الإسلام > القرآن > تفسير > البسيط > سورة 4 النساء > الآية ٦٥
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 7 دقيقة قراءةقوله تعالى: ﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ الآية.
دخول (لا) في أول الكلام يحتمل معنيين: أحدهما: أن (لا) ردّ لكلام سبق، كأنه قيل: ليس الأمر كما يزعمون أنهم آمنوا، وهم يخالفون حكمك.
ثم استؤنف القسم بقوله: ﴿ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ ﴾ (١) الثانى: أن (لا) توطيدٌ للنفي الذي يأتي فيما بعد، لأنه إذا ذكر في أول الكلام وآخره كان أوكد وأحسن، لأن النفي يتصدر الكلام وقد اقتضى القسم أن يذكر في الجواب (٢) واختلفوا في هذه الآية، فذهب عطاء مجاهد والشعبي، أن هذه الآية نازلة في قصة اليهودي والمنافق، وأن هذه الآية متصلة بما قبلها (٣) وهو اختيار الزجاج (٤) وقال آخرون: هذه مستأنفة، نازلة في قصة أخرى، وهي ما روي عن عروة بن الزبير: أن رجلًا من الأنصار (٥) (٦) (٧) للزبير: "اسق أرضك، ثم أرسل الماء إلى أرض جارك" وقضى للزبير على الأنصاري، فقال الأنصاري: إنك تُحابي ابن عمتك.
فتلون وجه رسول الله ، ثم قال للزبير: "اسق، ثم احبس الماء حتى يبلغ الجدر" (٨) ﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ الآية (٩) واعلم أن الحكم في هذا أن من كانت أرضه أقرب إلى فم الوادي فهو أولى بأول الماء، وحقه تمام السقي، وتمامه أن يبلغ الماء الجدر (١٠) : "حتى يبلغ الماء الجذر" فكان ذلك إلى الكعبين.
وأمر رسول الله الزبير (....) (١١) (١٢) باستيفاء حقه وحمل خصمه على مر الحق (١٣) وقوله تعالى: ﴿ شَجَرَ بَيْنَهُمْ ﴾ .
يقال: شجر بينهما من خصومة (أي اختلف واختلط) (١٤) قال الفراء: يشجر (١٥) (١٦) (١٧) قال ابن عباس في هذه الآية: يريد بالمشاجرة: المنازعة (١٨) وقال الضحاك و (...........) (١٩) (٢٠) وقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ ﴾ .
أصل الحرج في اللغة الضِّيق، ويقال للشجر الملتف الذي لا يكاد يوصل إليه: حرج، وجمعه حراج (٢١) عاين حيًّا كالحراج نعمه (٢٢) ﴿ ضَيِقًا حَرَجًا ﴾ إن شاء الله.
قال ابن عباس في قوله: ﴿ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ ﴾ : يريد ضيقًا مما قضيت، يريد: يرضوا بقضائك (٢٣) (٢٤) وقال مجاهد: شكا (٢٥) وقوله تعالى: ﴿ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ التسليم تفعيل من السلامة، يقال: سلم فلان، أي: عوفي ولم تنشب به بلية.
وسلم هذا الشيء لفلان، أي: خلص له من غير منازع ولا مشارك.
فإذا ثقلته بالتشديد فقلت: سلّم له، فمعناه أنه خلصه له ولم يدع فيه (٢٦) هذا هو الأصل في اللغة.
وجميع معاني التسليم راجع إلى هذا الأصل، فقولهم: سلّم عليه، أي دعا له بأن يسلم.
وسلم إليه الوديعة، أي أخلصها له وخلى بينها وبينه.
وسلم له، أي: بذل الرضا بحكمه، على معنى: ترك السخط والمنازعة.
وكذلك: سلم لفلان ما قال، أي أخلصه له من غير معارضة فيه.
وكذلك: سلم إلى الله أمره، أي فوض إليه على معنى أنه لم ير لنفسه في أمره أثرًا ولا شركة وعلم أن المدبر والصانع هو الله وحده لا شريك له.
هذا معنى التسليم.
وأما التفسير: قال ابن عباس: ويسلموا الأمر إلى الله وإلى رسوله (٢٧) وقال الزجاج: أي يسلِّمون لما يأتي من حكمه (٢٨) (٢٩) و (تسليمًا) مصدر مؤكد، والمصادر المؤكدة بمنزلة ذكر الفعل ثانيًا فإذا قلت: سلمت تسليمًا، فكأنك قلت: سلمت سلمت.
وحق التوكيد أن يكون محققًا لما تذكره في صدر كلامك، فإذا قلت: ضربت ضربًا، فكأنك قلت: أحدثت ضربًا أحقه ولا أشك فيه، فكذلك ﴿ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ أي: يسلِّمون لحكمك تسليمًا لا يدخلون على أنفسهم شكًا (٣٠) وقد أخبر الله تعالى أنه لا يتم إيمانهم حتى يعتقدوا وجوب المراجعة في خصوماتهم وتحكيمه والرضا بحكمه من غير ضيق صدر ولا كراهة، وأن من تسخط حكم النبي ، وارتاب (....) (٣١) (٣٢) (١) "تفسير الطبري" 5/ 158، "الكشف والبيان" 4/ 83 ب، وانظر: "الدر المصون" 4/ 19.
(٢) انظر: "البحر المحيط" 3/ 284، "الدر المصون" 4/ 19.
(٣) أخرج الأثر عن مجاهد والشعبي الطبري 5/ 159 - 160، وابن المنذر عن مجاهد.
انظر: "الدر المنثور" 2/ 322.
وانظر: "الكشف والبيان" 4/ 83 ب، "النكت والعيون" 1/ 503، "معالم التنزيل" 2/ 245، "الرازي" 10/ 163 ونسبه الرازي إلى عطاء.
واختاره ورجحه الطبري 5/ 160، وابن العربي في "أحكام القرآن" 1/ 456.
(٤) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 70.
(٥) قيل: هو: حاطب بن أبي بلتعة، وقيل: ثعلبة بن حاطب.
انظر: "أسباب النزول" للمؤلف ص 155، "معالم التنزيل" 2/ 245.
(٦) الشراج: جمع شرج وهو مجرى الماء، والحرة: موضع بالمدينة، أرض ذات حجارة سوداء.
انظر: "غريب الحديث" لأبي عبيد 2/ 160، "اللسان" 2/ 828 (حرر).
(٧) غير واضحة في (ش)، وانظر: "أسباب النزول" للمؤلف ص 167 - 168.
وقد رجح محمود شاكر في تحقيقه للطبري 8/ 519 أن تكون هذِه الكلمة: "كلاهما" وهو العشب.
(٨) "الجدر: بفتح الجيم وكسرها ...
والمراد بالجدر أصل الحائط، وقيل أصول الشجر والصحيح الأول".
"صحيح مسلم" 4/ 1830 حاشية (4)، وانظر: "النهاية في غريب الحديث" 1/ 246.
(٩) أخرجه البخاري (4585) في التفسير سورة: النساء، باب: ﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوك ..
﴾ 5/ 180، ومسلم (2357) في الفضائل، باب: وجوب اتباعه ، والمؤلف في "الوسيط" 2/ 607، "أسباب النزول" ص167 - 168.
(١٠) انظر: "التفسير الكبير" 10/ 163.
(١١) غير واضح بقدر كلمتين، ويبدو أنها "أن يسقي" أو نحوها، انظر: "التفسير الكبير" 10/ 163.
(١٢) هكذا في المخطوط، وفي "التفسير الكبير" للرازي 10/ 163: "لأجله"، وهو أصوب.
(١٣) انظر: "التفسير الكبير" 10/ 163.
(١٤) ما بين القوسين غير واضح تمامًا، وانظر: "الوسيط" للمؤلف 2/ 609.
(١٥) في "الوسيط" 2/ 609: (شجر يشجر).
(١٦) غير واضحة تمامًا، وانظر: "التفسير الكبير" 10/ 163.
(١٧) كلام الفراء ليس في "معاني القرآن"، فقد يكون في كتابه المفقود: "المصادر"، وانظر: الطبري 5/ 158، "تهذيب اللغة" 2/ 1830، "مقايس اللغة" 3/ 246 (شجر)، "الوسيط" 2/ 609، "التفسير الكبير" 10/ 163.
(١٨) لم أقف عليه، وقد قال السيوطي: أخرج الطستي عن ابن عباس ...
﴿ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ﴾ قال: "فيما أشكل عليهم"، "الدر المنثور" 2/ 323.
(١٩) ما بين القوسين بياض في (ش)، ولم أقف على قول للضحاك في تفسير هذِه الآية.
(٢٠) "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 88.
(٢١) انظر: الطبري 5/ 158، "معاني القرآن" للنحاس 2/ 129، "تهذيب اللغة" 1/ 755، "الصحاح" 1/ 306 (حرج)، "التفسير الكبير" 10/ 164.
(٢٢) نسبه في "الصحاح" 1/ 306 (حرج) لرؤبة بن العجاج، وفي "اللسان" 2/ 822 (حرج).
وهو صدر بيت من الرجز، عجزه: يكون أقصى شدِّه محر نجمه= والشاهد أن النعم وهي الإبل كالحراج وهي الشجر الملتفة الكثيرة.
(٢٣) في "زاد المسير" 2/ 124 أن ابن عباس فسر الحرج هنا بالشك كقول مجاهد الآتي وانظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 88، وعنه أيضاً: (هما وحزنًا).
انظر: "البحر المحيط" 3/ 284.
وممن فسر الحرج بالضيق أبو عبيدة في "مجازة" 1/ 131، والطبري 5/ 158، والزجاج في "معانيه" 2/ 70.
(٢٤) لم أقف عليه.
(٢٥) "تفسيره" 1/ 164، وأخرجه الطبري 5/ 158.
(٢٦) انظر: "مقاييس اللغة" 3/ 90، "المفردات" للراغب 239 - 240.
(٢٧) انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص (88).
(٢٨) في "معاني الزجاج" 2/ 71: حكمك.
(٢٩) "معاني الزجاج" 2/ 71.
(٣٠) "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 2/ 71، وانظر: "معاني القرآن" للنحاس 2/ 129، "المحرر الوجيز" 4/ 121، القرطبي 5/ 269، "البحر المحيط" 3/ 284.
(٣١) هنا بياض بقدر حرفين، فقد يكون الساقط: "فيه" والله اعلم.
(٣٢) انظر: "التفسير الكبير" 10/ 165.
<div class="verse-tafsir"