الإسلام > القرآن > سور > سورة 4 النساء > الآية ١٠٤ من سورة النساء
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 74 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٠٤ من سورة النساء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( ولا تهنوا في ابتغاء القوم ) أي : لا تضعفوا في طلب عدوكم ، بل جدوا فيهم وقاتلوهم ، واقعدوا لهم كل مرصد : ( إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون ) أي : كما يصيبكم الجراح والقتل ، كذلك يحصل لهم ، كما قال ( إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله ) [ آل عمران : 140 ] .
ثم قال : ( وترجون من الله ما لا يرجون ) أي : أنتم وإياهم سواء فيما يصيبكم وإياهم من الجراح والآلام ، ولكن أنتم ترجون من الله المثوبة والنصر والتأييد ، وهم لا يرجون شيئا من ذلك ، فأنتم أولى بالجهاد منهم ، وأشد رغبة في إقامة كلمة الله وإعلائها .
( وكان الله عليما حكيما ) أي : هو أعلم وأحكم فيما يقدره ويقضيه ، وينفذه ويمضيه ، من أحكامه الكونية والشرعية ، وهو المحمود على كل حال .
القول في تأويل قوله : وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: " ولا تهنوا "، ولا تضعفوا.
* * * من قولهم: " وهَنَ فلان في هذا الأمرَ يهِن وَهْنًا ووُهُونًا ".
(76) * * * وقوله: " في ابتغاء القوم "، يعني: في التماس القوم وطلبهم، (77) و " القوم " هم أعداء الله وأعداء المؤمنين من أهل الشرك بالله=" إن تكونوا تألمون "، يقول: إن تكونوا أيها المؤمنون، تَيْجعون مما ينالكم من الجراح منهم في الدنيا، (78) =" فإنهم يألمون كما تألمون "، يقول: فإن المشركين يَيْجعون مما ينالهم منكم من الجراح والأذى مثل ما تَيجعون أنتم من جراحهم وأذاهم فيها=" وترجون "، أنتم أيها المؤمنون = " من الله " من الثواب على ما ينالكم منهم= " ما لايرجون " هم على ما ينالهم منكم.
يقول: فأنتم= إذ كنتم موقنين من ثواب الله لكم على ما يصيبكم منهم، (79) بما هم به مكذّبون= أولى وأحرَى أن تصبروا على حربهم وقتالهم، منهم على قتالكم وحربكم، وأن تجِدُّوا من طلبهم وابتغائهم، لقتالهم على ما يَهنون فيه ولا يَجِدّون، فكيف على ما جَدُّوا فيه ولم يهنوا؟
(80) * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
*ذكر من قال ذلك: 10400- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون "، يقول: لا تضعفوا في طلب القوم، فإنكم إن تكونوا تيجعون، فإنهم ييجعون كما تيجعون، وترجون من الله من الأجر والثواب ما لا يرجون.
10401- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون "، قال يقول: لا تضعفوا في طلب القوم، فإن تكونوا تيجعون الجراحات، (81) فإنهم يَيْجعون كما تيجعون.
* * * 10402- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " ولا تهنوا في ابتغاء القوم "، لا تضعفوا.
10403- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله: " ولا تهنوا "، يقول: لا تضعفوا.
(82) 10404- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " ولا تهنوا في ابتغاء القوم "، قال يقول: لا تضعفوا عن ابتغائهم=" إن تكونوا تألمون " القتال=" فإنهم يألمون كما تألمون ".
وهذا قبل أن تصيبهم الجراح (83) = إن كنتم تكرهون القتال فتألمونه=" فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون "، يقول: فلا تضعفوا في ابتغائهم بمكان القتال.
(84) 10405- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: " إن تكونوا تألمون "، توجعون.
10406- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج " إن تكونوا تألمون "، قال: توجعون لما يصيبكم منهم، فإنهم يوجعون كما توجعون، وترجون أنتم من الثواب فيما يصيبكم ما لا يرجون.
10407- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا حفص بن عمر قال، حدثنا الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما كان قتال أُحُد، وأصابَ المسلمين ما أصاب، صعد النبيّ صلى الله عليه وسلم الجبل، فجاء أبو سفيان فقال: " يا محمد، ألا تخرج؟
ألا تخرج؟
(85) الحرب سِجَال، يوم لنا ويوم لكم ".
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: أجيبوه.
فقالوا: " لا سواء، لا سواء، (86) قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار ".
فقال أبو سفيان: " عُزَّى لنا ولا عُزَّى لكم "، (87) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قولوا له: " الله مولانا ولا مولى لكم ".
قال أبو سفيان: " أُعْلُ هُبَل، أُعْل هبل "!
(88) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قولوا له: " الله أعلى وأجل "!
فقال أبو سفيان: " موعدنا وموعدكم بدر الصغرى " ، ونام المسلمون وبهم الكلوم (89) = وقال عكرمة: وفيها أنـزلت: إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ [سورة آل عمران: 140]، وفيهم أنـزلت: " إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون وكان الله عليمًا حكيمًا ".
(90) 10408- حدثني يحيى بن أبي طالب قال، أخبرنا يزيد قال، أخبرنا جويبر، عن الضحاك في قوله: " إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون "، قال: ييجعون كما تيجعون.
وقد ذُكر عن بعضهم أنه كان يتأول، (91) قوله: " وترجون من الله ما لا يرجون "، وتخافون من الله ما لا يخافون، من قول الله: قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ [سورة الجاثية: 14]، بمعنى: لا يخافون أيام الله.
وغير معروف صرف " الرجاء " إلى معنى " الخوف " في كلام العرب، إلا مع جحد سابق له، كما قال جل ثناؤه: مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا [سورة نوح: 13]، بمعنى: لا تخافون لله عظمة، وكما قال الشاعر: (92) لا تَرْتَجِــي حِــينَ تُلاقِـي الذَّائِـدَا أَسَــبْعَةً لاقَــتْ مَعًــا أَمْ وَاحِـدَا (93) وكما قال أبو ذؤيب الهُذَليّ: إِذَا لَسَـعَتْهُ النَّحْـلُ لَـمْ يَـرْجُ لَسْـعَهَا وَخَالَفَهَـا فِـي بَيْـتِ نُـوبٍ عَـوَامِلِ (94) وهي فيما بلغنا - لغةٌ لأهل الحجاز يقولونها، بمعنى: ما أبالي، وما أحْفِلُ.
(95) * * * القول في تأويل قوله : وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (104) يعني بذلك جل ثناؤه: ولم يزل الله=" عليمًا " بمصالح خلقه=" حكيمًا "، في تدبيره وتقديره.
(96) ومن علمه، أيها المؤمنون، بمصالحكم عرّفكم= عند حضور صلاتكم وواجب فرض الله عليكم، وأنتم مواقفو عدوكم (97) = ما يكون به وصولكم إلى أداء فرض الله عليكم، والسلامة من عدوكم.
ومن حكمته بصَّركم ما فيه تأييدكم وتوهينُ كيد عدوكم.
(98) -------------------- الهوامش : (76) انظر تفسير"وهن" فيما سلف 7 : 234 ، 269 ، و"الوهون" مصدر لم تنص عليه أكثر كتب اللغة ، ولم يذكره أبو جعفر فيما سلف 7 : 234.
(77) انظر تفسير"الابتغاء" فيما سلف ص : 71 تعليق: 2 ، والمراجع هناك (78) يقال: "وجع الرجل يوجع وييجع وياجع وجعا" ، كله صواب جيد.
(79) في المطبوعة: "إن كنتم موقنين" ، وهو خطأ ، صوابه ما في المخطوطة.
وهذه الجملة بين الخطين ، معترضة بين المبتدأ والخبر.
والسياق: "فأنتم..
أولى وأحرى أن تصبروا".
(80) في المطبوعة: "فإن تجدوا من طلبهم وابتغائهم لقتالهم على ما تهنون هم فيه ولا تجدون ، فكيف على ما وجدوا فيه ولم يهنوا" ، وهو كلام لا معنى له ، وضع عليه ناشر الطبعة الأولى رقم (3) دلالة على اضطراب الكلام.
وفي المخطوطة: "وإن تجدوا من طلبهم وابتغائهم لقتالهم على ما تهنون ولا يحدون ، فكيف على فاحذوا فيه ولم يهنوا"!
وهي أشد اضطرابًا وفسادًا لعدم نقطها.
وصواب قراءتها ما أثبت.
وسياق هذه العبارة كلها: "فأنتم...
أولى وأحرى أن تصبروا على حربهم وقتالهم...
وأن تجدوا في طلبهم وابتغائهم ، لقتالهم على ما يهنون..." أي: لكي يقاتلوهم على الأمر الذي لا يجدون فيه جدًا لا وهن معه.
(81) في المطبوعة: "تيجعون من الجراحات" بزيادة"من" ، والذي في المخطوطة صواب.
(82) هذا الأثر لم يتم في المخطوطة ، فقد انتهت الصحيفة بقوله تعالى"فلا تهنوا" ، ثم قلب الوجه الآخر وكتب"في ابتغاء القوم ..." ، وساق بقية الخبر التالي وأسقط إسناده.
وتركت ما في المطبوعة على حاله ، وهو الصواب بلا شك.
(83) في المطبوعة: "قال: وهذا ..." بزيادة"قال" ، وأثبت ما في المخطوطة.
(84) في المطبوعة: "مكان القتال" ، وفي المخطوطة: "لمكان القتال" ، وهذا صواب قراءتها ، يعني: جدهم في التماس القوم في المعركة.
(85) في المطبوعة: "لا جرح إلا بجرح" ، أساء قراءة المخطوطة إذ كانت غير منقوطة ، فكتبها كما كتب!!
ولا معنى له.
وقوله: "الحرب سجال" ، أي: مرة لهذا ومرة لهذا.
(86) في المطبوعة ، حذف"لا سواء" الثانية ، لأن الناسخ كان قد كتب شيئًا ثم ضرب عليه ، فاختلط الأمر على الناشر الأول ، فحذف.
(87) "العزى" صنم كان لقريش وبني كنانة.
(88) و"هبل" صنم كان في الكعبة لقريش.
وقد مضى تفسير"اعل هبل" 7 : 310 ، وخطأ من ضبطه"أعل" بهمز الألف وسكون العين وكسر اللام ، وأن الصواب أنها من"علا يعلو" .
(89) "الكلوم" جمع"كلم" (بفتح وسكون): الجرح.
و"الكليم": الجريح.
(90) الأثر: 10407 - مضى برقم: 7098 ، وجاء فيه على الصواب ، ومنه ومن المخطوطة صححت ما سلف.
(91) في المطبوعة: "وقد ذكرنا عن بعضهم" وهو خطأ لا شك فيه ، صوابه في المخطوطة.
(92) في المطبوعة: "الشاعر الهذلي" ، وهو خطأ نقل نسبة أبي ذؤيب في البيت بعده إلى هذا المكان.
ولم أعرف هذا الراجز من يكون ، وإن كنت أخشى أن يكون الرجز لأبي محمد الفقعسي.
(93) معاني القرآن للفراء 1 : 286 ، والأضداد لابن الأنباري: 9 ، واللسان (رجا).
(94) ديوانه: 143 ، ومعاني القرآن للفراء 1: 286 ، وسيأتي في التفسير 11 : 62 / 25 : 83 / 29 : 60 (بولاق).
يروى: "إذا لسعته الدبر" ، وتأتي روايته في التفسير"نوب عواسل" أيضًا.
وهذا البيت من قصيدة له ، وصف فيها مشتار العسل من بيوت النحل ، فقال قبل هذا البيت: تَــدَلَّى عَلَيْهَــا بالحِبَــالِ مُوَثَّقًـا شَــدِيدُ الْوَصَـاةِ نـابِلٌ وَابْـنُ نِـابِلِ فَلَـوْ كَـانَ حَـبْلا مِـنْ ثَمَـانِينَ قَامَةً وَسَــبْعِينَ بَاعًــا، نَالَهَـا بالأَنـامِلِ يقول: تدلى على هذه النحل مشتار موثق بالحبال ، شديد الوصاة والحفظ لما ائتمن عليه ، حاذق وابن حاذق بما مرن عليه وجربه.
ثم ذكر أنه لا يخاف لسع النحل ، إذا هو دخل عليها فهاجت عليه لتلسعه.
وقوله: "فخالفها" ، أي دخل بيتها ليأخذ عسلها ، وقد خرجت إليه حين سمعت حسه ، فخالفها إلى بيوت عسلها غير هياب للسعها.
ويروى"حالفها" بالحاء ، أي: لازمها ، ولم يخش لسعها.
و"النوب" جمع"نائب" وهو صفة للنحل ، أي: إنها ترعى ثم تنوب إلى بيتها لتضع عسلها ، تجيء وتذهب.
و"العوامل" ، هي التي تعمل العسل.
و"العواسل" النحل التي تصنع العسل ، أو ذوات العسل.
(95) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 286.
(96) انظر تفسير"كان" و"عليم" و"حكيم" فيما سلف من فهارس اللغة.
(97) في المطبوعة: "موافقو عدوكم" ، وقد مضى مثل هذا الخطأ مرارًا فيما سلف ص: 146 ، تعليق: 1.
(98) في المطبوعة: "بصركم بما فيه" بزيادة الباء ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو صواب.
قوله تعالى : ولا تهنوا أي لا تضعفوا ، وقد تقدم في " آل عمران " .
في ابتغاء القوم طلبهم قيل : نزلت في حرب أحد حيث أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالخروج في آثار المشركين ، وكان بالمسلمين جراحات ، وكان أمر ألا يخرج معه إلا من كان في الوقعة ، كما تقدم في " آل عمران " وقيل : هذا في كل جهادقوله تعالى : إن تكونوا تألمون أي تتألمون مما أصابكم من الجراح فهم يتألمون أيضا مما يصيبهم ، ولكم مزية وهي أنكم ترجون ثواب الله وهم لا يرجونه ؛ وذلك أن من لا يؤمن بالله لا يرجو من الله شيئا .
ونظير هذه الآية إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وقد تقدم .
وقرأ عبد الرحمن الأعرج " أن تكونوا " بفتح الهمزة ، أي لأن وقرأ منصور بن المعتمر " إن تكونوا تئلمون " بكسر التاء .
ولا يجوز عند البصريين كسر التاء لثقل الكسر فيها .
ثم قيل : الرجاء هنا بمعنى الخوف ؛ لأن من رجا شيئا فهو غير قاطع بحصوله فلا [ ص: 320 ] يخلو من خوف فوت ما يرجو .
وقال الفراء والزجاج : لا يطلق الرجاء بمعنى الخوف إلا مع النفي ؛ كقوله تعالى : ما لكم لا ترجون لله وقارا أي لا تخافون لله عظمة .
وقوله تعالى : للذين لا يرجون أيام الله أي لا يخافون .
قال القشيري : ولا يبعد ذكر الخوف من غير أن يكون في الكلام نفي ، ولكنهما ادعيا أنه لم يوجد ذلك إلا مع النفي .
والله أعلم .
أي: لا تضعفوا ولا تكسلوا في ابتغاء عدوكم من الكفار، أي: في جهادهم والمرابطة على ذلك، فإن وَهَن القلب مستدع لوَهَن البدن، وذلك يضعف عن مقاومة الأعداء.
بل كونوا أقوياء نشيطين في قتالهم.
ثم ذكر ما يقوي قلوب المؤمنين، فذكر شيئين: الأول: أن ما يصيبكم من الألم والتعب والجراح ونحو ذلك فإنه يصيب أعداءكم، فليس من المروءة الإنسانية والشهامة الإسلامية أن تكونوا أضعف منهم، وأنتم وإياهم قد تساويتم فيما يوجب ذلك، لأن العادة الجارية لا يضعف إلا من توالت عليه الآلام وانتصر عليه الأعداء على الدوام، لا من يدال مرة، ويدال عليه أخرى.
الأمر الثاني: أنكم ترجون من الله ما لا يرجون، فترجون الفوز بثوابه والنجاة من عقابه، بل خواص المؤمنين لهم مقاصد عالية وآمال رفيعة من نصر دين الله، وإقامة شرعه، واتساع دائرة الإسلام، وهداية الضالين، وقمع أعداء الدين، فهذه الأمور توجب للمؤمن المصدق زيادة القوة، وتضاعف النشاط والشجاعة التامة؛ لأن من يقاتل ويصبر على نيل عزه الدنيوي إن ناله، ليس كمن يقاتل لنيل السعادة الدنيوية والأخروية، والفوز برضوان الله وجنته، فسبحان من فاوت بين العباد وفرق بينهم بعلمه وحكمته، ولهذا قال: { وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا } كامل العلم كامل الحكمة
قوله تعالى : ( ولا تهنوا في ابتغاء القوم ) الآية ، سبب نزولها أن أبا سفيان وأصحابه لما رجعوا يوم أحد بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم طائفة في آثارهم فشكوا ألم الجراحات ، فقال الله تعالى : ( ولا تهنوا ) أي : لا تضعفوا ( في ابتغاء القوم ) في طلب أبي سفيان وأصحابه ، ( إن تكونوا تألمون ) تتوجعون من الجراح ، ( فإنهم يألمون ) أي : يتوجعون ، يعني الكفار ، ( كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون ) أي : وأنتم مع ذلك تأملون من الأجر والثواب في الآخرة والنصر في الدنيا ما لا يرجون ، وقال بعض المفسرين : المراد بالرجاء الخوف ، لأن كل راج خائف أن لا يدرك مأموله .
ومعنى الآية : وترجون من الله أي : تخافون من الله أي : تخافون من عذاب الله ما لا يخافون ، قال الفراء رحمه الله : ولا يكون الرجاء بمعنى الخوف إلا مع الجحد ، كقوله تعالى : " قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله " ( الجاثية - 14 ) أي : لا يخافون ، وقال تعالى : " ما لكم لا ترجون لله وقارا " ( نوح - 13 ) أي : لا تخافون لله عظمته ، ولا يجوز رجوتك بمعنى : خفتك ولا خفتك وأنت تريد رجوتك ( وكان الله عليما حكيما ) .
«ولا تهنوا» تضعفوا «في ابتغاء» طلب «القوم» الكفار لتقاتلوهم «إن تكونوا تألمون» تجدون ألم الجراح «فإنهم يألمون كما تألمون» أي مثلكم ولا يجبنون على قتالكم «وترجون» أنتم «من الله» من النصر والثواب عليه «مالا يرجون» هم فأنتم تزيدون عليهم بذلك فينبغي أن تكونوا أرغب منهم فيه «وكان الله عليما» بكل شيء «حكيما» في صنعه.
ولا تضعفوا في طلب عدوكم وقتاله، إن تكونوا تتألمون من القتال وآثاره، فأعداؤكم كذلك يتألمون منه أشد الألم، ومع ذلك لا يكفون عن قتالكم، فأنتم أولى بذلك منهم، لما ترجونه من الثواب والنصر والتأييد، وهم لا يرجون ذلك.
وكان الله عليمًا بكل أحوالكم، حكيمًا في أمره وتدبيره.
وقوله ( وَلاَ تَهِنُواْ فِي ابتغآء القوم ) تشجيع للمؤمنين على مواصلة قتال أعدائهم بصبر وعزيمة .وقوله ( تَهِنُواْ ) من الوهن وهو الضعف والتخاذل .
والابتغاء مصدر ابتغى بمعنى المتعدى أى طلب .أى : ولا تضعفوا - أيها المؤمنون - فى ابتغاء العدو وطلبه ، ولا تقعد بكم الآلام عن متابعته وملاحقته حتى يتم الله لكم النصر عليه .ثم رغبهم - سبحانه - فى مواصلة طلب أعدائهم بأسلوب منطقى رصين فقال : ( إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ الله مَا لاَ يَرْجُونَ ) .أى : لا تتوانوا - أيها المؤمنون - عن ملاحقة أعدائاكم ومقاتلتهم مهما تحملتم من آلام ، وما أصبتم به من جراح ، لأن ما أصابكم من آلام وجراح قد أصب أعداؤكم بمثله أو أكثر منه ، ولأن الآلام التى تحسونها هم يحسون مثلها أو أكثر منها .
وفضلا عن ذلك فأنتم رجون بقتالكم لهم رضا الله ، وإعلاء كلمته ، وحسن مثوبته ، وإظهار دينه .
أما هم فإنهم يقاتلونكم ولا رجاء لهم فى شئ من ذلك .
وإنما رجاؤهم فى تحقيق شهواتهم ، وإرضاء شياطينهم ، وانتصار باطلهم على حقكم .وشتان بين من يقاتل وغايته ورجاؤه نصرة الحق .
ومن يقاتل وغايته ورجاؤه نصرة الباطل .وما دام الأمر كذلك فانهضوا - أيها المؤمنون - لقتال أعداءه الله وأعدائكم ، دون أن يحول بينكم وبين قتالهم ما تحسون به من آلام ، فإن الله - تعالى - قد جعل العاقبة لكم ، والنصر فى ركابكم .
.وقريب من هذه الآية قوله - تعالى - فى سورة آل عمران : ( إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القوم قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيام نُدَاوِلُهَا بَيْنَ الناس ) ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله ( وَكَانَ الله عَلِيماً حَكِيماً ) أى : وكان الله وما زال عليما بكل شى من أحوالكم وأحوالهم ، حكيما فى كل ما يقتضيه ويأمر به أو ينهى عنه ، فسيروا - أيها المؤمنون - فى الطريق التى أمركم - سبحانه - بالسير فيها لتنالوا تأييده ورضاه .هذا ، وقد روى المفسرون فى سبب نزول هذه الآية الكريمة روايات منها ما ذكره القرطبى من أنها نزلت فى أعقاب حرب أحد حيث أمر النبى صلى الله عليه وسلم المؤمنين بالخروج فى آثار المشركين ، وكان بالمسلمين جراحات .
وكان قد أمر ألا يخرج معه إلا من كان قد حضر القتال فى غزوة أحد .وهذا السبب الذى ذكره القرطبى فى نزول الآية الكريمة لا يمنع عمومها إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، وعليه فإن الآيتين الكريمتين تأمران المسلمين فى كل زمان ومكان بالمحافظة على فرائض الله ولا سيما الصلاة ، وبالإِكثار من ذكره فى جميع أحوالهم ، وبالإِقدام على قتال أعدائهم بعزيمة صادقة ، وهمة عالية ، دون أن يحول بينهم وبين هذا القتال ما يشعرون به من آلام ، فإن الله - تعالى - قد تكفل بنصر المؤمنين ، ودحر المشركين .وبعد أن أمر الله - تعالى - المؤمنين بالمحافظة على فرائضه وبأخذ حذرهم من الأعداء .
وبالاستعداد لإِبطال مكرهم ، وبمواصلة قتالهم حتى تعلو كلمة الحق ، بعد كل هذا أمر - سبحانه - المؤمنين فى شخص نبيهم صلى الله عليه وسلم بأن يلتزموا الحق فى كل شئونهم وأحوالهم ، لأن عدم التقيد بالحق والعدل يؤدى إلى ضعف الأمة واضمحلالها .
وقد ساق - سبحانه - فى آيات كريمة ما يهدى القلوب إلى صراطه المستقيم فقال - تعالى - : ( إِنَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ .
.
.
عَلَيْكَ عَظِيماً ) .
اعلم أنه تعالى لما ذكر بعض الأحكام التي يحتاج المجاهد إلى معرفتها عاد مرة أخرى إلى الحث على الجهاد فقال: ﴿ وَلاَ تَهِنُواْ ﴾ أي ولا تضعفوا ولا تتوانوا ﴿ فِى ابتغاء القوم ﴾ أي في طلب الكفار بالقتال، ثم أورد الحجة عليهم في ذلك فقال: ﴿ إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون ﴾ والمعنى أن حصول الألم قدر مشترك بينكم وبينهم، فلما لم يصر خوف الألم مانعاً لهم عن قتالكم فكيف صار مانعاً لكم عن قتالهم، ثم زاد في تقرير الحجة وبين أن المؤمنين أولى بالمصابرة على القتال من المشركين، لأن المؤمنين مقرون بالثواب والعقاب والحشر والنشر، والمشركين لا يقرون بذلك، فإذا كانوا مع إنكارهم الحشر والنشر يجدون في القتال فأنتم أيها المؤمنون المقرون بأن لكم في هذا الجهاد ثواباً عظيماً وعليكم في تركه عقاباً عظيماً، أولى بأن تكونوا مجدين في هذا الجهاد، وهو المراد من قوله تعالى: ﴿ وَتَرْجُونَ مِنَ الله مَا لاَ يَرْجُونَ ﴾ ويحتمل أيضاً أن يكون المراد من هذا الرجاء ما وعدهم الله تعالى في قوله: ﴿ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدين كُلّهِ ﴾ [الفتح: 28] [الصف: 9] وفي قوله: ﴿ يا أيها النبى حَسْبُكَ الله وَمَنِ اتبعك مِنَ المؤمنين ﴾ وفيه وجه ثالث، وهو أنكم تعبدون الإله العالم القادر السميع البصير فيصح منكم أن ترجوا ثوابه، وأما المشركون فإنهم يعبدون الأصنام وهي جمادات، فلا يصح منهم أن يرجوا من تلك الأصنام ثواباً أو يخافوا منها عقاباً.
وقرأ الأعرج ﴿ إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ ﴾ بفتح الهمزة بمعنى: ولا تهنوا لأن تكونوا تألمون، وقوله: ﴿ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ ﴾ تعليل.
ثم قال: ﴿ وَكَانَ الله عَلِيماً حَكِيماً ﴾ أي لا يكلفكم شيئاً ولا يأمركم ولا ينهاكم إلا بما هو عالم بأنه سبب لصلاحكم في دينكم ودنياكم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلاَ تَهِنُواْ ﴾ ولا تضعفوا ولا تتوانوا ﴿ فِى ابتغاء القوم ﴾ في طلب الكفار بالقتال والتعرض به لهم، ثم ألزمهم الحجة بقوله: ﴿ إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ ﴾ أي ليس ما تكابدون من الألم بالجرح والقتل مختصاً بكم، إنما هو أمر مشترك بينكم وبينهم يصيبهم كما يصيبكم، ثم إنهم يصبرون عليه ويتشجعون.
فما لكم لا تصبرون مثل صبرهم، مع أنكم أولى منهم بالصبر لأنكم ﴿ تَرْجُونَ مِنَ الله مَا لاَ يَرْجُونَ ﴾ من إظهار دينكم على سائر الأديان، ومن الثواب العظيم في الآخرة.
وقرأ الأعرج: ﴿ أن تكونوا تألمون ﴾ ، بفتح الهمزة، بمعنى: ولا تهنوا لأن تكونوا تألمون.
وقوله: ﴿ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ ﴾ تعليل.
وقرئ: ﴿ فإنهم ييلون كما تيلون ﴾ .
وروي أن هذا في بدر الصغرى، كان بهم جراح فتواكلوا ﴿ وَكَانَ الله عَلِيماً حَكِيماً ﴾ لا يكلفكم شيئاً ولا يأمركم ولا ينهاكم إلا لما هو عالم به مما يصلحكم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلا تَهِنُوا ﴾ ولا تَضْعُفُوا.
﴿ فِي ابْتِغاءِ القَوْمِ ﴾ في طَلَبِ الكُفّارِ بِالقِتالِ.
﴿ إنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإنَّهم يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ ﴾ إلْزامٌ لَهم وتَقْرِيعٌ عَلى التَّوانِي فِيهِ، بِأنَّ ضَرَرَ القِتالِ دائِرٌ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِهِمْ، وهم يَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ بِسَبَبِهِ مِن إظْهارِ الدِّينِ واسْتِحْقاقِ الثَّرَواتِ ما لا يَرْجُو عَدُوُّهُمْ، فَيَنْبَغِي أنْ يَكُونُوا أرْغَبَ مِنهم في الحَرْبِ وأصْبَرَ عَلَيْها.
وقُرِئَ «أنْ تَكُونُوا» بِالفَتْحِ بِمَعْنى ولا تَهِنُوا لِأنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ، ويَكُونُ قَوْلُهُ فَإنَّهم يَأْلَمُونَ عِلَّةً لِلنَّهْيِ عَنِ الوَهْنِ لِأجْلِهِ.
والآيَةُ نَزَلَتْ في بَدْرٍ الصُّغْرى.
﴿ وَكانَ اللَّهُ عَلِيمًا ﴾ بِأعْمالِكم وضَمائِرِكم.
﴿ حَكِيمًا ﴾ فِيما يَأْمُرُ ويَنْهى.
<div class="verse-tafsir"
{وَلاَ تَهِنُواْ} ولا تضعفوا ولا تتوانوا {فِى ابتغاء القوم} في طلب الكفار بالقتال والتعرض به لهم ثم ألزمهم الحجة بقوله {إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ الله مَا لاَ يَرْجُونَ} أي ليس ما يجدون من الألم بالجرح ولقتل مختصاً بكم بل هو مشترك بينكم وبينهم يصيبهم كما يصيبكم ثم إنهم يصبرون عليه فما لكم لا تصبرون مثل صبرهم مع أنكم أجدر منهم بالصبر لأنكم ترجون من الله مالا يرجون من إظهار دينكم على سائر الأديان ومن الثواب العظيم في الآخرة {وَكَانَ الله عَلِيماً} بما يجد المؤمنون من الألم {حَكِيماً} في تدبير أمورهم
﴿ ولا تَهِنُوا في ابْتِغاءِ القَوْمِ ﴾ أيْ: لا تَضْعُفُوا ولا تَتَوانَوْا في طَلَبِ الكُفّارِ بِالقِتالِ.
﴿ إنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإنَّهم يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ، وتَشْجِيعٌ لَهم أيْ: لَيْسَ ما يَنالُكم مِنَ الآلامِ مُخْتَصًّا بِكُمْ، بَلِ الأمْرُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَكم وبَيْنَهُمْ، ثُمَّ إنَّهم يَصْبِرُونَ عَلى ذَلِكَ فَما لَكم أنْتُمْ لا تَصْبِرُونَ؟!
مَعَ أنَّكم أوْلى بِالصَّبْرِ مِنهُمْ، حَيْثُ إنَّكم تَرْجِعُونَ وتَطْمَعُونَ مِنَ اللَّهِ تَعالى ما لا يَخْطُرُ لَهم بِبالٍ مِن ظُهُورِ دِينِكُمُ الحَقِّ عَلى سائِرِ الأدْيانِ الباطِلَةِ، ومِنَ الثَّوابِ الجَزِيلِ، والنَّعِيمِ المُقِيمِ في الآخِرَةِ.
وجُوِّزَ أنْ يُحْمَلَ الرَّجاءُ عَلى الخَوْفِ، فالمَعْنى إنَّ الألَمَ لا يَنْبَغِي أنْ يَمْنَعَكُمْ؛ لِأنَّ لَكم خَوْفًا مِنَ اللَّهِ تَعالى يَنْبَغِي أنْ يُحْتَرَزَ عَنْهُ فَوْقَ الِاحْتِرازِ عَنِ الألَمِ، ولَيْسَ لَهم خَوْفٌ يُلْجِئُهم إلى الألَمِ، وهم يَخْتارُونَهُ لِإعْلاءِ دِينِهِمُ الباطِلِ فَما لكم ولِلْوَهَنِ؟!
ولا يَخْلُو عَنْ بُعْدٍ.
وأبْعَدُ مِنهُ ما قِيلَ: إنَّ المَعْنى أنَّ الألَمَ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ، وأنَّكم تَعْبُدُونَ الإلَهَ العالِمَ القادِرَ السَّمِيعَ البَصِيرَ الَّذِي يَصِحُّ أنْ يُرْجى مِنهُ، وأنَّهم يَعْبُدُونَ الأصْنامَ الَّتِي لا خَيْرُهُنَّ يُرْجى ولاشَرُّهُنَّ يُخْشى.
وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأعْرَجُ (أنْ تَكُونُوا) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، أيْ: لا تَهِنُوا لِأنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنَّهُمْ ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنِ الوَهْنِ لِأجْلِهِ، وقُرِئَ (تَئْلِمُونَ كَما يَئْلِمُونَ) بِكَسْرِ حَرْفِ المُضارَعَةِ، والآيَةُ - قِيلَ -: نَزَلَتْ في الذَّهابِ إلى بَدْرٍ الصُّغْرى لِمَوْعِدِ أبِي سُفْيانَ يَوْمَ أُحُدٍ، وقِيلَ: نَزَلَتْ يَوْمَ أُحُدٍ في الذَّهابِ خَلْفَ أبِي سُفْيانَ وعَسْكَرِهِ إلى حَمْراءِ الأسَدِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عِكْرِمَةَ.
﴿ وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا ﴾ مُبالِغًا في العِلْمِ، فَيَعْلَمُ مَصالِحَكم وأعْمالَكُمْ، ما تُظْهِرُونَ مِنها وما تُسِرُّونَ ﴿ حَكِيمًا ﴾ فِيما يَأْمُرُ ويَنْهى، فَجِدُّوا في الِامْتِثالِ لِذَلِكَ، فَإنَّ فِيهِ عَواقِبَ حَمِيدَةٌ، وفَوْزًا بِالمَطْلُوبِ.
<div class="verse-tafsir"
فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ قال بعضهم: فإذا فرغتم من الصلاة فَاذْكُرُوا اللَّهَ بالقلب واللسان على أي حال كنتم قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِكُمْ إن لم تستطيعوا القيام، ويقال: فإذا قضيتم الصلاة، أي إذا صليتم في دار الحرب فصلوا على الدوابّ، أو قياماً أو قعوداً أو على جنوبكم إن لم تستطيعوا القيام، إذا كان خوفاً أو مرضاً.
وهذا كما قال في آية أخرى فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالًا أَوْ رُكْباناً [البقرة: 239] يقال: فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ [النساء: 103] أي فرغتم من صلاة الخوف فَاذْكُرُوا اللَّهَ أي فصلوا لله، وصلاة الصحيح قياماً والمريض قاعداً، أو على جنوبكم إن كان المرض أشد من ذلك.
ثم قال تعالى: فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ يقول: أمنتم ورجعتم إلى منازلكم فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ يعني: فأتموا الصلاة أربعاً.
وهذا كقوله يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ أي مطمئنين.
ثم قال: إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً يعني فرضاً مفروضاً معلوماً، للمسافر ركعتان، وللمقيم أربع.
وقال مقاتل: كِتاباً مَوْقُوتاً يعني فريضة معلومة كقوله كُتِبَ عَلَيْكُمُ [البقرة: 178 وغيرها] أي فرض عليكم.
وقال الزجاج: كِتاباً مَوْقُوتاً أي مفروضاً موقتاً فرضه.
قوله تعالى وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ يقول: لا تضعفوا في ابتغاء القوم، أي في طلب المشركين أبي سفيان وأصحابه بعد يوم أحد، وذلك أن المسلمين لما أصابتهم الجراحات يوم أحد، وكانوا يضعفون عن الخروج إلى الجهاد، فأمرهم الله تعالى بأن يظهروا من أنفسهم الجد والقوة، وهذا الخطاب لهم، ولجميع المسلمين الغزاة إلى يوم القيامة.
قوله: إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ قال عكرمة: الألم الوجع، وكذلك قال الضحاك والسدي: إن أصابكم الوجع والجراحات في الحرب فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ أي يصيبهم الوجع مثل ما يصيبكم، ولكم زيادة ليست للمشركين، وذلك قوله تعالى: وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ يعني الثواب في الآخرة وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً بما كان حَكِيماً بما يكون.
ثم قال: <div class="verse-tafsir"
وقوله تعالى: وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ: أي: لا تَلِينُوا وتَضْعُفوا يُقَالُ: حَبْلٌ وَاهِنٌ، أيْ: ضعيفٌ ومنه: «وَهَنَ العَظْمُ» وابتغاءُ القَوْمِ: طَلَبُهم، وهذا تشجيعٌ لنفوسِ المُؤْمنين، وتحقيرٌ لأمْر الكَفَرة، ثم تأَكَّد التشجيعُ بقوله: وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ، وهذا برهانٌ بَيِّنٌ، ينبغي بحَسَبِهِ أنْ تقوى نفوسُ المؤمنين، وباقي الآية بيّن.
إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً (١٠٥)
وقوله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ ...
الآية: في هذه الآية تشريف للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وتفويضٌ إليه، وتقويمٌ أيضاً على الجادَّة في الحُكْم، وتأنيبٌ مَّا على قبولِ ما رُفِعَ إلَيْه في أمْر بَنِي أُبيْرِقٍ بِسُرْعَةٍ.
وقولُهُ تعالى: بِما أَراكَ اللَّهُ: معناه: على قوانينِ الشَّرْعِ إمَّا بوَحْيٍ ونَصٍّ أو نَظَرٍ جارٍ على سَنَنِ الوحْي، وقد تضمَّنَ اللَّه تعالى لأنبيائه العِصْمَةَ.
وقوله تعالى: وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً، قال الهَرَوِيُّ: خَصِيماً: أيْ:
مُخَاصِماً، ولا دَافِعاً.
انتهى.
قال ع «١» : سببها، باتفاق من المتأولين: أمْرُ بني أُبَيْرِقٍ، وكانوا إخْوَةً: بِشْرٌ، وبَشِيرٌ، وَمُبَشِّر، وطُعَيْمَةُ، وكان بَشِيرٌ رجلاً منافقاً يهجو أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وينحل الشِّعْر لغيره، فكان المسلمونَ يَقُولُونَ: واللَّهِ، ما هو إلاَّ شِعْرُ الخَبِيثِ، فقال شعراً يتنصَّل فيه فَمِنْهُ قوله: [الطويل]
أَفِي كُلِّ مَا قَالَ الرِّجَالُ قَصِيدَة ...
نُحِلْتُ، وَقَالُوا: ابن الأُبَيْرِقِ قَالَهَا
قال قتادةُ بنُ النُّعْمَانِ: وكان بَنُو أُبَيْرِقٍ أهْلَ فَاقَةٍ، فابتاع عَمِّي رِفَاعَةُ بن زيد «٢» حملا
مِنْ دَرْمَكِ الشِّامِ، فجعله في مَشْرُبَةٍ له، وفي المَشْرُبَةِ دِرْعَانِ له، وسَيْفَانِ، فَعُدِيَ على المَشْرُبَةِ من اللَّيْلِ، فلما أصْبَحَ، أتانِي عَمِّي رفاعة، فقال: يا ابن أَخِي، أتعلَمُ أنه قَدْ عُدِيَ علَيْنا في لَيْلَتِنَا هذه، فَنُقِبَتْ مَشْرُبَتُنَا، وذُهِبَ بطَعَامِنَا، وسِلاَحِنا، قال: فتحسَّسْنا في الدَّار، وسألنا، فَقِيلَ لنا: قد رأَيْنَا بَنِي أُبَيْرِقٍ استوقدوا نَاراً في هذه الليلةِ، ولاَ نُرَاهُ إلاَّ على بعض طعامِكُمْ، قال: وقد كان بَنُو أُبَيْرِقٍ قالُوا، ونَحْنُ نَسْأَلُ: وَاللَّهِ، مَا نرى صَاحِبَكُمْ إلاَّ لَبِيدَ بْنَ سَهْلٍ «١» ، رَجلٌ مِنَّا لَهُ صَلاَحٌ وإسْلاَمٌ، فَسَمِعَ ذَلِكَ لَبِيدٌ، فاخترط سَيْفَهُ، ثُمَّ أتى بَنِي أُبَيْرِقٍ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَيُخَالِطَنَّكُمْ هَذَا السَّيْفُ، أَوْ لَتُبَيِّنُنَّ هَذِهِ السَّرِقَةَ، فَقَالُوا: إلَيْكَ عنّا، أيّها الرّجل، فو الله، مَا أَنْتَ بِصَاحِبِهَا، فَسَأَلْنَا فِي الدَّارِ حتى لَمْ نَشُكَّ أَنَّهُمْ أَصْحَابُهَا، فَقَالَ لِي عَمِّي:
يا ابن أخي، لو أتيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فأخبرته بهذه القصّة، فأتيته صلّى الله عليه وسلّم، فَقَصَصْتُهَا عَلَيْهِ، فَقَالَ: انظر فِي ذَلِكَ، فَلَمَّا سَمِعَ بِذَلِكَ بَنُو أُبَيْرِقٍ، أَتَوْا رَجُلاً مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ: أُسَيْرُ بْنُ عُرْوَةَ «٢» ، فكلَّموه في ذلكَ، واجتمع إلَيْهِ ناسٌ مِنْ أَهْلِ الدارِ، فأتوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم/ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ قَتَادَةَ بْنَ النُّعْمَانِ وَعَمَّهُ رِفَاعَةَ عَمَدَا إلى أَهْلِ بَيْتٍ مِنَّا أَهْلِ إسْلاَمٍ وَصَلاَحٍ يَرْمِيَانِهِمْ بِالسَّرِقَةِ على غَيْرِ بَيِّنَةٍ، قال قَتَادةُ: فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم فَكَلَّمْتُهُ، فَقَالَ:
عَمَدتَّ إلى أَهْلِ بَيْتٍ، ذُكِرَ مِنْهُمْ إسْلاَمٌ وَصَلاَحٌ، فَرَمَيْتَهُمْ بِالسَّرِقَةِ مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ، قال:
فَرَجَعْتُ، وَقَدْ وَدِدتُّ أَنْ أَخْرُجَ عَنْ بَعْضِ مَالِي، وَلَمْ أُكَلِّمْهُ، فَأَتَيْتُ عَمِّي، فَقَالَ: مَا صَنَعْتَ، فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا قَالَ رَسُولُ الله صلّى الله عليه وسلّم فَقَالَ: اللَّهُ المُسْتَعَانُ، فَلَمْ نَلْبَثْ أَنْ نَزَلَ القُرآن:
إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ ...
الآيات، قال: فالخائنون: بنو أبيرق، والبريء المرميّ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَهِنُوا في ابْتِغاءِ القَوْمِ ﴾ قالَ أهْلُ التَّفْسِيرِ: سَبَبُ نُزُولِها: «أنَّ النَّبِيَّ أمْرَ أصْحابَهِ لَمّا انْصَرَفُوا مِن أُحُدٍ أنْ يَسِيرُوا في أثَرِ أبِي سُفْيانَ وأصْحابِهِ، فَشَكَوا ما بِهِمْ مِنَ الجِراحاتِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.» قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى "تَهِنُوا": تَضْعُفُوا، يُقالُ: وهَنَ يَهِنُ: إذا ضَعُفَ، وكُلُّ ضَعْفٍ فَهو وهَنٌ.
وابْتَغى القَوْمَ: طَلَبَهم بِالحَرْبِ.
و "القَوْمُ" هاهُنا: الكُفّارُ ﴿ إنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ ﴾ أيْ: تُوجِعُونَ، فَإنَّهم يَجِدُونَ مِنَ الوَجَعِ بِما يَنالُهم مِنَ الجِراحِ والتَّعَبِ، كَما تَجِدُونَ، وأنْتُمْ مَعَ ذَلِكَ تَرْجُونَ ما لا يَرْجُونَ.
وفي هَذا الرَّجاءِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ الأمَلُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قالَ الزَّجّاجُ: وهو إجْماعُ أهْلِ اللُّغَةِ المَوْثُوقِ بِعِلْمِهِمْ.
والثّانِي: أنَّهُ الخَوْفُ، رَواهُ أبُو صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
قالَ الفَرّاءُ: ولَمْ يُوجَدِ الخَوْفُ بِمَعْنى: الرَّجاءِ إلّا ومَعَهُ جَحَدَ، [فَإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ الخَوْفُ عَلى جِهَةِ الرَّجاءِ والخَوْفِ وكانَ الرَّجاءُ كَذَلِكَ] كَقَوْلِهِ: ﴿ ما لَكم لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وقارًا ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ لا يَرْجُونَ أيّامَ اللَّهِ ﴾ ، قالَ الشّاعِرُ: لا تَرْتَجِي حِينَ تُلاقِي الزّائِدا أسَبْعَةٌ لاقَتْ مَعًا أمْ واحِدًا وَقالَ الهُذَلِيُّ: إذا لَسَعَتْهُ النَّحْلُ لَمْ يَرُجْ لَسْعَها ∗∗∗ وخالَفَها في بَيْتِ نَوْبٍ عَوامِلِ وَلا يَجُوزُ رَجَوْتُكَ وأنْتَ تُرِيدُ خِفْتُكَ، ولا خِفْتُكَ وأنْتَ تُرِيدُ رَجَوْتُكَ قالَ الزَّجّاجُ: وإنَّما اشْتَمَلَ الرَّجاءُ عَلى مَعْنى الخَوْفِ، لِأنَّهُ أمَلٌ قَدْ يُخافُ أنْ لا يَتِمَّ، فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ يَكُونُ المَعْنى: تَرْجُونَ النَّصْرَ وإظْهارَ دِينِكم والجَنَّةِ.
وعَلى الثّانِي تَخافُونَ مِن عَذابِ اللَّهِ ما لا يَخافُونَ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإذا قَضَيْتُمُ الصَلاةَ فاذْكُرُوا اللهَ قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِكم فَإذا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأقِيمُوا الصَلاةَ إنَّ الصَلاةَ كانَتْ عَلى المُؤْمِنِينَ كِتابًا مَوْقُوتًا ﴾ ﴿ وَلا تَهِنُوا في ابْتِغاءِ القَوْمِ إنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإنَّهم يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وتَرْجُونَ مِنَ اللهِ ما لا يَرْجُونَ وكانَ اللهِ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾ ذَهَبَ جُمْهُورُ العُلَماءِ إلى أنَّ هَذا الذِكْرَ المَأْمُورَ بِهِ إنَّما هو إثْرَ صَلاةِ الخَوْفِ؛ عَلى حَدِّ ما أُمِرُوا عِنْدَ قَضاءِ المَناسِكِ بِذِكْرِ اللهِ ؛ فَهو ذِكْرٌ بِاللِسانِ.
وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ ﴿ "قَضَيْتُمُ"؛ ﴾ بِمَعْنى: فَعَلْتُمْ؛ أيْ: إذا تَلَبَّسْتُمْ بِالصَلاةِ فَلْتَكُنْ عَلى هَذِهِ الهَيْئاتِ؛ بِحَسَبِ الضَرُوراتِ؛ المَرَضِ؛ وغَيْرِهِ؛ وبِحَسَبِ هَذِهِ الآيَةِ رَتَّبَ ابْنُ المَوّازِ صَلاةَ المَرِيضِ؛ فَقالَ: "يُصَلِّي قاعِدًا؛ فَإنْ لَمْ يُطِقْ فَعَلى جَنْبِهِ الأيْمَنِ؛ فَإنْ لَمْ يُطِقْ فَعَلى الأيْسَرِ؛ فَإنْ لَمْ يُطِقْ فَعَلى الظَهْرِ"؛ ومَذْهَبُ مالِكٍ في "اَلْمُدَوَّنَةُ" اَلتَّخْيِيرُ؛ لِأنَّهُ قالَ: فَعَلى جَنْبِهِ؛ أو عَلى ظَهْرِهِ؛ وحَكى ابْنُ حَبِيبٍ عَنِ ابْنِ القاسِمِ أنَّهُ قالَ: "يَبْتَدِئُ بِالظَهْرِ؛ ثُمَّ بِالجَنْبِ"؛ قالَ ابْنُ حَبِيبٍ: "وَهُوَ وهْمٌ"؛ قالَ اللَخْمِيُّ: "وَلَيْسَ بِوَهْمٍ؛ بَلْ هو أحْكَمُ في اسْتِقْبالِ القِبْلَةِ"؛ وقالَ سَحْنُونُ: "يُصَلِّي عَلى جَنْبِهِ الأيْمَنِ؛ كَما يُجْعَلُ في قَبْرِهِ؛ فَإنْ لَمْ يَقْدِرْ فَعَلى ظَهْرِهِ".
وَ"اَلطُّمَأْنِينَةُ" في الآيَةِ: "سُكُونُ النَفْسِ مِنَ الخَوْفِ؛ وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: اَلْمَعْنى: "فَإذا رَجَعْتُمْ مِن سَفَرِكم إلى الحَضَرِ فَأقِيمُوها تامَّةً؛ أرْبَعًا".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كِتابًا مَوْقُوتًا ﴾ ؛ مَعْناهُ: "مُنَجَّمًا في أوقاتٍ؛ هَذا ظاهِرُ اللَفْظِ"؛ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المَعْنى: "فَرْضًا مَفْرُوضًا؛ فَهُما لَفْظانِ بِمَعْنًى واحِدٍ؛ كُرِّرَ مُبالَغَةً".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَهِنُوا في ابْتِغاءِ القَوْمِ ﴾ ؛ يُبَيِّنُ أنَّ القَضاءَ المُشارَ إلَيْهِ قَبْلُ إنَّما هو قَضاءُ صَلاةِ الخَوْفِ؛ و ﴿ "تَهِنُوا" ﴾ مَعْناهُ: تَلِينُوا، وتَضْعُفُوا.
"حَبْلٌ واهِنٌ": أيْ: ضَعِيفٌ؛ ومِنهُ: ﴿ "وَهَنَ العَظْمُ"؛ ﴾ و ﴿ "ابْتِغاءِ القَوْمِ": ﴾ طَلَبِهِمْ.
وقَرَأ عَبْدُ الرَحْمَنِ الأعْرَجُ: "أنْ تَكُونُوا"؛ بِفَتْحِ الألِفِ؛ وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ ؛ ومَنصُورُ بْنُ المُعْتَمِرِ: "تِئْلَمُونَ"؛ في الثَلاثَةِ؛ وهي لُغَةٌ؛ وهَذا تَشْجِيعٌ لِنُفُوسِ المُؤْمِنِينَ؛ وتَحْقِيرٌ لِأمْرِ الكَفَرَةِ؛ ومِن نَحْوِ هَذا المَعْنى قَوْلُ الشاعِرِ: اَلْقَوْمُ أمْثالُكم لَهم شَعْرٌ ∗∗∗ في الرَأْسِ لا يُنْشَرُونَ إنْ قُتِلُوا ثُمَّ تَأكَّدَ التَشْجِيعُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَتَرْجُونَ مِنَ اللهِ ما لا يَرْجُونَ ﴾ ؛ وهَذا بُرْهانٌ بَيِّنٌ؛ يَنْبَغِي بِحَسَبِهِ أنْ تَقْوى نُفُوسُ المُؤْمِنِينَ؛ وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.
<div class="verse-tafsir"
عطف على جملة ﴿ وخذوا حذركم إنّ الله أعدّ للكافرين عذاباً مهيناً ﴾ [النساء: 102] زيادة في تشجيعهم على قتال الأعداء، وفي تهوين الأعداء في قلوب المسلمين، لأنّ المشركين كانوا أكثر عدداً من المسلمين وأتمّ عُدّة، وما كان شرع قصر الصلاة وأحوال صلاة الخوف، إلاّ تحقيقاً لنفي الوهن في الجهاد.
والابتغاءُ مصدر ابتغى بمعنى بَغي المتعدّي، أي الطلب، وقد تقدّم عند قوله: ﴿ أفغير دين الله تبغون ﴾ في سورة آل عمران (83).
والمراد به هنا المُبادأة بالغزوِ، وأن لا يتقاعسوا، حتّى يكون المشركون هم المبتدئين بالغزو.
تقول العرب: طلبنا بني فلان، أي غزوناهم.
والمبادئ بالغزو له رعب في قلوب أعدائه.
وزادهم تشجيعاً على طلب العدوّ بأنّ تَألّم الفريقين المتحاربين واحد، إذ كلٌ يخشى بأس الآخر، وبأنّ للمؤمنين مزية على الكافرين، وهي أنّهم يرجون من الله ما لا يرجوه الكفّار، وذلك رجاء الشهادة إن قتلوا، ورجاء ظهور دينه على أيديهم إذا انتصروا، ورجاء الثواب في الأحوال كلّها.
وقوله: ﴿ من الله ﴾ متعلّق ب ﴿ ترجون ﴾ .
وحذف العائد المجرور بمن من جملة ﴿ ما لا يرجون ﴾ لدلالة حرف الجرّ الذي جُرّ به اسم الموصول عليه، ولك أن تجعل مَا صْدق ﴿ ما لا يرجون ﴾ هو النصر، فيكون وعداً للمسلمين بأنّ الله ناصرهم، وبشارة بأنّ المشركين لا يرجون لأنفسهم نصراً، وأنّهم آيسون منه بما قذف الله في قلوبهم من الرعب، وهذا ممّا يفتّ في ساعدهم.
وعلى هذا الوجه يكون قوله: ﴿ من الله ﴾ اعتراضاً أو حالاً مقدّمة على المجرور بالحرف، والمعنى على هذا كقوله: ﴿ ذلك بأنّ الله مولى الذين آمنوا وأنّ الكافرين لا مولى لهم ﴾ [محمد: 11].
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فاذْكُرُوا اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا ﴾ يَعْنِي ذِكْرَ اللَّهِ بِالتَّعْظِيمِ والتَّسْبِيحِ والتَّقْدِيسِ بَعْدَ صَلاتِهِ في خَوْفٍ وغَيْرِهِ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمْ يُعْذَرْ أحَدٌ في تَرْكِهِ إلّا مَغْلُوبًا عَلى عَقْلِهِ.
﴿ فَإذا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأقِيمُوا الصَّلاةَ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي فَإذا أقَمْتُمْ بَعْدَ السَّفَرِ فَأتِمُّوا الصَّلاةَ مِن غَيْرِ قَصْرٍ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وقَتادَةَ، ومُجاهِدٍ.
والثّانِي: مَعْناهُ فَإذا أمِنتُمْ بَعْدَ خَوْفِكم فَأتِمُّوا الرُّكُوعَ والسُّجُودَ مِن غَيْرِ إيماءٍ ولا مَشْيٍ، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.
﴿ إنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلى المُؤْمِنِينَ كِتابًا مَوْقُوتًا ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أيْ فَرْضًا واجِبًا، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ.
والثّانِي: يَعْنِي مُؤَقَّتَةً في أوْقاتِها ونُجُومِها، كُلَّما مَضى نَجْمٌ جاءَ نَجْمٌ، وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وزَيْدِ بْنِ أسْلَمَ.
﴿ وَلا تَهِنُوا في ابْتِغاءِ القَوْمِ ﴾ أيْ لا تَضْعُفُوا في طَلَبِهِمْ لِحَرْبِهِمْ.
﴿ إنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإنَّهم يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ ﴾ أيْ ما أصابَهم مِنكم فَإنَّهم يَأْلَمُونَ بِهِ كَما تَأْلَمُونَ بِما أصابَكم مِنهم.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ ﴾ أيْ هَذِهِ زِيادَةٌ لَكم عَلَيْهِمْ وفَضِيلَةٌ خُصِصْتُمْ بِها دُونَهم مَعَ التَّساوِي في الألَمِ.
وَفي هَذا الرَّجاءِ اثْنانِ مِنَ التَّأْوِيلاتِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ أنَّكم تَرْجُونَ مِن نَصْرِ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ.
والثّانِي: تَخافُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَخافُونَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما لَكم لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وقارًا ﴾ أيْ لا تَخافُونَ لِلَّهِ عَظَمَةً.
وَمِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ لا تَرْتَجِي حِينَ تُلاقِي الذّائِدا أسَبْعَةً لاقَتْ مَعًا أمْ واحِدا <div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ ولا تهنوا ﴾ قال: ولا تضعفوا.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك ﴿ ولا تهنوا في ابتغاء القوم ﴾ قال: لا تضعفوا في طلب القوم.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس ﴿ إن تكونوا تألمون ﴾ قال: توجعون ﴿ وترجون من الله ما لا يرجون ﴾ قال: ترجون الخير.
وأخرج ابن جرير عن قتادة في الآية يقول: لا تضعفوا في طلب القوم، فإنكم إن تكونوا تتوجعون فإنهم يتوجعون كما تتوجعون، ويرجون من الأجر والثواب ما لا يرجون.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن السدي في الآية قال: لا تضعفوا في طلب القوم، إن تكونوا تتوجعون من الجراحات فإنهم يتوجعون كما تتوجعون ﴿ وترجون من الله ﴾ يعني الحياة والرزق والشهادة والظفر في الدينا.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ ﴾ .
الخطاب للمؤمنين، وذكرنا معنى الوهن (١) ﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا ﴾ .
والمراد بالقوم ههنا: أبو سفيان وأصحابه، لما انصرفوا عن أحد منهزمين، وقد قذف الله في قلوبهم الرعب، أمر الله تعالى نبيه أن يسير في آثارهم بعد الوقعة بأيام، فندب النبي الناس لذلك، فاشتكوا ما بهم من الجراحات، فأنزل الله هذه الآية (٢) (٣) (٤) وقوله تعالى: ﴿ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ ﴾ .
الألم الوجع، وقد ألم يألم، فهو آلم (٥) (٦) ونحو هذا قال غيره من المفسرين (٧) أحدهما: أن المؤمنين كانت بهم جراحات، يجدون لها ألمًا يوهنهم عن المسير في آثار المشركين، والمشركون أيضًا بهم جراحات، كما بالمسلمين، فقيل للمسلمين: إنَّ ألمتم جراحكم، فهم أيضًا في مثل حالتكم من أثر الجراح.
وعلى هذا دل كلام المفسرين أن المراد بالألم ههنا ألم جراح واقعة بالفريقين (٨) والآخر: أن هذا استدعاء إلى الجهاد مما يوجب الصبر عليه والجد فيه لرجحان حالهم على حال أعدائهم، بأنهم يرجون من الله ما لا يرجونه، فقد ساووهم في الصارف عن القتال، وهؤلاء انفردوا بداعٍ ليس لهم من ثواب الله على ذلك وكرامته التي هي (أوكد وكد داع) (٩) (١٠) وعلى هذا الثاني دل كلام أبي إسحاق، فإنه قال: أي أن تكونوا توجعون فأنهم يجدون من الوجع فيما ينالهم من الجراح والتعب كما تجدون (١١) وهذا المعنى أراد الشداخ بن يعمر الكناني (١٢) القوم أمثالكم لهم شعر ...
في الرأس لا ينشرون إن قتلوا (١٣) يقول: هم مثلكم إن قتلتم منهم لم يجيء قتيلهم، كما لا يجيء منكم من قتل.
وقوله تعالى: ﴿ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ ﴾ .
قال الحسن وقتادة وابن جريج وأكثر أهل العلم: وتؤملون من ثواب الله ما لا يؤملون (١٤) وقال الزجاج: أي أنتم ترجون النصر الذي وعدكم الله جل وعز وإظهار دينكم على [سائر] (١٥) (١٦) (١٧) وذهب بعض المفسرين إلى أن (...) (١٨) وأنكر الفراء والزجاج ذلك، فقال: [وأجمع أهل اللغة الموثوق بعلمهم على أن الرجاء] (١٩) (٢٠) وقال الفراء: "لا يعرف الرجاء بمعنى الخوف إلا مع (...) (٢١) ﴿ مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا ﴾ أي لا تخافون له عظمة.
كقول أبي ذؤيب (٢٢) إذا لسعَتْه النَّحلُ لم يَرْجُ لسعَها ...
وحالفَها في بيتِ نوبٍ عواملِ (٢٣) وإنما كان كذلك لأن الرجاء لما أخرج عن أصله لم يتصرف في جميع الوجوه بمعنى الخوف، إلا في النفي خاصة.
قال الزجاج: وإنما اشتمل الرجاء على معنى الخوف؛ لأن الرجاء أمل قد يخاف أن لا يتم (٢٤) ﴿ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا ﴾ بخلقه (٢٥) ﴿ حَكِيمًا ﴾ فيما حكم لأوليائه من الثواب، ولأعدائه من العقاب.
(١) "الوهن: الضعف"؛ "الصحاح" 6/ 2215، و"اللسان" 8/ 4934 (وهن).
(٢) ذكره الطبري 5/ 263 عن عكرمة، كما ذكره دون عزو السمرقندي في "بحر العلوم" 1/ 384، والثعلبي في "الكشف والبيان" 4/ 115 ب، والبغوي في "معالم التنزيل" 2/ 282.
(٣) ذكر جميع ذلك عند قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ .
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم.
انظر: "الدر المنثور" 2/ 381.
(٥) "تهذيب اللغة" 1/ 188 (ألم) وفيه: "فهو ألم" بدون مد.
وانظر: "الصحاح" 5/ 1863، و"اللسان" 1/ 113 (ألم).
(٦) بنحوه في "تفسير ابن عباس" ص (157)، وأخرجه أيضًا من طريق علي بن أبي طلحة: الطبري 5/ 263، وابن أبي حاتم، انظر: "الدر المنثور" 2/ 381.
(٧) كمجاهد وقتادة والسدي وابن زيد.
انظر: الطبري 5/ 262، 263.
(٨) انظر: الطبري 5/ 262، 263، و"بحر العلوم" 1/ 384، و"الكشف والبيان" 4/ 115 ب، و"النكت والعيون" 1/ 527.
(٩) هكذا ما بين القوسين في المخطوط، وقد يكون فيه تكرار، فتكون العبارة: "أوكد داع".
(١٠) هكذا في المخطوط، ولعل الصواب: ولا تجبنوا، بباء ثم نون بعد الجيم.
(١١) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 100، وانظر: الطبري 5/ 262، و"زاد المسير" 2/ 189.
(١٢) هو يعمر بن عوف بن كعب بن عامر الليثي الكناني و"الشداخ" لقبه، سمي بذلك لشدخه الدماء بين قريش وخزاعة، أي وضعها تحت قدميه وإصلاحه بينهم فهو من حكام العرب، ويبدو أنه شاعر جاهلي.
انظر: "المحبر" ص 33، و"الاشتقاق" ص 171، و"جمهرة أنساب العرب" ص 180، و"الأعلام" 8/ 205.
(١٣) البيت في "الحماسة الكبرى" لأبي تمام 1/ 113.
(١٤) أخرجه بمعناه عن قتادة وابن جريج: الطبري 5/ 262 - 263، أما عن الحسن فذكره الهواري في "تفسيره" 1/ 420.
وقد قال بهذا القول أيضاً الضحاك.
انظر: "معاني القرآن" للنحاس 3/ 184، واختاره الطبري 5/ 262، 264، وانظر: "بحر العلوم" 1/ 384، و"الكشف والبيان" 4/ 115 ب.
(١٥) طمست ما بين المعقوفين هذه الكلمة في المخطوط حيث لم يبق من كلماتها إلا السين، والتسديد من الزجاج في "معانيه" 2/ 100.
(١٦) طمس ما بين المعقوفين في المخطوط والتسديد من "معاني الزجاج" 2/ 100.
(١٧) طمس ما بين المعقوفين في المخطوط، والتسديد من "معاني الزجاج" 2/ 100.
(١٨) طمس ما بين القوسين في المخطوط، والظاهر أنه: "الرجاء هنا بمعنى الخوف" أو قريب من ذلك.
انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 286، والطبري 5/ 264.
(١٩) طمس ما بين المعقوفين في المخطوط، والتسديد من "معاني الزجاج" 2/ 100.
(٢٠) انظر: "معاني الزجاج" 2/ 100.
(٢١) طمس، وفي "معاني الفراء" 1/ 286: "ولم نجد معنى الخوف يكون رجاء إلا ومعه جحد".
(٢٢) تقدمت ترجمته.
(٢٣) "معاني القرآن" 1/ 286، والبيت في ديوان الهذليين 1/ 143 وقافيته "عواسل" بالسين، و"تهذيب اللغة" 4/ 3476، و"الصحاح" 1/ 229، و"اللسان" 8/ 4570 (نوب).
والشاهد منه: أن الرجاء بمعنى الخوف لما اقترن بنفي.
(٢٤) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 100.
(٢٥) انظر: الطبري 5/ 264.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلاَ تَهِنُواْ فِي ابتغآء القوم ﴾ أي لا تضعفوا في طلب الكفار ﴿ إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ ﴾ الآية: معناها.
إن أصابكم ألم من القتال فكذلك يصيب الكفار ألم مثله، ومع ذلك فإنكم ترجون إذا قاتلتموهم: النصر في الدنيا، والأجر في الآخرة؛ وذلك تشجيع للمسلمين.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ عن أسلحتكم وأمتعتكم ﴾ عباس بالاختلاس.
﴿ اطمأننتم ﴾ وبابه بغير همز: أبو عمرو ويزيد والأعشى والأصبهاني عن ورش وحمزة في الوقف.
﴿ بريا ﴾ بالتشديد: يزيد والشموتي وحمزة في الوقف.
الوقوف: ﴿ من ورائكم ﴾ ج.
﴿ وأسلحتهم ﴾ ط لانقطاع النظم مع اتصال المعنى.
﴿ واحدة ﴾ ط ﴿ أسلحتكم ﴾ ج ﴿ حذركم ﴾ ط ﴿ مهيناً ﴾ ه ﴿ وعلى جنوبكم ﴾ ط للابتداء باذا الشرطية مع الفاء.
﴿ الصلاة ﴾ ج لاحتمال فإن أو لأن ﴿ موقوتاً ﴾ ه ﴿ القوم ﴾ ط ﴿ كما تألمون ﴾ لا لاحتمال الواو الاستئناف أو الحال: ﴿ ما لا يرجون ﴾ ط ﴿ حكيمأً ﴾ ه ﴿ اراك الله ﴾ ط لأن ما بعد استئناف.
﴿ خصيماً ﴾ ه لا للعطف ﴿ واستغفر الله ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ ه للآية مع العطف.
﴿ أنفسهم ﴾ ط ﴿ أثيماً ﴾ ه ج لاحتمال ما بعد الوصف.
﴿ من القول ﴾ ط ﴿ محيطاً ﴾ ه ط ﴿ وكيلاً ﴾ ه ﴿ رحيماً ﴾ ه ﴿ على نفسه ﴾ ط ﴿ حكيماً ﴾ ه ﴿ مبيناً ﴾ ه ﴿ يضلوك ﴾ ط ﴿ من شيء ﴾ ط ﴿ تعلم ﴾ ط ﴿ عظيماً ﴾ ه.
التفسير: قال أبو يوسف والحسن بن زياد: صلاة الخوف كانت خاصة للرسول / ولا تجوز لغيره لقوله : ﴿ وإذا كنت فيهم ﴾ ولأن تغيير هيئة الصلاة أمر على خلاف الدليل إلاّ أنا جوّزنا ذلك في حق النبي لفضيلة الصلاة خلفه فينبغي لغيره على المنع.
وجمهور الفقهاء على أنها عامة لأن أئمة الأمة نواب عنه في كل عصر؛ ألا ترى أن قوله: ﴿ خذ من أموالهم صدقة ﴾ لم يوجب كون الرسول مخصوصاً به دون أئمة أمته؟
وذهب المزني إلى نسخ صلاة الخوف محتجاً بأنه لم يصلها في حرب الخندق، وأجيب بأن ذلك قبل نزول الآية.
عن ابن عباس قال: "خرج رسول الله في غزاة فلقي المشركين بعسفان، فلما صلى رسول الله الظهر فرأوه يركع ويسجد هو وأصحابه قال بعضهم لبعض: كأن هذا فرصة لكم لو أغرتم عليهم ما علموا بكم حتى تواقعوهم.
فقال قائل منهم: فإن لهم صلاة أخرى هي أحب إليهم من أهليهم وأموالهم فاستعدّوا حتى تغيروا عليهم فيها فأنزل الله عز وجل على نبيه: ﴿ وإذا كنت فيهم ﴾ إلى آخر الآية" أما شرح صلاة الخوف فهو أن الإمام يجعل القوم طائفتين ويصلي بإحداهما ركعة واحدة، ثم إذا فرغوا من الركعة سلموا منها ويذهبون إلى وجه العدو وتأتي الطائفة الأخرى فيصلي بهم الإمام ركعة أخرى ويسلم.
وهذا مذهب من يرى صلاة الخوف ركعة فللإمام ركعتان وللقوم ركعة، وهذا مروي عن ابن عباس وجابر بن عبد الله ومجاهد.
وقال الحسن البصري: إن الإمام يصلي بتلك الطائفة ركعتين ويسلم، ثم تذهب تلك الطائفة إلى وجه العدّو وتأتي الطائفة الأخرى فيصلي الإمام بهم مرة أخرى ركعتين كما فعل النبي ببطن نخل.
وليس في هذه الصلاة إلاّ اقتداء مفترض بمتنفل، فإن الصلاة الثانية نافلة للإمام لا محالة.
وفي جواز ذلك اختلاف بين العلماء.
وقال الشافعي إن كان العدو في جهة القبلة صلى الإمام بجميع العسكر إلى الاعتدال عن ركوع الركعة الأولى، فإذا حان وقت السجدة حرست فرقة إما صف أو فرقة من صف إلى أن يفرغ الإمام وغير الحارسة من السجدتين، فإذا فرغ الإمام منهما سجدت الفرقة الحارسة ولحقت به حيث أمكنها، وإذا سجد الإمام الركعة الثانية حرست فرقة إما الفرقة الحارسة في الركعة الأولى أو الفرقة الأخرى وهذه أولى.
فإذا فرغ الإمام من السجود سجدت الحارسة ولحقت بالإمام في التشهد ليسلم بهم وليس في هذه الصلاة إلاّ التخلف عن الإمام بأركان السجدتين والجلسة بينهما، واحتمل لحاجة الخوف وظهور العذر وبمثله صلى رسول الله بعسفان، وأما إن لم يكن العدوّ في وجه القبلة أو كانوا بحيث يمنعهم شيء من أبصار المسلمين صلى الإمام في الثنائية كالصبح أو الرباعية المقصورة بكل فرقة ركعة، وذلك أن ينحاز الإمام بفرقة إلى حيث لا تبلغهم سهام العدو فيصلي بهم ركعة، فإذا قام إلى الثانية انفردوا بها وسلموا وأخذوا مكان، إخوانهم في الصف، وانحاز الصف المقاتل إلى الإمام وهو ينتظر لهم واقتدوا به في / الثانية، فإذا جلس للتشهد قاموا وأتموا الثانية ولحقوا به قبل السلام وسلم بهم، وهذه صلاة ذات الرقاع رواه أبو داود والنسائي عن صالح عن سهل بن أبي حثمة عن النبي .
وقال أبو حنيفة: ويروى عن ابن عمر وابن مسعود أن الطائفة الأولى يصلي بهم الإمام ركعة ويعودون إلى وجه العدو تأتي الطائفة الثانية فيصلي بهم بقية الصلاة وينصرفون إلى وجه العدو، ثم تعود الطائفة الأولى فيقضون بقية صلاتهم بغير قراءة وينصرفون إلى وجه العدو، ثم تعود الطائفة الثانية فيقضون بقية صلاتهم بقراءة.
والفرق أن الطائفة الأولى أدركت أول الصلاة فهي في حكم من خلف الإمام، وأما الثانية فلم تدرك أول الصلاة والمسبوق فيما يقضي كالمنفرد في صلاته.
ولا خلاف في أن رسول الله قد صلى بهذه الصلاة في أوقات مختلفة بحسب المصالح، وإنما وقع الاختلاف بين الفقهاء في أن الأفضل والأشد موافقة لظاهر الآية أيّ هذه الأقسام.
فقال الواحدي: ﴿ ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا ﴾ يدل على أن الطائفة الأولى قد صلت عند إتيان الثانية كما هو مذهب الشافعي.
وأما عند أبي حنيفة فالطائفة الثانية تأتي والأولى بعد في الصلاة وما فرغوا منها.
وأيضاً قوله: ﴿ فليصلوا معك ﴾ ظاهرة يدل على أن جميع صلاة الطائفة الثانية مع الإمام.
قال أصحاب أبي حنيفة: ﴿ فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ﴾ يدل على أن الطائفة الأولى لم يفرغوا من الصلاة ولكنهم يصلون ركعة ثم يكونون من وراء الطائفة الثانية للحراسة.
أجاب الواحدي بأن هذا إنما يلزم إذا جعلنا السجود والكون من ورائكم لطائفة واحدة، لكن السجود للأولى والكون من الوراء الذي بمعنى الحراسة للطائفة الثانية، أو معنى سجدوا صلوا وحينئذٍ لا يبقى إشكال وأيضاً الذي اختاره الشافعي أحوط لأمر الحرب فإنها أخف على الطائفتين جميعأ والحراسة خارج الصلاة أهون وليس فيها ما في غيرها من زيادة الذهاب والرجوع وكثرة الأفعال والاستدبار, وليس فيها إلاّ الانفراد عن الإمام في الركعة الثانية وذلك جائز على الأصح في الأمن أيضاً، وإلاّ انتظار الإمام بالطائفة الثانية مرتين وإن كانت الصلاة مغرباً فيصلي بالأولى ركعتين وبالثانية ركعة ويجوز العكس.
وإن كانت رباعية فيصلي بكل طائفة ركعتين، ويجوز أن يفرقهم أربع فرق إن مست الحاجة إليه بأن لا يكفي نصف المسلمين لعدوهم.
واعلم أن الصلاة على الوجه المشروع ليست عزيمة بل لو صلى الإمام بطائفة وأمر غيره فيصلي بترك فضيلة الجماعة ويتنافسون في الاقتداء به فأمره الله بترتيبهم هكذا لتحوز إحدى الطائفتين فضيلة التكبير معه، والأخرى فضيلة التسليم معه.
فالخطاب في قوله: ﴿ وإذا كنت ﴾ للنبي أي إذا كنت أيها النبي مع المؤمن في غزواتهم وخوفهم ﴿ فأقمت لهم / الصلاة ﴾ فاجعلهم طائفتين ﴿ فلتقم طائفة منهم معك ﴾ فصل بهم ﴿ وليأخذوا أسلحتهم ﴾ فإن كان الضمير لغير المصلين فلا كلام، وإن كان للمصلين فليأخذوا من السلاح ما لا يشغلهم عن الصلاة كالسيف والخنجر، ويحتمل أن يكون أمراً للفريقين بحمل السلاح لأن ذلك أقرب إلى الاحتياط.
ثم قال للطائفة الثانية: ﴿ وليأخذوا حذرهم ﴾ فكأنه جعل الحذر والتيقظ آلة يستعملها الغازي.
وفيه رحمة للخائف في الصلاة بأن يجعل بعض فكره في غير الصلاة.
وإنما أمر هذه الطائفة بأخذ الحذر والأسلحة جميعاً لأن العدو قلما يتنبه في أول الصلاة لكون المسلمين في الصلاة بل يظنونهم قياماً للمحاربة، وأما في الركعة الثانية فيظهر لهم ذلك من ركوعهم وسجودهم الأولين فربما ينتهزون الفرصة في الهجوم عليهم كما ذكرنا في سبب النزول، فلا جرم خص الله هذا الموضع بزيادة تحذير ﴿ ميلة واحدة ﴾ شدة واحدة.
ثم رخص لهم في وضع السلاح إذا أصابه بلل المطر فيسود وتفسد حدته وجدته أو يثقل على المرء إذا كان محشواً، وحين كان الرجل مريضاً فيشق عليه حمل السلاح ولكنه أعاد الأمر بأخذ الحذر لأن الغفلة عن كيد العدو لا تجوز بكل حال.
قال بعض العلماء أخذ السلاح في صلاة الخوف سنة مؤكدة والأصح أنه واجب لأن ظاهر الأمر للوجوب، ولأن رفع الجناح عند العذر ينبىء عن وجود الجناح في غير ذلك الوقت لكن الشرط أن لا يحمل سلاحاً فحسب أن أمكنه، ولا يحمل الرمح إلاّ في طرف الصف.
وبالجملة بحيث لا يتأذى به أحد وفي هذا دليل على أنه كان يجوز للنبي صلى الله عيله وسلم أن يأتي بصلاة الخوف على جهة يكون بها حاذراً غير غافل عن كيد العدو، فلا يكون شيء من الروايات الواردة فيها على خلاف نص القرآن وكما أن الآية دلت على وجوب الحذر عن العدو كذلك تدل على وجوب الحذر عن جميع المضار المظنون، وبهذا الطريق كان الإقدام على العلاج بالدواء والاحتراز عن الوباء في الجلوس تحت الجدار المائل واجباً.
قالت المعتزلة: لو لم يكن العبد قادراً على الفعل والترك، وعلى جميع وجوه الحذر لم يكن للأمر بالحذر فائدة.
والجواب أن لا ننكر الأسباب لكنا ندعي انتهاء الكل إلى مسببها ولهذا ختم الآية بقوله: ﴿ إن الله أعد للكافرين عذاباً مهيناً ﴾ ليعلموا أنه رتب على هذا الحذر كون الكفار مخذولين مقهورين وكان كما أخبر.
أما قوله: ﴿ فإذا قضيتم الصلاة ﴾ ففيه قولان: الأول فإذا قضيتم صلاة الخوف فواظبوا على ذكر الله في جميع الأحوال فإن ما أنتم عليه من الخوف والحرب جدير بذكر الله وإظهار الخشوع واللجوء إليه.
الثاني أن المراد بالذكر الصلاة أي صلوا قياماً حال اشتغالكم بالمسايفة والمقارعة، وقعوداً جاثين على الركب حال اشتغالكم بالرمي، وعلى جنوبكم مثخنين بالجراح.
وأورد على هذا القول أن الذكر بمعنى الصلاة مجاز وأن المعنى يصير حينئذٍ: فإذا قضيتم الصلاة فصلوا وفيه بعد اللهم إلاّ أن يقال: المراد فإذا أردتم قضاء الصلاة فصلوا في شدّة / التحام القتال.
واعلم أن الآية مسبوقة بحكمين: أحدهما بيان القصر في صلاة المسافر والثاني بيان صلاة الخوف.
فقوله: ﴿ فإذا اطمأننتم ﴾ يحتمل أن يراد به فإذا صرتم مقيمين فأقيموا الصلاة تامة من غير قصر ألبتة.
ويحتمل أن يراد فإذا زال الخوف وحصل سكون القلب فأقيموا الصلاة التي كنتم تعرفونها من غير تغيير شيء من هيئاتها ﴿ إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً ﴾ أي مكتوبة موقوتة محدودة بأوقات لا يجوز إخراجها عنها ولو في شدة الخوف، وفيه دليل للشافعي في إيجابه الصلاة على المحارب في حال المسايفة والاضطراب في المعركة إذا حضر وقتها.
وعند أبي حنيفة هو معذور في تركها إلى أن يطمئن.
وأوقات الصلاة الخمس مشهورة وقد يستدل عليها بقوله: ﴿ حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ﴾ فإن الوسطى يجب أن تكون مغايرة للصلوات لئلا يلزم التكرار فهي زائدة على الثلاث، ولو كان الواجب أربعاً لم يوجد لها وسطى فإذاً أقلها خمس وسيجيء آيات أخر دالة على الأوقات الخمس كقوله: ﴿ وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل ﴾ ﴿ أقم الصلاة لدلوك الشمس ﴾ وسنشرحها إن شاء الله تعالى في مواضعها.
قال المحققون: إن للإنسان خمس مراتب: سن النمو إلى تمام سن الشباب، وسن الوقوف وهو أن يبقى ذلك الشخص على صفة كماله من غير زيادة ولا نقصان، وسن الكهولة ويظهر فيها نقصان خفي في الإنسان، وسن الشيخوخة ويظهر فيها نقصانات جلية فيه إلى أن يموت ويهلك.
وأما المرتبة الخامسة فهي أخباره وآثاره إلى أن يندرس وينطمس ويصير كأن لم يكن، وكذا الشمس إذا ظهر سلطانها من المشرق لا يزال يزداد ضياؤها إلى طلوع جرمها، ثم يزداد ارتفاعها شيئاً بعد شيء إلى أن يبلغ وسط السماء، ثم يظهر فيها نقصانات خفية من الانحطاط وضعف النور والحر إلى وقت العصر حين يصير ظل كل شيء مثله، ثم تظهر النقصانات الجلية إلى أن يصير في زمان لطيف ظل كل شيء مثليه، ثم أزيد إلى أن تغرب، ثم يبقى أثرها في أفق المغرب وهو الشفق، ثم ينمحي حتى يصير كأن الشمس لم توجد قط.
فهذه الأحوال الخمس أمور عجيبة لا يقدر عليها إلاّ خالقها وخالق جميع الأشياء، وموافقة لأسنان الإنسان فلهذا تعينت أوقاتها للعبادة والإقبال على المعبود الحق جده.
ثم عاد إلى الحث على الجهاد فقال: ﴿ ولا تهنوا في ابتغاء القوم ﴾ لا تضعفوا في طلب الكفار بالقتال والتعرض لهم بما يقلقهم.
ثم ألزمهم الحجة بقوله: ﴿ إن تكونوا تألمون ﴾ والمعنى أن حصول الألم قدر مشترك بينكم وبينهم ولكم مع ذلك رجاء الثواب على الجهاد دونهم لأنهم ينكرون المعاد فأنتم أولى بالصبر على القتال / والحد فيه منهم، ويحتمل أن يراد بهذا الرجاء ما وعدهم الله من النصر والغلبة على سائر الأديان، أو يراد أنكم تعبدون الإله العالم القادر السميع البصير الذي يصح أن يرجى منه، وأنهم يعبدون الأصنام التي لا خيرهن يرجى ولا شرهن يخشى، ويروى أن هذا في بدر الصغرى كان بهم جراح فتواكلوا ﴿ وكان الله عليماً حكيماً ﴾ لا يكلفكم إلا ما فيه صلاح لكم في دينكم ودنياكم.
ثم رجع إلى ما انجر منه الكلام وهو حديث المنافقين، وفيه أن الأحكام المذكورة كلها بإنزال الله وليس للرسول أن يحيد عن شيء منها طلباً لرضا قومه، وفيه أن كفر الكافر لا يبيح المساهلة في النظر له وإن كان يجوز الجهاد معه بل الواجب أن يحكم له وعليه بما أنزله على رسوله.
قال أكثر المفسرين: "إن رجلاً من الأنصار - يقال له طعمة بن أبيرق أحد بني ظفر بن الحرث - سرق درعاً من جار له - يقال له قتادة بن النعمان - وجراباً فيه دقيق، فجعل الدقيق ينتثر من خرق في الجراب حتى انتهى إلى الدار وفيها أثر الدقيق، ثم خبأها عند رجل من اليهود - يقال له زيد بن السمين - فالتمست الدرع عند طعمة فلم توجد عنده وحلف لهم والله ما أخذها وما له بها من علم فتركوه واتبعوا أثر الدقيق حتى انتهى إلى منزل اليهودي فأخذوها فقال: دفعها إلي طعمة وشهد له ناس من اليهود.
فقالت بنو ظفر: انطلقوا بنا إلى رسول الله فكلموه في ذلك وسألوه أن يجادل عن صاحبهم وقالوا: إنك إن لم تفعل هلك صاحبنا وافتضح وبرىء اليهودي.
فَهَمَّ رسول الله أن يفعل وكان هواه معهم وأن يعاقب اليهودي.
وقيل: همَّ أن يقطع يده فأنزل الله : ﴿ إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق ﴾ الآيات إلى قوله: ﴿ ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالاً بعيداً ﴾ " وفي الآية دليل على أن طعمة وقومه كانوا منافقين وإلا لما طلبوا من الرسول نصرة الباطل وإلحاق السرقة باليهودي.
قال أبو علي: قوله: ﴿ بما أراك الله ﴾ ليس منقولاً بالهمزة من رؤية البصر لأن حكم الحادثة لا يرى بالبصر ولا من رؤية القلب وإلا لاقتضى ثلاثة مفاعيل وليس في الآية إلا اثنان: أحدهما الكاف والآخر الضمير العائد المحذوف فهو إذن بمعنى الاعتقاد معناه بما علمك الله.
وسمى ذلك العلم بالرؤية لأن العلم اليقيني المبرأ عن جهات الريب يكون جارياً مجرى الرؤية في القوة والظهور، وكان عمر يقول: لا يقولن أحدكم قضيت بما أراني الله فإن الله لم يجعل ذلك إلا لنبيه والرأي منا ظن وتكلف.
قال بعض العلماء: في الآية دلالة على أنه ما كان يحكم إلا بالوحي والنص، وأن الاجتهاد ما كان جائزاً له وحينئذ يجب أن يكون حال الأمة كذلك لقوله: ﴿ فاتبعوه ﴾ وأجيب بأن العمل بالقياس عمل بالنص أيضاً وكأنه قال: مهما غلب على ظنك أن حكم الصورة المسكوت عنها مثل حكم الصورة المنصوص عليها بسبب أمر / جامع بين الصورتين، فاعلم أن تكليفي في حقك أن تعمل بموجب ذلك الظن.
﴿ ولا تكن للخائنين ﴾ أي لأجلهم يريد بني ظفر وهم قوم طعمة ﴿ خصيماً ﴾ مخاصماً وأصله من الخصم بالضم والسكون وهو ناحية الشيء وطرفه، وكأن كل واحد من الخصمين في ناحية من الحجة والدعوى.
قال بعض الطاعنين في عصمة الأنبياء : لولا أن الرسول أراد أن يخاصم لأجل الخائن ويذب عنه لما ورد النهي عنه ولما أمر بالاستغفار.
والجواب أن النهي عن الشي لا يقتضي كون المنهي مرتكباً للمنهي عنه، بل ثبت في الرواية أن قوم طعمة لما التمسوا منه أن يذب عن طعمة ويلحق السرقة باليهودي توقف وانتظر الوحي، ولعله أمر بالاستغفار لأنه مال طبعه إلى نصرة طعمة بسبب أنه كان في الظاهر من المسلمين وحسنات الأبرار سيئات المقربين، أو لعل القوم شهدوا بسرقة اليهودي وبراءة طعمة ولم يظهر للرسول ما يوجب القدح في شهادتهم، فهم بالقضاء على اليهودي وبراءة طعمة ولم يظهر للرسول ما يوجب القدح في شهادتهم, فهم بالقضاء على اليهودي فأطلعه الله على مصدوق الحال، أو لعل المراد واستغفر لأولئك الذين يذبون عن طعمة ثم قال: ﴿ ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم ﴾ يعني طعمة ومن عاونه من قومه ممن علموا كونه سارقاً.
والاختيان كالخيانة يقال: خانه واختانه، والعاصي خائن نفسه لأنه يحرم نفسه الثواب ويوصلها إلى العقاب ﴿ إن الله لا يحب من كان خواناً أثيماً ﴾ قال المفسرون: إن طعمة خان في الدرع وأثم في نسبة اليهودي إلى تلك السرقة.
وإنما ورد البناآن على المبالغة والعموم ليتناول طعمة وكل من خان خيانة فلا تخاصم لخائن قط ولا تجادل عنه لأن الله لا يحبه.
وأيضاً كان الله عالماً من طعمة بالإفراط في الخيانة وركوب الإثم.
وروي أنه هرب إلى مكة وارتد ونقب حائطاً ليسرق أهله فسقط الحائط عليه فقتله، ومن كانت تلك خاتمة أمره لا يشك في حاله.
وقالت العقلاء: إذا عثرت من رجل على سيئة فاعلم أن لها أخوات.
وعن عمر أنه أمر بقطع يد سارق فجاءت أمه تبكي وتقول: هذه أول سرقة سرقها فاعف عنه.
فقال: كذبت إن الله لا يؤاخذ عبده في أول مرة.
وفي الآية دليل على أن من كان قليل الخيانة والإثم لم يكن في معرض السخط من الله.
﴿ يستخفون ﴾ يستترون من الناس حياء منهم وخوفاً من ضررهم ﴿ ولا يستخفون من الله ﴾ أي لا يستحيون منه لأن الاستخفاء لازم الاستحياء وهو معهم بالعلم والقدرة والرؤية وكفى هذا زاجراً للإنسان عن المعاصي ﴿ إذ يبيّتون ﴾ يدبرون ﴿ ما لا يرضى من القول ﴾ وهو تدبير طعمة أن يرمي بالدرع في دار زيد ليسرق دونه ويحلف ببراءته وتسمية التدبير وهو معنى في النفس قولاً ليس فيها إشكال عند القائلين بالكلام النفسي، وأما عند غيرهم فمجاز، أو لعلهم اجتمعوا في الليل ورتبوا كيفية المكر فسمى الله كلامهم ذلك بالقول المبيت الذي لا يرضاه الله، أو المراد بالقول الحلف الكاذب الذي حلف به بعد أن بيته ﴿ ها أنتم هؤلاء ﴾ ها للتنبيه في أنتم / وأولاء وهما مبتدأ وخبر وقوله: ﴿ جادلتم عنهم ﴾ جملة موضحة للأولى كما يقال للسخي: أنت حاتم تجود بمالك.
أو المراد أنتم الذين جادلتم والخطاب لقوم مؤمنين كانوا يذبون عن طعمة وقومه لأنهم في الظاهر مسلمون.
والمعنى: هبوا أنكم خاصمتم عن طعمة وقومه في الدنيا فمن الذي يخاصم عنهم في الآخرة إذا أخذهم الله بعذابه ﴿ أمن يكون عليهم وكيلاً ﴾ حافظاً ومحامياً عن عذاب الله.
وهذا الاستفهام معطوف على الأول وكلاهما للإنكار والتقريع.
ثم أردف الوعيد بذكر التوبة فقال: ﴿ ومن يعمل سوءاً ﴾ قبيحاً متعدياً يسوء به غيره كما فعل طعمة بقتادة واليهودي ﴿ أو يظلم نفسه ﴾ بما يجازي به كالحلف الكاذب.
وإنما خص ما يتعدى إلى الغير باسم السوء لأن إيصال الضرر إلى الغير سوء حاضر بخلاف الذي يعود وباله إلى فاعله فإن ذلك في الأكثر لا يكون ضرراً عاجلاً.
لأن الإنسان لا يوصل الضرر إلى نفسه.
وقد يستدل بإطلاق الآية على أن التوبة مقبولة عن جميع الذنوب وإن كان كفراً أو قتلاً عمداً أو غضباً للأموال، بل على أن مجرد الاستغفار كاف.
وعن بعضهم أن الاستغفار لا ينفع مع الإصرار فلا بد من اقترانه بالتوبة ﴿ يجد الله غفور رحيماً ﴾ أي له فحذف هذا الرابط لدلالة الكلام عليه لأنه لا معنى للترغيب في الاستغفار إلا إذا كان المراد ذلك.
وقيل: ومن يعمل سوءاً من ذنب دون الشرك أو يظلم نفسه بالشرك, وهذا بعث لطعمة على الاستغفار والتوبة لتلزمه الحجة مع العلم بما يكون منه, أو بعث لقومه لما فرط منهم من نصرته والذب عنه.
﴿ ومن يكسب إثماً ﴾ الكسب عبارة عما يفيد جر منفعة أو دفع مضرة ولذلك لم يجز وصف الباري بذلك.
والمقصود منه ترغيب العاصي في الاستغفار وكأنه قال: الذنب الذي أتيت به إنما يعود وباله وضرره إليك لا إليّ فإني منزه عن النفع والضر، ولا تيأس من قبول التوبة.
﴿ وكان الله عليماً حكيماً ﴾ تقتضي حكمته أن يتجاوز عن التائب ما علمه منه ﴿ ومن يكسب خطيئة ﴾ صغيرة ﴿ وإثماً ﴾ كبيرة وقيل: الخطيئة الذنب القاصر على فاعله والإثم هو الذنب المتعدي إلى الغير كالظلم والقتل.
وقيل: الخطيئة ما لا ينبغي فعله سواء كان بالعمد أو الخطأ، والإثم ما حصل بسبب العمد ﴿ ثم يرم به ﴾ أي بأحد المذكورين أو بالإثم أو بذلك الذنب لأن الخطيئة في معنى الذنب، أو بذلك الكسب ﴿ بريئاً فقد احتمل بهتاناً وإثماً مبيناً ﴾ لأنه بكسب الإثم وبرمي البريء باهت فهو جامع بين الأمرين، فلا جرم يلحقه الذم في الدارين ﴿ ولولا فضل الله عليك ورحمته ﴾ ولولا أن خصك الله الفضل وهو النبوة وبالرحمة وهي العصمة ﴿ لهمت طائفة منهم ﴾ من بني ظفر أو طائفة من الناس والطائفة بنو ظفر ﴿ أن يضلوك ﴾ عن القضاء الحق والحكم العدل ﴿ وما يضلون إلا أنفسهم ﴾ بسبب تعاونهم على / الإثم والعدوان وشهادتهم بالزور والبهتان لأن وباله عليهم ﴿ وما يضرونك من شيء ﴾ لأنك إنما عملت بظاهر الحال وما أمرت الأنبياء إلا بالأحكام على الظواهر، أو هو وعد بإدامة العصمة له مما يريدون في الاستقبال من إيقاعه في الباطل.
ثم أكد الوعيد بقوله: ﴿ وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة ﴾ أي إنه لما أمرك بتبليغ الشريعة إلى الخلق فكيف يليق بحكمته أن لا يعصمك عن الوقوع في الشبهات والضلالات؟
وعلى الأول يكون المراد أنه أوجب في الكتاب والحكمة بناء أحكام الشرع على الظاهر فكيف يضرك بناء الأمر عليه ﴿ وعلمك ما لم تكن تعلم ﴾ من أخبار الأولين.
فيه معنيان: أحدهما أن يكون كما قال: ﴿ ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ﴾ أي أنزل الله عليك الكتاب والحكمة وأطلعك على أسرارها وأوقفك على حقائقهما مع أنك ما كنت قبل ذلك عالماً بشيء منهما، فكذلك يفعل بك في مستأنف إيامك حتى لا يقدر أحد من المنافقين على إضلالك.
الثاني أن يكون المراد منها خفيات الأمور وضمائر القلوب أي علمك ما لم تكن تعلم من أخبار الأولين، فكذلك يعلمك من حيل المنافقين ووجوه مكايدهم ما تقدر على الاحتراز منهم ﴿ وكان فضل الله عليك عظيماً ﴾ فيه دليل ظاهر على شرف العلم حيث سماه عظيماً وسمى متاع الدنيا بأسرها قليلاً.
التأويل: الصلاة صورة جذبة الحق ومعراج العبد فلهذا فرضت في الخوف والأمن وشدة القتال والسفر والحضر والصحة المرض ليكون العبد مجذوب العناية على الدوام ﴿ وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة ﴾ أي أدمتها لهم لأن النظر إليك عبادة كما أن الصلاة عبادة، وكما أن الصلاة تنهي عن الفحشاء والمنكر فإنك تنهاهم عن الفحشاء والمنكر ﴿ فلتقم طائفة ﴾ هم الخواص ﴿ منهم ﴾ أي من عوامهم ﴿ معك ﴾ أي مع الله لأنك مع الله كقوله: ﴿ لا تحزن إنّ الله معنا ﴾ ﴿ وليأخذوا ﴾ يعني طائفة من بقية القوم ﴿ أسلحتهم ﴾ من الطاعات والعبادات دفعأً لعدو النفس والشيطان ﴿ فإذا سجدوا ﴾ يعني من معك ونزّلوا مقامات القرب ﴿ فليكونوا ﴾ أي هؤلاء القوم ﴿ من ورائكم ﴾ في المرتبة والمقام والمتابعة يحفظونكم باشتغالكم بالأمور الدنيوية لحوائجكم الضرورية للإنسان.
﴿ ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا معك ﴾ في الصحبة ﴿ فليصلوا معك ﴾ في الوصلة ﴿ وليأخذوا حذرهم ﴾ وهو آداب الطريقة ﴿ وأسلحتهم ﴾ وهي أركان الشريعة ﴿ ودّ الذين كفروا ﴾ هم عدوّ النفس وصفاتها ﴿ إن كان بكم أذى من مطر ﴾ يعني أشغال الدنيا وضروريات حوائج الإنسان يمطر عليكم في بعض الأوقات أن تضعوا أسحلة الطاعة والأركان ساعة فساعة ﴿ وخذوا حذركم ﴾ من التوجه إلى الحق ومراقبة الأحوال وحفظ القلب وحضوره مع الله وخلو السر / عن الالتفات لغير الله ورعاية التسليم والتفويض إلى الله والاستمداد من همم أعاظم الدين والالتجاء إلى ولاية النبوة ﴿ إنّ الله أعد ﴾ بهذه الأسباب ﴿ للكافرين ﴾ من كفار النفس والشيطان ﴿ عذاباً مهيناً فإذا قضيتم الصلاة ﴾ المكتوبة ﴿ فاذكروا الله ﴾ في جميع حالاتكم إنّ الصلاة كانت في الأزل ﴿ على المؤمنين كتاباً موقوتاً ﴾ مؤقتاً إلى الأبد كما أشار إليه بقوله: ﴿ إنا فتحنا لك ﴾ أي باباً من القدم إلى الحدوث ﴿ ليغفر لك الله ﴾ بما فتح عليك ﴿ ما تقدم ﴾ في الأزل ﴿ من ذنبك ﴾ بأن لم تكن مصلياً ﴿ وما تأخر ﴾ من ذنبك بأن لا تكون مصلياً ﴿ ويتم نعمته عليك ﴾ بأن يجعل سيئاتك وهي عدم صلاتك في الأزل أو الأبد مبدلة بالحسنات وهي الصلاة المقبولة من الأزل إلى الأبد ﴿ ويهديك صراطاً مستقيماً ﴾ من الأزل إلى الأبد ومن الأبد إلى الأزل ﴿ ولا تهنوا في ابتغاء القوم ﴾ النفس وصفاتها ﴿ أن تكونوا تألمون ﴾ في الجهاد بعناء الرياضات والعبادات فإنهم يألمون في طلب اللذات والشهوات ﴿ كما تألمون وترجون من الله ﴾ العواطف الأزلية والعوارف الأبدية ﴿ ما لا يرجون ﴾ لأنّ همم النفس الدنية لا تجاوز قصورها الدنية المجازية الفانية ﴿ بما أراك الله ﴾ حين أوحى إليك بلا واسطة ما أوحى وأراك آياته الكبرى.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَهِنُواْ فِي ٱبْتِغَآءِ ٱلْقَوْمِ إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ ﴾ .
في الآية دلالة فرضية الجهاد؛ لأنه - عز وجل - أخبر أنهم يألمون ويتوجعون بما يصيبهم من الجراحات كما تألمون أنتم وتتوجعون بها؛ فلو كان نفلا لكان يرفع عنهم الجهاد عند الألم والتوجع؛ على ما يرفع سائر النوافل عند الألم والتوجع؛ فدل أنه فرض، لكنه فرض كفاية، وفرض الكفاية يسقط بقيام البعض عن الباقين.
وقد ذكرنا فيما تقدم الوجه فيه.
وقوله - -: ﴿ وَلاَ تَهِنُواْ فِي ٱبْتِغَآءِ ٱلْقَوْمِ ﴾ ، فمعناه - والله أعلم - أي: لا عذر لكم في تألمكم أن تهنوا في ابتغائهم؛ ﴿ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ ﴾ ولا [يضعفون في ذلك]، ﴿ وَتَرْجُونَ ﴾ أنتم العاقبة من الثواب الجزيل ﴿ مَا لاَ يَرْجُونَ ﴾ ، ثم هم لا يضعفون؛ فكيف تضعفون أنتم في ذلك؟!
وكل أمر لا عاقبة له فهو عبث، وليس لأمرهم عاقبة؛ فهو عبث، ولأمركم عاقبة محمودة؛ فأنتم أولى في ذلك.
ودل قوله: ﴿ وَلاَ تَهِنُواْ فِي ٱبْتِغَآءِ ٱلْقَوْمِ ﴾ - على تأكد فرضية الجهاد؛ إذ لم يأذن لهم في التخلف عن ذلك، على ما فيه من التألم، وخوف هلاك النفس في ذلك، ثم بين ما يخفف لمثله بحمل المكروه على الطبع له، وقد يختار له مباشرة الأتعاب في النفس من عواقب تنقطع وتزول؛ فكيف فيما [لا انقطاع] له من رجاء الثواب بذلك التألم؟!
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً ﴾ .
بتألمكم، أي: عن علم بالتألم أمركم بذلك، لا عن جهل.
وقد ذكرنا ذلك في غير موضع.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ ﴾ .
قوله: ﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ يتوجه وجوهاً.
بحق الله عليكم، أنزل إليك الكتاب.
ويحتمل: بحق بعض على بعض أنزل إليك الكتاب؛ لتحكم بين الناس.
ويحتمل قوله: ﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ ، أي: بالمحنة يمتحنهم بها؛ إذ في عقل كل أحد ذلك، وإهمال كل ذي لبٍّ لا يؤمر ولا ينهي - خروج عن الحكمة.
أو أن يقال: ﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ ، أي: بالعواقب؛ لتكون لهم العاقبة.
وقوله - -: ﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ أي: بالحق الذي لله، أو لبعض على بعض، أو لأمر كانت، وهو البعث؛ لِيُعَدَّ له، ويتزودوا بالذي يحمد عليه فاعله؛ إذ الحق صفة لكل ما يحمد عليه فاعله، والباطل لما يذم.
وقد يحتمل بالعدل والصدق على الأمر من التغيير والتبديل، والله الموفق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَاكَ ٱللَّهُ ﴾ .
قيل: إن في الآية دلالة جواز الاجتهاد؛ لأنه قال: ﴿ لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَاكَ ٱللَّهُ ﴾ ؛ دل قوله ﴿ بِمَآ أَرَاكَ ٱللَّهُ ﴾ أن ثمة معنى يدرك بالنظر والتأمل؛ لأنه لو كان يحكم بالكل بالكتاب، لكان لا معنى لقوله: ﴿ بِمَآ أَرَاكَ ٱللَّهُ ﴾ .
ولكن يقول له: لتحكم بين الناس بالكتاب؛ دل أنه يحكم بما يريه الله بالتدبر فيه والتأمل، لكن اجتهاده كالنص؛ لأنه لا يخطئه؛ لأنه أخبر أنه يريه ذلك؛ فلا يحتمل أن يريه غير الصواب، وأما غيره من المجتهدين فيجوز أن يكون صواباً، ويجوز أن يكون خطأ؛ لأنه لا ينكر أن يكون الشيطان هو الذي أراه ذلك فيكون خطأ؛ فلا يجوز أن يشهد عليه بالصواب ما لم يظهر، وأما اجتهاده فهو كله يكون صواباً؛ لأن الله - - هو الذي أراه ذلك؛ فنشهد أنه صواب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَكُنْ لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً ﴾ قال أكثر أهل التفسير: إنه هَمَّ أن يُقَوِّي سارقاً - يقال له: طعمة - ويصدقة في قوله؛ فنزل قوله: ﴿ وَلاَ تَكُنْ لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً ﴾ ؛ فلو لم يقولوا ذلك كان أوفق وأحسن، فإن كان ما قالوا، فذلك لم يظهر منه الخيانة عنده؛ إذ ذكر في القصة أنه وجد السرقة في دار غيره.
فلئن كان ذلك إنما كان لما ذكرنا.
وأما النهي عن أن يكون للخائنين خصيما: نهي وإن كان يعلم أن لا يكون لما عصمه الله؛ كقوله - -: ﴿ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكَينَ ﴾ ، ﴿ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ ﴾ ، إن كان عصمه من أن يكون منهم، والعصمة إنما تنفع إذا كان ثمة أمر ونهي، فأما إذا لم يكن ثمة لا أمر ولا نهي فلا معنى للعصمة والتوفيق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً ﴾ .
وقوله - -: ﴿ وَٱسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ ﴾ ، ليس هو قول الناس: نستغفر الله، ولكن كأنه قال: كونوا على الحال التي تكون أعمالكم مكفرة للذنوب؛ ألا ترى إلى قول هود لقومه: ﴿ وَيٰقَوْمِ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ...
﴾ الآية [هود: 52].
وقال نوح - - لقومه: ﴿ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً...
﴾ الآية [نوح: 10]، لم يريدوا أن يقولوا: نستغفر الله قولا حسب؛ ولكن أرادوا أن يكونوا على الحال التي تكون أعمالهم مكفرة لذنوبهم؛ لأنهم لو قالوا بلسانهم ألف مرة: نستغفر الله، لكان لا ينفعهم ذلك؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ وَٱسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً ﴾ .
وحقيقة الاستغفار وجهان: أحدهما: الانتهاء عما أوجب العقوبة؛ لقوله: ﴿ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ ﴾ ، وعلى ذلك معنى قول من ذكر.
والثاني: طلب الستر بالعفو والتجاوز.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ ٱلَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ...
﴾ الآية [النساء: 107]، هو ما ذكرنا أن العصمة لا تنفع؛ إذا لم يكن أمر ونهي.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ ﴾ : لا أحد يقصد قصد خيانة نفسه، ولكن لما رجع في العاقبة ضرر الخيانة إلى أنفسهم، صاروا كأنهم اختانوا أنفسهم كقوله: ﴿ وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُم ﴾ لا أحد يقصد قصد خداع نفسه؛ لكن لما رجع في العاقبة حاصل الخداع إليهم - صاروا كأنهم خدعوا أنفسهم؛ فعلى ذلك الأول، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
ولا تضعفوا -أيها المؤمنون- ولا تكسلوا في طلب عدوكم من الكافرين، فإن كنتم تتوجعون لما يصيبكم من القتل والجراح فإنهم كذلك يتوجعون كما تتوجعون، ويصيبهم مثل ما يصيبكم، فلا يكن صبرهم أعظم من صبركم، فإنكم ترجون من الله من الثواب والنصر والتأييد ما لا يرجونه، وكان الله عليمًا بأحوال عباده، حكيمًا في تدبيره وتشريعه.
<div class="verse-tafsir" id="91.gZoGE"
روى ابن جرير أن عكرمة قال: نزلت هذه الآية في غزوة أحد كما نزل فيها: ﴿ إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ ﴾ حين باتوا مثقلين بالجراح.
ثم جاء (الجلال) فنقل رأي عكرمة بالمعنى من غير فأخطأ في تصويره إذ قال إنها نزلت "لما بعث النبي طائفة في طلب أبي سفيان وأصحابه لما رجعا من أحد فشكوا الجراحات".
والمعروف في القصة أن الصحابة كانوا بعد غزوة أحد يرغبون اقتفاء أثر أبي سفيان على إثقالهم بالجراح.
ولا حاجة في فهم الآية إلى ما ذكر بل هو مناف للأسلوب البليغ إذ القصة ذكرت في سورة آل عمران تامة وهذه جاءت في سياق أحكام أخرى.
كان الكلام فيما سبق في شأن الحرب وما يقع فيها، وبيان كيفية الصلاة في أثنائها، وما يراعى فيها إذا كان العدو متأهبًا للحرب من اليقظة وأخذ الحذر وحمل السلاح في أثنائها، وبيّن للمؤمنين في هذا السياق شدة عداوة الكفار لهم وتربصهم غفلتهم وإهمالهم ليوقعوا بهم.
بعد هذا نهى عن الضعف في لقائهم، وإقامة الحجة على كون المشركين أجدر بالخوف منهم، لأن ما في القتال والاستعداد من الألم والمشقة يستوي فيه المؤمن والكافر، ويمتاز المؤمن بأن عنده من الرجاء بالله ما ليس عند الكافر، فهو يرجو منه النصر الذي وعد به، ويعتقد أنه قادر على إنجاز وعده، ويرجو ثواب الآخرة على جهاده لأنه في سبيل الله، وقوة الرجاء تخفف كل ألم وربما تذهب الإنسان عنه وتنسيه إياه.
<div class="verse-tafsir"