الإسلام > القرآن > تفسير > البسيط > سورة 4 النساء > الآية ٧٣
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 8 دقيقة قراءةوقوله تعالى: ﴿ وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ ﴾ .
قال ابن عباس: يريد إذا ظفرتم بعدوكم وغنمتم شيئًا.
وقال الكلبي: فتح، أو غنيمة، أو نصر وظهور (١) وقوله تعالى: ﴿ لَيَقُولَنَ ﴾ أي هذا المنافق، قول نادم حاسد (٢) ﴿ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ ﴾ ؛ لأسعد مثل ما سعدوا به من الغنيمة (٣) وقوله تعالى: ﴿ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ ﴾ .
قرئ (يكن) بالياء والتاء (٤) ﴿ وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ ﴾ ، وقوله: ﴿ فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ ﴾ .
وقال في آية أخرى: ﴿ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾ ، فالتأنيث هو الأصل، والتذكير يحسن إذا كان التأنيث غير حقيقي، سيما إذا وقع فاصلٌ بين الفعل والفاعل (٥) واختلف أهل العربية في موضع قوله: ﴿ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ ﴾ ؛ فالأكثرون على أن هذا اعتراض بين المفعول وفعله؛ لأن المعنى: ليقولن: يا ليتني كنت معهم، فكما أن قوله ﴿ قَدْ أَنْعَمَ اللَّه ﴾ ﴿ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا ﴾ في موضع نصب، يقال كذلك قوله تعالى: ﴿ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ ﴾ في موضع نصب بقوله: ﴿ لَيَقُولَنَّ ﴾ ، وقوله ﴿ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ ﴾ متصل في النظم بقوله: ﴿ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ ﴾ ﴿ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ ﴾ (٦) وعلى هذا الزجاج (٧) (٨) (٩) ومعنى قوله: ﴿ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ ﴾ قال الكلبي: أي معرفة وود في الدين (١٠) وقال مقاتل (١١) هذا قولهما في تفسير هذه الآية.
والله تعالى يعلم أنه لم يكن بين هذا المنافق وبين المؤمنين مودة خالصة، ولكن أراد بهذه المودة المذكورة ههنا مودة في الظاهر؛ لأن المنافقين كانوا يظهرون المودة للمؤمنين.
قال ابن الأنباري: أي كأن لم يُعاقدكم على الإسلام ويبايعكم على الصبر والثبات فيه، على ما ساء وسر و (....) (١٢) ونحو هذا قال أبو علي: أي لا يعاضدكم قتال عدوكم، ولا يرعى الذِّمام الذي بينكم (١٣) وقال الزجاج: أي كأنه لم يعاقدكم على أن يجاهد معكم، ولم يعاقدكم على الإيمان، أي كأنه لم يُظهر لكم المودة (١٤) فهذه الأقوال عن أهل المعنى تبيِّن أن المودة المذكورة في الآية يراد بها ما أظهره من المودة.
وأجاز ابن الأنباري وغيره أن يكون قوله: ﴿ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ ﴾ مؤخرًا إلى آخر الآية، والتقدير: ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن يَا لَيتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا، كأن لم تكن بينكم وبينه مودة.
والمعنى على هذا التقدير أن الله تعالى لما أخبر عن هذا المنافق أنه يشمت بمصيبة المؤمنين، فيقول: قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيدًا، أو يحسدهم لما يصيبون من الغنيمة فيندم على التخلف، ويقول يا ليتني كنت معهم، قال بعد الإخبار عنه بهاتين الخلتين: {كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ} أن يحسدكم ويشمت بكم (١٥) وأجاز آخرون أن يكون موضع قوله: ﴿ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ ﴾ حيث ذكر في النظم والمعنى؛ لأن معنى هذا الفصل لائق بمعنى هاتين الآيتين فأينما ذكر حسن ولم يكن أجنبيًا، وعلى هذا التقدير يكون قوله: ﴿ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ ﴾ في موضع الحال من القائل الذي قال: يَا لَيتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ كما تقول: مررت بزيد، كأن لم يكن بينك وبينه معرفة، فتكون هذه جملة في موضع الحال، أي مررت به وهذه حالك (١٦) وقال بعض أهل المعاني على هذا التقدير: يجوز أن يكون قوله: ﴿ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ ﴾ من كلام المنافق بقوله للذين أقعدهم عن الجهاد: كأن لم تكن بينكم وبين محمد مودة فيخرجكم لتأخذوا من الغنيمة.
وإنما يقول هذا ليبغض لهم رسول الله (١٧) وهذا وجه بعيد، وأصحاب العربية والنحو على الوجهين الأولين.
وقوله تعالى: ﴿ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ قال مقاتل: أي فآخذ نصيبًا وافرًا (١٨) وهذا القول من هذا المنافق ليس على طلب المثوبة، وتمنيه الحضور إنما هو على وجه الحسد للمؤمنين، عن قتادة وابن جريج (١٩) قال أبو بكر: لم يقله رغبةً في الجهاد ولا حرصًا على طاعة النبي وإنما قاله حرصًا على فتنة الدنيا وميلًا إلى الازدياد منها، فلذلك نعى الله عليه هذا القول وليم به.
وانتصب قوله: ﴿ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ لأنه جواب التمني بالفاء، والعلة في انتصابه عند أهل الكوفة أنَّ في التمني معنى: يسرني أن تفعل فافعل، فهذا نصب كأنه منسوق، كقولك في الكلام: وددت أن أقوم فيتبعني الناس.
والتقدير في الآية: يسرني أن أكون معهم فأفوز.
وهذا قول الفراء (٢٠) وعند أهل البصرة انتصبت هذه الجوابات بالفاء بإضمار أن، ولا يجوز إظهارها.
قالوا: وجميع ما انتصب بالفاء في الجواب إنما انتصب لمخالفة الثاني الأول، فلم يمكن عطفه عليه، فجعلت الأول بتقديره مصدره، وأضمرت بعد الفاء أن فنصبت بها الفعل، لتكون قد عطفت مصدرًا على مصدر؛ لأن أن والفعل بتقدير مصدر، وذلك قولك: ما زرتني فأحسن إليك، تقديره: ما كانت منك زيارة فإحسانٌ مني، هذا تقدير جميعه وتمثيله.
والتقدير في الآية: ليت لي كونا معهم ففوزًا عظيمًا.
قالوا: وإنما لم يجز إظهار أن لأن ما قبلها فيه تقدير المصدر من غير إظهار للفظه، فلما كان المعطوف عليه مقدرًا غير مظهر، اختاروا أن يكون مضمرًا بعد الفاء ليشاكل ما قبلها (٢١) (١) انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 89 (٢) "الكشف والبيان" 4/ 86 ب، وانظر: "الوسيط" 2/ 618.
(٣) انظر: الطبري 166 - 167، "بحر العلوم" 1/ 367، والمصدرين السابقين.
(٤) القراءة بالتاء: (تكن) لابن كثير وحفص عن عاصم ويعقوب، وبالياء (تكن) للباقين من العشرة.
انظر: "السبعة" ص 235، "الحجة" 3/ 170، 171، "المبسوط" ص 157.
(٥) انظر: "الحجة" 3/ 171، "حجة القراءات" ص 208، "الكشف عن وجوه القراءات السبع" 1/ 392.
(٦) من "الحجة" 3/ 171 بتصرف يسير.
(٧) في "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 76.
(٨) في "الحجة" 3/ 171.
(٩) انظر: "الكشاف" 1/ 280، "المحرر الوجيز" 130 - 132، "زاد المسير" 2/ 131، "التفسير الكبير" 10/ 179، "البحر المحيط" 3/ 293، "الدر المصون" 4/ 32.
(١٠) "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 89، وانظر: "بحر العلوم" 1/ 367، "الكشف والبيان" 4/ 86 ب.
(١١) ابن حيان، وذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" 4/ 86 ب وانظر: "بحر العلوم" 1/ 367، 368، "الدر المنثور" 2/ 327.
(١٢) غير واضح في المخطوط بقدر كلمتين، ولعلها (ونفع وضر) أو نحو ذلك.
(١٣) "الحجة" 3/ 171.
(١٤) هكذا هذِه العبارة وفيها ركاكة بالتكرار، وعبارة الزجاج في "معانيه" 2/ 76: "ومعنى المودة ههنا، أي كأنه لم يعاقدكم على الإيمان، أي كأنه لم يظهر لكم المودة، وجائز أن يكون والله أعلم: ليقولن: يا ليتني كنت معهم كأن لم تكن بينكم وبينه مودة، أي كأنه لم يعاقدكم على أن يجاهد معكم".
وانظر: القرطبي 5/ 276.
(١٥) انظر: "التفسير الكبير" 10/ 179، 180، "البحر المحيط" 3/ 293، "الدر المصون" 4/ 33.
(١٦) انظر: "إملاء ما من به الرحمن بهامش الفتوحات الإلهية" 2/ 283، "الدر المصون" 2/ 34.
(١٧) نسب نحو هذا القول لمقاتل وأبي علي الفارسي في "البحر المحيط" 3/ 293، "الدر المصون" 4/ 33.
(١٨) هو ابن حيان، وأخرج الأثر عنه ابن المنذر وابن أبي حاتم.
انظر: "الدر المنثور" 2/ 327.
(١٩) أخرج الأثر عنهما الطبري 5/ 166 - 167، وانظر: "الدر المنثور" 2/ 327.
(٢٠) في "معاني القرآن" 1/ 276، وانظر: "معاني الزجاج" 2/ 76، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 434، "الحروف" للمزني ص 66.
(٢١) انظر: "معانى الحروف" للرماني ص 43 ،44، "سر صناعه الإعراب" 1/ 272 "رصف المباني" ص 368، 443، 446.
<div class="verse-tafsir"