأبي سفيان وأصحابه وهو يقول: ونفرت من رفقتي محمد ** وعجوة منثورة كالعنجد فتلقاه أبو سفيان فقال: ويلك ما تقول....؟!
فقال: محمد وأصحابه تركتهم ببدر الصغرى فقال أبو سفيان: يقولون ويصدقون، ونقول ولا نصدق وأصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً من الأعراب وانقلبوا؟!
قال عكرمة: ففيهم أنزلت هذه الآية ﴿ الذين استجابوا لله والرسول...
﴾ إلى قوله: ﴿ فانقلبوا بنعمة من الله وفضل ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال: إن أبا سفيان وأصحابه أصابوا من المسلمين ما أصابوا ورجعوا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أبا سفيان قد رجع وقد قذف الله في قلبه الرعب فمن ينتدب في طلبه؟
فقام النبي صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وأناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
فتبعوهم، فبلغ أبا سفيان أن النبي صلى الله عليه وسلم يطلبه، فلقي عيراً من التجار فقال: ردوا محمداً ولكم من الجعل كذا وكذا...
وأخبروهم أني قد جمعت لهم جموعاً، وإني راجع إليهم.
فجاء التجار فأخبروا بذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: حسبنا الله.
فأنزل الله: ﴿ الذين استجابوا لله والرسول....
﴾ الآية» .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج قال: «أخبرت أن أبا سفيان لما راح هو وأصحابه يوم أحد منقلبين قال المسلمون للنبي صلى الله عليه وسلم: إنهم عامدون إلى المدينة يا رسول الله.
فقال: إن ركبوا الخيل وتركوا الأثقال فهم عامدوها، وإن جلسوا على الأثقال وتركوا الخيل فقد أرعبهم الله فليسوا بعامديها.
فركبوا الأثقال.
ثم ندب أناساً يتبعوهم ليروا أن بهم قوّة، فاتبعوهم ليلتين أو ثلاثاً، فنزلت ﴿ الذين استجابوا لله والرسول...
﴾ الآية» .
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وأحمد والبخاري ومسلم وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن عائشة في قوله: ﴿ الذين استجابوا لله والرسول....
﴾ الآية.
قالت لعروة: يا ابن أختي كان أبواك منهم: الزبير وأبو بكر، لما أصاب نبي الله صلى الله عليه وسلم ما أصاب يوم أحد انصرف عنه المشركون، خاف أن يرجعوا فقال: من يرجع في أثرهم؟
فانتدب منهم سبعون رجلاً.
فيهم أبو بكر والزبير، فخرجوا في آثار القوم فسمعوا بهم، فانصرفوا بنعمة من الله وفضل.
قال: لم يلقوا عدوّاً.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال: نزلت هذه الآية فينا ثمانية عشر رجلاً ﴿ الذين استجابوا لله والرسول...
﴾ الآية.
وأخرج ابن جرير عن عكرمة قال: «كان يوم أحد السبت للنصف من شوّال، فلما كان الغد من يوم الأحد لست عشرة ليلة مضت من شوّال أذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس بطلب العدو، وأذن مؤذنه أن لا يخرجن معنا أحد إلا من حضر يومنا بالأمس، فكلمه جابر عن عبد الله فقال: يا رسول الله إن أبي كان خلفني على أخوات لي سبع وقال: يا بني أنه لا ينبغي لي ولا لك أن نترك هؤلاء النسوة لا رجل فيهن، ولست بالذي أوثرك بالجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على نفسي فتخلف على أخواتك فتخلفت عليهن.
فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج معه.
وإنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ترعيباً للعدوّ ليبلغهم أنه خرج في طلبهم ليظنوا به قوّة، وأن الذي أصابهم لم يوهنهم من عدوهم» .
وأخرج ابن إسحاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن أبي السائب مولى عائشة بنت عثمان أن رجلاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من بني عبد الأشهل كان شهد أحداً قال: شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أحداً.
أنا وأخ لي فرجعنا جريحين، فلما أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخروج في طلب العدو قلت لأخي، أو قال لي: تفوتنا غزوة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
ما لنا من دابة نركبها، وما منا إلا جريح ثقيل.
فخرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكنت أيسر جرحاً منه، فكنت إذا غلب حملته عقبة ومشى عقبة، حتى انتهينا إلى ما انتهى إليه المسلمون فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتهى إلى حمراء الأسد.
وهي من المدينة على ثمانية أميال، فأقام بها ثلاثاً.
الإثنين، والثلاثاء، والأربعاء، ثم رجع إلى المدينة.
فنزل ﴿ الذين استجابوا لله والرسول..
﴾ الآية.
وأخرج ابن جرير عن إبراهيم قال: كان عبد الله من ﴿ الذين استجابوا لله والرسول ﴾ .
وأخرج ابن المنذر عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ من بعد ما أصابهم القرح ﴾ قال: الجراحات.
وأخرج سعيد بن منصور عن ابن مسعود أنه كان يقرأ ﴿ من بعد ما أصابهم القرح ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: افصلوا بينهما قوله: ﴿ للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم، الذين قال لهم الناس ﴾ .
وأخرج ابن جرير عن السدي قال: لما ندم أبو سفيان وأصحابه على الرجوع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وقالوا: ارجعوا فاستأصلوهم.
فقذف الله في قلوبهم الرعب فهزموا، فلقوا أعرابياً فجعلوا له جعلاً، فقالوا له: إن لقيت محمداً وأصحابه فأخبرهم أنا قد جمعنا لهم.
فأخبر الله رسوله صلى الله عليه وسلم، فطلبهم حتى بلغ حمراء الأسد، فلقوا الأعرابي في الطريق فأخبرهم الخبر فقالوا: ﴿ حسبنا الله ونعم الوكيل ﴾ ثم رجعوا من حمراء الأسد.
فأنزل الله فيهم وفي الأعرابي الذي لقيهم ﴿ الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم...
﴾ الآية.
وأخرج ابن سعد عن ابن أبزى ﴿ الذين قال لهم الناس ﴾ قال: أبو سفيان.
قال لقوم: إن لقيتم أصحاب محمد فأخبروهم أنا قد جمعنا لهم جموعاً.
فأخبروهم فقالوا ﴿ حسبنا الله ونعم الوكيل ﴾ .
وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس قال: استقبل أبو سفيان في منصرفه من أحد عيراً واردة المدينة ببضاعة لهم، وبينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم جبال فقال: إن لكم عليّ رضاكم إن أنتم رددتم عني محمداً ومن معه، إن أنتم وجدتموه في طلبي أخبرتموه أني قد جمعت له جموعاً كثيرة، فاستقبلت العير رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا له: يا محمد إنا نخبرك أن أبا سفيان قد جمع لك جموعاً كثيرة، وأنه مقبل إلى المدينة، وإن شئت أن ترجع فافعل.
فلم يزده ذلك ومن معه إلا يقيناً ﴿ وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل ﴾ فأنزل الله: ﴿ الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا...
﴾ الآية.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وعصابة من أصحابه بعدما انصرف أبو سفيان وأصحابه من أحد خلفهم حتى إذا كانوا بذي الحليفة، فجعل الأعراب والناس يأتون عليهم فيقولون لهم: هذا أبو سفيان مائل عليكم بالناس فقالوا ﴿ حسبنا الله ونعم الوكيل ﴾ فأنزل الله: ﴿ الذين قال لهم الناس...
﴾ الآية.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن أبي مالك في قوله: ﴿ الذين قال لهم الناس...
﴾ الآية.
قال: إن أبا سفيان كان أرسل يوم أحد أو يوم الأحزاب إلى قريش، وغطفان، وهوازن، يستجيشهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه فقيل: لو ذهب نفر من المسلمين فأتوكم بالخبر، فذهب نفر حتى إذا كانوا بالمكان الذي ذكر لهم أنهم فيه لم يروا أحداً فرجعوا.
وأخرج ابن مردويه والخطيب عن أنس «أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى يوم أحد فقيل له: يا رسول الله ﴿ إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم ﴾ فقال: ﴿ حسبنا الله ونعم الوكيل ﴾ فأنزل الله: ﴿ الذين قال لهم الناس...
﴾ الآية» .
وأخرج ابن مردويه عن أبي رافع «أن النبي صلى الله عليه وسلم وجه علياً في نفر معه في طلب أبي سفيان، فلقيهم أعرابي من خزاعة فقال: إن القوم قد جمعوا لكم ﴿ قالوا حسبنا الله ونعم الوكيل ﴾ فنزلت فيهم هذه الآية....» .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد «في قوله: ﴿ الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم ﴾ قال: هذا أبو سفيان قال لمحمد يوم أحد: موعدكم بدر حيث قتلتم أصحابنا.
فقال محمد صلى الله عليه وسلم: عسى.
فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم لموعده حتى نزل بدراً فوافوا السوق فابتاعوا، فذلك قوله: ﴿ فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء ﴾ وهي غزوة بدر الصغرى» .
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة قال: كانت بدر متجراً في الجاهلية، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم واعد أبا سفيان أن يلقاه بها، فلقيهم رجل فقال له: إن بها جمعاً عظيماً من المشركين.
فأما الجبان فرجع.
وأما الشجاع فأخذ أهبة التجارة وأهبة القتال.
﴿ وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل ﴾ ثم خرجوا حتى جاؤوها فتسوّقوا بها ولم يلقوا أحداً فنزلت ﴿ الذين قال لهم الناس ﴾ إلى قوله: ﴿ بنعمة من الله وفضل ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ فزادهم إيماناً ﴾ قال: الإيمان يزيد وينقص.
وأخرج البخاري والنسائي وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال: ﴿ حسبنا الله ونعم الوكيل ﴾ قالها إبراهيم حين ألقي في النار، وقالها محمد حين قالوا ﴿ إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل ﴾ .
وأخرج البخاري وابن المنذر والحاكم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس قال: قال آخر قول إبراهيم حين ألقي في النار ﴿ حسبنا الله ونعم الوكيل ﴾ وقال نبيكم مثلها ﴿ الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل ﴾ .
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن ابن عمرو قال: هي الكلمة التي قالها إبراهيم حين ألقي في النار ﴿ حسبنا الله ونعم الوكيل ﴾ وهي الكلمة التي قالها نبيكم وأصحابه إذ قيل لهم ﴿ إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم ﴾ .
وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا وقعتم في الأمر العظيم فقولوا ﴿ حسبنا الله ونعم الوكيل ﴾ » .
وأخرج ابن أبي الدنيا في الذكر عن عائشة «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا اشتدّ غمه مسح بيده على رأسه ولحيته ثم تنفس الصعداء وقال: حسبي الله ونعم الوكيل» .
وأخرج أبو نعيم عن شداد بن أوس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حسبي الله ونعم الوكيل أمان كل خائف» .
وأخرج الحكيم الترمذي عن بريدة قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قال عشر كلمات عند كل صلاة غداة وجد الله عندهن مكفياً مجزياً: خمس للدنيا، وخمس للآخرة: حسبي الله لديني، حسبي الله لما أهمني، حسبي الله لمن بغى عليّ، حسبي الله لمن حسدني، حسبي الله لمن كادني بسوء، حسبي الله عند الموت، حسبي الله عند المسألة في القبر، حسبي الله عند الميزان، حسبي الله عند الصراط، حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه أنيب» .
وأخرج البيهقي في الدلائل عن ابن عباس في قوله: ﴿ فانقلبوا بنعمة من الله وفضل ﴾ قال: ﴿ النعمة ﴾ أنهم سلموا و ﴿ الفضل ﴾ إن عيراً مرَّت وكان في أيام الموسم فاشتراها رسول الله صلى الله عليه وسلم فربح مالاً فقسمه بين أصحابه.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في الآية قال: ﴿ الفضل ﴾ ما أصابوا من التجارة والأجر.
وأخرج ابن جرير عن السدي قال: أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرج إلى غزوة بدر الصغرى ببدر دراهم ابتاعوا بها من موسم بدر، فأصابوا تجارة فذلك قول الله: ﴿ فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء ﴾ قال: أما النعمة فهي العافية، وأما الفضل فالتجارة، والسوء القتل.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله: ﴿ لم يمسسهم سوء ﴾ قال: لم يؤذهم أحد ﴿ واتبعوا رضوان الله ﴾ قال: أطاعوا الله ورسوله.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف من طريق عطاء عن ابن عباس أنه كان يقرأ ﴿ إنما ذلكم الشيطان يخوّفكم أولياءه ﴾ .
وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس ﴿ إنما ذلكم الشيطان يخوّف أولياءه ﴾ يقول: الشيطان يخوّف المؤمنين بأوليائه.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد ﴿ إنما ذلكم الشيطان يخوّف أولياءه ﴾ قال: يخوّف المؤمنين بالكفار.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن أبي مالك ﴿ يخوّف أولياءه ﴾ قال: يعظم أولياءه في أعينكم.
وأخرج ابن المنذر عن عكرمة في الآية قال: تفسيرها يخوّفكم بأوليائه.
وأخرج ابن المنذر عن إبراهيم في الآية قال: يخوّف الناس أولياءه.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في الآية قال: إنما كان ذلك تخويف الشيطان، ولا يخاف الشيطان إلا ولي الشيطان.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ ﴾ (ذلك) إشارةٌ إلى التخويف؛ أي (١) (٢) (٣) وعلى هذا (٤) (٥) (٦) وقوله تعالى: ﴿ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ ﴾ مذهب النحويين في هذا (٧) ﴿ يُخَوِّفُ ﴾ قد حُذِف معه مفعولٌ (٨) (٩) وقوله تعالى ﴿ أَوْلِيَاءَهُ ﴾ حُذِف منه الجارُّ، أي: بأوليائهِ، أو: مِن أوليائه، فَلَمَّا حُذِفَ الجار، وَصَلَ الفعلُ إلى المفعول الثاني فَنَصَبَهُ.
ومثله -مِن حذفِ المفعول منه-، قولُه: ﴿ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ ﴾ المعنى: إذا خِفْتِ عليه فِرْعَونَ أو الهلاكَ.
والجارُّ المُظْهَرُ في قوله: ﴿ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ ﴾ ، بمنزلة المحذوف مِن قوله: ﴿ أَوْلِيَاءَهُ ﴾ .
والتقديرُ عندهم: يُخَوِّفُكم بأوليائِهِ.
قال الفَرّاءُ (١٠) ﴿ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ ﴾ ؛ معناه: لِيُنْذِرَكُمْ بِيَومِ التَّلاقِ.
وقوله: ﴿ لِيُنْذِرَ بَأْسًا ﴾ ؛ معناه: لِيُنْذِرَكُمْ بِبِأسٍ.
هذا الذي ذَكَرْنَا: مذهب الفرّاء، والزّجاج (١١) (١٢) والذي يدلّ عل هذا: قراءةُ أُبَيِّ بن كعب: (يُخوِّفُكُمْ بِأَوْلِيَائِهِ) (١٣) أحدهما: أنَّ هذا، على قول القائل: (خَوَّفْتُ زَيْدًا عَمْرًا).
ومعنى الآية: يُخَوِّفكم أولياءَهُ.
فحذف المفعول الأول؛ كما تقول: (أعطيتُ الأموالَ)؛ أي: أعطيتُ القومَ، أو الناسَ الأموالَ.
قال ابن الأنباري (١٤) (١٥) قال: وقوله: ﴿ لِيُنْذِرَ بَأْسًا ﴾ \[الكهف 20\]، معناه: لِيُنْذِرَكمْ بأسًا.
وكذلك قوله: ﴿ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ ﴾ [معناه: لِيُنْذِرَكُم يومَ التَّلاقِ] (١٦) والتخويفُ يتعدَّى إلى مفعولين، من غير حرف جَرٍّ؛ تقول (١٧) وهذا مذهب ابن عباس (١٨) (١٩) (٢٠) (٢١) المذهب الثاني: أنَّ معنى الآية: يُخَوَفُ أولياءَهُ [المنافقين (٢٢) (٢٣) (٢٤) (٢٥) (٢٦) فالمذهب الأول: فيه محذوفان، والثاني: فيه محذوفٌ واحد، والثالث: لا حَذْفَ فيه.
ومعنى (الأوْلِيَاء) -في القولين الأوَّلَيْنِ-: المشركون والكفار.
وقوله تعالى: ﴿ فَلَا تَخَافُوهُمْ ﴾ الكناية (٢٧) ﴿ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ أي: خافونِ (٢٨) (٢٩) (٣٠) (١) في (ج): (إلى).
(٢) في (ج): (قال).
(٣) في: "معاني القرآن" له 1/ 490.
نقله عنه بنصه.
(٤) في (ج): (هذه).
(٥) في (ج): (الشيد).
(٦) في (ب): (الدعاء).
(٧) في (ب): (في هذه الآية).
(٨) من قوله: (يقتضيه ..) إلى (..
حذف منه): ساقط من (ج).
(٩) في (ب): (خوفكم).
(١٠) في "معاني القرآن" له 1/ 248، نقله عنه بمعناه (١١) في "معاني القرآن" له 1/ 490.
(١٢) لم أقف على مصدر مذهبه.
انظر: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 221، و"تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة ص 108، و"تأويل المشكل" له 222، و"معاني القرآن" للنحاس 1/ 512.
(١٣) أخرج القراءة عنه بسنده: الثعلبيُّ في "تفسيره" 3/ 158 أ، وذكرها البغوي في "تفسيره" 2/ 139، وأبن عطية في "المحرر الوجيز" 3/ 429، وأبو حيان في "البحر" 3/ 120.
(١٤) لم أقف على مصدر قوله.
وقد ورد -بنصه- في "زاد المسير" 1/ 507، وورد -كما هو عند المؤلف- في: "تفسير الفخر الرازي" 9/ 105.
(١٥) في (ج): (جاز).
وفي "زاد المسير": (وهذا أشبه من ادِّعاء (باء) ما عليها دليل، ولا تدعو إليها ضرورة).
(١٦) ما بين المعقوفين زيادة من (ج).
(١٧) (تقول): ساقطة من (ب).
(١٨) انظر: "تفسير الطبري" 4/ 183 - 184، و"النكت والعيون" 1/ 438، وقد ورد عنه من رواية عطاء، أنه كان يقرأها: (يخوفكم أولياءه).
انظر: "المصاحف" لابن أبي داود 74، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 820، و"المحتسب" 1/ 177، و"المحرر الوجيز" 3/ 328، وأوردها عنه السيوطي في "الدر المنثور" 2/ 182 وزاد نسبة إخراجها إلى الفريابي: وعبد بن حميد، وابن الأنباري في "المصاحف".
وأورد عنه ابن عطية في "المحرر" 3/ 428 أنه قرأ: (يخوفكم أولياؤُه)، أي: يخوفكم قريش ومن معهم.
(١٩) انظر: "تفسيره" 139، و"تفسير الطبري" 4/ 183، و"ابن أي حاتم" 3/ 820، و"النكت والعيون" 1/ 438، و"الدر المنثور" 2/ 182 وزاد نسبة إخراجه إلى عبد ابن حميد، وابن المنذر.
(٢٠) انظر: "الطبري" 4/ 183، و"ابن ابي حاتم" 3/ 821، و"النكت والعيون" 1/ 438.
(٢١) ذكر الثعلبي القراءة -بسنده عن عطاء- في "تفسيره" 3/ 158 أ، وأوردها أبو حيان في "البحر" 3/ 120.
(٢٢) أي: أولياءه من المنافقين.
فالمنافقين -هنا- بدل من (أولياءه).
(٢٣) ما بين المعقوفين زيادة من (ج).
(٢٤) لم أقف على مصدر قوله.
وقد ورد في: "النكت والعيون" 1/ 438، و"زاد المسير" 1/ 507، و"تفسير القرطبي" 4/ 282.
(٢٥) قوله في: "تفسير الطبري" 4/ 183، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 820، و"النكت والعيون" 1/ 438، و"زاد المسير" 1/ 507، و"تفسير القرطبي" 4/ 282.
(٢٦) لم أقف على مصدر هذه الرواية عنه.
(٢٧) الكناية: هي الضمير.
(٢٨) في (أ)، (ج): (خافوني)، والمثبت من (ب).
(٢٩) في (ج): (عليكم).
(٣٠) في (ج): (عنهم).
<div class="verse-tafsir"
﴿ فانقلبوا ﴾ أي رجعوا بنعمة اللامة وفضل الأجر ﴿ واتبعوا رضوان الله ﴾ بخروجهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ ذلكم الشيطان ﴾ المراد هنا أبو سفيان، أو نعيم الذي أرسله أبو سفيان أو إبليس، وذلكم مبتدأ، والشيطان خبره وما بعده مستأنف، أو الشيطان نعت وما بعده خبر ﴿ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ ﴾ أي يخوفكم أيها المؤمنون أولياءه وهم الكفار، فالمفعول الأول محذوف ويدل عليه قوله: ﴿ فَلاَ تَخَافُوهُمْ ﴾ وقرأ بان مسعود وابن عباس ﴿ يخوفكم أولياءه ﴾ ، وقيل المعنى يخوف المنافقين وهم أولياؤه من كفار قريش، فالمفعول الثاني على هذا محذوف.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ يغل ﴾ بفتح الياء وضم الغين: ابن كثير وأبو عمرو وعاصم غير المفضل ويعقوب غير رويس.
الباقون: بالضم والفتح على البناء للمفعول.
﴿ ولا يحسبن ﴾ بياء الغيبة: الحلواني عن هشام.
الباقون: بتاء الخطاب.
﴿ قتلوا ﴾ بالتشديد: ابن عامر.
الباقون: بالتخفيف.
﴿ وإن الله ﴾ بالكسر على الابتداء: عليّ.
الباقون: بالفتح.
﴿ وخافوني ﴾ بالياء في الحالين: سهل ويعقوب وابن شنبوذ عن قنبل، وافق أبو عمرو ويزيد وإسماعيل في الوصل.
الباقون بالحذف.
الوقوف: ﴿ إن يغل ﴾ ط لابتداء الشرط ﴿ يوم القيامة ﴾ ج لانتهاء جزاء الشرط مع العطف ﴿ لايظلمون ﴾ ه ﴿ جهنم ﴾ ط ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ عند الله ﴾ ط ﴿ بما تعملون ﴾ ه ﴿ والحكمة ﴾ ج لمكان العطف ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ مثليها ﴾ (لا) لأن استفهام الإنكار دخل على ﴿ قلتم ﴾ ﴿ هذا ﴾ ط ﴿ أنفسكم ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ وليعلم المؤمنين ﴾ ه لا ﴿ نافقوا ﴾ ج لاحتمال العطف والاستئناف والوصل أولى على تقدير وقد قيل لهم.
﴿ أو ادفعوا ﴾ ط ﴿ لاتبعناكم ﴾ ط ﴿ للإيمان ﴾ ج لاحتمال الحال والاستئناف.
﴿ في قلوبهم ﴾ ط ﴿ يكتمون ﴾ ج لاحتمال كون "الذين" بدلاً عن ضمير ﴿ يكتمون ﴾ أو خبر مبتدأ محذوف.
﴿ ما قتلوا ﴾ ط ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ أمواتاً ﴾ ط ﴿ عند ربهم ﴾ ص ﴿ يرزقون ﴾ ه لا لأن ﴿ فرحين ﴾ حالهم.
﴿ من فضله ﴾ (لا) للعطف.
﴿ من خلفهم ﴾ (لا) لتعلق "أن".
﴿ يحزنون ﴾ ه م للآية واستئناف الفعل إذ يستحيل أن يكون الاستبشار حالاً للذين يحزنون.
﴿ وفضل ﴾ (لا) لأن التقدير وبأن ومن كسر وقف والجملة حينئذٍ اعتراضية.
﴿ المؤمنين ﴾ ه ج لأن "الذين" يصلح صفة اللمؤمنين ومبتدأ خبره للذين أحسنوا، أو نصباً على المدح والأول أوجه لاتحاد الصفة.
﴿ القرح ﴾ ط لمن لم يقف على ﴿ المؤمنين ﴾ .
﴿ عظيم ﴾ ج لاحتمال البدل وكونه خبر مبتدأ محذوف.
﴿ إيماناً ﴾ ق والوصل أولى للعطف واتصال توكل اللسان بيقين القلب.
﴿ الوكيل ﴾ ه ﴿ سوء ﴾ لا للعطف ﴿ رضوان الله ﴾ ط ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ أولياءه ﴾ ص لوصل النهي عن الخوف بعد ذكر التخويف ﴿ مؤمنين ﴾ ه.
التفسير: هذا حكم من أحكام الجهاد.
وأصل الغلول أخذ الشيء في خفية.
يقال: أغل الجازر والسالخ إذا أبقى في الجلد شيئاً من اللحم ليسرقه.
والغل الحقد الكامن في الصدر.
والغلالة الثوب الذي يلبس تحت الدرع والثياب، والغلل الماء الذي يجري في / أصول الشجر لأنه مستتر بالأشجار.
وقال : " "من بعثناه على عمل فغل شيئاً جاء يوم القيامة يحمله على عنقه" وقال أيضاً: " هدايا الولاة غلول" " وقال الجوهري: غل يغل غلولاً أي خان.
وأغل مثله إلا أن العرف جعله في الغالب مخصوصاً بالخيانة في الغنيمة حتى قال أبو عبيدة: الغلول في المغنم خاصة، وقد جعله النبي من الكبائر.
عن ثوبان عن رسول الله : " "من فارق روحه جسده وهو بريء من ثلاثة دخل الجنة الكبر والغلول والدين " وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قام فينا رسول الله ذات يوم فذكر الغلول فعظمه وعظم أمره حتى قال: " لا ألْفَيَنَّ أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء يقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك.
لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرس له حمحمة فيقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك.
لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء يقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك.
لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته نفس لها صياح فيقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك.
لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته رقاع تخفق فيقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك.
لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته صامت فيقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك " ومعنى الآية فيمن قرأ بفتح الياء وضم الغين: ما كان لنبي أن يخون أي ما صح وما ينبغي له ذلك لأن النبوة تنافي الغلول لأنها أعلى المراتب الإنسانية، فلا يليق بصاحبها ما هو عار في الدنيا ونار في الآخرة، كيف وإنه أمين على الوحي النازل عليه من فوق سبع سموات، أفلا يكون أميناً في الأرض؟
هيهات.
وقيل: اللام منقولة والتقدير: وما كان نبي ليغل كقوله ﴿ ما كان لله أن يتخذ من ولد ﴾ أي ما كان الله ليتخذ ولداً.
ومن قرأ بضم الياء وفتح الغين ففيه وجهان: أحدهما يخان أي يؤخذ من غنيمته.
وفي تخصيصه بهذه الحرمة والخيانة محرمة على الإطلاق فوائد منها: أن المجني عليه كلما كان أجل منصباً كانت الخيانة في حقه أفحش.
ومنها أنه لا يكاد يخفى عليه من قبل الوحي فكان مع عذاب الآخرة فضيحة الدنيا.
ومنها أن المسلمين في ذلك الوقت كانوا في غاية الفقر، فكانت تلك الخيانة وقتئذٍ أقبح.
وثانيهما يخوّن أي ينسب إلى الخيانة فيكون من / الإغلال.
قال المبرد: تقول العرب: أكفرت الرجل جعلته كافراً أو نسبته إلى الكفرة.
قال القتيبي: لو كان هذا هو المراد لقيل "يغلل" كما يقال: "يفسق ويكفر" والأولى أن يقال: هو من أغللته أي وجدته غالاً كما يقال: أبخلته أي وجدته كذلك.
ومن هنا قال في الكشاف: معناه راجع إلى القراءة الأولى إذ معناه ما صح له أن يوجد غلالاً ولا يوجد غالاً إلا إذا كان غالاً.
وكان ابن عباس ينكر على هذه القراءة ويقول: كيف لا ينسب إلى الخيانة وقد كان يقتل؟
وقال خصيف: قلت لسعيد بن جبير: ما كان لنبي أن يغل.
فقال: بل يغل ويقتل.
ولا يخفى أن الإنكار لا يتوجه إذا كان أغل بمعنى وجده غالاً، وإنما يتوجه إذا كان الإغلال بمعنى النسبة إلى الخيانة كما روي أن قطيفة حمراء فقدت يوم بدر فقال بعض المنافقين: لعل رسول الله أخذها.
وقد طعن بعضهم في هذه القراءة وقال: إن أكثر ما جاء من هذا القبيل في التنزيل أسند الفعل فيه إلى الفاعل ﴿ ما كان لنا أن نشرك ﴾ ﴿ ما كان ليأخذ أخاه ﴾ ﴿ ما كان لنفس أن تموت ﴾ ﴿ ما كان الله ليضل قوماً ﴾ ﴿ وما كان الله ليطلعكم ﴾ وحكى أبو عبيدة عن يونس أنه قال: ليس في الكلام "ما كان لك أن تضرب" بضم التاء.
والحق أن القرآن حجة على غيره لا بالعكس.
ويوافق هذه القراءة ما روي "أنه لما وقعت غنائم هوازن في يده غله رجل بمخيط فنزلت" .
وعلى هذا يغل بمعنى يخان.
وإن جعل يغل بمعنى يوجد غالاً فالقراءتان متعاضدتان ويوافقهما أسباب النزول، أكثرها يروي "أنه تأخرت قسمة الغنيمة في بعض الغزوات لمانع فجاءه قوم وقالوا: ألا تقسم غنائمنا؟
فقال : لو كان لكم مثل أحد ذهباً ما حبست منكم درهماً، أترون أني أغلكم مغنمكم؟
فنزلت" .
وعن ابن عباس "أن أشراف الناس طمعوا أن يخصهم النبي من الغنائم بشيء زائد فنزلت" .
وقال الكلبي ومقاتل: "نزلت في غنائم أحد حين ترك الرماة المركز طلباً للغنيمة وقالوا: نخشى أن يقول رسول الله من أخذ شيئاً فهو له وأن لا يقسم الغنائم كما لم يقسمها يوم بدر.
فقال لهم : ألم أعهد إليكم أن لا تتركوا المركز حتى يأتيكم أمري؟
فقالوا: تركنا بقية إخواننا وقوفاً فقال : بل ظننتم أنا نغل ولا نقسم لكم" .
وروي "أنه بعث طلائع فغنم بعدهم غنائم فقسمها ولم يقسم للطلائع" فنزلت مبالغة في النهي لرسوله يعني وما كان لنبي أن يعطي قوماً ويمنع آخرين، بل عليه أن يقسم بالسوية.
وسمى حرمان بعض الغزاة غلولاً تغليظاً وتقبيحاً لصورة الأمر.
وقيل: نزلت في أداء الوحي.
كان يقرأ القرآن - وفيه عيب دينهم وسب آلهتهم - فسألوه أن يترك ذلك فقيل: / ما كان لنبي أن يكتم الناس ما بعثه الله به إليهم رغبة في الناس أو رهبة منهم ﴿ ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ﴾ أكثر المفسرين أجروه على ظاهره ونظيره في مانع الزكاة ﴿ يوم يحمى عليها في نار جهنم ﴾ ويدل عليه الحديث الذي رويناه وعن ابن عباس أنه قال: يمثل له ذلك الشيء في قعر جهنم ثم يقال له: أنزل إليه فخذه فيهبط إليه فإذا انتهى إليه حمله على ظهره فلا يقبل منه.
وعن بعض جفاة الأعراب أنه سرق نافجة مسك فتليت عليه هذه الآية فقال: إذن أحملها طيبة الريح خفيفة المحمل.
قلت: ذلك الشقي قاس الأمور الأخروية على الأمور الدنيوية، ولم يعلم أن ذلك المسك وقتئذٍ يكون أنتن من الجيفة وأثقل من الجبل وذلك ليذوق وبال أمره ويرى نقيض مقصوده.
قال المحققون: والفائدة فيه أنه إذا جاء يوم القيامة وعلى رقبته ذلك الغلول ازدادات فضيحته.
ومثله قوله : " لكل غادر لواء يوم القيامة " وقال أبو مسلم: هذا على سبيل التمثيل والتصوير لوباله وتبعته.
والمراد أنه يحفظ عليه هذا الغلول ويعزره عليه يوم القيامة ويجازيه لأنه لا يخفى عليه خافية.
وقيل: المراد أنه يشتهر بذلك مثل اشتهار من يحمل ذلك الشيء، وفيه صرف اللفظ عن ظاهره من غير دليل ولا ضرورة.
﴿ ثم توفى كل نفس ما كسبت ﴾ إثبات للجزاء لكل كاسب على سبيل العموم ليعلم صاحب الغلول أنه غير متخلص من بينهم مع عظم ما اكتسب وهذا أبلغ مما لو خص الغال بتوفية الجزاء فقيل: ثم يوفى ما كسب.
ثم فصل ما أجمل فقال: ﴿ أفمن اتبع ﴾ والهمزة للإنكار والفاء للعطف على محذوف تقديره "أمن اتقى فاتبع" قال الكلبي والضحاك: أفمن اتبع رضوان الله في ترك الغلول ﴿ كمن باء بسخط من الله ﴾ رجع منه بشدّة إرادة انتقام لأجل الغلول؟
وقال الزجاج: أفمن اتبع رضوان الله بامتثال امر النبي حين دعاهم إلى دفع المشركين يوم أحد، كمن باء بسخط من الله وهم الذين لم يمتثلوا؟
وقيل: الأولون المهاجرون والآخرون المنافقون.
وقيل: أفمن اتبع رضوان الله بالإيمان والعمل بطاعته كمن باء بسخط من الله بالكفر به والاشتغال بمعصيته؟
وهذا القول أقرب لتكون الآية مجراة على العموم وإن كان سبب النزول خاصاً.
وقوله: ﴿ ومأواه جهنم ﴾ من تمام صلة من "باء".
وقوله: ﴿ وبئس المصير ﴾ اعتراض.
قال القفال: لا يجوز في الحكمة أن يُسوى بين المسيء والمحسن وإلا كان إغراء بالمعاصي وإباحة لهما وإهمالاً للطاعات وتنفيراً عنها.
﴿ هم درجات ﴾ قيل: أي لهم / درجات.
وحسن هذا الحذف لأن اختلاف أعمالهم كأنه قد صيرهم بمنزلة الأشياء المختلفة في ذواتها.
وقالت الحكماء: النفوس الإنسانية مختلفة بالماهية يدل عليها اختلاف صفاتها بالإشراق والإظلام، ومن هنا قال : "الناس معادن كمعادن الذهب والفضة" فهم في أنفسهم درجات لا أن لهم درجات.
وقيل: المراد ذوو درجات.
ثم الضمير إلى أي شيء يعود؟
قيل: إلى من اتبع رضوان الله لأن الغالب في العرف استعمال الدرجات في أهل الثواب، والدركات في أهل العقاب.
ولأنه قد ذكر وصف من باء بسخط من الله وهو أن مأواه جهنم فيكون هذا وصفاً لمن اتبع الرضوان ويؤيده قوله: ﴿ عند الله ﴾ وهذا وإن كان معناه في علمه وحكمه كما يقال: "هذه المسألة عند الشافعي كذا" ولا يراد به عندية المكان لتنزهه عن ذلك إلا أنه يفيد في الجملة تشريفاً وأنه يليق بأهل الثواب.
وقال الحسن: يعود إلى من باء بسخط لأنه أقرب لأنهم متفاوتون في العذاب.
عن رسول الله : "إن منها ضحضاحاً وغمراً " وقال: " إن أهون أهل النار عذاباً رجل يحذى له نعلان من نار يغلى من حرهما دماغه ينادي يا رب وهل يعذب أحد عذابي " والأوجه أن يكون عائداً إلى الكل، لأن درجات أهل الثواب متفاوتة، وكذا دركات أهل العقاب حسب تفاوت أعمال الخلق.
وقد تستعمل الدرجات في مراتب أهل النار كقوله: ﴿ ولكل درجات مما عملوا ﴾ ﴿ والله بصير بما يعملون ﴾ فيجازيهم بمقدارها.
قوله عز من قائل: ﴿ لقد منّ الله على المؤمنين ﴾ في النظم وجوه منها: أن هذا الرسول نشأ فيما بينهم ولم يظهر منه طول عمره إلا الصدق والأمانة، فكيف يليق بمن هذا حاله الخيانة؟
ومنها كأنه قال: لا أكتفي في وصفه بأن أنزهه عن الخيانة ولكني أقول: إن وجوده فيكم من أعظم نعمي عليكم.
ومنها أنكم كنتم خاملين جاهلين وإنما حصل لكم الشرف والعلم بسبب هذا الرسول، فالطعن فيه طعن فيكم.
ومنها أن مثل هذا الرجل يجب على كل عاقل أن يعينه بأقصى ما يقدر عليه ويكون معه باليد واللسان والسيف والسنان، فيكون المقصود العود إلى ترغيب المسلمين في الجهاد.
ومعنى المنّ ههنا الإنعام على من لا يطلب الجزاء منه.
والوجه في المنة إما أن يعود إلى أصل البعثة، وإما أن يعود إلى بعثة هذا الرسول.
فمن الأول أن الخلق مجبولون على النقصان والجهالة، والنبي يورد عليهم / وجوه دلائل الكمال ويزيح عللهم في كل حال.
وأيضاً إنهم وإن شهدت فطرتهم بوجوب خدمة مولاهم لكن لا يعرفون كيفية تلك الخدمة إلى أن يشرحها النبي لهم.
وأيضاً أنهم جبلوا على الكسل والملل فهو يورد عليهم أنواع الترغيبات والترهيبات فيزول فتورهم ويتجدد نشاطهم.
وبالجملة فعقول البشر يمنزلة أنوار البصر، وعقل النبي بمنزلة نور الشمس.
فكما لا يتم الانتفاع بنور البصر إلا عند سطوع نور الشمس، فكذلك لا يحصل الاهتداء بمجرد العقل ما لم ينضم إليه إرشاد النبي .
ومن الثاني أن هذا الرسول بعث ﴿ من أنفسهم ﴾ أي من جنسهم عربياً مثلهم، أو من ولد إسماعيل كما أنهم من ولده.
فعلى هذا يكون المراد بالمؤمنين من آمن مع الرسول من قومه.
وخص المؤمنين منهم لأنهم هم المنتفعون به، ووجه المنة أنه إذا كان اللسان واحداً سهل عليهم أخذ ما يجب أخذه عنه، وإذا كانوا واقفين على أحواله في الصدق والأمانة كان ذلك أقرب لهم إلى تصديقه والوثوق به.
وفيه أيضاً شرف لهم وفخر كما قال: ﴿ وإنه لذكر لك ولقومك ﴾ وذلك أن الافتخار بإبراهيم كان مشتركاً فيه بين اليهود والنصارى والعرب.
ثم اليهود والنصارى كانوا يفتخرون بموسى وعيسى وبالتوراة والإنجيل، وما كان للعرب ما يقابل ذلك.
فلما بعث الله محمداً وأنزل القرآن صار شرف العرب بذلك زائداً على شرف جميع الأمم.
وقيل: ﴿ من أنفسهم ﴾ أي من جنس الإنس لا من الملك لأن الجنس إلى الجنس أميل.
ويروى عن النبي وعن فاطمة أنهما قرآ ﴿ من أنفسهم ﴾ بفتح الفاء أي أشرفهم، وعلى هذا يكون المؤمنون عاماً.
ويحتمل أن يراد بهم العرب ويصح لأن عدنان ذروة ولد إسماعيل، ومضر ذروة نزار بن معد بن عدنان، وخندف ذروة مضر، ومدركة ذروة خندف، وقريش ذروة مدركة، وذروة قريش محمد .
وأما سائر أوصافه من قوله: ﴿ يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة ﴾ فقد مر تفسيرها في البقرة عند قوله: ﴿ ربنا وابعث فيهم رسولاً ﴾ وإعراب قوله: ﴿ وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين ﴾ كما سلف في قوله: ﴿ وإن كانت لكبيرة ﴾ ومعنى المنة فيه أن النعمة إذا وردت بعد المحنة كان موقعها أعظم.
فبعثة هذا الرسول عقب الجهل والذهاب عن الدين تكون أعم نفعاً وأتم وقعاً.
ثم لما أجاب عن نسبة النبي إلى الغلول، حكى عنهم شبهة أخرى وهي قولهم لو كان رسولاً من عند الله ما انهزم عسكره وهو المراد بقوله: ﴿ أنى هذا ﴾ وأجاب عنها بقوله: ﴿ قل هو من عند انفسكم ﴾ والواو في قوله ﴿ أو لما أصابتكم ﴾ لعطف هذه الجملة الاستفهامية على ما قبلها من قصة أحد إلا أن حرف الاستفهام قدم على واو العطف لأن له صدر الكلام و ﴿ لما ﴾ ظرف ﴿ قلتم ﴾ ومقول القول ﴿ أنى هذا ﴾ و ﴿ وأصابتكم ﴾ في محل / الجر بإضافة ﴿ لما ﴾ إليه.
والتقدير: أقلتم حين أصابتكم؟
ويجوز أن تكون الجملة معطوفة على محذوف كأنه قيل: أفعلتم كذا، وقلتم حينئذٍ من أين أصابنا هذا، وكيف نصروا علينا، ونحن على الحق ومعنا الرسول وهم على الباطل ولا نبي معهم؟
والمراد بالمصيبة واقعة أحد، وبمثلها وقعة بدر.
وذلك أن المشركين قتلوا من المسلمين يوم أحد سبعين، وقتل المسلمون منهم يوم بدر سبعين وأسروا سبعين، وقيل: أراد نسبة الضعف في الهزيمة لا في عدد القتلى والأسرى.
فالمسلمون هزموا الكفار يوم بدر وهزموهم أيضاً في الأولى يوم أحد، ثم لما عصوا الله هزمهم المشركون فانهزام المشركين حصل مرتين، وانهزام المسلمين حصل مرة واحدة فخرج عن قوله: ﴿ قد أصبتم مثليها ﴾ جواب ضمني يعني أن أحوال الدنيا لا تدوم على حالة واحدة، فإذا أصبتم منهم مثلي ما نالوا منكم فما وجه الاستبعاد؟
لكنه صرح بجواب آخر فقال: ﴿ قل هو من عند أنفسكم ﴾ وفي تقريره وجهان: الأول أن هذه المصيبة بشؤم معصيتكم.
وذلك أنهم عصوا الرسول في أمور في الخروج عن المدينة وكان رأيه في الإقامة، ثم في الفشل وفي التنازع وفي مقارقة المركز وفي الاشتغال بطلب الغنيمة.
الثاني ما روي عن علي أنه قال: جاء جبريل إلى النبي يوم بدر فقال: يا محمد إن الله قد كره ما صنع قومك في أخذهم الفداء من الأسارى، وأمرك أن تخيرهم بين أن يقدموا الأسارى فيضربوا أعناقهم وبين أن يأخذوا الفداء على أن يقتل منهم عدتهم.
فذكر رسول الله ذلك لقومه فقالوا: يا رسول الله عشائرنا وإخواننا نأخذ الفداء منهم فنتقوى به على قتال العدو ونرضى أن يستشهد منا بعددهم.
فقتل يوم أحد سبعون رجلاً بعدد أسارى بدر.
فمعنى ﴿ هو من عند أنفسكم ﴾ هو بأخذكم الفداء واختياركم القتل.
وتمسك المعتزلة بالآية على أن للعبد اختياراً في الفعل والترك، وأنه من عند نفسه.
وعارضهم الأشاعرة بقوله: ﴿ إن الله على كل شيء قدير ﴾ فإن فعل العبد من جملة الأشياء فيكون الله قادراً عليه.
فلو وجد بإيجاد العبد امتنع من الله أن يقدر عليه إذ لا قدرة على إيجاد الموجود والحق أن وجود الواسطة لا ينافي انتهاء الكل إلى مسبب الأسباب ويؤيده قوله: ﴿ وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله ﴾ قال ابن عباس: أي وقع بقضائه وحكمه وفيه تسلية للمؤمنين لأن الرضا بالقضاء لازم.
وقيل: بتخليته لأن الإذن مخل بين المأذون له ومراده، فاستعير الإذن للتخلية، وإن اعتبرتم المصالح فذاك قد وقع ﴿ ليعلم المؤمنين ﴾ أي ليتميزوا عن أهل النفاق.
وإنما لم يقل "وليعلم المنافقين" ليناسب المؤمنين لفظاً لأن الغرض تصوير أنهم شرعوا في الأعمال اللائقة بالنفاق في ذلك الوقت وأحدثوها، ولأنه عطف على الصلة.
﴿ وقيل لهم ﴾ قال الأصم: هذا القائل رسول الله ، كان يدعوهم إلى / القتال.
وقيل: هو أبو جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري، لما انخزل عبد الله بن أبي بثلث الناس تبعهم وقال: أنشدكم الله في نبيكم وأنفسكم ﴿ تعالوا قاتلوا في سبيل الله ﴾ إن كان في قلبكم حب هذا الدين ﴿ أو ادفعوا ﴾ عن أنفسكم وأهليكم وأموالكم إن لم يكن بكم هم الآخرة وطلب مرضاة الله أي كونوا من رجال الدين أو من رجال الدنيا.
وقال السدي وابن جريج: ادفعوا العدو بتكثير سوادنا إن لم تقاتلوا معنا لأن الكثرة أحد أسباب الهيبة والرعب.
ثم إنه كأن سائلاً سأل فما أجاب المنافقون عند دعاء المؤمنين إياهم إلى القتال؟
فقيل: ﴿ قالوا لو نعلم قتالاً لاتبعناكم ﴾ كأنهم جحدوا أن يكون بين الفريقين قتالألبتة.
أو المراد لو نعلم ما يصح أن يسمى قتالاً لوافقناكم عليه, ولكنكم تلقون بأيديكم إلى التهلكة، وذلك أن رأي عبد الله كان في الإقامة وما كان يستصوب الخروج من المدينة، وكلا المعنيين منهم في الجواب فاسد.
أما الأول فلأن ظهور أمارات الحرب كافٍ في وجوب القتال والدفع عن النفس والمال.
والظن في أمور الدنيا قائم مقام العلم، ولا أمارة أقوى من قرب الأعداء من المدينة عند جبل أحد.
وأما الثاني فلأنه لما وعدهم بالنصر والغلبة إن صبروا واتقوا لم يكن الخروج إلى ذلك القتال إلقاء النفس إلى التهليكة.
ولركاكة جوابهم قال: ﴿ هم للكفر يومئذٍ أقرب منهم للإيمان ﴾ لأنهم تباعدوا بهذا الجواب المنبىء عن الدغل والنفاق عن الإيمان المظنون بهم قبل اليوم.
والمراد أنهم لأهل الكفر أقرب نصرة منهم لأهل الإيمان، لأن تقليلهم سواد المسلمين بالانخزال تقوية لجانب المشركين وعلى الأول قال أكثر العلماء: إنه تنصيص من الله على أنهم كفار لأن القرب من الكفر حصول الكفر.
قال الحسن: إذا قال الله أقرب فهو اليقين بأنهم مشركون كقوله: ﴿ مائة ألف أو يزيدون ﴾ فهذه الزيادة لا شك فيها.
وقال الواحدي: فيه دليل على أن الآتي بكلمة التوحيد لا يكفر لأنه لم يظهر القول بتكفيرهم ﴿ يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم ﴾ أي لا يتجاوز الإيمان حناجرهم ومخارج الحروف منهم خلاف صفة المؤمنين في مواطأة قلوبهم ما نطقوا به من التوحيد ﴿ والله أعلم بما يكتمون ﴾ من بغض الإسلام والمسلمين وسائر مجاري أحوالهم فيما بينهم.
وذلك أن المؤمنين قد علموا بعض ذلك بالقرائن والأمارات، وهو عالم بتفاصيل ذلك ﴿ لا يعزب عنه مثقال ذرّة في السموات ولا في الأرض ﴾ .
﴿ الذين قالوا ﴾ منصوب على الذم أو على البدل من ﴿ الذين نافقوا ﴾ أو مرفوع على الذم أي هم الذين، أو على البدل من ضمير ﴿ يكتمون ﴾ وقيل: يجوز أن يكون مجروراً بدلاً من الضمير في ﴿ أفواههم ﴾ أو ﴿ قلوبهم ﴾ ﴿ لإخوانهم ﴾ لأجل إخوانهم المقتولين يوم أحد / إخوة في النسب أو في سكنى الدار أو في الجنسية في النفاق.
والقائلون - عند جمهور المفسرين - عبد الله بن أبيّ وأصحابه.
واعترض الأصم بأنه قد خرج يوم أحد فكيف وصف بالقعود في قوله: ﴿ وقعدوا ﴾ أي والحال أنهم قد قعدوا عن القتال.
والجواب أن القعود عن القتال وهو الجبن عنه وتركه لا ينافي الخروج.
﴿ لو أطاعونا ﴾ في أمرنا إياهم بالقعود ﴿ ما قتلوا ﴾ كأنهم قعدوا وما اكتفوا بذلك بل أرادوا تثبيط غيرهم وذلك لما في الطباع من محبة الحياة وكراهة الموت.
"ومن يسمع يخل" فلعل بعض ضعفة المسلمين إذا سمع ذلك رغب في القعود ونفر طبعه عن الجهاد فأجابهم الله بقوله: ﴿ قل فادرؤا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين ﴾ في أن الحذر يغني عن القدر، وأن سلامتكم كانت بسبب قيودكم لا بغيره من أسباب النجاة, وفيه استهزاء بهم أي إن كنتم رجالاً دفاعين لأسباب الموت فادفعوا جميع أسبابه حتى لا تموتوا.
وروي أنه مات يوم قالوا هذه المقالة سبعون منافقاً.
جميع ذلك بناء على أن القتل أمر مكروه يجب على العاقل أن يتحرز منه لو أمكنه، لكنا لا نسلم ذلك وهو المراد بقوله: ﴿ ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا ﴾ والخطاب للرسول أو لكل أحد.
ومن قرأ على الغيبة فالضمير للرسول.
أو المراد لا يحسبن حاسب أو لا يحسبنهم أمواتاً.
وضمير المفعول للذين قتلوا أي لا يحسبن الذين قتلوا أنفسهم أمواتاً.
فحذف المفعول الأوّل لدلالة الكلام عليه، فكأنه مذكرو كما حذف المبتدأ في قوله: ﴿ بل أحياء ﴾ أي هم أحياء للدلالة.
عن ابن عباس قال: قال رسول الله " لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهارالجنة وتأكل من ثمارها وتأوى إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم ومقيلهم قالوا من يبلغ إخواننا عنا أنا في الجنة نرزق لئلا يزهدوا في الجهاد ولا ينكلوا عن الحرب فقال الله عز وجل أنا أبلغهم عنكم فأنزل هذه الآية " وعن جابر بن عبد الله قال: "نظر إليّ رسول الله فقال: ما لي أراك مهتماً؟
قلت: يا رسول الله قتل أبي وترك ديناً وعيالاً.
فقال: ألا أخبرك ما كلم الله أحداً قط إلا من وراء حجاب وإنه كلم أباك كفاحاً.
فقال: يا عبدي سلني أعطك.
فقال: أسألك أن تردّني إلى الدنيا فأقتل فيك ثانية.
فقال: إنه قد سبق مني أنهم إليها لا يرجعون.
فقال: يا رب فأبلغ من روائي " فنزلت.
وقال جماعة من أهل التفسير: نزلت / الآية في شهداء بئر معونة.
وقال بعضهم: إن أولياء الشهداء كانوا إذا أصابتهم نعمة أو سرور تحسروا وقالوا: نحن في النعمة والسرور وآباؤنا وأبناؤنا وإخواننا في القبور، فنزلت الآية تنفيساً عنهم وإخباراً عن حال قتلاهم أنهم أحياء متنعمون.
واختلف العلماء في معنى هذه الحياة.
فعن طائفة أنها على سبيل المجاز.
وقال الأصم والبلخي: أريد بها الذكر الجميل في الدنيا والثواب الجزيل في العقبة.
وروي أن عبد الملك بن مروان لما رأى الزهري وعلم فقهه وتحقيقه قال: ما مات من خلف مثلك.
ومن هذه الطائفة من قال: مجاز هذه الحياة أن أجسادهم باقية في قبورهم وأنها لا تبلى تحت الأرض ألبتة.
روي أنه لما أراد معاوية أن يجري العين إلى قبور الشهداء أمر بأن ينادي: من كان له قتيل فليخرجه من هذا الموضع.
قال جابر: فخرجنا إليهم فأخرجناهم رطاب الأبدان فأصاب المسحاة أصبع رجل منهم فقطرت دماً.
ومن هؤلاء من قال: المراد أنهم لا يغسلون كما لا يغسل الأحياء وذهبت طائفة من متكلمي المعتزلة إلى أن المراد أنهم سيصيرون أحياء والغرض تعذيب منكري المعاد، وزيف بأنه عدول عن الظاهر، وبأن عذاب القبر ثابت.
فالثواب أولى.
وبأنه نهى عن حسبانهم أمواتاً والذي يزيل هذا الحسبان هو اعتقاد أنهم أحياء في الحال لا اعتقاد أنهم أحياء في قوم القيامة، فإن ذلك مما لا يشك النبي والمؤمنون فيه.
وبما رويناه عن ابن عباس أن أرواحهم في أجواف طير.
وبقوله: ﴿ ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم ﴾ والاستبشار بمن يكون في الدنيا لا بد أن يكون قبل يوم القيامة.
وذهب كثير من المحققين إلى أنهم أحياء في الحال لكن بحياة روحانية، وأن أرواحهم تركع وتسجد كل ليلة تحت العرش إلى يوم القيامة.
وذلك أن الإنسان ليس عبارة عن مجموع هذه البنية، لأن أجزاء البدن في الذوبان والانحلال ويعرض لها السمن والهزال والقوّة والكلال، وكلنا يجد من نفسه أنه شيء واحد من أول عمره إلى آخره والباقي مغاير للمتبدل.
ولأن الإنسان يكون عالماً بنفسه حالماً يكون غافلاً عن جميع أعضائه وأجزائه، والمعلوم مغاير لما ليس بمعلوم.
ثم ذلك الشيء المغاير لهذا البدن المحسوس سواء كان جسماً مخصوصاً سارياً أو جوهراً مجرداً لا يبعد أن ينفصل بعد موت البدن حياً أو أماته الله فيعيده حياً, وبهذا يثبت عذاب القبر وثوابه وتزول الشبهات.
ومن تأمل في الأمور الواردة عليه وجد أحوال النفس مضادة لأحوال البدن، ووجد قوة أحدهما مقتضية لضعف الآخر، كما أن البدن يضعف وقت النوم وتقوى النفس على مشاهدة المغيبات ونقوش عالم الأرواح، وإذا أعرضت النفس عن الطعام والشراب وأقبلت على مطالعة العالم العلوي زادت سروراً وابتهاجاً وفرحاً وارتياحاً، وانطبعت فيها الجلايا القدسية، وانكشفت لها المعارف الإلهية، وأكثر أرباب / الشرع على أنهم أحياء في الحال بحياة جسمانية.
ثم منهم من قال: إنه يصعد أجسادهم إلى السموات وإلى قناديل تحت العرش ويوصل أنواع السعادات والكرامات إليها، ومنهم من قال: بل يتركها في الأرض ويحييها ويوصل هذه السعادات إليها.
ومن الناس من طعن في هذه القول وقال: إن تجويز كون البدن الميت الملقى في التراب حياً متنعماً عاقلاً عارفاً نوع من السفسطة.
والحق في هذه المسألة عندي خلاف ما يقوله أهل التناسخ من أن النفس بعد موت بدنها تقبل على بدن آخر وتعرض عن الأوّل بالكلية، وخلاف ما يقوله الفلاسفة من أن النفس تنقطع علاقتها عن البدن مطلقاً وإنما تلتذ أو تتألم هي بما اكتسبت من المعارف الحقة والأخلاق الفاضلة أو بالعقائد الباطلة والملكات الذميمة.
والذي أقوله: إن النفس تبقى لها علاقة مع بدنها لا بالتحريك واكتساب الأعمال، ولكن بالتلذذ والتألم والتعقل ونحوها.
وليس ببدع أن يتغير التعلق بحسب تغير الأطوار كما كان يتغير في مدّة العمر بحسب الأسنان والأمزجة.
والتحقيق فيه أن النفس في هذا العالم جعلت متصرفة في البدن لأجل اكتساب الأعمال والملكات، وأنه يفتقر إلى تحريك الأعضاء وأعمال الجوارح والآلات، وبعد الموت تجعل متصرفة فيه من جهة الجزاء والحساب، فكيف ينبغي أن يقاس أحدهما على الآخر؟
فلعله يكفي بعد الموت أن يكون له علاقة التلذذ والتألم والإدراك فقط إلى أن تقوم القيامة الكبرى.
وهذا القدر لا ينافي كون البدن مشاهداً في القبر من غير تحرك ولا إحساس ونطق، ويؤيده ما روي "أنه وقف على قليب بدر وقال: يافلان ابن فلان ويا فلان ابن فلان هل وجدتم ما وعدكم الله ورسوله حقاً؟
فإني وجدت ما وعدني الله حقاً.
فقال عمر: يا رسول الله كيف تكلم أجساداً لا أرواح فيها؟
فقال: ما أنتم بأسمع لما أقول منهم غير أنهم لا يستطيعون أن يردّوا عليّ شيئاً" .
وفي حديث عذاب القبر " إنه ليسمع قرع نعالهم " ولعل السر في أنه اكتفى بهذا القدر من التصرف أنه إن كان أكثر من ذلك كما سيكون في القيامة الكبرى نافى تكليف سائر الأحياء وأفضى الأمر إلى الإلجاء وهو السر في آخر حديث عذاب القبر " فيصيح صيحة يسمعها من يليه غير الثقلين" وأما الشهداء فلا يبعد أن يجازيهم الله بمزيد التلذذ بنعيم الآخرة كما قتلوا تعجيلاً للثواب.
وكما عجلوا الانقطاع عن طيبات الدنيا ومشتهياتها فإن جزاء كل طائفة ينبغي أن يناسب عملهم.
فافهم / هذه الأسرار فإنها علق مضنة وبه ثبت جميع ما ورد في الشريعة الحقة والله أعلم.
ومعنى ﴿ عند ربهم ﴾ أنهم مقربون ذوو كرامة كقوله: ﴿ فالذين عند ربك ﴾ أو المراد بحيث لا يملك أحد جزاءهم سوى ربهم، أو المراد في علمه وحكمه كما يقال: "هذه المسألة عند الشافعي كذا".
يرزقون كما يرزق سائر الأحياء يأكلون ويشربون وهو تأكيد لكونهم أحياء ووصف لحالهم التي هم عليها التنعم برزق الله كما ورد في الحديث.
﴿ فرحين بما آتاهم الله من فضله ﴾ وهو توفيق الشهادة وما خصصهم به من التفضيل على غيرهم من قبل تعجيل رزق الجنة ونعيمها.
وقال المتكلمون: الثواب منفعة خالصة دائمة مقرونة بالتعظيم.
فقوله: ﴿ يرزقون ﴾ إشارة إلى المنفعة وقوله: ﴿ فرحين ﴾ إشارة إلى الابتهاج الحاصل بسبب التعظيم.
بلسان الحكماء ﴿ يرزقون ﴾ إشارة إلى كون ذواتهم مشرقة بالمعارف الإلهية و ﴿ فرحين ﴾ رمز إلى ابتهاجها بالنظر إلى ينبوع النور ومصدر الكمال، و ﴿ يستبشرون بالذين ﴾ بإخوانهم من المجاهدين الذين لم يقتلوا فيلحقوا بهم.
والاستبشار السرور الحاصل بالبشارة.
ومعنى ﴿ من خلفهم ﴾ أنهم بقوا بعدهم.
وقيل لم يحلقوا بهم أي لم يدركوا فضلهم ومنزلتهم ﴿ ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون ﴾ بدل الاشتمال من "الذين".
وذلك أن الله يبشرهم بأن من تركوا خلفهم من المؤمنين يبعثون امنين يوم القيامة، فهم مستبشرون بأنه لا خوف عليهم, وإنما بشرهم الله بذلك لأنهم لما فارقوا الدنيا بغتة كان ذلك مظنة أن يكون لهم نوع تعلق بأحوال إخوانهم وهو شبه تألم، فأكرمهم الله بإزالة ذلك التعلق بأن أعلمهم أمن إخوانهم من عذاب الله فحصل لهم سروران: من قبل حالهم في أنفسهم وذلك قوله: ﴿ فرحين بما آتاهم الله من فضله ﴾ ومن قبل حال إخوانهم وأعزتهم وذلك قوله ﴿ ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم ﴾ ثم كرر هذا المعنى لمزيد التأكد فقال: ﴿ يستبشرون بنعمة من الله ﴾ وهي الثواب.
وفضل وهو التفضل الزائد وهذا هو سرورهم بسعادة أنفسهم.
﴿ وأن الله ﴾ أي وبأن الله ﴿ لا يضيع أجر المؤمنين ﴾ وهذا سرورهم بسعادة إخوانهم المؤمنين.
ثم إنه مدح المؤمنين بغزوتين متصلتين بغزوة أحد تعرف أولاهما بغزوة حمراء الأسد، والثانية بغزوة بدر الصغرى.
أما الأولى فما روي أن أبا سفيان وأصحابه لما انصرفوا من أحد فبلغوا الروحاء ندموا وقالوا: إنا قتلنا أكثرهم ولم يبقَ منهم إلاّ القليل.
فلم تركناهم؟
فهموا بالرجوع فبلغ ذلك رسول الله، فأراد أن يرهب الكفار ويريهم من نفسه ومن أصحابه قوّتهم فندب أصحابه إلى الخروج في طلب أبي سفيان وقال: لا أريد الآن أن يخرج معي إلا من حضر يومنا بالأمس.
فخرج في سبعين من الصحابة حتى بلغوا حمراء الأسد - وهي من المدينة على ثمانية أميال - فألقى الله الرعب في قلوب / المشركين وانهزموا.
فنزلت ﴿ الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا ﴾ بإتيان جميع المأمورات ﴿ واتقوا ﴾ بالانتهاء عن المحظورات ﴿ وأحسنوا ﴾ في طاعة الرسول واتقوا مخالفته وإن بلغ الأمر بهم إلى الجراحات.
روي أنه كان فيهم من يحمل صاحبه على عنقه ساعة.
ثم كان المحمول يحمل الحامل ساعة أخرى، وكان فيهم من يتوكأ على صاحبه ساعة ويتوكأ عليه صاحبه ساعة.
و "من" في قوله: ﴿ للذين أحسنوا منهم ﴾ للتبيين لأن الذين استجابوا لله والرسول قد أحسنوا كلهم واتقوا لا بعضهم.
وقال أبو بكر الأصم: نزلت في يوم أحد لما رجع النبي بالناس بعد الهزيمة فشد بهم على المشركين حتى كشفهم، وكانوا قد هموا بالمثلة فدفعهم عنهم بعد أن مثلوا بحمزة، فصلى عليهم النبي ودفنهم بدمائهم.
وذكروا "أن صفية جاءت لتنظر إلى أخيها حمزة فقال للزبير: ردّها لئلا تجزع من مثلة أخيها.
فقالت: قد بلغني ما فعل به وذلك يسير في جنب طاعة الله .
فقال للزبير: فدعها تنظر إليه، فقالت خيراً واستغفرت له.
وجاءت امرأة أخرى قد قتل زوجها وأبوها وأخوها وابنها، فلما رأت الرسول وهو حي قالت: إن كل مصيبة بعدك هدر" .
وأما الثانية فروى ابن عباس "أن أبا سفيان لما عزم أن ينصرف من المدينة إلى مكة نادى: يا محمد موعدنا موسم بدر الصغرى القابل فنقتتل بها إن شئت.
فقال لعمر: قل بيننا وبينك ذاك إن شاء الله.
فلما حضر الأجل خرج أبو سفيان مع قومه حتى نزل مرّ الظهران، فألقى الله الرعب في قلبه فبدا له أن يرجع، فلقي نعيم بن مسعود الأشجعي وقد قدم معتمراً فقال: يا نعيم إني واعدت محمداً أن نلتقي بموسم بدر، وإن هذا عام جدب ولا يصلحنا إلا عام نرعى فيه الشجر ونشرب فيه اللبن، وقد بدا لي أن أرجع.
ولكن إن خرج محمد ولم أخرج زاده ذلك جرأة فألحق بالمدينة وثبطهم ولك عندي عشر من الإبل.
فخرج نعيم فوجد المسلمين يتجهزون فقال لهم: ما هذا بالرأي أتوكم في دياركم وقراركم فقتلوا أكثركم، فإن ذهبتم إليهم لم يرجع منكم أحد، فوقع هذا الكلام في قلوب قوم منهم.
فقال : والذي نفسي بيده لأخرجنّ إليهم وحدي.
فخرج في سبعين راكباً وهم يقولون: حسبنا الله ونعم الوكيل، إلى أن وصلوا إلى بدر الصغرى وهي ماء لبني كنانة وكانت موضع سوق لهم يجتمعون فيها كل عام ثمانية أيام.
فلم يلق رسول الله وأصحابه أحداً من المشركين.
وكانت معهم تجارت ونفقات فوافوا السوق وباعوا ما معهم واشتروا بها أدماً وزبيباً وربحوا وأصابوا بالدرهم درهمين، وانصرفوا إلى المدينة سالمين غانمين.
ورجع أبو سفيان إلى مكة فسمى أهل مكة جيشه جيش السويق وقالوا: إنما خرجتم لتشربوا السويق وأنزل الله في المؤمنين ﴿ الذي قال لهم الناس ﴾ " يعني نعيم بن مسعود كما ذكرناه.
وإنما عبر / عن الإنسان الواحد بالناس لأنه من جنس الناس كما يقال: فلان يركب الخيل وما له إلا فرس واحد.
ولأن الواحد إذا قال قولاً وله أتباع يقولون مثل قوله ويرضون به، حسن إضافة ذلك الفعل إلى الكل كقوله : ﴿ وإذا قتلتم نفساً ﴾ وحين قال نعيم ذلك القول لم يخل من ناس من أهل المدينة يضامّونه ويصلون جناح كلامه، وقال ابن عباس ومحمد بن إسحق: "مر ركب من عبد القيس بأبي سفيان فدسهم إلى المسلمين ليخوفوهم وضمن لهم عليه جعلاً - حمل بعير من زبيب -" .
وقال السدي: هم منافقو المدينة كانوا يثبطون المسلمين عند الخروج ويقولون: إن الناس قد جمعوا لكم يعني أبا سفيان وأصحابه.
والمفعول محذوف أي جمعوا لكم الجموع.
والعرب تسمي الجيش جمعاً.
﴿ فاخشوهم فزادهم ﴾ قول نعيم أو قول المثبطين ﴿ إيماناً ﴾ لأنهم لم يسمعوا قولهم وأخلصوا عنده النية والعزم على الجهاد، وأظهروا حمية الإسلام فكان ذلك أثبت ليقينهم وأقوى بحسب زيادتها ونقصانها.
وأما من قال: الإيمان عبارة عن نفس التصديق فتأويله أن الزيادة وقعت في ثمرات الإيمان، ولكنها جعلت في الإيمان مجازاً.
وقد مر تحقيق الكلام لنا في هذا المعنى في أوائل الكتاب.
وكما أنهم أضمروا ذلك بحسب الاعتقاد وافقوا الخليل حين ألقي في النار فأظهروه باللسان وقالوا: حسبنا الله.
وقد مر إعراب مثله في البقرة في قوله: ﴿ فحسبه جهنم ﴾ ﴿ ونعم الوكيل ﴾ الكافي أو الكافل أو الموكول إليه هو.
ثم عملوا بما اعتقدوه وقالوا فخرجوا ﴿ فانقلبوا بنعمة من الله ﴾ وهي العافية ﴿ وفضل ﴾ وهو الربح بالتجارة، أو النعمة منافع الدنيا والفضل ثواب الآخرة ﴿ لم يمسسهم سوء ﴾ لم يصبهم قتل ولا جراح وصفهم بأنه حصل لهم الملائم ولم يحصل لهم المنافي وهذه غاية المطلب ونهاية الأماني، وإن ذلك ثمرة الإخلاص والتوكل على الله وتعالى .
ثم روي أنهم قالوا: هل يكون هذا غزواً؟
فقال : ﴿ واتبعوا رضوان الله ﴾ ليعلموا أن لهم ثواب المجاهدين حيث قضوا ما عليهم.
ثم قال: ﴿ والله ذو فضل عظيم ﴾ تنبيهاً على أن السبب الكلي في ثواب المطيعين هو فضل ربهم ورحمته عليهم ولم ينج أحداً عمله إلا أن يتغمده الله برحمته، فعلى المؤمن أن لا يثق إلا بالله ولا يخاف أحداً إلا إياه وذلك قوله: ﴿ إنما ذلكم ﴾ المثبط هو ﴿ الشيطان ﴾ لعتوّه وتمرده وإعوائه، ثم بين شيطنته بقوله: ﴿ يخوّف أولياءه ﴾ أو الشيطان صفة اسم الإشارة، وهذه الجملة خبر والمعفول الأوّل محذوف أي يخوّفكم أولياءه ﴿ فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين ﴾ فإن الإيمان يقتضي أن تؤثروا خوف الله على خوف الناس الذين هم أولياء المثبطين.
والأولياء هم أبو سفيان وأصحابه.
وقيل: الشيطان هو إبليس.
وقيل: المضاف محذوف والتقدير إنما / ذلكم قول الشيطان.
وقيل: يخوّف أولياءه القاعدين عن الخروج مع رسول الله .
وعلى هذا فالضمير في ﴿ فلا تخافوهم ﴾ للناس في قوله: ﴿ إن الناس قد جمعوا لكم ﴾ وقيل: التقدير يخوّفكم بأوليائه كقوله: ﴿ ويخوّفونك بالذين من دونه ﴾ فحذف حرف الجر قاله الفراء والزجاج وأبو علي، وزيفه ابن الأنباري بأن التخويف قد يتعدى بنفسه إلى مفعولين فلا ضرورة إلى إضمار حرف الجر.
الله حسبي.
التأويل: قد ذكرنا أن النفس يبقى لها نوع تعلق ببدنها.
فالآن نقول: إن روح الشهيد مخصوص بمزيد تعلق ببدنه جزاء له على تعجيب إذاقة مرارة الفراق عن الدنيا، ولهذا لا تبلى أجساد كثير منهم وتبقى غضة طرية وكأنهم هم الشهداء في الحقيقة، وهكذا أجساد الكاملين من النبيين و الصديقين الذين قتلوا أنفسهم بسيوف الرياضات، ومطارف الأذكار، وأسنة ألسنة الطاعنين، وتجرع سموم مخالفات النفس، ومكايدة الشيطان حتى ماتوا بالإرادة وحيوا بالطبيعة.
وليس كل تعلق بهذا العالم سبباً للتألم بل بعضه سبب اللذة والابتهاج ﴿ يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين ﴾ وكما ورد في حديث الشهداء " "من يبلغ إخواننا عنا إنا في الجنة" والذي جاء فيه " "إن أرواحهم في أجواف طير خضر" فلعل ذلك جزاء لهم على خروج الدم والأبخرة اللطيفة منهم ظلماً.
فمن الممكن أن يخلق الله من ذلك جسماً لطيفاً شبه طائر، ويكون لروح الشهيد به مزيد تعلق حتى تحركه ويطير حيث شاء من السماء والأرض وإلى الجنة بإذن الله .
وأما كون الطيرخضراً فإما لأن بدن الميت يميل إلى الخضرة، وإما أن يكون عبارة عن النضرة ﴿ تعرف في وجوههم نضرة النعيم ﴾ وإما لأن حالهم بالنسبة إلى ما سيؤل إليه أهل الجنة والنار يوم القيامة كالمتوسط بين الحالين الذين يعبر عنهما بالبياض والسواد في قوله: ﴿ يوم تبيض وجوه وتسود وجوه ﴾ وهذه المعاني ما وجدتها في كتب التفسير والتأويل، وأرجو أن أكون مصيباً فيها الغرض والله ورسوله أعلم بمرادهما.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ للَّهِ وَٱلرَّسُولِ ﴾ : قيل: أجابوا الله - عز وجل - والرسول إلى ما دعاهم إليه، وأطاعوا فيما أمرهم به من بعد ما أصابهم القرح،، أي: الجراحة.
قيل: دعاهم إلى بدر الصغرى بعد ما أصابهم بأحد القروح والجراحات؛ فأجابوه، فذلك قوله - -: ﴿ ٱلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ للَّهِ وَٱلرَّسُولِ...
﴾ الآية.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ ﴾ : في الإجابة له بعدما أصابتهم الجراحة، وشهدوا القتال معه.
﴿ وَٱتَّقَواْ ﴾ : الخلاف له، وترك الإجابة، ويحتمل: اتقوا النار وعقوبته.
﴿ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ : في الحنة وثواب جزيل، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ...
﴾ الآية: قيل: إن المنافقين قالوا لأصحاب رسول الله بعد ما انهزم كفار مكة وولوا أدبرهم: ﴿ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ ﴾ ، يخوفونهم؛ حتى لا يتبعوهم على أثرهم، فذلك عادتهم لم تزل؛ كقوله - -: ﴿ مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ﴾ أي: فساداً.
وقيل: إنه إنما قال ذلك لهم رجل يقال لهم: نعيم بن مسعود، ولا ندري كيف كانت القصة؟.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً ﴾ : لما وجدوا الأمر على ما قال لهم رسول الله ووعد لهم، لا على ما قال أولئك؛ فزادهم ذلك إيماناً، أي: تصديقاً.
زادهم: قيل: جراءة وقوة وصلابة على ما كانوا من قبل في الحرب والقتال، ويحتمل: زادهم ذلك في أيمانهم قوة وصلابة وتصديقاً.
وقيل: قوله - عز وجل -: ﴿ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً ﴾ ، أي: تصديقاً ويقيناً بجرأتهم على عدوهم، ويقينهم بربهم، واستجابتهم لنبيهم .
فإن قال قائل: ما معنى قوله - وتعالى -: ﴿ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً ﴾ على أثر قوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً ﴾ ، وقول ذلك قول لا يحتمل أن يزيد الإيمان، وليس كقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَٰناً ﴾ ؛ لأنها حجج، والحجج تزيد التصديق، أو تحدث، أو تدعوا إلى الثبات على ذلك؛ فيزيد الإيمان؛ فقولهم: اخشوهم، كيف يزيد؟
قيل: يخرج ذلك - والله أعلم - على وجوه: أحدها: أنهم إذا علموا أنهم أهل النفاق، وأنهم يخوفون بذلك، وقد كان وعدهم رسول الله بصنيعهم، فكذبوهم بذلك، وأقبلوا نحو أمر رسول الله صلى الله عليه سلم إجابة لأمره؛ وتصديقاً بوعده، ومجانبة لاغترارهم بأخبار أعدائه والنزول على قولهم؛ فكان ذلك منهم - عند ذلك - زائداً في إيمانهم مع ما في تكذيبهم؛ ذلك نحو قوله - عز وجل: ﴿ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ...
﴾ الآية: إنه إذا زاد بتكذيب آيات الله رجساً؛ فمثله تكذيب المكذب بالآيات؛ لذلك يزيد إيماناً، والله أعلم.
والثاني: أن يكون رسول الله أخبرهم بتفرق أعداء الله، وتشتت أمرهم، وأخبرهم المنافقون بالاجتماع؛ فصاروا إلى ما نعتهم به رسول الله ؛ فوجدوا الأمر على ما قال [رسول الله ]، وذلك من أنباء الغيب، [والإنباء عن الغيب] من أعظم آيات النبوة؛ فزادهم ذلك إيماناً، والله أعلم، وذلك، قوله - عز وجل -: ﴿ أَفَمَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَانَ ٱللَّهِ...
﴾ الآية.
والثالث: لم لما يغتروا بقول المنافقين، ولا قصدوا لذلك، ولا ضعفوا؛ فأنزل الله - - سكينته على قلوبهم؛ ليزيد لهم بذلك إيماناً؛ كقوله - -: ﴿ هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ ٱلْمُؤْمِنِينَ...
﴾ الآية [الفتح: 4]، وبالله التوفيق.
ثم معنى زيادة الإيمان بتخرج على وجوه: أحدها: بحق الابتداء في حادث الوقت؛ إذ له حكم التجدد في حق الأفعال بما هو للكفر به تارك؛ وعلى ذلك قوله - -: ﴿ يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ...
﴾ الآية [النساء: 136]، فيكون ذلك بحق الزيادة على ما مضى، وإن كان بحق التجدد في حق الحادث والفرد.
والثاني: أن يكون له الثبات عليه؛ إذ حجج الشيء توجب لزومه، والدوام عليه؛ فسمى ذلك زيادة.
ويحتمل: أن يكون يزداد له في أمره بصيرة، وعلى ما رغب فيه إقبالاً، ولحوقه مراعاة؛ فيكون في ذلك زيادة في قوته أو في نوره، أو بزينته وتمامه، وذلك أمر معروف.
ويحتمل: أن يكون ذلك داع إلى محافظة حقوق، والتمسك بأدلته، والوفاء بشرائطه؛ فيزيد ذلك فضله؛ كما عدت صلاة واحدة في التحقيق ألفاً؛ بما في ذلك من حفظ الحقوق ومراعاتها، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالُواْ حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ ﴾ : فزعوا إلى الله - - بما رأوا من صدق وعد رسول الله لهم وظهور كذب قول المنافقين: ﴿ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ...
﴾ الآية، أو قالوا ذلك عند قول المنافقين إياهم: ﴿ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ ﴾ ؛ فوضوا أمرهم [إلى الله ]، وسلموا لما رأوا النصر منه؛ رضاء منهم بكل ما يصيبهم، كقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا للَّهِ وَإِنَّـآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴾ : مدحهم الله - عز وجل - بما رأوا أنفسهم لله؛ فكذلك هذا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ﴾ .
أي: ذو منّ عظيم، يدفع المشركين عن المؤمنين.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱنْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍ ﴾ .
يحتمل النعمة: [نعمة الدين]، على ما ذكرنا.
وقيل: انقبلوا بنصر من الله والغنيمة، ويحتمل: النعمة من الله: الأمن من العدو؛ لأن المنافقين كانوا يخوفونهم بقولهم: ﴿ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ ﴾ ، ويحتمل: النعمة: الجنة، وفضلَ الزيادة على ذلك.
وقيل: انصرفوا بأجر من الله وفضل، وهو ما تشوقوا به من الشوق: ﴿ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوۤءٌ ﴾ ولا قتل، ولا هزيمة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱتَّبَعُواْ رِضْوَانَ ٱللَّهِ ﴾ أي: اتبعوا العمل الذي به رضوان الله، ورضاء رسوله .
وقيلأ: اتبعوا طاعته ورضاه.
ويحتمل قوله: ﴿ بِنِعْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍ ﴾ : الزيادة في الإيمان، وهو الصلابة والقوة فيه.
وقوله: ﴿ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوۤءٌ ﴾ : مما كانوا يخوفونهم بقوله: ﴿ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ ﴾ .
ويحتمل قوله - -: ﴿ فَٱنْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ ﴾ ، أي: رجعوا بمحمد، .
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّمَا ذٰلِكُمُ ٱلشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ ﴾ يخوف أولياءه وأعداءه، لكن أعداءه لا يخافونه، وأولياؤه يخافونه؛ كقوله: ﴿ إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ ﴾ : ومن لم يتبع، لكن من اتبع الذكر كان يقبل إنذاره، ومن لم يتبع الذكر لا؛ وإلا [فإنه] كان ينذر الفريقين جميعاً؛ فعلى ذلك الشيطان كان يخوف أولياءه وأعداءه جميعاً، لكن أعداءه لا يخافونه، وأولياءه يخافونه.
ويحتمل قوله: ﴿ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ ﴾ ، أي: بأوليائه، وجائز هذا في الكلام؛ كقوله: ﴿ وَتُنذِرَ يَوْمَ ٱلْجَمْعِ ﴾ ، أي: بيوم الجمع؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ وَإِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىۤ أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَٰدِلُوكُمْ ﴾ ؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ ﴾ ، أي: بأوليائه، والله أعلم.
وعن ابن عباس - -: يخفوكم أولياءه، وهذا يؤيد تأويل من يتأول: يخوف بأوليائه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ ﴾ أي: لا تخافوه لمخالفتكم إياه، ﴿ وَخَافُونِ ﴾ ، أي: خافوا مخالفتكم أمري؛ كقوله: ﴿ إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ ﴾ أخبر أنْ ليس له سلطان على الذين آمنوا؛ إنما سلطانه على الذين يتولونه؛ لذلك قال: لا تخافوه؛ لما ليس له عليكم سلطان، وخافون؛ لما [لي] عليكم سلطان، وبالله العصمة.
<div class="verse-tafsir"
إنما المُخوِّف لكم الشيطان، يرهبكم بأنصاره وأعوانه، فلا تجبنوا عنهم، فإنهم لا حول لهم ولا قوة، وخافوا بالتزام طاعته، إن كنتم مؤمنين به حقًّا.
<div class="verse-tafsir" id="91.1jW1X"
تطرف جماعة فزعموا أن حياة الشهداء كحياتنا هذه في الدنيا يأكلون أكلنا، ويشربون شربنا ويتمعتون تمتعنا، وهو قول لا يصدر عن عاقل لأن من الشهداء من يحرق بالنار، ومن تأكله السباع أو الأسماك، وقال بعضهم المراد أن أجسادهم لا تبلى، ولم يزد على ذلك، ولكن هذا لم يثبت، على أن الجسد لا ثمرة له إذا خرجت منه الروح.
﴿ فَرِحِينَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ ﴾ .
إنما قال: ﴿ مِنْ خَلْفِهِمْ ﴾ للدلالة على أنهم وراءهم يقتفون أثرهم ويحذون حذوهم قدمًا بقدم، فهو قيد فيه الخبر والحث والترغيب والمدح والبشارة، وهو من البلاغة بالمكان الذي لا يطاول.
﴿ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ ﴾ ذُكر في الآية السابقة استبشارهم بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم وأنهم فرحون بما آتاهم الله من فضله ثم ذكر هنا أنه يستبشرون بنعمة من الله وفضل، فالذي آتاهم من فضله مجمل تفصيله ما بعده وهو قسمان: فضل عليهم في إخوانهم الذين وراءهم، وفضل عليهم في أنفسهم وهو نعمة الله عليهم وفضله الخاص بهم في دار الكرامة، وقد أبهمه فلم يعينه للدلالة على عظمه وعلى كونه غيبًا لا يكتنه كنهه في هذه الدار.
ثم اختتم الكلام بفضله على إخوانهم كما افتتحه به وترك العطف لتنزيل الاستبشار الثاني منزلة الاستبشار الأول حتى كأنه هو.
﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ : "من" للتبعيض وهي في محلها لأن من المؤمنين الصادقين من لم يخرج معه إلى "حمراء الأسد" أي وهم من الذين لا يضيع الله أجرهم ولكنهم لا يستحقون الأجر العظيم الذي استحقه الذين خرجوا معه وهم مثقلون بالجراح ومرهقون من الإعياء إلى استئناف قتال أضعافهم من الأقوياء.
وثم وجه آخر وهو أنه وجد في نفوس بعض المؤمنين بعد أُحد شيء من الضعف فهذه الآيات كلها تأديب لهم، ولما دعاهم للخروج لبوا واستجابوا له ظاهرًا وباطنًا، ولكن عرض لبعضهم عند الخروج بالفعل موانع في أنفسهم، أو أهليهم، فلم يخرجوا فأراد من الذين أحسنوا واتقوا الذين خرجوا بالفعل وهم بعض الذين استجابوا، والإحسان أن يعمل الإنسان العمل على أكمل وجوهه الممكنة والتقوى أن يتقي الإساءة والتقصير فيه.
﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ ﴾ الذين قال لهم الناس هم الذين استجابوا لله وللرسول فخرجوا إلى حمراء الأسد للقاء المشركين إذ عاد بهم أبو سفيان لاستئصالهم وكانوا سبعين رجلًا.
ولكن روي عن ابن عباس ومجاهد وقتادة وعكرمة أن الآية نزلت في غزوة بدر الصغرى وذلك أن أبا سفيان قال حين أراد أن ينصرف من أُحد: يا محمد موعد ما بيننا وبينك موسم بدر القابل إن شئت، فقال رسول الله "ذلك بيننا وبينك إن شاء الله"، فلما كان العام القابل خرج أبو سفيان في أهل مكة حتى نزل "مجنة" من ناحية "مر الظهران" وقيل بلغ "عسفان" فألقى الله تعالى الرعب في قلبه فبدا له الرجوع، فلقي نعيم بن مسعود الأشجعي، وقد قدم معتمرًا فقال له أبو سفيان: إني وعدت محمدًا وأصحابه أن نلتقي بموسم بدر وإن هذا عام جدب ولا يصلحنا إلا عام ترعى فيه الشجر ونشرب فيه اللبن وقد بدا لي أن أرجع وأكره أن يخرج محمد ولا أخرج أنا فيزيدهم ذلك جرأة فالحق بالمدينة فثبطهم ولك عندي عشرة من الإبل أضعها في يدي سهيل بن عمرو.
فأتى نعيم المدينة فوجد المسلمين يتجهزون لميعاد أبي سفيان فقال لهم: ما هذا بالرأي، أتوكم في دياركم وقراركم فلم يفلت منكم إلا شريد فتريدون أن تخرجوا إليهم وقد جمعوا لكم عند الموسم!
فوالله لا يفلت منكم أحد، فوقع هذا الكلام في قلوب قوم منهم فقال رسول الله : "والذي نفسي بيده لأخرجن ولو وحدي"، فخرج ومعه سبعون راكبًا يقولون "حسبنا الله ونعم الوكيل" حتى وافى بدرًا فأقام بها ثمانية أيام ينتظر أبا سفيان فلم يلقوا أحدًا لأن أبا سفيان رجع بجيشه إلى مكة، فسماه أهل مكة جيش السويق، وقالوا لهم إنما خرجتم لتشربوا السويق.
قال بعضهم ووافى المسلمون سوق بدر وكانت معهم نفقات وتجارات فباعوا واشتروا أدمًا وزبيبًا، وربحوا وأصابوا بالدرهم درهمين وانصرفوا إلى المدينة سالمين غانمين، وقال في ذلك عبد الله بن رواحة أو كعب بن مالك: وعدنا أبا سفيان وعدًا فلم نجد لميعاده صدقًا وما كان وافيًا فأقسم لو وافيتنا فلقيتنا لأبت ذميمًا وافتقدت المواليا تركنا به أوصال عتبة وابنه وعمرًا أبا جهل تركناه ثاويًا عصيتم رسول الله أف لدينكم وأمركم الشيء الذي كان غاويًا وإني وإن عنفتموني لقائل فدى لرسول الله أهلي وماليا أطعناه لم نعد له فينا بغيره شهابًا لنا في ظلمة الليل هاديًا فعلى هذه الرواية يكون المراد بالناس الذين قالوا للمؤمنين إن الناس قد جمعوا لكم نعيم بن مسعود ومن وافقه فأذاع قوله، وعن الشافعي أنهم أربعة.
وروي أن ركبًا من عبد القيس مروا بأبي سفيان فدسهم إلى المسلمين ليجبنوهم وضمن لهم عليه جعلًا.
وعزاه الرازي إلى ابن عباس ومحمد بن اسحق، وذكر قولًا ثالثًا عن السدي أن الناس الذين قالوا هم المنافقون، وأما الناس الذين جمعوا الجموع لقتال المسلمين فهم أبو سفيان وأعوانه قولًا واحدًا، وعندي أنه يجوز أن يكون نعيم بن مسعود قال ذلك، وأن يكون قاله ركب عبد القيس، وتحدث به المنافقون، فإن الأمر الكبير من شأنه أن يتحدث به الناس ويذهبون فيه مع أهوائهم، كما أن السبعين الذين خرجوا مع النبي إلى بدر الصغرى يجوز أن يكونوا هم الذين خرجوا معه إلى حمراء الأسد، فتصدق الآية على القصتين، وتكون الآيات متأخرة النزول عما قبلها.
وذكر ابن القيم في زاد المعاد والحلبي أن النبي خرج إلى بدر الموعد في ألف وخمسمائة، ويجمع بينه وبين القول الأول بأن يكون خرج أولًا بالسبعين ثم تبعه الباقون.
﴿ إِنَّمَا ذَلِكُمْ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِي إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ ، في الآية التنبيه في الموازنة بين أولياء الشيطان من مشركي مكة وغيرهم، وبين ولي المؤمنين القادر على كل شيء كأنه يقول: عليكم أن توازنوا بين قوتي وقوتهم، ونصرتي ونصرتهم فأنا الذي وعدتكم النصر، وأنا وليكم ونصيركم ما أطعتموني أطعتم رسولي، وفي هذا المقام شبهة تعرض لبعضهم، يقولون إن تكليف عدم الخوف من تكليف ما لا يستطاع، ولا يدخل في الوسع، فإن الإنسان إذا علم أن العَدد الكثير ذا العُدَد العظيمة يريد أن يواثبه وينزل به العذاب بأن رآه أو سمع باستعداده من الثقات فإنه لا يستطيع أن لا يخافه، فكان الظاهر أن يؤمروا بإكراه النفس على المقاومة والمدافعة مع الخوف لا أن ينهوا عن الخوف، والجواب: إن هذه الشبهة حجة الجبناء، فهي لا تطوف إلا في خيال الجبان، فإن أعمال النفس من الخوف والحزن والفرح يتراءى للإنسان انها اضطرارية وأن آثارها كائنة لا محالة مهما حدث سببها، والحقيقة أن ذلك اختيري من وجهين: أحدهما: إن هذه الأمور تأتي بالعادة والمزاولة ولذلك تختلف باختلاف الشعوب والأجيال، فمن اعتاد الإحجام عند الحاجة إلى الدفاع يصير جبانًا، والعادات خاضعة للاختيار بالتربية والتمرين، ففي استطاعة الإنسان أن يقاوم أسباب الخوف ويعوّد نفسه الاستهانة بها.
وثانيهما: أن هذه الأمور إذا حدثت بأسبابها فالإنسان مختار في الإسلاس لها، والاسترسال معها حتى يتمكن أثرها في النفس وتتجسم صورتها في الخيال، ومختار في ضد ذلك وهو مغالبتها والتعمل في صرفها وشغل النفس بما يضادها ويذهب بأثرها أو يتبدل به أثرًا آخر مناقضًا له، فهذا الأمر الاختياري هو مناط التكليف، كأنه يقول: إذا عرضت لكم أسباب الخوف فاستحضروا في نفوسكم قدرة الله على كل شيء، وكونه بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه، وتذكروا وعده بنصركم وإظهار دينكم على الدين كله، وأن الحق يدمغ الباطل فإذا هو زاهق، وتذكروا قوله: ﴿ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ ثم خذوا أهبتكم وتوكلوا على ربكم فإنه لا يدع لخوف غيره مكانًا في قلوبكم.
إن الوجه الأول إنما يتعلق به الاختيار في التربية التدريجية، والثاني يتعلق به الاختيار فورًا في كل وقت.
وإن قوله تعالى: ﴿ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ يفيد وجوب توثيق الإيمان بالله في القلب قبل كل شيء لأن تلك الخواطر والهواجس التي تحدث الخوف من أولياء الشيطان لا يمحوها من لوح القلب إلا الإيمان الصحيح لثابت، وفي قوله ﴿ إِنْ كُنْتُمْ ﴾ إشارة إلى أن إيمان من يرجح الخوف من أولياء الشيطان على الخوف من الله تعالى مشكوك فيه.
<div class="verse-tafsir"