الإسلام > القرآن > تفسير > البسيط > سورة 3 آل عمران > الآية ٥٩
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 8 دقيقة قراءةو (١) ﴿ إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ ﴾ (٢) نزلت في وَفْدِ نجران، حين قالوا للنبي : (وهل رأيت ولدًا من غير ذكرٍ؟)؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية (٣) فالله تعالى قد ذكر في القرآن قصَّهَ آدَمَ، وإنشاءه إيَّاه من غير والدٍ، ثم دلَّ في هذه الآية على أنَّ سبيلَ الثاني (٤) وفي هذه الآية حجةٌ على من أنكر القياس؛ لأن الله تعالى احتجَّ فيها على المشركين، ولا يجوز أن يدلَّهم إلاَّ بما فيه دليلٌ.
فقياس (٥) وقوله تعالى: ﴿ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ .
أي: في الخَلْق والإنشاء.
خَلَقَ عيسى من غير أب، كما خَلَقَ آدمَ من غير أبٍ ولا أُمٍ.
وتمَّ الكلام عند قوله: ﴿ كَمَثَلِ آدَمَ ﴾ (٦) ﴿ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ﴾ وهذا ليس بِصِلَه لـ ﴿ آدَمَ ﴾ ، ولا صِفَةٍ، لأن الصلة للمبهمات (٧) (٨) (٩) قال الزجَّاج (١٠) وقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ .
اختلفوا في المَقُولِ له ﴿ كُنْ ﴾ : فالأكثرون (١١) ﴿ خَلَقَهُ ﴾ ، ﴿ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ ﴾ .
والجواب: إنَّ الله تعالى أخبرنا أوَّلًا أنه خلق آدم من غير ذَكَر ولا أنثى، ثم ابتدأ خبرًا آخَرَ، أراد أَنْ يُخبرنا به، فقال: ثم (١٢) ﴿ كُنْ ﴾ ، فكان، [فجاء] (١٣) (١٤) (١٥) (١٦) ﴿ كُنْ ﴾ ، وهذا كما تقول للرجل: أخبرك أني أعطيتك اليوم ألفا، ثم إني أخبرك [أني] (١٧) (١٨) (١٩) (٢٠) (٢١) ﴿ خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا ﴾ ، وقد خُلِقت (٢٢) (٢٣) قُلْ لِمَن سادَ ثمَّ سادَ أبوهُ ...
ثم قد سادَ قبلَ ذلك جدُّهْ (٢٤) (٢٥) ﴿ كُنْ ﴾ : عيسى (٢٦) وفي قوله: ﴿ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ ﴾ ، وجهان من التأويل: أحدهما: أن هذا دلالة على أنه تعالى يخلق الشيء من غير نصب ولا تعب؛ لا أنَّه يختلقه بقوله ﴿ كُنْ ﴾ ؛ لأنه لو أراد خلق شيء وُجد ذلك الشيء، وإن لم يقل له: (كن).
والثاني: أن قولَه: ﴿ كُنْ ﴾ ، علامةٌ لما يريد خلقه وإنشاءه.
وقوله تعالى: ﴿ فَيَكُونُ ﴾ .
قال بعض النحويين (٢٧) (٢٨) ﴿ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ ﴾ ، فَكانَ، فجرى عليه (٢٩) ﴿ تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ ﴾ (٣٠) وقال آخرون (٣١) ﴿ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ ﴾ ، فيكون كما يأمر الله تعالى.
وقوله: ﴿ فَيَكوُنُ ﴾ ، حكاية لتلك الحالة التي يكون فيها آدمُ كما شاءَ اللهُ.
(١) الواو: زيادة من (د).
(٢) (كمثل آدم): ليست في (ب)، (د).
(٣) ورد هذا السبب بألفاظ مختلفة في "تفسير الطبري" 3/ 295، 471، يرويه عن قتادة، والسدِّي، وابن زيد، ولفظه عن قتادة: (ذُكِر لنا أن سيِّديْ أهل نجران وأسْقُفَّيهم: السيد، والعاقب، لقيا نبي الله فسألاه عن عيسى، فقالا: كل آدمي له أب، فما شأن عيسى لا أب له؟
فأنزل الله عز وجل فيه الآية (إنَّ مثل عيسى ..).
وأورده السيوطي في "الدر" 2/ 66 وزاد في نسبته إلى عبد بن حميد.
ووردت روايات أخرى من طرق أخرى في سبب نزول هذه الآية، قريبة من السابقة، انظرها في "تفسير الطبري" 6/ 468 - 471، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 665، "أسباب النزول" للواحدي: 99، "لباب النقول" للسيوطي 52، "الدر المنثور" 2/ 67.
(٤) (الثاني): ساقطة من: (ج).
(٥) في (ب): (فيقاس).
(٦) ممن قال بأن الوقف تامٌّ: يعقوب، وقال أبو بكر بن الأنباري: إن الوقف هنا: حسنٌ، وليس بتامٍّ ولا كافٍ.
انظر كتاب "إيضاح الوقف والابتداء" لابن الأنباري: 2/ 578، "القطع والائتناف" للنحاس 226، "منار الهدى" للأشموني: 63.
(٧) لأن (آدم) معرفة، والمعارف لا تُوصل، وإنما الصلات للنكرات.
انظر: "معاني القرآن" للفراء: 1/ 219، "تفسير الطبري" 3/ 296.
(٨) لأن الجُمَل بعد النكرات صفات، و (آدم) مَعْرِفة، ولذا لا تكون الجملة بعده صفة له، لأن الجمل لا تكون إلا نكرة، فلا توصف بها معرفة.
(٩) أي: إنها جملة مفسرة لوجه التشبيه، فلا وجه لها من الإعراب، وهذا الوجه هو الأظهر.
وقيل: إنها في محل نصب على الحال من (آدم)، مع تقدير (قَدْ) معها لتقربه من الحال؛ لأن الفعل الماضي لا تصل بالأعلام إلا إذا أضمر معه (قَدْ)، والعامل فيها معنى التشبيه.
وقال أبو البركات بن الأنباري في كتابه "البيان": إنها جملة مفسرة للمَثَلِ، وهي في موضع رفع؛ لأنها خبر لمبتدأ محذوفٍ؛ كأنه قيل: ما == المثل؟
فقال: خلقه من تراب.
أي: المَثَلُ خلَقَهُ من تراب ..).
انظر: "معاني القرآن" للفراء: 1/ 219، "تفسير الطبري" 3/ 296، "البيان" للأنباري: 1/ 206، "الدر المصون" 3/ 218، "منار الهدى" 63.
(١٠) في "معاني القرآن" له: 1/ 422، نقله عنه بتصرف يسير.
والزجَّاج هنا يوضح كيف كانت ﴿ خَلَقَهُ ﴾ جملة مفسرة.
(١١) انظر: "تفسير الطبري" 3/ 96، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 665 وقد رواه عن ابن إسحاق، "المحرر الوجيز" 3/ 148.
(١٢) (ثم): ساقطة من: (ج) و (د).
(١٣) ما بين المعقوفين زيادة من: (د)، وهي كذلك في "الدر المصون" 3/ 220؛ حيث نقل السمينُ الحلبيُّ قولَ الواحدي كاملًا.
(١٤) ما بين المعقوفين زيادة من: (ج)، (د)، وكذلك هي في "الدر المصون" 3/ 220، ولكن وردت فيه: (بثم).
(١٥) في (ج)، (د): (بمعنى).
(١٦) في (ب)، (ج)، (د): (لأن) بدلًا من: (لا أن) وكذلك وردت في "الدر المصون" == 3/ 220: (لأن).
وما في هذه النسخ له وجاهته؛ حيث يعني أنه جيء بـ (ثم) لأن الإخبار عن قوله (كن) تأخر عن الإخبار عن الخلق.
وما أثبته في الأصل من نسخة (أ)، يتناسب كذلك مع الكلام السابق واللاحق.
(١٧) ما بين المعقوفين زيادة من: (ب)، (ج)، (د)، "الدر المصون".
(١٨) أعطيتك: ساقطة من (د).
(١٩) في (د): (متقدما).
(٢٠) (خبر): ساقطة من: ب.
(٢١) في (ب): (فأخبر أمس بفعل مضى).
(٢٢) في (ج)، (د): (خلقتا).
(٢٣) في (ب): (أني قد).
(٢٤) البيت لأبي نواس، وهو في ديوانه: 493.
وورد البيت غير منسوب، في "غرائب التفسير" للكرماني: 1/ 260، "رصف المباني" 250، والجني الداني: 428، "مغني اللبيب" 159، "منهج السالك" 3/ 94، "همع الهوامع" 5/ 236 (1605)، "خزانة الأدب" 11/ 37، 40، "الدرر اللوامع" 2/ 173.
وقد وردت روايته في == المصادر السابقة: (إنَّ من ساد ..).
وروايته في الديوان: قل لمن ساد ثم ساد أبوه ...
قبلَهُ ثم قبل ذلك جدُّه وقال البغدادي في "خزانة الأدب" 11/ 40: (وهذا البيت من شعرٍ مولَّدٍ لا يوثق به، وأوله مغيَّر اشتهر به، وهو أول أبيات سبعة مدح بها العباس بن عبيد الله بن أبي جعفر) وهو عم هارون الرشيد.
(٢٥) يعني المؤلف بقوله (فيصح النظم) والله أعلى: أن الذهاب في تفسير الآية إلى هذا الوجه الأخير الذي ذكره يغني عن تمحل إجابة كالتي سبقت في تفسيرها بالوجه الأول، وأنه لا إشكال في لفظ الآية.
(٢٦) روى أسباط عن السدِّي عن أبي مالك (غزوان الغفاري) أنه قال عن المَعنِيِّ بالآية: (فهو أمر عيسى والقيامة).
انظر: "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 666، وبه قال البغوي في "تفسيره" 2/ 47، وهذا القول مذكور في "تنوير المقباس" 48.
قال الآلوسي: (والضمير المجرور عائد على ما عاد عليه الضمير المنصوب، والقول بأنه عائد على عيسى، ليس بشيء؛ لما فيه من التفكيك الذي لا داعي إليه، ولا قرينة تدل عليه).
"روح المعاني" 3/ 187.
ويعني بـ (الضمير المجرور): الضميرَ في ﴿ لَهُ ﴾ ، ويعني بـ (الضمير المنصوب): الضميرَ في ﴿ خَلَقَهُ ﴾ .
وانظر: "البحر المحيط" 2/ 478.
(٢٧) ومنهم الأخفش في "معاني القرآن" له: 1/ 206، وقال: (ومعناه: (كن فكان)، كأنه قال: فإذا هو كائن).
والنحاس، في "إعراب القرآن" 1/ 338.
(٢٨) لم أقف على مصدر قولة، وأورده الخازن في "تفسيره" 1/ 302.
(٢٩) في (ج)، (د): (فيه).
(٣٠) سورة البقرة: 102.
﴿ وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا ﴾ .
قال النحاس: (والمستقبل يكون في موضع الماضي إذا عُرفَ المعنى) "إعراب القرآن" له: 1/ 338.
وذكر الحدَّاديُّ أنَّ الماضي يذكر بلفظ المستقبل في موضعين: أحدهما: إذا كان حالاً.
والثاني: إذا كان الفاعل يدوم على الفعل، وكان من سبيله إتيان ذلك الفعل.
انظر: "المدخل لعلم تفسير كتاب الله" له: 228.
(٣١) لم أقف عليهم.
<div class="verse-tafsir"