تفسير سورة النساء الآية ٣٠ عند البسيط

الإسلام > القرآن > تفسير > البسيط > سورة 4 النساء > الآية ٣٠

وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ عُدْوَٰنًۭا وَظُلْمًۭا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًۭا ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرًا ٣٠

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 8 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

وقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا ﴾ الآية.

كان ابن عباس يقول: الإشارة تعود إلى كل ما نُهي عنه من أول سورة النساء إلى هذا الموضع (١) وقال ابن جريج: قلت لعطاء: أفي كل ذلك؟

قال: لا، ولكن في قتل النفس (٢) (٣) وقال قوم: الوعيد راجع إلى أكل المال بالباطل وقتل النفس المحرمة، فالوعيد بكل واحدة من الخصلتين.

وهذا اختيار الزجاج، قال: وعد الله عز وجل على أكل المال ظلمًا، وعلى القتل عدوانًا النار.

قال: ومعنى العدوان أن يعدوا ما أُمِر به (٤) والأظهر هذا القول؛ لاتصال الوعيد بذكر النهي عن الأمرين.

وقوله تعالى: ﴿ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا ﴾ يقال: يسر الشيء فهو يسير، وهو ضد عسير (٥) (٦) 31 - قوله تعالى: ﴿ إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ ﴾ الآية.

الاجتناب والتجنّب والمجانبة المُباعدة عن الشيء وتركه جانبًا (٧) وقالت تَجَنَّبنا ولا تَقْرَبنَّنا ...

فَكَيف وأنتم حاجَتِي أَتَجَنَّبُ (٨) وسنذكر هذا ملخصًا عند قوله: ﴿ وَالْجَارِ الْجُنُبِ  ﴾ إن شاء الله.

واختلفوا في الكبائر ما هي؟

فروى عبد الله بن عمرو (٩)  قال: "الكبائر: الإشراك بالله، واليمين الغموس، وعقوق الوالدين، وقتال النفس" (١٠) وروى أبو هريرة عنه  أنه قال: "الكبائر أولهن الإشراك بالله، وقتل النفس بغير حقها، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم بِدارًا أن يكبَروا، وفرارٌ يوم الزحف، ورمي المحصنة، والانقلاب إلى الأعراب بعد الهجرة" (١١) وقال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير: كل شيء عُصِي اللهُ فيه فهو كبيرة، فمن عمل منها شيئًا فليستغفر الله، فإن الله لا يُخلّد في النار من هذه الأمة إلا راجعًا عن الإسلام، أو جاحد فريضة، أو مكذبًا بقدر (١٢) وقال في رواية علي بن أبي طلحة: هي كل ذنب ختمه الله عز وجل بنار، أو غصب، أو لعنة، أو عذاب (١٣) وهذا قول الحسين (١٤) (١٥) وروى السدي، عن أبي مالك، قال: ذكروا الكبائر عند عبد الله بن مسعود، فقال عبد الله بن مسعود: افتتحوا سورة النساء، فكل شيء نهى الله عنه حتى ثلاث وثلاثين آية (١٦) ثم قال: مصداق ذلك: ﴿ إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ ﴾ الآية (١٧) (١٨) والصحيح أنه ليس لها حدّ يعرفه العباد وتتميّز به من الصغائر تميُّزَ إشارة، ولو عُرف ذلك لكانت الصغائر مباحة، ولكن الله تعالى يعلم ذلك وأخفاه عن العباد، ليجتهد كل أحد في اجتناب ما نهى عنه رجاء أن يكون مجتنب الكبائر.

ونظير هذا في الشريعة إخفاء الصلاة الوسطى في الصلوات، وليلة القدر في ليالي رمضان، وساعة الإجابة في ساعات الجمعة.

يؤكد هذا ما رُوي عن ابن جبير أنه قال: سأل رجل ابن عباس عن الكبائر أسبع هي؟

قال: هي إلى السّبعمائة أقرب، إلا أنه لا كبيرة مع الاستغفار ولا صغيرة مع الإصرار (١٩) وقال السدي: الكبائر ما رآه الناس بينهم فاحشة قبيحة.

وذهب في هذا إلى معنى اللفظ، وذلك أن حقيقة الكبائر ما كَبُر وعظُم من الذنوب.

قاله الزجاج (٢٠) وقوله تعالى: ﴿ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ ﴾ .

السيئات المكفّرة باجتناب الكبائر هي ما دون الكبائر، والمعاصي مما يجتمع في عمله أهل الصلاح وأهل الفسق، مثل النظرة والكذبة واللمسة والقُبلة، وأشباه ذلك.

وهذه تقع مكفّرةً بالصلوات الخمس، فقد قال  : "الخمس كفارات لما بينهن ما اجتنبت (٢١) (٢٢) (٢٣) وقوله تعالى: ﴿ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا ﴾ .

وقرئ (مَدخلا) (٢٤) ﴿ وَنُدْخِلْكُمْ ﴾ محتمل أمرين: أحدهما: أن يكون مصدرًا وتضمر له فعلًا دلّ عليه الفعل المذكور، وانتصابه بذلك الفعل المضمر.

والتقدير: وندخلكم فتدخلون مَدْخَلًا.

والثاني: أن يكون مكانًا، كأنه قال: وندخلكم مكانًا.

وهو على هذا التقدير منتصب بهذا الفعل المذكور (٢٥) ومن قرأ بضم الميم جاز أن يكون مكانًا، وأن يكون مصدرًا، فإن جعلته مصدرًا جاز أن تريد مفعولًا محذوفًا من الكلام، كأنه: وندخلكم الجنة مدخلًا كريمًا، أي إدخالًا كريمًا (٢٦) والأشبه على القراءتين أن يكون مكانًا؛ لأن المفسرين قالوا في قوله: ﴿ مُدْخَلًا كَرِيمًا ﴾ : هو الجنة (٢٧) ﴿ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ  ﴾ ، فوصف المكان بالكريم، فكذلك يكون قوله: ﴿ مُدْخَلًا ﴾ يراد به المكان مثل المقام.

ويجوز أن يكون المراد به الدخول أو الإدخال؛ فإن (٢٨) ﴿ الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ  ﴾ الآية (٢٩) ومعنى الكريم: الشريف الفاضل، قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ  ﴾ أي أفضلكم، وقال: ﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ  ﴾ أي شرفناهم وفضلناهم، ومنه قوله: ﴿ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ  ﴾ أي فضلت.

وزدنا بيانًا لمعنى الكريم في سورة الأنفال، عند قوله: ﴿ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ  ﴾ .

(١) انظر: "زاد المسير" 2/ 62، "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 83.

(٢) أخرجه بمعناه الطبري 5/ 36، وابن المنذر كما في "الدر المنثور" 2/ 260.

(٣) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 410.

(٤) "معاني الزجاج" 2/ 44.

لكن آخر كلام الزجاج: وعلى القتال النار.

(٥) انظر: "معاني الزجاج" 2/ 45.

(٦) انظر: "الطبري" 5/ 36.

(٧) انظر: "اللسان" 2/ 692 (جنب).

(٨) البيت ليزيد بن مفرغ الحميري في "ديوانه" ص 44، وبلا نسبة في "الأغاني" 18/ 278، و"الحماسة" 2/ 103، ومنسوبًا في "وفيات الأعيان" 6/ 352.

(٩) هو أبو محمد أو أبو عبد الرحمن عبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل السهمي القرشي صحابي فاضل، أسلم قبل أبيه وكان عالمًا بالقرآن والكتب المتقدمة ومن كتاب رسول الله  ويعد من العبادلة الفقهاء، توفي -رحمه الله- سنة 65هـ.

انظر: "أسد الغابة" 2/ 348، "سير أعلام النبلاء" 3/ 80، "الإصابة" 2/ 351.

(١٠) أخرجه البخاري (6675) كتاب الإيمان والنذور، باب: اليمين الغموس.

(١١) أخرجه بمعناه البخاري (2766) كتاب الوصايا، باب: 23 قول الله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا ﴾ 3/ 195، ومسلم (89) كتاب الإيمان، باب: == بيان الكبائر 1/ 92 (ح 145).

وأخرجه بهذا اللفظ الثعلبي -شيخ المؤلف- في "الكشف والبيان" 4/ 44، 45.

(١٢) أخرجه من أوله إلى قوله: فهو كبيرة الطبري 5/ 41.

وقد ضعف هذا القول ابن الجوزي في "زاد المسير" 2/ 66.

(١٣) "تفسير ابن عباس" ص 144، وأخرجه ابن جرير 5/ 41.

(١٤) هكذا والظاهر أن الصواب: الحسن.

انظر: "زاد المسير" 2/ 66، وابن كثير 1/ 531.

(١٥) أخرجه عن سعيد بن جبير والضحاك بمعناه دون التمثيل بقتل النفس وما بعده من الطبري 5/ 42، وانظر "زاد المسير" 2/ 62.

(١٦) في (أ): (أنه)؛ ولعله تصحيف، فهو مخالف للآثار الواردة.

(١٧) أخرجه من طريق السدي الثعلبي في "الكشف والبيان" 4/ 45 أ، ب، وأخرجه من طرق أخرى بنحوه الطبري 5/ 37، وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد بلفظ قريب من هذا اللفظ.

انظر "الدر المنثور" 2/ 260.

(١٨) انظر: "تفسير مقاتل" بن سليمان 1/ 369، "بحر العلوم" 1/ 349.

(١٩) أخرجه الطبري 5/ 41، وابن المنذر وابن أبي حاتم، انظر: "الدر المنثور" 2/ 261.

(٢٠) "معانى القرآن وإعرابه" 2/ 45.

(٢١) في (أ): (ما اجتنب).

(٢٢) هذه الكلمة ليست في (د).

(٢٣) أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة بلفظ: " الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن إذا اجتنب الكبائر" (233) كتاب الطهارة، باب: 5 الصلوات الخمس.

(٢٤) هذه القراءة لأبي جعفر ونافع.

انظر: "الحجة" 3/ 153، "المبسوط" ص 156، "النشر" 2/ 249.

(٢٥) الوجهان لهذه القراءة من "الحجة" 3/ 153، 154 بتصرف.

(٢٦) انظر: "الحجة" 3/ 154.

(٢٧) انظر: "الطبري" 5/ 45 - 46 (٢٨) في "الحجة" 3/ 154 - والكلام من قوله: والأشبه- له وجاء هذا الحرف (وإن) وهو أصوب.

(٢٩) انتهى من "الحجة" 3/ 154.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله