تفسير سورة النساء الآية ٤٠ عند البسيط

الإسلام > القرآن > تفسير > البسيط > سورة 4 النساء > الآية ٤٠

إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍۢ ۖ وَإِن تَكُ حَسَنَةًۭ يُضَـٰعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًۭا ٤٠

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 8 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

قوله تعالى: ﴿ {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ﴾ الآية.

قد ذكرنا أن الظلم يستعمل في معان كثيرة.

وهو ههنا بمعنى النقص.

قال ابن عباس: يريد لا ينقص مثقال ذرة (١) والمثقال مقدار الشيء في الثِّقل.

وهو مفعال من الثقل، يقال: هذا على مثقال هذا، أي وزن هذا.

ومعنى ﴿ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ﴾ : أي ما يكون وزنه وزن الذرة (٢) وأما الذرة فهي النملة الحميراء الصغيرة في قول أهل اللغة (٣) (٤) (٥) وروى يزيد بن الأصم (٦) (٧) والمراد من هذا: لا يظلم قليلًا ولا كثيرًا، ولكن الكلام خرج على أصغر ما يتعارفه الناس، يدل على هذا قوله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا  ﴾ .

قال ابن عباس: نزل قوله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ﴾ في المنافقين، وقوله تعالى: ﴿ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً ﴾ في المؤمنين.

يقول: لا ينقص ﴿ مِثْقَالَ ﴾ (٨) (٩) وقال آخرون: هذا على العموم (١٠)  قال: "وإن الله لا يظلم حسنة، أما المؤمن فيثاب عليها الرزق في الدنيا، ويجزى بها في الآخرة.

وأما الكافر فيُطعم بها في الدنيا، فإذا كان يوم القيامة لم تكن له حسنة" (١١) وذهب بعضهم إلى تأويل هذه الآية: إن الله لا يظلم مثقال ذرة للخصم على الخصم، بل يأخذ له ومنه، ولا يظلم مثقال ذرة تبقى للخصم، بل يثيبه عليها ويُضعفها له.

واحتجوا بما روي عن ابن مسعود أنه قال: يُؤتى بالعبد يوم القيامة وينادي منادٍ على رؤوس الأولين والآخرين: هذا فلان بن فلان، من كان له عليه حق فليأت إلى حقه.

ثم يقال له: آت هؤلاء حقوقهم.

فيقول: يا رب من أين وقد ذهبت الدنيا.

فيقول الله لملائكته في أعماله الصالحة: فأعطوهم منها، فإن بقي مثقال ذرة من حسنة ضعّفها الله تعالى لعبده وأدخله الجنة بفضل رحمته.

ومصداق ذلك في كتاب الله ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ﴾ (١٢) وقوله تعالى: ﴿ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً ﴾ .

الأصل: وإن تكن (بالنون) كقوله: ﴿ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا  ﴾ ، وذلك أن النون إذا سكنت (١٣) ووجه شبه النون بحروف اللين أنَّ الغنة التي في النون كاللين الذي في حروف اللين، وأيضًا فإنها تحذف لالتقاء الساكنين، كما حذفوهن كلذلك في نحو: غزا القوم، وتغطي ابنك وتصبو (١٤) (١٥) (١٦) فلست بآتيه ولا أستطيعه ...

ولكِ اسقني إن كان ماؤك ذا فضل (١٧) وأنشد قُطرب: لم يك الحق سوى أن هاجه ...

رسم دار قد تعفى بالسِّرر (١٨) يريد بالأول: ولكن، والثاني: لم يكن، فلم يحرِّكا وحذفا.

جعلوا النون أيضًا علمًا للرفع في نحو: يقومان ويقومون وتقومين، كما جعلوا الواو والألف علمًا له، نحو: أخوك وأبوك، والزيدان، والزيدون، إلى غير ذلك مما يطول ذكره (١٩) وقرئ قوله: (حسنةٌ) بالرفع والنصب (٢٠) والنصب حسن، لتقدم ذكر (مثقال ذرة)، فتجعل الذرة اسمًا وحسنة الخبر، على تقدير: وإن تكن الذرة حسنةً يضاعفها الله (٢١) قال ابن عباس: ﴿ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً ﴾ يريد: من مؤمن ﴿ يُضَاعِفْهَا ﴾ يريد: عشرة أضعافها (٢٢) وقال السدي: هذا عند الحساب والقصاص (فمن بقي له من الحسنات شيء يضاعفه بسبع مائة، وإلى الأجر العظيم (٢٣) ولهذا كان يقول بعض الصالحين: فُصَلت (٢٤) (٢٥) (٢٦) وقوله تعالى: ﴿ وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾ قال عطاء: يريد من عنده أجرًا عظيمًا يتفضل عليه بأكثر من العشرة الأضعاف (٢٧) وقال الكلبي: الأجر العظيم الجنة (٢٨) وقال الحسن: هذا أحب إلى العلماء؛ أن لو قال: الحسنة بمائة ألف وهو كقوله: ﴿ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ  ﴾ ، ولم يقل مثل ألف شهر (٢٩) وقال أبو عثمان النهدي (٣٠) (٣١) (٣٢) ﴿ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾ فمن يقدر قدره (٣٣) وسنذكر اللغات في لدن والكلام فيه في سورة الكهف إن شاء الله.

(١) أورده المصنف في "الوسيط" 2/ 550 من رواية عطاء ولم أقف عليه، وانظر: "الكشف والبيان" (4/ 55/ أ).

(٢) انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 119، والطبري 5/ 88، "معاني الزجاج" 2/ 52، "النكت والعيون" 1/ 488.

