الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ١٤٨ من سورة الأنعام
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 109 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٤٨ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
هذه مناظرة ذكرها الله تعالى وشبهة تشبثت بها المشركون في شركهم وتحريم ما حرموا; فإن الله مطلع على ما هم فيه من الشرك والتحريم لما حرموه ، وهو قادر على تغييره بأن يلهمنا الإيمان ، أو يحول بيننا وبين الكفر ، فلم يغيره ، فدل على أنه بمشيئته وإرادته ورضاه منا ذلك; ولهذا قال : ( لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء ) كما في قوله تعالى : ( وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ما لهم بذلك من علم ) [ الزخرف : 20 ] ، وكذلك التي في " النحل " مثل هذه سواء ، قال الله تعالى : ( كذلك كذب الذين من قبلهم ) أي : بهذه الشبهة ضل من ضل قبل هؤلاء .
وهي حجة داحضة باطلة; لأنها لو كانت صحيحة لما أذاقهم الله بأسه ، ودمر عليهم ، وأدال عليهم رسله الكرام ، وأذاق المشركين من أليم الانتقام .
( قل هل عندكم من علم ) أي : بأن الله تعالى راض عنكم فيما أنتم فيه ( فتخرجوه لنا ) أي : فتظهروه لنا وتبينوه وتبرزوه ، ( إن تتبعون إلا الظن ) أي : الوهم والخيال .
والمراد بالظن هاهنا : الاعتقاد الفاسد .
( وإن أنتم إلا تخرصون ) أي : تكذبون على الله فيما ادعيتموه .
قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس رضي الله عنهما : ( لو شاء الله ما أشركنا ) وقال ( كذلك كذب الذين من قبلهم ) ثم قال ( ولو شاء الله ما أشركوا ) [ الأنعام : 107 ] ، فإنهم قالوا : عبادتنا الآلهة تقربنا إلى الله زلفى فأخبرهم الله أنها لا تقربهم ، وقوله : ( ولو شاء الله ما أشركوا ) ، يقول تعالى : لو شئت لجمعتهم على الهدى أجمعين .
القول في تأويل قوله : سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه: (سيقول الذين أشركوا)، وهم العادلون بالله الأوثان والأصنام من مشركي قريش=(لو شاء الله ما أشركنا)، يقول: قالوا احتجازًا من الإذعان للحق بالباطل من الحجة، لما تبين لهم الحق, وعلموا باطل ما كانوا عليه مقيمين من شركهم, وتحريمهم ما كانوا يحرّمون من الحروث والأنعام, على ما قد بيَّن تعالى ذكره في الآيات الماضية قبل ذلك: وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا ، وما بعد ذلك: لو أراد الله منا الإيمان به، وإفراده بالعبادة دون الأوثان والآلهة، وتحليل ما حرم من البحائر والسوائب وغير ذلك من أموالنا, ما جعلنا لله شريكًا, ولا جعل ذلك له آباؤنا من قبلنا, ولا حرمنا ما نحرمه من هذه الأشياء التي نحن على تحريمها مقيمون، لأنه قادر على أن يحول بيننا وبين ذلك, حتى لا يكون لنا إلى فعل شيء من ذلك سبيل: إما بأن يضطرنا إلى الإيمان وترك الشرك به، وإلى القول بتحليل ما حرمنا= وأما بأن يلطف بنا بتوفيقه، فنصير إلى الإقرار بوحدانيته، وترك عبادة ما دونه من الأنداد والأصنام, وإلى تحليل ما حرمنا ، ولكنه رضي منا ما نحن عليه من عبادة الأوثان والأصنام, واتخاذ الشريك له في العبادة والأنداد, وأراد ما نحرّم من الحروث والأنعام, فلم يَحُلْ بيننا وبين ما نحن عليه من ذلك .
قال الله مكذبًا لهم في قيلهم: " إن الله رضي منا ما نحن عليه من الشرك، وتحريم ما نحرّم "= ورادًّا عليهم باطلَ ما احتجوا به من حجتهم في ذلك= (كذلك كذب الذين من قبلهم)، يقول: كما كذب هؤلاء المشركون، يا محمد، ما جئتهم به من الحق والبيان, كذب من قبلهم من فسقة الأمم الذين طَغَوا على ربهم ما جاءتهم به أنبياؤهم من آيات الله وواضح حججه, وردُّوا عليهم نصائحهم =(حتى ذاقوا بأسنا)، يقول: حتى أسخطونا فغضبنا عليهم, فأحللنا بهم بأسنا فذاقوه, فعطبوا بذوقهم إياه, فخابوا وخسروا الدنيا والآخرة.
(5) يقول: وهؤلاء الآخرون مسلوك بهم سبيلهم, إن هم لم ينيبوا فيؤمنوا ويصدقوا بما جئتهم به من عند ربهم .
* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك: 14129- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: (لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا)، وقال: (كذلك كذب الذين من قبلهم) , ثم قال: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا ، فإنهم قالوا: " عبادتنا الآلهة تقرّبنا إلى الله زلفى ", فأخبرهم الله أنها لا تقربهم, وقوله: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا ، يقول الله سبحانه: لو شئت لجمعتهم على الهدى أجمعين .
14130- حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم, عن عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (ولا حرمنا من شيء)، قال: قول قريش= يعني: إن الله حرم هذه البحيرة والسائبة .
14131- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (ولا حرمنا من شيء)، قولُ قريش بغير يقين: إن الله حرّم هذه البحيرة والسائبة .
* * * فإن قال قائل: وما برهانك على أن الله تعالى إنما كذب من قيل هؤلاء المشركين قولهم: " رضي الله منا عبادة الأوثان, وارأد منا تحريم ما حرمنا من الحروث والأنعام ", دون أن يكون تكذيبه إياهم كان على قولهم: (لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء)، وعلى وصفهم إياه بأنه قد شاء شركهم وشرك آبائهم, وتحريمهم ما كانوا يحرمون؟
قيل له: الدلالة على ذلك قوله: (كذلك كذب الذين من قبلهم)، فأخبر جل ثناؤه عنهم أنهم سلكوا في تكذيبهم نبيهم محمدًا صلى الله عليه وسلم فيما آتاهم به من عند الله = من النهي عن عبادة شيء غير الله تعالى ذكره, وتحريم غير ما حرّم الله في كتابه وعلى لسان رسوله = مسلكَ أسلافهم من الأمم الخالية المكذبة اللهَ ورسولَه .
والتكذيبُ منهم إنما كان لمكذَّب, ولو كان ذلك خبرًا من الله عن كذبهم في قيلهم: (لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا)، لقال: " كذلك كذَبَ الذين من قبلهم "، بتخفيف " الذال ", وكان ينسبهم في قيلهم ذلك إلى الكذب على الله، لا إلى التكذيب = مع علل كثيرة يطول بذكرها الكتاب, وفيما ذكرنا كفاية لمن وُفِّق لفهمه .
* * * القول في تأويل قوله : قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلا تَخْرُصُونَ (148) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل، يا محمد، لهؤلاء العادلين بربهم الأوثان والأصنام، المحرِّمين ما هم له محرِّمون من الحُروث والأنعام, القائلين: لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ ، ولكنه رضي منا ما نحن عليه من الشرك وتحريم ما نحرم: " هل عندكم "، = بدعواكم ما تدعون على الله من رضاه بإشراككم في عبادته ما تشركون، وتحريمكم من أموالكم ما تحرمون = علمُ يقينٍ من خبر مَنْ يقطع خبره العذر, أو حجة توجب لنا اليقين، من العلم =" فتخرجوه لنا "، يقول: فتظهروا ذلك لنا وتبينوه, كما بينا لكم مواضع خطأ قولكم وفعلكم, وتناقض ذلك واستحالته في المعقول والمسموع (6) =(إن تتبعون إلا الظن)، يقولُ له: قل لهم: إن تقولون ما تقولون، أيها المشركون، وتعبدون من الأوثان والأصنام ما تعبدون، وتحرمون من الحروث والأنعام ما تحرّمون، إلا ظنًّا وحسبانًا أنه حق, وأنكم على حق، وهو باطلٌ, وأنتم على باطل =(وإن أنتم إلا تخرصون)، يقول: " وإن أنتم ", وما أنتم في ذلك كله =" إلا تخرصون ", يقول: إلا تتقوّلون الباطل على الله، ظنًّا بغير يقين علم ولا برهان واضح .
(7) --------------- الهوامش : (5) انظر تفسير (( ذاق )) فيما سلف : 11 : 420 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(6) انظر تفسير (( الإخراج )) فيما سلف 2 : 228 .
(7) انظر تفسير (( التخرص )) فيما سلف ص 65 .
قوله : سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصونقوله تعالى سيقول الذين أشركوا قال مجاهد : يعني كفار قريش .قالوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء يريد البحيرة والسائبة والوصيلة .
أخبر الله عز وجل بالغيب عما سيقولونه ; وظنوا أن هذا متمسك لهم لما لزمتهم الحجة وتيقنوا باطل ما كانوا عليه .
والمعنى : لو شاء الله لأرسل إلى آبائنا رسولا فنهاهم عن الشرك وعن تحريم ما أحل لهم فينتهوا - فأتبعناهم على ذلك .
فرد الله عليهم ذلك فقال : قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا .أي أعندكم دليل على أن هذا كذا ؟
إن تتبعون إلا الظن في هذا القول .وإن أنتم إلا تخرصون لتوهموا ضعفتكم أن لكم حجة .
وقوله ولا آباؤنا عطف على النون في أشركنا .
ولم يقل نحن ولا آباؤنا ; لأن قوله ولا قام مقام توكيد المضمر ; ولهذا حسن أن يقال : ما قمت ولا زيد .
هذا إخبار من الله أن المشركين سيحتجون على شركهم وتحريمهم ما أحل الله، بالقضاء والقدر، ويجعلون مشيئة الله الشاملة لكل شيء من الخير والشر حجة لهم في دفع اللوم عنهم.
وقد قالوا ما أخبر الله أنهم سيقولونه، كما قال في الآية الأخرى: { وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ } الآية.
فأخبر تعالى أن هذة الحجة، لم تزل الأمم المكذبة تدفع بها عنهم دعوة الرسل، ويحتجون بها، فلم تجد فيهم شيئا ولم تنفعهم، فلم يزل هذا دأبهم حتى أهكلهم الله، وأذاقهم بأسه.
فلو كانت حجة صحيحة، لدفعت عنهم العقاب، ولما أحل الله بهم العذاب، لأنه لا يحل بأسه إلا بمن استحقه، فعلم أنها حجة فاسدة، وشبهة كاسدة، من عدة أوجه: منها: ما ذكر الله من أنها لو كانت صحيحة، لم تحل بهم العقوبة.
ومنها: أن الحجة، لا بد أن تكون حجة مستندة إلى العلم والبرهان، فأما إذا كانت مستندة إلى مجرد الظن والخرص، الذي لا يغني من الحق شيئا، فإنها باطلة، ولهذا قال: { قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا } فلو كان لهم علم - وهم خصوم ألداء- لأخرجوه، فلما لم يخرجوه علم أنه لا علم عندهم.
{ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ } ومَنْ بنى حججه على الخرص والظن، فهو مبطل خاسر، فكيف إذا بناها على البغي والعناد والشر والفساد؟
( سيقول الذين أشركوا ) لما لزمتهم الحجة وتيقنوا بطلان ما كانوا عليه من الشرك بالله وتحريم ما لم يحرمه الله قالوا ( لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ) من قبل ، ( ولا حرمنا من شيء ) من البحائر والسوائب وغيرهما ، أرادوا أن يجعلوا قوله : ( لو شاء الله ما أشركنا ) حجة لهم على إقامتهم على الشرك ، وقالوا إن الله تعالى قادر على أن يحول بيننا وبين ما نحن عليه حتى لا نفعله ، فلولا أنه رضي بما نحن عليه وأراده منا وأمرنا به لحال بيننا وبين ذلك ، فقال الله تعالى تكذيبا لهم : ( كذلك كذب الذين من قبلهم ) من كفار الأمم الخالية ، ( حتى ذاقوا بأسنا ) عذابنا .
ويستدل أهل القدر بهذه الآية ، يقولون : إنهم لما قالوا : لو شاء الله ما أشركنا كذبهم الله ورد عليهم ، فقال : " كذلك كذب الذين من قبلهم " .
قلنا : التكذيب ليس في قولهم " لو شاء الله ما أشركنا " بل ذلك القول صدق ولكن في قولهم : إن الله تعالى أمرنا بها ورضي بما نحن عليه ، كما أخبر عنهم في سورة الأعراف ( الآية 28 ) : ( وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها ) ، فالرد عليهم في هذا كما قال تعالى : ( قل إن الله لا يأمر بالفحشاء ) .
والدليل على أن التكذيب ورد فيما قلنا لا في قولهم : " لو شاء الله ما أشركنا " ، قوله : ( كذلك كذب الذين من قبلهم ) بالتشديد ولو كان ذلك خبرا من الله - عز وجل - عن كذبهم في قولهم : ( لو شاء الله ما أشركنا ) لقال كذب الذين من قبلهم بالتخفيف فكان ينسبهم إلى الكذب لا إلى التكذيب .
وقال الحسن بن الفضل : لو ذكروا هذه المقالة تعظيما وإجلالا لله - عز وجل - ، ومعرفة منهم به لما عابهم بذلك ، لأن الله تعالى قال : ( ولو شاء الله ما أشركوا ) وقال : ( ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ) ( الأنعام ، 111 ) ، والمؤمنون يقولون ذلك ، ولكنهم قالوه تكذيبا وتخرصا وجدلا من غير معرفة بالله وبما يقولون ، نظيره قوله - عز وجل - : ( وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ) ( الزخرف ، 20 ) ، قال الله تعالى : ( ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون ) ( الأنعام ، 116 ) .
وقيل في معنى الآية : إنهم كانوا يقولون الحق بهذه الكلمة إلا أنهم كانوا يعدونه عذرا لأنفسهم ويجعلونه حجة لأنفسهم في ترك الإيمان ، ورد عليهم في هذا لأن أمر الله بمعزل عن مشيئته وإرادته ، فإنه مريد لجميع الكائنات غير آمر بجميع ما يريد ، وعلى العبد أن يتبع أمره وليس له أن يتعلق بمشيئته ، فإن مشيئته لا تكون عذرا لأحد .
( قل هل عندكم من علم ) أي : كتاب وحجة من الله ، ( فتخرجوه لنا ) حتى يظهر ما تدعون على الله تعالى من الشرك أو تحريم ما حرمتم ، ( إن تتبعون ) ما تتبعون فيما أنتم عليه ، ( إلا الظن ) من غير علم ويقين ، ( وإن أنتم إلا تخرصون ) تكذبون .
«سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا» نحن «ولا آباؤنا ولا حرَّمنا من شيء» فإشراكنا وتحريمنا بمشيئته فهو راض به قال تعالى: «كذلك» كما كذب هؤلاء «كذَّب الذين من قبلهم» رسلهم «حتى ذاقوا بأسنا» عذابنا «قل هل عندكم من علم» بأن الله راضى بذلك «فتخرجوه لنا» أي لا علم عندكم «إن» ما «تتَّبعون» في ذلك «إلا الظن وإن» ما «أنتم إلا تخرصون» تكذبون فيه.
سيقول الذين أشركوا: لو أراد الله أن لا نشرك -نحن وآباؤنا- وأن لا نحرم شيئًا مِن دونه ما فعلنا ذلك، وردَّ الله عليهم ببيان أن هذه الشبهة قد أثارها الكفار مِن قبلهم، وكذَّبوا بها دعوة رسلهم، واستمَرُّوا على ذلك، حتى نزل بهم عذاب الله.
قل لهم -أيها الرسول-: هل عندكم -فيما حرَّمتم من الأنعام والحرث، وفيما زعمتم من أن الله قد شاء لكم الكفر، ورضيه منكم وأحبه لكم- من علم صحيح فتظهروه لنا؟
إن تتبعون في أمور هذا الدين إلا مجرد الظن، وإن أنتم إلا تكذبون.
ثم حكى القرآن بعد ذلك شبهة من الشبهات الباطلة التى تمسك بها المشركون فى شركهم وجهالاتهم ورد عليها بما يبطلها ويخرس ألسنة قائليها أو المتذرعين بها فقال : { سَيَقُولُ الذين أَشْرَكُواْ .
.
.
} .إن هذه الآيات الكريمة تعرض لشبهة قديمة جديدة : قديمة لأن كثيرا من مجادلى الرسل موهوابها ، وحديثة لأنها دائما تراود كثيرا من المتمسكين بالأوهام فى سبيل إرضاء نزواتهم من المتع الباطلة والشهوات المحرمة .إنهم يقولون عندما يرتكبون القبائح والمنكرات : هذا أمر الله ، وهذا قضاؤه ، وتلك مشيئته وإرادته ، ولو شاء الله عدم فعلنا لهذه الأشياء لما فعلناها وإذا كان الله قد قضى علينا بها فما ذنبنا؟
ولماذا يعاقبنا عليها؟
إلى غير ذلك من اللغو الباطل ، والكلام العابث الذى يريدون من ورائه التحلل من أوامر الله ونواهيه .ولنتدبر سوياً أيها القارىء الكريم - هذه الآيات ، وهى تحكي تلك الشبهات الباطلة ، ثم تقذفها بالحق الواضح ، والبرهان القاطع ، فإذا هى زاهقةيقول - سبحانه - { سَيَقُولُ الذين أَشْرَكُواْ لَوْ شَآءَ الله مَآ أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ } .أى : سيقو هؤلاء المشركون لو شاء الله - تعالى - ألا نشرك به وألا يشرك به آباؤنا من قبلنا ، لنفذت مشيئته ، ولما أشركنا نحن ولا آباؤنا .ولو شاء كذلك ألا نحرم شيئاً مما حرمناه من الحرث والأنعام وغيرها لتمت مشيئته ولما حرمنا شيئاً مما حرمنا .ولكنه - سبحانه - لم يشأ ذلك ، بل شاء لنا أن نشرك معه فى العبادة هذه الأصنام ، وأن نحرم ما نحرم من الحرث والأنعام وقد رضى لنا ذلك فلماذا تطالبنا يا محمد بتغيير مشيئة الله ، وتدعونا إلى الدخول فى دينك الذى لم يشأ الله دخولنا فيه؟قال الآلوسى ما ملخصه : " وهم لم يريدوا بهذا الكلام الاعتذار عن ارتكاب القبيح ، لأنهم لم يعتقدوا قبح أفعالهم وإنما مرادهم من هذا القول الاحتجاج على أن ما ارتكبوه - من الشرك والتحريم - حق ومشروع ومرضى عند الله ، بناء على أن المشيئة والإرادة تسابق الأمر وتستلزم الرضا ، فيكون حاصل كلامهم :إن ما نرتكبه من الشرك والتحريم وغيرهما تعلقت به مشيئة الله وإرادته ، وكل ما تعلقت به مشيئة الله وإرادته فهو مشروع ومرضى عنده .
فينتج أن ما نرتكبه من الشرك والتحريم مشروع ومرضى عند الله " .وقد حكى القرآن فى كثير من آياته ما يشبه قولهم هذا ، ومن ذلك قوله - تعالى - { وَقَالَ الذين أَشْرَكُواْ لَوْ شَآءَ الله مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَّحْنُ ولا آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ كذلك فَعَلَ الذين مِن قَبْلِهِمْ } وقوله - تعالى - { وَقَالُواْ لَوْ شَآءَ الرحمن مَا عَبَدْنَاهُمْ مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ } وقد رد القرآن على قولهم بما يبطله فقال : { كذلك كَذَّبَ الذين مِن قَبْلِهِم حتى ذَاقُواْ بَأْسَنَا } .أى : مثل هذا التكذيب من مشركى مكة للرسول صلى الله عليه وسلم فيما جاء به من إبطال الشرك ، قد كذب الذين من قبلهم لرسلهم ، واستمروا فى تكذيبهم لهم حتى أنزلنا على هؤلاء المكذبين عذابنا ونقمتنا .ومن مظاهر تكذيب هؤلاء المشركين لرسلهم ، أنهم عندما قال لهم الرسل عليهم السلام - اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا .
كذبوهم واحتجوا عليهم بأن ما هم عليه من شرك واقع بمشيئة الله ، وزعموا أنه ما دام كذلك فهو مرضى عنده - سبحانه - فكان الرد عليهم بأنه لو كان هذا الشرك وغيره من قبائحهم مرضيا عنده - سبحانه - : لما أذاق أسلافهم المكذبين - الذين قالوا لرسلهم مثل قولهم - عذابه ونقمته .
ولما أخذهم أخذ عزيز مقتدر .قال الآلوسى ما ملخصه : وحاصل هذا الرد أن كلام المشركين يتضمن تكذيب الرسل وقد دلت المعجزة على صدقهم ، ولا يخفى أن المقدمة الأولى وهى أن كل شىء بمشيئة الله : لا تكذيب فيها ، بل هى متضمنة لتصديق ما تطابق فيه العقل والشرع من كون كل شىء بمشيئة الله ، وامتناع أن يجرى فى ملكه خلاف ما يشاء .
فمنشأ التكذيب هو المقدمة الثانية ، وهى أن كل ما تعلقت به مشيئة الله وإرادته فهو مشروع ومرضى عنه ، لأن الرسل عليهم السلام : يدعونهم إلى التوحيد ويقولون لهم : إن الله لا يرضى لعباده الكفر دينا ولا يأمر بالفحشاء ، فيكون قوله : إن ما نرتكبه مشروع ومرضى عنده سبحانه : تكذيب لقول الرسل .
وحيث كان فساد هذه الحجة باعتبار المقدمة الثانية تعين أنها ليست بصادقة ، وحينئذ يصدق نقيضها وهى أنه ليس كل ما تعلقت به المشيئة والإرادة بمشروع ومرضى عنده - سبحانه - بناء على أن الإرادة لا تساوق الأمر .ثم بعد هذا الرد المفحم للمشركين أمر الله : تعالى : رسوله أن يطالبهم بدليل على مزاعمهم فقال : { قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَآ } .أى : قل لهم يا محمد على سبيل التوبيخ والتعجيز : هل عندكم من علم ثابت تعتمدون عليه فى قولكم { لَوْ شَآءَ الله مَآ أَشْرَكْنَا } !
إن كان عندكم هذا العلم فاخرجوه لنا لنتباحث معكم فيه ، ونعرضه على ما جئتكم به من آيات بينة ودلائل ساطعة .
فإن العاقل هو الذى لا يتكلم بدون علم ، ولا يحيل على مشيئة الله التى لا ندرى عنها شيئاً .و { مِّنْ } فى قوله { مِّنْ عِلْمٍ } زائدة ، وعلم مبتدأ ، وعندكم خبر مقدم .وقوله : { فَتُخْرِجُوهُ } منصوب بأن المضمرة بعد فاء السببية الواقعة بعد الاستفهام الإنكارى .ثم بين حقيقة حالهم فقال : { إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظن وَإِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخْرُصُونَ } .أى : أنتم لستم على شىء ما من العلم ، بل ما تتبعون فى أقوالهم وأعمالكم وعقائدكم إلا الظن الباطل الذى لا يغنى من الحق شيئا .
وما أنتم إلا تخرصون أى تكذبون على الله فيما ادعيتموه .واصل الخرص : القول بالظن .
يقال : خرصت النخل خرصا - من باب قتل - حزرت ثمره وقدرته بالظن والتخمين ، واستعمل فى الكذب لما يداخله من الظنون الكاذبة ، فيقال : خرص فى قوله - كنصر - أى كذب .
اعلم أنه تعالى لما حكى عن أهل الجاهلية إقدامهم على الحكم في دين الله بغير حجة ولا دليل، حكى عنهم عذرهم في كل ما يقدمون عليه من الكفريات، فيقولون: لو شاء الله منا أن لا نكفر لمنعنا عن هذا الكفر، وحيث لم يمنعنا عنه، ثبت أنه مريد لذلك فإذا أراد الله ذلك منا امتنع منا تركه فكنا معذورين فيه، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن المعتزلة زعموا أن هذه الآية تدل على قولهم في مسألة إرادة الكائنات من سبعة أوجه: فالوجه الأول: أنه تعالى حكى عن الكفار صريح قول المجبرة وهو قولهم: لو شاء الله منا أن لا نشرك لم نشرك، وإنما حكى عنهم هذا القول في معرض الذم والتقبيح، فوجب كون هذا المذهب مذموماً باطلاً.
والوجه الثاني: أنه تعالى قال: ﴿ كَذَّبَ ﴾ وفيه قراءتان بالتخفيف وبالتثقيل.
أما القراءة بالتخفيف فهي تصريح بأنهم قد كذبوا في ذلك القول، وذلك يدل على أن الذي تقوله المجبرة في هذه المسألة كذب.
وأما القراءة بالتشديد، فلا يمكن حملها على أن القوم استوجبوا الذم بسبب أنهم كذبوا أهل المذاهب، لأنا لو حملنا الآية عليه لكان هذا المعنى ضداً لمعنى الذي يدل عليه قراءة ﴿ كَذَّبَ ﴾ بالتخفيف، وحينئذ تصير إحدى القراءتين ضداً للقراءة الأخرى، وذلك يوجب دخول التناقض في كلام الله تعالى، وإذا بطل ذلك وجب حمله على أن المراد منه أن كل من كذب نبياً من الأنبياء في الزمان المتقدم، فإنه كذبه بهذا الطريق، لأنه يقول الكل بمشيئة الله تعالى، فهذا الذي أنا عليه من الكفر، إنما حصل بمشيئة الله تعالى، فلم يمنعني منه، فهذا طريق متعين لكل الكفار المتقدمين والمتأخرين في تكذيب الأنبياء، وفي دفع دعوتهم عن أنفسهم، فإذا حملنا الآية على هذا الوجه صارت القراءة بالتشديد مؤكدة للقراءة بالتخفيف ويصير مجموع القراءتين دالاً على إبطال قول المجبرة.
الوجه الثالث: في دلالة الآية على قولنا قوله تعالى: ﴿ حتى ذَاقُواْ بَأْسَنَا ﴾ وذلك يدل على أنهم استوجبوا الوعيد من الله تعالى في ذهابهم إلى هذا المذهب.
الوجه الرابع: قوله تعالى: ﴿ قُلْ هَلْ عِندَكُم مّنْ عِلْمٍ فتخرجوه لَنَا ﴾ ولا شك أنه استفهام على سبيل الإنكار، وذلك يدل على أن القائلين بهذا القول ليس لهم به علم ولا حجة، وهذا يدل على فساد هذا المذهب، لأن كل ما كان حقاً كان القول به علماً.
الوجه الخامس: قوله تعالى: ﴿ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظن ﴾ مع أنه تعالى قال في سائر الآيات: ﴿ إَنَّ الظن لاَ يُغْنِى مِنَ الحق شَيْئًا ﴾ .
والوجه السادس: قوله تعالى: ﴿ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ ﴾ والخرص أقبح أنواع الكذب، وأيضاً قال تعالى: ﴿ قُتِلَ الخارصون ﴾ .
والوجه السابع: قوله تعالى: ﴿ قُلْ فَلِلَّهِ الحجة البالغة ﴾ وتقريره: أنهم احتجوا في دفع دعوة الأنبياء والرسل على أنفسهم بأن قالوا: كل ما حصل فهو بمشيئة الله تعالى، وإذا شاء الله منا ذلك، فكيف يمكننا تركه؟
وإذا كنا عاجزين عن تركه، فكيف يأمرنا بتركه؟
وهل في وسعنا وطاقتنا أن نأتي بفعل على خلاف مشيئة الله تعالى؟
فهذا هو حجة الكفار على الأنبياء، فقال تعالى: ﴿ قُلْ فَلِلَّهِ الحجة البالغة ﴾ وذلك من وجهين: الوجه الأول: أنه تعالى أعطاكم عقولاً كاملة، وأفهاماً وافية، وآذاناً سامعة، وعيوناً باصرة، وأقدركم على الخير والشر، وأزال الأعذار والموانع بالكلية عنكم، فإن شئتم ذهبتم إلى عمل الخيرات، وإن شئتم إلى عمل المعاصي والمنكرات، وهذه القدرة والمكنة معلومة الثبوت بالضرورة، وزوال الموانع والعوائق معلوم الثبوت أيضاً بالضرورة، وإذا كان الأمر كذلك كان ادعاؤكم أنكم عاجزون عن الإيمان والطاعة دعوى باطلة فثبت بما ذكرنا أنه ليس لكم على الله حجة بالغة!
بل لله الحجة البالغة عليكم.
والوجه الثاني: أنكم تقولون: لو كانت أفعالنا واقعة على خلاف مشيئة الله تعالى، لكنا قد غلبنا الله وقهرناه، وأتينا بالفعل على مضادته ومخالفته، وذلك يوجب كونه عاجزاً ضعيفاً، وذلك يقدح في كونه إلهاً.
فأجاب تعالى عنه: بأن العجز والضعف إنما يلزم إذا لم أكن قادراً على حملهم على الإيمان والطاعة على سبيل القهر والإلجاء، وأنا قادر على ذلك وهو المراد من قوله: ﴿ وَلَوْ شَآءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ إلا أني لا أحملكم على الإيمان والطاعة على سبيل القهر والإلجاء، لأن ذلك يبطل الحكمة المطلوبة من التكليف، فثبت بهذا البيان أن الذي يقولونه من أنا لو أتينا بعمل على خلاف مشيئة الله، فإنه يلزم منه كونه تعالى عاجزاً ضعيفاً، كلام باطل فهذا أقصى ما يمكن أن يذكر في تمسك المعتزلة بهذه الآية.
والجواب المعتمد في هذا الباب أن نقول: إنا بينا أن هذه السورة من أولها إلى آخرها تدل على صحة قولنا ومذهبنا، ونقلنا في كل آية ما يذكرونه من التأويلات وأجبنا عنها بأجوبة واضحة قوية مؤكدة بالدلائل العقلية القاطعة.
وإذا ثبت هذا، فلو كان المراد من هذه الآية ما ذكرتم، لوقع التناقض الصريح في كتاب الله تعالى فإنه يوجب أعظم أنواع الطعن فيه.
إذا ثبت هذا فنقول: إنه تعالى حكى عن القوم أنهم قالوا: ﴿ لَوْ شَاء الله مَا أَشْرَكْنَا ﴾ ثم ذكر عقيبه ﴿ كذلك كَذَّبَ الذين مِن قَبْلِهِمْ ﴾ فهذا يدل على أن القوم قالوا لما كان الكل بمشيئة الله تعالى وتقديره، كان التكليف عبثاً، فكانت دعوى الأنبياء باطلة، ونبوتهم ورسالتهم باطلة، ثم إنه تعالى بين أن التمسك بهذا الطريق في إبطال النبوة باطل، وذلك لأنه إله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، ولا اعتراض عليه لأحد في فعله، فهو تعالى يشاء الكفر من الكافر، ومع هذا فيبعث إليه الأنبياء ويأمره بالإيمان، وورود الأمر على خلاف الإرادة غير ممتنع.
فالحاصل: أنه تعالى حكى عن الكفار أنهم يتمسكون بمشيئة الله تعالى في إبطال نبوة الأنبياء، ثم إنه تعالى بين أن هذا الاستدلال فاسد باطل، فإنه لا يلزم من ثبوت المشيئة لله في كل الأمور دفع دعوة الأنبياء، وعلى هذا الطريق فقط سقط هذا الاستدلال بالكلية، وجميع الوجوه التي ذكرتموها في التقبيح والتهجين عائد إلى تمسككم بثبوت المشيئة لله على دفع دعوة الأنبياء، فيكون الحاصل: أن هذا الاستدلال باطل، وليس فيه البتة ما يدل على أن القول بالمشية باطل.
فإن قالوا: هذا العذر إنما يستقيم إذ قرأنا قوله تعالى: ﴿ كذلك كَذَّبَ ﴾ بالتشديد.
وأما إذا قرأناه بالتخفيف، فإنه يسقط هذا العذر بالكلية فنقول فيه وجهان.
الأول: أنا نمنع صحة هذه القراءة، والدليل عليه أنا بينا أن هذه السورة من أولها إلى آخرها تدل على قولنا: فلو كانت هذه الآية دالة على قولهم، لوقع التناقض، ولخرج القرآن عن كونه كلاماً لله تعالى، ويندفع هذا التناقض بأن لا تقبل هذه القراءة، فوجب المصير إليه.
الثاني: سلمنا صحة هذه القراءة لكنا نحملها على أن القوم كذبوا في أنه يلزم من ثبوت مشيئة الله تعالى في كل أفعال العباد سقوط نبوة الأنبياء وبطلان دعوتهم، وإذا حملناه على هذا الوجه لم يبق للمعتزلة بهذه الآية تمسك البتة، والحمد لله الذي أعاننا على الخروج من هذه العهدة القوية، ومما يقوي ما ذكرناه ما روي أن ابن عباس قيل له بعد ذهاب بصره ما تقول فيمن يقول: لا قدر، فقال إن كان في البيت أحد منهم أتيت عليه ويله أما يقرأ ﴿ إِنَّا كُلَّ شَيء خلقناه بِقَدَرٍ ﴾ ﴿ إِنَّا نَحْنُ نُحْىِ الموتى وَنَكْتُبُ مَاَ قَدَّمُواْ وَءاثَارَهُمْ ﴾ وقال ابن عباس: أول ما خلق الله القلم، قال له اكتب القدر، فجرى بما يكون إلى قيام الساعة، وقال صلوات الله عليه: «المكذبون بالقدر مجوس هذه الأمة».
المسألة الثانية: زعم سيبويه أن عطف الظاهر على المضمر المرفوع في الفعل قبيح، فلا يجوز أن يقال: قمت وزيد، وذلك لأن المعطوف عليه أصل، والمعطوف فرع، والمضمر ضعيف، والمظهر قوي، وجعل القوي فرعاً للضعيف، لا يجوز.
إذا عرفت هذا الأصل فنقول: إن جاء الكلام في جانب الإثبات، وجب تأكيد الضمير فنقول: قمت أنا وزيد، وإن جاء في جانب النفي قلت ما قمت ولا زيد.
إذا ثبت هذا فنقول قوله: ﴿ لَوْ شَاء الله مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا ﴾ فعطف قوله: ﴿ وَلاَ آبَاؤُنَا ﴾ على الضمير في قوله: ﴿ مَا أَشْرَكْنَا ﴾ إلا أنه تخلل بينهما كلمة لا فلا جرم حسن هذا العطف.
قال في جامع الأصفهاني: إن حرف العطف يجب أن يكون متأخراً عن اللفظة المؤكدة للضمير حتى يحسن العطف ويندفع المحذور المذكور من عطف القوي على الضعيف، وهذا المقصود إنما يحصل إذا قلنا: ﴿ مَا أَشْرَكْنَا نَّحْنُ وَلا ءآبَاؤُنَا ﴾ حتى تكون كلمة ﴿ لا ﴾ مقدمة على حرف العطف.
أما هاهنا حرف العطف مقدم على كلمة ﴿ لا ﴾ وحينئذ يعود المحذور المذكور.
فالجواب: أن كلمة ﴿ لا ﴾ لما أدخلت على قوله: ﴿ ءآبَاؤُنَا ﴾ كان ذلك موجباً إضمار فعل هناك، لأن صرف النفي إلى ذوات الآباء محال، بل يجب صرف هذا النفي إلى فعل يصدر منهم، وذلك هو الإشراك، فكان التقدير: ما أشركنا ولا أشرك آباؤنا، وعلى هذا التقدير فالإشكال زائل.
المسألة الثالثة: احتج أصحابنا على قولهم الكل بمشيئة الله تعالى بقوله: ﴿ فَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ فكلمة لو في اللغة تفيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره، فدل هذا على أنه تعالى ما شاء أن يهديهم، وما هداهم أيضاً.
وتقريره بحسب الدليل العقلي، أن قدرة الكافر على الكفر إن لم تكن قدرة على الإيمان فالله تعالى على هذا التقدير ما أقدره على الإيمان، فلو شاء الإيمان منه، فقد شاء الفعل من غير قدرة على الفعل، وذلك محال ومشيئة المحال محال، وإن كانت القدرة على الكفر قدرة على الإيمان توقف رجحان أحد الطرفين على حصول الداعية المرجحة.
فإن قلنا: إنه تعالى خلق تلك الداعية فقد حصلت الداعية المرجحة مع القدرة، ومجموعهما موجب للفعل، فحيث لم يحصل الفعل علمنا أن تلك الداعية لم تحصل، وإذا لم تحصل امتنع منه فعل الإيمان، وإذا امتنع ذلك منه، امتنع أن يريده الله منه، لأن إرادة المحال محال ممتنع، فثبت أن ظاهر القرآن دل على أنه تعالى ما أراد الإيمان من الكافر، والبرهان العقلي الذي قررناه يدل عليه أيضاً، فبطل قولهم من كل الوجوه، وأما قوله: تحمل هذه الآية على مشيئة الإلجاء فنقول: هذا التأويل إنما يحسن المصير إليه لو ثبت بالبرهان العقلي امتناع الحمل على ظاهر هذا الكلام، أما لو قام البرهان العقلي على أن الحق ليس إلا ما دل عليه هذا الظاهر، فكيف يصار إليه؟
ثم نقول: هذا الدليل باطل من وجوه: الأول: أن هذا الكلام لابد فيه من إضمار، فنحن نقول: التقدير: لو شاء الهداية لهداكم، وأنتم تقولون التقدير: لو شاء الهداية على سبيل الإلجاء لهداكم، فإضماركم أكثر فكان قولكم مرجوحاً.
الثاني: أنه تعالى يريد من الكافر الإيمان الاختياري، والإيمان الحاصل بالإلجاء غير الإيمان الحاصل بالاختيار، وعلى هذا التقدير يلزم كونه تعالى عاجزاً عن تحصيل مراده، لأن مراده هو الإيمان الاختياري، وأنه لا يقدر البتة على تحصيله، فكان القول بالعجز لازماً.
الثالث: أن هذا الكلام موقوف على الفرق بين الإيمان الحاصل بالاختيار، وبين الإيمان الحاصل بالإلجاء.
أما الإيمان الحاصل بالاختيار.
فإنه يمتنع حصوله إلا عند حصول داعية جازمة، وإرادة لازمة فإن الداعية التي يترتب عليها حصول الفعل، إما أن تكون بحيث يجب ترتب الفعل عليها أو لا يجب.
فإن وجب فهي الداعية الضرورية، وحينئذ لا يبقى بينها وبين الداعية الحاصلة بالإلجاء فرق وإن لم تجب ترتب الفعل عليها، فحينئذ يمكن تخلف الفعل عنها، فلنفرض تارة ذلك الفعل متخلفاً عنها، وتارة غير متخلف، فامتياز أحد الوقتين عن الآخر لابد وأن يكون لمرجح زائد فالحاصل قبل ذلك ما كان تمام الداعية، وقد فرضناه كذلك، وهذا خلف، ثم عند انضمام هذا القيد الزائد إن وجب الفعل لم يبق بينه وبين الضرورية فرق، وإن لم يجب افتقر إلى قيد زائد ولزم التسلسل، وهو محال فثبت أن الفرق الذي ذكروه بين الداعية الاختيارية وبين الداعية الضرورية وإن كان في الظاهر معتبراً، إلا أنه عند التحقيق والبحث لا يبقى له محصول.
<div class="verse-tafsir"
﴿ سَيَقُولُ الذين أَشْرَكُواْ ﴾ إخبار بما سوف يقولونه ولما قالوه قال: ﴿ وَقَالَ الذين أَشْرَكُواْ لَوْ شَآء الله مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْء ﴾ [النحل: 35] يعنون بكفرهم وتمردهم أن شركهم وشرك آبائهم، وتحريمهم ما أحلّ الله، بمشيئة الله وإرادته.
ولولا مشيئته لم يكن شيء من ذلك، كمذهب المجبرة بعينه ﴿ كذلك كَذَّبَ الذين مِن قَبْلِهِمْ ﴾ أي جاءوا بالتكذيب المطلق؛ لأن الله عزّ وجلّ ركب في العقول وأنزل في الكتب ما دلّ على غناه وبراءته من مشيئة القبائح وإرادتها، والرسل أخبروا بذلك.
فمن علق وجود القبائح من الكفر والمعاصي بمشيئة الله وإرادته فقد كذب التكذيب كله، وهو تكذيب الله وكتبه ورسله، ونبذ أدلة العقل والسمع وراء ظهره ﴿ حتى ذَاقُواْ بَأْسَنَا ﴾ حتى أنزلنا عليهم العذاب بتكذيبهم ﴿ قُلْ هَلْ عِندَكُم مّنْ عِلْمٍ ﴾ من أمر معلوم يصحّ الاحتجاج به فيما قلتم ﴿ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا ﴾ وهذا من التهكم، والشهادة بأن مثل قولهم محال أن يكون له حجة ﴿ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظن ﴾ في قولكم هذا ﴿ وَإِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُونَ ﴾ تقدّرون أن الأمر كما تزعمون أو تكذبون.
وقرئ: ﴿ كذلك كذب الذين من قبلهم ﴾ بالتخفيف ﴿ قُلْ فَلِلَّهِ الحجة البالغة ﴾ يعني فإن كان الأمر كما زعمتم أن ما أنتم عليه بمشيئة الله فللَّهِ الحجة البالغة عليكم على قود مذهبكم ﴿ فَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ منكم ومن مخالفيكم في الدين، فإن تعليقكم دينكم بمشيئة الله يقتضي أن تعلقوا دين من يخالفكم أيضاً بمشيئته، فتوالوهم ولا تعادوهم، وتوافقوهم ولا تخالفوهم، لأنّ المشيئة تجمع بين ما أنتم عليه وبين ما هم عليه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أشْرَكُوا ﴾ إخْبارٌ عَنْ مُسْتَقْبَلٍ ووُقُوعُ مُخْبِرِهِ يَدُلُّ عَلى إعْجازِهِ.
﴿ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا ولا حَرَّمْنا مِن شَيْءٍ ﴾ أيْ لَوْ شاءَ خِلافَ ذَلِكَ مَشِيئَةً ارْتَضاهُ كَقَوْلِهِ: فَلَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ لِما فَعَلْنا نَحْنُ ولا آباؤُنا، أرادُوا بِذَلِكَ أنَّهم عَلى الحَقِّ المَشْرُوعِ المَرْضِيِّ عِنْدَ اللَّهِ لا الِاعْتِذارُ عَنِ ارْتِكابِ هَذِهِ القَبائِحِ بِإرادَةِ اللَّهِ إيّاها مِنهم حَتّى يَنْهَضَ ذَمُّهم بِهِ دَلِيلًا لِلْمُعْتَزِلَةِ ويُؤَيِّدُهُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ أيْ مِثْلُ هَذا التَّكْذِيبِ لَكَ في أنَّ اللَّهَ تَعالى مَنَعَ مِنَ الشِّرْكِ ولَمْ يُحَرِّمْ ما حَرَّمُوهُ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمُ الرُّسُلَ، وعَطَفَ آباؤُنا عَلى الضَّمِيرِ في أشْرَكْنا مِن غَيْرِ تَأْكِيدٍ لِلْفَصْلِ بِلا.
﴿ حَتّى ذاقُوا بَأْسَنا ﴾ الَّذِي أنْزَلْنا عَلَيْهِمْ بِتَكْذِيبِهِمْ.
﴿ قُلْ هَلْ عِنْدَكم مِن عِلْمٍ ﴾ مِن أمْرٍ مَعْلُومٍ يَصِحُّ الِاحْتِجاجُ بِهِ.
عَلى ما زَعَمْتُمْ.
﴿ فَتُخْرِجُوهُ لَنا ﴾ فَتُظْهِرُوهُ لَنا.
﴿ إنْ تَتَّبِعُونَ إلا الظَّنَّ ﴾ ما تَتَّبِعُونَ في ذَلِكَ إلّا الظَّنَّ.
﴿ وَإنْ أنْتُمْ إلا تَخْرُصُونَ ﴾ تَكْذِبُونَ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى المَنعِ مِنِ اتِّباعِ الظَّنِّ سِيَّما في الأُصُولِ، ولَعَلَّ ذَلِكَ حَيْثُ يُعارِضُهُ قاطِعٌ إذِ الآيَةُ فِيهِ.
<div class="verse-tafsir"
{سَيَقُولُ الذين أَشْرَكُواْ} إخبار بما سوف يقولونه {لو شاء الله} لانشرك {ما أشركنا ولا آباؤنا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ} ولكن شاء فهذا عذرنا يعنون أن شركهم وشرك آبائهم وتحريمهم ما أحل الله لهم بمشيئته ولولا مشيئته لم يكن شيء من ذلك {كذلك كَذَّبَ الذين من قبلهم} أى كتكذبيهم إياك كان تكذيب المقدمين رسلهم وتشبثوا بمثل هذا فلم ينفعهم ذلك إذ لم يقولوه عن اعتقاد بل قالوا ذلك استهزاء ولانهم جعلوا مشيئته الشرك والشرك مراد لكنه غير مرضي ألا ترى أنه قال فلوا شاء لهداكم أجمعين اخبرانه لو شاء منهم الهدى لآمن كلهم ولكن لم يشأ من الكل الإيمان بل شاء من البعض الإيمان ومن البعض الكفر فيحب حمل المشيئة هنا على ما ذكرنا دفعا للتناقض {حتى ذاقوا بأسنا} حى أنزلنا عليهم العذاب {قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ} من أمر معلوم يصح الاحتجاج به فيما قلتم {فَتُخْرِجُوهُ لَنَا} فتظهروه {إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظن وَإِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُونَ} تكذبون
﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أشْرَكُوا ﴾ حِكايَةٌ لِفَنٍّ آخَرَ مِن أباطِيلِهِمْ والإخْبارُ قَبْلَ وُقُوعِهِ ثُمَّ وُقُوعُهُ حَسْبَما أُخْبِرُكُما يَحْكِيهِ قَوْلُهُ تَعالى عِنْدَ وُقُوعِهِ: ﴿ وقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ ﴾ صَرِيحٌ في أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى وقَدْ نَصَّ غَيْرُ واحِدٍ عَلى أنَّ وُقُوعَ ما أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ مِنَ المُغَيَّباتِ مِن وُجُوهِ الإعْجازِ لِكَلامِهِ وإنْ لَمْ يَكُنِ الإعْجازُ بِهِ فَقَطْ كَما في قَوْلٍ مُضَعَّفٍ لَوْ شاءَ اللَّهُ عَدَمَ إشْراكِنا وعَدَمَ تَحْرِيمِنا شَيْئًا ﴿ ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا ولا حَرَّمْنا مِن شَيْءٍ ﴾ لَمْ يُرِيدُوا بِهَذا الكَلامِ الِاعْتِذارَ عَنِ ارْتِكابِ القَبِيحِ إذْ لَمْ يَعْتَقِدُوا قُبْحَ أفْعالِهِمْ وهي أفْعى لَهم بَلْ هم كَما نَطَقَتْ بِهِ الآياتُ ﴿ يَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا ﴾ وأنَّهم إنَّما يَعْبُدُونَ الأصْنامَ لِيُقَرِّبُوهم إلى اللَّهِ زُلْفى وأنَّ التَّحْرِيمَ إنَّما كانَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَما مُرادُهم بِذَلِكَ إلّا الِاحْتِجاجُ عَلى أنَّ ما ارْتَكَبُوهُ حَقٌّ ومَشْرُوعٌ ومَرَضِيٌّ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى بِناءً عَلى أنَّ المَشِيئَةَ والإرادَةَ تُساوِقُ الأمْرَ وتَسْتَلْزِمُ الرِّضا كَما زَعَمَتِ المُعْتَزِلَةُ فَيَكُونُ حاصِلُ كَلامِهِمْ إنَّ ما نَرْتَكِبُهُ مِنَ الشِّرْكِ والتَّحْرِيمِ وغَيْرِهِما تَعَلَّقَتْ بِهِ مَشِيئَةُ اللَّهِ تَعالى وإرادَتُهُ وكُلُّ ما تَعَلَّقَ بِهِ مَشِيئَتُهُ سُبْحانَهُ وإرادَتُهُ فَهو مَشْرُوعٌ ومَرَضِيٌّ عِنْدَهُ عَزَّ وجَلَّ فَيَنْتِجُ أنَّ ما نَرْتَكِبُهُ مِنَ الشِّرْكِ والتَّحْرِيمِ مَشْرُوعٌ ومَرَضِيٌّ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى وبَعْدَ أنْ حَكى سُبْحانَهُ ذَلِكَ عَنْهم رَدَّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ عَزَّ مِن قائِلٍ ﴿ كَذَلِكَ ﴾ أيْ مِثْلُ ما كَذَبَ هَؤُلاءِ ﴿ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ وهم أسْلافُهُمُ المُشْرِكُونَ وحاصِلُهُ أنَّ كَلامَهم يَتَضَمَّنُ تَكْذِيبَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وقَدْ دَلَّتِ المُعْجِزَةُ عَلى صِدْقِهِمْ ولا يَخْفى أنَّ المُقَدِّمَةَ الأُولى لا تَكْذِيبَ فِيها نَفْسُها بَلْ هي مُتَضَمِّنَةٌ لِتَصْدِيقِ ما تَطابَقَ فِيهِ العَقْلُ والشَّرْعُ مِن كَوْنِ كُلِّ كائِنٍ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى وامْتِناعِ أنْ يَجْرِيَ في مُلْكِهِ خِلافُ ما يَشاءُ فَمَنشَأُ التَّكْذِيبِ هو المُقَدِّمَةُ الثّانِيَةُ لِأنَّ الرُّسُلَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ يَدْعُونَهم إلى التَّوْحِيدِ ويَقُولُونَ لَهم: إنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ دِينًا ولا يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ فَيَكُونُ قَوْلُهم: إنَّ ما نَرْتَكِبُهُ مَشْرُوعٌ ومَرَضِيٌّ عِنْدَهُ تَعالى تَكْذِيبٌ لِهَذا القَوْلِ وحَيْثُ كانَ فَسادُ هَذِهِ الحُجَّةِ بِاعْتِبارِ المُقَدِّمَةِ الثّانِيَةِ تَعَيَّنَ أنَّها لَيْسَتْ بِصادِقَةٍ وحِينَئِذٍ يَصْدُقُ نَقِيضُها وهي أنَّهُ لَيْسَ كُلُّ ما تَعَلَّقَتْ بِهِ المَشِيئَةُ والإرادَةُ بِمَشْرُوعِ ومَرَضِيٍّ عِنْدَهُ سُبْحانَهُ بِناءً عَلى أنَّ الإرادَةَ لا تُساوِقُ الأمْرَ والرِّضا عَلى ما هو مَذْهَبُ أهْلِ السُّنَّةِ إذِ المَشِيئَةُ تُرَجِّحُ بَعْضَ المُمَكِناتِ عَلى بَعْضٍ مَأْمُورًا كانَ أوْ مَنهِيًّا حَسَنًا كانَ أوْ قَبِيحًا وعَلى هَذا فَلا حُجَّةَ في الآيَةِ لِلْمُعْتَزِلَةِ بَلْ قَدِ انْقَلَبَ الأمْرُ فَصارَتِ الآيَةُ حُجَّةً لَنا عَلَيْهِمْ لِأنَّهم لَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ المَأْمُورِ والمُرادِ واعْتَقَدُوا كالمُشْرِكِينَ بِأنَّ كُلَّ مُرادٍ مَأْمُورٌ ومَرَضِيٌّ ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يُقالَ مَقْصُودُ المُشْرِكِينَ مِن قَوْلِهِمْ ذَلِكَ رَدُّ دَعْوَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ورَفْعُ البَعْثَةِ والتَّكْلِيفِ وهو المَذْكُورُ في كَثِيرٍ مِنَ الكُتُبِ الكَلامِيَّةِ وحاصِلُهُ حِينَئِذٍ أنَّ ما شاءَ اللَّهُ تَعالى يَجِبُ وما لَمْ يَشَأْ يَمْتَنِعُ وكُلُّ ما هَذا شَأْنُهُ فَلا يُكَلَّفُ بِهِ لِكَوْنِهِ مَشْرُوطًا بِالِاسْتِطاعَةِ فَيَنْتُجُ أنَّ ما نَرْتَكِبُهُ مِنَ الشِّرْكِ وغَيْرِهِ لَمْ نُكَلَّفْ بِتَرْكِهِ ولَمْ يُبْعَثْ لَهُ نَبِيٌّ فَرَدَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِأنَّ هَذِهِ كَلِمَةُ صِدْقٍ أُرِيدَ بِها باطِلٌ لِأنَّهم أرادُوا بِها أنَّ الرُّسُلَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ في دَعْواهُمُ البَعْثَةَ والتَّكْلِيفَ كاذِبُونَ وقَدْ ثَبَتَ صِدْقُهم بِالدَّلائِلِ القَطْعِيَّةِ ولِكَوْنِ ذَلِكَ صِدْقًا أُرِيدَ بِهِ باطِلٌ ذَمَّهُمُ اللَّهُ تَعالى بِالتَّكْذِيبِ ووُجُوبُ وُقُوعِ مُتَعَلِّقٍ بِالمَشِيئَةِ لا يُنافِي صِدْقَ دَعْوى البَعْثَةِ والتَّكْلِيفِ لِأنَّهُما لِإظْهارِ المَحَجَّةِ وإبْلاغِ الحُجَّةِ وسَيَأْتِي تَوْجِيهٌ آخَرُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى قَرِيبًا لِلْآيَةِ.
وعُطِفَ ﴿ آباؤُنا ﴾ عَلى الضَّمِيرِ المَرْفُوعِ في ﴿ أشْرَكْنا ﴾ وساغَ ذَلِكَ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ وإنْ لَمْ يُؤَكَّدِ الضَّمِيرُ لِأنَّهُ يَكْفِي عِنْدَهم أيُّ فاصِلٍ كانَ وقَدْ فُصِلَ بِلا ها هُنا والكُوفِيُّونَ لا يَشْتَرِطُونَ في ذَلِكَ شَيْئًا ويَسْتَدِلُّونَ بِما هُنا ولا يَعْتَبِرُونَ هَذا الفَصْلَ لِأنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يَتَقَدَّمَ حَرْفُ العَطْفِ لِيَدْفَعَ الهُجْنَةَ ولا يَكْفِيَ عِنْدَهُمُ الفَصْلُ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ وتَوَقَّفَ أبُو عَلِيٍّ في كِفايَةِ الفَصْلِ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ وإنْ لَمْ يَفْصِلْ حَرْفُ العَطْفِ وادَّعى الإمامُ أنَّ في الكَلامِ تَقْدِيرًا لِأنَّ النَّفْيَ لا يُصْرَفُ إلى ذَواتِ الآباءِ بَلْ يَجِبُ صَرْفُهُ إلى فِعْلٍ صَدَرَ مِنهم وذَلِكَ هو الإشْراكُ فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ ما أشْرَكْنا ولا أشْرَكَ آباؤُنا وحِينَئِذٍ فَلا إشْكالَ.
﴿ حَتّى ذاقُوا بَأْسَنا ﴾ أيْ نالُوا عَذابَنا الَّذِي أنْزَلْناهُ عَلَيْهِمْ بِتَكْذِيبِهِمْ وفِيهِ عَلى ما قِيلَ إيماءٌ إلى أنَّ لَهم عَذابًا مُدَّخَرًا عِنْدَ اللَّهِ تَعالى لِأنَّ الذَّوْقَ أوَّلُ إدْراكِ الشَّيْءِ.
﴿ قُلْ هَلْ عِنْدَكم مِن عِلْمٍ ﴾ أيْ مِن أمْرٍ مَعْلُومٍ يَصِحُّ الِاحْتِجاجُ بِهِ عَلى زَعْمِكم ﴿ فَتُخْرِجُوهُ ﴾ أيْ فَتُظْهِرُوهُ ﴿ لَنا ﴾ عَلى أتَمِّ وجْهٍ وأوْضَحِ بَيانٍ وقِيلَ: المُرادُ هَلْ لَكم مِنَ اعْتِقادٍ ثابِتٍ مُطابِقٍ فِيما ادَّعَيْتُمْ أنَّ الإشْراكَ وسائِرَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مَرْضِيٌّ لِلَّهِ تَعالى فَتُظْهِرُوهُ لَنا بِالبُرْهانِ وجَعَلَ إمامُ الحَرَمَيْنِ في الإرْشادِ هَذا وما بَعْدَهُ دَلِيلًا عَلى أنَّ المُشْرِكِينَ إنَّما اسْتَوْجَبُوا التَّوْبِيخَ عَلى قَوْلِهِمْ ذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا يَهْزَؤُنَ بِالدِّينِ ويَبْغُونَ رَدَّ دَعْوَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ حَيْثُ قَرَعَ مَسامِعَهم مِن شَرائِعِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ تَفْوِيضُ الأُمُورِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ فَحِينَ طالَبُوهم بِالإسْلامِ والتِزامِ الأحْكامِ احْتَجُّوا عَلَيْهِمْ بِما أخَذُوهُ مِن كَلامِهِمْ مُسْتَهْزِئِينَ بِهِمْ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولَمْ يَكُنْ غَرَضُهم ذِكْرَ ما يَنْطَوِي عَلَيْهِ عَقْدُهم كَيْفَ لا والإيمانُ بِصِفاتِ اللَّهِ تَعالى فَرْعُ الإيمانِ بِهِ عَزَّ شَأْنُهُ وهو عَنْهم مَناطُ العَيُّوقِ.
﴿ إنْ تَتَّبِعُونَ ﴾ أيْ ما تَتَّبِعُونَ في ذَلِكَ ﴿ إلا الظَّنَّ ﴾ الباطِلَ الَّذِي لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا أوِ المُرادُ إنَّ عادَتَكم وجُلَّ أمْرِكم أنَّكم لا تَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ ﴿ وإنْ أنْتُمْ إلا تَخْرُصُونَ ﴾ (148) تَكْذِبُونَ عَلى اللَّهِ تَعالى وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في حُكْمِ اتِّباعِ الظَّنِّ عَلى التَّفْصِيلِ فَتَذْكَّرْ <div class="verse-tafsir"
سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا مع الله لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا يعني: ولا أشرك آباؤنا، ولكن شاء لنا ذلك وأمرنا به وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ أي: من هذه الأشياء.
ويقال: مذهبهم مذهب الجبرية.
قال الله تعالى: كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ يعني: الأمم الخالية كذبوا رسلهم كما كذبك قومك.
وإنما كذبهم الله لأنهم قالوا ذلك على وجه السخرية لا على وجه التحقيق كما قال المنافقون: نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ الله فكذبهم الله في مقالتهم، لأنهم قالوا على وجه السخرية.
ثم قال: حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا يعني: الأمم الخالية أتاهم عذابنا فهذا تهديد لهم ليعتبروا.
ثم قال: قُلْ يا محمد لهم قل: هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ يعني: بيان من الله فَتُخْرِجُوهُ لَنا فبينوه لنا بتحريم هذه الأشياء التي كانوا يحرمونها، ثم بيّن الله أنهم قالوا ذلك بغير حجة وبيان فقال: إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ يعني: ما تقولون إلا بالظن من غير يقين وعلم وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ يعني: قل لهم ما أنتم إلا تكذبون على الله.
قوله تعالى: قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ يعني: الحجة الوثيقة وهو محمد والقرآن.
فبيّن لهم ما أحلّ لهم وما حرم عليهم فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ يعني: لو شاء لوفَّقكم لدينه، وأكرمكم بالهدى لو كنتم أهلاً للإسلام، ولكن لم يوفقهم لأنهم لم يجاهدوا فِى الله حَقَّ جهاده قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هذا عليكم فَإِنْ شَهِدُوا على تحريمه فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ فأخبر الله أنهم لو شهدوا، كانت شهادتهم باطلة، ولا يجوز قبول شهادتهم، لأنهم يقولون بأهوائهم.
ثم قال: وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يعني: بمحمد وبالقرآن وَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يعني: البعث وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ يعني يشركون بالله.
ثم قال تعالى: <div class="verse-tafsir"
لُحُومَ الحُمُرِ الأنْسِيَّةِ «١» ، فتأول بعض الصحابة الحاضِرِينَ ذلك لأنها لم تخمَّس، وتأوَّل بعضهم أن ذلك لئَلاَّ تفنى حمولةُ النَّاس، وتأول بعضهم التحريمَ المَحْضَ، وثبت في الأمة الاختلافُ في لَحْمها، فجائز لِمَنْ ينظر من العلماءِ أنْ يحمل لفظ التحريمِ بحسب اجتهاده وقياسه على كراهية أو نحوها، وباقي الآية بيّن.
وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إِلاَّ ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصادِقُونَ (١٤٦) فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١٤٧) سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُونَ (١٤٨) قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩) قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هذا فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١٥٠)
وقوله سبحانه: وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ...
الآية: هذا خبر مِنَ اللَّهِ سبحانه يتضمَّن تكذيبَ اليَهُودِ في قولهم: «إن اللَّه لم يحرِّم علينا شيئاً، وإنما حرمنا على أنفسنا ما حَرَّمه إسرائيل على نفسه» ، وكُلَّ ذِي ظُفُرٍ: يراد به الإبلُ، والنَّعَام، والإوَزُّ ونحوه من الحيوانِ الذي هو غير مُنْفَرِجِ الأصابع، وله ظُفُر، وأخبرنا سبحانه في هذه الآية بتحريمِ الشحومِ عليهم، وهي الثُّرُوب وشَحْمُ الكلى، ومَا كان شحماً خالصاً خارجاً عن الاستثناء الذي في الآية، واختلف في تحريم ذلك على المسلمين من ذبائحهم، فعن مالكٍ: كراهيةُ شحومهم من غير تحريمٍ.
وقوله تعالى: إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُما، يريد: ما اختلط باللحْمِ في الظَّهْرِ والأجنابِ ونحوه، قال السُّدِّيُّ وأبو صالح: الأَلْيَاتُ ممَّا حملَتْ ظهورهما «٢» ، والحَوَايَا: ما تحوى في البَطْن، واستدار، وهي المَصَارِينُ والحُشْوة ونحوها، وقال ابن عباس وغيره:
هي المَبَاعِر «٣» ، وقوله: أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ، يريد: في سائر الشخص.
وقوله سبحانه: ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ يقتضي أنَّ هذا التحريم إنما كان عقوبةً لهم على بغيهم، واستعصائهم على أنبيائهم.
وقوله سبحانه: وَإِنَّا لَصادِقُونَ: إخبار يتضمَّن التعريضَ بكَذِبهم في قولهم: ما حرَّم اللَّهُ علينا شيئاً.
وقوله سبحانه: فَإِنْ كَذَّبُوكَ: أي: فيما أخبرْتَ به أنَّ اللَّه حرَّمه عليهم، فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ أي في إمهاله إذ لم يعاجلْكم بالعقوبةِ، مع شدَّة جُرْمِكم، ولكنْ لا تغترُّوا بسعة رحمته فإن له بَأْساً لا يُرَدُّ عن القوم المجْرِمِين، إما في الدنيا وإما في الآخرة، وهذه الآية وما جانَسَها من آياتِ مكَّة مرتفعٌ حكْمُها بآية القتالِ، ثم أخبر سبحانه نبيَّه- عليه السلام- بأن المشركين سيحتجُّون لتصويبِ ما هُمْ عليه من شركهم وتديُّنهم:
بتحريمِ تلك الأشياءِ بإمهال اللَّه تعالى لهم، وتقريرِهِ حالهم، وأنه لو شاء غَيْرَ ذلك، لما تَرَكَهم على تلْك الحال، ولا حُجَّة لهم فيما ذكَروه لأنه سبحانه شاء إشراكهم وأقدرهم على الاكتساب، ويلزمهم على احتجاجهم أنْ تكون كلُّ طريقةٍ وكلُّ نحلةٍ صواباً، إذْ كلها لو شاء اللَّه لَمْ تكُنْ، وفي الكلامِ حذفٌ يدلُّ عليه تناسُقُ الكلامِ كأنه قال: سيقول المشركون كذا وكذا، وليس في ذلك حُجَّة لهم، ولا شَيْء يقتضي تكذيبَكَ، ولكن، كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ بنحو هذه الشبهة مِنْ ظَنِّهم أنَّ ترك اللَّه لهم دليلٌ على رضاه بحالهم، وفي قوله تعالى: حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا: وعيدٌ بيِّن.
وقوله سبحانه: قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ.
أي: مِنْ قِبَلِ اللَّه، قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ، يريد البالغةَ غاية المَقْصِدِ في الأمر الذي يحتجُّ له، ثم أعلم سبحانه أنَّه لو شاء، لهدى العالم بأسره، وهَلُمَّ: معناها: هَاتِ وهي حينئذ متعدِّية، وقد تكون بمعنى:
«أَقْبِلْ» فلا تتعدى، وبعضُ العرب يجعلها اسم فعْلٍ ك «رُوَيْدَكَ» ، وبعضهم يجعلها فِعْلاً، ومعنى الآية: قل هاتوا شهداءكم الذين يشهدون أن اللَّه حرَّم ما زعمتم تحريمَهُ، فَإِنْ شَهِدُوا، أي: فإن افترى لهم أحدٌ أو زَوَّرَ شهادةً أو خبراً عن نبوَّة ونَحوَ ذلك، فجَنِّبْ أنْتَ ذلك، ولا تَشْهد معهم، قلْتُ: وهذه الآية/ والتي بعدها مِنْ نوعَ ما تقدّم من أن الخطاب له صلّى الله عليه وسلّم، والمراد غيره ممَّن يمكن ذلك منه، وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ، أي: يجعلون لَهُ أنداداً يسوُّونهم به، تعالى الله عن قولهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أشْرَكُوا ﴾ أيْ: إذا لَزِمَتْهُمُ الحُجَّةُ، وتَيَقَّنُوا باطِلَ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ وتَحْرِيمِ ما لَمْ يُحَرِّمْهُ اللَّهُ ﴿ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا ﴾ فَجَعَلُوا هَذا حُجَّةً لَهم في إقامَتِهِمْ؛ عَلى الباطِلِ؛ فَكَأنَّهم قالُوا: لَوْ لَمْ يَرْضَ ما نَحْنُ عَلَيْهِ، لَحالَ بَيْنَنا وبَيْنَهُ؛ وإنَّما قالُوا ذَلِكَ مُسْتَهْزِئِينَ، ودافِعِينِ لَلِاحْتِجاجِ عَلَيْهِمْ، فَيُقالُ لَهُمْ: لِمَ تَقُولُونَ عَنْ مُخالِفِيكم إنَّهم ضالُّونَ، وإنَّما هم عَلى المَشِيئَةِ أيْضًا؟
فَلا حُجَّةَ لَهم، لِأنَّهم تَعَلَّقُوا بِالمَشِيئَةِ، وتَرَكُوا الأمْرَ؛ ومَشِيئَةُ اللَّهِ تَعُمُّ جَمِيعَ الكائِناتِ، وأمْرُهُ لا يَعُمُّ مُراداتِهِ، فَعَلى العَبْدِ اتِّباعُ الأمْرِ، ولَيْسَ لَهُ أنْ يَتَعَلَّلَ بِالمَشِيئَةِ بَعْدَ وُرُودِ الأمْرِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ.
أيْ: قالُوا لَرُسُلِهِمْ مِثْلَما قالَ هَؤُلاءِ لَكَ، ﴿ حَتّى ذاقُوا بَأْسَنا ﴾ أيْ: عَذابَنا.
﴿ قُلْ هَلْ عِنْدَكم مِن عِلْمٍ ﴾ أيْ: كِتابٌ نَزَلَ مِن عِنْدِ اللَّهِ في تَحْرِيمِ ما حَرَّمْتُمْ ﴿ إنْ تَتَّبِعُونَ إلا الظَّنَّ ﴾ لا اليَقِينُ؛ و"إنَّ" بِمَعْنى "ما" و"تَخْرُصُونَ": تُكَذِّبُونَ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ فَإنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكم ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ ولا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ ﴾ ﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللهُ ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا ولا حَرَّمْنا مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ حَتّى ذاقُوا بَأْسَنا قُلْ هَلْ عِنْدَكم مِن عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إنْ تَتَّبِعُونَ إلا الظَنَّ وإنْ أنْتُمْ إلا تَخْرُصُونَ ﴾ يُرِيدُ: "فَإنْ كَذَّبُوكَ فِيما أخْبَرَتْ بِهِ أنَّ اللهَ تَعالى حَرَّمَهُ عَلَيْهِمْ؛ وقالُوا: لَمْ يُحَرِّمِ اللهُ تَعالى عَلَيْنا شَيْئًا؛ وإنَّما حَرَّمْنا ما حَرَّمَ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ - قالَ السُدِّيُّ: وهَذِهِ كانَتْ مَقالَتَهم - فَقُلْ يا مُحَمَّدُ - عَلى جِهَةِ التَعَجُّبِ مِن حالِهِمْ؛ والتَعْظِيمِ لِفِرْيَتِهِمْ في تَكْذِيبِهِمْ لَكَ؛ مَعَ عِلْمِهِمْ بِحَقِيقَةِ ما قُلْتَ -: رَبُّكم ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ؛ إذْ لا يُعاجِلُكم بِالعُقُوبَةِ؛ مَعَ شِدَّةِ جُرْمِكُمْ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا كَما تَقُولُ - عِنْدَ رُؤْيَةِ مَعْصِيَةٍ؛ أو أمْرٍ مَبْغِيٍّ -: "ما أحْلَمَ اللهَ تَعالى !"؛ وأنْتَ تُرِيدُ: "لِإمْهالِهِ عَلى مِثْلِ ذَلِكَ"؛ فَفي قَوْلِهِ تَعالى ﴿ رَبُّكم ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ ﴾ ؛ قُوَّةُ وصْفِهِمْ بِغايَةِ الِاجْتِرامِ؛ وشِدَّةِ الطُغْيانِ.
ثُمَّ أعْقَبَ هَذِهِ المَقالَةَ بِوَعِيدٍ؛ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ ﴾ ؛ فَكَأنَّهُ قالَ: "وَلا تَغْتَرُّوا أيْضًا بِسَعَةِ رَحْمَتِهِ تَعالى ؛ فَإنَّ لَهُ بَأْسًا لا يُرَدُّ عَنِ المُجْرِمِينَ؛ إمّا في الدُنْيا؛ وإمّا في الآخِرَةِ"؛ وهَذِهِ الآيَةُ؛ وما جانَسَها مِن آياتِ مَكَّةَ مُرْتَفِعٌ حُكْمُهُ بِالقِتالِ؛ وأخْبَرَ اللهُ - عَزَّ وجَلَّ - نَبِيَّهُ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - أنَّ المُشْرِكِينَ سَيَحْتَجُّونَ لِصَوابِ ما هم عَلَيْهِ؛ مِن شِرْكِهِمْ؛ وتَدَيُّنِهِمْ بِتَحْرِيمِ تِلْكَ الأشْياءِ؛ بِإمْهالِ اللهِ تَعالى ؛ وتَقْرِيرِهِ حالَهُمْ؛ وأنَّهُ لَوْ شاءَ غَيْرَ ذَلِكَ لَما تَرَكَهم عَلى تِلْكَ الحالِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وبَيِّنٌ أنَّ المُشْرِكِينَ لا حُجَّةَ لَهم فِيما ذَكَرُوهُ؛ لِأنّا نَحْنُ نَقُولُ: "إنَّ اللهَ - عَزَّ وجَلَّ - لَوْ شاءَ ما أشْرَكُوا"؛ ولَكِنَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - شاءَ إشْراكَهُمْ؛ وأقْدَرَهم عَلى اكْتِسابِ الإشْراكِ؛ والمَعاصِي؛ ومَحَبَّتِهِ؛ والِاشْتِغالِ بِهِ؛ ثُمَّ عَلَّقَ العِقابَ؛ والثَوابَ عَلى تِلْكَ الأشْياءِ؛ والِاكْتِساباتِ؛ وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ ظَواهِرُ القُرْآنِ؛ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ ؛ ونَحْوِ ذَلِكَ؛ ويَلْزَمُهم عَلى احْتِجاجِهِمْ أنْ تَكُونَ كُلُّ طَرِيقَةٍ؛ وكُلُّ نِحْلَةٍ؛ صَوابًا؛ إذْ كُلُّها - لَوْ شاءَ اللهُ تَعالى - لَمْ تَكُنْ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: إنَّما هَذِهِ المَقالَةُ مِنَ المُشْرِكِينَ عَلى جِهَةِ الِاسْتِهْزاءِ؛ وهَذا ضَعِيفٌ.
وَتَعَلَّقَتِ المُعْتَزِلَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ؛ فَقالَتْ: إنَّ اللهَ تَعالى قَدْ ذَمَّ لَهم هَذِهِ المَقالَةَ؛ وإنَّما ذَمَّها تَعالى لِأنَّ كُفْرَهم لَيْسَ بِمَشِيئَةِ اللهِ تَعالى ؛ بَلْ هو خَلْقٌ لَهم.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ولَيْسَ الأمْرُ عَلى ما قالُوا؛ وإنَّما ذَمَّ اللهُ تَعالى ظَنَّ المُشْرِكِينَ أنَّ ما شاءَ اللهُ تَعالى لا يَقَعُ عَلَيْهِ عِقابٌ؛ وأمّا أنَّهُ ذَمَّ قَوْلَهُمْ: "لَوْلا المَشِيئَةُ لَمْ نَكْفُرْ"؛ فَلا.
ثُمَّ قالَ تَعالى ﴿ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ ؛ وفي الكَلامِ حَذْفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ تَناسُقُ الكَلامِ؛ كَأنَّهُ قالَ تَعالى "سَيَقُولُ المُشْرِكُونَ كَذا؛ وكَذا؛ ولَيْسَ في ذَلِكَ حُجَّةٌ لَهُمْ؛ ولا شَيْءٌ يَقْتَضِي تَكْذِيبَهُمْ؛ ولَكِنْ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ بِنَحْوِ هَذِهِ الشُبْهَةِ؛ مِن ظَنِّهِمْ أنَّ تَرْكَ اللهِ تَعالى لَهم دَلِيلٌ عَلى رِضاهُ تَعالى بِحالِهِمْ.
وفِي قَوْلِهِ تَعالى ﴿ حَتّى ذاقُوا بَأْسَنا ﴾ وعِيدٌ بَيِّنٌ؛ ولَيْسَ في الآيَةِ رَدٌّ مَنصُوصٌ عَلى قَوْلِهِمْ: ﴿ لَوْ شاءَ اللهُ ما أشْرَكْنا ﴾ ؛ وإنَّما تَرَكَ الرَدَّ عَلَيْهِمْ مُقَدَّرًا في الكَلامِ؛ لِوُضُوحِهِ؛ وبَيانِهِ؛ وقَوْلُهُ تَعالى "وَلا آباؤُنا"؛ مَعْطُوفٌ عَلى الضَمِيرِ المَرْفُوعِ في "أشْرَكْنا"؛ والعَطْفُ عَلى الضَمِيرِ المَرْفُوعِ لا يَرُدُّهُ قِياسٌ؛ بِخِلافِ المَنصُوبِ؛ لَكِنَّ سِيبَوَيْهِ قَدْ قَبَّحَ العَطْفَ عَلى الضَمِيرِ المَرْفُوعِ؛ ووَجْهُ قُبْحِهِ أنَّهُ لَمّا بُنِيَ الفِعْلُ صارَ كَحَرْفٍ مِنَ الفِعْلِ؛ فَقَبُحَ العَطْفُ عَلَيْهِ؛ لِشِبْهِهِ بِالحَرْفِ؛ وذَلِكَ كَقَوْلِكَ: "قُمْتُ وزَيْدٌ"؛ لِأنَّ تَأْكِيدَهُ فِيهِ يُبَيِّنُ مَعْنى الِاسْمِيَّةِ؛ ويُذْهِبُ عنهُ شَبَهَ الحَرْفِ؛ وحَسُنَ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ العَطْفُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا ﴾ ؛ لَمّا طالَ الكَلامُ؛ بِـ "لا"؛ فَكَأنَّ مَعْنى الِاسْمِيَّةِ اتَّضَحَ واقْتَضَتْ "وَلا"؛ ما يُعْطَفُ بَعْدَها.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ قُلْ هَلْ عِنْدَكم مِن عِلْمٍ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ المَعْنى: "قُلْ يا مُحَمَّدُ لِلْكَفَرَةِ: هَلْ عِنْدَكم مِن عِلْمٍ مِن قِبَلِ اللهِ تَعالى ؛ فَتُبَيِّنُوهُ؛ حَتّى تَقُومَ بِهِ الحُجَّةُ؟"؛ و"مِن"؛ في قَوْلِهِ تَعالى "مِن عِلْمٍ"؛ زائِدَةٌ مُؤَكِّدَةٌ؛ وجاءَتْ زِيادَتُها لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ داخِلٌ في غَيْرِ الواجِبِ.
﴿ إنْ تَتَّبِعُونَ إلا الظَنَّ ﴾ ؛ أيْ: لا شَيْءَ عِنْدَكم إلّا الظَنُّ؛ وهو أكْذَبُ الحَدِيثِ.
وَقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "تَتَّبِعُونَ"؛ عَلى المُخاطَبَةِ؛ وقَرَأ إبْراهِيمُ النَخَعِيُّ ؛ وابْنُ وثّابٍ: "إنْ يَتَّبِعُونَ"؛ بِالياءِ؛ حِكايَةً عنهم.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذِهِ قِراءَةٌ شاذَّةٌ؛ يُضْعِفُها قَوْلُهُ تَعالى ﴿ "وَإنْ أنْتُمْ"؛ ﴾ و ﴿ "تَخْرُصُونَ"؛ ﴾ مَعْناهُ: تُقَدِّرُونَ؛ وتَظُنُّونَ؛ وتَرْجُمُونَ.
<div class="verse-tafsir"
استئناف رجع به الكلام إلى مجادلة المشركين بعد أن اعترض بينها بقوله: ﴿ قل لا أجد في مآ أوحي إليّ محرماً على طاعم يطعمه إلى قوله فإنّ ربّك غفور رحيم ﴾ [الأنعام: 145]، فلمّا قطع الله حجّتهم في شأن تحريم ما حرّموه، وقسمة ما قسموه، استقصى ما بقي لهم من حجّة وهي حجّة المحجوج المغلوب الذي أعيته المجادلة ولم تبق له حجّة، إذ يتشبّث بالمعاذير الواهية لترويج ضلاله، بأن يقول: هذا أمر قضي وقدّر.
فإن كان ضمير الرّفع في قوله: ﴿ فإن كذبوك ﴾ [الأنعام: 147] عائداً إلى المشركين كان قوله تعالى هنا: ﴿ سيقول الذين أشركوا ﴾ إظهاراً في مقام الإضمار لزيادة تفظيع أقوالهم، فإخبار الله عنهم بأنَّهم سيقولون ذلك إن كان نزول هذه الآية قبلَ نزول آية سورة النّحل (35): ﴿ وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء ﴾ وهو الأرجح، فإنّ سورة النَّحل معدودة في النّزول بعد سورة الأنعام، كان الإخبار بأنَّهم سيقولونه اطلاعاً على ما تُكنّه نفوسهم من تزوير هذه الحجّة، فهو معجزة من معجزات القرآن من نوع الإخبار بالغيب كقوله تعالى: ﴿ فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا ﴾ [البقرة: 24].
وإن كان نزول هذه الآية بعد نزول آية سورة النّحل فالإخبار بأنَّهم سيقولونه معناه أنَّهم سيعيدون معذرتهم المألوفة.
وحاصل هذه الحجّة: أنَّهم يحتجّون على النّبيء صلى الله عليه وسلم بأنّ ما هم عليه لو لم يكن برضى الله تعالى لصَرَفَهم عنه ولَمَا يسَّره لهم، يقولون ذلك في معرض إفحام الرّسول عليه الصّلاة والسّلام وإبطال حُكمه عليهم بالضّلالة، وهذه شبهة أهل العقول الأفِنة الذين لا يُفرّقون بين تصرّف الله تعالى بالخَلْق والتّقدير وحفظِ قوانين الوجود، وهو التصرّف الذي نسمّيه نحن بالمشيئة وبالإرادة، وبين تصرّفه بالأمر والنّهي، وهو الذي نسمّيه بالرّضى وبالمحبّة، فالأوّل تصرّف التّكوين والثّاني تصرف التّكليف، فهم يحسبون أنّ تمكّنهم من وضع قواعد الشّرك ومن التّحريم والتّحليل ما هو إلاَّ بأن خلق الله فيهم التمكّن من ذلك، فيحسبون أنَّه حين لم يمسك عِنان أفعالهم كان قد رضي بما فعلوه، وأنَّه لو كان لا يرضى به لما عجز عن سلب تمكّنهم، يحسبون أنّ الله يُهمّه سوءُ تصرّفهم فيما فطرهم عليه، ولو كان كما يتوهَّمون لكان الباطل والحقّ شيئاً واحداً، وهذا ما لا يفهمه عقل حَصيف، فإنّ أهل العقول السّخيفة حين يتوهَّمون ذلك كانوا غير ملتفتين إلاّ إلى جانب نحلتهم ومعرضين عن جانب مخالفهم، فإنَّهم حين يقولون: ﴿ لو شاء الله ما أشركنا ﴾ غافلون عن أن يقال لهم.
من جانب الرّسول: لو شاء الله ما قلتُ لكم أنّ فعلكم ضلال، فيكون الله على حسب شبهتهم قد شاء الّشيء ونقيضه إذ شاء أنَّهم يشركون وشاء أن يقول لهم الرّسول لا تشركوا.
وسبب هذه الضّلالة العارضة لأهل الضّلال من الأمم، التي تلوح في عقول بعض عوام المسلمين في معاذيرهم للمعاصي والجرائم أن يقولوا: أمْرُ الله أو مَكْتُوبُ عند الله أو نحو ذلك، هو الجهل بأنّ حكمة الله تعالى في وضع نظام هذا العالم اقتضت أن يجعل حجاباً بين تصرّفه تعالى في أحوال المخلوقات، وبين تصرّفهم في أحوالهم بمقتضى إرادتهم، وذلك الحجاب هو ناموس ارتباط المسبّبات بأسبابها، وارتباطِ أحوال الموجودات في هذا العالم بعضِها ببعض، ومنه ما يسمّى بالكَسب والاستطاعة عند جمهور الأشاعرة، ويسمّى بالقدرة عند المعتزلة وبعضضِ الأشاعرة، وذلك هو مورد التّكليف الدالّ على ما يرضاه الله وما لا يرضى به، وأنّ الله وضع نظام هذا العالم بحكمة فجعل قِوامه هو تدبير الأشياء أمورَها من ذواتها بحسب قوى أودعها في الموجودات لتسعى لما خُلقت لأجله، وزاد الإنسانَ مزيَّةً بأن وضع له عقلاً يمكّنه من تغيير أحواله على حسب احتياجه، ووضّع له في عقله وسائل الاهتداء إلى الخير والشرّ، كما قيّض له دعاة إلى الخير تنبّهه إليه إن عرته غفلة، أو حجبته شهوة، فإن هو لم يرعوِ غيِّهْ، فقد خَانَ بساطَ عقله بطَيِّهْ.
وبهذا ظهر تخليط أهل الضّلالة بين مشيئة العباد ومشيئة الله، فلذلك ردّ الله عليهم هنا قولهم: ﴿ لو شاء الله مآ أشركنا ولا أباؤنا ﴾ لأنَّهم جعلوا ما هو مشيئة لهم مشيئة لله تعالى، ومع ذلك فهو قد أثبت مشيئته في قوله: ﴿ ولو شاء الله ما أشركوا ﴾ [الأنعام: 107] فهي مشيئة تكوين العقول وتكوين نظام الجماعة.
فهذه المشيئة التي اعتلّوا بها مشيئة خفيّة لا تتوصّل إلى الاطّلاع على كنهها عقول البشر، فلذلك نعى الله عليهم استنادهم إليها على جهلهم بكنهها، فقال: كذلك كذب الذين من قبلهم فَشَبَّه بتكذيبِهم تكذيبَ المكذّبين الذين من قبلهم، فكنّى بذلك عن كون مقصد المشركين من هذه الحجّة تكذيب النّبيء صلى الله عليه وسلم وقد سبق لنا بيان في هذا المعنى في هذه السّورة (107) عند قوله تعالى: ﴿ ولو شاء الله ما أشركوا.
﴾ وليس في هذه الآية ما ينهض حجّة لنا على المعتزلة، ولا للمعتزلة علينا، وإن حاول كلا الفريقين ذلك لأنّ الفريقين متّفقان على بطلان حجّة المشركين.
وفي الآية حجّة على الجبرية.
وقوله تعالى: ﴿ كذلك كذب الذين من قبلهم ﴾ أي كذّب الذين من قبلهم أنبياءهم مثل ما كذّبك هؤلاء.
وهذا يدلّ على أنّ الذين أشركوا قصدوا بقولهم: ﴿ لو شاء الله ما أشركنا ﴾ تكذيب النّبيء صلى الله عليه وسلم إذ دعاهم إلى الإقلاع عمّا يعتقدون بحجّة أنّ الله رضيه لهم وشاءه منهم مشيئة رضى، فكذلك الأمم قبلهم كذّبوا رسلهم مستندين إلى هذه الشبهة فسمّى الله استدلالهم هذا تكذيباً، لأنَّهم ساقوه مساق التّكذيب والإفحام، لا لأنّ مقتضاه لا يقول به الرّسول صلى الله عليه وسلم والمسلمون، فإنَّا نقول ذلك كما قال تعالى: ﴿ ولو شاء الله ما أشركوا ﴾ [الأنعام: 107] نريد به معنى صحيحاً فكلامهم من باب كلام الحقّ الذي أريد به باطل، ووقع في «الكشاف» أنّه قرئ: ﴿ كذلك كذب الذين من قبلهم ﴾ بتخفيف ذال كذب وقال الطيّبي: هي قراءة موضوعة أو شاذّة يعني شاذّة شذوذاً شديداً ولم يروها أحد عن أحد من أهل القراءات الشاذّة، ولعلّها من وضع بعض المعتزلة في المناظرة كما يؤخذ من كلام الفخر.
وقوله: ﴿ حتى ذاقوا بأسنا ﴾ غاية للتكذيب مقصود منها دوامهم عليه إلى آخر أوقات وجودهم.
فلمّا ذاقوا بأس الله هلكوا واضمحلّوا، وليست الغاية هنا للتّنهية: والرّجوع عن الفعل لظهور أنَّه لا يتصوّر الرّجوع بعد استئصالهم.
والذّوق مجاز في الإحساس والشّعور، فهو من استعمال المقيّد في المطلق، وقد تقدّم الكلام عليه عند قوله تعالى: {ليذوقَ وبال أمره في سورة العقود (95).
والبأس تقدّم الكلام عليه في سورة البقرة وإضافته إلى ضمير الله تعالى لتعظيمه وتهويله.
وأمَرَ الله رسولَه بالجواب عن مقالهم الواقع أو المتوقّع بقوله: قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا } ، ففصل جملة: ﴿ قل ﴾ لأنَّها جارية مجرى المقاولة والمجاوبة كما تقرّر غير مرّة، وجاء بالاستفهام المقصود منه الإفحَام والتهكّم بما عُرف من تشبّثُهم بمثل هذا الاستدلال.
وجُعل الاستفهام ب ﴿ هَلْ ﴾ لأنَّها تدلّ على طلب تحقيق الإسناد المسؤول عنه، لأنّ أصل ﴿ هل ﴾ أنَّها حرف بمعنى «قد» لاختصاصها بالأفعال، وكثرَ وقوعها بعد همزة الاستفهام، فغلب عليها معنى الاستفهام، فكثر حذف الهمزة معها حتّى تنوسيت الهمزة في مشهور الكلام ولم تظهر معها إلا في النّادر، وقد تقدّم شيء من هذا عند قوله تعالى: ﴿ فهل أنتم منتهون في سورة العقود (91).
فدلّ هل ﴾ على أنَّه سائل عن أمر يريد أن يكون محقّقا كأنَّه يرغب في حصوله فيغريهم بإظهاره حتّى إذا عجزوا كان قطعاً لدعواهم.
والمقصود من هذا الاستفهام التهكّم بهم في قولهم: ﴿ لو شاء الله ما أشركنا ألى ولا حرمنا ﴾ ، فأظهر لهم من القول من يظهره المعجَب بكلامهم.
وقرينة التّهكّم بادية لأنَّه لا يظنّ بالرّسول عليه الصلاة والسلام والمؤمنين أن يطلبوا العلم من المشركين، كيف وهو يصارحهم بالتّجهيل والتّضليل صباحَ مساءَ.
والعِلم: ما قابل الجهل، وإخراجه الإعلام به، شبهت إفادة المعلوم لمن يجهله بإخراج الشّيء المخبوء، وذلك مثل التّشبيه في قول النّبي صلى الله عليه وسلم «وعلم بثّه في صدور الرّجال» ولذلك كان للإتيان: ب ﴿ عندكم ﴾ موقع حسن، لأنّ (عند) في الأصل تدلّ على المكان المختصّ بالذي أضيف إليه لفظُها، فهي ممّا يناسب الخفاء، ولولا شيوع استعمالها في المعنى المجازي حتّى صارت كالحقيقة لقلْتُ: إنّ ذكر (عند) هنا ترشيح لاستعارة الإخراج للإعلام.
وجعل إخراج العلم مرتَّباً بفاء السَّببيّة على العندية للدّلالة على أنّ السّؤال مقصود به ما يتسبّب عليه.
واللاّم في: ﴿ فتخرجوه لنا ﴾ للأجْل والاختصاص، فتؤذن بحاجة مجرورها لمتعلّقها، أي فتخرجوه لأجلنا: أي لنفعنا، والمعنى: لقد أبدعتم في هذا العلم الذي أبديتموه في استفادتكم أنّ الله أمركم بالشّرك وتحريم ما حرّمتموه بدلالة مشيئة على ذلك إذ لو شاء لما فعلتم ذلك فزيدونا من هذا العلم.
وهذا الجواب يشبه المنع في اصطلاح أهل الجدل، ولمّا كان هذا الاستفهام صورياً وكان المتكلّم جازماً بانتفاء ما استَفْهَم عنه أعقبه بالجواب بقوله: ﴿ إن تتبعون إلا الظن ﴾ .
وجملة: ﴿ إن تتبعون إلا الظن ﴾ مستأنفة لأنَّها ابتداء كلام بإضراب عن الكلام الذي قبله، فبعد أن تهكّم بهم جدّ في جوابهم، فقال: ﴿ إن تتبعون إلا الظن ﴾ أي: لا علم عندكم.
وقصارى ما عندكم هو الظنّ الباطل والخَرْص.
وهذا يشبه سند المنع في عرف أهل الجدل.
والمراد بالظنّ الظنّ الكاذب وهو إطلاق له شائع كما تقدّم عند قوله تعالى: ﴿ إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون ﴾ في هذه السّورة (116).
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكُمْ ﴾ وهَذا أمْرٌ مِنَ اللَّهِ لِنَبِيِّهِ ، أنْ يَدْعُوَ النّاسَ إلَيْهِ لِيَتْلُوَ عَلَيْهِمْ ما حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وما أحَلَّهُ لَهم لِيُقْلِعُوا عَمّا كانَتِ الجاهِلِيَّةُ عَلَيْهِ مِن تَحْرِيمِ المُباحِ وإباحَةِ الحَرامِ.
والتِّلاوَةُ: هي القِراءَةُ، والفَرْقُ بَيْنَ التِّلاوَةِ والمَتْلُوِّ، والقِراءَةِ والمَقْرُوءِ أنَّ التِّلاوَةَ والقِراءَةَ لِلْمَرَّةِ الأُولى، والمَتْلُوَّ والمَقْرُوءَ لِلثّانِيَةِ وما بَعْدَها، ذَكَرَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى، والَّذِي أراهُ مِنَ الفَرْقِ بَيْنَهُما أنَّ التِّلاوَةَ والقِراءَةَ يَتَناوَلُ اللَّفْظَ، والمَتْلُوَّ والمَقْرُوءَ يَتَناوَلُ المَلْفُوظَ.
ثُمَّ إنَّ اللَّهَ أخَذَ فَيِما حَرَّمَ فَقالَ: ﴿ ألا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ﴾ يَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: أحَدُها: ألّا تُشْرِكُوا بِعِبادَتِهِ عِبادَةَ غَيْرِهِ مِن شَيْطانٍ أوْ وثَنٍ.
والثّالِثُ: أنْ يَحْمِلَ الأمْرَيْنِ مَعًا.
ثُمَّ قالَ: ﴿ وَبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا ﴾ تَقْدِيرُهُ: وأُوصِيكم بِالوالِدَيْنِ إحْسانًا، والإحْسانُ تَأْدِيَةُ حُقُوقِهِما ومُجانَبَةُ عُقُوقِهِما والمُحافَظَةُ عَلى بَرِّهِما.
﴿ وَلا تَقْتُلُوا أوْلادَكم مِن إمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكم وإيّاهُمْ ﴾ وذَلِكَ أنَّهم كانُوا في الجاهِلِيَّةِ يَقْتُلُونَ أوْلادَهم خَشْيَةَ الإمْلاقِ.
وَفي الإمْلاقِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الإفْلاسُ، ومِنهُ المَلْقُ لِأنَّهُ اجْتِهادُ المُفْلِسِ في التَّقْرِيبِ إلى الغِنى طَمَعًا في تَأْجِيلِهِ.
والثّانِي: أنَّ الإمْلاقَ ومَعْناهُما قَرِيبٌ وإنْ كانَ بَيْنَهُما فَرْقٌ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، والسُّدِّيِّ، والضَّحّاكِ، وابْنِ جُرَيْجٍ.
ثُمَّ ذَكَرَ فَسادَ اعْتِقادِهِمْ في الإمْلاقِ بِأنْ قالَ: ﴿ نَحْنُ نَرْزُقُكم وإيّاهُمْ ﴾ لِأنَّ رِزْقَ العِبادِ كُلِّهِمْ، مِن كَفِيلٍ ومَكْفُولٍ، عَلى خالِقِهِمْ.
ثُمَّ قالَ: ﴿ وَلا تَقْرَبُوا الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ ﴾ وفِيها أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ ذَلِكَ عامٌّ في جَمِيعِ الفَواحِشِ سِرِّها وعَلانِيَتِها، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّانِي: أنَّهُ خاصٌّ في الزِّنى، ما ظَهَرَ مِنها: ذَواتُ الحَوانِيتِ، وما بَطَنَ: ذَواتُ الِاسْتِسْرارِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، والسُّدِّيُّ.
والثّالِثُ: ما ظَهَرَ مِنها: نِكاحُ المُحَرَّماتِ، وما بَطَنَ: الزِّنى، قالَهُ مُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ.
والرّابِعُ: أنَّ ما ظَهَرَ مِنها: الخَمْرُ، وما بَطَنَ مِنها: الزِّنى، قالَهُ الضَّحّاكُ.
وَقَدْ ذَكَرْنا فِيهِ احْتِمالَ تَأْوِيلٍ خامِسٍ: أنَّ ما ظَهَرَ مِنها أفْعالُ الجَوارِحِ، وما بَطَنَ مِنها اعْتِقادُ القُلُوبِ.
ثُمَّ قالَ: ﴿ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلا بِالحَقِّ ﴾ والنُّفُوسُ المُحَرَّمَةُ: نَفْسُ مُسْلِمٍ، أوْ مُعاهِدٍ، والحَقُّ الَّذِي تُقْتَلُ بِهِ النَّفْسُ ما بَيَّنَهُ النَّبِيُّ بِقَوْلِهِ: «لاَ يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلّا بِإحْدى ثَلاثٍ: كُفْرٌ بَعْدَ إيمانٍ، أوْ زِنًى بَعْدَ إحْصانٍ، أوْ قَتْلُ نَفْسٍ بِغَيْرِ نَفْسٍ» .
ثُمَّ قالَ: ﴿ ذَلِكم وصّاكم بِهِ ﴾ يَعْنِي أنَّ اللَّهَ وصّى عِبادَهُ بِذَلِكَ، ووَصِيَّةُ اللَّهِ واجِبَةٌ.
ثُمَّ قالَ: ﴿ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: تَعْقِلُونَ تَحْرِيمَ ذَلِكَ عَلَيْكم وتَعْلَمُونَهُ.
والثّانِي: تَعْمَلُونَ عَمَلَ مَن يَعْقِلُ وهو تَرْكُ ما أوْجَبَ العِقابَ مِن هَذِهِ المُحَرَّماتِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في الأسماء والصفات عن مجاهد في قوله: ﴿ سيقول الذين أشركوا لو شاء الله...
﴾ الآية.
قال: هذا قول قريش: إن الله حرم هذا يعنون البحيرة والسائبة والوصيلة والحام.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس.
أنه قيل له: إن ناساً يقولون: إن الشر ليس بقدر.
فقال ابن عباس: بيننا وبين أهل القدر هذه الآية ﴿ سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ﴾ إلى قوله: ﴿ قل فللّه الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين ﴾ قال ابن عباس: والعجز والكيس من القدر.
وأخرج أبو الشيخ عن علي بن زيد قال: انقطعت حجة القدرية عند هذه الآية ﴿ فللّه الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين ﴾ .
وأخرج أبو الشيخ عن عكرمة ﴿ قل فللّه الحجة البالغة ﴾ قال: السلطان.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ ﴾ الآية.
أخبر الله تعالى عنهم بما سيقولونه (١) وقوله تعالى: ﴿ وَلَا آبَاؤُنَا ﴾ عطف على المضمر المرفوع في ﴿ أَشْرَكْنَا ﴾ من غير توكيد للمضمر وهو قبيح لولا قوله: (ولا)، فإنه قام مقام تأكيد المضمر (٢) (٣) قال المفسرون (٤) ﴿ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا ﴾ حجة لهم على إقامتهم على الشرك، فقالوا: إن الله رضي منا ما نحن عليه، وأراده منا، وأمرنا به، ولو لم يرضه لحال بيننا وبينه، فقال الله تعالى: ﴿ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ﴾ قال ابن عباس: (يريد: الذين من قبل قومك كذبوا أنبيائهم، وقالوا مثل ما قال هؤلاء) (٥) فإن قيل: لم كذبوا في إضافة مشيئة شركهم إلى الله؟
قيل: إنهم لم يكذبوا في ذلك، ولو كذبوا في قولهم ﴿ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا ﴾ ، لقيل: ﴿ كَذَلِكَ كَذَّبَ ﴾ بالتخفيف (٦) (٧) ﴿ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا ﴾ ، ولكن قولهم: ﴿ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا ﴾ لا يكون حجة لهم على أن ما هم عليه من الدين حق؛ لأن الأشياء كلها تجري بمشيئة الله تعالى، فلو كانوا على صواب؛ لأن ذلك بمشيئة الله تعالى لكان من خالفهم أيضًا وجب أن يكون عندهم على صواب؛ لأنهم أيضًا على ما شاء الله، فينبغي أن لا يقولوا إنهم ضالون، فبان أنه لا حجة لهم في قولهم: ﴿ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا ﴾ وإن كان الأمر على ما قالوا؛ لأنهم تركوا أمر الله وتعلقوا بمشيئته، وأمر الله تعالى بمعزل عن إرادته؛ لأنه مريد لجميع الكائنات، غير آمر بجميع ما يريد، فعلى العبد أن يحفظ الأمر ويتبعه، وليس له أن يتعلق بالمشيئة بعد ورود الأمر [بما يجب عليه] (٨) (٩) (١٠) وقال أبو علي الجرجاني: (احتج (١١) (١٢) ﴿ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ ﴾ ، وهذا يدل على أنهم أضافوا ذلك التحريم إلى أن الله تعالى أمرهم به لا إلى مشيئته.
ولو أضافوا ذلك إلى المشيئة لقال عز وجل في الإنكار عليهم: قل أتحريم الذكرين شاء لكم أم تحريم الأنثيين، وكذلك قوله: ﴿ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا ﴾ ، وهل تكون التوصية إلا أمرًا ظاهرًا لا مشيئة باطنة، ولم يكن الله ليطالبهم بأن يكونوا شهداء بمشيئته، ثم قال: ﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا ﴾ يعني قولهم (١٣) ﴿ قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا ﴾ أي: أمر بتحريمه فلما دلت هذه الآيات على أنهم أضافوا ما كانوا عليه إلى أن الله تعالى أمرهم به كان.
قوله: ﴿ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا ﴾ أي: لو نهانا عن الشرك ولم يأمرنا به ﴿ مَا أَشْرَكْنَا ﴾ ، فأضافوا شركهم إلى أمره، كما أضافوا التحريم، وقد صرح الله تعالى بهذا الذي ذكرنا في الإخبار عنهم في قوله: ﴿ وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ ، فالمرجع على ما رتبنا وبيّنا في تأويل قوله: ﴿ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا ﴾ وجميع ما يتصل به إلى أنهم ادَّعوا على الله أنه أمرهم به، فكذّبهم الله في ادعائهم أمره بذلك، لا أنه كذبهم في إضافتهم مشيئة ما هم فيه إليه، ومما جاء في القرآن، من مثل هذا قوله تعالى: ﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى ﴾ إلى قوله: ﴿ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ ﴾ ، فهذا تبكيت لهم على قولهم (سَيُغْفَرُ لَنَا) (١٤) (١٥) ﴿ سَيُغْفَرُ لَنَا ﴾ أنهم ادّعوا أن الله وعدهم أن يغفر لهم، فكذّبهم الله تعالى في ادعائهم الوعد، ولا يحسن حمله إلا على هذا الوجه؛ لأنه لا يحسن أن ينكر عليهم حسن الظن بالله في الغفران وحسن الظن غير مذموم) (١٦) وقال أبو بكر بن الأنباري: (إنما عابهم الله تعالى بردّ المشيئة إليه حن استهزءوا واحتجوا على المؤمنين، وضَعّفوا أمر الرسل بردّ المشيئة إلى الله فقالوا للمؤمنين: ما نحتاج إلى اتباع الرسل؛ لأن الذي نحن عليه بمشيئة ربنا، وعلى أنه لو شاء نقلنا عنه، فلما لم يقولوه على جهة التعظيم لله [وقالوه] (١٧) (١٨) وهذا قول الحسين بن الفضل: (أنهم قالوا هذه المقالة تكذيبًا وتخرّصًا وجدلًا من غير معرفة بالله وبما يقولون، ولو قالوها تعظيمًا وإجلالًا لله ومعرفة منهم به لما عابهم الله بذلك؛ لأن الله تعالى قال: ﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا ﴾ ، والمؤمنون يقولونه، ونظير هذا قوله: ﴿ وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ ﴾ قال الله: ﴿ وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ ﴾ أي: قولهم هذا من غير علمٍ منهم بالله، والمؤمنون يقولونه بعلم بالله منهم) (١٩) وقوله تعالى: ﴿ قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا ﴾ ، قال ابن عباس: (أي: من كتاب نزل من عند الله في تحريم ما حرّمتم) (٢٠) ﴿ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ ﴾ ما تتبعون فيما أنتم عليه إلا الظن، لا العلم واليقين ﴿ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ ﴾ وما أنتم إلا خارصين، كاذبين، والمراد بلفظ الاستقبال: الاسم كما تقول: رأيته يصلي، أي: مصليًا، ويأكل أي: آكلاً، ونظير هذا قوله: ﴿ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ ﴾ ، وقد مضى في هذه السورة.
(١) في (أ): (بما سيقولو إذا لزمتهم).
(٢) انظر "معاني الزجاج" 2/ 302، و"إعراب النحاس" 1/ 590، وقد ذهب الكوفيون إلى أنه: يجوز العطف على الضمير المرفوع المتصل نحو (قمت وزيد).
وذهب البصريون إلى أنه لا يجوز إلا على قبح في ضرورة الشعر.
وأجمعوا على أنه إذا كان هناك توكيد أو فصل فإنه يجوز معه العطف من غير قبح.
انظر: الكتاب 2/ 277، و"الإنصاف" 380، و"الدر المصون" 5/ 210.
(٣) لم أقف عليه.
(٤) انظر "تفسير الطبري" 8/ 780، السمرقندي 1/ 522، البغوي 3/ 201.
(٥) "تنوير المقباس" 2/ 72، وذكره ابن الجوزي في "تفسيره" 3/ 145.
(٦) القراءة المشهورة ﴿ كَذَلِكَ كَذَّبَ ﴾ بتشديد الذال، قال الطبري في "تفسيره" 8/ 79: (ولو كان ذلك خبرًا من الله عن كذبهم في قيلهم: ﴿ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا ﴾ لقال: (كَذَلِكَ كَذَبَ الذين من قبلهم) بتخفيف الذال، وكان ينسبهم في قيلهم ذلك إلى الكذب على الله لا إلى التكذيب ..) ا.
هـ، وانظر: "تفسير البغوي" 3/ 201، وابن عطية 5/ 388، والرازي 13/ 325.
(٧) لفظ: (كذبك هؤلاء)، ساقط من (ش).
(٨) في (ش): (بعد ورود الأمر لما يجب الانتهاء إليه).
(٩) انظر: "معاني الزجاج" 2/ 302.
(١٠) ومنهم: الطبري في "تفسيره" 8/ 78، 79، والنحاس في "معانيه" 2/ 513 - 514، والثعلبي في "تفسيره" ص 185 ب، والبغوي 3/ 201.
(١١) في (أ): (حين احتج المشركون).
(١٢) في (ش): (يفعله).
(١٣) لفظ (قولهم)، ساقط من (أ).
(١٤) في (ش): (لهم بدلًا من (لنا).
(١٥) لفظ: (في) ساقط من (ش).
(١٦) لم أقف عليه عن أبي علي الجرجاني.
(١٧) في (ش): (وقالوا).
(١٨) لم أقف عليه.
(١٩) ذكره الثعلبي في "الكشف" 185 ب، والبغوي في "تفسيره" 3/ 201، والخازن 2/ 197، وقال ابن عطية في "تفسيره" 5/ 387: (قال بعض المفسرين: إنما هذه المقالة من المشركين على جهة الاستهزاء، وهذا ضعيف) اهـ.
(٢٠) ذكره الوحدي في "الوسيط" 1/ 136، وذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 145 بدون نسبة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ سَيَقُولُ الذين أَشْرَكُواْ لَوْ شَآءَ الله مَآ أَشْرَكْنَا ﴾ الآية: معناها أنهم يقولون: إن شركهم وتحريمهم لما حرموا كان بمشيئة الله ولو شاء الله أن لا يفعلوا ذلك ما فعلوه، فاحتجوا على ذلك فإرادة الله له، وتلك نزغة جبرية، ولا حجة لهم في ذلك، لأنهم مكلفونمأمورون ألا يشركوا بالله، ولا يحللوا ما حرم الله ولا يحرموا ما حلل الله، والإرادة خلاف التكليف، ويحتمل عندي أن يكون قولهم: ﴿ لَوْ شَآءَ الله ﴾ قولاً يقولونه في الآخرة؛ على وجه التمني أن ذلك لم يكن، كقولك إاذ ندمت على شيء: لو شاؤ الله ما كان هذا.
أي يتمنى أن ذلك لم يكن، ويؤيد هذا أنه حكى قولهم بأداة الاستقبال، وهي السين، فذلك دليل على أنهم يقولونه في المستقبل وهي الآخرة ﴿ قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ ﴾ توقيف لهم وتعجيز ﴿ قُلْ فَلِلَّهِ الحجة البالغة ﴾ لما أبطل حجتهم أثبت حجة الله ليظهر الحق ويبطل الباطل ﴿ هَلُمَّ ﴾ قيل: هي بمعنى هات فهي متعدية، وقيل: بمعنى أقبل فهي غير متعدية، وهي عند بعض العرب فعل يتصل به ضمير الاثنين والجماع والمؤنث، وعند بعضهم: اسم فعل فيخاطب بها الواجد والاثنان والجماعة والمؤنث على حد سواء، ومقصود الآية تعجيزهم عن إقامة الشهداء ﴿ فَإِن شَهِدُواْ فَلاَ تَشْهَدْ مَعَهُمْ ﴾ أي إن كذبوا في شهادتهم وزوروا فلا تشهد بمثل شهادتهم.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ حصاده ﴾ بفتح الحاء: أبو عمرو وعاصم وابن عامر وسهل ويعقوب، الباقون: بالكسر وكلاهما مصدر ﴿ من الضان ﴾ بغير همزة: أبو عمرو غير شجاع وأوقية والأعشى والأصبهاني عن ورش ويزيد وحمزة في الوقف.
﴿ ومن المعز ﴾ ساكن العين: عاصم وحمزة وعلي وخلف ونافع وأبو جعفر وابن فليح وزمعة والخزاعي عن البزي والقواس غير ابن مجاهد وأبي عون عن قنبل عنه، الباقون: بفتحها ﴿ إلا أن تكون ﴾ بتاء التأنيث: ابن كثير وابن عامر ويزيد وحمزة وعباس مَن طريق ابن رومي عنه.
﴿ ميتة ﴾ بالتخفيف والرفع: ابن عامر وزاد يزيد التشديد.
الباقون: بالياء وبالنصب.
﴿ الحوايا ﴾ ممالة: علي وحمزة وخلف.
﴿ فقل ربكم ﴾ وبابه مظهراً: الحلواني عن قالون والبرجمي.
الوقوف: ﴿ متشابه ﴾ ط.
﴿ ولا تسرفوا ﴾ ط ﴿ المسرفين ﴾ ه لا لأن قوله: ﴿ حمولة ﴾ منصوب بـ ﴿ أنشأ ﴾ ﴿ وفرشاً ﴾ ط ﴿ الشيطان ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه لا لأن ﴿ ثمانية ﴾ منصوب بـ ﴿ أنشأ ﴾ ﴿ جنات ﴾ ﴿ أزواج ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتحاد المعنى ﴿ المعز اثنين ﴾ ط ﴿ أرحام الأنثيين ﴾ ط لانتهاء الاستفهام ﴿ صادقين ﴾ ه لا لأن ﴿ اثنين ﴾ منصوب بـ ﴿ أنشأ ﴾ أيضاً ﴿ ومن البقر اثنين ﴾ ط ﴿ أرحام الأنثيين ﴾ ط لأن "أم" في قوله: ﴿ أم كنتم ﴾ بمعنى ألف استفهام توبيخ.
﴿ بهذا ﴾ ج للاستفهام مع الفاء ولانقطاع النظم مع اتحاد المعنى ﴿ علم ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه.
﴿ لغير الله ﴾ ج ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ ظفر ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتحاد المعنى.
﴿ بعظم ﴾ ط ﴿ ببغيهم ﴾ ز للابتداء بأن وإثبات وصف الصدق مطلقاً.
وللوصل وجه لأن المعنى وإنا لصادقون فيما أخبرنا عن التحريم ببغيهم.
﴿ واسعة ﴾ ط لاختلاف الجملتين ﴿ المجرمين ﴾ ه ﴿ من شيء ﴾ ط ﴿ بأسنا ﴾ ط ﴿ لنا ﴾ ط ﴿ تخرصون ﴾ ه ﴿ البالغة ﴾ ج للشرط مع الفاء ﴿ أجمعين ﴾ ه ﴿ حرم هذا ﴾ ج لذلك ﴿ معهم ﴾ ج لتناهي جزاء الشرط مع العطف ﴿ يعدلون ﴾ ه.
التفسير: إنه جعل مدار هذا الكتاب الكريم على تقرير التوحيد والنبوة والمعاد وإثبات القضاء والقدر وإنه بالغ في تقرير هذه الأصول وانتهى الكلام إلى شرح أحوال السعداء والأشقياء، ثم انتقل منه إلى تهجين طريقة منكري البعث والقيامة، ثم أتبعه حكاية أقوالهم الركيكة تنبيهاً على ضعف عقولهم، فلما تمم هذه المقاصد عاد إلى ما هو المقصود الأصلي وهو إقامة الدلائل على إثبات ذاته ووجوب توحيده فقال: ﴿ وهو الذي أنشأ ﴾ الآية نشأ الشيء ينشأ نشأ إذا ظهر وارتفع، وأنشأه الله ينشئه إنشاء أظهره ورفعه ﴿ جنات معروشات وغير معروشات ﴾ يقال: عرشت الكرم إذا جعلت له دعائم وسمكاً تعطف عليه القبضان.
وقيل: كلاهما الكرم فإن بعض الأعناب تعرش وبعضها يبقى على وجه الأرض منبسطاً كالقرع والبطيخ.
وقيل: المعروشات ما يحتاج إلى أن يتخذ له عروش يحمل عليها فتمسكه وهو الكرم وما يجري مجراه، وغير معروشات هو القائم من الشجر المستغني باستوائه وقوة ساقة عن التعريش.
وقيل: المعروشات ما في البساتين والعمارات مما غرسه الناس واهتموا به فعرشوه، وغير معروشات ما أنبته الله وحشياً في البراري والجبال فيبقى غير معروش.
﴿ والنخل والزرع ﴾ فسر ابن عباس الزرع بجميع الحبوب التي الذكر تقتات ﴿ مختلفاً أكله ﴾ والأكل كل ما يؤكل والمراد ههنا ثمر النخل والزرع فاكتفى بإعادة الذكر على أحدهما كقوله: ﴿ وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها ﴾ أي إليهما.
والمراد أن لكل شيء منهما طعماً غير طعم الآخر و ﴿ مختلفاً ﴾ حال مقدّرة أي أنشأه مقدرّاً اختلاف أكله لأنه لم يكن وقت الإنشاء كذلك ﴿ متشابهاً وغير متشابه ﴾ في القدر واللون والطعم.
ثم قال ﴿ كلوا من ثمره ﴾ وقد قال في الآية المتقدمة أعني نظير هذه الآية وذلك قوله: ﴿ وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء ﴾ الآية إلى قوله ﴿ انظروا إلى ثمره ﴾ تنبيهاً على أن الأمر بالاستدلال بها على الصانع الحكيم متقدم على الإذن في الانتفاع بها لأن الحاصل من الأول سعادة روحانية أبدية، والحاصل من الانتفاع سعادة جسمانية زائلة.
وفائدة هذا الأمر الإباحة، وقدم إباحة الأكل على إخراج الحق كيلا يظن أنه يحرم على المالك تناوله لمكان شركة المتشاركين فيه.
وفي الآية إشارة إلى أن خلق هذه النعم إما للأكل وإما للتصدق، والأول لكونه حق النفس مقدم على الثاني لأنه حق الغير.
وفيه أن الأصل في المنافع الإباحة والإطلاق لأن قوله: ﴿ كلوا ﴾ خطاب عام يتناول الكل، ويمكن أن يستدل به على أن الأصل عدم وجوب الصوم وأن من ادعى إيجابه فهو المحتاج إلى الدليل، وأن المجنون إذا أفاق في أثناء النهار لا يلزمه قضاء ما مضى، وأن الشارع في صوم النفل لا يجب عليه الإتمام.
قال علماء الأصول: من المعلوم من لغة العرب أن صيغة الأمر تفيد ترجيح جانب الفعل؛ فحملها على الإباحة أو الوجوب لا يصار إليه إلا بدليل منفصل، وفائدة قوله: ﴿ إذا أثمر ﴾ وقد علم أنه إذا لم يثمر لم يؤكل منه هي أن يعلم أن أول وقت الإباحة وقت اطلاع الشجر الثمر ولا يتوهم أنه لا يباح إلا إذا أدرك وأينع، أما قوله: ﴿ وآتوا حقه يوم حصاده ﴾ فعن ابن عباس في رواية عطاء وهو قول سعيد بن المسيب والحسن وطاوس والضحاك.، أن الآية مدنية والحق هو الزكاة المفروضة وعلى هذا فكيف يؤدى الزكاة يوم الحصاد والحب في السنبل.
والجواب أن المراد فاعزموا على إيتاء الحق يوم الحصاد واهتموا به حتى لا تؤخروه عن أوّل وقت يمكن فيه الإيتاء، وقال مجاهد: الآية مكية وإن هذا حق في المال سوى الزكاة وكان يقول: إذا حصدت فحضرك المساكين فاطرح لهم منه، وكذا إذا دسته وإذا عرفت كيله فاعزل زكاته وزيف بقوله صلى الله عليه وآله: "ليس في المال حق سوى الزكاة" وبأن قوله: ﴿ وآتوا حقه ﴾ إنما يحسن ذكره لو كان ذلك الحق معلوماً قبل ورود هذه الآية والإلزام الإجمال.
وعن سعيد بن جبير أن هذا كان قبل وجوب الزكاة فلما فرض العشر أو نصف العشر فيما سقي بالسواقي نسخ، والقول الأول أصح.
ثم إن أبا حنيفة احتج بالآية على وجوب الزكاة في الثمار لأنه قال: ﴿ وآتوا حقه ﴾ بعد ذكر الأنواع الخمسة وهي العنب والنخل والزرع والزيتون والرمان.
واعترض عليه بأن لفظ الحصاد مخصوص بالزرع.
وأجيب بأن الحصد في اللغة عبارة عن القطع وذلك يتناول الكل.
واحتج هو أيضاً بها على أن العشر واجب في القليل والكثير للإطلاق.
والجواب أن بيانه في الحديث "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" .
ثم قال تعالى: ﴿ ولا تسرفوا ﴾ ولأهل اللغة فيه تفسيران: فعن ابن الأعرابي: السرف تجاوز ما حد لك.
فعلى هذا إذا أعطى الكل ولم يوصل إلى عياله شيئاً فقد أسرف كما جاء في الخبر "إبدأ بنفسك ثم بمن تعول" وروي أن ثابت بن قيس بن شماس عمد إلى خمسمائة نخلة فخذها فقسمها في يوم واحد ولم يدخل منها إلى منزله شيئاً فنزلت الآية ﴿ ولا تسرفوا ﴾ أي لا تعطوا كله وإذا منع الصدقة فقد أسرف وبه فسر الآية سعيد بن المسيب، فإن مجاوزة الحد تكون إلى طرف الإفراط وإلى طرف التفريط.
وقال عمر: سرف المال ما ذهب منه في غير منفعة.
وعلى هذا فقد قال مقاتل: معناه لا تشركوا الأصنام في الأنعام والحرث.
وقالالزهري: ولا تنفقوا في معصية الله .
وعن مجاهد: لو كان أبو قبيس ذهباً فأنفقه رجل في طاعة الله لم يكن مسرفاً، ولو أنفق درهماً في معصية الله كان مسرفاً، وهذا المعنى أراد حاتم الطائي حين قيل له لا خير في السرف فقال: لا سرف في الخير.
ثم ختم الآية بقوله: ﴿ إنه لا يحب المسرفين ﴾ والمقصود منه الزجر فإن كل مكلف لا يحبه الله فإنه من أهل النار لأن محبة الله عبارة عن إرادة إيصال الثواب إليه.
قوله: ﴿ حمولة وفرشاً ﴾ معطوف على جنات أي وأنشأ من الأنعام هذين الجنسين.
فالحمولة ما يحمل الأثقال "فعولة" بمعنى "فاعلة" والفرش للذبح أو ينسج من وبره وصوفه وشعره الفرش مصدر بمعنى "مفعول".
وقيل: الحمولة الكبار التي تصلح للحمل، والفرش الصغار كالفصلان والعجاجيل والغنم لأنها دانية من الأرض للطافة أجرامها مثل الفرش المفروش عليها.
﴿ كلوا مما رزقكم الله ﴾ قالت المعتزلة.
أي مما أحلها لكم ﴿ ولا تتبعوا خطوات الشيطان ﴾ لا تسلكوا طريقه الذي يدعوكم إليه في التحليل والتحريم من عن أنفسكم كما فعل أهل الجاهلية ﴿ إنه لكم عدوّ مبين ﴾ بين العداوة.
وفي انتصاب ﴿ ثمانية أزواج ﴾ وجهان: قال الفراء: هو بدل من قوله: ﴿ حمولة وفرشاً ﴾ .
وجوز غيره أن يكون مفعول ﴿ كلوا ﴾ والعرب تسمي الواحد فرداً إذا كان وحده فإذا كان معه غيره من جنسه سمي كل واحد منهما زوجاً وهما زوجان، قال عز من قائل: ﴿ خلق الزوجين الذكر والأنثى ﴾ وقال: ﴿ ثمانية أزواج ﴾ ثم فسرها بقوله: ﴿ من الضأن اثنين ﴾ أي زوجين اثنين ﴿ ومن المعز اثنين ﴾ وفي الآية الثانية: ﴿ ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين ﴾ قال الجوهري: الضائن خلاف الماعز والجمع يعني اسم الجمع الضأن والمعز مثل راكب وركب وسافر وسفر.
وضأن أيضاً مثل حارس وحرس.
وقال في الكشاف: إنه قرىء بفتح العين.
والضأن ذوات الصوف من الغنم والمعز ذوات الشعر منها ﴿ قل ءالذكرين حرم الأنثيين ﴾ نصب بقوله: ﴿ حرم ﴾ والاستفهام يعمل فيه ما بعده ولا يعمل فيه ما قبله.
ويريد بالذكرين الذكر من الضأن وهو الكبش، والذكر من المعز وهو التيس، وبالأنثيين الأنثى من الضأن وهيالنعجة، والأنثى من المعز وهي العنز، وذلك على طريق الجنسية والمشاكلة.
ومعنى الاستفهام إنكار أن يحرم الله من جنسي الغنم ضأنها ومعزها شيئاً من نوعي ذكورها وإناثها ولا مما يشتمل عليه أرحام الأنثيين أي مما يحمل إناث الجنسين، وكذلك الذكر من جنسي الإبل والبقر يعني الجمل والثور والأنثيان منهما الناقة والبقرة وما يحمل إناثهما وذلك أنهم كانوا يحرّمون ذكور الأنعام تارة وإناثها أخرى وأولادها كيفما كانت ذكوراً أو إناثاً، أو من خلط تارة وكانوا يقولون: قد حرمها الله فقيل لهم: إنكم لا تقرون بنبوّة نبي ولا شريعة شارع فكيف تحكمون بأن هذا يحل وهذا يحرم؟
وأكد ذلك بقوله: ﴿ نبؤني بعلم ﴾ أخبروني بأمر معلوم من جهة الله يدل على تحريم ما حرمتم ﴿ إن كنتم صادقين ﴾ في أن الله حرمه.
واعلم أنه منّ على عباده بإنشاء الأزواج الثمانية من الأنعام لمنافعهم وإباحتها لهم إلا أنه فصل بين بعض المعدود وبعضه بالاحتجاج على من حرمها وليس ذلك بأجنبي وإنما هي جملة معترضة جيء بها تأكيداً وتشديداً للتحليل، فالاعتراضات في الكلام لاتساق إلا للتوكيد، أما قوله: ﴿ أم كنتم شهداء ﴾ فـ"أم" منقطعة أي بل أكنتم شهداء ومعناه الإنكار وفحواه أعرفتم التوصية به مشاهدين لأنكم لا تؤمنون بالرسل وتقولون إن الله حرم هذا فلم يبق إلا المشاهدة فتهكم بهم بذلك وسجل عليهم وعلى مثالهم بالظلم بقوله: ﴿ فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً ﴾ فنسب إليه تحريم ما لم يحرم، قال المفسرون: يريد عمرو بن لحي بن قمعة الذي غيَّر شريعة إسماعيل وبَحَّر البحائر وسَيَّب السوائب.
والأقرب أن للفظ عام فيتناول كل مفتر وإذا استحق هذا الوعيد على افتراء الكذب في تحريم مباح فكيف إذا كذب على الله في مسائل التوحيد ومعرفة الذات والصفات والملائكة وفي النبوّات وفي المعاد؟!
قال القاضي: في الآية دلالة على أن الإضلال عن الدين مذموم فلا يجوز أن ينسب إلى الله .
وأجيب بأنه ليس كل ما كان مذموماً منا كان مذموماً من الله فإن تمكين العبيد من أسباب الفجور وتسليط الشهوة عليهم مذموم منّا دونه ﴿ إن الله لا يهدي القوم الظالمين ﴾ قال القاضي: لا يهديهم إلى ثوابه وإلى زيادات الهدى التي يختص المهتدي بها.
وقالت الأشاعرة: معناه أنه لا ينقل المشركين من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، ثم لما بيّن فساد طريقة الجاهلية فيما يحل ويحرم من المطاعم أتبعه البيان الصحيح في الباب فقال: ﴿ قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرماً ﴾ أي طعاماً محرماً ﴿ على طاعم يطعمه ﴾ على آكل يأكله ﴿ إلا أن يكون ﴾ ذلك المأكول أو الموجود أو الطعام ﴿ ميتة أو دماً مسفوحاً ﴾ مصبوباً سائلاً.
قال ابن عباس: يريد ما خرج من الأنعام وهي أحياء وما خرج من الأوداج عند الذبح فلا يدخل فيه الكبد والطحال لجمودهما، وما يختلط باللحم من الدم فإنه غير سائل.
وسئل أبو مجلز عما يتلطّخ باللحم من الدم وعن القدر التي سلف في أمثالها، وانتصاب ﴿ فسقاً ﴾ على أنه معطوف على المنصوبات قبله، و ﴿ أهل ﴾ صفة له منصوبة المحل سمي ما أهل به لغير الله فسقاً لتوغله في باب الفسق كما يقال: فلان كرم وجود.
وجوز أن يكون ﴿ فسقاً ﴾ مفعولاً له من ﴿ أهل ﴾ وعلى هذا فقد عطف ﴿ أهل ﴾ على ﴿ يكون ﴾ والضمير في ﴿ به ﴾ يعود إلى ما يرجع إليه المستكن في ﴿ يكون ﴾ قالت العلماء: إن هذه السورة مكية وقد بيّن في الآية أنه لم يجد فيما أوحي إليه قرآناً أو غيره محرماً سوى هذه الأربعة، وقد أكد هذا بما في النحل وفي البقرة مصدرة بكلمة "إنما" الدالة على الحصر فصارت المدنية مطابقة للمكية، والذي جاء في المائدة ﴿ حرمت عليكم الميتة والدم ﴾ إلى قوله: ﴿ وما أكل السبع إلا ما ذكيتم ﴾ من أقسام الميتة ولكنه خص بالذكر لأنهم كانوا يحكمون على تلك الأشياء بالتحليل فثبت أن الشريعة من أولها إلى اخرها كانت مستقرة على هذا الحكم.
وعلى هذا الحصر بقي الكلام في الخمر وفي سائر النجاسات والمستقذرات فنقول: إنه قد وصف الخمر بأنه رجس وههنا علل تحريم لحم الخنزير بكونه رجساً فعلمنا أن النجاسة علة لتحريم الأكل وكل نجس فإنه يحرم أكله، هذا بعد إجماع الأمة على تحريم الخبائث والنجاسات.
وإن جوزنا تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد كما روي أنه صلى الله عليه وآله نهى عن كل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطيور.
فلا إشكال.
وقيل: المراد أن وقت نزول هذه الآية لم يكن محرم على اليهود وزيف بأن تحريم شيء خامس نسخ والأصل عدمه.
ثم بين أنه حرم على اليهود أشياء أخر سوى هذه الأربعة فقال: ﴿ وعلى الذين هادوا حرمنا ﴾ وذلك نوعان: الأول أنه حرم عليهم ﴿ كل ذي ظفر ﴾ وفيه لغات: ضم الفاء والعين وهي الفصحى، وكسرهما وهي قراءة ابن السماك، والضم مع السكون والكسر مع السكون وهي قراءة الحسن، واختلف في ذي الظفر فعن ابن عباس في رواية عطاء أنه الإبل فقط، وعنه في رواية أخرى وهو قول مجاهد أنه الإبل والنعام، وقيل: كل ذي مخلب من الطير وكل ذي حافر من الدواب، وسمي الحافر ظفراً على الاستعارة، وزيف بأن الحافر لا يكاد يسمى ظفراً وبأن البقرة والغنم مباحان لهم كما يجيء مع أن لهما حافراً فإذن يجب حمل الظفر على المخلب والبراثن من الجوارح والسباع بل على كل ما له إصبع من دابة وطائر.
وكان بعض ذوات الظفر حلالاً لهم فلما ظلموا عمم التحريم.
فعموم التحريم خاص بهم ولهذا قدم الجار في قوله ﴿ وعلى الذين هادوا حرمنا ﴾ فيستدل بذلك على حل بعض هذه الحيوانات على المسلمين وهو ما سوى ذات المخلب والناب فيكون الخبر مبيناً للآية لا مخالفاً كما ظن صاحب التفسير الكبير.
النوع الثاني قوله ﴿ ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما ﴾ قال في الكشاف: هو كقولك: "من زيد أخذت ماله" تريد بالإضافة يعني إضافة الأخذ إلى زيد بواسطة من زيادة الربط.
والمعنى أنه حرم عليهم من كل ذي ظفر كله ومن البقرة والغنم بعضهما وذلك شحومهما فقط، هذا أيضاً ليس على الإطلاق لقوله: ﴿ إلا ما حملت ظهورهما ﴾ قال ابن عباس: إلا ما علق بالظهر من الشحم فإني لم أحرمه.
وقال قتادة: إلا ما علق بالظهر والجنب من داخل بطونها.
وقيل: إلا ما اشتمل على الظهور والجنوب من السحفة وهي الشحمة التي على الظهر الملتزقة بالجلد فيما بين الكتفين إلى الوركين.
وهي بالحقيقة لحم سمين لأنه يحمر عند الهزال ولهذا لو حلف لا يأكل الشحم فأكل من ذلك اللحم السمين لم يحنث على الأصح.
والاستثناء الثاني قوله: ﴿ أو الحوايا ﴾ قال الجوهري: الحوايا الأمعاء واحدها حوية وفي معناها حاوية البطن وحاوياء البطن.
وقال الواحدي: هي المباعر والمصارين والفحوى، أو ما اشتمل على الأمعاء يعني أن الشحوم المتصقة بالمباعر والمصارين غير محرمة، والاستثناء الثالث: ﴿ أو ما اختلط بعظم ﴾ قال جمهور المفسرين: يعني شحم الآلية.
وقال ابن جريج: كل شحم في القوائم والجنب والرأس وفي العينين والأذنين فإنه مخلوط بعظم فهو حلال لهم.
والحاصل أن الشحم الذي حرم الله عليهم هو الثرب وشحم الكلية.
وقيل: إن الحوايا غير معطوف على المستثنى وإنما هو معطوف على المستثنى منه والتقدير: حرمنا عليهم شحومهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم إلا ما حملت الظهور فإنه غير محرم.
ودخوله كلمة "أو" كدخولها في قوله : ﴿ ولا تطع منهم آثماً أو كفوراً ﴾ والمعنى كل هؤلاء أهل أن يعصى فاعص هذا واعص هذا فكذا ههنا المعنى حرمنا عليهم هذا وهذا ﴿ ذلك ﴾ الجزاء وهو تحريم الطيبات ﴿ جزيناهم ببغيهم ﴾ بسبب قتلهم الأنبياء وأخذهم الربا واستحلالهم أموال الناس بالباطل وغير ذلك من قبائح أفعالهم ﴿ وإنا لصادقون ﴾ في هذه الأخبار أو فيما يوعد به العصاة.
قال القاضي: نفس التحريم لا يجوز أن يكون عقوبة على جرم صدر عنهم لأن التكليف تعريض للثواب والتعريض للثواب إحسان.
وأجيب بأن المنع من الانتفاع يمكن أن يكون لمزيد الثواب ويمكن أن يكون بشؤم الجرم المتقدم ﴿ فإن كذبوك ﴾ في ادعاء النبوّة والرسالة أو في تبليغ الأحكام، وعلى أصول المعتزلة فإن كذبوك في إنجاز إيعاد العصاة وزعموا أن الله واسع الرحمة وأنه يخلف الوعيد جوداً وكرماً.
﴿ فقل ربكم ذو رحمة واسعة ﴾ فلذلك لا يعجل بالعقوبة ﴿ ولا يردّ بأسه ﴾ إذا جاء وقت عذابه ﴿ عن القوم المجرمين ﴾ يعني المكذبين.
وعلى أصولهم رحمته واسعة لأهل طاعته ولا يرد بأسه مع ذلك عن الذين ارتكبوا الكبائر فماتوا قبل التوبة.
ثم حكى أعذار الكفار الواهية فقال: ﴿ سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ﴾ وإنما جاز العطف عل الضمير المرفوع المتصل من غير أن أكد بالمنفصل لمكان الفصل بعد حرف العطف بلا الزائدة لتأكيد النفي.
أخبر الله بما سوف يقولونه ولما قالوه.
قال في سورة النحل: ﴿ وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء ﴾ وإنما قال في سورة النحل بزيادة "نحن" و "من دونه" مرتين لأن الإشراك مستنكر مطلقاً.
فلفظ الإشراك يدل على إثبات شريك لا يجوز إثباته، وعلى تحليل أشياء وتحريم أشياء من دون الله فلم يحتج إلى لفظ من دونه، وأما العبادة فإنها غير مستنكرة على الإطلاق وإنما المستنكر عبادة شيء مع الله ، ولا تدل على تحريم شيء فلم يكن بد من تقييده بقوله: ﴿ من دونه ﴾ ولما حذف من الآية لفظة ﴿ من دونه ﴾ مرتين حذف معه ﴿ نحن ﴾ لتطرد الآية في حكم التخفيف.
أما تفسير الآية فزعمت المعتزلة أنها تدل على قولهم في مسألة إرادة الكائنات من سبعة أوجه: الأول أن الذي حكى عن الكفار في معرض الذم والتقبيح وذلك قولهم: "لو شاء الله منا أن لا نشرك لم نشرك" هو صريح قول المجبرة فيكون هذا المذهب مذموماً.
الثاني قوله: ﴿ كذلك كذب الذين من قبلهم ﴾ فلم يذكر المكذب به تنبيهاً على أنهم جاؤا بالتكذيب المطلق لأن الله عز وعلا ركب في العقول وأنزل في الكتب ما دل على غناه وبراءته من مشيئته القبائح وإرادتها، والرسل أخبروا بذلك فمن علق وجود القبائح من الكفر والمعاصي بمشيئة الله وإرادته فقد كذب التكذيب كله وهو تكذيب الله ورسوله وكتبه ونبذ أدلة السمع والعقل وراء ظهره.
والحاصل أن هذا طريق متعين لكل الكفار المتقدمين منهم والمتأخرين في تكذيب الأنبياء وفي دفع دعوتهم عن أنفسهم لأنهم يقولون الكل بمشيئة الله .
الثالث قوله: ﴿ حتى ذاقوا بأسنا ﴾ وذلك يدل على أنهم استوجبوا الوعيد من الله في هذا المذهب.
الرابع قوله: ﴿ قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا ﴾ وإنه استفهام على سبيل الإنكار أي لا علم لهؤلاء القائلين ولا حجة.
الخامس: ﴿ إن تتبعون إلا الظن ﴾ السادس: ﴿ وإن أنتم إلا تخرصون ﴾ السابع: ﴿ قل فلَّله الحجة البالغة ﴾ لأنه أزال الأعذار بالتمكين والإقدار فلم يبق لكم على الله حجة وإنما الحجة البالغة له عليكم وذلك أنكم تقولون: لو أتينا بعمل على خلاف مشيئة الله لزم أن يكون الإله عاجزاً مغلوباً.
وهذا الكلام غير لازم لأن الله قادر على أن يحملكم على الإيمان والطاعة على سبيل القهر والإلجاء إلا أن ذلك يبطل الحكمة المطلوبة من التكليف وهذا هو المراد من قوله: ﴿ فلو شاء لهداكم أجمعين ﴾ وبوجه آخر إن كان الأمر كما زعمتم أن ما أنتم عليه بمشيئة الله فلَّله الحجة الكاملة عليكم فإن تعليقكم دينكم بمشيئة الله يقتضي أن تعلقوا دين من يخالفكم أيضاً بمشيئته فتوالوا جميع أهل الأديان ولا تعادوهم.
أجابت الأشاعرة بأنا قد بينا بالدلائل القاطعة من أول القرآن إلى ههنا صحة مذهبنا فوجب تأويل هذه الآية دفعاً للتناقض فنقول: إن القوم كانوا يتمسكون بمشيئة الله في إبطال دعوة الأنبياء، وفي أن التكليف عبث فبين الله أن ذلك من تكاذيبهم وأكاذيبهم، وأن التشبث بهذا العذر لا يفيدهم لأنه إله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا اعتراض لأحد عليه، شاء الكفر من الكافر ومع ذلك بعث الأنبياء وأمر بالإيمان، وورود الأمر على خلاف الإرادة غير ممتنع ويؤيد ذلك ما روي عن ابن عباس: أول ما خلق الله القلم فقال: اكتب القدر فجرى بما يكون إلى قيام الساعة.
وقال رسول الله صلى الله عليه وآله "المكذبون بالقدر مجوس هذه الأمة" ثم إن ظاهر آخر الآية معناه وهو قوله: ﴿ فلو شاء لهداكم أجمعين ﴾ وحمل المشيئة على مشيئة الإلجاء والقسر تعسف والله أعلم.
ثم لما أبطل جميع حجج الكفار بين أنه ليس لهم على قولهم شهود فقال: ﴿ قل هلم ﴾ ومعناه إذا كان لازماً أقبل وإذا كان متعدياً أحضر.
قال الخليل: أصله "هالم" من قولهم لمَّ الله شعثه أي جمعه كأنه قال: لمَّ نفسك إلينا أي أقرب والهاء للتنبيه واستعطاف المأمور، ثم حذفت ألفها لكثرة الاستعمال وجعلا اسماً واحداً يستوي فيه الواحد والجمع والتذكير والتأنيث في لغة أهل الحجاز، وأهل نجد يصرفونها "هلما هلموا هلمي هلممن" والأول أفصح وقد يوصل بإلى كقوله : ﴿ والقائلين لإخوانهم هلم إلينا ﴾ وقال الفراء: أصلها "هل أم" أرادوا بهل حرف الاستفهام ومعنى أم اقصد.
وقيل: إن أصل استعماله أن قالوا هل لك في الطعام أم أي اقصد.
ثم شاع في الكل.
أمر الله نبيه باستدعاء إقامة الشهداء من الكافرين ليظهر أن لا شاهد لهم على تحريم ما حرموه.
وإنما لم يقل شهداء يشهدون لأنه ليس الغرض أحضار أناس يشهدون بالتحريم وإنما المراد إحضار شهدائهم الموسومين بالشهادة لهم المعروفين بنصرة مذهبهم ولهذا قال: ﴿ فإن شهدوا ﴾ أي فإن وقعت شهادتهم ﴿ فلا تشهد معهم ﴾ أي لا تسلم لهم ما شهدوا به ولا تصدقهم لأن شهادتهم محض الهوى والتعصب ولأجل ذلك قال أيضاً: ﴿ ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا ﴾ فوضع الظاهر موضع المضمر تسجيلاً عليهم بالتكذيب وليرتب عليه باقي الآية فيعلم أن المتصف بهذه الصفات لا تكون شهادتهم عند العقلاء مقبولة.
التأويل: ﴿ وهو الذي أنشأ جنات ﴾ في القلوب ﴿ معروشات ﴾ من شجرة الإسلام والإيمان والإحسان ﴿ وغير معروشات ﴾ هي الصفات الروحانية التي جبلت القلوب عليها كالسخاء والحياء والوفاء والمودة والفتوة والشفقة والعفة والعلم والحلم والعقل والشجاعة والقناعة ونخل الإيمان وزرع الأعمال الصالحة وزيتون الأخلاق الحميدة ورمان الإخلاص بالشواهد والأحوال ﴿ متشابهاً ﴾ أعمالها ﴿ وغير متشابه ﴾ أحوالها ﴿ كلوا من ثمره ﴾ انتفعوا من ثمار الإيمان والأعمال والإخلاص بالشواهد والأحوال لا بالدعاوى والقيل والقال.
﴿ وآتوا حقه ﴾ وحقه دعوة الخلق وتربيتهم بالحكمة والمواعظة الحسنة و ﴿ يوم حصاده ﴾ أوان بلوغ السالك مبلغ الرجال البالغين عند إدراك ثمرة الكمال للواصلين دون السالك الذي يتردد بعد بين المنازل والمراحل.
﴿ ولا تسرفوا ﴾ بالشروع في الكلام في غير وقته والحرص على الدعوة قبل أوانها.
﴿ ومن الأنعام ﴾ أي ومن الصفات الحيوانية التي هي مركوزة في الإنسان ما هو مستعد لحمل الأمانة وتكاليف الشرع، ومنها ما هو مستعد للأكل والشرب لصلاح القالب وقيام البشرية.
﴿ كلوا مما رزقكم الله ﴾ فرزق القلب هو التحقيق من حيثالبرهان، ورزق الروح هو المحبة بصدق التحرز عن الأكوان، ورزق السر هو شهود العرفان يلحظ العيان، فانتفعوا من هذه الأرزاق بقدر ما ينبغي.
﴿ إنه لكم عدو مبين ﴾ يخرجكم بالتفريط والإفراط إلى ضد المقصود.
ثم إن الصفات الحيوانية ثمان بعضها ذكور وبعضها إناث يتولد منها صفات أخر كلها محمودة إذ استعملت في محالها، وبمقدار ما ينبغي ﴿ من الضأن اثنين ومن المعز اثنين ﴾ والضأن والمعز من جنس الفرشية كما أن الإبل والبقر من جنس الحمولية.
والذكر من الضأن والمعز هما صفة شهوة البطن والفرج والأنثى منهما صفة حسن الخلق عند الاستمتاع بها وصفة التسليم عند تحمل الأذى، والذكر من الإبل والبقر صفتا الظلومية والجهولية، وأنثاهما الحمولية والاستسلام للاستعمال.
فبهذه الصفات الإنسانية صار الإنسان حامل أعباء الأمانة التي أبت المكونات عن حملها وهن أيضاً حملة عرش القلب فافهم، وقد أحل الله استعمالها واستعمال المتولد منها على قانون الشرعية والطريقة، ومن زعم أنه يجب تركها وفصلها بالكلية فقد افترى ﴿ لو شاء الله ما أشركنا ﴾ الكلام في نفسه حق وصدق إلا أنهم لما ذكروه في معرض الإلزام دفعاً للأذية والآلام كذبوا فيما قالوا والله أعلم بالصواب.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ سَيَقُولُ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ ﴾ .
قيل: الآية في مشركي العرب.
قالوا ذلك حين لزمتهم المناقضة، وانقطع حجاجهم في تحريمهم ما حرموا من الأشياء، وأضافوا ذلك إلى الله، وهو صلة قوله: ﴿ ثَمَٰنِيَةَ أَزْوَٰجٍ مَّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْمَعْزِ ٱثْنَيْنِ قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلأُنثَيَيْنِ...
﴾ إلى آخر ما ذكر [الأنعام: 143] إلى قوله: ﴿ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ وَصَّٰكُمُ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا ﴾ فلما لزمتهم المناقضة وانقطع حجاجهم فزعوا عند ذلك إلى هذا القول: ﴿ لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ ﴾ ، فيقول الله لنبيه: ﴿ كَذٰلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِم ﴾ : من الأمم الخالية رسلهم كما كذبك هؤلاء، وكانوا يقولون لرسلهم ما قال لك هؤلاء: ﴿ لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا...
﴾ إلى آخر ما ذكر.
ثم اختلف في تأويل قوله: ﴿ لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا ﴾ \[إلى آخر ما ذكر\].
قال الحسن، والأصم: إن المشيئة - هاهنا -: الرضا؛ قالوا: رضي الله بفعلنا وصنيعنا، حيث فعل آباؤنا مثل ما فعلنا، وصنعوا مثل ما صنعنا، فلم يحل الله بينهم وبين ذلك، ولا أخذ على أيديهم، ولا منعهم عن ذلك، فلو لم يرض بذلك منهم لكان يحول ذلك عنهم ويمنعهم عنه.
وإنما استدلوا بالرضا من الله والإذن فيه بما كانوا يخوفون إياهم الهلاك والعذاب بصنيعهم الذي كانوا صنعوا، ثم رأوهم ماتوا على ذلك ولم يأتهم العذاب، فاستدلوا بتأخير نزول العذاب عليهم على أن الله رضي بذلك، والله أعلم.
وليس للمعتزلة في ظاهر هذه الآية [أدنى] تعلق؛ لأنهم يقولون: إن الله - - قد ردّ ذلك القول الذي قالوا، وعاتبهم على ذلك القول بقوله: ﴿ كَذٰلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِم حَتَّىٰ ذَاقُواْ بَأْسَنَا ﴾ ، وأوعدهم على ذلك وعيداً شديداً، فلو كان يجوز إضافة المشيئة إلى الله في ذلك على ما تضيفون أنتم لم يكن يرد ذلك عنهم، ولا عاتبهم على ذلك، ولا أوعدهم وعيداً في ذلك؛ دل أنه لا يجوز أن يقال ذلك، ولا إضافة المشيئة إليه في ذلك.
فنقول - وبالله التوفيق -: إن المشيئة - هاهنا - تحتمل وجوهاً: أحدها: ما قال الحسن والأصم من الرضا؛ قالوا: إن الله رضي بذلك.
والثاني: الأمر والدعاء إلى ذلك؛ يقولون: إن الله أمرهم بذلك، ودعاهم إلى ذلك.
والثالث: كانوا يقولون ذلك على الاستهزاء والسخرية، لا على الحقيقة، وهكذا أمر المجوس أنهم إذا قيل لهم هذا: لم لا تؤمنون وتسلمون؟
يقولون ما قال هؤلاء: لو شاء الله لآمنا ولا أشركنا؛ فهذا العتاب الذي لحقهم والوعيد الذي أوعدهم إنما كان لما قالوا ذلك استهزاء منهم؛ أو لما ادعوا من الأمر والدعاء على الله وافتروا عليه، أو الرضا أنه رضي بذلك.
على هذه الوجوه الثلاثة تخرج المشيئة في هذا الموضع - والله أعلم - لا على ما قاله المعتزلة، وهو ما ذكر في آية أخرى: ﴿ وَيَقُولُ ٱلإِنسَانُ أَءِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً ﴾ هي كلمة حق، لكن قالها استهزاء وهزؤا، فلحقه العتاب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَآ ﴾ أي: هل عندكم من بيان وحجة من الله [فتبينوه لنا وتظهروه على زعمكم أن الله أمركم بذلك ودعاكم إليه أو ترككم على ذلك لما رضي بذلك] دون أن أمهلكم ليعذبكم، أو ليس قد ترك من خالفكم في ذلك، ثم لم يدل تركه إياهم على أنه رضي بذلك، فقال الله: ﴿ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ ﴾ .
أي: ما تتبعون في ذلك إلا الظن.
﴿ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ ﴾ .
أي: ما هم إلا يخرصون ويكذبون في ذلك، ليست لهم حجة ولا بيان على ما يدعون من الأمر والدعاء إلى ذلك، والترك على ما هم عليه من الرضا به.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ فَلِلَّهِ ٱلْحُجَّةُ ٱلْبَالِغَةُ ﴾ .
[قيل: الحجة البالغة]: التي إذا بلغت كل شبهة أزالتها، وكل غافل نائم نبهته وأيقظته.
وقل: الحجة البالغة: التامة القاهرة، الظاهرة على كل شيء، الغالبة عليه، لم تبلغ شيئاً إلا قهرته وغلبته.
وقال الحسن: الحجة البالغة في الآخرة: لا يعذب أحداً ولا يعاقبه إلا لحجة تلزم، لا يعاقب بهوى أو انتقام أو شهوة على ما يعاقب في الشاهد ولا غيره، ما من أحد من الخلائق إلا ولله عليه الحجة البالغة، أما الملك المقرب: فإن الله جبله على الطاعة فلا يعصيه، منّاً من الله عليه طولا وفضلا، فهو مقصر عن شكر نعمة الله عليه، وأما النبي المرسل والعبد الصالح: فلله عليهما السبيل والحجة من غير وجه.
ثم تحتمل الحجة البالغة وجوهاً: أحدها: هذا القرآن الذي أنزله على رسول الله آية معجزة وحجة بالغة ما عجز الخلائق عن إتيان مثله، فدل عجزهم عن إتيان مثله على أنه آية من آيات الله، وحجة من حجج الله أرسلها إلى نبيه .
والثاني: أنه جعل في كلية الخلائق والأشياء ما يشهد أن الخلائق والأشياء كلها له شهادة خلقه، وتدل كلية الأشياء على وحدانيته، فهو حجة بالغة.
والثالث: ألسن الرسل وأنباؤهم؛ [حيث لم يؤاخذوهم بكذب قط فيما بينهم، ولا جرى على لسانهم كذب قط، ولا فحش؛ عصمهم - عز وجل -] عن ذلك، فدل [ذلك] على أنهم إنما خصوا بذلك؛ لما أن الله جعلهم حججاً وآيات على وجه الأرض حجة بالغة، وبالله العصمة.
وقال بعضهم: ﴿ فَلِلَّهِ ٱلْحُجَّةُ ٱلْبَالِغَةُ ﴾ في تحريم الأشياء وتحليلها، ليس لهؤلاء الذين يحرمون أشياء لهم في تحريمهم حجة، إنما يحرمون ذلك بهوى أنفسهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَوْ شَآءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ .
قال الحسن: المشيئة - هاهنا -: مشيئة القدرة، وقال: لو شاء قهرهم وأعجزهم حتى لم يقدروا على معصية قط؛ على ما جعل الملائكة جبلهم على الطاعة حتى لا يقدروا على معصية قط، ثم هو يفضل الملائكة على الرسل والأنبياء والبشر جميعاً، ويقول: هم مجبورون على الطاعة، فذلك تناقض في القول لا يجوز من كان مقهوراً مجبوراً على الطاعة يفضل على من يعمل بالاختيار مع تمكن الشهوات فيه، والحاجات التي تغلب صاحبها وتمنعه عن العمل بالطاعة، أو يقول: فضلهم بالجوهر والأصل، فلا يجوز أن يكون لأحد بالجوهر نفسه فضل على غير ذلك الجوهر؛ لأن الله - - لم يذكر فضل شيء بالجوهر إلا مقروناً بالأعمال الصالحة الطيبة؛ كقوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي ٱلسَّمَآءِ تُؤْتِيۤ أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ ٱجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ ٱلأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ ﴾ وغيره، وقوله: ﴿ وَٱلْبَلَدُ ٱلطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ ﴾ وقوله: ﴿ وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ﴾ ونحوه، لم يفضل أحداً بالجوهر على أحد، ولكن إنما فضله بالأعمال الصالحة؛ لذلك قلنا: إن قوله يخرج على التناقض، وتأويل قوله: ﴿ فَلَوْ شَآءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ عندنا ظاهر، لو شاء لهداهم جميعاً، ووفقهم للطاعة، وأرشدهم لذلك، وهو كقوله: ﴿ وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فِضَّةٍ...
﴾ الآية [الزخرف: 33] فإذا كان الميل إلى الكفر لمكان ما جعل لهم من الفضة والزينة، فإذا كان ذلك للمؤمنين آمنوا، ثم لم يجعل كذلك، دل هذا على أن قولهم: ﴿ لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا ﴾ هو الأمر والرضا، أو ذكروا على الاستهزاء؛ حيث قال: ﴿ فَلَوْ شَآءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ .
والمعتزلة يقولون: المشيئة - هاهنا - مشيئة قسر وقهر، وقد ذكرنا ألا يكون في حال القهر إيمان، وإنما يكون في حال الاختيار، والمشيئة مشيئة الاختيار، ولا تحتمل مشيئة الخلقة؛ لأن كل واحد بمشيئة الخلقة مؤمن، فدل أن التأويل ما ذكرنا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ هَلُمَّ شُهَدَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَ هَـٰذَا ﴾ الذي تحرمون أنتم من الوصيلة، والسائبة، والحامي، وما حرموا من الحرث والأنعام ﴿ فَإِن شَهِدُواْ ﴾ .
أن الله حرّمه ﴿ فَلاَ تَشْهَدْ مَعَهُمْ ﴾ .
كيف قال: ﴿ هَلُمَّ شُهَدَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَ هَـٰذَا فَإِن شَهِدُواْ فَلاَ تَشْهَدْ مَعَهُمْ ﴾ .
دعاهم إلى أن يأتوا بالحجة، فإذا أقاموها لا تشهد معهم، لكن هذا - والله أعلم - أنهم يعلمون أن التحريم إلى الله، ليس إلى أحد من الخلائق، فإن شهدوا بأنه حرم، فلا تشهد معهم؛ فإنهم شهدوا بباطل.
ويحتمل: أن يكون أمره أن يسألهم شهداء من أهل الكتاب يشهدون لهم بأن الله حرم هذا؛ لأن هؤلاء كانوا أهل شرك، وعبدة الأوثان يسألون أهل الكتاب وأهل الرسل يشهدون لهم بذلك، فإن شهدوا فلا تشهد معهم أي: لا يشهدون لهم بذلك، فلا تشهد أنت - أيضاً - معهم؛ على الإخبار أنهم لا يشهدون؛ وهو كقوله: ﴿ لَئِنْ أُخْرِجُواْ لاَ يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِن قُوتِلُواْ لاَ يَنصُرُونَهُمْ وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ...
﴾ الآية [الحشر: 12]، أخبر عن المنافقين أنهم قالوا: ﴿ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلاَ نُطِيعُ فيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ...
﴾ ثم أخبر عنهم أنهم ﴿ لَئِنْ أُخْرِجُواْ لاَ يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِن قُوتِلُواْ لاَ يَنصُرُونَهُمْ...
﴾ الآية، لكنه أخبر أنهم لا يقاتلون رأساً، وإلا لو نصروهم لا يولون الأدبار؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ هَلُمَّ شُهَدَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَ هَـٰذَا فَإِن شَهِدُواْ فَلاَ تَشْهَدْ مَعَهُمْ ﴾ ؛ لأنهم لا يشهدون، والله أعلم.
ويشبه أن يسألوا حتى يأتوا بآبائهم حتى يشهدوا؛ لأنهم كانوا يقولون: إنا وجدنا عليها آباءنا، والله أمرنا بها، وإن الله رضي بصنيع آبائنا؛ حيث لم يهلكهم، وتركهم على ذلك، فيسألون أن يأتوا بأولئك حتى يكونوا هم الذين يشهدون على ذلك، فلن يجدوا إلى ذلك سبيلا أبداً؛ وهو كقوله: ﴿ وَٱدْعُواْ شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَٰدِقِينَ ﴾ فلا يجدون أبداً.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا ﴾ .
دل أن ما كانوا يحرمون إنما يحرمون بهواهم، لا بحجة وبرهان.
﴿ وَٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ وَهُم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ﴾ .
أي: يعدلون الأصنام في العبادة والألوهية بربهم.
<div class="verse-tafsir"
سيقول المشركون محتجِّين بمشيئة الله وقدره على صحة إشراكهم بالله: لو شاء الله ألا نشرك نحن ولا آباؤنا بالله لما أشركنا به، ولو شاء الله ألا نحرِّم ما حرَّمناه على أنفسنا لَمَا حرَّمناه.
وبمثل حجتهم الداحضة كذَّب الذين من قبلهم برسلهم قائلين: لو شاء الله ألا نكذِّب بهم لما كذبنا بهم، واستمروا على هذا التكذيب حتى ذاقوا عذابنا الذي أنزلناه عليهم، قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين: هل عندكم من دليل يدل على أن الله رضي منكم أن تشركوا به وأن تحللوا ما حرمه وتحرموا ما أحله؟
فمجرد وقوع ذلك منكم ليس دليلًا على رضاه عنكم، إنكم لا تتبعون في ذلك إلا الظن، وإن الظن لا يغني من الحق شيئًا، وما أنتم إلا تكذبون.
<div class="verse-tafsir" id="91.MxeK0"