الآية ٤٠ من سورة النساء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 4 النساء > الآية ٤٠ من سورة النساء

إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍۢ ۖ وَإِن تَكُ حَسَنَةًۭ يُضَـٰعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًۭا ٤٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 129 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤٠ من سورة النساء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤٠ من سورة النساء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يخبر تعالى أنه لا يظلم عبدا من عباده يوم القيامة مثقال حبة خردل ولا مثقال ذرة ، بل يوفيها به ويضاعفها له إن كانت حسنة ، كما قال تعالى ( ونضع الموازين القسط [ ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين ] ) [ الأنبياء : 47 ] وقال تعالى مخبرا عن لقمان أنه قال : ( يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها الله [ إن الله لطيف خبير ] ) [ لقمان : 16 ] وقال تعالى : ( يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم .

فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره .

ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ) وفي الصحيحين ، من حديث زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي سعيد الخدري ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث الشفاعة الطويل ، وفيه : فيقول الله عز وجل : " ارجعوا ، فمن وجدتم في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان ، فأخرجوه من النار " .

وفي لفظ : " أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان فأخرجوه من النار ، فيخرجون خلقا كثيرا " ثم يقول أبو سعيد : اقرؤوا إن شئتم : ( إن الله لا يظلم مثقال ذرة [ وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما ] ) .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج ، حدثنا عيسى بن يونس ، عن هارون بن عنترة عن عبد الله بن السائب ، عن زاذان قال : قال عبد الله بن مسعود : يؤتى بالعبد والأمة يوم القيامة ، فينادي مناد على رؤوس الأولين والآخرين : هذا فلان بن فلان ، من كان له حق فليأت إلى حقه .

فتفرح المرأة أن يكون لها الحق على أبيها أو أخيها أو زوجها .

ثم قرأ : ( فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون ) [ المؤمنون : 101 ] فيغفر الله من حقه ما يشاء ، ولا يغفر من حقوق الناس شيئا ، فينصب للناس فينادى : هذا فلان بن فلان ، من كان له حق فليأت إلى حقه .

فيقول : رب ، فنيت الدنيا ، من أين أوتيهم حقوقهم ؟

قال : خذوا من أعماله الصالحة ، فأعطوا كل ذي حق حقه بقدر طلبته فإن كان وليا لله ففضل له مثقال ذرة ، ضاعفها الله له حتى يدخله بها الجنة ، ثم قرأ علينا : ( إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ) قال : ادخل الجنة ; وإن كان عبدا شقيا قال الملك : رب فنيت حسناته ، وبقي طالبون كثير ؟

فيقول : خذوا من سيئاتهم فأضيفوها إلى سيئاته ، ثم صكوا له صكا إلى النار .

ورواه ابن جرير من وجه آخر ، عن زاذان - به نحوه .

ولبعض هذا الأثر شاهد في الحديث الصحيح .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا أبو نعيم ، حدثنا فضيل - يعني ابن مرزوق - عن عطية العوفي ، حدثني عبد الله بن عمر قال : نزلت هذه الآية في الأعراب : ( من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ) [ الأنعام : 160 ] قال رجل : فما للمهاجرين يا أبا عبد الرحمن ؟

قال : ما هو أفضل من ذلك : ( إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما ) .

وحدثنا أبو زرعة ، حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير ، حدثني عبد الله بن لهيعة ، حدثني عطاء بن دينار ، عن سعيد بن جبير في قوله ( وإن تك حسنة يضاعفها ) فأما المشرك فيخفف عنه العذاب يوم القيامة ، ولا يخرج من النار أبدا .

وقد استدل له بالحديث الصحيح أن العباس قال : يا رسول الله ، إن أبا طالب كان يحوطك وينصرك فهل نفعته بشيء ؟

قال : " نعم هو في ضحضاح من نار ، ولولا أنا لكان في الدرك من النار " .

وقد يكون هذا خاصا بأبي طالب من دون الكفار ، بدليل ما رواه أبو داود الطيالسي في سننه حدثنا عمران ، حدثنا قتادة ، عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن الله لا يظلم المؤمن حسنة ، يثاب عليها الرزق في الدنيا ويجزى بها في الآخرة ، وأما الكافر فيطعم بها في الدنيا ، فإذا كان يوم القيامة لم يكن له حسنة " .

وقال أبو هريرة ، وعكرمة ، وسعيد بن جبير ، والحسن وقتادة والضحاك ، في قوله : ( ويؤت من لدنه أجرا عظيما ) يعني : الجنة .

وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الصمد ، حدثنا سليمان - يعني ابن المغيرة - عن علي بن زيد ، عن أبي عثمان قال : بلغني عن أبي هريرة أنه قال : بلغني أن الله تعالى يعطي عبده المؤمن بالحسنة الواحدة ألف ألف حسنة .

قال : فقضي أني انطلقت حاجا أو معتمرا ، فلقيته فقلت : بلغني عنك حديث أنك تقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن الله يعطى عبده المؤمن بالحسنة ألف ألف حسنة " قال أبو هريرة : لا بل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن الله عز وجل يعطيه ألفي ألف حسنة " ثم تلا ( يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما ) فمن يقدره قدره .

رواه الإمام أحمد فقال : حدثنا يزيد ، حدثنا مبارك بن فضالة ، عن علي بن زيد ، عن أبي عثمان قال : أتيت أبا هريرة فقلت له : بلغني أنك تقول : إن الحسنة تضاعف ألف ألف حسنة ؟

قال : وما أعجبك من ذلك ؟

فوالله لقد سمعت - يعني النبي صلى الله عليه وسلم - كذا قال أبي - يقول : " إن الله ليضاعف الحسنة ألفي ألف حسنة " .

علي بن زيد في أحاديثه نكارة ، فالله أعلم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (40) قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: " وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم &; 8-360 &; الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله "، فَإن الله لا يبخس أحدًا من خلقه أنفق في سبيله مما رزقه، من ثواب نفقته في الدنيا، ولا من أجرها يوم القيامة =" مثقال ذَرّة "، أي: ما يزنها ويكون على قدر ثِقَلها في الوزن، ولكنه يجازيه به ويُثيبه عليه، كما:- 9502 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة: أنه تلا " إن الله لا يظلم مثقال ذرّة وإن تَك حسنةً يضاعفها "، قال: لأنْ تفضُل حسناتي في سيئاتي بمثقال ذرّة، أحبُّ إليّ من الدنيا وما فيها.

(14) 9503 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: كان بعض أهل العلم يقول: لأنْ تفضُل حسناتي على سيئاتي ما يزن ذَرّة أحب إليّ من أن تكون لي الدنيا جميعًا.

* * * وأما " الذرة " فإنه ذكر عن ابن عباس أنه قال فيها، كما:- 9504 - حدثني إسحاق بن وهب الواسطيّ قال، حدثنا أبو عاصم قال: حدثنا شبيب بن بشر، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: " مثقال ذرة "، قال: رأس نَملة حَمراء.

(15) * * * = قال أبو جعفر: قال لي إسحاق بن وهب: قال يزيد بن هارون: زعموا أن هذه الذرّة الحمراء، ليس لها وزن.

(16) * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك صحّت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

9505 - حدثنا محمد بن المثنى ومحمد بن بشار قالا حدثنا أبو داود قال، حدثنا عمران، عن قتادة، عن أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الله لا يظلم المؤمن حسنةً، يُثابُ عليها الرزق في الدنيا، ويجزَى بها في الآخرة.

وأما الكافر فيُطعم بها في الدنيا، فإذا كان يومُ القيامة لم تكن له حسنةً.

(17) حدثنا موسى بن عبد الرحمن المسروقي قال، حدثنا جعفر بن عون قال، حدثنا هشام بن سعد قال، أخبرنا زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار: والذي نَفسي بيده، ما أحدكم بأشدّ مُناشَدَةً في الحق يراه مصيبًا له، من المؤمنين في إخوانهم إذا رأوا أن قد خَلصُوا من النار، يقولون: " أي ربنا، إخواننا، كانوا يصلّون معنا، ويصومون معنا، ويحجون معنا، ويجاهدون معنا، قد أخذتهم النار "!

فيقول الله لهم: " اذهبوا، فمن عرفتم صورته فأخرجوه "!

ويحرِّم صورتهم على النار، فيجدون الرجل قد أخذته النار إلى أنصاف ساقيه، وإلى ركبتيه، وإلى حَقْويه، فيخرجون منها بشرًا كثيرًا، ثم يعودون فيتكلمون، فيقول: " اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال قيراط خير فأخرجوه "!

فيخرجون منها بشرًا كثيرًا.

ثم يعودون فيتكلمون، فلا يزال يقولُ لهم ذلك حتى يقول: " اذهبوا، فمن وجدتم في قلبه مثقال ذَرّة فأخرجوه " = فكان أبو سعيد إذا حدَّث بهذا الحديث قال: إن لم تصدقوا، فاقرأوا: " إنّ الله لا يظلم مثقال ذَرّة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرًا عظيمًا " = فيقولون: " رَبنا لم نَذرْ فيها خيرًا ".

(18) 9507 - وحدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال، حدثني أبي وشعيب بن الليث، عن الليث، عن خالد بن يزيد، عن ابن أبي هلال، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدريّ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحوه.

(19) * * * وقال آخرون في ذلك، بما:- 9508 - حدثني به المثنى قال، حدثنا مسلم بن إبراهيم قال، حدثنا صدقة بن أبي سهل قال، حدثنا أبو عمرو، عن زاذان قال: أتيت ابن مسعود فقال: إذا كان يومُ القيامة، جمع الله الأولين والآخرين، ثم نادى مناد من عند الله: " ألا من كان يطلب مظلمةً فليجئ إلى حقه فليأخذه "!

قال: فيفرح والله المرءُ أن يَذُوب له الحقّ على والده، أو ولده، أو زوجته، فيأخذ منه، وإن كان صغيرًا (20) = ومصداق ذلك في كتاب الله تبارك وتعالى: فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ [سورة المؤمنون: 101] = فيقال له: " ائت هؤلاء حقوقهم " = أي: أعطهم حقوقهم = فيقول: " أي رب، من أين وقد ذهبت الدنيا "؟

فيقول الله لملائكته: " أي ملائكتي، انظروا في أعماله الصّالحة، وأعطوهم منها "!

فإن بقي مثقال ذَرّة من حسنة قالت الملائكة؛ وهو أعلم بذلك منها: " يا ربنا، أعطينا كل ذي حق حقه، وبقي له مثقال ذرة من حسنة " فيقول للملائكة: ضعِّفوها لعبدي، وأدخلوه بفضل رحمتي الجنة " = ومصداق ذلك في كتاب الله: " إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرًا عظيمًا "، أي: الجنة، يعطيها.

وإن فنيت حسناته وبقيت سيئاته، قالت الملائكة، وهو أعلم بذلك: " إلهنا، فنيت حسناته وبقي سيئاته، وبقي طالبون كثيرٌ"!

فيقول الله: " ضعِّفوا عليها من أوزارهم، واكتبوا له كتابًا إلى النار " (21) قال صدقة: أو صكًّا إلى جهنم، شك صَدَقة أيتهما قال.

(22) 9509 - وحدثت عن محمد بن عبيد، عن هارون بن عنترة، عن عبد الله بن السائب قال: سمعت زاذان يقول: قال عبد الله بن مسعود: يؤخذ بيد العبد والأمة يومَ القيامة، فينادي منادٍ على رؤوس الأولين والآخرين: " هذا فلان بن فلان، من كان له حق فليأت إلى حقه "، فتفرح المرأة أنْ يَذُوب لها الحق على أبيها، أو على ابنها، أو على أخيها، أو على زوجها، (23) ثم قرأ ابن مسعود: فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ [سورة المؤمنون: 101]، فيغفر الله تبارك وتعالى من حقه ما شاء، ولا يغفر من حقوق الناس شيئًا، فينصبُ للناس فيقول: " ائتوا إلى الناس حقوقهم "!

فيقول: " رب فنيت الدنيا، من أين أوتيهم حقوقهم؟

فيقول: " خذوا من أعماله الصالحة، فأعطوا كل ذي حقّ حقه بقدر مَظْلمته ".

فإن كان وليًّا لله، ففضل له مثقال ذرّة، ضاعفها له حتى يُدخله بها الجنة = ثمّ قرأ علينا: " إنّ الله لا يظلم مثقال ذرة " = وإن كان عبدًا شقيًّا، قال الملك: " رب فنيت حسناته، وبقي طالبون كثير "!

فيقول: " خذوا من سيئاتهم فأضيفوها إلى سيئاته، ثم صُكُّوا له صكًّا إلى النار ".

(24) * * * قال أبو جعفر: فتأويل الآية على تأويل عبد الله هذا: إن الله لا يظلم عبدًا وجب له مثقال ذَرّة قِبَل عبد له آخر في مَعاده ويوم لقائه فما فوقه، (25) فيتركه عليه فلا يأخذه للمظلوم من ظالمه، ولكنه يأخذه منه له، ويأخذ من كل ظالم لكل مظلوم تَبِعَتَهُ قِبَله (26) =" وإن تك حسنة يضاعفها "، يقول: وإن تُوجد له حسنة يضاعفها، بمعنى: يضاعف له ثوابها وأجرها =" ويُؤت من لدنه أجرًا عظيمًا "، يقول: ويعطه من عنده أجرًا عظيمًا،" والأجر العظيم " (27) الجنة، على ما قاله عبد الله.

* * * ولكلا التأويلين وجه مفهوم = أعني التأويل الذي قاله ابن مسعود، والذي قاله قتادة = وإنما اخترنا التأويل الأول، لموافقته الأثرَ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع دلالة ظاهر التنـزيل على صحته، إذ كان في سياق الآية التي قبلها، التي حث الله فيها على النفقة في طاعته، وذمِّ النفقة في طاعة الشيطان.

ثم وَصَل ذلك بما وعدَ المنافقين في طاعته بقوله: " إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرًا عظيمًا ".

واختلفت القرأة في قراءة قَوله: " وإن تك حسنة ".

فقرأت ذلك عامة قرأة العراق: ( وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً ) بنصب " الحسنة "، بمعنى: وإن تك زنةُ الذرّة حسنةً، يضاعفها.

* * * وقرأ ذلك عامة قرأة المدينة: ( وَإِنْ تَكُ حَسَنَةٌ )، برفع " الحسنة "، بمعنى: وإن توجد حسنةٌ، على ما ذكرت عن عبد الله بن مسعود من تأويل ذلك.

(28) وأما قوله: " يُضَاعفها "، فإنه جاء بـ " الألف "، ولم يقل: " يُضعِّفها "، لأنه أريد به في قول بعض أهل العربية: (29) يُضاعفها أضعافًا كثيرة، ولو أريد به في قوله (30) يضعِّف ذلك ضِعفين لقيل: " يضعِّفها " بالتشديد.

* * * ثم اختلف أهل التأويل في الذين وعدهم الله بهذه الآية ما وعدهم فيها.

فقال بعضهم: هم جميع أهل الإيمان بالله وبمحمد صلى الله عليه وسلم.

واعتلّوا في ذلك بما:- 9510 - حدثنا الفضل بن الصباح قال، حدثنا يزيد بن هارون، عن مبارك بن فضالة، عن علي بن زيد، عن أبي عثمان النهدي قال: لقيت أبا هريرة فقلت له: إنه بلغني أنك تقول: إن الحسنة لتُضَاعف ألفَ ألف حسنة!

قال: وما أعجبك من ذلك؟

فوالله لقد سمعته = يعني النبي صلى الله عليه وسلم = يقول: إن الله ليضاعف الحسنة ألفي ألف حسنة!

(31) وقال آخرون: بل ذلك: المهاجرون خاصة، دون أهل البوادي والأعراب.

واعتلوا في ذلك بما:- 9511 - حدثني محمد بن هارون أبو نشيط قال، حدثنا يحيى بن أبي بكير قال، حدثنا فضيل بن مرزوق، عن عطية العوفي، عن عبد الله بن عمير قال: نـزلت هذه الآية، في الأعراب: مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا [سورة الأنعام: 160] قال: فقال رجل: فما للمهاجرين؟

قال، ما هو أعظم من ذلك: " إنّ الله لا يظلم مثقال ذَرّة وإن تَكُ حسنةً يضاعفها ويُؤت من لدنه أجرًا عظيمًا "، وإذا قال الله لشيء: " عظيم "، فهو عظيم.

(32) * * * قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك بالصواب، قولُ من قال: " عُنى بهذه الآية المهاجرون دون الأعراب ".

(33) وذلك أنه غير جائز أن يكون في أخبار الله أو أخبار رسوله صلى الله عليه وسلم شيء يدفع بعضه بعضًا.

فإذْ كان صحيحًا وعْدُ الله من جاء من عباده المؤمنين بالحسنة من الجزاء عشرَ أمثالها، وَمنْ جاء بالحسنة منهم أن يضاعفها له = وكان الخبرَان اللذان ذكرناهما عنه صلى الله عليه وسلم صحيحين = كان غيرَ جائز إلا أن يكون أحدُهما مجملا والآخر مفسَّرًا، إذ كانت أخبارُه صلى الله عليه وسلم يصدِّق بعضها بعضًا.

وإذ كان ذلك كذلك، صحّ أن خبرَ أبي هريرة معناهُ أنّ الحسنة لَتُضاعف للمهاجرين من أهل الإيمان ألفي ألفُ حسنة، وللأعراب منهم عشر أمثالها، على ما رَوَى ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم = وأن قوله: مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ، يعني: من جاء بالحسنة من أعراب المؤمنين فله عشر أمثالها، ومن جاء بالحسنة من مهاجريهم يُضاعف له ويؤته الله من لدنه أجرًا = يعني يعطه من عنده =" أجرًا عظيمًا ".

يعني: عِوَضًا من حسنته عظيمًا، وذلك " العوض العظيم "، الجنة، كما:- 9512 - حدثني المثنى قال، حدثنا مسلم بن إبراهيم قال، حدثنا صدقة بن أبي سهل قال، حدثنا أبو عمرو، عن زاذان، عن ابن مسعود: " ويؤت من لدنه أجرًا عظيمًا "، أي: الجنة يعطيها.

(34) 9513 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، أخبرني عباد بن أبي صالح، عن سعيد بن جبير قوله: " ويؤت من لدنه أجرًا عظيمًا "، قال: الأجرُ العظيم، الجنة.

(35) 9514 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " ويؤت من لدنه أجرًا عظيمًا "، قال: " أجرًا عظيمًا "، الجنة.

------------------- الهوامش : (14) غفرانك اللهم!

إن ناشر المطبوعة يسيء إساءات لا عداد لها في تحريف الكلام ، وتصرفه على غير أصل من فهم أو أمانة ، فلم يحسن قراءة المخطوطة كما أثبتها ، فجعل ما فيها لغوًا وكتب مكانه"لأن تفضل حسناتي ما يزن ذرة ، أحب إلي من الدنيا وما فيها".

ولا أدري ، ما كان أغناه عن مثل هذا العمل المنكر!

(15) الأثر: 9504 -"إسحاق بن وهب بن زياد العلاف" أبو يعقوب الواسطي.

روى عنه البخاري ، وابن ماجه ، وأبو زرعة ، وأبو حاتم.

مترجم في التهذيب.

و"أبو عاصم" هو: الضحاك بن مخلد.

مضى مرارًا.

و"شيب بن بشر" روى عن أنس ، وعكرمة ، ثقة لين الحديث ، يخطئ كثيرًا.

مترجم في التهذيب.

(16) في المطبوعة: "إن هذه الدودة الحمراء" ، وهو خطأ محض ، وفي المخطوطة: "إن هذه الدود الحمراء" ، وهو تحريف.

(17) الحديث: 9505 - أبو داود: هو الطيالسي.

"عمران": هو ابن داور القطان.

والحديث في مسند الطيالسي: 2011 ، بهذا الإسناد.

ورواه الإمام أحمد في المسند ، من طريق همام ، عن قتادة: 12264 ، 12291 ، 14063 (ج3 ص123 ، 125 ، 283 حلبي).

وكذلك رواه مسلم 2: 344-345 ، من طريق همام.

ثم رواه من طرق أخر.

وذكره ابن كثير 2: 450 ، من رواية الطيالسي.

وذكره السيوطي 2: 163 ، ونسبه لهؤلاء.

(18) الحديث: 9506 - جعفر بن عون بن عمرو بن حريث ، المخزومي الكوفي: ثقة.

أخرج له الجماعة.

والحديث قطعة من حديث طويل في الشفاعة.

رواه الأئمة في الدواوين من أوجه كثيرة ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي سعيد الخدري: فرواه الطيالسي: 2179 ، عن خارجة بن مصعب ، عن زيد.

ورواه أحمد في المسند: 11144 (3: 16-17 حلبي) ، من طريق عبد الرحمن بن إسحاق ، عن زيد.

ورواه أيضًا: 11922 (3: 94-95 حلبي) ، من طريق معمر ، عن زيد.

ورواه مسلم 1: 66-67 ، من طريق حفص بن ميسرة ، عن زيد.

ثم رواه - ولم يذكر لفظه - من طريق جعفر بن عون ، عن هشام بن سعد.

وهي الطريق التي رواها الطبري هنا.

وستأتي الإشارة إلى رواية البخاري ، في الحديث التالي.

(19) الحديث: 9507 -"الليث": هو ابن سعد.

خالد بن يزيد: هو الجمحي المصري."ابن أبي هلال": هو سعيد بن أبي هلال المصري.

والحديث مكرر ما قبله.

ورواه البخاري 13: 358-361 (فتح) ، من طريق الليث بن سعد ، بهذا الإسناد.

وذكر ابن كثير 2: 449 قطعة منه ، نسبها للصحيحين.

(20) في المطبوعة: "فيفرح والله الصبي" ، وفي المخطوطة: "فيفرح والله الصر أن يذوب" ، وصواب قراءتها"المرء" كما أثبتها من المراجع المذكورة بعد.

"ذاب لي على فلان من الحق كذا ، يذوب" ، أي ثبت له ووجب.

(21) في المطبوعة: "ضعوا عليها من أوزارهم" ، وأثبت ما في المخطوطة.

وانظر الأثر التالي.

(22) الحديث: 9508 - صدقة بن أبي سهل: مترجم في التعجيل ، ص: 185-186.

والكبير 2 / 2 / 298 ، برقم: 2891 ، وابن أبي حاتم 2 / 1 / 434-435 ، برقم: 1907.

ولم يذكرا فيه جرحًا ، فهو ثقة.

وشيخه"أبو عمرو": لم أعرف من هو؟

ففي هذه الكنية كثرة.

"زاذان": هو الكندي الضرير.

وهو تابعي ثقة معروف.

وانظر الإسناد التالي لهذا.

(23) انظر تفسير"يذوب" ، فيما سلف ص: 363 ، تعليق رقم: 1.

(24) الحديث: 9509 - هو تكرار للذي قبله بنحوه.

ولكن الطبري جاء في أوله بصيغة التجهيل: "حدثت عن محمد بن عبيد".

فضاع هذا الإسناد بهذا التجهيل.

ونقله ابن كثير 2: 449-450 ، عن ابن أبي حاتم: "حدثنا أبو سعيد الأشج ، حدثنا عيسى بن يونس ، عن هارون بن عنترة ..." ، فزال الضعف عن أول الإسناد.

وهارون بن عنترة: مضى توثيقه وترجمته في: 405.

عبد الله بن السائب الكندي ، ويقال: الشيباني ، الكوفي: ثقة معروف.

روى عنه الأعمش والثوري.

وأخرج له مسلم.

فهذا الإسناد - عند ابن أبي حاتم - إسناد صحيح.

والحديث أثر موقوف على ابن مسعود.

ولكني أراه من المرفوع حكمًا.

فإن ما ذكره ابن مسعود مما لا يعرف بالرأي.

وما كان ابن مسعود ليقول هذا من عند نفسه: وليس هو ممن ينقل عن أهل الكتاب ، ولا يقبل الإسرائيليات.

وقد ذكره ابن كثير - كما قلنا - ثم قال: "ولبعض هذا الأثر شاهد في الحديث الصحيح" ونقله السيوطي 2: 163 ، وزاد نسبته لعبد بن حميد.

"الصك": الكتاب.

وقوله: "صكوا" فعل من"الصك" ، أي: اكتبوا له صكًا ، وهذا الفعل ، لم تذكره كتب اللغة ، وهذا شاهده.

(25) السياق: "وجب له مثقال ذرة...

فما فوقه".

(26) "التبعة" (بفتح التاء وكسر الباء) و"التباعة" (بكسر التاء): ما اتبعت به صاحبك من ظلامة أو حق لك عنده.

(27) انظر تفسير"الأجر" فيما سلف 2: 148 ، 512 / 5: 519 / 7: 501 (28) انظر معاني القرآن للفراء 1: 269.

(29) يعني أبا عبيدة في مجاز القرآن 1: 127 ونصه: "يضاعفها" أضعافًا = و"يضعفها" ضعفين.

(30) يعني: في قول أبي عبيدة.

(31) الحديث: 9510 - رواه أحمد في المسند: 7932 ، عن يزيد بن هارون ، بهذا الإسناد.

وهو حديث صحيح.

فصلنا القول في تخريجه في المسند.

وذكره ابن كثير 2: 451 ، عن رواية المسند ، ثم نقله من رواية ابن أبي حاتم بإسنادين.

ثم ذكره مرة أخرى من رواية ابن أبي حاتم ، عند تفسير الآية: 38 من سورة التوبة (ج4 ص168 -169).

وذكره السيوطي 2: 163 ، وقصر في تخريجه جدًا ، فلم ينسبه لغير الطبري.

وذكر نحوه قبله ، ونسبه لابن أبي شيبة فقط.

(32) الحديث: 9511 - هذا الإسناد ضعيف ، من أجل"عطية العوفي".

وقد بينا ضعفه فيما مضى: 305.

وأما شيخ الطبري"محمد بن هارون بن إبراهيم الربعي": فإنه ثقة.

مترجم في التهذيب.

والحديث نقله ابن كثير 2: 450 ، من رواية ابن أبي حاتم ، من طريق فضيل بن مرزوق ، بهذا الإسناد.

ولم يذكر شيئًا في تخريجه ، ولا في تعليله.

وذكره السيوطي 2: 162-163 ، وزاد نسبته لسعيد بن منصور ، وابن المنذر والطبراني.

(33) في المطبوعة: "المهاجرين" ، وأثبت ما في المخطوطة.

(34) الأثر: 9512 - هو من الأثر السالف رقم: 9508.

(35) الأثر: 9513 -"عباد بن أبي صالح ذكوان ، السمان" هو: "عبد الله بن أبي صالح".

قال البخاري في الصغير: "منكر الحديث".

وقال ابن معين: "ثقة" ، وقال الساجي: "ثقة ، إلا أنه روى عن أبيه ما لم يتابع عليه".

مترجم في التهذيب.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيماقوله تعالى : إن الله لا يظلم مثقال ذرة أي لا يبخسهم ولا ينقصهم من ثواب عملهم وزن ذرة بل يجازيهم بها ويثيبهم عليها .

والمراد من الكلام أن الله تعالى لا يظلم قليلا ولا كثيرا ؛ كما قال تعالى : إن الله لا يظلم الناس شيئا .

والذرة : النملة الحمراء ؛ عن ابن عباس وغيره ، وهي أصغر النمل .

وعنه أيضا رأس النملة .

وقال يزيد بن هارون : زعموا أن الذرة ليس لها وزن .

ويحكى أن رجلا وضع خبزا حتى علاه الذر مقدار ما يستره ثم وزنه فلم يزد على وزن الخبز شيئا .قلت : والقرآن والسنة يدلان على أن للذرة وزنا ؛ كما أن للدينار ونصفه وزنا .

والله أعلم .

وقيل : الذرة الخردلة ؛ كما قال تعالى : فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها .

وقيل غير هذا ، وهي في الجملة عبارة عن أقل الأشياء وأصغرها .

وفي صحيح مسلم عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله لا يظلم مؤمنا حسنة يعطى بها في الدنيا ويجزى بها في الآخرة وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل لله بها في الدنيا حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يجزى بها .قوله تعالى : وإن تك حسنة يضاعفها أي يكثر ثوابها .

وقرأ أهل الحجاز " حسنة " بالرفع ، والعامة بالنصب ؛ فعلى الأول " تك " بمعنى تحدث ، فهي تامة .

وعلى الثاني هي الناقصة ، أي إن تك فعلته حسنة .

وقرأ الحسن " نضاعفها " بنون العظمة .

والباقون بالياء ، وهي [ ص: 171 ] أصح ؛ لقوله ويؤت .

وقرأ أبو رجاء " يضعفها " ، والباقون " يضاعفها " وهما لغتان معناهما التكثير .

وقال أبو عبيدة : " يضاعفها " معناه يجعله أضعافا كثيرة ، " ويضعفها " بالتشديد يجعلها ضعفين .

من لدنه من عنده .

وفيه أربع لغات : لدن ولدن ولد ولدى ؛ فإذا أضافوه إلى أنفسهم شددوا النون ، ودخلت عليه " من " حيث كانت " من " الداخلة لابتداء الغاية و " لدن " كذلك ، فلما تشاكلا حسن دخول " من " عليها ؛ ولذلك قال سيبويه في لدن : إنه الموضع الذي هو أول الغاية .

أجرا عظيما يعني الجنة .

وفي صحيح مسلم من حديث أبي سعيد الخدري الطويل - حديث الشفاعة - وفيه : حتى إذا خلص المؤمنون من النار فوالذي نفسي بيده ما منكم من أحد بأشد مناشدة لله في استقصاء الحق من المؤمنين لله يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار يقولون ربنا كانوا يصومون معنا ويصلون ويحجون فيقال لهم أخرجوا من عرفتم فتحرم صورهم على النار فيخرجون خلقا كثيرا قد أخذت النار إلى نصف ساقيه وإلى ركبتيه ثم يقولون ربنا ما بقي فيها أحد ممن أمرتنا به فيقول جل وعز ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من خير فأخرجوه فيخرجون خلقا كثيرا ثم يقولون ربنا لم نذر فيها أحدا ممن أمرتنا به ثم يقول ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار من خير فأخرجوه فيخرجون خلقا كثيرا ثم يقولون ربنا لم نذر فيها ممن أمرتنا أحدا ثم يقول ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه فيخرجون خلقا كثيرا ثم يقولون ربنا لم نذر فيها خيرا .

وكان أبو سعيد الخدري يقول : إن لم تصدقوني بهذا الحديث فاقرءوا إن شئتم إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما وذكر الحديث .

وروي عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : يؤتى بالعبد يوم القيامة فيوقف وينادي مناد على رءوس الخلائق هذا فلان بن فلان من كان له عليه حق فليأت إلى حقه ثم يقول آت هؤلاء حقوقهم فيقول يا رب من أين لي وقد ذهبت الدنيا عني فيقول الله تعالى للملائكة انظروا إلى أعماله الصالحة فأعطوهم منها فإن بقي مثقال ذرة من حسنة قالت الملائكة يا رب - وهو أعلم بذلك منهم - قد أعطي لكل ذي حق حقه وبقي مثقال ذرة من حسنة فيقول الله تعالى للملائكة ضعفوها لعبدي وأدخلوه بفضل رحمتي الجنة ومصداقه " إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها " - وإن كان عبدا شقيا قالت الملائكة إلهنا فنيت حسناته وبقيت سيئاته وبقي طالبون كثير فيقول تعالى خذوا من سيئاتهم فأضيفوها إلى سيئاته ثم صكوا له صكا إلى النار .

فالآية على هذا التأويل في الخصوم ، وأنه تعالى لا يظلم مثقال ذرة للخصم على الخصم يأخذ له منه ، ولا يظلم مثقال ذرة تبقى له بل يثيبه عليها ويضعفها له ؛ فذلك قوله تعالى : وإن تك حسنة يضاعفها .

وروى أبو هريرة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن الله سبحانه يعطي عبده [ ص: 172 ] المؤمن بالحسنة الواحدة ألفي ألف حسنة وتلا إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما .

قال عبيدة : قال أبو هريرة : وإذا قال الله أجرا عظيما فمن الذي يقدر قدره !

وقد تقدم عن ابن عباس وابن مسعود : أن هذه الآية إحدى الآيات التي هي خير مما طلعت عليه الشمس .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يخبر تعالى عن كمال عدله وفضله وتنزهه عما يضاد ذلك من الظلم القليل والكثير فقال: { إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ } أي: ينقصها من حسنات عبده أو يزيدها في سيئاته، كما قال تعالى: { فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ } { وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا } أي: إلى عشرة أمثالها، إلى أكثر من ذلك، بحسب حالها ونفعها وحال صاحبها، إخلاصا ومحبة وكمالا.

{ وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا } أي: زيادة على ثواب العمل بنفسه من التوفيق لأعمال أخر، وإعطاء البر الكثير والخير الغزير.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( إن الله لا يظلم مثقال ذرة ) [ أدخل ابن عباس يده في التراب ثم نفخ فيها وقال : كل واحد من هذه الأشياء ذرة ، والمراد أنه لا يظلم .

لا قليلا ولا كثيرا ] .

ونظمه : وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا فإن الله لا يظلم أي : لا يبخس ولا ينقص أحدا من ثواب عمله مثقال ذرة ، وزن ذرة ، والذرة : هي النملة الحمراء الصغيرة ، وقيل : الذر أجزاء الهباء في الكوة وكل جزء منها ذرة ولا يكون لها وزن ، وهذا مثل ، يريد : إن الله لا يظلم شيئا ، كما قال في آية أخرى : " إن الله لا يظلم الناس شيئا " ( يونس 44 ) أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي ، أنا أبو عمر بكر بن محمد المزني ، أنا أبو بكر محمد بن عبد الله الحفيد ، أنا الحسين بن الفضل البجلي ، أنا عفان ، أنا همام ، أنا قتادة عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن الله لا يظلم المؤمن حسنة ، يثاب عليها الرزق في الدنيا ويجزى بها في الآخرة " ، قال : " وأما الكافر فيطعم بحسناته في الدنيا حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم يكن له حسنة يعطى بها خيرا " .

أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أنا أبو الطيب الربيع بن محمد بن أحمد بن حاتم البزار الطوسي ، أنا أحمد بن محمد بن الحسن ، أن محمد بن يحيى حدثهم ، أخبرنا عبد الرزاق وأخبرنا أبو سعيد عبد الله بن أحمد الطاهري ، أخبرنا جدي أبو سهل عبد الصمد بن عبد الرحمن البزار ، أنا أبو بكر محمد بن زكريا العذافري ، أخبرنا إسحاق بن إبراهيم الدبري أنا عبد الرزاق ، أنا معمر ، عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا خلص المؤمنون من النار وأمنوا ، فما مجادلة أحدكم لصاحبه في الحق يكون له في الدنيا بأشد مجادلة من المؤمنين لربهم في إخوانهم الذين أدخلو النار ، قال : يقولون ربنا إخواننا كانوا يصلون معنا ويصومون معنا ويحجون معنا فأدخلتهم النار ، قال : فيقول اذهبوا فأخرجوا من عرفتم منهم فيأتونهم فيعرفونهم بصورهم لا تأكل النار صورهم فمنهم من أخذته النار إلى أنصاف ساقيه ومنهم من أخذته إلى كعبيه فيخرجونهم ، فيقولون : ربنا قد أخرجنا من أمرتنا ، قال : ثم يقول : أخرجوا من كان في قلبه وزن دينار من الإيمان ، ثم من كان في قلبه وزن نصف دينار ، حتى يقول : من كان في قلبه مثقال ذرة " ، قال أبو سعيد رضي الله عنه : فمن لم يصدق هذا فليقرأ هذه الآية : " إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما " قال : فيقولون ربنا قد أخرجنا من أمرتنا فلم يبق في النار أحد فيه خير ، ثم يقول الله عز وجل : شفعت الملائكة ، وشفعت الأنبياء ، وشفع المؤمنون ، وبقي أرحم الراحمين ، قال : فيقبض قبضة من النار ، أو قال : قبضتين لم يعملوا لله خيرا قط قد احترقوا حتى صاروا حمما فيؤتى بهم إلى ماء يقال له : ماء الحياة فيصب عليهم فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل ، قال : فتخرج أجسادهم مثل اللؤلؤ في أعناقهم الخاتم : عتقاء الله فيقال لهم : ادخلوا الجنة فما تمنيتم أو رأيتم من شيء فهو لكم ، قال فيقولون : ربنا أعطيتنا ما لم تعط أحدا من العالمين ، قال : فيقول فإن لكم أفضل منه ، فيقولون : ربنا وما أفضل من ذلك؟

فيقول : " رضاي عنكم فلا أسخط عليكم أبدا " .

أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة ، أنا محمد بن أحمد بن الحرث ، أنا محمد بن يعقوب الكسائي ، أنا عبد الله بن محمود ، أنا إبراهيم بن عبد الله بن الخلال ، أنا عبد الله بن المبارك ، عن ليث بن سعد ، حدثني عامر بن يحيى ، عن أبي عبد الرحمن المعافري ، ثم الجيلي ، قال : سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله يستخلص رجلا من أمتي على رءوس الخلائق يوم القيامة فينشر عليه تسعة وتسعين سجلا كل سجل مثل مد البصر ، ثم يقول الله : أتنكر من هذا شيئا؟

أظلمك كتبتي الحافظون؟

فيقول : لا يا رب ، فيقول : أفلك عذر أو حسنة؟

فبهت الرجل ، قال : لا يا رب ، فيقول : بلى إن لك عندنا حسنة وإنه لا ظلم عليك اليوم ، فتخرج له بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله ، فيقول : أحضر وزنك ، فيقول : يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات ، فيقول : إنك لا تظلم ، قال : فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة ، فطاشت السجلات وثقلت البطاقة ، قال : فلا يثقل مع اسم الله شيء " .

وقال قوم : هذا في الخصوم .

وروي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : إذا كان يوم القيامة جمع الله الأولين والآخرين ثم نادى مناد ألا من كان يطلب مظلمة فليجيء إلى حقه فليأخذه ، فيفرح المرء أن يذوب له الحق على والده أو ولده أو زوجته أو أخيه ، فيأخذ منه وإن كان صغيرا ، ومصداق ذلك في كتاب الله تعالى : ( فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون ) ويؤتى بالعبد فينادي مناد على رءوس الأولين والآخرين : هذا فلان ابن فلان فمن كان له عليه حق فليأت إلى حقه فيأخذه ، ويقال آت هؤلاء حقوقهم فيقول : يا رب من أين وقد ذهبت الدنيا ، فيقول الله عز وجل لملائكته انظروا في أعماله الصالحة فأعطوهم منها فإن بقي مثقال ذرة من حسنة قالت الملائكة : يا ربنا بقي له مثقال ذرة من حسنة ، فيقول : ضعفوها لعبدي وأدخلوه بفضل رحمتي الجنة .

ومصداق ذلك في كتاب الله تعالى : ( إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ) وإن كان عبدا شقيا قالت الملائكة : إلهنا فنيت حسناته وبقي طالبون؟

فيقول الله عز وجل : خذوا من سيئاتهم فأضيفوها إلى سيئاته ، ثم صكوا له صكا إلى النار .

فمعنى الآية هذا التأويل : أن الله لا يظلم مثقال ذرة للخصم على الخصم بل أخذ له منه ولا يظلم مثقال ذرة تبقى له بل يثيبه عليها ويضعفها له ، فذاك قوله تعالى : ( وإن تك حسنة يضاعفها ) قرأ أهل الحجاز ( حسنة ) بالرفع ، أي : وإن توجد حسنة ، وقرأ الآخرون بالنصب على معنى : وإن تك زنة الذرة حسنة يضاعفها ، أي : يجعلها أضعافا كثيرة .

( ويؤت من لدنه أجرا عظيما ) قال أبو هريرة رضي الله عنه : إذا قال الله تعالى أجرا عظيما فمن يقدر قدره؟

.

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«إن الله لا يظلم» أحدا «مثقال» وزن «ذرَّة» أصغر نملة بأن ينقصها من حسناته أو يزيدها في سيئاته «وإن تك» الذرة «حسنة» من مؤمن وفي قراءة بالرفع فكان تامة «يضاعفها» من عشر إلى أكثر من سبعمائة وفي قراءة يضعفها بالتشديد «ويؤت من لدنه» من عنده مع المضاعفة «أجرا عظيما» لا يقدِّره أحد.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

إن الله تعالى لا ينقص أحدًا من جزاء عمله مقدار ذرة، وإن تكن زنة الذرة حسنة فإنه سبحانه يزيدها ويكثرها لصاحبها، ويتفضل عليه بالمزيد، فيعطيه من عنده ثوابًا كبيرًا هو الجنة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - أنه منزه عن الظلم بعد أن أقام الحجة على الظالمين ، ودعاهم إلى سلوك طريق الخير ، فقال ( إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً ) .والمثقال : مفعال من الثقل .

ويطلق على الشئ القليل الذى يحتمل الوزن .والذرة : تطلق على النملة ، وعلى الغبار الذى يتطاير من التراب عند النفخ .وهذا أحقر ما يقدر به الشئ ، فعلم انتفاء ما هو أكثر منه بالأولى .والمراد : أن الله - تعالى - لا ينقص أحدا من ثواب عمله شيئا مهما ضؤل هذا الشئ وحقر ، فخرج الكلام على أصغر شئ يعرفه الناس .

كما قال - تعالى - ( فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ) وكما فى قوله - تعالى - ( وَنَضَعُ الموازين القسط لِيَوْمِ القيامة فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وكفى بِنَا حَاسِبِينَ )ومفعول يظلم محذوف والتقدير : لا يظلم أحدا مثقال ذرة .وقوله ( مِثْقَالَ ) منصوب على أنه نعت لمصدر محذوف أى لا يظلم أحد ظلما وزن ذرة .

كما تقول : لا أظلم قليلا ولا كثيرا .وقوله ( وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً ) بيان لسعة جوده - سبحانه - وعظيم رحمته وعفوه .وقد قرأ نافع وابن كثير وأبو جعفر ( حَسَنَةً ) - بالضم - على أن ( تَكُ ) مضارع كان التامة أى وإن توجد أو تحصل حسنة يضاعفها .وقرأ الباقون ( حَسَنَةً ) - بالنصب - على أنها خبر لقوله ( تَكُ ) المشتقة من كان النقاصة .

وأصل ( تَكُ ) تكن فحذفت النون من آخر الفعل من غير قياس تشبيها لها بحروف العلة ، وتخفيفا لكثرة الاستعمال .والضمير المستتر فى الفعل " تلك " يعود إلى المثقال .

وجئ به مؤنثا مراعاة للفظ ذرة الذى أضيف إليه لفظ مثقال؛ لأن لفظ مثقال مبهم لا يميزه إلا لفظ ذرة فكان كالمستغنى عنه .وقيل : إنما جئ به مؤنثا حملا على المعنى ، لأنه بمعنى : وإن تك زنة ذرة حسنة يضاعفها .وقيل : إنما جئ به كذلك لأن المضاف قد يكتسب التأنيث من المضاف إليه إذا كان جزأه كما فى نحو قولهم : كما شرقت صدر القناة من الدم .

.والمعنى : إن الله - تعالى - بفضله وجوده لا يظلم الناس شيئا ، ولا ينقصهم أى نقص من ثواب أعمالهم بل يجازيهم بها ويثيبهم عليها ( وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا ) أى وإن تك الفعلة الحسنة بالغة فى القلة مثقال ذرة يضاعف ثوابها بكرمه وجوده أضعافا كثيرة .

وفوق ذلك فإنه - سبحانه - يعطى من يشاء إعطاءه عطاء عظيما من عنده ولا يعلم مقدار هذا العطاء إلا هو - سبحانه .وفى إضافة هذا العطاء العظيم إلى ذاته - تعالى - فى قوله ( مِن لَّدُنْهُ ) تشريف له ، وتهويل من شأنه .وسماه أجرا لكونه جزاء على العمل الصالح الذى عمله عباده المؤمنون الصادقون .

هذا ، وقد أورد الإِمام ابن كثير جملة من الأحاديث فى معنى هذه الآية ومن ذلك ما رواه الشيخان عن أبى سعيد الخدرى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فى حديث الشفاعة الطويل وفيه : فيقول الله - تعالى - لملائكته!

ارجعوا .

فمن وجدتم فى قلبه مثقال حبة خردل من إيمان فأخرجوه من النار ، فيخرجون خلقا كثيرا .

ثم يقول أبو سعيد : اقرؤا إن شئتم قوله - تعالى - ( إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ) .وروى أبو دواد الطيالسى فى مسنده عن أنس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " إن الله لا يظلم المؤمن حسنة .

يثاب عليها الرزق فى الدنيا .

ويجزى بها فى الآخرة .

وأما الكافر فيطعم بها فى الدنيا ، فإذا كان يوم القيامة لم يكن له حسنة " .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن تعلق هذه الآية هو بقوله تعالى: ﴿ وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ ءامَنُواْ بالله واليوم الأخر وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقَهُمُ الله  ﴾ فكأنه قال: فان الله لا يظلم من هذه حاله مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها، فرغب بذلك في الايمان والطاعة.

واعلم أن هذه الآية مشتملة على الوعد بأمور ثلاثة: الأول: قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: الذرة النملة الحمراء الصغيرة في قول أهل اللغة.

وروي عن ابن عباس أنه أدخل يده في التراب ثم رفعها ثم نفخ فيها، ثم قال: كل واحد من هذه الأشياء ذرة و ﴿ مِثْقَالَ ﴾ مفعال من الثقل يقال: هذا على مثقال هذا، أي وزن هذا، ومعنى ﴿ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ﴾ أي ما يكون وزنه وزن الذرة.

واعلم أن المراد من الآية أنه تعالى لا يظلم قليلا ولا كثيراً، ولكن الكلام خرج على أصغر ما يتعارفه الناس يدل عليه قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ الناس شَيْئًا  ﴾ .

المسألة الثانية: قالت المعتزلة: دلت هذه الآية على أنه تعالى ليس خالقا لأعمال العباد، لأن من جملة تلك الأعمال ظلم بعضهم بعضا، فلو كان موجد ذلك الظلم هو الله تعالى لكان الظالم هو الله، وأيضاً لو خلق الظلم في الظالم، ولا قدرة لذلك الظالم على تحصيل ذلك الظلم عند عدمه، ولا على دفعه بعد وجوده، ثم إنه تعالى يقول لمن هذا شأنه وصفته: لم ظلمت ثم يعاقبه عليه، كان هذا محض الظلم، والآية دالة على كونه تعالى منزها عن الظلم.

والجواب: المعارضة بالعلم والداعي على ما سبق مراراً لا حد لها، وقد ذكرنا أن استدلالات هؤلاء المعتزلة وإن كثرت وعظمت، إلا أنها ترجع إلى حرف واحد، وهو التمسك بالمدح والذم والثواب والعقاب، والسؤال على هذا الحرف معين، وهو المعارضة بالعلم والداعي، فكلما أعادوا ذلك الاستدلال أعدنا عليهم هذا السؤال.

المسألة الثالثة: قالت المعتزلة: الآية تدل على أنه قادر على الظلم لأنه تمدح بتركه، ومن تمدح بترك فعل قبيح لم يصح منه ذلك التمدح، إلا إذا كان هو قادرا عليه، ألا ترى أن الزمن لا يصح منه أن يتمدح بأنه لا يذهب في الليالي إلى السرقة.

والجواب أنه تعالى تمدح بأنه لا تأخذه سنة ولا نوم، ولم يلزم أن يصح ذلك عليه، وتمدح بأنه لا تدركه الأبصار، ولم يدل ذلك عند المعتزلة على أنه يصح أن تدركه الأبصار.

المسألة الرابعة: قالت المعتزلة: الآية دالة على أن العبد يستحق الثواب على طاعته وأنه تعالى لو لم يثبه لكان ظالما، لأنه تعالى بين في هذه الآية أنه لو لم يثبهم على أعمالهم لكان قد ظلمهم، وهذا لا يصح إلا إذا كانوا مستحقين للثواب على أعمالهم.

والجواب: أنه تعالى وعدهم بالثواب على تلك الأفعال، فلو لم يثبهم عليها لكان ذلك في صورة ظلم، فلهذا أطلق عليه اسم الظلم، والذي يدل على أن الظلم محال من الله، أن الظلم مستلزم للجهل والحاجة عندكم، وهما محالان على الله، ومستلزم المحال محال، والمحال غير مقدور.

وأيضاً الظلم عبارة عن التصرف في ملك الغير، والحق سبحانه لا يتصرف إلا في ملك نفسه، فيمتنع كونه ظالما.

وأيضاً: الظالم لا يكون إلها والشيء لا يصح إلا إذا كانت لوازمه صحيحة، فلو صح منه الظلم لكان زوال إلهيته صحيحاً، ولو كان كذلك لكانت إلهيته جائزة الزوال، وحينئذ يحتاج في حصول صفة الالهية له إلى مخصص وفاعل، وذلك على الله محال.

المسألة الخامسة: قالت المعتزلة: إن عقاب قطرة من الخمر يزيل ثواب الايمان والطاعة مدة مائة سنة.

وقال أصحابنا: هذا باطل؛ لأنا نعلم بالضرورة أن ثواب كل تلك الطاعات العظيمة تلك السنن المتطاولة، أزيد من عقاب شرب هذه القطرة، فاسقاط ذلك الثواب العظيم بعقاب هذا القدر من المعصية ظلم، وإنه منفي بهذه الآية.

المسألة السادسة: قال الجبائي: إن عقاب الكبيرة يحبط ثواب جملة الطاعات، ولا ينحبط من ذلك العقاب شيء.

وقال ابنه أبو هاشم: بل ينحبط.

واعلم أن هذا المشروع صار حجة قوية لأصحابنا في بطلان القول بالاحباط فانا نقول: لو انحبط ذلك الثواب لكان إما أن يحبط مثله من العقاب أولا يحبط، والقسمان باطلان.

فالقول بالاحباط باطل.

إنما قلنا إنه لا يجوز انحباط كل واحد منهما بالآخر، لأنه إذا كان سبب عدم كل واحد منهما وجود الآخر، فلو حصل العدمان معا لحصل الوجدان معا، ضرورة أن العلة لابد وأن تكون حاصلة مع المعلول، وذلك محال.

وإنما قلنا: إنه لا يجوز انحباط الطاعة بالمعصية مع أن المعصية لا تنحبط بالطاعة، لأن تلك الطاعات لم ينتفع العبد بها ألبتة، لا في جلب ثواب، ولا في دفع عقاب وذلك ظلم، وهو ينافي قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ﴾ ولما بطل القسمان ثبت القول بفساد الاحباط على ما تقوله المعتزلة.

المسألة السابعة: احتج أصحابنا بهذه الآية على أن المؤمنين يخرجون من النار إلى الجنة، فقالوا: لا شك أن ثواب الايمان، والمداومة على التوحيد، والاقرار بأنه هو الموصول بصفات الجلال والاكرام، والمواظبة على وضع الجبين على تراب العبودية مائة سنة: أعظم ثوابا من عقاب شرب الجرعة من الخمر، فاذا حضر هذا الشارب يوم القيامة وأسقط عنه قدر عقاب هذا المعصية من ذلك الثواب العظيم فضل له من الثواب قدر عظيم، فاذا أدخل النار بسبب ذلك القدر من العقاب، فلو بقي هناك لكان ذلك ظلما وهو باطل، فوجب القطع بأنه يخرج إلى الجنة.

النوع الثاني: من الأمور التي اشتملت عليها هذه الآية: قوله تعالى: ﴿ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يضاعفها ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ نافع وابن كثير ﴿ حَسَنَةٌ ﴾ بالرفع على تقديره كان التامة، والمعنى: وإن حدثت حسنة، أو وقعت حسنة، والباقون بالنصب على تقدير كان الناقصة والتقدير: وإن تك زنة الذرة حسنة.

وقرأ ابن كثير وابن عامر ﴿ يضاعفها ﴾ بالتشديد من غير ألف من التضعيف، والباقون ﴿ يضاعفها ﴾ بالألف والتخفيف من المضاعفة.

المسألة الثانية: تك: أصله من كان يكون وأصله تكون سقطت الضمة للجزم، وسقطت الواو لسكونها وسكون النون فصار تكن ثم حذفوا النون أيضا لأنها ساكنة.

وهي تشبه حروف اللين، وحروف اللين إذا وقعت طرفا سقطت للجزم، كقولك: لم أدر، أي لا أدري وجاء القرآن بالحذف والاثبات، أما الحذف فههنا، وأما الاثبات، فكقوله: ﴿ إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً  ﴾ .

المسألة الثالثة: ان الله تعالى بين بقوله: ﴿ إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ﴾ أنه لا يبخسهم حقهم أصلا، وبين بهذه الآية أن الله تعالى يزيدهم على استحقاقهم.

واعلم أن المراد من هذه المضاعفة ليس هو المضاعفة في المدة، لأن مدة الثواب غير متناهية، وتضعيف غير المتناهي محال، بل المراد أنه تعالى يضعفه بحسب المقدار: مثلا يستحق على طاعته عشرة أجزاء من الثواب، فيجعله عشرين جزءاً، أو ثلاثين جزءاً، أو أزيد.

روي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: يؤتى بالعبد يوم القيامة وينادي مناد على رؤوس الأولين والآخرين: هذا فلان ابن فلان، من كان له عليه حق فليأت إلى حقه، ثم يقال له: أعط هؤلاء حقوقهم، فيقول: يا رب من أين وقد ذهبت الدنيا؟

فيقول الله لملائكته: انظروا في أعماله الصالحة فأعطوهم منها فان بقي مثقال ذرة من حسنة ضعفها الله تعالى لعبده وأدخله الجنة بفضله ورحمته.

مصداق ذلك في كتاب الله تعالى: ﴿ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يضاعفها ﴾ وقال الحسن: قوله: ﴿ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يضاعفها ﴾ هذا أحب إلى العلماء مما لو قال: في الحسنة الواحدة مائة ألف حسنة، لأن ذلك الكلام يكون مقداره معلوماً أما هذه العبارة فلا يعلم كمية ذلك التضعيف إلاّ الله تعالى، وهو كقوله في ليلة القدر إنها خير من ألف شهر.

وقال أبو عثمان النهدي: بلغني عن أبي هريرة أنه قال: إن الله ليعطي عبده المؤمن بالحسنة الواحدة ألف ألف حسنة، فقدر الله أن ذهبت إلى مكة حاجاً أو معتمرا فألفيته فقلت: بلغني عنك أنك تقول: إن الله يعطي عبده المؤمن بالحسنة الواحدة ألف ألف حسنة قال أبو هريرة: لم أقل ذلك، ولكن قلت: إن الحسنة تضاعف بألفي ألف ضعف، ثم تلا هذه الآية وقال: إذا قال الله: ﴿ أَجْراً عَظِيماً ﴾ فمن يقدر قدره.

النوع الثالث: من الأمور التي اشتملت هذه الآية عليها قوله تعالى: ﴿ وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: لدن: بمعنى عند إلا أن لدن أكثر تمكينا، يقول الرجل: عندي مال إذا كان ماله ببلد آخر، ولا يقال: لدي مال ولا لدني، إلا ما كان حاضرا.

المسألة الثانية: اعلم أنه لابد من الفرق بين هذا وبين قوله: ﴿ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يضاعفها ﴾ والذي يحظر ببالي والعلم عند الله، أن ذلك التضعيف يكون من جنس ذلك الثواب، وأما هذا الأجر العظيم فلا يكون من جنس ذلك الثواب، والظاهر أن ذلك التضعيف يكون من جنس اللذات الموعد بها في الجنة، وأما هذا الأجر العظيم الذي يؤتيه من لدنه، فهو اللذة الحاصلة عند الرؤية، وعند الاستغراق في المحبة والمعرفة، وإنما خص هذا النوع بقوله: ﴿ مِن لَّدُنْهُ ﴾ لأن هذا النوع من الغبطة والسعادة والبهجة والكمال، لا ينال بالأعمال الجسدانية، بل إنما ينال بما يودع الله في جوهر النفس القدسية من الاشراق والصفاء والنور، وبالجملة فذلك التضعيف إشارة إلى السعادة الجسمانية، وهذا الأجر العظيم إشارة إلى السعادة الروحانية.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

الذرّة النملة الصغيرة.

وفي قراءة عبد الله: ﴿ مثقال نملة ﴾ ، وعن ابن عباس: أنه أدخل يده في التراب فرفعه ثم نفخ فيه فقال: كل واحدة من هؤلاء ذرة.

وقيل: كل جزء من أجزاء الهباء في الكوة ذرة.

وفيه دليل على أنه لو نقص من الأجر أدنى شيء وأصغره، أو زاد في العقاب لكان ظلماً، وأنه لا يفعله لاستحالته في الحكمة لا لاستحالته في القدرة ﴿ وَإِن تَكُ حَسَنَةً ﴾ وإن يكن مثقال ذرّة حسنة وإنما أنث ضمير المثقال لكونه مضافاً إلى مؤنث.

وقرئ- بالرفع- على كان التامة ﴿ يضاعفها ﴾ يضاعف ثوابها لاستحقاقها عنده الثواب في كل وقت من الأوقات المستقبلة غير المتناهية.

وعن أبي عثمان النهدي أنه قال لأبي هريرة: بلغني عنك أنك تقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله تعالى يعطي عبده المؤمن بالحسنة ألف ألف حسنة» قال أبو هريرة: لا، بل سمعته يقول: إن الله تعالى يعطيه ألفي ألف حسنة ثم تلا هذه الآية.

والمراد: الكثرة لا التحديد ﴿ وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً ﴾ ويعط صاحبها من عنده على سبيل التفضل عطاء عظيماً وسماه (أجراً) لأنه تابع للأجر لا يثبت إلا بثباته.

وقرئ: ﴿ يضعفها ﴾ بالتشديد والتخفيف، من أضعف وضعف: وقرأ ابن هرمز: ﴿ نضاعفها ﴾ بالنون ﴿ فَكَيْفَ ﴾ يصنع هؤلاء الكفرة من اليهود وغيرهم ﴿ إِذَا جِئْنَا مِن كُلّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ ﴾ يشهد عليهم بما فعلوا وهو نبيهم، كقوله: ﴿ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ ﴾ [المائدة: 117] .

﴿ وَجِئْنَا بِكَ على هَؤُلاءِ ﴾ المكذبين ﴿ شَهِيداً ﴾ وعن ابن مسعود: أنه قرأ سورة النساء على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ قوله: ﴿ وَجِئْنَا بِكَ على هَؤُلاء شَهِيداً ﴾ فبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: ﴿ حسبنا ﴾ ﴿ لَوْ تسوى بِهِمُ الارض ﴾ لو يدفنون فتسوى بهم الأرض كما تسوى بالموتى.

وقيل: يودّون أنهم لم يبعثوا وأنهم كانوا والأرض سواء وقيل: تصير البهائم تراباً، فيودّون حالها ﴿ وَلاَ يَكْتُمُونَ الله حَدِيثاً ﴾ ولا يقدرون على كتمانه لأن جوارحهم تشهد عليهم.

وقيل الواو للحال، أي يودون أن يدفنوا تحت الأرض وأنهم لا يكتمون الله حديثاً.

ولا يكذبون في قولهم: ﴿ والله ربنا ما كنا مشركين ﴾ [الأنعام: 23] ، لأنهم إذا قالوا ذلك وجحدوا شركهم، ختم الله على أفواههم عند ذلك، وتكلمت أيديهم وأرجلهم بتكذيبهم والشهادة عليهم بالشرك فلشدة الأمر عليهم يتمنون أن تسوى بهم الأرض: وقرئ: ﴿ تسوى ﴾ ، بحذف التاء من تتسوى.

يقال: سويته فتسوّى نحو: لويته فتلوى.

وتسوى بإدغام التاء في السين، كقوله: ﴿ يسمعون ﴾ [الصافات: 8] ، وماضيه أسوى كأزكى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ ﴾ لا يَنْقُصُ مِنَ الأجْرِ ولا يَزِيدُ في العِقابِ أصْغَرَ شَيْءٍ كالذَّرَّةِ، وهي النَّمْلَةُ الصَّغِيرَةُ.

ويُقالُ لِكُلِّ جُزْءٍ مِن أجْزاءِ الهَباءِ، والمِثْقالُ مِفْعالٌ مِنَ الثِّقَلِ، وفي ذِكْرِهِ إيماءٌ إلى أنَّهُ وإنْ صَغُرَ قَدْرُهُ عَظُمَ جَزاؤُهُ.

﴿ وَإنْ تَكُ حَسَنَةً ﴾ وإنْ يَكُنْ مِثْقالُ الذَّرَّةِ حَسَنَةً وأنَّثَ الضَّمِيرَ لِتَأْنِيثِ الخَبَرِ، أوْ لِإضافَةِ المِثْقالِ إلى مُؤَنَّثٍ.

وحَذَفَ النُّونَ مِن غَيْرِ قِياسٍ تَشْبِيهًا بِحُرُوفِ العِلَّةِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ حَسَنَةٌ بِالرَّفْعِ عَلى كانَ التّامَّةِ.

﴿ يُضاعِفْها ﴾ يُضاعِفُ ثَوابَها وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ يُضْعِفُها وكِلاهُما بِمَعْنًى.

﴿ وَيُؤْتِ مِن لَدُنْهُ ﴾ ويُعْطِ صاحِبَها مِن عِنْدِهِ عَلى سَبِيلِ التَّفَضُّلِ زائِدًا عَلى ما وعَدَ في مُقابَلَةِ العَمَلِ ﴿ أجْرًا عَظِيمًا ﴾ عَطاءً جَزِيلًا، وإنَّما سَمّاهُ أجْرًا لِأنَّهُ تابِعٌ لِلْأجْرِ مَزِيدٌ عَلَيْهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} هي النملة الصغير وعن ابن عباس رضى الله عنهما أنه أدخل يده في التراب فرفعه ثم نفخ عليه فقال كل واحدة من هؤلاء ذرة وقيل كل جزء من أجزاء الهباء في الكوة ذرة {وَإِن تَكُ حَسَنَةً} وإن يك مثقال الذرة حسنة وإنما أنث ضمير المثقال لكونه مضافاً إلى مؤنث حسنةٌ حجازي على كان التامة وحذفت النون من تكن تخفيفاً لكثرة الاستعمال {يضاعفها} يضعفها ثوابها يعفها مكي وشامي {وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً} ويعط صاحبها من عنده ثواباً عظيماً وما وصفه الله بالعظم فمن يعرف مقداره مع أنه سمى متاع الدنيا

قليلاً وفيه إبطال قول المعتزلة فى تخليد مرتكب

النساء (٤١ _ ٤٣)

الكبيرة مع أن له حسنات كثيرة

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ ﴾ المِثْقالُ مِفْعالٌ مِنَ الثِّقَلِ، ويُطْلَقُ عَلى المِقْدارِ المَعْلُومِ الَّذِي لَمْ يَخْتَلِفْ - كَما قِيلَ - جاهِلِيَّةً وإسْلامًا، وهو كَما أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي جَعْفَرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ قِيراطًا، وعَلى مُطْلَقِ المِقْدارِ، وهو المُرادُ هُنا، ولِذا قالَ السُّدِّيُّ: أيْ: وزْنَ ذَرَّةٍ، وهي النَّمْلَةُ الحَمْراءُ الصَّغِيرَةُ، الَّتِي لا تَكادُ تُرى.

ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ زَيْدٍ، وعَنِ الأوَّلِ أنَّها رَأْسُ النَّمْلَةِ، وعَنْهُ أيْضًا أنَّهُ أدْخَلَ يَدَهُ في التُّرابِ ثُمَّ نَفَخَ فِيهِ فَقالَ: كُلُّ واحِدَةٍ مِن هَؤُلاءِ ذَرَّةٌ، وقَرِيبٌ مِنهُ ما قِيلَ: إنَّها جُزْءٌ مِن أجْزاءِ الهَباءِ في الكُوَّةِ، وقِيلَ: هي الخَرْدَلَةُ، ويُؤَيِّدُ الأوَّلَ ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي داوُدَ في المَصاحِفِ، مِن طَرِيقِ عَطاءٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أنَّهُ قَرَأ: (مِثْقالَ نَمْلَةٍ).

ولَمْ يَذْكُرْ سُبْحانَهُ الذَّرَّةَ لِقَصْرِ الحُكْمِ عَلَيْها، بَلْ لِأنَّها أقَلُّ شَيْءٍ مِمّا يَدْخُلُ في وهْمِ البَشَرِ، أوْ أكْثَرُ ما يُسْتَعْمَلُ عِنْدَ الوَصْفِ بِالقِلَّةِ، ولَمْ يُعَبِّرْ سُبْحانَهُ بِالمِقْدارِ ونَحْوِهِ بَلْ عَبَّرَ بِالمِثْقالِ لِلْإشارَةِ بِما يُفْهَمُ مِنهُ مِنَ الثِّقَلِ الَّذِي يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الكَثْرَةِ والعَظْمِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ ﴾ إلّا أنَّهُ وإنْ كانَ حَقِيرًا فَهُوَ بِاعْتِبارِ جُزْئِهِ عَظِيمٌ، وانْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ كالمَفْعُولِ، أيْ ظُلْمًا قُدِّرَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ، فَحُذِفَ المَصْدَرُ وصِفَتُهُ، وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُما، أوْ مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ(يَظْلِمُ) أيْ لا يَظْلِمُ أحَدًا، أوْ لا يَظْلِمُهم مِثْقالَ ذَرَّةٍ.

قالَ السَّمِينُ: وكَأنَّهم ضَمَّنُوا (يَظْلِمُ) مَعْنى يَغْصِبُ أوْ يُنْقِصُ، فَعَدُّوهُ لِاثْنَيْنِ.

وذَكَرَ الرّاغِبُ أنَّ الظُّلْمَ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ وضْعُ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ المُخْتَصِّ بِهِ، إمّا بِنُقْصانٍ أوْ بِزِيادَةٍ أوْ بِعُدُولٍ عَنْ وقْتِهِ أوْ مَكانِهِ، وعَلَيْهِ فَفي الكَلامِ إشارَةٌ إلى أنَّ نَقْصَ الثَّوابِ وزِيادَةَ العِقابِ لا يَقَعانِ مِنهُ تَعالى أصْلًا، وفي ذَلِكَ حَثٌّ عَلى الإيمانِ والإنْفاقِ، بَلْ إرْشادٌ إلى أنَّ كُلَّ ما أمَرَ بِهِ مِمّا يَنْبَغِي أنْ يُفْعَلَ، وكُلَّ ما نَهى عَنْهُ مِمّا يَنْبَغِي أنْ يُجْتَنَبَ.

واسْتَدَلَّ المُعْتَزِلَةُ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الظُّلْمَ مُمْكِنٌ في حَدِّ ذاتِهِ، إلّا أنَّهُ تَعالى لا يَفْعَلُهُ لِاسْتِحالَتِهِ في الحِكْمَةِ لا لِاسْتِحالَتِهِ في القُدْرَةِ؛ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ مَدَحَ نَفْسَهُ بِتَرْكِهِ، ولا مَدْحَ بِتَرْكِ القَبِيحِ ما لَمْ يَكُنْ عَنْ قُدْرَةٍ، ألا تَرى أنَّ العِنِّينَ لا يُمْدَحُ بِتَرْكِ الزِّنا، واعْتُرِضَ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ ولا نَوْمٌ ﴾ فَإنَّهُ ذُكِرَ في مَعْرِضِ المَدْحِ، مَعَ أنَّ النَّوْمَ غَيْرُ مُمْكِنٍ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ، قالَ في الكَشْفِ: وهو غَيْرُ وارِدٍ؛ لِأنَّهُ مَدْحٌ بِانْتِفاءِ النَّقْصِ عَنْ ذاتِهِ المُقَدَّسَةِ، وهو كَما تَقُولُ: البارِي عَزَّ وعَلا لَيْسَ بِجِسْمٍ ولا عَرَضٍ، وأمّا ما نَحْنُ فِيهِ فَمَدْحٌ بِتَرْكِ الفِعْلِ، والتَّرْكُ المَمْدُوحُ إنَّما يَكُونُ إذا كانَ بِالِاخْتِيارِ، نَعَمْ: لِلْمانِعِ أنْ لا يُسَلِّمَ أنَّهُ تَعالى مُدِحَ بِالتَّرْكِ، بَلْ مِن حَيْثُ الدَّلالَةُ عَلى النَّقْصِ؛ لِأنَّ وُجُوبَ الوُجُودِ يُنافِي جَوازَ الِاتِّصافِ بِالظُّلْمِ، وتَحْقِيقُهُ عَلى مَذْهَبِهِمْ أنَّ وضْعَ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ الحَقِيقِ بِهِ مُمْكِنٌ في نَفْسِهِ، وقُدْرَةُ الحَقِّ جَلَّ شَأْنُهُ تَسَعُ جَمِيعَ المُمْكَناتِ، لَكِنَّ الحِكْمَةَ - وهي الإتْيانُ بِالمُمْكِنِ عَلى وجْهِ الإحْكامِ وعَلى ما يَنْبَغِي - مانِعَةٌ، وعَلى هَذا قالُوا: الحَكِيمُ لا يَفْعَلُ إلّا الحَسَنَ مِن بَيْنِ المُمْكَناتِ، إلّا إذا دَعَتْهُ حاجَةٌ، والمُنَزَّهُ عَنِ الحاجاتِ جَمْعٍ يَتَعالى عَنْ فِعْلِ القَبِيحِ، ونَحْنُ نَقُولُ: إنَّهُ عَزَّ اسْمُهُ لا يُنْقِصُ مِنَ الأجْرِ ولا يَزِيدُ في العِقابِ أيْضًا بِناءً عَلى وعْدِهِ المَحْتُومِ، فَإنَّ الحِلْفَ فِيهِ مُمْتَنِعٌ لِكَوْنِهِ نَقْصًا مُنافِيًا لِلْأُلُوهِيَّةِ وكَمالَ الغِنى، وبِهَذا الِاعْتِبارِ يَصِحُّ أنْ يُسَمّى ظُلْمًا، وإنْ كانَ لا يُتَصَوَّرُ - حَقِيقَةً - الظُّلْمُ مِنهُ تَعالى؛ لِكَوْنِهِ المالِكَ عَلى الإطْلاقِ، فالزِّيادَةُ والنَّقْصُ مُمْكِنانِ لِذاتِهِما، والخُلْفُ مُمْتَنِعٌ لِذاتِهِ، ولا يَلْزَمُ مِن كَوْنِ الخُلْفِ مُمْتَنِعًا لِذاتِهِ بِالنِّسْبَةِ إلى الواجِبِ، تَعالى وتَقَدَّسَ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقُهُ كَذَلِكَ، وهَذا عَلى نَحْوِ ما تَقَرَّرَ في مَسْألَةِ التَّكْلِيفِ بِالمُمْتَنِعِ أنَّ إخْبارَ اللَّهِ تَعالى عَنْ عَدَمِ إيمانِ المُصِرِّ ووُجُوبِ الصِّدْقِ اللّازِمِ لَهُ لا يُخْرِجُ الفِعْلَ عَنْ كَوْنِهِ مَقْدُورَ المُكَلَّفِ، بَلْ يُحَقِّقُ قُدْرَتَهُ عَلَيْهِ، فَلْيُحْفَظْ؛ فَإنَّهُ مُهِمٌّ.

﴿ وإنْ تَكُ حَسَنَةً ﴾ الضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ في الفِعْلِ النّاقِصِ عائِدٌ إلى المِثْقالِ، وإنَّما أُنِّثَ حَمْلًا عَلى المَعْنى؛ لِأنَّهُ بِمَعْنى (وإنْ تَكُنْ زِنَةُ ذَرَّةٍ حَسَنَةً) وقِيلَ: لِأنَّ المُضافَ قَدْ يَكْتَسِبُ التَّأْنِيثَ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ إذا كانَ جُزْأهُ، نَحْوُ: كَما شَرِقَتْ صَدْرُ القَناةِ مِنَ الدَّمِ أوْ صِفَةٌ لَهُ، نَحْوُ: (لا تَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها) في قِراءَةِ مَن قَرَأ بِالتّاءِ الفَوْقانِيَّةِ، ومِقْدارُ الشَّيْءِ صِفَةٌ لَهُ، كَما أنَّ الإيمانَ صِفَةٌ لِلنَّفْسِ، وقِيلَ: أُنِّثَ الضَّمِيرُ لِتَأْنِيثِ الخَبَرِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ تَأْنِيثَ الخَبَرِ إنَّما يَكُونُ لِمُطابَقَةِ تَأْنِيثِ المُبْتَدَأِ، فَلَوْ كانَ تَأْنِيثُ المُبْتَدَأِ لَهُ لَزِمَ الدَّوْرُ، وأُجِيبَ بِأنَّ ذَلِكَ إذا كانَ مَقْصُودًا وصْفِيَّتُهُ، والحَسَنَةُ غَلَبَتْ عَلَيْها الِاسْمِيَّةُ، فَأُلْحِقَتْ بِالجَوامِدِ الَّتِي لا تُراعى فِيها المُطابَقَةُ، نَحْوُ: الكَلامُ هو الجُمْلَةُ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى المُضافِ إلَيْهِ، وهو مُؤَنَّثٌ بِلا خَفاءٍ، وحُذِفَتِ النُّونُ مِن آخِرِ الفِعْلِ مِن غَيْرِ قِياسٍ تَشْبِيهًا لَها بِحُرُوفِ العِلَّةِ مِن حَيْثُ الغُنَّةُ والسُّكُونُ وكَوْنُها مِن حُرُوفِ الزَّوائِدِ، وكانَ القِياسُ عَوْدَ الواوِ المَحْذُوفَةِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ بَعْدَ حَذْفِ النُّونِ، إلّا أنَّهم خالَفُوا القِياسَ في ذَلِكَ أيْضًا حِرْصًا عَلى التَّخْفِيفِ فِيما كَثُرَ دَوْرُهُ، وقَدْ أجازَ يُونُسُ حَذْفَ النُّونِ مِن هَذا الفِعْلِ أيْضًا في مِثْلِ قَوْلِهِ: فَإنْ لَمْ تَكُ المِرْآةُ أبْدَتْ وسامَةً فَقَدْ أبْدَتِ المِرْآةُ جَبْهَةَ ضَيْغَمِ وسِيبَوَيْهِ يَدَّعِي أنَّ ذَلِكَ ضَرُورَةٌ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ (حَسَنَةٌ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّ (تَكُ) تامَّةً، أيْ: وإنْ تُوجَدْ أوْ تَقَعْ (حَسَنَةٌ) (يُضاعِفْها) أضْعافًا كَثِيرَةً، حَتّى يُوصِلَها - كَما مَرَّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - إلى ألْفَيْ ألْفِ حَسَنَةٍ، وعَنى التَّكْثِيرَ لا التَّحْدِيدَ، والمُرادُ: يُضاعِفُ ثَوابَها؛ لِأنَّ مُضاعِفَةَ نَفْسِ الحَسَنَةِ بِأنْ تُجْعَلَ الصَّلاةُ الواحِدَةَ صَلاتَيْنِ مَثَلًا مِمّا لا يُعْقَلُ، وإنْ ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، وما في الحَدِيثِ مِن أنَّ تَمْرَةَ الصَّدَقَةِ يُرَبِّيها الرَّحْمَنُ حَتّى تَصِيرَ مِثْلَ الجَبَلِ مَحْمُولٌ عَلى هَذا؛ لِلْقَطْعِ بِأنَّها أُكِلَتْ، واحْتِمالُ إعادَةِ المَعْدُومِ بَعِيدٌ، وكَذا كِتابَةُ ثَوابِها مُضاعَفًا، وهَذِهِ المُضاعَفَةُ لَيْسَتْ هي المُضاعَفَةُ في المُدَّةِ عِنْدَ الإمامِ؛ لِأنَّها غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ، وتَضْعِيفُ غَيْرِ المُتَناهِي مُحالٌ، بَلِ المُرادُ أنَّهُ تَعالى يُضَعِّفُهُ بِحَسَبِ المِقْدارِ، مَثَلًا يَسْتَحِقُّ عَلى طاعَتِهِ عَشَرَةَ أجْزاءٍ مِنَ الثَّوابِ فَيَجْعَلُهُ عِشْرِينَ جُزْءًا أوْ ثَلاثِينَ أوْ أزْيَدَ.

وقِيلَ: هي المُضاعَفَةُ بِحَسَبِ المُدَّةِ، عَلى مَعْنى أنَّهُ سُبْحانَهُ لا يَقْطَعُ ثَوابَ الحَسَنَةِ في المُدَدِ الغَيْرِ المُتَناهِيَةِ، لا أنَّهُ يُضاعِفُ جَلَّ شَأْنُهُ مُدَّتَها، لِيَجِيءَ حَدِيثُ مُحالِيَّةِ تَضْعِيفِ ما لا نِهايَةَ، وجُعِلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ويُؤْتِ مِن لَدُنْهُ أجْرًا عَظِيمًا ﴾ عَلى هَذا عَطْفًا لِبَيانِ الأجْرِ المُتَفَضَّلِ بِهِ، وهو الزِّيادَةُ في المِقْدارِ إثْرَ بَيانِ الأجْرِ المُسْتَحَقِّ، وهو إعْطاءُ مِثْلِهِ واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ إلى أبَدِ الدَّهْرِ، وتَسْمِيَةُ ذَلِكَ أجْرًا مِن مَجازِ المُجاوِرَةِ؛ لِأنَّهُ تابِعٌ لِلْأجْرِ، مَزِيدٌ عَلَيْهِ.

وعَلى الأوَّلِ جَعَلَهُ البَعْضُ وارِدًا عَلى طَرِيقَةِ عَطْفِ التَّفْسِيرِ عَلى مَعْنى: يُضاعِفُ ثَوابَ تِلْكَ الحَسَنَةِ بِإعْطاءِ الزّائِدِ عَلَيْهِ مِن فَضْلِهِ، وزَعَمُوا أنَّ القَوْلَ بِالأجْرِ المُسْتَحَقِّ مَذْهَبُ المُعْتَزِلَةِ، ولا يَتَأتّى عَلى مَذْهَبِ الجَماعَةِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ الجَماعَةَ يَقُولُونَ بِالِاسْتِحْقاقِ أيْضًا، لَكِنْ بِمُقْتَضى الوَعْدِ الَّذِي لا يُخْلَفُ، وبِهِ يَكُونُ الأجْرُ المَوْعُودُ بِهِ كَأنَّهُ حَقٌّ لِلْعَبْدِ، كَما أنَّهُ يَكُونُ كَذَلِكَ أيْضًا بِمُقْتَضى الكَرَمِ، كَما قِيلَ: وعْدُ الكَرِيمِ دَيْنٌ، نَعَمْ، حَمْلُ الأجْرِ عَلى ما ذُكِرَ لا يَخْلُو عَنْ بُعْدٍ، والدّاعِي إلَيْهِ عَدَمُ التَّكْرارِ، وقالَ الإمامُ أيْضًا: إنَّ ذَلِكَ التَّضْعِيفَ يَكُونُ مِن جِنْسِ اللَّذّاتِ المَوْعُودِ بِها في الجَنَّةِ، وأمّا هَذا الأجْرُ العَظِيمُ الَّذِي يُؤْتِيهِ مِن لَدُنْهُ فَهو اللَّذَّةُ الحاصِلَةُ عِنْدَ الرُّؤْيَةِ والِاسْتِغْراقِ في المَحَبَّةِ والمَعْرِفَةِ.

وبِالجُمْلَةِ، فَذَلِكَ التَّضْعِيفُ إشارَةٌ إلى السَّعاداتِ الجُسْمانِيَّةِ، وهَذا الأجْرُ إشارَةٌ إلى السَّعاداتِ الرُّوحانِيَّةِ، ولا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ و(لَدُنْ) بِمَعْنى عِنْدَ، وفَرَّقَ بَيْنَهُما بَعْضُهم بِأنَّ (مِن لَدُنْ) أقْوى في الدَّلالَةِ عَلى القُرْبِ، ولِذا لا يُقالُ: لَدَيَّ مالٌ إلّا وهو حاضِرٌ، بِخِلافِ (عِنْدَ) وتَقُولُ: هَذا القَوْلُ عِنْدِي صَوابٌ، ولا تَقُولُ: لَدَيَّ ولَدُنِّي، كَما قالَهُ الزَّجّاجُ، ونُظِرَ فِيهِ بِأنَّهُ شاعَ اسْتِعْمالُ (لَدُنْ) في غَيْرِ المَكانِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مِن لَدُنّا عِلْمًا ﴾ اللَّهُمَّ إلّا أنْ يَخْرُجَ ما قالَهُ الزَّجّاجُ مَخْرَجَ الغالِبِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، ويَعْقُوبُ، وابْنُ جُبَيْرٍ: (يُضَعِّفْها) بِتَضْعِيفِ العَيْنِ وتَشْدِيدِها، والمُخْتارُ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ والفارِسِيِّ أنَّهُما بِمَعْنًى، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: (ضاعَفَ) يَقْتَضِي مِرارًا كَثِيرَةً، و(ضَعَّفَ) يَقْتَضِي مَرَّتَيْنِ، ورُدَّ بِأنَّهُ عَكْسُ اللُّغَةِ؛ لِأنَّ المُضاعَفَةَ تَقْتَضِي زِيادَةَ الثَّوابِ، فَإذا شُدِّدَتْ دَلَّتِ البِنْيَةُ عَلى التَّكْثِيرِ، فَيَقْتَضِي ذَلِكَ تَكْرِيرَ المُضاعَفَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ مِنَ الكَلامِ ما يَنْفَعُكَ، فَتَذَكَّرْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَماذا عَلَيْهِمْ أي وما كان عليهم لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ مكان الكفر وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ مكان البخل في غير رياء.

ويقال: وَماذا عَلَيْهِمْ أي لم يكن عليهم شيء من العذاب لو آمنوا بالله واليوم الاخر، وأنفقوا مما رزقهم الله من الأموال، وهي الصدقة وَكانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيماً أنهم لم يؤمنوا.

ويقال: إن الله عليم بثواب أعمالهم، ولا يظلمهم شيئاً من ثواب أعمالهم.

قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ يعني لا ينقص من ثواب أعمالهم وزن الذرة.

قال الكلبي: وهي النملة الحميراء الصغيرة.

ويقال: هو الذي يظهر في شعاع الشمس، ويقال: لا يظلم مثقال ذرة يعني لا يزيد عقوبة الكافر مثقال ذرة، ولا ينقص من ثواب المؤمنين مثقال ذرة.

ثم قال تعالى: وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها قرأ نافع وابن كثير: وإن تك حسنة بضم الهاء لأن اسم تك بمنزلة اسم كان.

قرأ الباقون: حسنة بالنصب، وجعلوه خبر تك والاسم فيه مضمر معناه: وإن تكن الفعل حسنة يضاعفها، يعني: إذا زاد على حسناته مثقال ذرة من حسنة يضاعفها الله تعالى حتى يجعلها مثل أحد ويوجب له الجنة، فذلك قوله تعالى: وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً يعني الجنة.

وروى عبد الله بن مسعود  أنه قال: خمس آيات في سورة النساء أحب إلي من الدنيا وما فيها: قوله تعالى: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ [سورة النساء: 31] الآية.

وقوله: وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ [سورة النساء: 64] الآية.

وقوله: إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ الآية.

وقوله: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [سورة النساء: 48] الآية.

وقوله: ومَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ [سورة النساء: 123] الآية.

وقوله تعالى: فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ أي فكيف يصنعون؟

وكيف يكون حالهم؟

إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمة بشهيد، يعني بنبيها هو شاهد بتبليغ الرسالة من ربهم وَجِئْنا بِكَ يا محمد عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً يعني على أمتك شهيداً بالتصديق لهم، لأن أمته يشهدون على الأمم المكذبة للرسالة، وذلك أنه إذا كان يَوْمُ الْقِيَامَةِ يقولُ الله تعالى للأمم الخالية: هل بلغتكم الرسل رسالاتي؟

فيقولون: لا.

فقالت الرسل: قد بلغنا ولنا شهود، فيقول عز وجل: ومن شهودكم؟

فيقولون: أمة محمد  ، فيؤتى بأمة محمد  فيشهدون بتبليغ الرسالة، بما أوحي إليهم من ربهم في كتابهم في قصة الأمم الخالية.

فتقول الأمم الماضية: إن فيهم زواني وشارب الخمر، فلا يقبل شهادتهم، فيزكيهم النبيّ  فيقول المشركون: وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ [سورة الأنعام: 23] فيختم على أفواههم وتشهد أيديهم وأرجلهم بما كانوا يكسبون، فذلك قوله تعالى يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ أي تخسف بهم الأرض.

ويقال: فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ الرسل يشهدون على قومهم بتبليغ الرسالة، ويشهد النبيّ  على أمته بتبليغ الرسالة من قبل ومن لم يقبل.

حدثنا الخليل بن أحمد، قال: حدثنا أبو منيع، قال: حدّثنا أبو كامل، قال: حدّثنا فضيل عن يونس بن محمد بن فضالة عن أبيه، أن رسول الله  أتاهم من بني ظفر، فجلس على الصخرة التي في بني ظفر، ومعه ابن مسعود، ومعاذ وناس من الصحابة، فأمر قارئاً فقرأ حتى إذا أتى على هذه الآية فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً بكى رسول الله  حتى اخضلت وجنتاه فقال: «يَا رَبّ هذا عِلْمِي بِمَنْ أَنَا بَيْنَ ظَهْرَانِيهِمْ فَكَيْفَ بِمَنْ لَمْ أَرَهُمْ؟» .

ثم قال تعالى: يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني: يتمنى الذين كفروا يعني الكفار وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ أي يكونوا تراباً يمشي عليهم أهل الجمع وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً وهو قولهم: وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ.

قال الزجاج: قال بعضهم: وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً مستأنف، لأن ما عملوا ظاهر عند الله تعالى لا يقدرون على كتمانه.

وقال بعضهم: هو كلام بناء يعني يودون أن الأرض سويت بهم، وأنهم لم يكتموا الله حديثاً لأنه مظهر كذبهم.

قرأ حمزة والكسائي تُسَوَّى بنصب التاء وتخفيف السين وتشديد الواو يعني يخسف بهم، وقرأ عاصم وابن كثير وأبو عمرو تُسَوَّى بضم التاء فأدغم إحدى التاءين في الأخرى على فعل لم يسم فاعله، أي يصيروا تراباً وتسوى بهم الأرض.

وقرأ نافع وابن عامر: تُسَوَّى بنصب التاء وتشديد السين والواو، لأن أصله تتسوى فأدغم إحدى التاءين في السين.

ثم قال تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

والصحيحُ الذي علَيْهِ الجمهورُ أنَّ هذه الآيةَ في المُنَافِقِينَ/، والقَرِينُ: فَعِيلٌ بمعنى فَاعِلٍ من المُقَارنة، وهي الملاَزَمَةُ والاِصْطحَاب، والإِنسان كلُّه يقارنُه الشَّيْطان لَكِنَّ الموفَّقَ عاصٍ له.

وقوله تعالى: وَماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ...

الآية: التقديرُ: وأيُّ شيء عَلَيْهم، لو آمنوا، وفي هذا الكلام تفجُّع مَّا عليهم، واستدعاءٌ جميلٌ يقتضي حَيْطَةً وإِشفاقاً، وَكانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيماً: إِخبارٌ يتضمَّن وعيداً، وينبِّه علَى سُوء تواطُئِهِمْ، أي: لا ينفعهم كَتْمٌ مع عِلْمِ الله بهم.

وقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ ...

الآية: مِثْقَال: مِفْعَال من الثّقل، والذَّرَّة: الصغيرةُ الحَمْرَاءُ مِنَ النَّمْلِ، ورُوِيَ عنِ ابْنِ عبَّاس أنه قال: الذَّرَّة: رأسُ النملةِ «١» ، وقرأ ابنُ عَبَّاس: «مِثْقَالَ نَمْلَةٍ» قال قتادةُ عن نَفْسه «٢» ، ورواه عَنْ بعض العلماء:

لأَنْ تَفْضُلَ حَسَنَاتِي علَى سَيِّئاتِي بِمِثْقَالِ ذَرَّةٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيا جميعاً.

وقوله سبحانه: وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً: التقديرُ: وإِنْ تك زِنَةُ الذَّرَّةِ، وفي «صحيح مُسْلم» وغيره، مِنْ حديثِ أبي سعيدٍ، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «ثُمَّ يُضْرَبُ الْجِسْرُ عَلَى جَهَنَّم، وَتَحِلُّ الشّفاعة، ويقولون: اللَّهُمَّ، سَلِّمْ سَلِّمْ» ، وفيه: «فَيَمُرُّ المُؤْمِنُونَ كَطَرْفِ العَيْنِ، وَكَالْبَرْقِ، وَكَالرِّيحِ، وكَالطَّيْرِ، وَكَأَجَاوِيدِ الخَيْلِ، وَالرِّكَابِ، فَنَاجٍ مُسَلَّمٌ، وَمخْدُوشَّ «٣» مُرْسَلٌ، وَمَكْدُوسٌ «٤» فِي نَارِ جَهَنَّمَ حَتَّى إِذَا خَلُصَ المُؤْمِنُونَ مَنَ النَّارِ، فو الّذي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا مِنْ أَحَدٍ مِنْكُمْ بِأَشَدَّ مُنَاشَدَةً لِلَّهِ فِي اسْتِيفَاءِ الحَقِّ مِنَ المُؤْمِنِينَ لِلَّهِ يَوْمَ القِيَامَةِ لإِخْوَانِهِمْ الَّذِينَ فِي النَّارِ، يَقُولُونَ: رَبَّنَا، كَانُوا يَصُومُونَ مَعَنَا، وَيُصَلُّونَ، وَيَحُجَّونَ، فَيُقَالَ لَهُمْ:

أَخْرِجُوا مَنْ عَرَفْتُمْ، فَتُحَرَّمُ صُوَرُهُمْ عَلَى النَّارِ، فَيُخْرِجُونَ خَلْقَاً كَثِيراً، قَدْ أَخَذَتِ النَّارُ إِلَى نِصْفِ سَاقَيْهِ، وَإِلَى رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبَّنَا، مَا بَقِيَ فِيهَا أَحَدٌ مِمَّنْ أَمَرْتَنَا بهِ، فَيَقُولُ:

ارْجِعُوا، فَمَنْ وَجَدتُّمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ دِينَارٍ مِنْ خَيْرٍ، فَأَخْرِجُوهُ، فَيُخْرِجُونَ خلقا كثيرا، ثمّ

يَقُولُونَ: رَبَّنَا، لَمْ نَذَرْ فِيهَا أَحَداً مِمَّنْ أَمَرْتَنَا بِهِ، ثُمَّ يَقُولُ ارْجِعُوا، فَمَنْ وَجَدتُّمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ نِصْفِ دِينَارٍ مِنْ خَيْرٍ، فَأَخْرِجُوهُ، فَيُخْرِجُونَ خَلْقاً كَثِيراً، ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبَّنَا، لَمْ نَذَرْ فِيهَا أَحَداً مِمَّنْ أَمَرْتَنَا، ثُمَّ يقول: ارجعوا، فمن وجدتم في قلبه مثقال ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ، فَأَخْرِجُوهُ، فَيُخْرِجُونَ خَلْقاً كَثِيراً، ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبَّنَا، لَمْ نَذَرْ فِيهَا خَيْراً» ، وكان أبو سعيدٍ الخدريُّ يَقُولُ: إِن لم تصدِّقوني في هذا الحديث، فاقرءوا إِن شئْتُمْ: إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً، فيقول اللَّه عزَّ وجلَّ:

«شَفَعَتِ المَلاَئِكَةُ، وشفع النبيون، وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين، فيقبض قبضة من النار، فيخرج مِنْهَا قَوْماً لَمْ يَعْمَلُوا خَيْراً قَطُّ ...

» الحديثَ.

انتهى.

ولفظُ البخاريِّ: «فَمَا أَنْتُمْ بِأَشَدَّ لِي مُنَاشَدَةً فِي الحَقِّ قَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنَ المُؤْمِنِينَ يَوْمَئِذٍ لِلْجَبَّارِ، إِذَا رَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ نَجُوا فِي إِخْوَانِهِم ...

» «١» الحديثَ.

وقرأ نافع وابنُ كَثيرٍ: «حَسَنَةٌ» «٢» (بالرفع) على تمام «كَانَ» ، التقدير: وإِنْ تُوجَدْ حَسَنَةٌ، ويُضَاعِفْهَا: جوابُ الشرطِ، وقرأ «٣» ابن كَثِيرٍ: «يُضَعِّفْهَا» ، وهو بناء تكثيرٍ يقتضِي أكْثَرَ مِنْ مرَّتين إِلَى أقصَى ما تريدُ مِنَ العدد، قال بعضُ المتأوِّلين: هذه الآيةُ خُصَّ بها المهاجِرُون لأن اللَّه تعالَى أعلَمَ في كتابه أنَّ الحَسَنَةَ لكُلِّ مؤُمِنٍ مضاعَفَةً عَشْرَ مرارٍ، وأَعْلَمَ في هذه الآيةِ أنها مُضَاعَفَةٌ مراراً كثيرةً حَسْبما رَوَى أبو هُرَيْرة من أنّها تضاعف ألفي ألف مرّة «٤» ، وروى غيره: أَلْفَ أَلْفِ مَرَّةٍ «٥» ، وقال بعضُهم: بَلْ وعد بذلك جَمِيعَ المؤمنينَ.

قال ع «٦» : والآيةُ تعمُّ المؤمنين والكافرين، فأمَّا المؤمنُونَ، فَيُجَازونَ في الآخِرَةِ على مثاقِيلِ الذَّرِّ، فما زاد، وأمَّا الكافِرُونَ، فما يَفْعَلُونه مِن خَيْر، فإِنه تقع عليه المكافأة بنعم

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ ﴾ قَدْ شَرَحْنا الظُّلْمَ فِيما سَلَفَ، وهو مُسْتَحِيلٌ عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، لِأنَّ قَوْمًا قالُوا: الظُّلْمُ: تَصَرُّفٌ فِيما لا يَمْلِكُ، والكُلُّ مَلَكَهُ، وقالَ آخَرُونَ: هو وضْعُ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وحِكْمَتُهُ لا تَقْتَضِي فِعْلًا لا فائِدَةَ تَحْتَهُ.

ومِثْقالُ الشَّيْءِ: زِنَةُ الشَّيْءِ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: هَذا عَلى مِثْقالِ هَذا، أيْ: عَلى وزْنِهِ.

قالَ الزَّجّاجُ: وهو مِفْعالٌ مِنِ الثِّقَلِ.

وَقَرَأتُ عَلى شَيْخِنا أبِي مَنصُورٍ اللُّغَوِيِّ قالَ: يَظُنُّ النّاسُ أنَّ المِثْقالَ وزْنُ دِينارٍ لا غَيْرَ، ولَيْسَ كَما يَظُنُّونَ.

مِثْقالُ كُلِّ شَيْءٍ: وزْنُهُ، وكُلُّ وزْنٍ يُسَمّى مِثْقالًا، وإنْ كانَ وزْنَ ألْفٍ.

قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ  ﴾ قالَ أبُو حاتِمٍ: سَألْتُ الأصْمَعِيَّ عَنْ صَنْجَةِ مِثْقالِ المِيزانِ، فَقالَ: فارِسِيٌّ، ولا أدْرِي كَيْفَ أقُولُ، ولَكِنِّي أقُولُ: مِثْقالٌ، فَإذا قُلْتُ لِلرَّجُلِ: ناوِلْنِي مِثْقالًا، فَأعْطاكَ صَنْجَةَ ألْفٍ، أوْ صَنْجَةَ حَبَّةٍ، كانَ مُمْتَثِلًا.

وَفِي المُرادِ بِالذَّرَّةِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ رَأْسُ نَمْلَةٍ حَمْراءَ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: ذَرَّةٌ يَسِيرَةٌ مِنَ التُّرابِ، رَواهُ يَزِيدُ بْنُ الأصَمِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أصْغَرُ النَّمْلِ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، وابْنُ فارِسٍ.

والرّابِعُ: الخَرْدَلَةُ.

والخامِسُ: الواحِدَةُ مِنَ الهَباءِ الظّاهِرِ في ضَوْءِ الشَّمْسِ إذا طَلَعَتْ مِن ثُقْبٍ، ذَكَرَهُما الثَّعْلَبِيُّ.

واعْلَمْ أنَّ ذِكْرَ الذَّرَّةِ ضَرْبُ مَثَلٍ بِما يُعْقَلُ، والمَقْصُودُ أنَّهُ لا يَظْلِمُ قَلِيلًا ولا كَثِيرًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ تَكُ حَسَنَةً ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ: حَسَنَةٌ بِالرَّفْعِ.

وقَرَأ الباقُونَ بِالنَّصْبِ.

قالَ الزَّجّاجُ: مَن رَفَعَ، فالمَعْنى: وإنْ تُحْدِثْ حَسَنَةً، ومَن نَصَبَ، فالمَعْنى: وإنْ تَكُ فَعَلْتَهُ حَسَنَةً.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُضاعِفْها ﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وابْنُ كَثِيرٍ: يُضْعِّفُها بِالتَّشْدِيدِ مِن غَيْرِ ألِفٍ.

وقَرَأ الباقُونَ: يُضاعِفُها بِألِفٍ مَعَ كَسْرِ العَيْنِ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُضاعِفُها بِالألِفِ: يُعْطِي مِثْلَها مَرّاتٍ، ويُضْعِّفُها بِغَيْرِ ألِفٍ: يُعْطِي مِثْلَها مَرَّةً.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن لَدُنْهُ ﴾ أيْ: مِن قَبْلِهِ.

والأجْرُ العَظِيمُ: الجَنَّةُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وإنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها ويُؤْتِ مِن لَدُنْهُ أجْرًا عَظِيمًا ﴾ "مِثْقالَ" مِفْعالٌ مِنَ الثِقْلِ، والذَرَّةُ: الصَغِيرَةُ الحَمْراءُ مِنَ النَمْلِ، وهي أصْغَرُ ما يَكُونُ إذا مَرَّ عَلَيْها حَوْلٌ، لِأنَّها تَصْغُرُ وتَجْرِي كَما تَفْعَلُ الأفْعى.

تَقُولُ العَرَبُ: أفْعى جارِيَةٌ، وهي أشَدُّها، وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ: مِنَ القاصِراتِ الطَرْفِ لَوْ دَبَّ مُحْوِلٌ مِنَ الذَرِّ فَوْقَ الأتْبِ مِنها لَأثَّرا فالمُحْوِلُ: الَّذِي أتى عَلَيْهِ الحَوْلُ،.

وقالَ حَسّانٌ: لَوْ يَدِبُّ الحَوْلِيُّ مِن ولَدِ الذَ ∗∗∗ رِّ عَلَيْها لَأنْدَبَتْها الكُلُومُ وعَبَّرَ عَنِ الذَرَّةِ يَزِيدُ بْنُ هارُونَ بِأنَّها دُودَةٌ حَمْراءُ، وهي عِبارَةٌ فاسِدَةٌ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: الذَرَّةُ: رَأْسُ النَمْلَةِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ "إنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ نَمْلَةٍ"، "مِثْقالَ": مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ "يَظْلِمُ"، والأوَّلُ مُضْمَرٌ، التَقْدِيرُ: إنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ أحَدًا مِثْقالَ.

و"يَظْلِمُ"، لا يَتَعَدّى إلّا إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، وإنَّما عُدِّيَ هُنا إلى مَفْعُولَيْنِ بِأنْ يُقَدَّرَ في مَعْنى ما يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، كَأنَّهُ قالَ: إنَّ اللهَ لا يَنْقُصُ، أو لا يَبْخَسُ، أو لا يَغْصِبُ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ نَصْبُ "مِثْقالَ" عَلى أنَّهُ بَيانٌ وصِفَةٌ لِمِقْدارِ الظُلْمِ المَنفِيِّ، فَيَجِيءُ -عَلى هَذا- نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، التَقْدِيرُ: إنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ ظُلْمًا مِثْقالَ ذَرَّةٍ، كَما تَقُولُ: إنَّ الأمِيرَ لا يَظْلِمُ قَلِيلًا ولا كَثِيرًا، أيْ: لا يَظْلِمُ ظُلْمًا قَلِيلًا ولا كَثِيرًا، فَعَلى هَذا وقَفَ "يَظْلِمُ" عَلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، وقالَ قَتادَةُ عن نَفْسِهِ -وَرَواهُ عن بَعْضِ العُلَماءِ- لَأنْ تَفْضُلَ حَسَناتِي سَيِّئاتِي بِمِثْقالِ ذَرَّةٍ أحَبُّ إلَيَّ مِنَ الدُنْيا جَمِيعًا.

وحُذِفَتِ النُونُ مِن "تَكُنْ" لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ، وشَبَهِها خِفَّةً بِحُرُوفِ المَدِّ واللِينِ.

وَقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ "حَسَنَةً" بِالنَصْبِ عَلى نُقْصانِ "كانَ"، واسْمُها مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: وإنْ تَكُ زِنَةُ الذَرَّةِ حَسَنَةً، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ "حَسَنَةٌ" بِالرَفْعِ عَلى تَمامِ "كانَ".

التَقْدِيرُ: وإنْ تَقَعْ حَسَنَةٌ، أو تُوجَدْ حَسَنَةٌ، و"يُضاعِفْها" جَوابُ الشَرْطِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ: "يُضَعِّفْها" مُشَدَّدَةَ العَيْنِ بِغَيْرِ ألِفٍ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: المَعْنى فِيهِما واحِدٌ، وهُما لُغَتانِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "يُضْعِفْها" بِسُكُونِ الضادِ وتَخْفِيفِ العَيْنِ.

ومُضاعَفَةُ الشَيْءِ في كَلامِ العَرَبِ: زِيادَةُ مِثْلِهِ إلَيْهِ، فَإذا قُلْتَ: "ضَعَّفْتُ"، فَقَدْ أتَيْتَ بِبِنْيَةِ التَكْثِيرِ، وإذا كانَتْ صِيغَةُ الفِعْلِ دُونَ التَكْثِيرِ تَقْتَضِي الطَيَّ مَرَّتَيْنِ فَبِناءُ التَكْثِيرِ بِبِنْيَةِ التَكْثِيرِ، وإذا كانَتْ صِيغَةُ الفِعْلِ دُونَ التَكْثِيرِ تَقْتَضِي الطَيَّ مَرَّتَيْنِ فَبِناءُ التَكْثِيرِ يَقْتَضِي أكْثَرَ مِنَ المَرَّتَيْنِ إلى أقْصى ما تُرِيدُ مِنَ العَدَدِ، وإذا قُلْتَ: "ضاعَفْتُ" فَلَيْسَ بِبِنْيَةِ تَكْثِيرٍ، ولَكِنَّهُ فِعْلٌ صِيغَتُهُ دالَّةٌ عَلى الطَيِّ مَرَّتَيْنِ فَما زادَ.

هَذِهِ أُصُولُ هَذا البابِ عَلى مَذْهَبِ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ، وقَدْ ذَكَرَ أبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ المُثَنّى في كِتابِ المَجازِ أنَّ "ضاعَفْتُ" يَقْتَضِي مِرارًا كَثِيرَةً.

و"ضَعَّفْتُ" يَقْتَضِي مَرَّتَيْنِ، وقالَ مِثْلَهُ الطَبَرِيُّ، ومِنهُ نَقَلَ، ويَدُلُّكَ عَلى تَقارُبِ الأمْرِ في المَعْنى ما قُرِئَ بِهِ في قَوْلِهِ ﴿ فَيُضاعِفَهُ لَهُ أضْعافًا كَثِيرَةً  ﴾ فَإنَّهُ قُرِئَ: "يُضاعِفَهُ"، و"يُضَعِّفَهُ"، وما قُرِئَ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: "يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ" فَإنَّهُ قُرِئَ: "يُضَعَّفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ".

وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: هَذِهِ الآيَةُ خُصَّ بِها المُهاجِرُونَ، لِأنَّ اللهَ أعْلَمَ في كِتابِهِ أنَّ الحَسَنَةَ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ مُضاعَفَةٌ عَشْرَ مِرارٍ، وأعْلَمَ في هَذِهِ أنَّها مُضاعَفَةٌ مِرارًا كَثِيرَةً جِدًّا حَسَبَ ما رَوى أبُو هُرَيْرَةَ مِن أنَّها تُضاعَفُ ألْفَيْ ألْفِ مَرَّةٍ، ورَوى غَيْرُهُ مِن أنَّها تُضاعَفُ ألْفَ ألْفِ مَرَّةٍ، ولا يَسْتَقِيمُ أنْ يَتَضادَّ الخَبَرانِ، فَهَذِهِ مَخْصُوصَةٌ لِلْمُهاجِرِينَ السابِقِينَ، حَسْبَما رَوى عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ: أنَّها لَمّا نَزَلَتْ: ﴿ مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها  ﴾ في الناسِ كافَّةً، قالَ رَجُلٌ، فَما لِلْمُهاجِرِينَ؟

فَقالَ ما هو أعْظَمُ مِن هَذا ﴿ إنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ ﴾ الآيَةَ.

فَخُصُّوا بِهَذا كَما خُصَّتْ نَفَقَةُ سَبِيلِ اللهِ بِتَضْعِيفِ سَبْعِمِائَةِ مَرَّةٍ، ولا يَقَعُ تَضادٌّ في الخَبَرِ.

وقالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ وعَدَ بِذَلِكَ جَمِيعَ المُؤْمِنِينَ، ورُوِيَ في ذَلِكَ أحادِيثُ وهِيَ: "أنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ يَجْمَعُ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ في صَعِيدٍ واحِدٍ، فَيُنادِي: هَذا فُلانُ بْنُ فُلانٍ، فَمَن كانَ لَهُ عِنْدَهُ حَقٌّ فَلْيَقُمْ قالَ: فَيُحِبُّ الإنْسانُ أنْ لَوْ كانَ لَهُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ عَلى أبِيهِ وابْنِهِ، فَيَأْتِي كُلُّ مَن لَهُ حَقٌّ فَيَأْخُذُ مِن حَسَناتِهِ حَتّى يَقَعَ الِانْتِصافُ، ولا يَبْقى لَهُ إلّا وزْنُ الذَرَّةِ، فَيَقُولُ اللهُ تَعالى: أضْعِفُوها لِعَبْدِي، واذْهَبُوا بِهِ إلى الجَنَّةِ"، وهَذا يَجْمَعُ مَعانِيَ ما رُوِيَ مِمّا لَمْ نَذْكُرْهُ.

والآيَةُ تَعُمُّ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ، فَأمّا المُؤْمِنُونَ فَيُجازَوْنَ في الآخِرَةِ عَلى مَثاقِيلِ الذَرِّ فَما زادَ، وأمّا الكافِرُونَ فَما يَفْعَلُونَ مِن خَيْرٍ فَتَقَعُ المُكافَأةُ عَلَيْهِ بِنِعَمِ الدُنْيا، ويَجِيئُونَ يَوْمَ القِيامَةِ ولا حَسَنَةَ لَهم.

و"لَدُنْهُ" مَعْناهُ: مِن عِنْدِهِ، قالَ سِيبَوَيْهِ: هي لِابْتِداءِ الغايَةِ فَهي تُناسِبُ أحَدَ مَواضِعِ "مِن"، ولِذَلِكَ التَأما، ودَخَلَتْ "مِن" عَلَيْها.

والأجْرُ العَظِيمُ: الجَنَّةُ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وابْنُ زَيْدٍ، واللهُ إذا مَنَّ بِتَفَضُّلِهِ بَلَغَ بِعَبْدِهِ الغايَةَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف بعد أن وصف حالهم، وأقام الحجّة عليهم، وأراهم تفريطهم مع سهولة أخذهم بالحيطة لأنفسهم لو شاءوا، بيّن أنّ الله منزّه عن الظلم القليل، بله الظلم الشديد، فالكلام تعريض بوعيد محذوف هو من جنس العقاب، وأنّه في حقّهم عدل، لأنّهم استحقّوه بكفرهم، وقد دلّت على ذلك المقدّر أيضاً مقابلته بقوله: ﴿ وإن تك حسنة ﴾ ولمّا كان المنفي الظلم، على أنّ (مثقال ذرّة) تقدير لأقلّ ظلم، فدلّ على أنّ المراد أنّ الله لا يؤاخذ المسيء بأكثر من جزاء سيّئته.

وانتصب ﴿ مثقال ذرة ﴾ بالنيابة عن المفعول المطلق، أي لا يظلم ظُلما مقدّراً بمثقال ذرّة، والمثقال ما يظهر به الثِّقَل، فلذلك صيغَ على وزن اسم الآلة، والمراد به المقدار.

والذَّرة تطلق على بيضة النمْلة، وعلى ما يتطاير من التراب عند النفخ، وهذا أحقر ما يقدُر به، فعلم انتفاء ما هو أكثر منه بالأولى.

وقرأ نافع وابن كثير وأبو جعفر ﴿ حسنة ﴾ بالرفع على أنّ (تك) مضارع كان التامّة، أي إن تُوجَدْ حسنةٌ.

وقرأه الجمهور بنصب ﴿ حسنة ﴾ على الخبرية ل ﴿ تَكُ ﴾ على اعتبار كان ناقصة، واسم كان المُسْتتر عائد إلى مثقال ذرّة، وجيء بفعل الكون بصيغة فِعل المؤنث مراعاةً لفظ ذرّة الذي أضيف إليه مثقالُ، لأنّ لفظ مثقال مبهم لا يميّزه إلاّ لفظ ذرّة فكان كالمستغنى عنه.

والمضاعفة إضافة الضّعف بكسر الصاد أي المِثْل، يقال: ضاعف وضَعَّف وأضْعَفَ، وهي بمعنى واحد على التحقيق عند أيمّة اللغة، مثل أبي علي الفارسي.

وقال أبو عُبيدة ضاعف يقتضي أكثر من ضِعْففٍ واحد وضعّف يقتضي ضعفين.

وردّ بقوله تعالى: ﴿ يضاعف لها العذاب ضعفين ﴾ [الأحزاب: 30].

وأمّا دلالة إحدى الصيغ الثلاث على مقدار التضعيف فيؤخذ من القرائن لحكمة الصيغة.

وقرأ الجمهور: ﴿ يضاعفها ﴾ ، وقرأه ابن كثير، وابن عامر، وأبو جعفر: ﴿ يُضَعِّفها ﴾ بدون ألف بعد العين وبتشديد العين.

والأجر العظيم ما يزاد على الضعف، ولذلك أضافه الله تعالى إلى ضمير الجلالة، فقال: ﴿ من لدنه ﴾ إضافة تشريف.

وسمّاه أجرا لكونه جزاء على العمل الصالح، وقد روي أنّ هذا نزل في ثواب الهجرة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ ﴾ أصْلُ المِثْقالِ الثِّقَلُ، والمِثْقالُ مِقْدارُ الشَّيْءِ في الثِّقَلِ.

والذَّرَّةُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ هي دُودَةٌ حَمْراءُ، قالَ يَزِيدُ بْنُ هارُونَ: زَعَمُوا أنَّ هَذِهِ الدُّودَةَ الحَمْراءَ لَيْسَ لَها وزْنٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ ﴾ وشَهِيدُ كُلِّ أُمَّةٍ نَبِيُّها، وفي المُرادِ بِشَهادَتِهِ عَلَيْها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنْ يَشْهَدَ عَلى كُلِّ أُمَّتِهِ بِأنَّهُ بَلَّغَها ما تَقُومُ بِهِ الحُجَّةُ عَلَيْها، وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ جُرَيْجٍ، والسُّدِّيِّ.

والثّانِي: أنْ يَشْهَدَ عَلَيْها بِعَمَلِها، وهو قَوْلُ بَعْضِ البَصْرِيِّينَ.

﴿ وَجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا ﴾ يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ  في الشَّهادَةِ عَلى أُمَّتِهِ، رَوى ابْنُ مَسْعُودٍ «أنَّهُ قَرَأ عَلى رَسُولِ اللَّهِ: ﴿ فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا ﴾ فَفاضَتْ عَيْناهُ  .» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الأرْضُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الَّذِينَ تَمَنَّوْهُ مِن تَسْوِيَةِ الأرْضِ بِهِمْ أنْ يَجْعَلَهم مِثْلَها، كَما قالَ تَعالى في مَوْضِعٍ آخَرَ ﴿ وَيَقُولُ الكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا  ﴾ .

والثّانِي: أنَّهم تَمَنَّوْا لَوِ انْفَتَحَتْ لَهُمُ الأرْضُ فَصارُوا في بَطْنِها.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ إن الله لا يظلم مثقال ذرة ﴾ قال: رأس نملة حمراء.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ مثقال ذرة ﴾ قال: نملة.

وأخرج ابن أبي داود في المصاحف من طريق عطاء عن عبد الله أنه قرأ ﴿ إن الله لا يظلم مثقال نملة ﴾ .

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ إن الله لا يظلم مثقال ذرة ﴾ قال: وزن ذرة.

وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني عن ابن عمر قال: نزلت هذه الآية في الأعراب، من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها.

فقال رجل: وما للمهاجرين؟

قال: ﴿ إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجراً عظيماً ﴾ وإذا قال الله لشيء عظيم فهو عظيم.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة.

أنه تلا هذه الآية فقال: لأن تفضل حسناتي على سيئاتي بمثقال ذرة أحب إليَّ من الدنيا وما فيها.

وأخرج الطيالسي وأحمد ومسلم وابن جرير عن أنس.

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله لا يظلم المؤمن حسنة يثاب عليها الرزق في الدنيا ويجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بها في الدنيا فإذا كان يوم القيامة لم تكن له حسنة» .

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن ماجة وابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي سعيد الخدري.

أي النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان» قال أبو سعيد: فمن شك فليقرأ ﴿ إن الله لا يظلم مثقال ذرة ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال: «يؤتى بالعبد يوم القيامة فينادي مناد على رؤوس الأولين والآخرين: هذا فلان بن فلان، من كان له حق فليأت إلى حقه.

فيفرح والله المرء أن يدور له الحق على والده أو ولده أو زوجته فيأخذه منه وإن كان صغيراً، ومصداق ذلك في كتاب الله ﴿ فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون ﴾ [ المؤمنون: 101] فيقال له: ائت هؤلاء حقوقهم.

فيقول: أي رب ومن أين وقد ذهبت الدنيا؟

فيقول الله لملائكته: انظروا أعماله الصالحة وأعطوهم منها.

فإن بقي مثقال ذرة من حسنة قالت الملائكة: يا ربنا أعطينا كل ذي حق حقه وبقي له مثقال ذرة من حسنة.

فيقول للملائكة: ضعفوها لعبدي، وأدخلوه بفضل رحمتي الجنة، ومصداق ذلك في كتاب الله ﴿ إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجراً عظيماً ﴾ أي الجنة يعطيها.

وإن فنيت حسناته وبقيت سيئاته قالت الملائكة: إلهنا فنيت حسناته وبقي طالبون كثير.

فيقول الله: ضعوا عليه من أوزارهم واكتبوا له كتاباً إلى النار» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ وإن تك حسنة ﴾ وزن ذرة زادت على سيئاته ﴿ يضاعفها ﴾ ، فأما المشرك فيخفف به عنه العذاب ولا يخرج من النار أبداً.

واخرج ابن المنذر عن أبي رجاء أنه قرأ: ﴿ وإن تك حسنة يضعفها ﴾ بتثقيل العين.

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي عثمان قال: بلغني عن أبي هريرة أنه قال: إن الله يجزي المؤمن بالحسنة ألف ألف حسنة.

فأتيته فسألته...؟

قال: نعم.

وألفي ألف حسنة، وفي القرآن من ذلك ﴿ إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ﴾ فمن يدري ما ذلك الإضعاف.

وأخرج ابن جرير عن أبي عثمان النهدي قال: لقيت أبا هريرة فقلت له: بلغني أنك تقول أن الحسنة لتضاعف ألف ألف حسنة!

قال: وما أعجبك من ذلك؟

فوالله لقد سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله ليضاعف الحسنة ألفي ألف حسنة» .

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي هريرة ﴿ ويؤت من لدنه أجراً عظيماً ﴾ قال: الجنة.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ﴾ الآية.

قد ذكرنا أن الظلم يستعمل في معان كثيرة.

وهو ههنا بمعنى النقص.

قال ابن عباس: يريد لا ينقص مثقال ذرة (١) والمثقال مقدار الشيء في الثِّقل.

وهو مفعال من الثقل، يقال: هذا على مثقال هذا، أي وزن هذا.

ومعنى ﴿ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ﴾ : أي ما يكون وزنه وزن الذرة (٢) وأما الذرة فهي النملة الحميراء الصغيرة في قول أهل اللغة (٣) (٤) (٥) وروى يزيد بن الأصم (٦) (٧) والمراد من هذا: لا يظلم قليلًا ولا كثيرًا، ولكن الكلام خرج على أصغر ما يتعارفه الناس، يدل على هذا قوله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا  ﴾ .

قال ابن عباس: نزل قوله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ﴾ في المنافقين، وقوله تعالى: ﴿ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً ﴾ في المؤمنين.

يقول: لا ينقص ﴿ مِثْقَالَ ﴾ (٨) (٩) وقال آخرون: هذا على العموم (١٠)  قال: "وإن الله لا يظلم حسنة، أما المؤمن فيثاب عليها الرزق في الدنيا، ويجزى بها في الآخرة.

وأما الكافر فيُطعم بها في الدنيا، فإذا كان يوم القيامة لم تكن له حسنة" (١١) وذهب بعضهم إلى تأويل هذه الآية: إن الله لا يظلم مثقال ذرة للخصم على الخصم، بل يأخذ له ومنه، ولا يظلم مثقال ذرة تبقى للخصم، بل يثيبه عليها ويُضعفها له.

واحتجوا بما روي عن ابن مسعود أنه قال: يُؤتى بالعبد يوم القيامة وينادي منادٍ على رؤوس الأولين والآخرين: هذا فلان بن فلان، من كان له عليه حق فليأت إلى حقه.

ثم يقال له: آت هؤلاء حقوقهم.

فيقول: يا رب من أين وقد ذهبت الدنيا.

فيقول الله لملائكته في أعماله الصالحة: فأعطوهم منها، فإن بقي مثقال ذرة من حسنة ضعّفها الله تعالى لعبده وأدخله الجنة بفضل رحمته.

ومصداق ذلك في كتاب الله ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ﴾ (١٢) وقوله تعالى: ﴿ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً ﴾ .

الأصل: وإن تكن (بالنون) كقوله: ﴿ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا  ﴾ ، وذلك أن النون إذا سكنت (١٣) ووجه شبه النون بحروف اللين أنَّ الغنة التي في النون كاللين الذي في حروف اللين، وأيضًا فإنها تحذف لالتقاء الساكنين، كما حذفوهن كلذلك في نحو: غزا القوم، وتغطي ابنك وتصبو (١٤) (١٥) (١٦) فلست بآتيه ولا أستطيعه ...

ولكِ اسقني إن كان ماؤك ذا فضل (١٧) وأنشد قُطرب: لم يك الحق سوى أن هاجه ...

رسم دار قد تعفى بالسِّرر (١٨) يريد بالأول: ولكن، والثاني: لم يكن، فلم يحرِّكا وحذفا.

جعلوا النون أيضًا علمًا للرفع في نحو: يقومان ويقومون وتقومين، كما جعلوا الواو والألف علمًا له، نحو: أخوك وأبوك، والزيدان، والزيدون، إلى غير ذلك مما يطول ذكره (١٩) وقرئ قوله: (حسنةٌ) بالرفع والنصب (٢٠) والنصب حسن، لتقدم ذكر (مثقال ذرة)، فتجعل الذرة اسمًا وحسنة الخبر، على تقدير: وإن تكن الذرة حسنةً يضاعفها الله (٢١) قال ابن عباس: ﴿ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً ﴾ يريد: من مؤمن ﴿ يُضَاعِفْهَا ﴾ يريد: عشرة أضعافها (٢٢) وقال السدي: هذا عند الحساب والقصاص (فمن بقي له من الحسنات شيء يضاعفه بسبع مائة، وإلى الأجر العظيم (٢٣) ولهذا كان يقول بعض الصالحين: فُصَلت (٢٤) (٢٥) (٢٦) وقوله تعالى: ﴿ وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾ قال عطاء: يريد من عنده أجرًا عظيمًا يتفضل عليه بأكثر من العشرة الأضعاف (٢٧) وقال الكلبي: الأجر العظيم الجنة (٢٨) وقال الحسن: هذا أحب إلى العلماء؛ أن لو قال: الحسنة بمائة ألف وهو كقوله: ﴿ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ  ﴾ ، ولم يقل مثل ألف شهر (٢٩) وقال أبو عثمان النهدي (٣٠) (٣١) (٣٢) ﴿ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾ فمن يقدر قدره (٣٣) وسنذكر اللغات في لدن والكلام فيه في سورة الكهف إن شاء الله.

(١) أورده المصنف في "الوسيط" 2/ 550 من رواية عطاء ولم أقف عليه، وانظر: "الكشف والبيان" (4/ 55/ أ).

(٢) انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 119، والطبري 5/ 88، "معاني الزجاج" 2/ 52، "النكت والعيون" 1/ 488.

(٣) انظر: "اللسان" 3/ 1494 (ذرر).

(٤) أخرج الأثر عنه - الطبري 5/ 89، وذكره الثعلبي (4/ 55 أ)، وانظر: "زاد المسير" 2/ 85، "الدر المنثور" 2/ 290.

(٥) لم أقف على قوله، وقد خرج الطبري مثل هذا القول عن يزيد بن هارون كما في "تفسير الطبري" 5/ 89، فيحتمل أن "يزيد" تصحف من النساخ إلى "ابن زيد" والله أعلم.

(٦) هو أبو عوف يزيد بن عمرو (الأصم) بن عبيد البكائي المدني، من ثقات التابعين، وهو ابن خالة ابن عباس  ما توفي -رحمه الله- سنة 103هـ.

انظر: "تاريخ الثقات" 2/ 360، "التقريب" رقم (7685).

(٧) انظر: "زاد المسير" 2/ 85.

(٨) ليس في (د).

(٩) لم أقف عليه، وانظر: "تنوير المقياس" بهامش المصحف ص 85.

(١٠) أي عموم المؤمنين والكافرين.

(١١) أخرجه مسلم (2808) كتاب صفات المنافقين باب: جزاء المؤمن بحسناته في الدنيا والآخرة وتعجيل حسنات الكافر في الدنيا.

(١٢) أخرجه بنحوه الطبري 5/ 89 - 90 بأكثر من طريق، وابن أبي حاتم ونقله ابن كثير 1/ 544 عنه بإسناده ثم قال: "ولبعض هذا الأثر شاهد في الحديث الصحيح" وصحح إسناد ابن أبي حاتم أحمد شاكر في تحقيقه للطبري، وقال عن هذا الأثر: "والحديث أثر موقوف على ابن مسعود، ولكني أراه من المرفوع حكمًا، فإن ما ذكره ابن مسعود مما لا يعرف بالرأي، وما كان ابن مسعود ليقول هذا من عند نفسه، وليس هو ممن ينقل عن أهل الكتاب ولا يقبل الإسرائيليات".

وانظر: "الدر المنثور" 2/ 290.

(١٣) في (د): (سقطت).

(١٤) هكذا في: (أ) ولعل الصواب بدون ألف.

(١٥) هكذا في: (أ) بالباء الموحدة، ولعل الصواب: "ولا الياء" بالمثناة التحتية، وهو كما في (د).

(١٦) انظر: "سر صناعة الإعراب" 2/ 540، 540، "الخصائص" 1/ 90، "عمدة الحفاظ" ص (505) (كون).

(١٧) الكتاب 1/ 27، وعزا البيت للنجاشي (قيس بن عمرو الحارثي) وهو يصف ذئبًا.

انظر: "الخصائص" 1/ 310، "سر صناعة الإعراب" 2/ 440، 541 بتحقيق هنداوي "الإنصاف" ص 546 بتحقيق عبد الحميد.

(١٨) البيت لحسيل بن عرفطة (شاعر جاهلي) والضمير في "هاجه" يعود على عائق في بيت قبله، "السرر" اسم موضع قرب مكة.

انظر: "النوادر" لأبي زيد ص (77)، "سر صناعة الإعراب" 2/ 440، 540 بتحقيق هنداوي، "الخصائص" 1/ 90.

(١٩) "سر صناعة الإعراب" 2/ 440، وانظر: "الكتاب" 1/ 19.

(٢٠) بالرفع لأبي جعفر ونافع وابن كثير، وبالنصب لبقية العشرة انظر: "السبعة" ص 233، "الحجة" 3/ 160، "المبسوط" ص (156)، "النشر" 2/ 249.

(٢١) انظر: "الحجة" 3/ 160، "إعراب القراءات السبع" 1/ 133، "معاني القراءات" 1/ 308.

(٢٢) أورده المؤلف في "الوسيط" 2/ 551، وانظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 85.

(٢٣) لم أقف عليه.

(٢٤) هكذا، ولعل الصواب: "لو فضلت".

(٢٥) هذا القول لقتادة، أخرجه عنه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 160، والطبري 5/ 88.

(٢٦) ما بين القوسين لم يتضح كاملا في (أ) بسبب الطمس والتآكل في النسخة.

(٢٧) أورده المؤلف في "الوسيط" 2/ 552 دون نسبة لعطاء، ولم أقف عليه.

(٢٨) انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 85، وقد ورد هذا التفسير عن ابن مسعود، وسعيد بن جبير وابن زيد.

أخرج ذلك عنهم الطبري 5/ 91 - 92.

(٢٩) لم أقف عليه.

(٣٠) هو عبد الرحمن بن مل -بميم مثلثة ولام ثقيلة- النهدي، مشهور بكنيته، من كبار الرواة الثقاة وهو من المخضرمين، وكان من العباد.

توفي -رحمه الله- سنة 95 هـ.

وله من العمر 130 سنة أو أكثر.

انظر: "سير أعلام النبلاء" 4/ 175، "تقريب التهذيب" ص (351) (4017).

(٣١) تقدمت ترجمته.

(٣٢) في (د): (ألف ألف).

(٣٣) أخرجه بنحوه وآخره مرفوعًا الإمام أحمد 2/ 296، والطبري 5/ 91، والثعلبي 4/ 57، وعزاه ابن كثير 1/ 545 إلى ابن أبي حاتم والسيوطي في "الدر المنثور" 2/ 291 إلى ابن أبي شيبة أيضًا.

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُواْ بالله واليوم الآخر ﴾ الآية: استدعاء لهم كملاطفة أو توبيخ على ترك الإيمان والإنفاق، كأنه يقول أي مضرة عليهم في ذلك ﴿ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ﴾ أي وزنها، وهي النملة الصغيرة، وذلك تمثيل بالقليل تنبيهاً على الكثير ﴿ وَإِن تَكُ حَسَنَةً ﴾ بالرفع فاعل، وتك تامة، وبالنصب خبر على أنها ناقصة واسمها مضمر فيها ﴿ يضاعفها ﴾ أي يكثرها واحد البر بعشر إلى سبعمائة أو أكثر ﴿ وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ ﴾ أي من عنده تفضلاً وزيادة على ثواب العمل.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: {يكفر{ و ﴿ يدخلكم ﴾ بياء الغيبة: المفضل.

الباقون بالنون.

﴿ مدخلاً ﴾ بفتح الميم وكذلك في الحج: أبو جعفر ونافع.

الباقون بالضم ﴿ واسئلوا ﴾ وبابه مما دخل عليه واو العطف أو فاؤه بغير همزة: ابن كثير وعلي وخلف وسهل وحمزة في الوقف.

﴿ عقدت ﴾ من العقد: عاصم وحمزة وعلي وخلف.

الباقون ﴿ عاقدت ﴾ من المعاقدة ﴿ بما حفظ الله ﴾ بالنصب: يزيد.

الباقون بالرفع.

﴿ والجار ﴾ بالإمالة: إبراهيم بن حماد وقتيبة ونصير وأبو عمرو وحمزة في رواية ابن سعدان وأبي عمرو والنجاري عن ورش ﴿ والجار الجنب ﴾ بفتح الجيم وسكون النون: المفضل.

البقاون بضمتين ﴿ بالبخل ﴾ بفتحيتن حيث كان: حمزة وعلي وخلف والمفضل عباس مخير.

الباقون: بضم الباء وسكون الخاء.

﴿ حسنة ﴾ بالرفع: ابن كثير وأبو جعفر ونافع.

الباقون بالنصب ﴿ يضعفها ﴾ بالتشديد: ابن كثير وابن عامر ويزيد ويعقوب.

الباقون ﴿ يضاعفها ﴾ بالألف.

الوقوف: ﴿ كريماً ﴾ ه ﴿ على بعض ﴾ ط ﴿ مما اكتسبن ﴾ ط ﴿ من فضله ﴾ ط ﴿ عليماً ﴾ ه ﴿ والأقربون ﴾ ط بناء على أن ما بعد مبتدأ ﴿ نصيبهم ﴾ ط ﴿ شهيداً ﴾ ه ﴿ من أموالهم ﴾ ج لأن ما يتلوا مبتدأ ﴿ بما حفظ الله ﴾ ط ﴿ واضربوهن ﴾ ج لابتداء الشرط مع فاء التعقيب ﴿ سبيلاً ﴾ ط ﴿ كبيراً ﴾ ه ﴿ من أهلها ﴾ ج لأن " أن " للشرط مع اتحاد الكلام ﴿ بينهما ﴾ ط ﴿ خبيراً ﴾ ه ﴿ وابن السبيل ﴾ ط للعطف ﴿ أيمانكم ﴾ ط ﴿ فخوراً ﴾ ه لا بناء على أن الذين بدل ﴿ من فضله ﴾ ط ﴿ مهيناً ﴾ ه ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والعطف ﴿ باليوم الآخر ﴾ ط وإن جعل "الذين" مبتدأ لأن خبره محذوف أي فأولئك قرينهم الشيطان ﴿ قريناً ﴾ ه ﴿ رزقهم الله ﴾ ط ﴿ عليماً ﴾ ه ﴿ ذرة ﴾ ط لانقطاع النظم مع اتفاق المعنى أي لا يظلم بنقص الثواب ومع ذلك يضاعفه ﴿ عظيماً ﴾ ه.

التفسير: هذا كالتفصيل للوعيد المتقدم.

ومن الناس من قال: جميع الذنوب والمعاصي كبائر.

روى سعيد بن جبير عن ابن عباس: كل شيء عصي الله فيه فهو كبيرة، فمن عمل شيئاً منها فليستغفر الله فإنّ الله لا يخلد في النار من هذه الأمة إلاّ راجعاً عن الإسلام أو جاحداً فريضة أو منكراً لقدر.

وضعف بأن الذنوب لو كانت كلها كبائر لم يبق فرق بين ما يكفر باجتناب الكبائر وبين الكبائر وبقوله  : ﴿ وكل صغير وكبير مستطر  ﴾ ﴿ لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها  ﴾ وبأنه  نص على ذنوب بأعيانها أنها كبائر، وبقوله  : ﴿ وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان  ﴾ ولا بد من فرق بين الفسوق والعصيان.

فالكبائر هي الفسوق، والصغائر العصيان.

حجة المانع ما روي عن ابن عباس: أنّ الذنب إنما يكبر لوجهين: لكثرة نعم من / عصى فيه ولجلالته، ولا شك أن نعمه  غير متناهية وأنه أجل الموجودات فيكون عصيانه كبيراً.

وعورض بأنه أرحم الراحمين وأغنى عن طاعات المطيعين، وكل ذلك يوجب خفة الذنب وإن سلم أن الذنوب كلها كبائر من حيث إنها ذنوب ولكن بعضها أكبر من بعض وذلك يوجب التفاوت.

وإذ قد عرفت أن الذنوب بعضها صغائر وبعضها كبائر فالكبيرة تتميز عن الصغيرة بذاتها أو باعتبار فاعلها.

ذهب إلى كل واحد طائفة.

فمن الأولين من قال: ويروى عن ابن عباس كل ما جاء في القرآن مقروناً بذكر الوعيد فهو كبيرة كالقتل المحرم والزنا وأكل مال اليتيم وغيرها.

وزيف بأنه لا ذنب إلاّ وهو متعلق الذم عاجلاً والعقاب آجلاً فيكون كل ذنب كبيراً وهو خلاف المفروض.

وعن ابن مسعود أن الكبائر هي ما نهى الله  في الآيات المتقدمة، وضعف بأنه  ذكر الكبائر في سائر السور أيضاً فلا وجه للتخصيص.

وقيل: كل عمد فهو كبير.

ورُدّ بأنه إن أراد بالعمد أنه ليس بساهٍ فما هذا حاله فهو الذي نهى الله عنه فيكون كل ذنب كبيراً وقد أبطلناه، وإن أراد بالعمد أن يفعل المعصية مع العلم بأنها معصية فلا يكون كفر اليهود والنصارى كبيراً وهو باطل بالاتفاق.

وأما الذين يقولون الكبائر تمتاز عن الصغائر باعتبار فاعلها، فوجهه أنّ لكل طاعة قدراً من الثواب، ولكل معصية قدراً من العقاب.

فإذا وجد للإنسان طاعة ومعصية فالتعادل بين الاستحقاقين وإن كان ممكناً بحسب العقل إلاّ أنه غير ممكن بحسب السمع وإلاّ لم يكن مثل ذلك المكلف لا في الجنة ولا في النار وقد قال  : ﴿ فريق في الجنة وفريق في السعير  ﴾ فلا بد من ترجيح أحدهما، ويلزم حينئذٍ الإحباط والتكفير.

والحق في هذه المسألة وعليه الأكثرون بعد ما مرّ من إثبات قسمة الذنب إلى الكبير والصغير أنه  لم يميّز جملة الكبائر عن جملة الصغائر لما بين في هذه الآية أن الاجتناب عن الكبائر يوجب تكفير الصغائر.

فلو عرف المكلف جميع الكبائر اجتنبها فقط واجترأ على الإقدام على الصغائر، أما إذا عرف أنه لا ذنب إلاّ ويجوز كونه كبيراً صار هذا المعنى زاجراً له عن الذنوب كلها، ونظير هذا في الشرع إخفاء ليلة القدر في ليالي رمضان، وساعة الإجابة في ساعات الجمعة، ووقت الموت في جملة الأوقات.

هذا ولا مانع من أن يبيّن الشارع في بعض الذنوب أنه كبيرة كما روي أنه  قال: " اجتنبوا السبع الموبقات الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلاّ بالحق وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات " وذكر عند ابن عباس أنها سبعة / فقال: هي إلى السبعين أقرب.

وفي رواية إلى السبعمائة.

وعن ابن عمر أنه عدّ منها: استحلال آميّن البيت الحرام وشرب الخمر.

وعن ابن مسعود: زيادة القنوط من رحمة الله والأمن من مكره.

وفي بعض الروايات عن النبي  زيادة قول الزور وعقوق الوالدين والسرقة.

وأما قول العلماء في الكبيرة فمنهم من قال: هي التي توجب الحد.

وقيل: هي التي يلحق صاحبها الوعيد الشديد بنص أو كتاب أو سنة.

وقيل: كل جريرة تؤذن بقلة اكتراث صاحبها بالدين.

وقيل: لا كبيرة مع الاستغفار ولا صغيرة مع الإصرار.

ويراد بالإصرار المداومة على نوع واحد من الصغائر، أو الإكثار منها وإن لم تكن من نوع واحد.

احتج أبو القاسم الكعبي بالآية على القطع بوعيد أهل الكبائر لأنها تدل على أنه إذا لم يجتنب الكبائر فلا تكفر عنه.

والجواب عنه أن استثناء نقيض المقدم لا ينتج ويؤيده قوله تعالى: ﴿ فإن أمن بعضكم بعضاً فليؤد الذي اؤتمن أمانته  ﴾ وأداء الأمانة واجب أمنه أو لم يأمنه.

سلمنا أنّ الآية رجعت إلى قوله من لم يجتنب الكبائر لم يكفر عنه سيّئاته، فغايته أنه يكون عاماً في باب الوعيد.

والجواب عنه هو الجواب عن سائر العمومات، وهو أنه مشروط بعدم العفو عندنا كما أنه مشروط عندكم بعدم التوبة.

ثم قالت المعتزلة: إنّ عند اجتناب الكبائر يجب غفران الصغائر، وعندنا لا يجب على الله شيء بل كل ما يفعله فهو فضل وإحسان.

ويدخل في الاجتناب عن الكبائر الإتيان بالطاعات لأن ترك الواجب أيضاً كبيرة.

﴿ وندخلكم مدخلاً ﴾ فمن فتح الميم أراد مكان الدخول، ومن ضمها أراد الإدخال.

ووصفه بالكرم إشعار بأنه على وجه التعظيم خلاف إدخال أهل النار الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم، أو هو وصف باعتبار صاحبه.

ثم إنه  لما أمرهم بتهذيب أعمال الجوارح وهو أن لا يقدموا على أكل الأموال بالباطل وعلى قتل الأنفس، حثهم على تهذيب الأخلاق في الباطن.

أو نقول: لما نهاهم عن الأكل والقتل ولن يتم ذلك إلاّ بالرضا بالقضاء وتطييب القلب بالمقسوم المقدّر، فلا جرم قال: ﴿ ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض ﴾ قالت المعتزلة: التمني قول القائل: "ليته كذا".

وقال أهل السنة: هو عبارة عن إرادة ما يعلم أن يظن أنه لا يكون ولهذا قالوا: إنه  لو أراد من الكافر أن يؤمن مع علمه بأنه لا يؤمن كان متمنياً.

ثم مراتب السعادات إما نفسانية نظرية كالذكاء والحدس وحصول المعارف والحقائق، أو عملية كالأخلاق الفاضلة، وإما بدنية كالصحة والجمال والعمر، وإما خارجية كحصول الأولاد النجباء وكثرة العشائر والأصدقاء والرياسة التامة ونفاذ القول وكونه محبوباً للخلق حسن الذكر مطاع الأمر، فهذه مجامع السعادات.

وبعضها محض عطاء الله  ، وبعضها مما / يظن أنها كسبية.

وبالحقيقة كلها عطاء منه  فإنه لولا ترجيح الدواعي وإزالة العوائق وتحصيل الموجبات وتوفيق الأسباب فلأي سبب يكون السعي والجد مشتركاً فيه، والفوز بالبغية والظفر بالمطلوب غير مشترك فيه؟

وإذا كان كذلك فما الفائدة في الحسد غير الاعتراض على مدبر الأمور وكافل مصالح الجمهور؟

فعلى كل أحد أن يرضى بما قسم له علماً بأن ما قسم له هو خير له، ولو كان خلافه لكان وبالاً عليه كما قال: ﴿ ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض  ﴾ وفي الكلمات القدسية: " من استسلم لقضائي وصبر على بلائي وشكر نعمائي كتبته صديقا وبعثته يوم القيامة مع الصديقين.

ومن لم يرض بقضائي ولم يصبر على بلائي ولم يشكر نعمائي فليخرج من أرضي وسمائي وليطلب رباً سوائي" قال المحققون: لا يجوز للإنسان أن يقول: اللهم أعطني داراً مثل دار فلان، وزوجة مثل زوجة فلان، وإن كان هذا غبطة لا حسداً، بل ينبغي أن يقول: اللهم أعطني ما يكون صلاحاً لي في ديني ودنياي ومعادي ومعاشي.

وعن الحسن: لا يتمن أحد المال فلعل هلاكه في ذلك المال.

أما سبب النزول فعن مجاهد قالت أم سلمة: يا رسول الله يغزو الرجال ولا نغزو، ولهم من الميراث ضعف ما لنا فنزلت.

وعن قتادة والسدي: لما نزل قوله: ﴿ للذكر مثل حظ الأنثيين  ﴾ قال الرجال: نرجو أن نفضل على النساء في الآخرة كما فضلنا في الميراث.

وقال النساء: نرجو أن يكون الوزر علينا نصف ما على الرجال.

وفي رواية قلن: نحن أحوج لأن ضعفاءهم أقدر على طلب المعاش فنزلت.

وقيل: أتت وافدة النساء إلى الرسول وقالت: رب الرجال والنساء واحد، وأنت الرسول إلينا وإليهم، وأبونا آدم وأمنا حواء فما السبب في أن الله يذكر الرجال ولا يذكرنا؟

فنزلت الآية.

فقالت: وقد سبقنا الرجال بالجهاد فما لنا؟

فقال  : "إن للحامل منكن أجر الصائم القائم، وإذا ضربها الطلق لم يدر أحد ما لها من الأجر، فإن أرضعت كان لها بكل مصة أجر إحياء نفس" .

﴿ للرجال نصيب مما اكتسبوا ﴾ من نعيم الدنيا وثواب الآخرة فينبغي أن يرضوا بما قسم لهم، وكذا للنساء، أو لكل فريق جزاء ما اكتسب من الطاعات فلا ينبغي أن يضيعه بسبب الحسد المذموم.

وتلخيصه لا تضيع ما لك بتمني ما لغيرك.

أو ﴿ للرجال نصيب مما اكتسبوا ﴾ بسبب قيامهم بالنفقة على النساء ﴿ وللنساء نصيب مما اكتسبن ﴾ بحفظ فروجهن وطاعة أزواجهن والقيام بمصالح البيت ﴿ واسئلوا الله من فضله ﴾ فعنده من ذخائر الإنعام ما لا ينفده مطالب الأنام.

و "من" للتبعيض أي شيئاً من خزائن كرمه وطوله ﴿ إنّ الله كان بكل شيء / عليماً ﴾ فهو العالم بما يكون صلاحاً للسائلين، فليقتصر السائل على المجمل وليفوّض التفصيل إليه فإن ذلك أقرب إلى الأدب وأوفق للطلب.

قوله  وتعالى : ﴿ ولكل جعلنا موالى مما ترك الوالدان والأقربون ﴾ يمكن تفسيره بحيث يكون الوالدان والأقربون وارثين وبحيث يكونان موروثاً منهما.

والمعنى على الأول: لكل أحد جعلنا ورثة في تركته.

ثم إنه كأنه قيل: ومَنْ هؤلاء الورثة؟

فقيل: هم الوالدان والأقربون فيحسن الوقف على قوله: ﴿ مما ترك ﴾ وفيه ضمير كل.

وأما على الثاني، فإما أن يكون في الكلام تقديم وتأخير أي ولكل شيء مما ترك الوالدان والأقربون جعلنا موالي أي ورثة، وإما أن يكون ﴿ جعلنا موالي ﴾ صفة ﴿ لكل ﴾ بل محذوف والعائد محذوف وكذا المبتدأ والتقدير: ولكل قوم جعلناهم موالي نصيب مما ترك الوالدان والأقربون كما تقول: لكل من خلقه الله إنساناً من رزق الله.

أي حظ من رزق الله، والمولى لفظ مشترك بين معانٍ: منها المعتق لأنه ولي نعمته في عتقه، ومنها العبد المعتق لاتصال ولاية مولاه في إنعامه عليه، وهذا كما يسمى الطالب غريماً لأن له اللزوم والمطالبة بحقه، ويسمى المطلوب غريماً لكون الدين لازماً له.

ومنها الحليف لأن الحالف يلي أمره بعقد اليمين، ومنها ابن العم لأنه يليه بالنصرة ومنه المولى للناصر قال  : ﴿ ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا  ﴾ ومنها العصبة وهو المراد في الآية إذ هو الأليق بها كقوله  : " أنا أولى بالمؤمنين من مات وترك مالاً فماله للموالي العصبة، ومن ترك كلاً فأنا وليّه " وأما قوله: ﴿ والذين عقدت أيمانكم ﴾ فإما أن يكون مبتدأ ضمن معنى الشرط، فوقع قوله: ﴿ فآتوهم ﴾ خبره.

وإما أن يكون منصوباً على قولك: "زيداً فاضربه" مما توسط الفاء بين الفعل ومفعول مفسره إيذاناً بتلازمهما وإما أن يكون معطوفاً على ﴿ الوالدان ﴾ والإيمان جمع اليمين اليد أو الحلف.

من الناس من قال: الآية منسوخة.

وذلك أن الرجل كان يعاقد الرجل فيقول: دمي دمك وهدمي هدمك أي ما يهدر، وثأري ثأرك، وحربي حربك، وسلمي سلمك، وترثني وأرثك، وتطلب بي وأطلب بك، وتعقل عني وأعقل عنك، فيكون للحليف السدس من ميراث الحليف فنسخ بقوله: ﴿ وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض  ﴾ وبقوله: ﴿ يوصيكم الله  ﴾ وأيضاً: إن الواحد منهم كان يتخذ إنساناً أجنبياً ابناً له وهم الأدعياء، وكان النبي  يؤاخي بين كل رجلين منهم، فكانوا يرثون بالتبني والمؤاخاة فنسخ، ومن المفسرين من زعم أنها غير منسوخة، وقوله: ﴿ والذين ﴾ معطوف على ما / قبله.

والمعنى: أن ما ترك الذين عقدت أيمانكم فله وارث هو أولى به فلا تدفعوا المال إلى الحليف بل إلى الوارث، فيكون الضمير في ﴿ فآتوهم ﴾ للموالي قاله أبو علي الجبائي.

أو المراد بالذين عاقدت الزوج والزوجة، والنكاح يسمى عقداً بين ميراث الزوج والزوجة بعد ميراث الولد والوالدين كما في قوله: ﴿ يوصيكم الله  ﴾ قاله أبو مسلم.

وقيل: المراد الميراث الحاصل بسبب الولاء.

وقيل: هم الحلفاء.

والمراد بإتياء نصيبهم النصرة والنصيحة والمصافاة.

وقال الأصم: المراد التحفة بالشيء القليل كقوله: ﴿ وإذا حضر القسمة  ﴾ وذهب جمهور الفقهاء إلى أنه لا يرث المولى الأسفل من الأعلى.

وحكى الطحاوي عن الحسن بن زياد أنه قال: يرث، لما روى ابن عباس "أن رجلاً أعتق عبداً له فمات المعتق ولم يترك إلاّ العتيق فجعل رسول الله  ميراثه للغلام" .

والحديث عند الجمهور محمول على أن المال صار لبيت المال ثم دفعه النبي  إلى الغلام لفقره، وقال أبو حنيفة: لو أسلم رجل على يد رجل وتعاقدا على أن يتعاقلا ويتوارثا صح وورث بحق الموالاة، وخالفه الشافعي فيه.

وحكى الأقطع أن هذه المولاة لا تصح عند أبي حنيفة أيضاً إلا بين العرب دون العجم لرخاوة عقدهم في أمورهم، ﴿ إنّ الله كان على كل شيء شهيداً ﴾ لأنه عالم بجميع الجزئيات والكليات فشهد على الخلق يوم القيامة بكل ما عملوه، وفيه وعيد للعاصين، ووعد للمطيعين.

هذا وقد مر أن النساء تكلمن في تفضيل الله الرجال عليهم في الميراث ونحوه، فذكر في هذه الآية ما يشتمل على بعض أسباب التفضيل فقال: ﴿ الرجال قوّامون ﴾ يقال: هذا قيم المرأة وقوّامها بناء مبالغة للذي يقوم بأمرها ويهتم بحفظها كما يقوم الوالي على الرعية ومنه سمي الرجال قوّاماً.

والضمير في بعضهم للرجال والنساء جميعاً أي إنما كانوا مسيطرين عليهن بسبب تفضيل الله بعضهم - وهو الرجال - على بعض - وهم النساء.

وقيل: وفيه دليل على أن الولاية إنما تستحق بالفضل لا بالتغلب والاستطالة والقهر.

وذكروا في فضل الرجال العقل والحزم والعزم والقوة والكتابة في الغالب والفروسية والرمي، وأن منهم الأنبياء والعلماء والحكماء، وفيهم الإمامة الكبرى وهي الخلافة، الصغرى وهو الاقتداء بهم في الصلاة، وأنهم أهل الجهاد والأذان والخطبة والاعتكاف والشهادة في الحدود والقصاص بالاتفاق وفي الأنكحة عند الشافعي، وزيادة السهم في الميراث والتعصيب فيه، والحمالة تحمل الدية في القتل الخطأ، والقسامة والولاية في النكاح والطلاق والرجعة وعدد الأزواج وإليهم الانتساب، وكل ذلك يدل على فضلهم، وحاصلهم يرجع إلى العلم والقدرة.

ومنها سبب خارجيّ وذلك أنهم فضلوا عليهن بما أنفقوا أي أخرجوا في نكاحهن من أموالهم مهراً / ونفقة.

عن مقاتل "أن سعد بن الربيع، وكان من نقباء الأنصار، نشزت عليه امرأته حبيبة بنت زيد بن أبي زهير، فلطمها.

فانطلق بها أبوها إلى رسول الله  وقال: افرشته كريمتي فلطمها.

فقال رسول الله  : لتقتص منه، وكانت قد نزلت آية القصاص، فانصرفت مع أبيها لتقتص منه فقال النبي  : ارجعوا هذا جبيرل أتاني وأنزل الله هذه الآية.

فقال النبي  : أردنا أمراً وأراد الله أمراً والذي أراد الله خير ورفع القصاص" .

فلهذا قال العلماء: لا قصاص بين الرجل وامرأته فيما دون النفس ولو شَجها ولكن يجب العقل، وقيل: لا قصاص إلاّ في الجرح والقتل، وأما في اللطمة ونحوها فلا.

ثم قسم النساء قسمين، فوصف الصالحات منهن بأنهن قانتات مطيعات لله وللزوج حافظات للغيب قائمات بحقوق الزوج في غيبته، والغيب خلاف الشهادة.

ومواجب حفظ غيبة الزوج أن تحفظ نفسها عن الزنا لئلاّ يلحق الزوج العار بسبب زناها، ولئلاّ يلحق به الولد الحاصل من نطفة غيره، وأن تحفظ أسراره عن الإفشاء وماله عن الضياع ومنزلها عما لا ينبغي شرعاً وعرفاً.

عن النبي  : " خير النساء امرأة إن نظرت إليها سرتك وإن أمرتها أطاعتك وإن غبت عنها حفظتك في مالك ونفسها وتلا الآية" و "ما" في قوله: ﴿ بما حفظ الله ﴾ موصولة والعائد محذوف أي بالذي حفظه الله لهن أي عليهن أن يحفظن حقوق الزوج في مقابلة ما حفظ الله حقوقهن على أزواجهن حيث أمرهم بالعدل فيهن في قوله: ﴿ فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان  ﴾ فقوله: ﴿ بما حفظ الله ﴾ يجري مجرى قولهم "هذا بذاك" أي هذا في مقابلة ذاك، أو مصدرية والمعنى: أنهن حافظات للغيب بحفظ الله إياهن فإنهن لا يتيسر لهن حفظ الغيب إلاّ بتوفيق الله، أو بما حفظهن حين وعدهن الثواب العظيم على الأمانة، وأوعدهن العذاب الشديد على الخيانة.

ومن قرأ ﴿ بما حفظ الله ﴾ بالنصب فـ "ما" أيضاً موصولة أي بالأمر الذي يحفظ حق الله وأمانته وهو التعفف والتحصن والشفقة على الرجال والنصيحة لهم، أو مصدرية أي بسبب حفظهن حدود الله وأوامره فإن المرأة لولا أنها تحاول رعاية تكليف الله وتجتهد في حفظ أوامره وإلا لما أطاعت زوجها.

ثم ذكر غير الصالحات منهن فقال: ﴿ واللاتي تخافون ﴾ تعرفون بالقرائن والأمارات ﴿ نشوزهن ﴾ عصيانهن والترفع عليكم بالخلاف من نشز الشيء ارتفع، ومنه نشز للأرض المرتفعة ﴿ فعظوهن ﴾ وهو أن يقول: اتقي الله فإن لي عليك حقاً، وارجعي عما أنت عليه، واعلمي أن طاعتي عليك فرض ونحو ذلك.

﴿ واهجروهن في المضاجع ﴾ أي في المراقد أي لا تداخلوهن تحت اللحف، وقيل: هو أن يوليها ظهره في المضجع.

وقيل: في المضاجع أي ببيوتهن التي يبتن فيها أي لا / تبايتوهن.

وفي ضمن الهجران الامتناع من كلامها.

ولكن ينبغي أن لا يزيد في هجره الكلام على ثلاث، فإذا هجرها في المضجع فإن كانت تحب الزوج شق ذلك عليها فتركت النشوز، وإن كانت تبغضه وافقها ذلك الهجران فكان ذلك دليلاً على كمال نشوزها فيباح الضرب وذلك قوله: ﴿ واضربوهن ﴾ والأولى ترك الضرب لما روي أنه  قال: " "لا تضربوا إماء الله فجاء عمر إلى رسول الله  فقال: ذئرت النساء على أزواجهن أي اجترأن فرخص في ضربهن.

فأطاف بآل رسول الله  نساء كثير يشكون أزواجهن فقال رسول الله  : لقد طاف بآل محمد نساء كثير يشكون أزواجهن ليس أولئك بخياركم " ومعناه أن الذين ضربوا أزواجهم ليسوا خيراً ممن لم يضربوا.

وإذا ضربها وجب أن لا يكون مفضياً إلى الهلاك ألبتة، وأن يكون مفرقاً على بدنها لا يوالي به في موضع واحد، ويتقي الوجه لأنه مجمع المحاسن، وأن يكون دون الأربعين.

وقيل: دون عشرين لأنه حد كامل في شرب العبد، ومنهم من لا يرى الضرب بالسياط ولا بالعصا.

وبالجملة فالتخفيف مرعي في هذا الباب ولهذا قال علي بن أبي طالب: يعظها بلسانه فإن انتهت فلا سبيل له عليها، فإن أبت هجر مضجعها، فإن أبت ضربها، فإن لم تتعظ بالضرب بعث الحكمين.

وقال آخرون: هذا الترتيب مرعي عند خوف النشوز، فأما عند تحقق النشوز فلا بأس بالجمع بين الكل.

وروي عن النبي  : " "علق سوطك حيث يراه أهلك " ﴿ فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً ﴾ بالأذى والتوبيخ، واجعلوا ما كان منهم كأن لم يكن ﴿ إن الله كان علياً ﴾ لا بالجهة ﴿ كبيراً ﴾ لا بالجثة ﴿ فاحذروا ﴾ واعلموا أن قدرته عليكم أعظم من قدرتكم على أزواجكم وأرقائكم.

روي "أن أبا مسعود الأنصاري رفع سوطه ليضرب غلاماً له فبصر به رسول الله  فصاح به: أبا مسعود، الله أقدر منك عليه.

فرمى بالسوط وأعتق الغلام" .

وفيه أنه مع علوه وكبرياء سلطانه تعصونه فيتوب عليكم فأنتم أحق بالعفو إذا رجع الجاني عليكم، أو أنه مع علوه وكبريائه لا يكلفكم إلا ما تطيقون فكذلك لا تكلفوهن محبتكم فلعلهن لا يقدرن على ذلك، أو أنه مع علو شأنه وكبريائه يكتفي من العبيد بالظواهر ولا يهتك السرائر فأنتم أجدر بأن لا تفتشوا عما في قلبها من الحب والبغض إذا صلح حالها في الظاهر، أو أنهن إن ضعفن عن دفع ظلمكم وعجزن عن الانتصاف منكم فالله  قادر قاهر ينتصف لهن منكم.

ثم بيّن أنه ليس بعد الضرب إلا المحاكمة فقال: ﴿ وإن خفتم ﴾ قال ابن عباس: أي علمتم وذلك لإصرارها على النشوز حيث لم يؤثر فيها الوعظ والهجران والضرب.

واعترض / عليه الزجاج بأنه إذا علم الشقاق قطعاً فلا حاجة إلى الحكمين.

وأجيب بأن الشقاق معلوم إلاّ أنا لا نعلم أن سبب الشقاق منه أو منها، فالحاجة إلى الحكمين لهذا المعهنى.

أو نقول: المراد إزالة الشقاق في الاستقبال، ومعنى ﴿ شقاق بينهما ﴾ شقاقاً بينهما، فأضيف الشقاق إلى الظرف على سبيل الاتساع وهو إجراء الظرف مجرى المفعول به، أو على جعل البين مشاقاً مثل "نهاره صائم" والضمير للزوجين يدل عليهما مساق الكلام، أو ذكر الرجال والنساء ﴿ فابعثوا حكماً من أهله ﴾ رجلاً مقنعاً رضاً يصلح لحكومة الإصلاح بينهما ويهتدي إلى المقصود من البعث.

ولا بد فيه من العقل والبلوغ والحرية والإسلام، ويستحب أن يكون الحكمان من أهلهما لأن الأقارب أعرف ببواطن أحوالهما وتسكن إليهما نفوس الزوجين، فيبرزان لهما ما في ضمائرهما من الحب والبغض وإرادة الصحبة والفرقة، وموجبات كل من الأمرين.

وينبغي أن يخلو حكم الرجل بالرجل وحكم المرأة بالمرأة فيعرفان ما عندهما وما فيه رغبتهما، وإذا اجتمعا لم يخف أحدهما عن الآخر ما علم.

ثم المبعوثان وكيلان من جهة الزوجين أو موليان من جهة الحكام المخاطبين بقوله: ﴿ فابعثوا ﴾ فيه للشافعي قولان:- أصحهما وبه قال أبو حنيفة وأحمد - أنهما وكيلان لأن البضع حق الزوج والمال حق الزوجة وهما رشيدان.

والخطاب في قوله: ﴿ فإن خفتم ﴾ وفي ﴿ فابعثوا ﴾ لصالحي الأمة لأنه يجري مجرى دفع الضرر، فلكل أحد أن يقوم به.

وثانيهما - وبه قال مالك - أنهما موليان لأنه  سماهما الحكمين.

ولما روي أن علياً  بعث حكمين من زوجين فقال: أتدريان ما عليكما؟

عليكما إن رأيتما أن تجمعا فاجمعا وإن رأيتما أن تفرّقا ففرقا.

وعلى الأول يوكل الرجل الذي هو من أهله بالطلاق وبقبول العوض في الخلع، والمرأة الآخر ببذل العوض وقبول الطلاق، ولا يجوز بعثهما إلا برضاهما فإن لم يرضيا ولم يتفقا على شيء أدب القاضي الظالم واستوفى حق المظلوم.

وعلى الثاني لا يشترط رضا الزوجين في بعث الحكمين.

﴿ إن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما ﴾ فيه أربعة أوجه.

الأول: إن يرد الحكمان خيراً يوفق الله بين الحكمين حتى يتفقا على ما هو خير.

الثاني: إن يرد الزوجان إصلاحاً أبدل الله الزوجين بالشقاق وفاقاً.

الثالث: إن يرد الحكمان إصلاحاً يؤلف الله بين الزوجين.

الرابع: إن يرد الزوجان خيراً يوفق الله بين الحكمين حتى تتفق كلمتاهما ويحصل الغرض، والتوفيق جعل الأسباب موافقة للغرض ولا يستعمل إلا في الخير والطاعة.

وفيه أنه لا يتم شيء من الأغراض إلاّ بتوفيق الله  وتيسيره ﴿ إنّ الله كان عليماً خبيراً ﴾ فيوفق بين المختلفين ويجمع بين المفترقين بمقتضى علمه وإرادته.

وفيه وعيد للزوجين والحكمين في سلوك ما يخالف طريق الحق ووعد على الجد في حسم مادة الخصومة والخشونة.

/ ثم أرشد إلى مجامع الأخلاق الحسنة بقوله: ﴿ واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً ﴾ فإن من عبد الله وأشرك به شيئاً آخر فقد حبط عمله وضل سعيه ﴿ وبالوالدين إحساناً ﴾ تقديره وأحسنوا بهما إحساناً.

يقال: أحسن بفلان وإلى فلان.

﴿ وبذي القربى واليتامى والمساكين ﴾ وقد مر تفاسيرها في البقرة.

قال أبو بكر الرازي: إن اضطر إلى قتل أبيه بأن يخاف أن يقتله إن ترك قتله جاز له أن يقتله ﴿ والجار ذي القربى ﴾ الذي قرب جواره ﴿ والجار الجنب ﴾ الذي بعد جواره.

عن النبي  : " لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه، ألا وإن الجوار أربعون داراً " وعن الزهري أنه أراد أربعين من كل جانب.

وقيل: الجار ذي القربى الجار القريب النسب، والجار الجنب الأجنبي.

والتركيب يدل على البعد، ومنه الجانبان للناحيتين، والجنبان لبعد كل منهما عن الآخر، ومنه الجنابة لبعده عن الطهارة وعن حضور الجماعة والمسجد ما لم يغتسل.

ومن قرأ ﴿ الجنب ﴾ فمعناه المجنوب مثل "خلق" بمعنى مخلوق، أو المراد ذي الجنب فحذف المضاف ﴿ والصاحب الجنب ﴾ وهو الذي حصل بجنبك إما رفيقاً في سفر، وإما جاراً ملاصقاً، وإما شريكاً في تعلم أو حرفة، وإما قاعداً إلى جنبك في مجلس، أو في مسجد أو غير ذلك من أدنى صحبة اتفقت بينك وبينه، فعليك أن تراعي ذلك الحق ولا تنساه وتجعله ذريعة إلى الإحسان، وقيل: الصاحب بالجنب المرأة فإنها تكون معك وتضطجع إلى جنبك ﴿ وابن السبيل ﴾ المسافر الذي انقطع عن بلده، أو الضيف ﴿ وما ملكت أيمانكم ﴾ عن علي بن أبي طالب أنه كان آخر كلام رسول الله  ﴿ وما ملكت أيمانكم ﴾ وذكر اليمين تأكيد كما يقال: مشيت برجلي.

والإحسان إليهم أن لا يكلفهم فوق طاقتهم ولا يؤذيهم بالكلام الخشن، بل يعاشروهم معاشرة جميلة ويعطيهم من الطعام والكسوة ما يليق بحالهم في كل وقت.

وكانوا في الجاهلية يسيئون إلى المملوك فيكلفون الإماء البغاء وهو الكسب بفروجهن، ويضعون على العبيد الخراج الثقيل.

وقيل: كل حيوان فهو مملوك.والإحسان إلى كل نوع بما يليق بحاله طاعة عظيمة ﴿ إنّ الله لا يحب من كان مختالاً فخوراً ﴾ تياهاً جهولاً يتكبر عن إكرام أقاربه وأصحابه ومماليكه، وعن الالتفات إلى حالهم والتفقد لهم والتحفي بهم، ويأنف من أقاربه إذا كانوا فقراء ومن جيرانه إذا كانوا ضعفاء.

وأصله من الخيلاء الكبر، والفخور المتطاول الذي يعد مناقبه، وعن ابن عباس هو الذي يفخر على عباد الله  بما أعطاه من أنواع نعمه، ولعل هذا يجوز على سبيل التحدث بالنعم فقط ﴿ الذين يبخلون ﴾ البخل في اللغة منع الإحسان، وفي الشرع منع / الواجب.

وفيه أربع لغات: البخل مثل الفقر، والبخل بضم الباء وسكون الخاء، وبضمهما، وبفتحهما.

وسبب النظم أن الإحسان إلى الأصناف المذكورين إنما يكون في الأغلب بالمال فذم المعرضين عن ذلك الإحسان لحب المال، ويحتمل أن يشمل البخل بالعلم أيضاً، أي يبخلون بذات أيديهم وبما في أيدي غيرهم مقتاً للسخاء وهذه نهاية البخل.

وفي أمثالهم "أبخل من الضنين بنائل غيره" وقد عابهم بكتمان نعمة الله وما آتاهم من فضل الغنى حتى أوهموا الفقر مع الغنى، والإعسار مع اليسار، والعجز مع الإمكان فخالفوا سنة نبي الله  حيث قال  : " "إنّ الله  يحب أن يرى على عبده أثر نعمته " وبنى عامل للرشيد قصراً حذاء قصره فنم به عنده، فقال الرجل: يا أمير المؤمنين إن الكريم يسره أن يرى أثر نعمته فأحببت أن أسرك بالنظر إلى آثار نعمتك فأعجبه كلامه.

ثم إن هذا الكتمان قد يقع على وجه يوجب الكفر مثل أن يظهر الشكاية من الله  ولا يرضى بقضائه فلذلك قال: ﴿ وأعتدنا للكافرين عذاباً مهيناً ﴾ ويحتمل أن يراد كافر النعمة لا كافر الإيمان.

وقال ابن عباس: إنّ الآية في اليهود، كانوا يأتون رجالاً من الأنصار يخالطونهم وينتصحون لهم يقولون: لا تنفقوا أموالكم فإنا نخشى عليكم الفقر ولا تدرون ما يكون.

وأيضاً وإنهم كتموا صفة محمد ولم يبينوها للناس.

ثم لما ذمّ الذين لا ينفقون أموالهم عطف عليهم الذين ينفقون أموالهم ولكن ريا وفخاراً وليقال ما أسخاهم وما أجودهم لا ابتغاء وجه الله، ومثل هذا الإنفاق دليل على أنه لا يؤمن بالله واليوم الآخر وإلاّ أنفق لله أو للآخرة ﴿ ومن يكن الشيطان له قريناً ﴾ في الدنيا آمراً بالبخل والفحشاء ﴿ فساء قريناً ﴾ في الآخرة يقرن به في النار.

ثم استفهم على سبيل الإنكار فقال: ﴿ وماذا عليهم ﴾ أي أيّ تبعة ووبال عليهم؟

أو ما الذي عليهم في باب الإيمان والإنفاق في سبيل الله؟

والمراد التوبيخ وإلاّ فكل منفعة في ذلك كما يقال للمنتقم: ما ضرك لو عفوت؟

وللعاق: ما كان يرزؤك لو كنت باراً؟

﴿ وكان الله بهم عليماً ﴾ بعث على إصلاح أفعال القلوب التي يطلع عيلها علام الغيوب، وردع عن دواعي النفاق والرياء والسمعة والفخار.

احتج القائلون بأن الإيمان يصح على سبيل التقليد بأن قوله: ﴿ وماذا عليهم لو آمنوا ﴾ مشعر بأن الإتيان بالإيمان في غاية السهولة والاستدلال في غاية الصعوبة.

وأجيب بأن الصعوبة في الإيمان الاستدلالي التفصيلي لا الإجمالي.

وقال جمهور المعتزلة: لو كانوا غير قادرين لم يقل: ﴿ وماذا عليهم ﴾ كما لا يقال للمرأة ماذا عليها لو كانت رجلاً، وللقبيح ماذا عليه لو كان جميلاً.

وأجيب بعدم التحسين والتقبيح العقليين وأنه لا يسأل عما يفعل.

/ ثم رغب في الإيمان والطاعة قائلاً: ﴿ إن الله لا يظلم مثقال ذرة ﴾ والمثقال مفعال من الثقل كالميزان من الوزن.

والذرة النملة الصغيرة.

وعن ابن عباس أنه أدخل يده في التراب ثم رفعها ثم نفخ فيها ثم قال: كل واحد من هذه الأشياء ذرة، وقيل: كل جزء من أجزاء الهباء في الكوّة ذرة.

وانتصاب ﴿ مثقال ﴾ على أنه مفعول ثان أي لا ينقص الناس مثقال ذرة، أو على المصدر أي ظلماً قدر مقدارها، وأراد نفي الظلم رأساً إلا أنه أخرج الكلام على أصغر المتعارف.

وهذه الآية مما يتمسك به المعتزلة في أنه  غير خالق لأعمال العباد وإلا كان ظلمهم منسوباً إليه، وفي أن العبد يستحق الثواب على طاعته وإلا كان منعه عنه ظلماً.

وأجيب بأنه إذا كان متصرفاً في ملكه كيف شاء فلا يتصور منه ظلم أصلاً.

وقد يحتج الأصحاب ههنا على صحة مذهبهم في عدم الإحباط بأن عقاب شرب قطرة من الخمر لو كان مزيلاً لطاعات سبعين سنة كان ظلماً، وفي عدم وعيد الفساق بأن عقاب شرب جرعة من الخمر لو كان دائماً مخلداً لزوم إبطال ثواب إيمان سبعين سنة وهو ظلم.

ثم قال: ﴿ وإن تك ﴾ حذفت النون من هذه الكلمة بعد سقوط الواو بالتقاء الساكنين لأجل التخفيف وكثرة الاستعمال.

من قرأ ﴿ حسنة ﴾ بالرفع فعلى "كان" التامة، ومن قرأ بالنصب فالتأنيث في ضمير المثقال لكونه مضافاً إلى مؤنث.

والمراد بالمضاعفة ليس هو المضاعفة بالمدة لأن مدة الثواب غير متناهية وتضعيف غير المتناهي محال، بل المراد المضاعفة بحسب المقدار، كأن يستحق عشرة أجزاء من الثواب فيجعله عشرين أو ثلاثين.

عن ابن مسعود أنه قال: "يؤتى بالعبد يوم القيامة وينادي مناد على رؤوس الأويلن والآخرين: هذا فلان ابن فلان، من كان له عليه حق فليأت إلى حقه، ثم يقال له: أعط هؤلاء حقوقهم، فيقول: يا رب ومن أين وقد ذهبت الدنيا؟

فيقول الله لملائكته: انظروا في أعماله الصالحة فأعطوهم منها، فإن بقي مثقال ذرة من حسنة ضعفها الله  لعبده وأدخله الجنة بفضل رحمته" ومصداق ذلك في كتاب الله ﴿ وإن تك حسنة يضاعفها ﴾ قال الحسن: الوعد بالمضاعفة أحب عند العلماء مما لو قال في الحسنة الواحدة مائة ألف حسنة، لأن هذا يكون مقداره معلوماً، أما على هذه العبارة فلا يعلم كميته إلاّ الله  .

وعن أنس أن رسول الله  قال: " "إنّ الله لا يظلم مؤمناً حسنة يعطى بها في الدنيا ويجزى بها في الآخرة.

وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل بها لله في الدنيا حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يجزى بها" أما قوله: ﴿ ويؤت من لدنه أجراً عظيماً ﴾ فإن ﴿ لدن ﴾ بمعنى عند إلا أن لدن أكثر تمكناً.

يقول الرجل: عندي مال وإن كان المال ببلد آخر.

ولا يقول: لديّ مال إلاّ إذا كان بحضرته.

والمعتزلة حملوا / المضاعفة على القدر المستحق وهذا الثاني على الفضل التابع للأجر.

ويمكن أن يقال: الأول إشارة إلى السعادات الجسمانية، والثاني إشارة إلى اللذات الروحانية والله أعلم.

التأويل: جملة الكبائر مندرجة تحت ثلاث: إحداها اتباع الهوى وينشأ منه البدع والضلالات وطلب الشهوات وحظوظ النفس بترك الطاعات، وثانيتها حب الدنيا وينشعب منه القتل والظلم وأكل الحرام، وثالثتها رؤية غير الله وهو الشرك والرياء والنفاق وغيرها.

ثم أخبر أن الدين ليس بالتمني فقال: ﴿ ولا تتمنوا ﴾ فإنه لا يحصل بالتمني ولكن ﴿ للرجال ﴾ المجتهدين في الله ﴿ نصيب ﴾ مما جدوا في طلبه ﴿ وللنساء ﴾ وهم الذين يطلبون من الله غير الله ﴿ نصيب ﴾ على قدر همتهم في الطلب ﴿ واسألوا الله من فضله ﴾ فيه معنيان: سلوه من فضله الخاص وهو العلم اللدني ﴿ وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيماً  ﴾ أو سلوه منه ولا تسألوه من غيره ﴿ ولكل جعلنا موالي ﴾ لكل طالب صادق جعلنا استعداداً في الأزل للوراثة مما ترك والداه وأقرباؤه، طلبه لعدم الاستعداد والمشيئة.

والذين جرى بينكم وبينهم عقد الأخوة في الله ﴿ فآتوهم ﴾ بالنصح وحسن التربية والتسليك ﴿ نصيبهم ﴾ الذي قدّر لهم ﴿ الرجال قوّامون على النساء ﴾ بمصالح دينهن ودنياهن بتفضيل الله وهو استعداد الخلافة والوراثة ﴿ وبما أنفقوا من أموالهم ﴾ أي تجريدهم عن الدنيا وتفريدهم للمولى.

﴿ فالصالحات ﴾ اللاتي يصلحن للكمال ﴿ قانتات ﴾ مطيعات لله لهن قلوب ﴿ حافظات ﴾ لواردات الغيب ﴿ بما حفظ الله ﴾ عليهن حقائق الغيب وأسراره.

﴿ واللاتي تخافون نشوزهن ﴾ إذا دارت عليهن كؤوس الواردات كما قيل: فأسكر القوم دور كاس *** وكان سكري من المدير ﴿ فعظوهن ﴾ باللسان وخوّفوهن بالهجران ليتأدب السكران ﴿ واضربوهن ﴾ بسوط الانفصال وفراق الإخوان كما كان حال الخضر مع موسى حيث قال: ﴿ هذا فراق بيني وبينك  ﴾ هذا قانون أرباب الكمال إذا رأوا من أهل الإرادة إمارات الملال أو عربدة من غلبات الأحوال.

﴿ وإن خفتم ﴾ شقاقاً بين الشيخ الواصل والمريد المتكامل ﴿ فابعثوا ﴾ متوسطين من المشايخ الكاملين ومن السالكين المعتبرين ﴿ إن يريدا إصلاحاً ﴾ بينهما بما رأيا فيه صلاحهما ﴿ يوفق الله بينهما ﴾ بالإرادة وحسن التربية ﴿ واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً ﴾ من الدنيا والعقبى لتتخلقوا بأخلاق الله وتحسنوا إلى الواليدن وغيرهما ﴿ إحساناً ﴾ بلا شرك ورياء وفخر وخيلاء والله ولي والتوفيق.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ﴾ وقوله -  -: ﴿ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً ﴾ و ﴿ نَقِيراً  ﴾ ﴿ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّـٰمٍ لِّلْعَبِيدِ  ﴾ .

ذكر هذا - والله أعلم - لئلا يظن جاهل إذا رأي ألم الأطفال والصغار وما يحل بهم أن ذلك ظلم منه لهم، لكن ذلك - والله أعلم - ليعلم أن الصحة والسلامة إفضال من الله -  - لهم، لا لحق [لهم عليه في] ذلك؛ إذ له أن يخلق كيف شاء: صحيحاً، وسقيماً، ثم من ظلم آخر في الشاهد إنما يظلم لإحدى خلتين: إما لجهل بالعدل والحق، وإما لحاجة تمسه يدفع ذلك عن نفسه، فيحمله على الظلم، فالله -  وتعالى - غني بذاته، عالم، لم يزل يتعالى عن أن تمسه حاجة؛ أو يخفى عليه شيء مع ما كان معنى الظلم في الشاهد هو التنازل مما ليس له بغير إذن من له وكل الخلائق من كل الوجوه له؛ فلا معنى ثَمَّ للظلم.

ثم قيل في الذَّرَّة: إنها نملة، وكذلك في حرف ابن مسعود -  -: "مثال نملة".

وقيل: مثقال حبة، وهو على التمثيل، ليس على التحقيق، ذكر لصغر جثته أنه لا يظلم ذلك المقدار، فكيف ما فوق ذلك؟!، لا أن مثله يحتمل أن يكون، لكن لو كان فهو بتكوينه، وبالله التوفيق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَٰعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً ﴾ .

هذا على المعتزلة؛ لأنهم يقولون: من ارتكب كبيرة يخلد في النار ومعه حسنات كثيرة، فأخبر عز وجل -: ﴿ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَٰعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً ﴾ وهي الجنة، وهذا لسوء ظنهم بالله، وإياسهم من رحمته.

عن أنس -  - عن النبي  قال: "إِنَّ الله -  - لاَ يَظْلِمُ المُؤْمِنَ حَسَنَةً يُثَابُ عَلَيْهَا إِمَّا رِزْقٌ فِي الدُّنْيَا، وإِمَّا جَزَاءٌ فِي الآخِرَةِ" وعن أبي سعيد الخدري -  - أن النبي  قال: "يَقُولُ اللهُ - تَعَالَى -: أَخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ إِحْسَانٍ" قال أبو سعيد -  -: فمن شك في ذلك فليقرأ: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ...

﴾ الآية.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ ﴾ .

يقول: بالنبي، يعني: بنبيها وجئنا بك يا محمد على هؤلاء شهيداً عليهم، يعني: على أمته، شهيداً بالتصديق لهم؛ لأنهم يشهدون على الأمم للرسل أنهم بلغوا ما أرسلوا [به لما] هو دليل صدقهم، وقامت براهينهم بالرسالة صارت شهادة على هؤلاء؛ أي: لهؤلاء؛ على هذا التأويل؛ كقوله -  -: ﴿ وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ  ﴾ أي: لها ويحتمل عليهم لو كذبوا وزلوا.

وقوله: ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ ﴾ يعني: نبيها، ﴿ وَجِئْنَا بِكَ ﴾ يا محمد على أمتك شهيداً على تبليغ الرسالة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ ٱلرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّىٰ بِهِمُ ٱلأَرْضُ ﴾ قيل فيه بوجوه: إذا ميز الله أصحاب اليمين وأصحاب الشمال، قال للوحش والطير والسباع: "كُونِي تُرَاباً"؛ فتكون تراباً، فعند ذلك يتمنون أن يكونوا تراباً مثل الوحش [فسويت بهم] الأرض.

وعن ابن عباس -  - قال: يجحد أهل الشرك يوم القيامة أنهم ما كانوا مشركين، فينطق الله -  - جوارحهم؛ فتشهد عليهم؛ فيودون أنهم كانوا تراباً؛ كقوله: ﴿ يٰلَيْتَنِي كُنتُ تُرَاباً  ﴾ وقوله -  -: ﴿ يٰلَيْتَهَا كَانَتِ ٱلْقَاضِيَةَ  ﴾ ؛ فذلك قوله -  وتعالى -: ﴿ لَوْ تُسَوَّىٰ بِهِمُ ٱلأَرْضُ ﴾ ليتنا لم نبعث ولم نحيا، ويقرأ "تُسَوّى" و"تَسَوّى" "وتَسَّوى"، و"تُسْوَى"، و"تستوى"، و"تُسْوَى"، وفي حرف حفصة: "لو تستوى بهم الأرض".

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثاً ﴾ .

قيل: لما أنطق الله -  - جوارحهم وشهدت عليهم حين أنكروا أن يكونوا مشركين بقوله -  -: ﴿ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ  ﴾ - لم يستطيعوا أن يكتموا الله حديثا.

ويحتمل: على الاستنئاف: لا يكتمون الله حديثاً.

ويحتمل: أن يكونوا يودّوا في الآخرة ويتمنوا أن لم يكونوا كتموا في الدنيا حديثاً.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

إن الله تعالى عدل لا يظلم عباده شيئًا، فلا ينقص من حسناتهم مقدار نملة صغيرة، ولا يزيد في سيئاتهم شيئًا، وإن تكن زنة الذرَّة حسنة يضاعف ثوابها فضلًا منه، ويؤت من عنده مع المضاعفة ثوابًا عظيمًا.

<div class="verse-tafsir" id="91.dRzny"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

بعد ما بيّن تعالى صفات المتكبرين وسوء حالهم وتوعدهم على ذلك أراد أن يزيد الأمر تأكيدًا ووعيدًا فبين أنه لا يظلم أحدًا من العاملين بتلك الوصايا قليلًا أو كثيرًا، بل يوفيه حقه بالقسطاس المستقيم، فالآية تتميم لموضوع الأوامر السابقة وترغيب للعاملين في الخير كما قال في سورة الزلزلة ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ  ﴾ إلخ، فمن سمع هذه الآية تعظم رغبته في الخير ورجاؤه في الله تعالى.

وللعابثين بالكتاب وبعقائد الناس كلام في الآية أقاموه على أساس مذاهبهم فمن ذلك قول المعتزلة، إنه يجوز الظلم على الله تعالى لأنه لو لم يكن جائزًا لما تمدح بنفيه.

ورد عليهم الآخرون بأنه تعالى نفى عن نفسه السنة والنوم وأنتم متفقون معنا على استحالة ذلك عليه.

فردوا عليهم بأن نفي الظلم كلام في أفعاله ونفي النوم كلام في صفاته وفرق بينهما، وهذا كله من الجدل الباطل والهذيان، وإدخال الفلسفة في الدين بغير عقل ولا بيان، ومثله قول بعض المنتمين إلى السنة بجواز تخلف الوعيد ولا يعد ذلك ظلمًا لأن الظلم لا يتصور منه تعالى.

وبلغ بهم الجهل من تأييد هذا الرأي إلى تجويز الكذب على الله تعالى، وجعلوا هذا نصرًا للسنة.

والذي قذف بهؤلاء في هذه المهاوي هو الجدل والمراء لتأييد المذاهب التي تقلدوها، والتزام كل فريق تفنيد الآخر وإظهار خطئه لا طلب الحق أينما ظهر.

ولهم مثل هذه الجهالات الكثير البعيد عن كتاب الله ودينه، كقول المعتزلة: إن بعض الأشياء حسن لذاته وبعضها قبيح لذاته، ويجب على الله تعالى أن يفعل الأصلح من الأمرين الجائزين وكقول بعض من لم يفهم مسألة أفعال العباد بما يدل على جواز العبث على الله تعالى وكل هذا جهل.

والذي يفهم من الآية أن هناك حقيقة ثابتة في نفسها وهي الظلم، وأن هذا لا يقع من الله تعالى لأنه من النقص الذي يتنزه عنه وهو ذو الكمال المطلق والفضل العظيم، وقد خلق للناس مشاعر يدركون بها وعقولًا يهتدون بها إلى ما لا يدركه الحس، وشرع لهم من أحكام الدين وآدابه ما لا تستقل عقولهم بالوصول إلى مثله في هديتهم، وحفظ مصالحهم، وجعل فوائد الدين وآدابه سائقة إلى الخير صارفة عن الشر لتأييدها بالوعد والوعيد فمن وقع بعد ذلك فيما يضره ويؤذيه وترتبت عليه عقوبته كان هو الظلم لنفسه لأن الله لا يظلم أحدًا.

ونفي الظلم ههنا على إطلاقه يشمل المؤمن والكافر والذرة فيه عبارة عن منتهى الصغر في الأجسام، وقيل الذرة الهباء، وقيل النمل الصغير الأحمر، أو الذرة رأس النملة الصغيرة، وأظهر من هذه الآية في العموم ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ  ﴾ إلخ، وقد قدر مفسرنا (الجلال) في الآية هنا (أحدًا) للإشارة إلى العموم.

ولكن ورد في الكافرين ما يدل على أنه لا أثر لعملهم في الآخرة كقوله: ﴿ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا  ﴾ وقوله في عملهم: ﴿ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا  ﴾ وقد قال بعضهم في الجمع إن الله يجازيهم على أعمالهم في الدنيا وهذا تأويل لا يأتي في سورة الزلزلة لأن الكلام فيها خاص بيوم القيامة.

وقال بعضهم غير ذلك، كل يحمل الآية على مذهبه كما هي عادة المقلدين في جعل مذاهبهم أصلًا والقرآن العزيز فرعًا يحمل عليها ولو بالتأويل السقيم والتحريف البعيد.

ومن العجب أن يقول قائل بهذه التأويلات وقد ورد في الأحاديث المسلمة عند قائليها أن بعض المشركين يخفف عنه العذاب بعمل له: حاتم بكرمه، وأبو طالب بكفالته النبي ونصره إياه، بل ورد حديث بالتخفيف عن أبي لهب لعتقه "ثوبة" حين بشر بالنبي  هذا وأبو لهب هو الذي نزل فيه ﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ  ﴾ إلخ، السورة فالمعنى الصحيح إذن للآيات هو أن الله لا يقيم وزنًا للمشرك في مقابلة شركه بمعنى أنه لا يقابل الشرك عمل صالح فيمحوه بل الأعمال الصالحة بإزاء الشرك هباء، ولكن المشرك العاصي أشد عذابًا من المشرك المحسن.

ولا يعقل أن يكون المحسن والمسيء عنده تعالى سواء فإن هذا من الظلم المنفي بلا شك.

﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا  ﴾ بعد ما جاء بالوعد والوعيد في الآية السابقة جاء بهذه الآية معطوفة بالفاء، فهو يقول إذا كان الله لا يضيع من عمل عامل مثقال ذرة فكيف يكون حال الناس إذا جمعهم الله وجاء بالشهداء عليهم وهم الأنبياء فما من أمة إلا ولها بشير ونذير.

هذه الشهادة هي التي غفل عنها الناس وبكى لها النبي  إذ أمر بعض الصحابة بأن يقرأ عليه شيئًا من القرآن وهو  أعلم بالناس بالقرآن.

هذه الشهادة يوم يجمع الله الناس مع أنبيائهم هي عبارة عن مقابلة عقائدهم وأخلاقهم وأعمالهم بعقائد الأنبياء وأعمالهم وأخلاقهم.

تعرض أعمال كل أمة على نبيها لا فرق بين اليهود والنصارى والمسلمين وسائر أتباع الأنبياء، فمن شهد لهم نبيهم بعد معرفة أعمالهم وظهورها بأنهم على ما جاء به وعمل وأمر الناس بالعمل به فهم الناجون.

إن كل أمة من أتباع الأنبياء تدعي أتباع نبيها وإن كانت قلوبهم مملوءة بالحقد والحسد والغل وأعمالهم كلها شرورًا ومفاسد عليهم وعلى الناس فهؤلاء يتبرأ الأنبياء منهم وإن ادعوا عن اتِّباعهم والانتماء إليهم.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر