الآية ٣٩ من سورة النساء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 4 النساء > الآية ٣٩ من سورة النساء

وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ ءَامَنُوا۟ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ وَأَنفَقُوا۟ مِمَّا رَزَقَهُمُ ٱللَّهُ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا ٣٩

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 90 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣٩ من سورة النساء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣٩ من سورة النساء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم قال تعالى : ( وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله [ وكان الله بهم عليما ] ) أي : وأي شيء يكرثهم لو سلكوا الطريق الحميدة ، وعدلوا عن الرياء إلى الإخلاص والإيمان بالله ، ورجاء موعوده في الدار الآخرة لمن أحسن عملا وأنفقوا مما رزقهم الله في الوجوه التي يحبها الله ويرضاها .

وقوله : ( وكان الله بهم عليما ) أي : وهو عليم بنياتهم الصالحة والفاسدة ، وعليم بمن يستحق التوفيق منهم فيوفقه ويلهمه رشده ويقيضه لعمل صالح يرضى به عنه ، وبمن يستحق الخذلان والطرد عن جنابه الأعظم الإلهي ، الذي من طرد عن بابه فقد خاب وخسر في الدنيا والآخرة ، عياذا بالله من ذلك [ بلطفه الجزيل ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا (39) قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: وأيّ شيء على هؤلاء الذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر =" لو آمنوا بالله واليوم الآخر "، لو صدّقوا بأن الله واحدٌ لا شريك له، وأخلصوا له التوحيد، وأيقنوا بالبعث بعد الممات، وصدّقوا بأن الله مُجازيهم بأعمالهم يوم القيامة =" وأنفقوا مما رزقهم الله "، يقول: وأدّوا زكاة أموالهم التي رَزَقهم الله وأعطاهموها، طيبةً بها أنفسهم، ولم ينفقوها رئاء الناس، التماس الذكر والفخر عند أهل الكفر بالله، والمحمدة بالباطل عند الناس =" وكان الله "، بهؤلاء الذين وصَف صفتهم أنهم ينفقون أموالهم رئاء الناس نفاقًا، وهم بالله واليوم الآخر مكذّبون =" عليمًا "، يقول: ذا علم بهم وبأعمالهم، (13) وما يقصدون ويريدون بإنفاقهم ما ينفقون من أموالهم، وأنهم يريدون بذلك الرَياء والسُّمعة والمحمدة في الناس، وهو حافظ عليهم أعمالهم، لا يخفَى عليه شيء منها، حتى يجازيهم بها جزاءهم عند مَعادهم إليه.

---------------- الهوامش : (13) في المخطوطة: "ذو علم" بالرفع ، ولا بأس به.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله وكان الله بهم عليما[ ص: 170 ] " ما " في موضع رفع بالابتداء و " ذا " خبره ، وذا بمعنى الذي .

ويجوز أن يكون ما وذا اسما واحدا .

فعلى الأول تقديره وما الذي عليهم ، وعلى الثاني تقديره وأي شيء عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر ، أي صدقوا بواجب الوجود ، وبما جاء به الرسول من تفاصيل الآخرة ، وأنفقوا مما رزقهم الله .

وكان الله بهم عليما تقدم معناه في غير موضع

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: أي شيء عليهم وأي حرج ومشقة تلحقهم لو حصل منهم الإيمان بالله الذي هو الإخلاص، وأنفقوا من أموالهم التي رزقهم الله وأنعم بها عليهم فجمعوا بين الإخلاص والإنفاق، ولما كان الإخلاص سرًّا بين العبد وبين ربه، لا يطلع عليه إلا الله أخبر تعالى بعلمه بجميع الأحوال فقال: { وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا }

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وماذا عليهم ) أي : ما الذي عليهم وأي شيء عليهم؟

( لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله وكان الله بهم عليما )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله» أي أيّ ضرر عليهم في ذلك والاستفهام للإنكار ولو مصدرية أي لا ضرر فيه وإنما الضرر فيما هم عليه «وكان الله بهم عليما» فيجازيهم بما عملوا.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وأيُّ ضرر يلحقهم لو صدَّقوا بالله واليوم الآخر اعتقادًا وعملا وأنفقوا مما أعطاهم الله باحتساب وإخلاص، والله تعالى عليم بهم وبما يعملون، وسيحاسبهم على ذلك.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم وبخ - سبحانه - هؤلاء الذين يؤثرون رضا الناس على رضا الله ، والذين كفروا بالحق بعد إذ جاءهم فقال - : ( وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُواْ بالله واليوم الآخر وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقَهُمُ الله ) .والمعنى : وأى ضرر على هؤلاء الكافرين البخلاء المرائين لو أنهم آمنا بالله - تعالى - حق الإِيمان ، وآمنوا باليوم الآخر وما فيه من ثواب وعقاب ، وأنفقوا مما رزقهم الله من فضله ابتغاء وجهه؟

.إنه لا ضرر مطلقا من إيمانهم وإنفاقهم واستجابتهم للحق ، بل إن الخير كل الخير فى اتباع ذلك ، والشر كل الشر فيما هم عليه من كفر وبخل ورياء .فالجملة الكريمة توبيخ لهم على سلوكهم الطريق المعوج وتركهم للطريق المستقيم .وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله : قوله ( وَمَاذَا عَلَيْهِمْ ) .

وأى تبعة عليهم فى الإِيمان والإِنفاق فى سبيل الله .

والمراد الذم والتوبيخ .

وإلا فكل منفعة ومفلحة فى ذلك : وهذا كما يقال للمنتقم : ما ضرك لو عفوت وللعاق : ما كان يرزؤك لو كنت بارا .

وقد علم أنه لا مضرة ولا مرزأة فى العفو والبر .

ولكنه ذم وتجهيل وتوبيخ بمكان المنفعة .وقوله ( وَكَانَ الله بِهِم عَلِيماً ) تذييل قصد به تهديهم على إيثارهم طريق الغى على طريق الرشد .أى : وكان الله بهم عليما علماً بشمل بواطنهم وظواهرهم ، وسيجازيهم على ما أسروه وما أعلنوه بالعقاب الذى يستحقونه .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفيه مسائل: المسألة الأولى: قوله: ﴿ وَمَاذَا عَلَيْهِمْ ﴾ استفهام بمعنى الانكار، ويجوز أن يكون ماذا اسما واحدا، فيكون المعنى: وأي الشيء عليهم، ويجوز أن يكون ذا في معنى الذي، ويكون ما وحدها اسما، ويكون المعنى: وما الذي عليهم لو آمنوا.

المسألة الثانية: احتج القائلون بأن الايمان يصح على سبيل التقليد بهذه الآية فقالوا: إن قوله تعالى: ﴿ وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ ءامَنُواْ ﴾ مشعر بأن الاتيان بالايمان في غاية السهولة، ولو كان الاستدلال معتبرا لكان في غاية الصعوبة، فانا نرى المستدلين تفرغ أعمارهم ولا يتم استدلالهم، فدل هذا على أن التقليد كاف.

أجاب المتكلمون بأن الصعوبة في التفاصيل، فأما الدلائل على سبيل الجملة فهي سهلة، واعلم أن في هذا البحث غورا.

المسألة الثالثة: احتج جمهور المعتزلة بهذه الآية وضربوا له أمثلة، قال الجبائي: ولو كانوا غير قادرين لم يجز أن يقول الله ذلك، كما لا يقال لمن هو في النار معذب: ماذا عليهم لو خرجوا منها وصاروا إلى الجنة، وكما لا يقال للجائع الذي لا يقدر على الطعام: ماذا عليه لو أكل.

وقال الكعبي: لا يجوز أن يحدث فيه الكفر ثم يقول: ماذا عليه لو آمن.

كما لا يقال لمن أمرضه: ماذا عليه لو كان صحيحا، ولا يقال للمرأة: ماذا عليها لو كانت رجلا، وللقبيح: ماذا عليه لو كان جميلا، وكما لا يحسن هذا القول من العاقل كذا لا يحسن من الله تعالى، فبطل بهذا ما يقال: إنه وإن قبح من غيره، لكنه يحسن منه لأن الملك ملكه.

وقال القاضي عبد الجبار: إنه لا يجوز أن يأمر العاقل وكيله بالتصرف في الضيعة ويحبسه من حيث لا يتمكن من مفارقة الحبس، ثم يقول له: ماذا عليك لو تصرفت في الضيعة، وإذا كان من يذكر مثل هذا الكلام سفيها دل على أن ذلك غير جائز على الله تعالى، فهذا جملة ما ذكروه من الأمثلة.

واعلم أن التمسك بطريقة المدح والذم والثواب والعقاب قد كثر للمعتزلة، ومعارضتهم بمسألتي العلم والداعي قد كثرت، فلا حاجة إلى الاعادة.

ثم قال تعالى: ﴿ وَكَانَ الله بهم عَلِيماً ﴾ والمعنى أن القصد إلى الرئاء إنما يكون باطنا غير ظاهر، فبين تعالى أنه عليم ببواطن الأمور كما هو عليم بظواهرها، فان الإنسان متى اعتقد ذلك صار ذلك كالرادع له عن القبائح من أفعال القلوب: مثل داعية النفاق والرياء والسمعة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ رِئَآءَ الناس ﴾ للفخار، وليقال: ما أسخاهم وما أجودهم!

لا ابتغاء وجه الله.

وقيل: نزلت في مشركي مكة المنفقين أموالهم في عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿ فَسَاء قِرِيناً ﴾ حيث حملهم على البخل والرياء وكل شر.

ويجوز أن يكون وعيداً لهم بأنّ الشيطان يقرن بهم في النار ﴿ وَمَاذَا عَلَيْهِمْ ﴾ وأي تبعة ووبال عليهم في الإيمان والإنفاق في سبيل الله، والمراد الذم والتوبيخ.

وإلا فكل منفعة ومفلحة في ذلك.

وهذا كما يقال للمنتقم: ما ضرك لو عفوت.

وللعاق: ما كان يرزؤك لو كنت باراً.

وقد علم أنه لا مضرة ولا مرزأة في العفو والبر.

ولكنه ذم وتوبيخ وتجهيل بمكان المنفعة ﴿ وَكَانَ الله بِهِم عَلِيماً ﴾ وعيد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وأنْفَقُوا مِمّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ ﴾ أيْ وما الَّذِي عَلَيْهِمْ، أوْ أيُّ تَبِعَةٍ تَحِيقُ بِهِمْ بِسَبَبِ الإيمانِ والإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ، وهو تَوْبِيخٌ لَهم عَلى الجَهْلِ بِمَكانِ المَنفَعَةِ والِاعْتِقادِ في الشَّيْءِ عَلى خِلافِ ما هو عَلَيْهِ، وتَحْرِيضٌ عَلى الفِكْرِ لِطَلَبِ الجَوابِ لَعَلَّهُ يُؤَدِّي بِهِمْ إلى العِلْمِ بِما فِيهِ مِنَ الفَوائِدِ الجَلِيلَةِ، والعَوائِدِ الجَمِيلَةِ.

وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ المَدْعُوَّ إلى أمْرٍ لا ضَرَرَ فِيهِ يَنْبَغِي أنْ يُجِيبَ إلَيْهِ احْتِياطًا، فَكَيْفَ إذا تَضَمَّنَ المَنافِعَ.

وإنَّما قَدَّمَ الإيمانَ هاهُنا وأخَّرَهُ في الآيَةِ الأُخْرى لِأنَّ القَصْدَ بِذِكْرِهِ إلى التَّخْصِيصِ هاهُنا والتَّعْلِيلِ ثُمَّ ﴿ وَكانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا ﴾ وعِيدٌ لَهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا من ما رزقهم الله} وأى تبعة وبال عليهم في الإيمان والإنفاق في سبيل الله والمراد الذم والتوبيخ وإلا فكل منفعة ومصلحة فى ذلك وهذا كما يقال للعاق وما فرك لو كنت باراً وقد علم أنه لا مضرة في البر ولكنه ذم وتوبيخ {وَكَانَ الله بِهِم عَلِيماً} وعيد

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وماذا عَلَيْهِمْ ﴾ أيْ: ما الَّذِي عَلَيْهِمْ، أوْ أيُّ وبالٍ وضَرَرٍ يَحِيقُ بِهِمْ.

﴿ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وأنْفَقُوا ﴾ عَلى مَن ذُكِرَ مِنَ الطَّوائِفِ ابْتِغاءَ وجْهِ اللَّهِ تَعالى، كَما يُشْعِرُ بِهِ السِّياقُ ويُفْهِمُهُ الكَلامُ ﴿ مِمّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ ﴾ مِنَ الأمْوالِ، ولَيْسَ المُرادُ السُّؤالَ عَنِ الضَّرَرِ المُتَرَتِّبِ عَلى الإيمانِ والإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى، كَما هو الظّاهِرُ، إذْ لا ضَرَرَ في ذَلِكَ لِيُسْألَ عَنْهُ، بَلِ المُرادُ تَوْبِيخُهم عَلى الجَهْلِ بِمَكانِ المَنفَعَةِ والِاعْتِقادِ في الشَّيْءِ عَلى خِلافِ ما هو عَلَيْهِ، وتَحْرِيضُهم عَلى صَرْفِ الفِكْرِ لِتَحْصِيلِ الجَوابِ، لَعَلَّهُ يُؤَدِّي بِهِمْ إلى العِلْمِ بِما في ذَلِكَ مِمّا هو أجْدى مِن تَفارِيقِ العَصا، وتَنْبِيهُهم عَلى أنَّ المَدْعُوَّ إلى أمْرٍ لا ضَرَرَ فِيهِ يَنْبَغِي أنْ يُجِيبَ احْتِياطًا، فَكَيْفَ إذا تَدَفَّقَتْ مِنهُ المَنافِعُ؟!

وهَذا أُسْلُوبٌ بَدِيعٌ، كَثِيرًا ما اسْتَعْمَلَتْهُ العَرَبُ في كَلامِها، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ مَن قالَ: ما كانَ ضَرَّكَ لَوْ مَنَنْتَ ورُبَّما مَنَّ الفَتى وهو المَغِيظُ المُحْنَقُ وفِي الكَلامِ رَدٌّ عَلى الجَبْرِيَّةِ؛ إذْ لا يُقالُ مِثْلَ ذَلِكَ لِمَن لا اخْتِيارَ لَهُ ولا تَأْثِيرَ أصْلًا في الفِعْلِ، ألا تَرى أنَّ مَن قالَ لِلْأعْمى: ماذا عَلَيْكَ لَوْ كُنْتَ بَصِيرًا، ولِلْقَصِيرِ: ماذا عَلَيْكَ لَوْ كُنْتَ طَوِيلًا؟

نُسِبَ إلى ما يَكْرَهُ.

واسْتَدَلَّ بِهِ القائِلُونَ بِجَوازِ إيمانِ المُقَلِّدِ أيْضًا؛ لِأنَّهُ مُشْعِرٌ بِأنَّ الإيمانَ في غايَةِ السُّهُولَةِ، ولَوْ كانَ الِاسْتِدْلالُ واجِبًا لَكانَ في غايَةِ الصُّعُوبَةِ، وأُجِيبَ بَعْدَ تَسْلِيمِ الإشْعارِ بِأنَّ الصُّعُوبَةَ في التَّفاصِيلِ، ولَيْسَتْ واجِبَةً، وأمّا الدَّلائِلُ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ فَسَهْلَةٌ، وهي الواجِبَةُ، و(لَوْ) إمّا عَلى بابِها، والكَلامُ مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى، أيْ: لَوْ آمَنُوا لَمْ يَضُرَّهُمْ، وإمّا بِمَعْنى أنِ المَصْدَرِيَّةِ، كَما قالَ أبُو البَقاءِ، وعَلى الوَجْهَيْنِ لا اسْتِئْنافَ.

وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ، وجَوابُها مُقَدَّرٌ، أيْ حَصَلَتْ لَهُمُ السَّعادَةُ ونَحْوُهُ، وإنَّما قُدِّمَ الإيمانُ ها هُنا وأُخِّرَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ؛ لِأنَّهُ ثَمَّةَ ذِكْرٌ لِتَعْلِيلِ ما قَبْلَهُ مِن وُقُوعِ مَصارِفِهِمْ في دُنْياهم في غَيْرِ مَحَلِّها، وهُنا لِلتَّحْرِيضِ، فَيَنْبَغِي أنْ يَبْدَأ فِيهِ بِالأهَمِّ فالأهَمِّ، ولَوْ قِيلَ: أُخِّرَ الإيمانُ هُناكَ وقُدِّمَ الإنْفاقُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ الإنْفاقَ كانَ بِمَعْنى الإسْرافِ الَّذِي هو عَدِيلُ البُخْلِ فَأُخِرَّ الإيمانُ؛ لِئَلّا يَكُونَ فاصِلًا بَيْنَ العَدِيلَيْنِ لَكانَ لَهُ وجْهٌ، لا سِيَّما إذا قُلْنا بِالعَطْفِ.

﴿ وكانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا ﴾ خَبَرٌ يَتَضَمَّنُ وعِيدًا وتَنْبِيهًا عَلى سُوءِ بَواطِنِهِمْ، وأنَّهُ تَعالى مُطَّلِعٌ عَلى ما أخْفَوْهُ في أنْفُسِهِمْ، فَيُجازِيهِمْ بِهِ، وقِيلَ: فِيهِ إشارَةٌ إلى إثابَتِهِ تَعالى إيّاهم لَوْ كانُوا آمَنُوا وأنْفَقُوا، ولا بَأْسَ بِأنْ يُرادَ (كانَ عَلِيمًا بِهِمْ) وبِأحْوالِهِمُ المُحَقَّقَةِ والمَفْرُوضَةِ، فَيُعاقِبُ عَلى الأُولى ويُثِيبُ عَلى الثّانِيَةِ، كَما يُنْبِئُ عَنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَماذا عَلَيْهِمْ أي وما كان عليهم لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ مكان الكفر وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ مكان البخل في غير رياء.

ويقال: وَماذا عَلَيْهِمْ أي لم يكن عليهم شيء من العذاب لو آمنوا بالله واليوم الاخر، وأنفقوا مما رزقهم الله من الأموال، وهي الصدقة وَكانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيماً أنهم لم يؤمنوا.

ويقال: إن الله عليم بثواب أعمالهم، ولا يظلمهم شيئاً من ثواب أعمالهم.

قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ يعني لا ينقص من ثواب أعمالهم وزن الذرة.

قال الكلبي: وهي النملة الحميراء الصغيرة.

ويقال: هو الذي يظهر في شعاع الشمس، ويقال: لا يظلم مثقال ذرة يعني لا يزيد عقوبة الكافر مثقال ذرة، ولا ينقص من ثواب المؤمنين مثقال ذرة.

ثم قال تعالى: وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها قرأ نافع وابن كثير: وإن تك حسنة بضم الهاء لأن اسم تك بمنزلة اسم كان.

قرأ الباقون: حسنة بالنصب، وجعلوه خبر تك والاسم فيه مضمر معناه: وإن تكن الفعل حسنة يضاعفها، يعني: إذا زاد على حسناته مثقال ذرة من حسنة يضاعفها الله تعالى حتى يجعلها مثل أحد ويوجب له الجنة، فذلك قوله تعالى: وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً يعني الجنة.

وروى عبد الله بن مسعود  أنه قال: خمس آيات في سورة النساء أحب إلي من الدنيا وما فيها: قوله تعالى: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ [سورة النساء: 31] الآية.

وقوله: وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ [سورة النساء: 64] الآية.

وقوله: إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ الآية.

وقوله: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [سورة النساء: 48] الآية.

وقوله: ومَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ [سورة النساء: 123] الآية.

وقوله تعالى: فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ أي فكيف يصنعون؟

وكيف يكون حالهم؟

إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمة بشهيد، يعني بنبيها هو شاهد بتبليغ الرسالة من ربهم وَجِئْنا بِكَ يا محمد عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً يعني على أمتك شهيداً بالتصديق لهم، لأن أمته يشهدون على الأمم المكذبة للرسالة، وذلك أنه إذا كان يَوْمُ الْقِيَامَةِ يقولُ الله تعالى للأمم الخالية: هل بلغتكم الرسل رسالاتي؟

فيقولون: لا.

فقالت الرسل: قد بلغنا ولنا شهود، فيقول عز وجل: ومن شهودكم؟

فيقولون: أمة محمد  ، فيؤتى بأمة محمد  فيشهدون بتبليغ الرسالة، بما أوحي إليهم من ربهم في كتابهم في قصة الأمم الخالية.

فتقول الأمم الماضية: إن فيهم زواني وشارب الخمر، فلا يقبل شهادتهم، فيزكيهم النبيّ  فيقول المشركون: وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ [سورة الأنعام: 23] فيختم على أفواههم وتشهد أيديهم وأرجلهم بما كانوا يكسبون، فذلك قوله تعالى يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ أي تخسف بهم الأرض.

ويقال: فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ الرسل يشهدون على قومهم بتبليغ الرسالة، ويشهد النبيّ  على أمته بتبليغ الرسالة من قبل ومن لم يقبل.

حدثنا الخليل بن أحمد، قال: حدثنا أبو منيع، قال: حدّثنا أبو كامل، قال: حدّثنا فضيل عن يونس بن محمد بن فضالة عن أبيه، أن رسول الله  أتاهم من بني ظفر، فجلس على الصخرة التي في بني ظفر، ومعه ابن مسعود، ومعاذ وناس من الصحابة، فأمر قارئاً فقرأ حتى إذا أتى على هذه الآية فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً بكى رسول الله  حتى اخضلت وجنتاه فقال: «يَا رَبّ هذا عِلْمِي بِمَنْ أَنَا بَيْنَ ظَهْرَانِيهِمْ فَكَيْفَ بِمَنْ لَمْ أَرَهُمْ؟» .

ثم قال تعالى: يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني: يتمنى الذين كفروا يعني الكفار وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ أي يكونوا تراباً يمشي عليهم أهل الجمع وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً وهو قولهم: وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ.

قال الزجاج: قال بعضهم: وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً مستأنف، لأن ما عملوا ظاهر عند الله تعالى لا يقدرون على كتمانه.

وقال بعضهم: هو كلام بناء يعني يودون أن الأرض سويت بهم، وأنهم لم يكتموا الله حديثاً لأنه مظهر كذبهم.

قرأ حمزة والكسائي تُسَوَّى بنصب التاء وتخفيف السين وتشديد الواو يعني يخسف بهم، وقرأ عاصم وابن كثير وأبو عمرو تُسَوَّى بضم التاء فأدغم إحدى التاءين في الأخرى على فعل لم يسم فاعله، أي يصيروا تراباً وتسوى بهم الأرض.

وقرأ نافع وابن عامر: تُسَوَّى بنصب التاء وتشديد السين والواو، لأن أصله تتسوى فأدغم إحدى التاءين في السين.

ثم قال تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

ونفَى سبحانه محبَّته عَمَّنْ صفته الخُيَلاءُ والفَخْر، وذلك ضَرْبٌ من التوعُّد، يقال:

خَالَ الرَّجُلُ يَخُولُ خَوْلاً، إِذا تكبَّر وأُعْجِبَ بنفسه، وخَصَّ سبحانه هاتين الصفتين هنا إذا مقتضاهما العُجْبُ والزَّهْو، وذلك هو الحَامِلُ عَلَى الإِخلال بالأصْنَافِ الذين تَقدَّم أَمْرُ اللَّه بالإِحسان إِلَيْهم.

وقوله تعالى: الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ ...

الآية: قالتْ فرقةٌ:

«الذين» في موضعِ نَصْبٍ بدلٍ مِنْ «مَنْ» في قوله: مَنْ كانَ مُخْتالًا، ومعناه على هذا:

يبخَلُونَ بأموالهم، ويأمرون الناس، يَعْنِي: إِخوانَهُمْ ومَنْ هو مَظِنَّة طاعتهم بالبُخْل بالأموال أَنْ تُنْفَقَ في شَيْءٍ من وُجُوه الإِحسان إِلى مَنْ ذَكَر، وَيَكْتُمُونَ مَآ آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ، يعني: مِنَ الرِّزْقِ والمالِ، فالآيةُ، إِذَنْ، في المؤمنين، أي: وأما الكافِرُونَ فأعدَّ لهم عذاباً مُهِيناً، وروي أنَّ الآية نزلَتْ في أحبارِ اليَهُود بالمدينةِ إذ كتموا أمر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وبخلوا به، والتوعّد بالعذاب المهين لهم، وأَعْتَدْنا: معناه يَسَّرْنَا وأحْضَرْنَا، والعَتِيدُ: الحَاضِرُ، والمُهِينُ: الذي يَقْتَرِنُ به خِزْيٌ وذُلٌّ، وهو أنْكَى وأشدّ على المعذّب.

وقوله تعالى: وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النَّاسِ ...

الآية: «الَّذِينَ» في موضعِ رَفْعٍ على القطع، والخبرُ محذوفٌ، وتقديره، بعد «اليوم الآخر» : مُعَذَّبُونَ.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَماذا عَلَيْهِمْ ﴾ المَعْنى: وأيُّ شَيْءٍ عَلى هَؤُلاءِ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم رِئاءَ النّاسِ، ولا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ، لَوْ آمَنُوا!

.

وفي الإنْفاقِ المَذْكُورِ هاهُنا: قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ الصَّدَقَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: الزَّكاةُ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

وفي قَوْلِهِ: ﴿ وَكانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا ﴾ تَهْدِيدٌ لَهم عَلى سُوءِ مَقاصِدِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ويَأْمُرُونَ الناسَ بِالبُخْلِ ويَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا ﴾ ﴿ والَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم رِئاءَ الناسِ ولا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ ومَن يَكُنِ الشَيْطانُ لَهُ قَرِينًا فَساءَ قَرِينًا ﴾ ﴿ وَماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ وأنْفَقُوا مِمّا رَزَقَهُمُ اللهُ وكانَ اللهُ بِهِمْ عَلِيمًا ﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: "الَّذِينَ" في مَوْضِعِ نَصْبِ بَدَلٍ مِن "مَن" في قَوْلِهِ: ﴿ مَن كانَ مُخْتالا فَخُورًا  ﴾ ومَعْناهُ -عَلى هَذا-: يَبْخَلُونَ بِأمْوالِهِمْ "وَيَأْمُرُونَ الناسَ" يَعْنِي: إخْوانَهُمْ، ومَن هو مَظِنَّةُ طاعَتِهِمْ بِالبُخْلِ بِالأمْوالِ، فَلا تُنْفَقُ في شَيْءٍ مِن وُجُوهِ الإحْسانِ إلى مَن ذَكَرَهُ ﴿ وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ ﴾ ، يَعْنِي: مِنَ الرِزْقِ والمالِ، فَيَجِيءُ -عَلى هَذا- أنَّ الباخِلِينَ مَنفِيَّةٌ عنهم مَحَبَّةُ اللهِ، والآيَةُ إذًا في المُؤْمِنِينَ، فالمَعْنى: أحْسِنُوا أيُّها المُؤْمِنُونَ إلى مَن سَمّى، فَإنَّ اللهَ لا يُحِبُّ مَن فِيهِ الخِلالُ المانِعَةُ مِنَ الإحْسانِ إلَيْهِمْ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وأمّا الكافِرُونَ فَإنَّهُ أعَدَّ لَهم ﴿ عَذابًا مُهِينًا ﴾ ، فَفَصَلَ تَوَعُّدَ المُؤْمِنِينَ مِن تَوَعُّدِ الكافِرِينَ بِأنْ جَعَلَ الأوَّلَ عَدَمَ المَحَبَّةِ، والثانِيَ عَذابًا مُهِينًا.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: "الَّذِينَ" في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ -بَعْدَ قَوْلِهِ: "مِن فَضْلِهِ"-: مُعَذَّبُونَ، أو مُجازَوْنَ، أو نَحْوُهُ.

وقالَ الزَجّاجُ: الخَبَرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ، وإنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها  ﴾ ، وفي هَذا تَكَلُّفٌ ما، والآيَةُ عَلى هَذا كُلِّهِ في كُفّارٍ.

وقَدْ رُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ في أحْبارِ اليَهُودِ بِالمَدِينَةِ، فَإنَّهم بَخِلُوا بِالإعْلامِ بِصِفَةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، وبِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ في ذَلِكَ، وأمَرُوا الناسَ بِالبُخْلِ عَلى جِهَتَيْنِ: بِأنْ قالُوا لِأتْباعِهِمْ وعَوامِّهِمُ: اجْحَدُوا أمْرَ مُحَمَّدٍ وابْخَلُوا بِهِ، وبِأنْ قالُوا لِلْأنْصارِ: لِمَ تُنْفِقُونَ أمْوالَكم عَلى هَؤُلاءِ المُهاجِرِينَ فَتَفْتَقِرُونَ؟

ونَحْوُ هَذا مَرْوِيٌّ عن مُجاهِدٍ، وحَضْرَمِيٍّ، وابْنِ زَيْدٍ، وابْنِ عَبّاسٍ.

وحَقِيقَةُ البُخْلِ: مَنعُ ما في اليَدِ، والشُحُّ: هو البُخْلُ الَّذِي تَقْتَرِنُ بِهِ الرَغْبَةُ فِيما في أيْدِي الناسِ، وكِتْمانُ الفَضْلِ هو -عَلى هَذا-: كِتْمانُ العِلْمِ، والتَوَعُّدُ بِالعَذابِ المُهِينِ لَهم.

وقَرَأ عِيسى ابْنُ عُمَرَ، والحَسَنُ: "بِالبُخُلِ" بِضَمِّ الباءِ والخاءِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِضَمِّ الباءِ وسُكُونِ الخاءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ هُنا وفي [الحَدِيدِ] "بِالبَخَلِ" بِفَتْحِ الباءِ والخاءِ، وقَرَأ ابْنُ الزُبَيْرِ وقَتادَةُ وجَماعَةٌ بِفَتْحِ الباءِ وسُكُونِ الخاءِ، وهي كُلُّها لُغاتٌ.

وأعْتَدْنا مَعْناهُ: يَسَّرْنا وأعْدَدْنا وأحْضَرْنا، والعَتِيدُ: الحاضِرُ.

والمُهِينُ: الَّذِي يَقْتَرِنُ بِهِ خِزْيٌ وذُلٌّ، وهو أنْكى وأشَدُّ عَلى المُعَذَّبِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ يُنْفِقُونَ ﴾ الآيَةُ، قالَ الطَبَرِيُّ: "والَّذِينَ" في مَوْضِعِ خَفْضِ عَطْفٍ عَلى "الكافِرِينَ"، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَطْفًا عَلى "الَّذِينَ يَبْخَلُونَ" عَلى تَأْوِيلِ: مَن رَآهُ مَقْطُوعًا ورَأى الخَبَرَ مَحْذُوفًا، وقالَ: إنَّها نَزَلَتْ في اليَهُودِ.

ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى العَطْفِ وحَذْفِ الخَبَرِ، وتَقْدِيرُهُ: -بَعْدَ "اليَوْمِ الآخِرِ"-: مُعَذَّبُونَ.

وقالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في اليَهُودِ، قالَ الطَبَرِيُّ: وهَذا ضَعِيفٌ، لِأنَّهُ نَفى عن هَذِهِ الصِفَةِ الإيمانَ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ، واليَهُودُ لَيْسُوا كَذَلِكَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَوْلُ مُجاهِدٍ مُتَّجِهٌ عَلى المُبالَغَةِ والإلْزامِ، إذْ إيمانُهم بِاليَوْمِ الآخِرِ كَلا إيمانٍ، مِن حَيْثُ لا يَنْفَعُهم.

وقالَ الجُمْهُورُ: نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ، وهَذا هو الصَحِيحُ، وإنْفاقُهُمْ: هو ما كانُوا يُعْطُونَ مِن زَكاةٍ، ويُنْفِقُونَ في السَفَرِ مَعَ رَسُولِ اللهِ  ، رِياءً ودَفْعًا عن أنْفُسِهِمْ، لا إيمانًا بِاللهِ، ولا حُبًّا في دِينِهِ.

و"رِئاءَ" نُصِبَ عَلى الحالِ مِنَ الضَمِيرِ في "يُنْفِقُونَ"، والعامِلُ: "يُنْفِقُونَ"، ويَكُونُ قَوْلُهُ: "وَلا يُؤْمِنُونَ" في الصِلَةِ، لِأنَّ الحالَ لا تُفَرَّقُ إذا كانَتْ مِمّا هو في الصِلَةِ، وحَكى المَهْدَوِيُّ أنَّ الحالَ تَصِحُّ أنْ تَكُونَ مِنَ "الَّذِينَ" فَعَلى هَذا يَكُونُ "وَلا يُؤْمِنُونَ" مَقْطُوعًا لَيْسَ مِنَ الصِلَةِ، والأوَّلُ أصَحُّ، وما حَكىالمَهْدَوِيُّ ضَعِيفٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "وَلا يُؤْمِنُونَ" في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: غَيْرَ مُؤْمِنِينَ، فَتَكُونَ الواوُ واوَ الحالِ.

والقَرِينُ: فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ، مِنَ المُقارَنَةِ، وهِيَ: المُلازَمَةُ والِاصْطِحابُ، وهي هاهُنا- مُقارَنَةٌ مَعَ خُلْطَةٍ وتَوادٍّ، والإنْسانُ كُلُّهُ يُقارِنُهُ الشَيْطانُ، لَكِنَّ المُوافِقَ عاصٍ لَهُ، ومِنهُ قِيلَ لِما يُلَزُّ مِنَ الإبِلِ والبَقَرِ قَرِينانِ، وقِيلَ لِلْحَبْلِ الَّذِي يُشَدّانِ بِهِ: قَرَنٌ، قالَ الشاعِرُ: : كَمُدْخِلٍ رَأْسَهُ لَمْ يُدْنِهِ أحَدٌ بَيْنَ القَرِينَيْنِ حَتّى لَزَّهُ القَرَنُ فالمَعْنى: ومَن يَكُنِ الشَيْطانُ لَهُ مُصاحِبًا ومُلازِمًا، أوشَكَ أنْ يُطِيعَهُ فَتَسُوءُ عاقِبَتُهُ، و"قَرِينًا" نُصِبَ عَلى التَمْيِيزِ، والفاعِلُ لِـ "ساءَ" مُضْمَرٌ، تَقْدِيرُهُ: ساءَ القَرِينُ قَرِينًا، عَلى حَدِّ "بِئْسَ"، وقَرَنَ الطَبَرِيُّ هَذِهِ الآيَةَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلا  ﴾ وذَلِكَ مَرْدُودٌ، لِأنَّ "بَدَلًا"، حالٌ، وفي هَذا نَظَرٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَماذا عَلَيْهِمْ ﴾ "ما" رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، و"ذا" صِلَةٌ، و"عَلَيْهِمْ" خَبَرُ الِابْتِداءِ، التَقْدِيرُ: وأيُّ شَيْءٍ عَلَيْهِمْ؟

ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ "ما" اسْمًا بِانْفِرادِها، و"ذا" بِمَعْنى "الَّذِي" ابْتِداءٌ وخَبَرٌ، وجَوابُ "لَوْ" في قَوْلِهِ: "ماذا" فَهو جَوابٌ مُقَدَّمٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وكَأنَّ هَذا الكَلامَ يَقْتَضِي أنَّ الإيمانَ مُتَعَلِّقٌ بِقُدْرَتِهِمْ، ومِن فِعْلِهِمْ.

ولا يُقالُ لِأحَدٍ: "ما عَلَيْكَ لَوْ فَعَلْتَ".

إلّا فِيما هو مَقْدُورٌ لَهُ.

وهَذِهِ شُبْهَةٌ لِلْمُعْتَزِلَةِ، والِانْفِصالُ عنها أنَّ المَطْلُوبَ إنَّما هو تَكَسُّبُهم واجْتِهادُهم وإقْبالُهم عَلى الإيمانِ، وأمّا الِاخْتِراعُ فاللهُ المُنْفَرِدُ بِهِ، وفي هَذا الكَلامِ تَفَجُّعٌ ما عَلَيْهِمْ، واسْتِدْعاءٌ جَمِيلٌ يَقْتَضِي حِيطَةً وإشْفاقًا.

﴿ وَكانَ اللهُ بِهِمْ عَلِيمًا ﴾ إخْبارٌ يَتَضَمَّنُ وعِيدًا، ويُنَبِّهُ عَلى سُوءِ تَواطُئِهِمْ، أيْ: لا يَنْفَعُهم كَتْمٌ مَعَ عِلْمِ اللهِ تَعالى بِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

يجوز أن يكون استئنافاً ابتدائياً، جيء به عقب الأمر بالإحسان لمن جرى ذكرهم في الجملة السابقة، ومناسبة إرداف التحريض على الإحسان بالتحذير من ضدهّ وما يشبه ضدّه من كلّ إحسان غير صالح؛ فقوبل الخُلق الذي دعاهم الله إليه بأخلاق أهل الكفر وحِزب الشيطان كما دلّ عليه ما في خلال هذه الجملة من ذِكر الكافرين الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر.

فيكون قوله: ﴿ الذين يبخلون ﴾ مبتدأ، وحُذف خبره ودَلّ عليه قولُه: ﴿ وأعتدنا للكافرين عذاباً مهيناً ﴾ .

وقُصد العدول عن العطف: لتكون مستقلّة، ولما فيه من فائدة العموم، وفائدة الإعلام بأنّ هؤلاء من الكافرين.

فالتقدير: الذين يبخلون أعتدنا لهم عذاباً مهينا وأعتدنا ذلك للكافرين أمثالهم، وتكون جملة: ﴿ والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ﴾ معطوفة أيضاً على جملة ﴿ والذين يبخلون ﴾ محذوفة الخبر أيضاً، يدلّ عليه قوله: ﴿ ومن يكن الشيطان له قرينا ﴾ إلخ.

والتقدير: والذين ينفقون أموالهم رثاء الناس قرينهم الشيطان.

ونكتة العدول إلى العطف مثل نكتة ما قبلها.

ويجوز أن يكون ﴿ الذين يبخلون ﴾ بدلاَ من (مَن) في قوله: ﴿ من كان مختالاً فخوراً ﴾ [النساء: 36] فيكون قوله: ﴿ والذين ينفقون أموالهم ﴾ معطوفاً على ﴿ الذين يبخلون ﴾ ، وجملة ﴿ وأعتدنا ﴾ معترضة.

وهؤلاء هم المشركون المتظاهرون بالكفر، وكذلك المنافقون.

والبخل بضمّ الباء وسكون الخاء اسم مصدر بخل من باب فرح، ويقال البَخَل بفتح الباء والخاء وهو مصدره القياسي، قرأه الجمهور بضم الباء وقرأه حمزة، والكسائي، وخلَف بفتح الباء والخاء.

والبخل: ضدّ الجود وقد مضى عند قوله تعالى: ﴿ ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله ﴾ في سورة آل عمران (180).

ومعنى ويأمرون الناس بالبخل } يحضّون الناس عليه، وهذا أشدّ البخل، قال أبو تمّام: وإنّ امر أضنّت يداه على امرئ *** بنيل يَدٍ من غيره لبخيل والكتمان: الإخفاء.

و ﴿ ما آتاهم الله من فضله ﴾ يحتمل أنّ المراد به المال، كقوله تعالى: ﴿ ولا تحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله ﴾ [آل عمران: 180]؛ فيكون المعنى: أنّهم يبخلون ويعتذرون بأنّهم لا يجدون ما ينفقون منه، ويحتمل أنّه أريد به كتمان التوراة بما فيها من صفة النبي صلى الله عليه وسلم فعلى الاحتمال الأوّل يكون المراد بالذين يبخلون: المنافقين، وعلى الثاني يكون المراد بهم: اليهود؛ وهذا المأثور عن ابن عباس.

ويجوز أن تكون في المنافقين، فقد كانوا يأمرون الناس بالبخل ﴿ هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا ﴾ [المنافقون: 7].

وقوله: ﴿ وأعتدنا للكافرين عذاباً مهيناً ﴾ ، عَقِبَه، يؤذن بأنّ المراد أحد هذين الفريقين.

وجملة: ﴿ وأعتدنا للكافرين عذاباً مهيناً ﴾ معترضة.

وأصل و ﴿ أعتدنا ﴾ أعددنا، أبدلت الدال الأولى تاء، لثقل الدالين عند فكّ الإدغام باتّصال ضمير الرفع، وهكذا مادّة أعدّ في كلام العرب إذا أدغموها لم يبدلوا الدال بالتاء لأنّ الإدغام أخفّ، وإذا أظهروا أبدلوا الدال تاء، ومن ذلك قولهم: عَتاد لعُدّة السلاح، وأعْتُد جمع عتاد.

ووصف العذاب بالمهين جزاء لهم على الاختيال والفخر.

وعطف ﴿ والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ﴾ على ﴿ الذين يبخلون ﴾ : لأنّهم أنفقوا إنفاقاً لا تحصل به فائدة الإنفاق غالباً، لأنّ من ينفق ماله رئاء لا يتوخّى به مواقع الحاجة، فقد يعطي الغنيّ ويمنع الفقير، وأريد بهم هنا المنفقون من المنافقين المشركين، ولذلك وصفوا بأنّهم لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، وقيل: أريد بهم المشركون من أهل مكة، وهو بعيد، لأنّ أهل مكة قد انقطع الجدال معهم بعد الهجرة.

وجملة: ﴿ ومن يكن الشيطان له قرينا ﴾ معترضة.

وقوله: ﴿ فساء قريناً ﴾ جواب الشرط.

والضمير المُستتر في (ساء) إن كان عائداً إلى الشيطان ف (ساءَ) بمعنى بئس، والضمير فاعلها، و ﴿ قرينا ﴾ تمييز للضمير، مثل قوله تعالى: ﴿ ساء مثلاً القوم الذين كذبوا بآياتنا ﴾ [الأعراف: 177]، أي: فساء قرينا له، ليحصل الربط بين الشرط وجوابه، ويجوز أن تبقى (ساء) على أصلها ضَدّ حَسُن، وترفع ضميرا عائداً على (مَن) ويكون (قريناً) تمييز نسبة، كقولهم: «ساءَ سمعاً فَسَاء جَابَةً» أي فساءَ من كان الشيطان قرينَهُ من جهة القَرين، والمقصود على كلا الاحتمالين سوء حال من كان الشيطان له قريناً بإثبات سوء قرينه؛ إذ المرء يعرف بقرينه، كما قال عديّ بن زيد: فَكُلّ قريننٍ بالمُقَارن يَقْتَدي *** وقوله: ﴿ وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر ﴾ عطف على الجملتين، وضمير الجمع عائد إلى الفريقين، والمقصود استنزال طائرهم، وإقامة الحجّة عليهم.

﴿ وماذا ﴾ استفهام، وهو هنا إنكاري توبيخي.

و(ذا) إشارة إلى (مَا)، والأصل لا يجيء بعد (ذا) اسم موصول نحو ﴿ من ذا الذي يشفع عنده ﴾ [البقرة: 255].

وكثر في كلام العرب حذفه وإبقاء صلته لكثرة الاستعمال، فقال النحاة: نابت ﴿ ذا ﴾ منابَ الموصول، فعدّوها في الموصولات وما هي منها في قبيل ولا دبير، ولكنّها مؤذنة بها في بعض المواضع.

﴿ وعلى ﴾ ظرف مستقِرّ هو صلة الموصول، فهو مؤوّل بكون.

و ﴿ على ﴾ للاستعلاء المجازي بمعنى الكلفة والمشقّة، كقولهم: عَليك أن تفعل كذا.

و ﴿ لو آمنوا ﴾ شرط حذف جوابه لدلالة ما قبله عليه، وقد قدّم دليل الجواب اهتماماً بالاستفهام، كقول قَتيلة بنت الحارث: مَا كانَ ضَرَّك لو مَننت وربما *** منَّ الفتى وهو المَغيظ المُحْنَقُ ومن هذا الاستعمال تَوَلَّدَ معنى المصدرية في لو الشرطية، فأثبته بعض النحاة في معاني لو، وليس بمعنى لو في التحقيق، ولكنه ينشأ من الاستعمال.

وتقدير الكلام: لو آمنوا ماذا الذي كان يتعبهم ويثقلهم، أي لكان خفيفاً عليهم ونافعاً لهم، وهذا من الجدل بإراءة الحالة المتروكة أنفعَ ومحمودةً.

ثم إذا ظهر أنّ التفريط في أخفّ الحالين وأسدّهما أمر نكر، ظهر أنّ المفرّط في ذلك مَلوم، إذ لم يأخذ لنفسه بأرشد الخَلَّتين، فالكلام مستعمل في التوبيخ استعمالا كنائيا بواسطتين.

والملام متوجّه للفريقين: الذين يبخلون؛ والذين ينفقون رئاء، لقوله: ﴿ لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله ﴾ على عكس ترتيب الكلام السابق.

وجملة: ﴿ وكان الله بهم عليماً ﴾ معترضة في آخر الكلام، وهي تعريض بالتهديد والجزاء على سوء أعمالهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها نَزَلَتْ في اليَهُودِ، بَخِلُوا بِما عِنْدَهم مِنَ التَّوْراةِ مِن نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ  وكَتَمُوهُ وأمَرُوا النّاسَ بِكَتْمِهِ.

﴿ وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ﴾ يَعْنِي نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ  ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، والسُّدِّيِّ.

والثّانِي: يَبْخَلُونَ بِالإنْفاقِ في طاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِذَلِكَ، وهو قَوْلُ طاوُسٍ، والبُخْلُ أنْ يَبْخَلَ بِما في يَدَيْهِ، والشُّحُّ أنْ يَشِحَّ عَلى ما في أيْدِي النّاسِ يُحِبُّ أنْ يَكُونَ لَهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم رِئاءَ النّاسِ ولا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ اليَهُودُ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.

والثّانِي: هُمُ المُنافِقُونَ، وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ.

﴿ وَمَن يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِينًا فَساءَ قَرِينًا ﴾ القَرِينُ هو الصّاحِبُ المُوافِقُ، كَما قالَ عَدِيُّ بْنُ زَيْدٍ: عَنِ المَرْءِ لا تَسْألْ وأبْصِرْ قَرِينَهُ فَإنَّ القَرِينَ بِالمُقارَنِ مُقْتَدِي وَأصْلُ القَرِينِ مِنَ الأقْرانِ، والقِرْنُ بِالكَسْرِ المُماثِلُ لِأقْرانِهِ في الصِّفَةِ، والقَرْنُ بِالفَتْحِ: أهْلُ العَصْرِ لِاقْتِرانِهِمْ في الزَّمانِ، ومِنهُ قَرْنُ البَهِيمَةِ لِاقْتِرانِهِ بِمِثْلِهِ.

وَفي المُرادِ يَكُونُ قَرِينًا لِلشَّيْطانِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مُصاحِبُهُ في أفْعالِهِ.

والثّانِي: أنَّ الشَّيْطانَ يَقْتَرِنُ بِهِ في النّارِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كان كردم بن يزيد حليف كعب بن الأشرف، وأسامة بن حبيب، ونافع بن أبي نافع، وبحري بن عمرو، وحيي بن أخطب، ورفاعة بن زيد بن التابوت، يأتون رجالاً من الأنصار يتنصحون لهم فيقولون لهم: لا تنفقوا أموالكم فإنا نخشى عليكم الفقر في ذهابها، ولا تسارعوا في النفقة فإنكم لا تدرون ما يكون.

فأنزل الله فيهم ﴿ الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ﴾ إلى قوله: ﴿ وكان الله بهم عليماً ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ الذين يبخلون ﴾ قال: هي في أهل الكتاب، يقول: يكتمون ويأمرون الناس بالكتمان.

وأخرج ابن جرير عن حضرمي في الآية قال: هم اليهود، بخلوا بما عندهم من العلم، وكتموا ذلك.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ الذين يبخلون...

﴾ الآية.

قال: نزلت في يهود.

وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ الذين يبخلون..

﴾ الآية.

قال: هؤلاء يهود يبخلون بما آتاهم الله من الرزق، ويكتمون ما آتاهم الله من الكتب إذا سئلوا عن الشيء.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: كان علماء بني إسرائيل يبخلون بما عندهم من العلم، وينهون العلماء أن يعلموا الناس شيئاً، فعيرهم الله بذلك فأنزل الله: ﴿ الذين يبخلون...

﴾ الآية.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ﴿ الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ﴾ قال: هذا في العلم ليس للدنيا منه شيء.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال: هم أعداء الله أهل الكتاب، بخلوا بحق الله عليهم وكتموا الإسلام ومحمداً وهم ﴿ يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل ﴾ [ الأعراف: 157] .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن طاوس قال: البخل: أن يبخل الإنسان بما في يديه، والشح.

أن يشح على ما في أيدي الناس، يحب أن يكون له ما في أيدي الناس بالحل والحرام لا يقنع.

وأخرج سعيد بن منصور عن عمرو بن عبيد.

أنه قرأ ﴿ ويأمرون الناس بالبخل ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد عن يحيى بن يعمر، أنه قرأها ﴿ ويأمرون الناس بالبخل ﴾ بنصب الباء والخاء.

وأخرج عبد بن حميد عن عمرو بن دينار.

أن ابن الزبير كان يقرأها ﴿ ويأمرون الناس بالبخل ﴾ بنصب الباء والخاء.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ﴾ قال: نزلت في اليهود.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ ﴾ الآية.

هذا احتجاج على هؤلاء الذين ذكرهم الله بأنهم لا يؤمنون بالله، والمعنى أن الإنسان يُحاسب نفسه فيما عليه وله، فإذا ظهر له ما عليه في فعل شيء من استحقاق العقاب، وما له في تركه من استحقاق الثواب عمل على ذلك في تركه والانصراف عنه.

ومعنى الآية كأن الله تعالى يقول: ليتفكروا ولينظروا ماذا عليهم في الإيمان لو آمنوا؟

وهو استفهام في معنى الإنكار.

ويصلح أن يكون (ما) و (ذا) اسمًا واحدًا، فيكون المعنى: وأي شيء عليهم (١) (٢) وقد بسطنا الكلام في تفسير (ماذا) في موضعين في سورة البقرة [[انظر: "البسيط" بتحقيق د.

الفوزان [البقرة: 215].]].

وقوله تعالى: ﴿ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ﴾ .

قال ابن عباس: يريد بنية صادقة، يصدِّق القلبُ اللسان، ويصدق اللسانُ القلب (٣) ﴿ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ ﴾ يريد: يصدقوا مما تفضل الله به عليهم (٤) وقوله تعالى: ﴿ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا ﴾ .

تأويله: لا ينفعهم ما ينفقونه على جهة الرياء؛ لأن الله بهم عليم مجاز لهم بما يسرون من قليل أو كثير (٥) (١) انظر: الطبري 5/ 88، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 417.

(٢) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 417، "الكشف والبيان" (4/ 55 أ).

(٣) لم أقف عليه.

(٤) انظر: "الوسيط" 2/ 550، "زاد المسير" 2/ 83.

(٥) انظر: الطبري 5/ 88.

"الوسيط" 2/ 550، "زاد المسير" 2/ 83.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُواْ بالله واليوم الآخر ﴾ الآية: استدعاء لهم كملاطفة أو توبيخ على ترك الإيمان والإنفاق، كأنه يقول أي مضرة عليهم في ذلك ﴿ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ﴾ أي وزنها، وهي النملة الصغيرة، وذلك تمثيل بالقليل تنبيهاً على الكثير ﴿ وَإِن تَكُ حَسَنَةً ﴾ بالرفع فاعل، وتك تامة، وبالنصب خبر على أنها ناقصة واسمها مضمر فيها ﴿ يضاعفها ﴾ أي يكثرها واحد البر بعشر إلى سبعمائة أو أكثر ﴿ وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ ﴾ أي من عنده تفضلاً وزيادة على ثواب العمل.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: {يكفر{ و ﴿ يدخلكم ﴾ بياء الغيبة: المفضل.

الباقون بالنون.

﴿ مدخلاً ﴾ بفتح الميم وكذلك في الحج: أبو جعفر ونافع.

الباقون بالضم ﴿ واسئلوا ﴾ وبابه مما دخل عليه واو العطف أو فاؤه بغير همزة: ابن كثير وعلي وخلف وسهل وحمزة في الوقف.

﴿ عقدت ﴾ من العقد: عاصم وحمزة وعلي وخلف.

الباقون ﴿ عاقدت ﴾ من المعاقدة ﴿ بما حفظ الله ﴾ بالنصب: يزيد.

الباقون بالرفع.

﴿ والجار ﴾ بالإمالة: إبراهيم بن حماد وقتيبة ونصير وأبو عمرو وحمزة في رواية ابن سعدان وأبي عمرو والنجاري عن ورش ﴿ والجار الجنب ﴾ بفتح الجيم وسكون النون: المفضل.

البقاون بضمتين ﴿ بالبخل ﴾ بفتحيتن حيث كان: حمزة وعلي وخلف والمفضل عباس مخير.

الباقون: بضم الباء وسكون الخاء.

﴿ حسنة ﴾ بالرفع: ابن كثير وأبو جعفر ونافع.

الباقون بالنصب ﴿ يضعفها ﴾ بالتشديد: ابن كثير وابن عامر ويزيد ويعقوب.

الباقون ﴿ يضاعفها ﴾ بالألف.

الوقوف: ﴿ كريماً ﴾ ه ﴿ على بعض ﴾ ط ﴿ مما اكتسبن ﴾ ط ﴿ من فضله ﴾ ط ﴿ عليماً ﴾ ه ﴿ والأقربون ﴾ ط بناء على أن ما بعد مبتدأ ﴿ نصيبهم ﴾ ط ﴿ شهيداً ﴾ ه ﴿ من أموالهم ﴾ ج لأن ما يتلوا مبتدأ ﴿ بما حفظ الله ﴾ ط ﴿ واضربوهن ﴾ ج لابتداء الشرط مع فاء التعقيب ﴿ سبيلاً ﴾ ط ﴿ كبيراً ﴾ ه ﴿ من أهلها ﴾ ج لأن " أن " للشرط مع اتحاد الكلام ﴿ بينهما ﴾ ط ﴿ خبيراً ﴾ ه ﴿ وابن السبيل ﴾ ط للعطف ﴿ أيمانكم ﴾ ط ﴿ فخوراً ﴾ ه لا بناء على أن الذين بدل ﴿ من فضله ﴾ ط ﴿ مهيناً ﴾ ه ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والعطف ﴿ باليوم الآخر ﴾ ط وإن جعل "الذين" مبتدأ لأن خبره محذوف أي فأولئك قرينهم الشيطان ﴿ قريناً ﴾ ه ﴿ رزقهم الله ﴾ ط ﴿ عليماً ﴾ ه ﴿ ذرة ﴾ ط لانقطاع النظم مع اتفاق المعنى أي لا يظلم بنقص الثواب ومع ذلك يضاعفه ﴿ عظيماً ﴾ ه.

التفسير: هذا كالتفصيل للوعيد المتقدم.

ومن الناس من قال: جميع الذنوب والمعاصي كبائر.

روى سعيد بن جبير عن ابن عباس: كل شيء عصي الله فيه فهو كبيرة، فمن عمل شيئاً منها فليستغفر الله فإنّ الله لا يخلد في النار من هذه الأمة إلاّ راجعاً عن الإسلام أو جاحداً فريضة أو منكراً لقدر.

وضعف بأن الذنوب لو كانت كلها كبائر لم يبق فرق بين ما يكفر باجتناب الكبائر وبين الكبائر وبقوله  : ﴿ وكل صغير وكبير مستطر  ﴾ ﴿ لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها  ﴾ وبأنه  نص على ذنوب بأعيانها أنها كبائر، وبقوله  : ﴿ وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان  ﴾ ولا بد من فرق بين الفسوق والعصيان.

فالكبائر هي الفسوق، والصغائر العصيان.

حجة المانع ما روي عن ابن عباس: أنّ الذنب إنما يكبر لوجهين: لكثرة نعم من / عصى فيه ولجلالته، ولا شك أن نعمه  غير متناهية وأنه أجل الموجودات فيكون عصيانه كبيراً.

وعورض بأنه أرحم الراحمين وأغنى عن طاعات المطيعين، وكل ذلك يوجب خفة الذنب وإن سلم أن الذنوب كلها كبائر من حيث إنها ذنوب ولكن بعضها أكبر من بعض وذلك يوجب التفاوت.

وإذ قد عرفت أن الذنوب بعضها صغائر وبعضها كبائر فالكبيرة تتميز عن الصغيرة بذاتها أو باعتبار فاعلها.

ذهب إلى كل واحد طائفة.

فمن الأولين من قال: ويروى عن ابن عباس كل ما جاء في القرآن مقروناً بذكر الوعيد فهو كبيرة كالقتل المحرم والزنا وأكل مال اليتيم وغيرها.

وزيف بأنه لا ذنب إلاّ وهو متعلق الذم عاجلاً والعقاب آجلاً فيكون كل ذنب كبيراً وهو خلاف المفروض.

وعن ابن مسعود أن الكبائر هي ما نهى الله  في الآيات المتقدمة، وضعف بأنه  ذكر الكبائر في سائر السور أيضاً فلا وجه للتخصيص.

وقيل: كل عمد فهو كبير.

ورُدّ بأنه إن أراد بالعمد أنه ليس بساهٍ فما هذا حاله فهو الذي نهى الله عنه فيكون كل ذنب كبيراً وقد أبطلناه، وإن أراد بالعمد أن يفعل المعصية مع العلم بأنها معصية فلا يكون كفر اليهود والنصارى كبيراً وهو باطل بالاتفاق.

وأما الذين يقولون الكبائر تمتاز عن الصغائر باعتبار فاعلها، فوجهه أنّ لكل طاعة قدراً من الثواب، ولكل معصية قدراً من العقاب.

فإذا وجد للإنسان طاعة ومعصية فالتعادل بين الاستحقاقين وإن كان ممكناً بحسب العقل إلاّ أنه غير ممكن بحسب السمع وإلاّ لم يكن مثل ذلك المكلف لا في الجنة ولا في النار وقد قال  : ﴿ فريق في الجنة وفريق في السعير  ﴾ فلا بد من ترجيح أحدهما، ويلزم حينئذٍ الإحباط والتكفير.

والحق في هذه المسألة وعليه الأكثرون بعد ما مرّ من إثبات قسمة الذنب إلى الكبير والصغير أنه  لم يميّز جملة الكبائر عن جملة الصغائر لما بين في هذه الآية أن الاجتناب عن الكبائر يوجب تكفير الصغائر.

فلو عرف المكلف جميع الكبائر اجتنبها فقط واجترأ على الإقدام على الصغائر، أما إذا عرف أنه لا ذنب إلاّ ويجوز كونه كبيراً صار هذا المعنى زاجراً له عن الذنوب كلها، ونظير هذا في الشرع إخفاء ليلة القدر في ليالي رمضان، وساعة الإجابة في ساعات الجمعة، ووقت الموت في جملة الأوقات.

هذا ولا مانع من أن يبيّن الشارع في بعض الذنوب أنه كبيرة كما روي أنه  قال: " اجتنبوا السبع الموبقات الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلاّ بالحق وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات " وذكر عند ابن عباس أنها سبعة / فقال: هي إلى السبعين أقرب.

وفي رواية إلى السبعمائة.

وعن ابن عمر أنه عدّ منها: استحلال آميّن البيت الحرام وشرب الخمر.

وعن ابن مسعود: زيادة القنوط من رحمة الله والأمن من مكره.

وفي بعض الروايات عن النبي  زيادة قول الزور وعقوق الوالدين والسرقة.

وأما قول العلماء في الكبيرة فمنهم من قال: هي التي توجب الحد.

وقيل: هي التي يلحق صاحبها الوعيد الشديد بنص أو كتاب أو سنة.

وقيل: كل جريرة تؤذن بقلة اكتراث صاحبها بالدين.

وقيل: لا كبيرة مع الاستغفار ولا صغيرة مع الإصرار.

ويراد بالإصرار المداومة على نوع واحد من الصغائر، أو الإكثار منها وإن لم تكن من نوع واحد.

احتج أبو القاسم الكعبي بالآية على القطع بوعيد أهل الكبائر لأنها تدل على أنه إذا لم يجتنب الكبائر فلا تكفر عنه.

والجواب عنه أن استثناء نقيض المقدم لا ينتج ويؤيده قوله تعالى: ﴿ فإن أمن بعضكم بعضاً فليؤد الذي اؤتمن أمانته  ﴾ وأداء الأمانة واجب أمنه أو لم يأمنه.

سلمنا أنّ الآية رجعت إلى قوله من لم يجتنب الكبائر لم يكفر عنه سيّئاته، فغايته أنه يكون عاماً في باب الوعيد.

والجواب عنه هو الجواب عن سائر العمومات، وهو أنه مشروط بعدم العفو عندنا كما أنه مشروط عندكم بعدم التوبة.

ثم قالت المعتزلة: إنّ عند اجتناب الكبائر يجب غفران الصغائر، وعندنا لا يجب على الله شيء بل كل ما يفعله فهو فضل وإحسان.

ويدخل في الاجتناب عن الكبائر الإتيان بالطاعات لأن ترك الواجب أيضاً كبيرة.

﴿ وندخلكم مدخلاً ﴾ فمن فتح الميم أراد مكان الدخول، ومن ضمها أراد الإدخال.

ووصفه بالكرم إشعار بأنه على وجه التعظيم خلاف إدخال أهل النار الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم، أو هو وصف باعتبار صاحبه.

ثم إنه  لما أمرهم بتهذيب أعمال الجوارح وهو أن لا يقدموا على أكل الأموال بالباطل وعلى قتل الأنفس، حثهم على تهذيب الأخلاق في الباطن.

أو نقول: لما نهاهم عن الأكل والقتل ولن يتم ذلك إلاّ بالرضا بالقضاء وتطييب القلب بالمقسوم المقدّر، فلا جرم قال: ﴿ ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض ﴾ قالت المعتزلة: التمني قول القائل: "ليته كذا".

وقال أهل السنة: هو عبارة عن إرادة ما يعلم أن يظن أنه لا يكون ولهذا قالوا: إنه  لو أراد من الكافر أن يؤمن مع علمه بأنه لا يؤمن كان متمنياً.

ثم مراتب السعادات إما نفسانية نظرية كالذكاء والحدس وحصول المعارف والحقائق، أو عملية كالأخلاق الفاضلة، وإما بدنية كالصحة والجمال والعمر، وإما خارجية كحصول الأولاد النجباء وكثرة العشائر والأصدقاء والرياسة التامة ونفاذ القول وكونه محبوباً للخلق حسن الذكر مطاع الأمر، فهذه مجامع السعادات.

وبعضها محض عطاء الله  ، وبعضها مما / يظن أنها كسبية.

وبالحقيقة كلها عطاء منه  فإنه لولا ترجيح الدواعي وإزالة العوائق وتحصيل الموجبات وتوفيق الأسباب فلأي سبب يكون السعي والجد مشتركاً فيه، والفوز بالبغية والظفر بالمطلوب غير مشترك فيه؟

وإذا كان كذلك فما الفائدة في الحسد غير الاعتراض على مدبر الأمور وكافل مصالح الجمهور؟

فعلى كل أحد أن يرضى بما قسم له علماً بأن ما قسم له هو خير له، ولو كان خلافه لكان وبالاً عليه كما قال: ﴿ ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض  ﴾ وفي الكلمات القدسية: " من استسلم لقضائي وصبر على بلائي وشكر نعمائي كتبته صديقا وبعثته يوم القيامة مع الصديقين.

ومن لم يرض بقضائي ولم يصبر على بلائي ولم يشكر نعمائي فليخرج من أرضي وسمائي وليطلب رباً سوائي" قال المحققون: لا يجوز للإنسان أن يقول: اللهم أعطني داراً مثل دار فلان، وزوجة مثل زوجة فلان، وإن كان هذا غبطة لا حسداً، بل ينبغي أن يقول: اللهم أعطني ما يكون صلاحاً لي في ديني ودنياي ومعادي ومعاشي.

وعن الحسن: لا يتمن أحد المال فلعل هلاكه في ذلك المال.

أما سبب النزول فعن مجاهد قالت أم سلمة: يا رسول الله يغزو الرجال ولا نغزو، ولهم من الميراث ضعف ما لنا فنزلت.

وعن قتادة والسدي: لما نزل قوله: ﴿ للذكر مثل حظ الأنثيين  ﴾ قال الرجال: نرجو أن نفضل على النساء في الآخرة كما فضلنا في الميراث.

وقال النساء: نرجو أن يكون الوزر علينا نصف ما على الرجال.

وفي رواية قلن: نحن أحوج لأن ضعفاءهم أقدر على طلب المعاش فنزلت.

وقيل: أتت وافدة النساء إلى الرسول وقالت: رب الرجال والنساء واحد، وأنت الرسول إلينا وإليهم، وأبونا آدم وأمنا حواء فما السبب في أن الله يذكر الرجال ولا يذكرنا؟

فنزلت الآية.

فقالت: وقد سبقنا الرجال بالجهاد فما لنا؟

فقال  : "إن للحامل منكن أجر الصائم القائم، وإذا ضربها الطلق لم يدر أحد ما لها من الأجر، فإن أرضعت كان لها بكل مصة أجر إحياء نفس" .

﴿ للرجال نصيب مما اكتسبوا ﴾ من نعيم الدنيا وثواب الآخرة فينبغي أن يرضوا بما قسم لهم، وكذا للنساء، أو لكل فريق جزاء ما اكتسب من الطاعات فلا ينبغي أن يضيعه بسبب الحسد المذموم.

وتلخيصه لا تضيع ما لك بتمني ما لغيرك.

أو ﴿ للرجال نصيب مما اكتسبوا ﴾ بسبب قيامهم بالنفقة على النساء ﴿ وللنساء نصيب مما اكتسبن ﴾ بحفظ فروجهن وطاعة أزواجهن والقيام بمصالح البيت ﴿ واسئلوا الله من فضله ﴾ فعنده من ذخائر الإنعام ما لا ينفده مطالب الأنام.

و "من" للتبعيض أي شيئاً من خزائن كرمه وطوله ﴿ إنّ الله كان بكل شيء / عليماً ﴾ فهو العالم بما يكون صلاحاً للسائلين، فليقتصر السائل على المجمل وليفوّض التفصيل إليه فإن ذلك أقرب إلى الأدب وأوفق للطلب.

قوله  وتعالى : ﴿ ولكل جعلنا موالى مما ترك الوالدان والأقربون ﴾ يمكن تفسيره بحيث يكون الوالدان والأقربون وارثين وبحيث يكونان موروثاً منهما.

والمعنى على الأول: لكل أحد جعلنا ورثة في تركته.

ثم إنه كأنه قيل: ومَنْ هؤلاء الورثة؟

فقيل: هم الوالدان والأقربون فيحسن الوقف على قوله: ﴿ مما ترك ﴾ وفيه ضمير كل.

وأما على الثاني، فإما أن يكون في الكلام تقديم وتأخير أي ولكل شيء مما ترك الوالدان والأقربون جعلنا موالي أي ورثة، وإما أن يكون ﴿ جعلنا موالي ﴾ صفة ﴿ لكل ﴾ بل محذوف والعائد محذوف وكذا المبتدأ والتقدير: ولكل قوم جعلناهم موالي نصيب مما ترك الوالدان والأقربون كما تقول: لكل من خلقه الله إنساناً من رزق الله.

أي حظ من رزق الله، والمولى لفظ مشترك بين معانٍ: منها المعتق لأنه ولي نعمته في عتقه، ومنها العبد المعتق لاتصال ولاية مولاه في إنعامه عليه، وهذا كما يسمى الطالب غريماً لأن له اللزوم والمطالبة بحقه، ويسمى المطلوب غريماً لكون الدين لازماً له.

ومنها الحليف لأن الحالف يلي أمره بعقد اليمين، ومنها ابن العم لأنه يليه بالنصرة ومنه المولى للناصر قال  : ﴿ ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا  ﴾ ومنها العصبة وهو المراد في الآية إذ هو الأليق بها كقوله  : " أنا أولى بالمؤمنين من مات وترك مالاً فماله للموالي العصبة، ومن ترك كلاً فأنا وليّه " وأما قوله: ﴿ والذين عقدت أيمانكم ﴾ فإما أن يكون مبتدأ ضمن معنى الشرط، فوقع قوله: ﴿ فآتوهم ﴾ خبره.

وإما أن يكون منصوباً على قولك: "زيداً فاضربه" مما توسط الفاء بين الفعل ومفعول مفسره إيذاناً بتلازمهما وإما أن يكون معطوفاً على ﴿ الوالدان ﴾ والإيمان جمع اليمين اليد أو الحلف.

من الناس من قال: الآية منسوخة.

وذلك أن الرجل كان يعاقد الرجل فيقول: دمي دمك وهدمي هدمك أي ما يهدر، وثأري ثأرك، وحربي حربك، وسلمي سلمك، وترثني وأرثك، وتطلب بي وأطلب بك، وتعقل عني وأعقل عنك، فيكون للحليف السدس من ميراث الحليف فنسخ بقوله: ﴿ وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض  ﴾ وبقوله: ﴿ يوصيكم الله  ﴾ وأيضاً: إن الواحد منهم كان يتخذ إنساناً أجنبياً ابناً له وهم الأدعياء، وكان النبي  يؤاخي بين كل رجلين منهم، فكانوا يرثون بالتبني والمؤاخاة فنسخ، ومن المفسرين من زعم أنها غير منسوخة، وقوله: ﴿ والذين ﴾ معطوف على ما / قبله.

والمعنى: أن ما ترك الذين عقدت أيمانكم فله وارث هو أولى به فلا تدفعوا المال إلى الحليف بل إلى الوارث، فيكون الضمير في ﴿ فآتوهم ﴾ للموالي قاله أبو علي الجبائي.

أو المراد بالذين عاقدت الزوج والزوجة، والنكاح يسمى عقداً بين ميراث الزوج والزوجة بعد ميراث الولد والوالدين كما في قوله: ﴿ يوصيكم الله  ﴾ قاله أبو مسلم.

وقيل: المراد الميراث الحاصل بسبب الولاء.

وقيل: هم الحلفاء.

والمراد بإتياء نصيبهم النصرة والنصيحة والمصافاة.

وقال الأصم: المراد التحفة بالشيء القليل كقوله: ﴿ وإذا حضر القسمة  ﴾ وذهب جمهور الفقهاء إلى أنه لا يرث المولى الأسفل من الأعلى.

وحكى الطحاوي عن الحسن بن زياد أنه قال: يرث، لما روى ابن عباس "أن رجلاً أعتق عبداً له فمات المعتق ولم يترك إلاّ العتيق فجعل رسول الله  ميراثه للغلام" .

والحديث عند الجمهور محمول على أن المال صار لبيت المال ثم دفعه النبي  إلى الغلام لفقره، وقال أبو حنيفة: لو أسلم رجل على يد رجل وتعاقدا على أن يتعاقلا ويتوارثا صح وورث بحق الموالاة، وخالفه الشافعي فيه.

وحكى الأقطع أن هذه المولاة لا تصح عند أبي حنيفة أيضاً إلا بين العرب دون العجم لرخاوة عقدهم في أمورهم، ﴿ إنّ الله كان على كل شيء شهيداً ﴾ لأنه عالم بجميع الجزئيات والكليات فشهد على الخلق يوم القيامة بكل ما عملوه، وفيه وعيد للعاصين، ووعد للمطيعين.

هذا وقد مر أن النساء تكلمن في تفضيل الله الرجال عليهم في الميراث ونحوه، فذكر في هذه الآية ما يشتمل على بعض أسباب التفضيل فقال: ﴿ الرجال قوّامون ﴾ يقال: هذا قيم المرأة وقوّامها بناء مبالغة للذي يقوم بأمرها ويهتم بحفظها كما يقوم الوالي على الرعية ومنه سمي الرجال قوّاماً.

والضمير في بعضهم للرجال والنساء جميعاً أي إنما كانوا مسيطرين عليهن بسبب تفضيل الله بعضهم - وهو الرجال - على بعض - وهم النساء.

وقيل: وفيه دليل على أن الولاية إنما تستحق بالفضل لا بالتغلب والاستطالة والقهر.

وذكروا في فضل الرجال العقل والحزم والعزم والقوة والكتابة في الغالب والفروسية والرمي، وأن منهم الأنبياء والعلماء والحكماء، وفيهم الإمامة الكبرى وهي الخلافة، الصغرى وهو الاقتداء بهم في الصلاة، وأنهم أهل الجهاد والأذان والخطبة والاعتكاف والشهادة في الحدود والقصاص بالاتفاق وفي الأنكحة عند الشافعي، وزيادة السهم في الميراث والتعصيب فيه، والحمالة تحمل الدية في القتل الخطأ، والقسامة والولاية في النكاح والطلاق والرجعة وعدد الأزواج وإليهم الانتساب، وكل ذلك يدل على فضلهم، وحاصلهم يرجع إلى العلم والقدرة.

ومنها سبب خارجيّ وذلك أنهم فضلوا عليهن بما أنفقوا أي أخرجوا في نكاحهن من أموالهم مهراً / ونفقة.

عن مقاتل "أن سعد بن الربيع، وكان من نقباء الأنصار، نشزت عليه امرأته حبيبة بنت زيد بن أبي زهير، فلطمها.

فانطلق بها أبوها إلى رسول الله  وقال: افرشته كريمتي فلطمها.

فقال رسول الله  : لتقتص منه، وكانت قد نزلت آية القصاص، فانصرفت مع أبيها لتقتص منه فقال النبي  : ارجعوا هذا جبيرل أتاني وأنزل الله هذه الآية.

فقال النبي  : أردنا أمراً وأراد الله أمراً والذي أراد الله خير ورفع القصاص" .

فلهذا قال العلماء: لا قصاص بين الرجل وامرأته فيما دون النفس ولو شَجها ولكن يجب العقل، وقيل: لا قصاص إلاّ في الجرح والقتل، وأما في اللطمة ونحوها فلا.

ثم قسم النساء قسمين، فوصف الصالحات منهن بأنهن قانتات مطيعات لله وللزوج حافظات للغيب قائمات بحقوق الزوج في غيبته، والغيب خلاف الشهادة.

ومواجب حفظ غيبة الزوج أن تحفظ نفسها عن الزنا لئلاّ يلحق الزوج العار بسبب زناها، ولئلاّ يلحق به الولد الحاصل من نطفة غيره، وأن تحفظ أسراره عن الإفشاء وماله عن الضياع ومنزلها عما لا ينبغي شرعاً وعرفاً.

عن النبي  : " خير النساء امرأة إن نظرت إليها سرتك وإن أمرتها أطاعتك وإن غبت عنها حفظتك في مالك ونفسها وتلا الآية" و "ما" في قوله: ﴿ بما حفظ الله ﴾ موصولة والعائد محذوف أي بالذي حفظه الله لهن أي عليهن أن يحفظن حقوق الزوج في مقابلة ما حفظ الله حقوقهن على أزواجهن حيث أمرهم بالعدل فيهن في قوله: ﴿ فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان  ﴾ فقوله: ﴿ بما حفظ الله ﴾ يجري مجرى قولهم "هذا بذاك" أي هذا في مقابلة ذاك، أو مصدرية والمعنى: أنهن حافظات للغيب بحفظ الله إياهن فإنهن لا يتيسر لهن حفظ الغيب إلاّ بتوفيق الله، أو بما حفظهن حين وعدهن الثواب العظيم على الأمانة، وأوعدهن العذاب الشديد على الخيانة.

ومن قرأ ﴿ بما حفظ الله ﴾ بالنصب فـ "ما" أيضاً موصولة أي بالأمر الذي يحفظ حق الله وأمانته وهو التعفف والتحصن والشفقة على الرجال والنصيحة لهم، أو مصدرية أي بسبب حفظهن حدود الله وأوامره فإن المرأة لولا أنها تحاول رعاية تكليف الله وتجتهد في حفظ أوامره وإلا لما أطاعت زوجها.

ثم ذكر غير الصالحات منهن فقال: ﴿ واللاتي تخافون ﴾ تعرفون بالقرائن والأمارات ﴿ نشوزهن ﴾ عصيانهن والترفع عليكم بالخلاف من نشز الشيء ارتفع، ومنه نشز للأرض المرتفعة ﴿ فعظوهن ﴾ وهو أن يقول: اتقي الله فإن لي عليك حقاً، وارجعي عما أنت عليه، واعلمي أن طاعتي عليك فرض ونحو ذلك.

﴿ واهجروهن في المضاجع ﴾ أي في المراقد أي لا تداخلوهن تحت اللحف، وقيل: هو أن يوليها ظهره في المضجع.

وقيل: في المضاجع أي ببيوتهن التي يبتن فيها أي لا / تبايتوهن.

وفي ضمن الهجران الامتناع من كلامها.

ولكن ينبغي أن لا يزيد في هجره الكلام على ثلاث، فإذا هجرها في المضجع فإن كانت تحب الزوج شق ذلك عليها فتركت النشوز، وإن كانت تبغضه وافقها ذلك الهجران فكان ذلك دليلاً على كمال نشوزها فيباح الضرب وذلك قوله: ﴿ واضربوهن ﴾ والأولى ترك الضرب لما روي أنه  قال: " "لا تضربوا إماء الله فجاء عمر إلى رسول الله  فقال: ذئرت النساء على أزواجهن أي اجترأن فرخص في ضربهن.

فأطاف بآل رسول الله  نساء كثير يشكون أزواجهن فقال رسول الله  : لقد طاف بآل محمد نساء كثير يشكون أزواجهن ليس أولئك بخياركم " ومعناه أن الذين ضربوا أزواجهم ليسوا خيراً ممن لم يضربوا.

وإذا ضربها وجب أن لا يكون مفضياً إلى الهلاك ألبتة، وأن يكون مفرقاً على بدنها لا يوالي به في موضع واحد، ويتقي الوجه لأنه مجمع المحاسن، وأن يكون دون الأربعين.

وقيل: دون عشرين لأنه حد كامل في شرب العبد، ومنهم من لا يرى الضرب بالسياط ولا بالعصا.

وبالجملة فالتخفيف مرعي في هذا الباب ولهذا قال علي بن أبي طالب: يعظها بلسانه فإن انتهت فلا سبيل له عليها، فإن أبت هجر مضجعها، فإن أبت ضربها، فإن لم تتعظ بالضرب بعث الحكمين.

وقال آخرون: هذا الترتيب مرعي عند خوف النشوز، فأما عند تحقق النشوز فلا بأس بالجمع بين الكل.

وروي عن النبي  : " "علق سوطك حيث يراه أهلك " ﴿ فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً ﴾ بالأذى والتوبيخ، واجعلوا ما كان منهم كأن لم يكن ﴿ إن الله كان علياً ﴾ لا بالجهة ﴿ كبيراً ﴾ لا بالجثة ﴿ فاحذروا ﴾ واعلموا أن قدرته عليكم أعظم من قدرتكم على أزواجكم وأرقائكم.

روي "أن أبا مسعود الأنصاري رفع سوطه ليضرب غلاماً له فبصر به رسول الله  فصاح به: أبا مسعود، الله أقدر منك عليه.

فرمى بالسوط وأعتق الغلام" .

وفيه أنه مع علوه وكبرياء سلطانه تعصونه فيتوب عليكم فأنتم أحق بالعفو إذا رجع الجاني عليكم، أو أنه مع علوه وكبريائه لا يكلفكم إلا ما تطيقون فكذلك لا تكلفوهن محبتكم فلعلهن لا يقدرن على ذلك، أو أنه مع علو شأنه وكبريائه يكتفي من العبيد بالظواهر ولا يهتك السرائر فأنتم أجدر بأن لا تفتشوا عما في قلبها من الحب والبغض إذا صلح حالها في الظاهر، أو أنهن إن ضعفن عن دفع ظلمكم وعجزن عن الانتصاف منكم فالله  قادر قاهر ينتصف لهن منكم.

ثم بيّن أنه ليس بعد الضرب إلا المحاكمة فقال: ﴿ وإن خفتم ﴾ قال ابن عباس: أي علمتم وذلك لإصرارها على النشوز حيث لم يؤثر فيها الوعظ والهجران والضرب.

واعترض / عليه الزجاج بأنه إذا علم الشقاق قطعاً فلا حاجة إلى الحكمين.

وأجيب بأن الشقاق معلوم إلاّ أنا لا نعلم أن سبب الشقاق منه أو منها، فالحاجة إلى الحكمين لهذا المعهنى.

أو نقول: المراد إزالة الشقاق في الاستقبال، ومعنى ﴿ شقاق بينهما ﴾ شقاقاً بينهما، فأضيف الشقاق إلى الظرف على سبيل الاتساع وهو إجراء الظرف مجرى المفعول به، أو على جعل البين مشاقاً مثل "نهاره صائم" والضمير للزوجين يدل عليهما مساق الكلام، أو ذكر الرجال والنساء ﴿ فابعثوا حكماً من أهله ﴾ رجلاً مقنعاً رضاً يصلح لحكومة الإصلاح بينهما ويهتدي إلى المقصود من البعث.

ولا بد فيه من العقل والبلوغ والحرية والإسلام، ويستحب أن يكون الحكمان من أهلهما لأن الأقارب أعرف ببواطن أحوالهما وتسكن إليهما نفوس الزوجين، فيبرزان لهما ما في ضمائرهما من الحب والبغض وإرادة الصحبة والفرقة، وموجبات كل من الأمرين.

وينبغي أن يخلو حكم الرجل بالرجل وحكم المرأة بالمرأة فيعرفان ما عندهما وما فيه رغبتهما، وإذا اجتمعا لم يخف أحدهما عن الآخر ما علم.

ثم المبعوثان وكيلان من جهة الزوجين أو موليان من جهة الحكام المخاطبين بقوله: ﴿ فابعثوا ﴾ فيه للشافعي قولان:- أصحهما وبه قال أبو حنيفة وأحمد - أنهما وكيلان لأن البضع حق الزوج والمال حق الزوجة وهما رشيدان.

والخطاب في قوله: ﴿ فإن خفتم ﴾ وفي ﴿ فابعثوا ﴾ لصالحي الأمة لأنه يجري مجرى دفع الضرر، فلكل أحد أن يقوم به.

وثانيهما - وبه قال مالك - أنهما موليان لأنه  سماهما الحكمين.

ولما روي أن علياً  بعث حكمين من زوجين فقال: أتدريان ما عليكما؟

عليكما إن رأيتما أن تجمعا فاجمعا وإن رأيتما أن تفرّقا ففرقا.

وعلى الأول يوكل الرجل الذي هو من أهله بالطلاق وبقبول العوض في الخلع، والمرأة الآخر ببذل العوض وقبول الطلاق، ولا يجوز بعثهما إلا برضاهما فإن لم يرضيا ولم يتفقا على شيء أدب القاضي الظالم واستوفى حق المظلوم.

وعلى الثاني لا يشترط رضا الزوجين في بعث الحكمين.

﴿ إن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما ﴾ فيه أربعة أوجه.

الأول: إن يرد الحكمان خيراً يوفق الله بين الحكمين حتى يتفقا على ما هو خير.

الثاني: إن يرد الزوجان إصلاحاً أبدل الله الزوجين بالشقاق وفاقاً.

الثالث: إن يرد الحكمان إصلاحاً يؤلف الله بين الزوجين.

الرابع: إن يرد الزوجان خيراً يوفق الله بين الحكمين حتى تتفق كلمتاهما ويحصل الغرض، والتوفيق جعل الأسباب موافقة للغرض ولا يستعمل إلا في الخير والطاعة.

وفيه أنه لا يتم شيء من الأغراض إلاّ بتوفيق الله  وتيسيره ﴿ إنّ الله كان عليماً خبيراً ﴾ فيوفق بين المختلفين ويجمع بين المفترقين بمقتضى علمه وإرادته.

وفيه وعيد للزوجين والحكمين في سلوك ما يخالف طريق الحق ووعد على الجد في حسم مادة الخصومة والخشونة.

/ ثم أرشد إلى مجامع الأخلاق الحسنة بقوله: ﴿ واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً ﴾ فإن من عبد الله وأشرك به شيئاً آخر فقد حبط عمله وضل سعيه ﴿ وبالوالدين إحساناً ﴾ تقديره وأحسنوا بهما إحساناً.

يقال: أحسن بفلان وإلى فلان.

﴿ وبذي القربى واليتامى والمساكين ﴾ وقد مر تفاسيرها في البقرة.

قال أبو بكر الرازي: إن اضطر إلى قتل أبيه بأن يخاف أن يقتله إن ترك قتله جاز له أن يقتله ﴿ والجار ذي القربى ﴾ الذي قرب جواره ﴿ والجار الجنب ﴾ الذي بعد جواره.

عن النبي  : " لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه، ألا وإن الجوار أربعون داراً " وعن الزهري أنه أراد أربعين من كل جانب.

وقيل: الجار ذي القربى الجار القريب النسب، والجار الجنب الأجنبي.

والتركيب يدل على البعد، ومنه الجانبان للناحيتين، والجنبان لبعد كل منهما عن الآخر، ومنه الجنابة لبعده عن الطهارة وعن حضور الجماعة والمسجد ما لم يغتسل.

ومن قرأ ﴿ الجنب ﴾ فمعناه المجنوب مثل "خلق" بمعنى مخلوق، أو المراد ذي الجنب فحذف المضاف ﴿ والصاحب الجنب ﴾ وهو الذي حصل بجنبك إما رفيقاً في سفر، وإما جاراً ملاصقاً، وإما شريكاً في تعلم أو حرفة، وإما قاعداً إلى جنبك في مجلس، أو في مسجد أو غير ذلك من أدنى صحبة اتفقت بينك وبينه، فعليك أن تراعي ذلك الحق ولا تنساه وتجعله ذريعة إلى الإحسان، وقيل: الصاحب بالجنب المرأة فإنها تكون معك وتضطجع إلى جنبك ﴿ وابن السبيل ﴾ المسافر الذي انقطع عن بلده، أو الضيف ﴿ وما ملكت أيمانكم ﴾ عن علي بن أبي طالب أنه كان آخر كلام رسول الله  ﴿ وما ملكت أيمانكم ﴾ وذكر اليمين تأكيد كما يقال: مشيت برجلي.

والإحسان إليهم أن لا يكلفهم فوق طاقتهم ولا يؤذيهم بالكلام الخشن، بل يعاشروهم معاشرة جميلة ويعطيهم من الطعام والكسوة ما يليق بحالهم في كل وقت.

وكانوا في الجاهلية يسيئون إلى المملوك فيكلفون الإماء البغاء وهو الكسب بفروجهن، ويضعون على العبيد الخراج الثقيل.

وقيل: كل حيوان فهو مملوك.والإحسان إلى كل نوع بما يليق بحاله طاعة عظيمة ﴿ إنّ الله لا يحب من كان مختالاً فخوراً ﴾ تياهاً جهولاً يتكبر عن إكرام أقاربه وأصحابه ومماليكه، وعن الالتفات إلى حالهم والتفقد لهم والتحفي بهم، ويأنف من أقاربه إذا كانوا فقراء ومن جيرانه إذا كانوا ضعفاء.

وأصله من الخيلاء الكبر، والفخور المتطاول الذي يعد مناقبه، وعن ابن عباس هو الذي يفخر على عباد الله  بما أعطاه من أنواع نعمه، ولعل هذا يجوز على سبيل التحدث بالنعم فقط ﴿ الذين يبخلون ﴾ البخل في اللغة منع الإحسان، وفي الشرع منع / الواجب.

وفيه أربع لغات: البخل مثل الفقر، والبخل بضم الباء وسكون الخاء، وبضمهما، وبفتحهما.

وسبب النظم أن الإحسان إلى الأصناف المذكورين إنما يكون في الأغلب بالمال فذم المعرضين عن ذلك الإحسان لحب المال، ويحتمل أن يشمل البخل بالعلم أيضاً، أي يبخلون بذات أيديهم وبما في أيدي غيرهم مقتاً للسخاء وهذه نهاية البخل.

وفي أمثالهم "أبخل من الضنين بنائل غيره" وقد عابهم بكتمان نعمة الله وما آتاهم من فضل الغنى حتى أوهموا الفقر مع الغنى، والإعسار مع اليسار، والعجز مع الإمكان فخالفوا سنة نبي الله  حيث قال  : " "إنّ الله  يحب أن يرى على عبده أثر نعمته " وبنى عامل للرشيد قصراً حذاء قصره فنم به عنده، فقال الرجل: يا أمير المؤمنين إن الكريم يسره أن يرى أثر نعمته فأحببت أن أسرك بالنظر إلى آثار نعمتك فأعجبه كلامه.

ثم إن هذا الكتمان قد يقع على وجه يوجب الكفر مثل أن يظهر الشكاية من الله  ولا يرضى بقضائه فلذلك قال: ﴿ وأعتدنا للكافرين عذاباً مهيناً ﴾ ويحتمل أن يراد كافر النعمة لا كافر الإيمان.

وقال ابن عباس: إنّ الآية في اليهود، كانوا يأتون رجالاً من الأنصار يخالطونهم وينتصحون لهم يقولون: لا تنفقوا أموالكم فإنا نخشى عليكم الفقر ولا تدرون ما يكون.

وأيضاً وإنهم كتموا صفة محمد ولم يبينوها للناس.

ثم لما ذمّ الذين لا ينفقون أموالهم عطف عليهم الذين ينفقون أموالهم ولكن ريا وفخاراً وليقال ما أسخاهم وما أجودهم لا ابتغاء وجه الله، ومثل هذا الإنفاق دليل على أنه لا يؤمن بالله واليوم الآخر وإلاّ أنفق لله أو للآخرة ﴿ ومن يكن الشيطان له قريناً ﴾ في الدنيا آمراً بالبخل والفحشاء ﴿ فساء قريناً ﴾ في الآخرة يقرن به في النار.

ثم استفهم على سبيل الإنكار فقال: ﴿ وماذا عليهم ﴾ أي أيّ تبعة ووبال عليهم؟

أو ما الذي عليهم في باب الإيمان والإنفاق في سبيل الله؟

والمراد التوبيخ وإلاّ فكل منفعة في ذلك كما يقال للمنتقم: ما ضرك لو عفوت؟

وللعاق: ما كان يرزؤك لو كنت باراً؟

﴿ وكان الله بهم عليماً ﴾ بعث على إصلاح أفعال القلوب التي يطلع عيلها علام الغيوب، وردع عن دواعي النفاق والرياء والسمعة والفخار.

احتج القائلون بأن الإيمان يصح على سبيل التقليد بأن قوله: ﴿ وماذا عليهم لو آمنوا ﴾ مشعر بأن الإتيان بالإيمان في غاية السهولة والاستدلال في غاية الصعوبة.

وأجيب بأن الصعوبة في الإيمان الاستدلالي التفصيلي لا الإجمالي.

وقال جمهور المعتزلة: لو كانوا غير قادرين لم يقل: ﴿ وماذا عليهم ﴾ كما لا يقال للمرأة ماذا عليها لو كانت رجلاً، وللقبيح ماذا عليه لو كان جميلاً.

وأجيب بعدم التحسين والتقبيح العقليين وأنه لا يسأل عما يفعل.

/ ثم رغب في الإيمان والطاعة قائلاً: ﴿ إن الله لا يظلم مثقال ذرة ﴾ والمثقال مفعال من الثقل كالميزان من الوزن.

والذرة النملة الصغيرة.

وعن ابن عباس أنه أدخل يده في التراب ثم رفعها ثم نفخ فيها ثم قال: كل واحد من هذه الأشياء ذرة، وقيل: كل جزء من أجزاء الهباء في الكوّة ذرة.

وانتصاب ﴿ مثقال ﴾ على أنه مفعول ثان أي لا ينقص الناس مثقال ذرة، أو على المصدر أي ظلماً قدر مقدارها، وأراد نفي الظلم رأساً إلا أنه أخرج الكلام على أصغر المتعارف.

وهذه الآية مما يتمسك به المعتزلة في أنه  غير خالق لأعمال العباد وإلا كان ظلمهم منسوباً إليه، وفي أن العبد يستحق الثواب على طاعته وإلا كان منعه عنه ظلماً.

وأجيب بأنه إذا كان متصرفاً في ملكه كيف شاء فلا يتصور منه ظلم أصلاً.

وقد يحتج الأصحاب ههنا على صحة مذهبهم في عدم الإحباط بأن عقاب شرب قطرة من الخمر لو كان مزيلاً لطاعات سبعين سنة كان ظلماً، وفي عدم وعيد الفساق بأن عقاب شرب جرعة من الخمر لو كان دائماً مخلداً لزوم إبطال ثواب إيمان سبعين سنة وهو ظلم.

ثم قال: ﴿ وإن تك ﴾ حذفت النون من هذه الكلمة بعد سقوط الواو بالتقاء الساكنين لأجل التخفيف وكثرة الاستعمال.

من قرأ ﴿ حسنة ﴾ بالرفع فعلى "كان" التامة، ومن قرأ بالنصب فالتأنيث في ضمير المثقال لكونه مضافاً إلى مؤنث.

والمراد بالمضاعفة ليس هو المضاعفة بالمدة لأن مدة الثواب غير متناهية وتضعيف غير المتناهي محال، بل المراد المضاعفة بحسب المقدار، كأن يستحق عشرة أجزاء من الثواب فيجعله عشرين أو ثلاثين.

عن ابن مسعود أنه قال: "يؤتى بالعبد يوم القيامة وينادي مناد على رؤوس الأويلن والآخرين: هذا فلان ابن فلان، من كان له عليه حق فليأت إلى حقه، ثم يقال له: أعط هؤلاء حقوقهم، فيقول: يا رب ومن أين وقد ذهبت الدنيا؟

فيقول الله لملائكته: انظروا في أعماله الصالحة فأعطوهم منها، فإن بقي مثقال ذرة من حسنة ضعفها الله  لعبده وأدخله الجنة بفضل رحمته" ومصداق ذلك في كتاب الله ﴿ وإن تك حسنة يضاعفها ﴾ قال الحسن: الوعد بالمضاعفة أحب عند العلماء مما لو قال في الحسنة الواحدة مائة ألف حسنة، لأن هذا يكون مقداره معلوماً، أما على هذه العبارة فلا يعلم كميته إلاّ الله  .

وعن أنس أن رسول الله  قال: " "إنّ الله لا يظلم مؤمناً حسنة يعطى بها في الدنيا ويجزى بها في الآخرة.

وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل بها لله في الدنيا حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يجزى بها" أما قوله: ﴿ ويؤت من لدنه أجراً عظيماً ﴾ فإن ﴿ لدن ﴾ بمعنى عند إلا أن لدن أكثر تمكناً.

يقول الرجل: عندي مال وإن كان المال ببلد آخر.

ولا يقول: لديّ مال إلاّ إذا كان بحضرته.

والمعتزلة حملوا / المضاعفة على القدر المستحق وهذا الثاني على الفضل التابع للأجر.

ويمكن أن يقال: الأول إشارة إلى السعادات الجسمانية، والثاني إشارة إلى اللذات الروحانية والله أعلم.

التأويل: جملة الكبائر مندرجة تحت ثلاث: إحداها اتباع الهوى وينشأ منه البدع والضلالات وطلب الشهوات وحظوظ النفس بترك الطاعات، وثانيتها حب الدنيا وينشعب منه القتل والظلم وأكل الحرام، وثالثتها رؤية غير الله وهو الشرك والرياء والنفاق وغيرها.

ثم أخبر أن الدين ليس بالتمني فقال: ﴿ ولا تتمنوا ﴾ فإنه لا يحصل بالتمني ولكن ﴿ للرجال ﴾ المجتهدين في الله ﴿ نصيب ﴾ مما جدوا في طلبه ﴿ وللنساء ﴾ وهم الذين يطلبون من الله غير الله ﴿ نصيب ﴾ على قدر همتهم في الطلب ﴿ واسألوا الله من فضله ﴾ فيه معنيان: سلوه من فضله الخاص وهو العلم اللدني ﴿ وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيماً  ﴾ أو سلوه منه ولا تسألوه من غيره ﴿ ولكل جعلنا موالي ﴾ لكل طالب صادق جعلنا استعداداً في الأزل للوراثة مما ترك والداه وأقرباؤه، طلبه لعدم الاستعداد والمشيئة.

والذين جرى بينكم وبينهم عقد الأخوة في الله ﴿ فآتوهم ﴾ بالنصح وحسن التربية والتسليك ﴿ نصيبهم ﴾ الذي قدّر لهم ﴿ الرجال قوّامون على النساء ﴾ بمصالح دينهن ودنياهن بتفضيل الله وهو استعداد الخلافة والوراثة ﴿ وبما أنفقوا من أموالهم ﴾ أي تجريدهم عن الدنيا وتفريدهم للمولى.

﴿ فالصالحات ﴾ اللاتي يصلحن للكمال ﴿ قانتات ﴾ مطيعات لله لهن قلوب ﴿ حافظات ﴾ لواردات الغيب ﴿ بما حفظ الله ﴾ عليهن حقائق الغيب وأسراره.

﴿ واللاتي تخافون نشوزهن ﴾ إذا دارت عليهن كؤوس الواردات كما قيل: فأسكر القوم دور كاس *** وكان سكري من المدير ﴿ فعظوهن ﴾ باللسان وخوّفوهن بالهجران ليتأدب السكران ﴿ واضربوهن ﴾ بسوط الانفصال وفراق الإخوان كما كان حال الخضر مع موسى حيث قال: ﴿ هذا فراق بيني وبينك  ﴾ هذا قانون أرباب الكمال إذا رأوا من أهل الإرادة إمارات الملال أو عربدة من غلبات الأحوال.

﴿ وإن خفتم ﴾ شقاقاً بين الشيخ الواصل والمريد المتكامل ﴿ فابعثوا ﴾ متوسطين من المشايخ الكاملين ومن السالكين المعتبرين ﴿ إن يريدا إصلاحاً ﴾ بينهما بما رأيا فيه صلاحهما ﴿ يوفق الله بينهما ﴾ بالإرادة وحسن التربية ﴿ واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً ﴾ من الدنيا والعقبى لتتخلقوا بأخلاق الله وتحسنوا إلى الواليدن وغيرهما ﴿ إحساناً ﴾ بلا شرك ورياء وفخر وخيلاء والله ولي والتوفيق.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَـآءَ ٱلنَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلاَ بِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ...

﴾ الآية [أي] سرّاً وقيل: إنها نزلت في المنافقين: كانوا ينفقون مراءاة، ويصلون مراءاة كانوا يظهرون الموافقة للمؤمنين بذلك، وكانوا لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر سرّاً.

وقيل: إنها نزلت في الذين يسعون في معاداة رسول الله  يخرجون معه ينفقون أموالهم مراءاة للناس، يطلبون بذلك الرياسة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يَكُنِ ٱلشَّيْطَانُ لَهُ قَرِيناً فَسَآءَ قِرِيناً ﴾ .

يحتمل أن يكون هذا في الدنيا [كقوله]: ﴿ وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَآءَ فَزَيَّنُواْ لَهُم...

﴾ الآية [فصلت: 25].

ويحتمل في الآخرة؛ كقوله -  -: ﴿ فَبِئْسَ ٱلْقَرِينُ  وَلَن يَنفَعَكُمُ ٱلْيَوْمَ إِذ ظَّلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي ٱلْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ  ﴾ فهذا - والله أعلم - لأن كلاًّ منهم كان يقبح الشيطان ويأنف عنه، ويحسِّن الملائكة ويحمدهم، حتى ضرب مثل القبح من الأشياء بالشياطين؛ كقوله: ﴿ طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ ٱلشَّيَاطِينِ  ﴾ وضرب مثل الحسن بالملائكة، وذلك لمعرفتهم بقبح الشياطين وحسن الملائكة؛ وذلك إنما عرفوا بالخبر؛ لأنهم لم يعاينوا ملكاً عرفوا حسنه بالمعاينة، ولا شاهدوا شيطاناً عرفوا قبحه بالمشاهدة، ولكنهم عرفوا ذلك بالخبر؛ ففيه دليل إثبات النبوة؛ لأنهم ما عرفوا ذلك إلا بهم، دل استقباح الجميع الشياطين واستنكارهم، واستحسانهم الملائكة واستعظامهم من غير أن شهدوا من أحد من الفريقين - على قبول الأخبار؛ إذ عن الألسن نطقوا به؛ وعلى إثبات الرسالة؛ إذ هم جاءوا بالآثار عمن شهدهم وأنشأهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ ﴾ .

هذا - والله أعلم - صلة قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَـآءَ ٱلنَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلاَ بِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ ﴾ فمعنى قوله: فماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر - والله أعلم - وذلك أنهم كانوا ينفقون مراءاة طلب الرياسة وإبقائها؛ فقال: لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله تبقى لهم تلك الرياسة، ويكون لهم الذكر؛ بل لو آمنوا كان ذلك في الإيمان أكثر ذكراً، وأعظم قدراً ومنزلة؛ ألا ترى أنه من أسلم منهم من الأئمة من نحو ابن سلام وغيره كان لهم ذكر في الإسلام وبعد موتهم من غير حاجة وقعت بهم إليهم في حق شرائع الإسلام، ومن مات منهم على الكفر لم يذكر أبداً، فأخبر الله -  وتعالى - أن ليس في الإيمان بالله واتباع محمد  ذهاب شيء مما يخافون ذهابه من الرياسة والمنافع التي يطمعون [في] وصولها إليهم، وغير ذلك؛ حيث قالوا: ﴿ إِن نَّتَّبِعِ ٱلْهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَآ  ﴾ فقال: ﴿ وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ ﴾ أي: لم يكن مما خافوا باتباع الهدى قليلاً ولا كثيراً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَانَ ٱللَّهُ بِهِم عَلِيماً ﴾ يحتمل وجهين: يحتمل: أنه كان على علم منه [بما يفعلون] من فعل الكفر والشر ونحوه من خلق إبليس، لا عن جهل ولا غفلة، ليس كصنيع ملوك الأرض أنهم إذا فعلوا فعلاً ثم استقبل الخلاف فإنما يكون ذلك لفعله منهم وجهل بالعواقب، فالله -  وتعالى - كان لم يزل عالماً بهم، لكنه تركهم على ذلك لما لا يلحقه الضرر بالعصيان، ولا النفع بالطاعة، بل حاصل الضرر والنفع يرجع إليهم.

والثاني: يخرج مخرج التحذير لهم والتنبيه؛ لأن من علم أن آخر يعلم بصنيعه كان أحذر وأخوف ممن يعلم أنه ليس عليه حافظ ولا رقيب، وعلى هذا يخرج قوله: ﴿ كِرَاماً كَاتِبِينَ  يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ  ﴾ ليكونوا على حذر من ذلك.

وقيل: ﴿ وَكَانَ ٱللَّهُ بِهِم عَلِيماً ﴾ أنهم لن يؤمنوا.

[وفي] قوله - أيضاً -: ﴿ وَكَانَ ٱللَّهُ بِهِم عَلِيماً ﴾ أي: أنشأهم على العلم بما يفعلون؛ يبين أنه أنشأهم؛ ليعلم الخلائق أن مخالفتهم إياه لا تضره؛ إذ كل من يضره الخلاف لا يتولى ابتداءه إلا على الغفلة ببعضه من الضرر يلحقه بالخلاف.

والثاني: على التحذير وقت الفعل بتذكير المراقب عليه على ما عليه الأمر المعتاد من الانتهاء عن أمور تهواها النفس بالمراقب عليه.

[ويحتمل]: كان على إرادة نفي حدثية العلم، أو أخبر بعلمه بفعلهم وما لهم من الجزاء، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وماذا يضر هؤلاء لو أنهم آمنوا بالله حقًّا وبيوم القيامة، وأنفقوا أموالهم في سبيل الله مخلصين له؟!

بل في ذلك الخير كله، وكان الله بهم عليمًا، لا يخفى عليه حالهم، وسيجازي كلًّا بعمله.

<div class="verse-tafsir" id="91.A02Vp"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

كل ما تقدم من الأحكام كان خاصًا بنظام القرابة والمصاهرة وحال البيوت التي تتكون منها الأمة، ثم إنه تعالى بعد بيان تلك الأحكام الخصوصية، أراد أن ينبهنا إلى بعض الحقوق العمومية وهي العناية بكل من يستحق العناية وحسن المعاملة من الناس، فبدأ ذلك بالأمر بعبادته تعالى، وعبادته ملاك حفظ الأحكام والعمل بها وهي الخضوع له تعالى وتمكين هيبته وخشيته من النفس، والخشوع لسلطانه في السر والجهر، فمتى كان الإنسان على هذا فإنه يقيم هذه الأحكام وغيرها حتى تصلح جميع أعماله، ولذلك كانت النية عندنا تجعل الأعمال العادية عبادات كالزارع يزرع ليقيم أمر بيته ويعول من يقوته ويفيض من فضل كسبه على الفقراء والمساكين ويساعد على الأعمال ذات المنافع العامة، فعمله بهذه النية يجعل حرثه من أفضل العبادات، فليست العبادة في قوله هنا: ﴿ وَاعْبُدُوا اللَّهَ  ﴾ خاصة بالتوحيد كما قال المفسر (الجلال) بل هي عامة كما قلنا تشمل التوحيد وجميع ما يمده من الأعمال.

﴿ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا  ﴾ من الأشياء أو شيئًا من الإشراك، اختلف تعبيرهم والمعنى واحد، والإشراك بالله يستلزم الإيمان به والنهي عنه يستلزم النهي عن التعطيل بالأولى.

والإشراك قد ذكر في القرآن بعض ضروبه عند مشركي العرب وهو عبادة الأصنام باتخاذهم أولياء وشفعاء ووسطاء عند الله تعالى يقربون المتوسل بهم إليه ويقضون الحاجات عنده كما هو المعهود من معنى الولاية والشفاعة عندهم، والآيات في ذلك كثيرة ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ  ﴾ ﴿ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ  ﴾ .

وذكر أن أهل الكتاب دخل عليهم الشرك فالنصارى عبدوا المسيح  وبعضهم عبد أمه السيدة مريم رضي الله عنها، وقال الله في الفريقين: ﴿ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ  ﴾ ، وقد ورد في تفسيره بالحديث الصحيح المرفوع أنهم كانوا يضعون لهم أحكام الحلال والحرام فيتبعونهم فيها وسبق ذكر ذلك في التفسير غير مرة.

فالشرك أنواع وضروب أدناها ما يتبادر إلى أذهان عامة المسلمين أنه العبادة لغير الله كالركوع والسجود له، وأشدها وأقواها هو ما سماه الله دعاء واستشفاعًا وهو التوسل بهم إلى الله وتوسيطهم بينهم وبينه تعالى، فالقرآن ناطق بهذا وهو المشهور في كتب السير والتاريخ، فهذا المعنى هو أشد أنواع الشرك وأقوى مظاهره التي يتجلى فيها معناه أتم التجلي، وهو الذي لا ينفع معه صلاة ولا صيام ولا عبادة أخرى.

ولقد فشا هذا الشرك في المسلمين اليوم، ومن الشواهد عل ذلك حال المعتقدين الغالين في البدوي "شيخ العرب" والدسوقي وغيرهما وهي شواهد لا تحتمل التأويل، وإن الذين يؤولون لأمثال هؤلاء إنما يتكلفون الاعتذار لهم لزحزحتهم عن شرك جلي واضح إلى شرك أقل منه جلاءً ووضوحًا، ولكنه شرك ظاهر على كل حال، وليس هو من الشرك الخفي الذي وردت الأحاديث بالاستعاذة منه، الذي لا يكاد يسلم منه إلا الصديقون، ومنه أن يعمل المؤمن العمل الصالح من العبادة لله تعالى ويجب أن يمدح عليه أو يتلذذ بالمدح عليه.

﴿ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا  ﴾ الخطاب لعموم الأفراد أي ليحسن كل لوالديه، وذلك أنهما السبب الظاهر في وجود الولد ونموه بما بذلا من الجهد والطاقة في تربيته بكل رحمة وإخلاص، وقد بينت كتب الأحكام الظاهرة ما للوالدين من حقوق النفقة وبينت كتب الدين جميع الحقوق، والمراد بكتب الدين كتب آدابه كالإحياء للغزالي ويجمع هذه الحقوق كلها آيتا سورة الإسراء.

﴿ وَبِذِي الْقُرْبَى  ﴾ : إذا قام الإنسان بحقوق الله تعالى فصحت عقيدته وصلحت أعماله، وقام بحقوق الوالدين فصلح حالهما وحاله، تتكون بذلك وحدة البيوت الصغيرة المركبة من الوالدين والأولاد، وبصلاح هذا البيت الصغير يحدث له قوة، فإذا عاون أهله البيوت الأخرى التي تنسب إلى هذا البيت بالقرابة وعاونته هي أيضًا يكون لكل من البيوت المتعاونة قوة كبرى يمكنه أن يحسن بها إلى المحتاجين الذين ليس لهم بيوت تكفيهم مؤنة الحاجة إلى الناس الذين لا يجمعهم بهم النسب، وهم الذين عطفهم على ذوي القربى بقوله: ﴿ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ  ﴾ فإن الله تعالى يوصي باليتامى في مثل هذا المقام لأن اليتيم يهمل أمره بفقده الناصر القوي الغيور وهو الأب أو تكون تربيته ناقصة بالجهل الذي هو جناية على العقل، أو فساد الأخلاق الذي هو جناية على النفس، وهو بجهله وفساد أخلاقه يكون شرًا على أولاد الناس يعاشرهم فيسري إليهم فساده، وقلما تستطيع الأم أن تربي الولد تربية كاملة مهما اتسعت معارفها.

وكذلك المساكين لا تنتظم الهيئة الاجتماعية إلا بالعناية بهم وصلاح حالهم فإن أهمل أمرَهم الأغنياء كانوا بلاء وويلًا على الناس.

وقلما ينظر الناس في المسكنة إلى غير العدم وصفر الكف، والمهم معرفة سبب ذلك فإن من الناس من يكون سبب عدمه وعوزه ضعفه وعجزه عن الكسب، أو نزول الجوائح السماوية تذهب بماله من غير تقصير منه، وهذا هو المسكين الحقيقي الذي تجب مواساته بالمال الذي يقع موقعًا من كفايته، ومنهم العادم الذي ما عدم المال إلا بالإسراف والتبذير والمخيلة والفخفخة الباطلة، ومنهم العادم الذي ما عدم المال إلا لكسله وإهماله للكسب طمعًا فيها في أيدي الناس واتكالًا عليهم، أو بسلوكه فيه مسلك الغش والخيانة حتى يفضح سره ويظهر أمره فيحبط عمله، فالمساكين على ضربين: مسكين معذور يساعد بالمال ينفقه، أو يساعد على تحصيله بكسبه إن كان قادرًا على ذلك، ومسكين غير معذور يرشد إلى تقصيره، ولا يساعد على إسرافه وتبذيره، بل يدل على طرق الكسب، فإن اتعظ وقبل النصح، وإلا ترك أمره إلى أولي الأمر، والله بصير بالعباد.

﴿ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ  ﴾ : حدد بعضهم الجوار بأربعين دارًا من كل جانب من الجوانب الأربعة.

والحكمة في الوصية بالجار هي التي تعرفنا سر الوصية ومعنى الجوار، المراد بالجار من تجاوره ويتراءى وجهك ووجهه في غدوك أو رواحك إلى دارك، فيجب أن تعامل من ترى وتعاشر بالحسنى فتكون في راحة معهم ويكونون في راحة معك.

﴿ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ  ﴾ : هو من صاحبته وعرفته ولو وقتًا قصيرًا.

﴿ وَابْنِ السَّبِيلِ  ﴾ : إنه من تبناه السبيل في غير معصية.

﴿ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ  ﴾ : أوصانا الله تعالى بهؤلاء الذين يعدون في عرف الناس أدنى الطبقات لئلا نظن أن استرقاقهم يجيز امتهانهم ويجعلهم كالحيوانات المسخرة، فبيّن لنا أن لهم حقًا في الإحسان كسائر طبقات الناس، والأحاديث في هذا الباب كثيرة.

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا  ﴾ هذا تعليل أو بمنزلة التعليل لكل هذه الوصايا المتقدمة، والمختال هو المتكبر الذي يظهر على بدنه أثر من كبره في الحركات والأعمال، فيرى نفسه أعلى من نفوس الناس، وأنه يجب على غيره أن يتحمل من تيهه ما لا يتحمله هو منه، فالمختال من تمكنت في نفسه ملكة الكبر وظهر أثرها في عمله وشمائله فهو أشر من المتكبر غير المختال، والفخور هو المتكبر الذي يظهر أثر الكبر في قوله كما يظهر في فعل المختال، فهو يذكر ما يرى أنه ممتاز به على الناس تبجحًا بنفسه وتعريضًا باحتقاره غيره، فالمختال الفخور مبغوض عند الله تعالى لأنه احتقر جميع الحقوق التي وضعها  وأوجبها للناس وعمي عن نعمه تعالى عليهم وعنايته بهم، بل لا يجد هذا المتكبر في نفسه معنى عظمة الله وكبريائه لأنه لو وجدها لتأدب وشعر بضعفه وعجزه وصغاره، فهو جاحد أو كالجاحد لصفات الألوهية التي لا تليق إلا بها ولا تكون بحق إلا لها.

فمن فتش نفسه وحاسبها علم أنه لا يعينه على القيام بعبادة الله تعالى ويطهره من نزعات الشرك به ومنازعته في صفاته ويسهل عليه القيام بوصاياه هذه وبغيرها إلا سكون النفس ومعرفتها قدرها ببراءتها من خلق الكبر الخبيث الذي تظهر آثار تمكنه ورسوخه بالخيلاء والفخر.

إن المختال لا يقوم بعبادة الله تعالى لأن عملًا ما لا يسمى عبادة إلا إذا كان صادرًا عن الشعور بعظمة المعبود، وسلطانه الأعلى غير المحدود، ومن أُوتي هذا الشعور خشع قلبه، ومن خشع قلبه خشعت جوارحه، فلا يكون مختالًا، إن المختال لا يقوم بحقوق الوالدين ولا حقوق ذوي القربى لأنه لا يشعر بما عليه من الحق لغيره، وإذا كان لا يقوم بحقوق الوالدين، وفضلهما عليه ليس فوقه إلا فضل الله تعالى، ولا بحقوق ذوي القربى وهم بمقتضى النسب في طبقته، فهل يرى نفسه مطالبًا بحق ما لليتيم الضعيف، أو للمسكين الأسيف، أو للجار القريب أو البعيد، أو للصاحب النبيه أو المغمول، أو لابن السبيل المعروف أو المجهول؟!

كلا إن هذا رجل مفتون بنفسه، مسحور في عقله وحسه، فلا يرجى منه البر والإحسان، وإنما يتوقع منه الإساءة والكفران.

﴿ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ  ﴾ ، قال المفسر "يبخلون بما آتاهم الله من العلم والمال وهم اليهود".

وهما قولان فمن خص البخل بالبخل بالعلم جعل الكلام في اليهود، ومن قال هو البخل بالمال لم يجعله في اليهود، فالمفسر جمع بين القولين وخص الكلام باليهود واضطر لأجل ذلك إلى قطع الكلام وجعل "الذين" مبتدأ خبر محذوف، وإن لم يوجد في الكلام ما يدل عليه، ولمن يحمل الكلام على اليهود مندوحة عن هذا القطع إلى أهون منه وهو القطع من ابتداء قوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ  ﴾ إلخ، ومن العجيب أن مثل ابن جرير الطبري حمل الكلام على اليهود كأنه تعالى بعد تلك الأوامر بالإحسان ختم الكلام بقوله إن الله لا يحب اليهود، وما هذا بأقرب إلى البلاغة من القطع الأول، وأعجب من قوله ابن جرير تعليله إياه بأنه لا يوجد في الناس أمة تأمر الناس بالبخل على أنه دين فَتعيَّن أن يكون المراد بالبخل البخل بغير المال.

وكأن ابن جرير لم يخبر الناس فإن من طبيعة البخيل الأمر بالبخل بحاله ومقاله ليسهل على نفسه خلقه الذميم ويجد له فيه أقرانًا وأمثالًا.

وإن من الناس من أمروني بالبخل مرارًا، وإن أمرهم كان يؤثر في نفسي أحيانًا، حتى إنه ربما رددت يدي بالدراهم إلى جيبي بعد إخراجها إذا كان للبخيل المنفر شبهة قوية كقوله؛ إن هذا غير مستحق فإعطاؤه إضاعة وإذا وضعت ما تريد إعطاءه إياه في موضع كذا يكون خيرًا وأولى.

المتعين في السياق أن قوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا  ﴾ تعليل لما قبله، وأن قوله: ﴿ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ  ﴾ إلخ، وصف لمن كان مختالًا فخورًا أو بدل منه، ولم يذكر ما يبخلون به فيخصه بالمال لأن الإحسان بالوالدين وذي القربى وما عطف عليهم في الآية لم يكن مرادًا به الإحسان بالمال فقط كما علم مما تقدم بل منه الإحسان بالقول والمعاملة، فالمراد بالبخل البخل بذلك الإحسان المأمور به فهو أعم من البخل بالمال فيشمل البخل بلين الكلام وإلقاء السلام والنصح في التعليم، وبالنفس لإنقاذ المشرف على التهلكة، وكذلك كتمان ما آتاهم الله من فضله يشمل كتمان المال وكتمان العلم، وجيء به بعد الأول لتوبيخ أهله، وبيان أنهم لا حق لهم فيه، ويجوز أن يخص البخل بإمساك المال، ويجعل الكتمان عامًا شاملًا لما عداه من أنواع الإحسان، فالكلام في الإحسان، والمقصرون فيه إنما يقصرون بعلة الخيلاء والفخر، اللذين هما مظهر الترفع والكبر، فهو بين لنا أن من كان ملوث النفس بتلك الرذيلة لا يكون محسنًا، لأن الكبر يستلزم جحود الحق، ولا سيما إذا ظهرت آثاره بالقول والعمل، وجحود الحق يستلزم منعه ومنعه هو البخل، فبين أن الملوثين بذلك الخلق الذي يبغض الله صاحبه ولا يحبه يبخلون بما أمروا به من الإحسان ويأمرون الناس بالبخل إما بلسان المقال وإما بلسان الحال بأن يكونوا قدوة سيئة في ذلك، ويكتمون نعم الله تعالى عليهم بإنكارها وعدم الشكر عليها بالإنفاق منها ولذلك توعدهم بقوله: ﴿ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا  ﴾ أي وهيأنا لهم بكبرهم وكفرهم، وبخلهم وعدم شكرهم، عذابًا ذا إهانة يجمع لهم فيه بين الألم والمهانة والذلة جزاء كبرهم وقال للكافرين ولم يقل لهم للإيذان بأن هذه الأخلاق والأعمال إنما تكون من الكفور، لا من المؤمن الشكور.

﴿ وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ  ﴾ الرئاء ويخفف فيقال الرياء مصدر راءى كالمراءاة، والجملة عطف على الذين يبخلون وأعيد الموصول للدلالة على المغايرة في الأصناف كقوله: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً  ﴾ من سورة آل عمران، أي إن مانعي الإحسان من أهل الفخر والخيلاء صنفان صنف يبخلون ويكتمون فضل الله عليهم وصنف يبذلون المال لا شكرًا لله على نعمته واعترافًا لعباده بحقوقهم، بل ينفقونها رئاء الناس أي مرائين لهم يقصدون أن يروهم فيعظموا قدرهم، ويحمدوا فعلهم، فالمرائي لا يقصد بإنفاقه إلا الفخر على الناس بكبريائه وإشراع الطريق لخيلائه، فإنفاقه أثر تلك الملكة الرديئة.

والكبرياء كما تكون من شيء في نفس الشخص، تكون أيضًا بما يكون له من المال والعرض، فإنك لترى الرجل يمشي ينظر إلى عطفيه ويفكر في نفسه هل هو محل الإعجاب والتعظيم من الناس أم لا، وشر هذا دون شر البخيل، فإن هذا يحمل الناس على قبول اختياله وفخره في مقابلة شيء يبذله لهم، فكأنه رأى لهم شيئًا من الحق عليه وهو بذل التعظيم والثناء الذي يطلبه برئائه، وأما البخيل فقد بلغ من احتقاره للناس واختياله وفخره عليهم أن لا يرى لهم عليه حقًا ما فهو يكلفهم تعظيمه ومدحه لأجل ماله -وماله في الصندوق مكتوم عنهم- فهو شر من المرائي بلا شك، ولذلك قدم ذكر البلاء اهتمامًا بهم لأنهم أعرق في تلك الرذيلة وآثارها.

والمرائي في الحقيقة بخيل لا يرى لأحد عليه حقًا ولكنه يتوهم أنه صاحب الفضل على الناس ولذلك يخص ببذله في الغالب من لا حق لهم عنده ويبخل على أرباب الحقوق المؤكدة حتى على زوجه وولده وخادمه، وعلى الأقربين حتى الوالدين، ولا يتحرى في إنفاقه مواضع النفع العام ولا الخاص وإنما يتحرى مواطن التعظيم والمدح وإن كان الإنفاق هنالك ضارًا كالمساعدة على الفسق أو الفتن، فهو تاجر يشتري تعظيم الناس له وتسخيرهم لقضاء حاجة والقيام بخدمته.

ثم وصف الله تعالى هؤلاء المجرمين المرائين بقوله: ﴿ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ  ﴾ وهو من عطف السبب على المسبب والعلة على المعلول، ذلك بأن المرائي يثق بما عند الناس ما لا يثق بما عند الله، ويرجح التقرب إليهم على التقرب إليه، ويؤثر ما عندهم من المدح وتوقع النفع، على ما أعده الله في الآخرة على الإيمان وعمل الصالحات، فالله في نظره المظلم أهون من الناس، فهل يعد مثل هذا مؤمنًا بالله إيمانًا حقيقيًا، مؤمنًا باليوم الآخر كما يجب؟

أم يكون إيمانه تخيلًا كتخيل الشعراء وقولًا كقول الصبيان: والله ما فعلت كذا!.

فالواحد منهم ينطق باسم الله ويؤكد باسمه الكريم الكلام وهو لا يعرف الله وإنما يسمع الناس يقولون قولًا فيقلدهم بما يحفظ منه، لا يعرف أنه هو موجد الكائنات، النافذ علمه وقدرته بما في الأرض والسموات، فهل يكون مثل هذا مؤمنًا بالله واليوم الآخر؟

كلا إنه لو كان مؤمنًا باليوم الآخر موقنًا بأن له هنالك حياة أبدية لا نهاية لها، لما فضل عليها عرض هذه الحياة القصيرة التي لا قيمة لها.

ومن آيات الفرق بين المخلص والمرائي أن المرائي يلتمس الفرص والمناسبات للفخر والتبجح بما أعطى وما فعل، والمخلص قلما يتذكر عمله أو يذكره إلا لمصلحة، كأن يرغب بعض الناس في البذل فيقول للغني مثلًا إنني على فقري أو على قدر حالي قد أعطيت في مصلحة كذا وكذا درهمًا أو دينارًا فاللائق بك أن تبذل كذا.

﴿ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا  ﴾ في الآية تنبيه إلى قرناء المرء في سيرته وما ينبغي من اختيار القرين الصالح على قرين السوء، وتعريض بتنفير أولئك الأنصار من مقارنة أولئك اليهود الذين كانوا ينهونهم عن الإنفاق في سبيل الله وبيان أنهم شياطين يعدون الفقر، وينهون عن المعروف ويأمرون بالمنكر، والقرين الصالح من يكون عونًا لك على الخير مرغبًا لك فيه، منفرًا لك بنصحه وسيرته عن الشر مبعدًا لك عنه، مذكرًا لك بتقصيرك، مبصرًا إياك بعيوب نفسك، وكم أصلح القرين الصالح فاسدًا، وكم أفسد قرين السوء صالحًا.

﴿ وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ  ﴾ أي ما الذي كان يصيبهم من الضرر لو آمنوا وأنفقوا، وهذا الكلام موجه إلى جميع المكلفين المخاطبين بالقرآن.

وكان أكثر العرب يؤمنون قبل البعثة بالله تعالى وكونه هو الذي خلق السموات والأرض وما بينهما، ومنهم من كان يؤمن بحياة أخرى بعد الموت، وكانوا مع ذلك مشركين وإيمانهم على غير الوجه الصحيح، وكذلك أهل الكتاب كانوا يؤمنون بالله وباليوم الآخر ولكن الشرك كان قد تغلغل فيهم أيضًا، فالمراد الإيمان الصحيح مع الإذعان الذي يظهر أثره في العمل، و "لو" على معناها وجوابها محذوف دل عليه ما قبله من الاستفهام، والكلام مسوق مساق التعجب من حالهم في إنفاق المال وعمل الإحسان لوجه الله  وابتغاء رضوانه وثوابه في الآخرة، والمراد من التعجب إثارة عجب الناس من حالهم إذ لو أخلصوا لما فاتتهم منفعة الدنيا، ولفازوا مع ذلك بسعادة العقبى، وكثيرًا ما يفوت المرائي غرضه من التقرب إلى الناس وامتلاك قلوبهم وتسخيرهم لخدمته أو الثناء عليه، ويفوز بذلك المخلص الذي يخفي العمل من حيث لا يطلبه ولا يحتسبه ففي هذه الحالة يكون للمخلص سعادة الدارين، ويرجع المرائي يخفي حنين، بل يكون قد خسر الدنيا والآخرة وذلك هو الخسران المبين، فجهل المرائين جدير بأن يتعجب منه لأنه جهل بالله وجهل بأحوال الناس، ولو آمنوا وأخلصوا وأحسنوا ووثقوا بوعد الله ووعيده لكان هذا الإيمان كنز سعادة لهم، فإن من يحسن موقنًا أن المال والجاه من فضل الله على العبد وأنه ينبغي أن يتقرب بهما إليه تعلو همته فتهون عليه المصاعب والنوائب، ويكون هذا الإيمان الصحيح عوضًا له من كل فائت، وسلوى في كل مصاب، وفاقد الإيمان الحقيقي عرضة للغم واليأس من كل خير عندما يرى خيبة أمله وكذب ظنه في الناس، فإذا وقع في مصاب عظيم كفقد المال ولا سيما إذا ذهب كل ماله وأمسى فقيرًا ولم ينقذه الناس ولا بالوا به فإن الغم والقهر ربما أماتاه جزعًا لا صبرًا، وربما بخع نفسه وانتحر بيده.

ولذلك يكثر الانتحار من فاقدي الإيمان.

وأما المؤمن فإن أقل ما يؤتاه في المصائب هو الصبر والسلوى فيكون وقع المصيبة على نفسه أخف، وثواء الحزن في قلبه أقل، وأكثره أن تكون المصيبة في حقه رحمة، وتتحول النقمة فيها نعمة، بما يستفيد فيها من الاختبار والتمحيص، وكمال العبرة والتهذيب.

على أن المؤمنين المحسنين المخلصين يكونون أبعد عن النوائب والمصائب من غيرهم، وقد يبتلي الله المؤمن ويمتحن صبره فيعطيه إيمانه من الرجاء بالله تعالى ما تخالط حلاوته مرارة المصيبة حتى تغلبها أحيانًا، وإن من الناس من يعظم رجاؤه بالله وصبره على حكمه ورضاه بقضائه واعتقاده أنه ما ابتلاه إلا ليربيه ويعظم أجره حتى أنه ليأنس بالمصيبة ويتلذذ بها وهذا قليل نادر ولكنه واقع.

﴿ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا  ﴾ لو لم ينزل في معاملة الناس بعضهم لبعض إلا هذه الآيات ﴿ وَاعْبُدُوا اللَّهَ  ﴾ -إلى قوله-: ﴿ عَلِيمًا  ﴾ لكانت كافية لهداية من له قلب يشعر وعقل يفكر، فأين منها تقصير المنتسبين إلى الإسلام في اتباع هذه الأوامر، وواقع حال الناس في معاملة الوالدين والأقربين والجيران واليتامى والمساكين وهو ما يتبرأ منه الإسلام؟!.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله