الإسلام > القرآن > تفسير > البسيط > سورة 4 النساء > الآية ١٠٤
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 6 دقيقة قراءةقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ ﴾ .
الخطاب للمؤمنين، وذكرنا معنى الوهن (١) ﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا ﴾ .
والمراد بالقوم ههنا: أبو سفيان وأصحابه، لما انصرفوا عن أحد منهزمين، وقد قذف الله في قلوبهم الرعب، أمر الله تعالى نبيه أن يسير في آثارهم بعد الوقعة بأيام، فندب النبي الناس لذلك، فاشتكوا ما بهم من الجراحات، فأنزل الله هذه الآية (٢) (٣) (٤) وقوله تعالى: ﴿ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ ﴾ .
الألم الوجع، وقد ألم يألم، فهو آلم (٥) (٦) ونحو هذا قال غيره من المفسرين (٧) أحدهما: أن المؤمنين كانت بهم جراحات، يجدون لها ألمًا يوهنهم عن المسير في آثار المشركين، والمشركون أيضًا بهم جراحات، كما بالمسلمين، فقيل للمسلمين: إنَّ ألمتم جراحكم، فهم أيضًا في مثل حالتكم من أثر الجراح.
وعلى هذا دل كلام المفسرين أن المراد بالألم ههنا ألم جراح واقعة بالفريقين (٨) والآخر: أن هذا استدعاء إلى الجهاد مما يوجب الصبر عليه والجد فيه لرجحان حالهم على حال أعدائهم، بأنهم يرجون من الله ما لا يرجونه، فقد ساووهم في الصارف عن القتال، وهؤلاء انفردوا بداعٍ ليس لهم من ثواب الله على ذلك وكرامته التي هي (أوكد وكد داع) (٩) (١٠) وعلى هذا الثاني دل كلام أبي إسحاق، فإنه قال: أي أن تكونوا توجعون فأنهم يجدون من الوجع فيما ينالهم من الجراح والتعب كما تجدون (١١) وهذا المعنى أراد الشداخ بن يعمر الكناني (١٢) القوم أمثالكم لهم شعر ...
في الرأس لا ينشرون إن قتلوا (١٣) يقول: هم مثلكم إن قتلتم منهم لم يجيء قتيلهم، كما لا يجيء منكم من قتل.
وقوله تعالى: ﴿ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ ﴾ .
قال الحسن وقتادة وابن جريج وأكثر أهل العلم: وتؤملون من ثواب الله ما لا يؤملون (١٤) وقال الزجاج: أي أنتم ترجون النصر الذي وعدكم الله جل وعز وإظهار دينكم على [سائر] (١٥) (١٦) (١٧) وذهب بعض المفسرين إلى أن (...) (١٨) وأنكر الفراء والزجاج ذلك، فقال: [وأجمع أهل اللغة الموثوق بعلمهم على أن الرجاء] (١٩) (٢٠) وقال الفراء: "لا يعرف الرجاء بمعنى الخوف إلا مع (...) (٢١) ﴿ مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا ﴾ أي لا تخافون له عظمة.
كقول أبي ذؤيب (٢٢) إذا لسعَتْه النَّحلُ لم يَرْجُ لسعَها ...
وحالفَها في بيتِ نوبٍ عواملِ (٢٣) وإنما كان كذلك لأن الرجاء لما أخرج عن أصله لم يتصرف في جميع الوجوه بمعنى الخوف، إلا في النفي خاصة.
قال الزجاج: وإنما اشتمل الرجاء على معنى الخوف؛ لأن الرجاء أمل قد يخاف أن لا يتم (٢٤) ﴿ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا ﴾ بخلقه (٢٥) ﴿ حَكِيمًا ﴾ فيما حكم لأوليائه من الثواب، ولأعدائه من العقاب.
(١) "الوهن: الضعف"؛ "الصحاح" 6/ 2215، و"اللسان" 8/ 4934 (وهن).
(٢) ذكره الطبري 5/ 263 عن عكرمة، كما ذكره دون عزو السمرقندي في "بحر العلوم" 1/ 384، والثعلبي في "الكشف والبيان" 4/ 115 ب، والبغوي في "معالم التنزيل" 2/ 282.
(٣) ذكر جميع ذلك عند قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ .
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم.
انظر: "الدر المنثور" 2/ 381.
(٥) "تهذيب اللغة" 1/ 188 (ألم) وفيه: "فهو ألم" بدون مد.
وانظر: "الصحاح" 5/ 1863، و"اللسان" 1/ 113 (ألم).
(٦) بنحوه في "تفسير ابن عباس" ص (157)، وأخرجه أيضًا من طريق علي بن أبي طلحة: الطبري 5/ 263، وابن أبي حاتم، انظر: "الدر المنثور" 2/ 381.
(٧) كمجاهد وقتادة والسدي وابن زيد.
انظر: الطبري 5/ 262، 263.
(٨) انظر: الطبري 5/ 262، 263، و"بحر العلوم" 1/ 384، و"الكشف والبيان" 4/ 115 ب، و"النكت والعيون" 1/ 527.
(٩) هكذا ما بين القوسين في المخطوط، وقد يكون فيه تكرار، فتكون العبارة: "أوكد داع".
(١٠) هكذا في المخطوط، ولعل الصواب: ولا تجبنوا، بباء ثم نون بعد الجيم.
(١١) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 100، وانظر: الطبري 5/ 262، و"زاد المسير" 2/ 189.
(١٢) هو يعمر بن عوف بن كعب بن عامر الليثي الكناني و"الشداخ" لقبه، سمي بذلك لشدخه الدماء بين قريش وخزاعة، أي وضعها تحت قدميه وإصلاحه بينهم فهو من حكام العرب، ويبدو أنه شاعر جاهلي.
انظر: "المحبر" ص 33، و"الاشتقاق" ص 171، و"جمهرة أنساب العرب" ص 180، و"الأعلام" 8/ 205.
(١٣) البيت في "الحماسة الكبرى" لأبي تمام 1/ 113.
(١٤) أخرجه بمعناه عن قتادة وابن جريج: الطبري 5/ 262 - 263، أما عن الحسن فذكره الهواري في "تفسيره" 1/ 420.
وقد قال بهذا القول أيضاً الضحاك.
انظر: "معاني القرآن" للنحاس 3/ 184، واختاره الطبري 5/ 262، 264، وانظر: "بحر العلوم" 1/ 384، و"الكشف والبيان" 4/ 115 ب.
(١٥) طمست ما بين المعقوفين هذه الكلمة في المخطوط حيث لم يبق من كلماتها إلا السين، والتسديد من الزجاج في "معانيه" 2/ 100.
(١٦) طمس ما بين المعقوفين في المخطوط والتسديد من "معاني الزجاج" 2/ 100.
(١٧) طمس ما بين المعقوفين في المخطوط، والتسديد من "معاني الزجاج" 2/ 100.
(١٨) طمس ما بين القوسين في المخطوط، والظاهر أنه: "الرجاء هنا بمعنى الخوف" أو قريب من ذلك.
انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 286، والطبري 5/ 264.
(١٩) طمس ما بين المعقوفين في المخطوط، والتسديد من "معاني الزجاج" 2/ 100.
(٢٠) انظر: "معاني الزجاج" 2/ 100.
(٢١) طمس، وفي "معاني الفراء" 1/ 286: "ولم نجد معنى الخوف يكون رجاء إلا ومعه جحد".
(٢٢) تقدمت ترجمته.
(٢٣) "معاني القرآن" 1/ 286، والبيت في ديوان الهذليين 1/ 143 وقافيته "عواسل" بالسين، و"تهذيب اللغة" 4/ 3476، و"الصحاح" 1/ 229، و"اللسان" 8/ 4570 (نوب).
والشاهد منه: أن الرجاء بمعنى الخوف لما اقترن بنفي.
(٢٤) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 100.
(٢٥) انظر: الطبري 5/ 264.
<div class="verse-tafsir"