الإسلام > القرآن > تفسير > البسيط > سورة 4 النساء > الآية ١٣٧
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 6 دقيقة قراءةقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ﴾ الآيةْ اختلفوا في هذه الآية، فذهب الأكثرون إلى أن المراد به اليهود.
وهو قول ابن عباس في رواية عطاء، قال: "هم قريظة والنضير" (١) ونحو ذلك قال الكلبي وقتادة: آمنت اليهود بالتوراة، ثم كفرت بمخالفتها، ثم آمنت بالإنجيل، ثم كفرت بمخالفته (٢) وقال بعضهم: إن اليهود آمنوا بالتوراة وموسى، ثم كفروا بعزير، ثم آمنوا بداود، ثم كفروا بعيسى (٣) وكيف ما كان الأمر فقد أخبر الله عنهم بترددهم في الكفر.
وقال مجاهد وابن زيد: نزلت في المنافقين، آمنوا، ثم ارتدوا، ثم آمنوا، ثم ارتدوا (٤) واختيار أبي علي أن هذا يُعني به المنافقون، قال: فالإيمان الأول دخولهم في الإسلام، وحقنُهم الدماء والأموال به، وكفرهم بعد نفاقهم، وأنَّ باطنهم على غير ظاهرهم.
(وإيمانهم بعد نفيهم نفاقهم) (٥) ﴿ إِنَّا مُؤْمِنُونَ ﴾ ، في قوله: ﴿ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا ﴾ ، فهذا بعد الإظهار منهم للإيمان ثانية، يدخلون به في حكم الإسلام بعد الكفر، كما أن من جاء من المؤمنات مظهرات للإسلام داخلات في حكمه، لقوله: ﴿ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ ﴾ فعُلِمن مؤمنات بما أظهرنه من ذلك، فكذلك هؤلاء، يكونون مؤمنين بإظهارهم الإيمان، بعدما علم منهم النفاق، وكفرهم بعد هذا الإيمان الثاني، قولهم إذا خلوا إلى شياطينهم، أي أصحابهم: ﴿ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ ﴾ (٦) وقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا ﴾ قال الكلبي وقتادة: بمحمد والقرآن (٧) وقال مجاهد والسدي والحسن: ماتوا على كفرهم (٨) وقال أبو العالية: ثم ازدادوا كفرًا بذنوب أصابوها في كفرهم (٩) قال أبو عبيد: جعل أبو العالية إصابة الذنوب زيادة في الكفر، كما أن أعمال البر زيادةٌ في الإيمان (١٠) وقال أبو علي: ما ازدادوه من الكفر إنما هو بقولهم: ﴿ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ ﴾ فهذا زيادة في الكفر.
ويدل على أنَّ المستهزئ (١١) ﴿ وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ ﴾ إلى قوله: ﴿ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ ﴾ ، فإذا كان المجالس مثلهم وإن لم يُظهر ذلك ولم يعتقده، فالقاتل لذلك أشد ذهابًا في الكفر (١٢) وقوله تعالى: ﴿ لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ ﴾ إن قيل: إن الله عز وجل لا يغفر الكفر وقد أخبر به، فلم قال ههنا فيمن آمن ثم كفر، ثم آمن ثم كفر: ﴿ لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ ﴾ ؟
فالجواب: أن الله تعالى يغفر للكافرين (١٣) وهذا جواب ذكره الزجاج (١٤) (١٥) وكذلك قالوا في الذنوب: أن من تاب من ذنب ثم عاد في مثله، فقال القاضي أبو بكر من أصحابنا (١٦) (١٧) (١٨) وقال الآخرون -وهو الاختيار-: إنَّ حكم ما تاب عنه بات على الصحة، وإن عاد إلى مثل ما تاب عنه (١٩) وعلى هذا فالجواب أن يقال: إن هذا إخبار عن قوم انتقلوا عن الكفر إلى الإيمان، وعن الإيمان إلى الكفر (...
و ....
(٢٠) (٢١) وأما من قال: إنه إذا كفر ثانيًا أخذ بالأول، فقد غلط (٢٢) وقال الكلبي: "لم يكن الله ليغفر لهم ما أقاموا على ذلك" (٢٣) وذلك أن الله تعالى أخبر أنه يغفر كفر الكافر إذا انتهى، فإذا أطلق القول بأنه لا يغفر لهم على (٢٤) وقوله تعالى: ﴿ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا ﴾ قال الكلبي وغيره: سبيل هدى (٢٥) ﴿ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا ﴾ أي: لا يجعلهم بكفرهم مهتدين (٢٦) وفي هذا دليل على أن الله تعالى لم يهد الكافر إلى الإيمان، خلافًا لقول القدرية (٢٧) (١) لم أقف عليه.
(٢) المأثور عن قتادة كما في الطبري 5/ 327 أن المراد اليهود والنصارى.
وانظر: " الكشف والبيان" 4/ 133 أ، و"النكت والعيون" 1/ 535.
(٣) نسب هذا القول لابن عباس.
انظر: "زاد المسير" 2/ 225، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 100.
(٤) أخرج القول عنهما الطبري 5/ 327، وانظر: "النكت والعيون" 1/ 536 - 537، و"زاد المسير" 2/ 225 و"الدر المنثور" 2/ 415.
(٥) في "الحجة" لأبي علي 1/ 324: "وإيمانهم بعد يقيهم نفاقهم".
(٦) "الحجة" لأبي علي 1/ 234.
(٧) عن الكلبي انظر:"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 100، أما عن قتادة فأخرجه الطبري 9/ 315.
(٨) أخرجه عن مجاهد: الطبري 5/ 327.
وانظر: "الكشف والبيان" 4/ 133 أ، وذكره عن الحسن الهواري في "تفسير كتاب الله العزيز" 1/ 431.
ولم أقف عليه عن السدي.
وقد أخرج ابن أبي حاتم مثله عن ابن عباس.
انظر: "تفسير ابن كثير" 1/ 624، و"الدر المنثور" 2/ 415.
(٩) لم أقف عليه.
(١٠) لم أقف عليه.
(١١) في المخطوط: "المستهزئين"، والتصويب من "الحجة" 1/ 234.
(١٢) "الحجة" لأبي علي 1/ 234، 235.
(١٣) هكذا في المخطوط، والإفراد أظهر.
(١٤) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 120.
(١٥) لم أقف عليه.
(١٦) لعله شيخ الواحدي: أبو بكر الحيري.
(١٧) هكذا في المخطوط بالصاد المهملة، ولعلها بالضاد المعجمة.
(١٨) لم أقف عليه.
(١٩) الراجح -حسب ما ورد به الدليل- هو القول الأول كما قال ابن مسعود قال: قال رجل: يا رسول الله، أنؤاخذ بما عملنا في الجاهلية؟
قال: "من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية، ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر".
أخرجه البخاري (6921) كتاب: استتابة المرتدين، باب: إثم من أشرك بالله، ومسلم (120) كتاب: الإيمان، باب: هل يؤاخذ بأعمال الجاهلية، وانظر: "زاد المسير" 2/ 225، والقرطبي 5/ 415.
(٢٠) هنا كلمة غير واضحة، ولعلها: "وتفحيش" أو "تقبيح".
(٢١) هكذا في المخطوط، ولعل الصواب: "المعنيون" بتقديم النون.
(٢٢) هذا الحكم فيه نظر؛ لأنه تقدم الحديث الصحيح الذي يدل على أن من كفر بعد إسلامه، أخذ بالأول والآخر.
(٢٣) انظر: "زاد المسير" 2/ 225، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 100.
(٢٤) هكذا في المخطوط، ولعلها: عُلم.
(٢٥) انظر: "الكشف والبيان" 4/ 133 أ، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 100.
(٢٦) "معانى القرآن وإعرابه" 2/ 120.
(٢٧) انظر: "الكشف والبيان" 4/ 133 ب، والقرطبي 5/ 416.
<div class="verse-tafsir"