(٣) انظر: "اللسان" 3/ 1494 (ذرر).

(٤) أخرج الأثر عنه - الطبري 5/ 89، وذكره الثعلبي (4/ 55 أ)، وانظر: "زاد المسير" 2/ 85، "الدر المنثور" 2/ 290.

(٥) لم أقف على قوله، وقد خرج الطبري مثل هذا القول عن يزيد بن هارون كما في "تفسير الطبري" 5/ 89، فيحتمل أن "يزيد" تصحف من النساخ إلى "ابن زيد" والله أعلم.

(٦) هو أبو عوف يزيد بن عمرو (الأصم) بن عبيد البكائي المدني، من ثقات التابعين، وهو ابن خالة ابن عباس  ما توفي -رحمه الله- سنة 103هـ.

انظر: "تاريخ الثقات" 2/ 360، "التقريب" رقم (7685).

(٧) انظر: "زاد المسير" 2/ 85.

(٨) ليس في (د).

(٩) لم أقف عليه، وانظر: "تنوير المقياس" بهامش المصحف ص 85.

(١٠) أي عموم المؤمنين والكافرين.

(١١) أخرجه مسلم (2808) كتاب صفات المنافقين باب: جزاء المؤمن بحسناته في الدنيا والآخرة وتعجيل حسنات الكافر في الدنيا.

(١٢) أخرجه بنحوه الطبري 5/ 89 - 90 بأكثر من طريق، وابن أبي حاتم ونقله ابن كثير 1/ 544 عنه بإسناده ثم قال: "ولبعض هذا الأثر شاهد في الحديث الصحيح" وصحح إسناد ابن أبي حاتم أحمد شاكر في تحقيقه للطبري، وقال عن هذا الأثر: "والحديث أثر موقوف على ابن مسعود، ولكني أراه من المرفوع حكمًا، فإن ما ذكره ابن مسعود مما لا يعرف بالرأي، وما كان ابن مسعود ليقول هذا من عند نفسه، وليس هو ممن ينقل عن أهل الكتاب ولا يقبل الإسرائيليات".

وانظر: "الدر المنثور" 2/ 290.

(١٣) في (د): (سقطت).

(١٤) هكذا في: (أ) ولعل الصواب بدون ألف.

(١٥) هكذا في: (أ) بالباء الموحدة، ولعل الصواب: "ولا الياء" بالمثناة التحتية، وهو كما في (د).

(١٦) انظر: "سر صناعة الإعراب" 2/ 540، 540، "الخصائص" 1/ 90، "عمدة الحفاظ" ص (505) (كون).

(١٧) الكتاب 1/ 27، وعزا البيت للنجاشي (قيس بن عمرو الحارثي) وهو يصف ذئبًا.

انظر: "الخصائص" 1/ 310، "سر صناعة الإعراب" 2/ 440، 541 بتحقيق هنداوي "الإنصاف" ص 546 بتحقيق عبد الحميد.

(١٨) البيت لحسيل بن عرفطة (شاعر جاهلي) والضمير في "هاجه" يعود على عائق في بيت قبله، "السرر" اسم موضع قرب مكة.

انظر: "النوادر" لأبي زيد ص (77)، "سر صناعة الإعراب" 2/ 440، 540 بتحقيق هنداوي، "الخصائص" 1/ 90.

(١٩) "سر صناعة الإعراب" 2/ 440، وانظر: "الكتاب" 1/ 19.

(٢٠) بالرفع لأبي جعفر ونافع وابن كثير، وبالنصب لبقية العشرة انظر: "السبعة" ص 233، "الحجة" 3/ 160، "المبسوط" ص (156)، "النشر" 2/ 249.

(٢١) انظر: "الحجة" 3/ 160، "إعراب القراءات السبع" 1/ 133، "معاني القراءات" 1/ 308.

(٢٢) أورده المؤلف في "الوسيط" 2/ 551، وانظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 85.

(٢٣) لم أقف عليه.

(٢٤) هكذا، ولعل الصواب: "لو فضلت".

(٢٥) هذا القول لقتادة، أخرجه عنه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 160، والطبري 5/ 88.

(٢٦) ما بين القوسين لم يتضح كاملا في (أ) بسبب الطمس والتآكل في النسخة.

(٢٧) أورده المؤلف في "الوسيط" 2/ 552 دون نسبة لعطاء، ولم أقف عليه.

(٢٨) انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 85، وقد ورد هذا التفسير عن ابن مسعود، وسعيد بن جبير وابن زيد.

أخرج ذلك عنهم الطبري 5/ 91 - 92.

(٢٩) لم أقف عليه.

(٣٠) هو عبد الرحمن بن مل -بميم مثلثة ولام ثقيلة- النهدي، مشهور بكنيته، من كبار الرواة الثقاة وهو من المخضرمين، وكان من العباد.

توفي -رحمه الله- سنة 95 هـ.

وله من العمر 130 سنة أو أكثر.

انظر: "سير أعلام النبلاء" 4/ 175، "تقريب التهذيب" ص (351) (4017).

(٣١) تقدمت ترجمته.

(٣٢) في (د): (ألف ألف).

(٣٣) أخرجه بنحوه وآخره مرفوعًا الإمام أحمد 2/ 296، والطبري 5/ 91، والثعلبي 4/ 57، وعزاه ابن كثير 1/ 545 إلى ابن أبي حاتم والسيوطي في "الدر المنثور" 2/ 291 إلى ابن أبي شيبة أيضًا.

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله