الإسلام > القرآن > تفسير > البسيط > سورة 6 الأنعام > الآية ١٤٨
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 7 دقيقة قراءةقوله تعالى: ﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ ﴾ الآية.
أخبر الله تعالى عنهم بما سيقولونه (١) وقوله تعالى: ﴿ وَلَا آبَاؤُنَا ﴾ عطف على المضمر المرفوع في ﴿ أَشْرَكْنَا ﴾ من غير توكيد للمضمر وهو قبيح لولا قوله: (ولا)، فإنه قام مقام تأكيد المضمر (٢) (٣) قال المفسرون (٤) ﴿ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا ﴾ حجة لهم على إقامتهم على الشرك، فقالوا: إن الله رضي منا ما نحن عليه، وأراده منا، وأمرنا به، ولو لم يرضه لحال بيننا وبينه، فقال الله تعالى: ﴿ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ﴾ قال ابن عباس: (يريد: الذين من قبل قومك كذبوا أنبيائهم، وقالوا مثل ما قال هؤلاء) (٥) فإن قيل: لم كذبوا في إضافة مشيئة شركهم إلى الله؟
قيل: إنهم لم يكذبوا في ذلك، ولو كذبوا في قولهم ﴿ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا ﴾ ، لقيل: ﴿ كَذَلِكَ كَذَّبَ ﴾ بالتخفيف (٦) (٧) ﴿ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا ﴾ ، ولكن قولهم: ﴿ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا ﴾ لا يكون حجة لهم على أن ما هم عليه من الدين حق؛ لأن الأشياء كلها تجري بمشيئة الله تعالى، فلو كانوا على صواب؛ لأن ذلك بمشيئة الله تعالى لكان من خالفهم أيضًا وجب أن يكون عندهم على صواب؛ لأنهم أيضًا على ما شاء الله، فينبغي أن لا يقولوا إنهم ضالون، فبان أنه لا حجة لهم في قولهم: ﴿ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا ﴾ وإن كان الأمر على ما قالوا؛ لأنهم تركوا أمر الله وتعلقوا بمشيئته، وأمر الله تعالى بمعزل عن إرادته؛ لأنه مريد لجميع الكائنات، غير آمر بجميع ما يريد، فعلى العبد أن يحفظ الأمر ويتبعه، وليس له أن يتعلق بالمشيئة بعد ورود الأمر [بما يجب عليه] (٨) (٩) (١٠) وقال أبو علي الجرجاني: (احتج (١١) (١٢) ﴿ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ ﴾ ، وهذا يدل على أنهم أضافوا ذلك التحريم إلى أن الله تعالى أمرهم به لا إلى مشيئته.
ولو أضافوا ذلك إلى المشيئة لقال عز وجل في الإنكار عليهم: قل أتحريم الذكرين شاء لكم أم تحريم الأنثيين، وكذلك قوله: ﴿ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا ﴾ ، وهل تكون التوصية إلا أمرًا ظاهرًا لا مشيئة باطنة، ولم يكن الله ليطالبهم بأن يكونوا شهداء بمشيئته، ثم قال: ﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا ﴾ يعني قولهم (١٣) ﴿ قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا ﴾ أي: أمر بتحريمه فلما دلت هذه الآيات على أنهم أضافوا ما كانوا عليه إلى أن الله تعالى أمرهم به كان.
قوله: ﴿ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا ﴾ أي: لو نهانا عن الشرك ولم يأمرنا به ﴿ مَا أَشْرَكْنَا ﴾ ، فأضافوا شركهم إلى أمره، كما أضافوا التحريم، وقد صرح الله تعالى بهذا الذي ذكرنا في الإخبار عنهم في قوله: ﴿ وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ ، فالمرجع على ما رتبنا وبيّنا في تأويل قوله: ﴿ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا ﴾ وجميع ما يتصل به إلى أنهم ادَّعوا على الله أنه أمرهم به، فكذّبهم الله في ادعائهم أمره بذلك، لا أنه كذبهم في إضافتهم مشيئة ما هم فيه إليه، ومما جاء في القرآن، من مثل هذا قوله تعالى: ﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى ﴾ إلى قوله: ﴿ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ ﴾ ، فهذا تبكيت لهم على قولهم (سَيُغْفَرُ لَنَا) (١٤) (١٥) ﴿ سَيُغْفَرُ لَنَا ﴾ أنهم ادّعوا أن الله وعدهم أن يغفر لهم، فكذّبهم الله تعالى في ادعائهم الوعد، ولا يحسن حمله إلا على هذا الوجه؛ لأنه لا يحسن أن ينكر عليهم حسن الظن بالله في الغفران وحسن الظن غير مذموم) (١٦) وقال أبو بكر بن الأنباري: (إنما عابهم الله تعالى بردّ المشيئة إليه حن استهزءوا واحتجوا على المؤمنين، وضَعّفوا أمر الرسل بردّ المشيئة إلى الله فقالوا للمؤمنين: ما نحتاج إلى اتباع الرسل؛ لأن الذي نحن عليه بمشيئة ربنا، وعلى أنه لو شاء نقلنا عنه، فلما لم يقولوه على جهة التعظيم لله [وقالوه] (١٧) (١٨) وهذا قول الحسين بن الفضل: (أنهم قالوا هذه المقالة تكذيبًا وتخرّصًا وجدلًا من غير معرفة بالله وبما يقولون، ولو قالوها تعظيمًا وإجلالًا لله ومعرفة منهم به لما عابهم الله بذلك؛ لأن الله تعالى قال: ﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا ﴾ ، والمؤمنون يقولونه، ونظير هذا قوله: ﴿ وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ ﴾ قال الله: ﴿ وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ ﴾ أي: قولهم هذا من غير علمٍ منهم بالله، والمؤمنون يقولونه بعلم بالله منهم) (١٩) وقوله تعالى: ﴿ قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا ﴾ ، قال ابن عباس: (أي: من كتاب نزل من عند الله في تحريم ما حرّمتم) (٢٠) ﴿ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ ﴾ ما تتبعون فيما أنتم عليه إلا الظن، لا العلم واليقين ﴿ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ ﴾ وما أنتم إلا خارصين، كاذبين، والمراد بلفظ الاستقبال: الاسم كما تقول: رأيته يصلي، أي: مصليًا، ويأكل أي: آكلاً، ونظير هذا قوله: ﴿ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ ﴾ ، وقد مضى في هذه السورة.
(١) في (أ): (بما سيقولو إذا لزمتهم).
(٢) انظر "معاني الزجاج" 2/ 302، و"إعراب النحاس" 1/ 590، وقد ذهب الكوفيون إلى أنه: يجوز العطف على الضمير المرفوع المتصل نحو (قمت وزيد).
وذهب البصريون إلى أنه لا يجوز إلا على قبح في ضرورة الشعر.
وأجمعوا على أنه إذا كان هناك توكيد أو فصل فإنه يجوز معه العطف من غير قبح.
انظر: الكتاب 2/ 277، و"الإنصاف" 380، و"الدر المصون" 5/ 210.
(٣) لم أقف عليه.
(٤) انظر "تفسير الطبري" 8/ 780، السمرقندي 1/ 522، البغوي 3/ 201.
(٥) "تنوير المقباس" 2/ 72، وذكره ابن الجوزي في "تفسيره" 3/ 145.
(٦) القراءة المشهورة ﴿ كَذَلِكَ كَذَّبَ ﴾ بتشديد الذال، قال الطبري في "تفسيره" 8/ 79: (ولو كان ذلك خبرًا من الله عن كذبهم في قيلهم: ﴿ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا ﴾ لقال: (كَذَلِكَ كَذَبَ الذين من قبلهم) بتخفيف الذال، وكان ينسبهم في قيلهم ذلك إلى الكذب على الله لا إلى التكذيب ..) ا.
هـ، وانظر: "تفسير البغوي" 3/ 201، وابن عطية 5/ 388، والرازي 13/ 325.
(٧) لفظ: (كذبك هؤلاء)، ساقط من (ش).
(٨) في (ش): (بعد ورود الأمر لما يجب الانتهاء إليه).
(٩) انظر: "معاني الزجاج" 2/ 302.
(١٠) ومنهم: الطبري في "تفسيره" 8/ 78، 79، والنحاس في "معانيه" 2/ 513 - 514، والثعلبي في "تفسيره" ص 185 ب، والبغوي 3/ 201.
(١١) في (أ): (حين احتج المشركون).
(١٢) في (ش): (يفعله).
(١٣) لفظ (قولهم)، ساقط من (أ).
(١٤) في (ش): (لهم بدلًا من (لنا).
(١٥) لفظ: (في) ساقط من (ش).
(١٦) لم أقف عليه عن أبي علي الجرجاني.
(١٧) في (ش): (وقالوا).
(١٨) لم أقف عليه.
(١٩) ذكره الثعلبي في "الكشف" 185 ب، والبغوي في "تفسيره" 3/ 201، والخازن 2/ 197، وقال ابن عطية في "تفسيره" 5/ 387: (قال بعض المفسرين: إنما هذه المقالة من المشركين على جهة الاستهزاء، وهذا ضعيف) اهـ.
(٢٠) ذكره الوحدي في "الوسيط" 1/ 136، وذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 145 بدون نسبة.
<div class="verse-tafsir"