الآية ١٤٧ من سورة الأنعام

الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ١٤٧ من سورة الأنعام

فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍۢ وَٰسِعَةٍۢ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُۥ عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْمُجْرِمِينَ ١٤٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 78 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٤٧ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٤٧ من سورة الأنعام عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى : فإن كذبك - يا محمد - مخالفوك من المشركين واليهود ومن شابههم ، فقل : ( ربكم ذو رحمة واسعة ) وهذا ترغيب لهم في ابتغاء رحمة الله الواسعة ، واتباع رسوله ، ( ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين ) ترهيب لهم من مخالفتهم الرسول خاتم النبيين .

وكثيرا ما يقرن الله تعالى بين الترغيب والترهيب في القرآن ، كما قال تعالى في آخر هذه السورة : ( إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم ) [ الآية : 165 ] ، وقال ( وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب ) [ الرعد : 6 ] ، وقال تعالى : ( نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب الأليم ) [ الحجر : 49 ، 50 ] ، وقال تعالى : ( غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ) [ غافر : 3 ] ، وقال تعالى : ( إن بطش ربك لشديد إنه هو يبدئ ويعيد وهو الغفور الودود ) [ البروج : 12 - 14 ] ، والآيات في هذا كثيرة جدا .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (147) قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: فإن كذبك، يا محمد، (1) هؤلاء اليهود فيما أخبرناك أنا حرمنا عليهم وحللنا لهم، كما بينا في هذه الآية=" فقل ربكم ذو رحمة "، بنا، وبمن كان به مؤمنًا من عباده، وبغيرهم من خلقه=" واسعة ", تسع جميع خلقه، (2) المحسنَ والمسيء, لا يعاجل من كفر به بالعقوبة، ولا من عصاه بالنِّقمة, ولا يدع كرامة من آمن به وأطاعه، ولا يحرمه ثواب عمله, رحمة منه بكلا الفريقين، ولكن بأسه= وذلك سطوته وعذابه (3) = لا يردّه إذا أحله عند غضبه على المجرمين بهم عنهم شيء = و " المجرمون " هم الذين أجرَموا فاكتسبوا الذنوب واجترحوا السيئات .

(4) * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

* ذكر من قال ذلك: 14126- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (فإن كذبوك)، اليهود .

14127- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (فإن كذبوك)، اليهود=(فقل ربكم ذو رحمة واسعة) .

14128- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي قال، كانت اليهود يقولون: إنما حرّمه إسرائيل = يعني: الثَّرْب وشحم الكليتين = فنحن نحرمه, فذلك قوله: (فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة ولا يردّ بأسه عن القوم المجرمين) .

-------------------- الهوامش : (1) في المطبوعة : (( كذبوك )) والصواب من المخطوطة .

(2) انظر تفسير (( واسع )) فيما سلف 11 : 489 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .

(3) انظر تفسير (( البأس )) فيما سلف 11 : 357 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

(4) انظر تفسير (( المجرم )) فيما سلف ص : 93 .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين قوله تعالى فإن كذبوك شرط ، والجواب فقل ربكم ذو رحمة واسعة .

أي من سعة رحمته حلم عنكم فلم يعاقبكم في الدنيا .

ثم أخبر بما أعده لهم في الآخرة من العذاب فقال : ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين .وقيل : المعنى ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين إذا أراد حلوله في الدنيا .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: فإن كذبك هؤلاء المشركون، فاستمر على دعوتهم، بالترغيب والترهيب، وأخبرهم بأن الله { ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ } أي: عامة شاملة [لجميع] للمخلوقات كلها، فسارعوا إلى رحمته بأسبابها، التي رأسها وأسها ومادتها، تصديق محمد صلى الله عليه وسلم فيما جاء به.

{ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ } أي: الذين كثر إجرامهم وذنوبهم.فاحذروا الجرائم الموصلة لبأس الله، التي أعظمها ورأسها تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة ) بتأخير العذاب عنكم ، ( ولا يرد بأسه ) عذابه ( عن القوم المجرمين ) إذا جاء وقته .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فإن كذَّبوك» فيما جئت به «فقل» لهم «ربكم ذو رحمة واسعة» حيث لم يعاجلكم بالعقوبة وفيه تلطف بدعائهم إلى الإيمان «ولا يُرد بأسه» عذابه إذا جاء «عن القوم المجرمين».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فإن كذبك -أيها الرسول- مخالفوك من المشركين واليهود، وغيرهم، فقل لهم: ربكم جل وعلا ذو رحمة واسعة، ولا يُدْفع عقابه عن القوم الذين أجرموا، فاكتسبوا الذنوب، واجترحوا السيئات.

وفي هذا تهديد لهم لمخالفتهم الرسول صلى الله عليه وسلم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم حذرهم الله من الكفر والطغيان ، فقال - تعالى - : { فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ القوم المجرمين } أى : فإن كذبوك - يا محمد - هؤلاء اليهود وأمثالهم من المشركين ، فيما أخبرناك عنه من أنا حرمنا على هؤلاء اليهود بعض الطيبات عقوبة لهم ، فقل لهم .

إن الله - تعالى - ذو رحمة واسعة حقاً ورحمته وسعت كل شىء ، ومن مظاهر رحمته أنه لا يعاجل من كفر به بالعقوبة ، ولا من عصاه بالنقمة ، ولكن ذلك لا يقتضى أن يرد بأسه ، أو يمنع عقابه عن القوم المصرين على إجرامهم المستمرين على اقتراف المنكرات ، وارتكاب السيئات .فالآية الكريمة قد جاءت لتزجرهم عن البغى والكفران ، حتى يعودوا إلى طريق الحق .

إن كانوا ممن ينتفع بالذكرى ، ويعتبر بالموعظة .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما بين فساد طريقة أهل الجاهلية فيما يحل ويحرم من المطعومات أتبعه بالبيان الصحيح في هذا الباب، فقال: ﴿ قُل لا أَجِدُ فِيمَا أُوحِىَ إِلَىَّ ﴾ وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن كثير وحمزة ﴿ إِلا أَن تَكُونَ ﴾ بالتاء ﴿ مَيْتَةً ﴾ بالنصب على تقدير: إلا أن تكون العين أو النفس أو الجثة ميتة.

وقرأ ابن عامر إلا أن تكون بالتاء ﴿ مَيْتَةً ﴾ بالرفع على معنى إلا أن تقع ميتة أو تحدث ميتة والباقون ﴿ إِلا أَن يَكُونَ مَيْتَةً ﴾ أي إلا أن يكون المأكول ميتة، أو إلا أن يكون الموجود ميتة.

المسألة الثانية: لما بين الله تعالى أن التحريم والتحليل لا يثبت إلا بالوحي قال: ﴿ قُل لا أَجِدُ فِيمَا أُوحِىَ إليَّ مُحَرَّمًا على طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ ﴾ أي على آكل يأكله، وذكر هذا ليظهر أن المراد منه هو بيان ما يحل ويحرم من المأكولات.

ثم ذكر أموراً أربعة.

أولها: الميتة.

وثانيها: الدم المسفوح.

وثالثها: لحم الخنزير فإنه رجس.

ورابعها: الفسق وهو الذي أهل به لغير الله، فقوله تعالى: ﴿ قُل لا أَجِدُ فِيمَا أُوحِىَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا ﴾ إلا هذه الأربعة مبالغة في بيان أنه لا يحرم إلا هذه الأربعة وذلك لأنه لما ثبت أنه لا طريق إلى معرفة المحرمات والمحللات إلا بالوحي، وثبت أنه لا وحي من الله تعالى إلا إلى محمد عليه الصلاة والسلام، وثبت أنه تعالى يأمره أن يقول: إني لا أجد فيما أوحي إلي محرماً من المحرمات إلا هذه الأربعة كان هذا مبالغة في بيان أنه لا يحرم إلا هذه الأربعة.

واعلم أن هذه السورة مكية، فبين تعالى في هذه السورة المكية أنه لا محرم إلا هذه الأربعة ثم أكد ذلك بأن قال في سورة النحل: ﴿ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الميتة والدم وَلَحْمَ الخنزير وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ فَمَنِ اضطر غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ الله غَفورٌ رَحيم  ﴾ وكلمة ﴿ إِنَّمَا ﴾ تفيد الحصر فقد حصلت لنا آيتان مكيتان يدلان على حصر المحرمات في هذه الأربعة، فبين في سورة البقرة وهي مدنية أيضاً أنه لا محرم إلا هذه الأربعة فقال: ﴿ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الميتة والدم وَلَحْمَ الخنزير وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ الله  ﴾ وكلمة ﴿ إِنَّمَا ﴾ تفيد الحصر فصارت هذه الآية المدنية مطابقة لتلك الآية المكية لأن كلمة ﴿ إِنَّمَا ﴾ تفيد الحصر، فكلمة ﴿ إِنَّمَا ﴾ في الآية المدنية مطابقة لقوله: ﴿ قُل لا أَجِدُ فِيمَا أُوْحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا ﴾ إلا كذا وكذا في الآية المكية، ثم ذكر تعالى في سورة المائدة قوله تعالى: ﴿ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأنعام إِلاَّ مَا يتلى عَلَيْكُمْ  ﴾ وأجمع المفسرون على أن المراد بقوله: ﴿ إِلاَّ مَا يتلى عَلَيْكُمْ ﴾ هو ما ذكره بعد هذه الآية بقليل، وهو قوله: ﴿ حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة والدم وَلَحْمُ الخنزير وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وَمَا أَكَلَ السبع إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ  ﴾ وكل هذه الأشياء أقسام الميتة وأنه تعالى إنما أعادها بالذكر لأنهم كانوا يحكمون عليها بالتحليل، فثبت أن الشريعة من أولها إلى آخرها كانت مستقرة على هذا الحكم وعلى هذا الحصر.

فإن قال قائل: فيلزمكم في التزام هذا الحصر تحليل النجاسات والمستقذرات، ويلزم عليه أيضاً تحليل الخمر، وأيضا فيلزمكم تحليل المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة مع أن الله تعالى حكم بتحريمها.

قلنا: هذا لا يلزمنا من وجوه: الأول: أنه تعالى قال في هذه الآية: ﴿ أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ ﴾ ومعناه أنه تعالى إنما حرم لحم الخنزير لكونه نجساً، فهذا يقتضي أن النجاسة علة لتحريم الأكل فوجب أن يكون كل نجس يحرم أكله، وإذا كان هذا مذكوراً في الآية كان السؤال ساقطاً.

والثاني: أنه تعالى قال في آية أخرى: ﴿ وَيُحَرّمُ عَلَيْهِمُ الخبائث  ﴾ وذلك يقتضي تحريم كل الخبائث، والنجاسات خبائث، فوجب القول بتحريمها.

الثالث: أن الأمة مجمعة على حرمة تناول النجاسات، فهب أنا التزمنا تخصيص هذه السورة بدلالة النقل المتواتر من دين محمد في باب النجاسات فوجب أن يبقى ما سواها على وفق الأصل تمسكاً بعموم كتاب الله في الآية المكية والآية المدنية، فهذا أصل مقرر كامل في باب ما يحل وما يحرم من المطعومات، وأما الخمر فالجواب عنه: أنها نجسة فيكون من الرجس فيدخل تحت قوله: ﴿ رِجْسٌ ﴾ وتحت قوله: ﴿ وَيُحَرّمُ عَلَيْهِمُ الخبائث ﴾ وأيضاً ثبت تخصيصه بالنقل المتواتر من دين محمد صلى الله عليه وسلم في تحريمه، وبقوله تعالى: ﴿ فاجتنبوه  ﴾ وبقوله: ﴿ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا  ﴾ والعام المخصوص حجة في غير محل التخصيص، فتبقى هذه الآية فيما عداها حجة.

وأما قوله ويلزم تحليل الموقوذة والمتردية والنطحية، فالجواب عنه من وجوه: أولها: أنها ميتات فكانت داخلة تحت هذه الآية.

وثانيها: أنا نخص عموم هذه الآية بتلك الآية.

وثالثها: أن نقول إنها إن كانت ميتة دخلت تحت هذه الآية، وإن لم تكن ميتة فنخصصها بتلك الآية.

فإن قال قائل: المحرمات من المطعومات أكثر مما ذكر في هذه الآية فما وجهها؟

أجابوا عنه من وجوه: أحدها: أن المعنى لا أجد محرماً مما كان أهل الجاهلية يحرمه من البحائر والسوائب وغيرها إلا ما ذكر في هذه الآية.

وثانيها: أن المراد أن وقت نزول هذه الآية لم يكن تحريم غير ما نص عليه في هذه الآية ثم وجدت محرمات أخرى بعد ذلك.

وثالثها: هب أن اللفظ عام إلا أن تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد جائز فنحن نخصص هذا العموم بأخبار الآحاد.

ورابعها: أن مقتضى هذه الآية أن نقول إنه لا يجد في القرآن، ويجوز أن يحرم الله تعالى ما سوى هذه الأربعة على لسان رسوله عليه الصلاة والسلام.

ولقائل أن يقول: هذه الأجوبة ضعيفة.

أما الجواب الأول: فضعيف لوجوه: أحدها: لا يجوز أن يكون المراد من قوله: ﴿ قُل لا أَجِدُ فِيمَا أُوْحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا ﴾ ما كان يحرمه أهل الجاهلية من السوائب والبحائر وغيرها إذ لو كان المراد ذلك لما كانت الميتة والدم ولحم الخنزير وما ذبح على النصب داخلة تحته، ولو لم تكن هذه الأشياء داخلة تحت قوله: ﴿ قُل لا أَجِدُ فِيمَا أُوْحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا ﴾ لما حسن استثناؤها، ولما رأينا أن هذه الأشياء مستثناة عن تلك الكلمة، علمنا أنه ليس المراد من تلك الكلمة ما ذكروه.

وثانيها: أنه تعالى حكم بفساد قولهم في تحريم تلك الأشياء، ثم إنه تعالى في هذه الآية خصص المحرمات في هذه الأربعة وتحليل تلك الأشياء التي حرمها أهل الجاهلية لا يمنع من تحليل غيرها، فوجب إبقاء هذه الآية على عمومها لأن تخصيصها يوجب ترك العمل بعمومها من غير دليل.

وثالثها: أنه تعالى قال في سورة البقرة: ﴿ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ  ﴾ وذكر هذه الأشياء الأربعة، وكلمة ﴿ إِنَّمَا ﴾ تفيد الحصر وهذه الآية في سورة البقرة غير مسبوقة بحكاية أقوال أهل الجاهلية في تحريم البحائر والسوائب فسقط هذا العذر.

وأما جوابهم الثاني: وهو أن المراد أن وقت نزول هذه الآية لم يكن محرماً إلا هذه الأربعة.

فجوابه من وجوه: أولها: أن قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الميتة والدم وَلَحْمَ الخنزير وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ الله  ﴾ آية مدنية نزلت بعد استقرار الشريعة، وكلمة ﴿ إِنَّمَا ﴾ تفيد الحصر فدل هاتان الآيتان على أن الحكم الثابت في شريعة محمد عليه الصلاة والسلام من أولها إلى آخرها ليس إلا حصر المحرمات في هذه الأشياء.

وثانيها: أنه لما ثبت بمقضتى هاتين الآيتين حصر المحرمات في هذه الاْربعة كان هذا اعترافاً بحل ما سواها، فالقول بتحريم شيء خامس يكون نسخاً، ولا شك أن مدار الشريعة على أن الأصل عدم النسخ، لأنه لو كان احتمال طريان الناسخ معادلاً لاحتمال بقاء الحكم على ما كان، فحينئذ لا يمكن التمسك بشيء من النصوص في إثبات شيء من الأحكام لاحتمال أن يقال: إنه وإن كان ثابتاً إلا أنه زال، ولما اتفق الكل على أن الأصل عدم النسخ، وأن القائل به والذاهب إليه هو المحتاج إلى الدليل علمنا فساد هذا السؤال.

وأما جوابهم الثالث: وهو أنا نخصص عموم القرآن بخبر الواحد.

فنقول: ليس هذا من باب التخصيص، بل هو صريح النسخ، لأن قوله تعالى: ﴿ قُل لا أَجِدُ فِيمَا أُوحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا على طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ ﴾ مبالغة في أنه لا يحرم سوى هذه الأربعة، وقوله في سورة البقرة: ﴿ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الميتة ﴾ وكذا وكذا، تصريح بحصر المحرمات في هذه الأربعة، لأن كلمة ﴿ إِنَّمَا ﴾ تفيد الحصر، فالقول بأنه ليس الأمر كذلك يكون دفعاً لهذا الذي ثبت بمقتضى هاتين الآيتين أنه كان ثابتاً في أول الشريعة بمكة، وفي آخرها بالمدينة، ونسخ القرآن بخبر الواحد لا يجوز.

وأما جوابهم الرابع: فضعيف أيضاً، لأن قوله تعالى: ﴿ قُل لا أَجِدُ فِيمَا أُوحِىَ إِلَيْكَ ﴾ يتناول كل ما كان وحياً، سواء كان ذلك الوحي قرآناً أو غيره، وأيضاً فقوله في سورة البقرة: ﴿ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الميتة ﴾ يزيل هذا الاحتمال.

فثبت بالتقرير الذي ذكرنا قوة هذا الكلام، وصحة هذا المذهب، وهو الذي كان يقول به مالك بن أنس رحمه الله، ومن السؤالات الضعيفة أن كثيراً من الفقهاء خصصوا عموم هذه الآية بما نقل أنه عليه الصلاة والسلام قال: ما استخبثه العرب فهو حرام وقد علم أن الذي يستخبثه العرب فهو غير مضبوط، فسيد العرب بل سيد العالمين محمد صلوات الله عليه، لما رآهم يأكلون الضب قال: يعافه طبعي ثم إن هذا الاستقذار ما صار سبباً لتحريم الضب.

وأما سائر العرب فمنهم من لا يستقذر شيئاً، وقد يختلفون في بعض الأشياء، فيستقذرها قوم ويستطيبها آخرون، فعلمنا أن أمر الاستقذار غير مضبوط، بل هو مختلف باختلاف الأشخاص والأحوال، فكيف يجوز نسخ هذا النص القاطع بذلك الأمر الذي ليس له ضابط معين ولا قانون معلوم؟

المسألة الثالثة: اعلم أنا قد ذكرنا المسائل المتعلقة بهذه الأشياء الأربعة في سورة البقرة على سبيل الاستقصاء، فلا فائدة في الإعادة.

فأولها: الميتة، ودخلها التخصيص في قوله عليه الصلاة والسلام: «أحلت لنا ميتتان السمك والجراد».

وثانيها: الدم المسفوح، والسفح الصب يقال: سفح الدم سفحاً، وسفح هو سفوحاً إذا سال وأنشد أبو عبيدة لكثير: أقول ودمعي واكف عند رسمها *** عليك سلام الله والدمع يسفح قال ابن عباس: يريد ما خرج من الأنعام وهي أحياء، وما يخرج من الأوداج عند الذبح، وعلى هذا التقدير: فلا يدخل فيه الكبد والطحال لجمودهما، ولا ما يختلط باللحم من الدم فإنه غير سائل، وسئل ابن مجلز عما يتلطخ من اللحم بالدم.

وعن القدر: يرى فيها حمرة الدم، فقال لا بأس به، إنما نهي عن الدم المسفوح.

وثالثها: لحم الخنزير فإنه رجس.

ورابعها: قوله: ﴿ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ ﴾ وهو منسوق على قوله: ﴿ إِلا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا ﴾ فسمى ما أهل لغير الله به فسقاً لتوغله في باب الفسق كما يقال: فلان كرم وجود إذا كان كاملاً فيهما، ومنه قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسم الله عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ  ﴾ .

وأما قوله تعالى: ﴿ فَمَنِ اضطر غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ فالمعنى أنه لما بين في هذه الأربعة أنها محرمة، بين أن عند الاضطرار يزول ذلك التحريم، وهذه الآية قد استقصينا تفسيرها في سورة البقرة.

وقوله عقيب ذلك: ﴿ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ يدل على حصول الرخصة، ثم بين تعالى أنه حرم على اليهود أشياء أخرى سوى هذه الأربعة، وهي نوعان: الأول: أنه تعالى حرم عليهم كل ذي ظفر.

وفيه مباحث: البحث الأول: قال الواحدي: في الظفر لغات ظفر بضم الفاء، وهو أعلاها وظفر بسكون الفاء، وظفر بكسر الظاء وسكون الفاء، وهي قراءة الحسن وظفر بكسرهما وهي قراءة أبي السمال.

البحث الثاني: قال الواحدي: اختلفوا في كل ذي ظفر الذي حرمه الله تعالى على اليهود روي عن ابن عباس: أنه الإبل فقط وفي رواية أخرى عن ابن عباس: أنه الإبل والنعامة، وهو قول مجاهد.

وقال عبد الله بن مسلم: إنه كل ذي مخلب من الطير وكل ذي حافر من الدواب.

ثم قال: ﴿ كذلك ﴾ قال المفسرون وقال: وسمى الحافر ظفراً على الاستعارة.

وأقول: أماحمل الظفر على الحافر فبعيد من وجهين: الأول: أن الحافر لا يكاد يسمى ظفراً.

والثاني: أنه لو كان الأمر كذلك لوجب أن يقال إنه تعالى حرم عليهم كل حيوان له حافر، وذلك باطل لأن الآية تدل على أن الغنم والبقر مباحان لهم من حصول الحافر لهما.

وإذا ثبت هذا فنقول: وجب حمل الظفر على المخالب والبراثن لأن المخالب آلات الجوارح في الاصطياد والبراثن آلات السباع في الاصطياد، وعلى هذا التقدير: يدخل فيه أنواع السباع والكلاب والسنانير، ويدخل فيه الطيور التي تصطاد لأن هذه الصفة تعم هذه الأجناس.

إذا ثبت هذا فنقول: قوله تعالى: ﴿ وَعَلَى الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى ظُفُرٍ ﴾ يفيد تخصيص هذه الحرمة بهم من وجهين: الأول: أن قوله: ﴿ وَعَلَى الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا ﴾ كذا وكذا يفيد الحصر في اللغة.

والثاني: أنه لو كانت هذه الحرمة ثابتة في حق الكل لم يبق لقوله، ﴿ وَعَلَى الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا ﴾ فائدة فثبت أن تحريم السباع وذوي المخالب من الطير مختص باليهود، فوجب أن لا تكون محرمة على المسلمين، فصارت هذه الآية دالة على هذه الحيوانات على المسلمين، وعند هذا نقول: ما روي أنه صلى الله عليه وسلم حرم كل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطيور ضعيف لأنه خبر واحد على خلاف كتاب الله تعالى، فوجب أن لا يكون مقبولاً، وعلى هذا التقدير: يقوى قول مالك في هذه المسألة.

النوع الثاني: من الأشياء التي حرمها الله تعالى على اليهود خاصة، قوله تعالى: ﴿ وَمِنَ البقر والغنم حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا ﴾ فبين تعالى أنه حرم على اليهود شحوم البقر والغنم، ثم في الآية قولان: الأول: إنه تعالى استثنى عن هذا التحريم ثلاثة أنواع: أولها: قوله: ﴿ إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا ﴾ قال ابن عباس: إلا ما علق بالظهر من الشحم، فإني لم أحرمه وقال قتادة: إلا ما علق بالظهر والجنب من داخل بطونها، وأقول ليس على الظهر والجنب شحم إلا اللحم الأبيض السمين الملتصق باللحم الأحمر على هذا التقدير: فذلك اللحم السمين الملتصق مسمم بالشحم، وبهذا التقدير: لو حلف لا يأكل الشحم، وجب أن يحنث بأكل ذلك اللحم السمين.

والاستثناء الثاني: قوله تعالى: ﴿ أَوِ الحوايا ﴾ قال الواحدي: وهي المباعر والمصارين، واحدتها حاوية وحوية.

قال ابن الأعرابي: هي الحوية أو الحاوية، وهي الدوارة التي في بطن الشاة.

وقال ابن السكيت: يقال حاوية وحوايا، مثل رواية وروايا.

إذا عرفت هذا: فالمراد أن الشحوم الملتصقة بالمباعر والمصارين غير محرمة.

والاستثناء الثالث: قوله: ﴿ وَمَا اختلط بِعَظْمٍ ﴾ قالوا: إنه شحم الإلية في قول جميع المفسرين.

وقال ابن جريج: كل شحم في القائم والجنب والرأس، وفي العينين والأذنيين يقول: إنه اختلط بعظم فهو حلال لهم، وعلى هذا التقدير: فالشحم الذي حرمه الله عليهم هو الثرب وشحم الكلية.

القول الثاني: في الآية أن قوله: ﴿ أَوِ الحوايا ﴾ غير معطوف على المستثنى، بل على المستثنى منه والتقدير: حرمت عليهم شحومهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم إلا ما حملت ظهورهما فإنه غير محرم قالوا: ودخلت كلمة أو كدخولها في قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ ءاثِماً أَوْ كَفُوراً  ﴾ والمعنى كل هؤلاء أهل أن يعصى، فاعص هذا واعص هذا، فكذا هاهنا المعنى حرمنا عليهم هذا وهذا.

ثم قال تعالى: ﴿ ذلك جزيناهم بِبَغْيِهِمْ ﴾ والمعنى: أنا إنما خصصناهم بهذا التحريم جزاء على بغيهم، وهو قتلهم الأنبياء، وأخذهم الربا، وأكلهم أموال الناس بالباطل، ونظيره قوله تعالى: ﴿ فَبِظُلْمٍ مّنَ الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طيبات أُحِلَّتْ لَهُمْ  ﴾ .

ثم قال تعالى: ﴿ وِإِنَّا لصادقون ﴾ أي في الإخبار عن بغيهم وفي الإخبار عن تخصيصهم بهذا التحريم بسبب بغيهم.

قال القاضي: نفس التحريم لا يجوز أن يكون عقوبة على جرم صدر عنهم، لأن التكليف تعريض للثواب، والتعريض للثواب إحسان فلم يجز أن يكون التكليف جزاء على الجرم المتقدم.

فالجواب: أن المنع من الانتفاع يمكن أن يكون لمزيد استحقاق الثواب، ويمكن أيضاً أن يكون للجرم المتقدم، وكل واحد منهما غير مستبعد.

ثم قال تعالى: ﴿ فَإِن كَذَّبُوكَ ﴾ يعني إن كذبوك في ادعاء النبوة والرسالة، وكذبوك في تبليغ هذه الأحكام ﴿ فَقُل رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسعة ﴾ فلذلك لا يعجل عليكم بالعقوبة ﴿ وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُهُ ﴾ أي عذابه إذا جاء الوقت ﴿ عَنِ القوم المجرمين ﴾ يعني الذين كذبوك فيما تقول، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

ذو الظفر ما له أصبع من دابة أو طائر، وكان بعض ذات الظفر حلالاً لهم، فلما ظلموا حرّم ذلك عليهم فعمّ التحريم كل ذي ظفر بدليل قوله: ﴿ فَبِظُلْمٍ مّنَ الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طيبات أُحِلَّتْ لَهُمْ ﴾ [النساء: 160] وقوله: ﴿ وَمِنَ البقر والغنم حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا ﴾ كقولك: من زيد أخذت ماله، تريد الإضافة زيادة الربط.

والمعنى أنه حرّم عليهم لحم كل ذي ظفر وشحمه وكل شيء منه، وترك البقر والغنم على التحليل لم يحرّم منهما إلاّ الشحوم الخالصة، وهي الثروب وشحوم الكلى.

وقوله: ﴿ إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا ﴾ يعني إلاّ ما اشتمل على الظهور والجنوب من السحقة ﴿ أَوِ الحوايا ﴾ أو اشتمل على الأمعاء ﴿ أَوْ مَا اختلط بِعَظْمٍ ﴾ وهو شحم الإلية.

وقيل: ﴿ الحوايا ﴾ عطف على شحومهما.

و (أو) بمنزلتها في قولهم: جالس الحسن أو ابن سيرين ﴿ ذلك ﴾ الجزاء ﴿ جزيناهم ﴾ وهو تحريم الطيبات ﴿ بِبَغْيِهِمْ ﴾ بسبب ظلمهم ﴿ وِإِنَّا لصادقون ﴾ فيما أوعدنا به العصاة لا نخلفه، كما لا نخلف ما وعدناه أهل الطاعة.

فلما عصوا وبغوا ألحقناهم بهم الوعيد وأحللنا بهم العقاب.

﴿ فَإِن كَذَّبُوكَ ﴾ في ذلك وزعموا أن الله واسع الرحمة، وأنه لا يؤاخذ بالبغي ويخلف الوعيد جوداً وكرماً ﴿ فَقُلْ ﴾ لهم ﴿ رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسعة ﴾ لأهل طاعته ﴿ وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُهُ ﴾ مع سعة رحمته ﴿ عَنِ القوم المجرمين ﴾ فلا تغترّ برجاء رحمته عن خوف نقمته.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ﴾ كُلَّ ما لَهُ إصْبَعٌ كالإبِلِ والسِّباعِ والطُّيُورِ.

وقِيلَ كُلَّ ذِي مِخْلَبٍ وحافِرٍ وسُمِّيَ الحافِرُ ظُفُرًا مَجازًا ولَعَلَّ المُسَبَّبَ عَنِ الظُّلْمِ تَعْمِيمُ التَّحْرِيمِ.

﴿ وَمِنَ البَقَرِ والغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما ﴾ الثُّرُوبَ وشُحُومَ الكُلى والإضافَةُ لِزِيادَةِ الرَّبْطِ.

﴿ إلا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما ﴾ إلّا ما عَلَقَتْ بِظُهُورِهِما.

﴿ أوِ الحَوايا ﴾ أوْ ما اشْتَمَلَ عَلى الأمْعاءِ جَمْعُ حاوِيَةٍ، أوْ حاوِياءَ كَقاصِعاءَ وقَواصِعَ، أوْ حَوِيَّةٍ كَسَفِينَةٍ وسَفائِنَ.

وقِيلَ هو عَطْفٌ عَلى شُحُومِهِما وأوْ بِمَعْنى الواوِ.

﴿ أوْ ما اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ﴾ هو شَحْمُ الألْيَةِ لِاتِّصالِها بِالعُصْعُصِ.

﴿ ذَلِكَ ﴾ التَّحْرِيمُ أوِ الجَزاءُ.

﴿ جَزَيْناهم بِبَغْيِهِمْ ﴾ بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ.

﴿ وَإنّا لَصادِقُونَ ﴾ في الإخْبارِ أوِ الوَعْدِ والوَعِيدِ.

﴿ فَإنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكم ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ ﴾ يُمْهِلُكم عَلى التَّكْذِيبِ فَلا تَغْتَرُّوا بِإمْهالِهِ فَإنَّهُ لا يُهْمِلُ.

﴿ وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ ﴾ حِينَ يَنْزِلُ، أوْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ عَلى المُطِيعِينَ وذُو بَأْسٍ شَدِيدٍ عَلى المُجْرِمِينَ، فَأقامَ مَقامَهُ ولا يُرَدُّ بَأْسُهُ لِتَضَمُّنِهِ التَّنْبِيهَ عَلى إنْزالِ البَأْسِ عَلَيْهِمْ مَعَ الدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ لازِبٌ بِهِمْ لا يُمْكِنُ رَدُّهُ عَنْهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{فَإِن كَذَّبُوكَ} فيما أوحيت إليك من هذا {فَقُل رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسعة} بها يمهل المكذبين ولا يعاجلهم بالعقوبة {وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُهُ} عذابه مع

سعة رحمته {عَنِ القوم المجرمين} إذا جاء فلا تغتر بسعة رحمته عن خوف نقمته

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فَإنْ كَذَّبُوكَ ﴾ أيِ اليَهُودُ كَما قالَ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ وغَيْرُهُما وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ الظّاهِرُ لِأنَّهم أقْرَبُ ذِكْرًا ولِذِكْرِ المُشْرِكِينَ بَعْدُ بِعُنْوانِ الإشْراكِ وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْمُشْرِكِينَ فالمَعْنى عَلى الأوَّلِ إنْ كَذَّبَكَ اليَهُودُ في الحُكْمِ المَذْكُورِ وأصَرُّوا عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ ادِّعاءٍ قُدِّمَ التَّحْرِيمُ ﴿ فَقُلْ ﴾ لَهم ﴿ رَبُّكم ذُو رَحْمَةٍ ﴾ عَظِيمَةٍ ﴿ واسِعَةٍ ﴾ لا يُؤاخِذُكم بِكُلِّ ما تَأْتُونَهُ مِنَ المَعاصِي ويُمْهِلُكم عَلى بَعْضِها ﴿ ولا يُرَدُّ بَأْسُهُ ﴾ أيْ لا يُدْفَعُ عَذابُهُ بِالكُلِّيَّةِ ﴿ عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ ﴾ (147) فَلا تُنْكِرُوا ما وقَعَ مِنهُ تَعالى مِن تَحْرِيمِ بَعْضِ الطَّيِّباتِ عَلَيْكم عُقُوبَةً وتَشْدِيدًا وعَلى الثّانِي فَإنَّ كَذَّبَكَ المُشْرِكُونَ فِيما فُصِّلَ مِن أحْكامِ التَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ فَقُلْ لَهم رَبُّكم ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ ولا يُعالِجُكم بِالعُقُوبَةِ عَلى تَكْذِيبِكم فَلا تَغْتَرُّوا بِذَلِكَ فَإنَّهُ إمْهالٌ لا إهْمالٌ.

وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ تَعالى ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ فَهو يَرْحَمُنِي بِتَوْفِيقٍ كَثِيرٍ لِتَصْدِيقِي فَلا يَضُرُّنِي تَكْذِيبُكم ويَضُرُّكم لِأنَّهُ لا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ المُجْرِمِينَ المُكَذِّبِينَ أوْ سَيَرْحَمُنِي بِالِانْتِقامِ مِنكم ولا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنْكم وفِيهِ بُعْدٌ وقِيلَ: المُرادُ ذُو رَحْمَةٍ لِلْمُطِيعِينَ وذُو بَأْسٍ شَدِيدٍ عَلى المُجْرِمِينَ فَأُقِيمَ مَقامَهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ ولا يُرَدُّ ﴾ ..

إلَخْ.

لِتَضَمُّنِهِ التَّنْبِيهَ عَلى إنْزالِ البَأْسِ عَلَيْهِمْ مَعَ الدَّلالَةِ أنَّهُ لاحِقٌ بِهِمُ البَتَّةَ مِن غَيْرِ صارِفٍ يَصْرِفُهُ عَنْهم أصْلًا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قُلْ لا أَجِدُ فِي مآ أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً يعني: لا أجد فيما أنزل علي من القرآن شيئاً محرماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ.

يعني: على آكل إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً.

قرأ ابن عامر إلا أَن تَكُون مَيْتَةً بالتاء على لفظ التأنيث لأن الميتة مؤنث وقرأ مَيْتَةً بالضم لأنه اسم كان.

وقرأ حمزة وابن كثير إِلا أَن تَكُونَ بالتاء بلفظ التأنيث مَيْتَةً بالنصب فجعل الميتة خبراً لكان، والاسم فيه مضمر.

وقرأ الباقون إِلَّا أَنْ يَكُونَ بلفظ التذكير الميتة بالنصب، وإن جعلوه مذكراً لأنه انصرف إلى المعنى ومعناه إلا أن يكون المأكول ميتة أَوْ دَماً مَسْفُوحاً يعني: سائلاً جارياً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أي: حرام أَوْ فِسْقاً يعني: معصية أُهِلَّ يعني: ذبح لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ يعني: لغير اسم الله وقال بعضهم: في الآية تقديم.

ومعناه: إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير أو فسقا أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ فإنه رجس أي حرام.

يعني: جميع ما ذكر في الآية هو رجس.

ويقال: الرجس هو نعت للحم الخنزير خاصة.

وروى عمر بن دينار عن أبي الشعثاء عن ابن عباس قال: كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء ويتركون أشياء، فبعث الله نبيه وأنزل كتابه، وأحل حلاله، وحرم حرامه فما أحل فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، وتلا هذه الآية قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ الآية يعني: ما لم يبيّن تحريمه فهو مباح بظاهر هذه الآية.

وروى أبو بكر الهذلي عن الحسن أنه قال: الله لولا حديث سلمة بن المحبق ما لبسنا خفافكم، ولا نعالكم، ولا فراكم، حتى نعلم ما هي.

قال أبو بكر: فذكرت ذلك للزهري، فقال: صدق الحسن ذلك عندي أوسع من هذا.

حدثني عبيد الله بن عبد الله عن عبد الله بن عباس أنه قرأ قُلْ لا أَجِدُ فِي مآ أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً الآية.

قال: إنما حرم من الميتة أكلها وما يؤكل منها، وهو اللحم، أما الجلد والعظم والشَّعر والصوف فحلال.

قال: وقد احتج بعض الناس بهذه الآية، على أن ما سوى هذه الأشياء التي ذكر في الآية مباح.

ولكن نحن نقول قد حرم أشياء سوى ما ذكر في الآية.

وقد بيّن على لسان رسول الله  من ذلك كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير.

وقد قال تعالى: وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر: 7] .

ثم قال: فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وقد ذكرنا تأويل هذه الآية.

ثم قال: وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا يعني: أن هذه الأشياء التي ذكرنا في الآية كانت حراماً في الأصل وقد حرّم الله أشياء كانت حلالاً في الأصل على اليهود بمعصيتهم.

كُلَّ ذِي ظُفُرٍ يعني: الإبل والنعامة والبط والأوز.

وكل شيء له خفّ وقال القتبي: كُلَّ ذِي ظُفُرٍ يعني: كل ذي مخلب من الطيور، وكل ذي حافر من الدواب، وسمي ظفراً على الاستعارة.

وقال الكلبي: كُلَّ ذِي ظُفُرٍ يعني: ليس بمنشق ولا مجتر فهو حرام عليهم وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما يعني: شحوم البطون.

ثم استثنى فقال: إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُما وقال الضحاك: إلا ما كان على اللحوم من الشحوم.

وقال الكلبي: يعني: ما تعلق بالظهر من الشحم من الكليتين.

ويقال: حرم عليهم الثروب وأحلّ ما سواها.

وواحد الثروب ثرب وهو الشحم الرقيق الذي يكون على الكرش أَوِ الْحَوايا وهو المباعر واحدتها حاوية أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ مثل الإلية.

وروى جويبر عن الضحاك قال: ما التزق بالعظم.

ويقال: هو المخ ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ يعني: ذلك التحريم عاقبناهم بشركهم وظلمهم وَإِنَّا لَصادِقُونَ أن هذه الأشياء كانت حلالاً في الأصل، وحرمناها على اليهود بمعصيتهم، لأن اليهود كانوا يقولون: أن هذه الأشياء كانت حراماً في الأصل.

ثم قال: فَإِنْ كَذَّبُوكَ يعني: فيما تقول من التحريم والتحليل فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ يعني: رحمته وسعت كل شيء لا يعجل عليهم بالعقوبة وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ يعني: عذابه عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ.

قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

لُحُومَ الحُمُرِ الأنْسِيَّةِ «١» ، فتأول بعض الصحابة الحاضِرِينَ ذلك لأنها لم تخمَّس، وتأوَّل بعضهم أن ذلك لئَلاَّ تفنى حمولةُ النَّاس، وتأول بعضهم التحريمَ المَحْضَ، وثبت في الأمة الاختلافُ في لَحْمها، فجائز لِمَنْ ينظر من العلماءِ أنْ يحمل لفظ التحريمِ بحسب اجتهاده وقياسه على كراهية أو نحوها، وباقي الآية بيّن.

وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إِلاَّ ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصادِقُونَ (١٤٦) فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١٤٧) سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُونَ (١٤٨) قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩) قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هذا فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١٥٠)

وقوله سبحانه: وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ...

الآية: هذا خبر مِنَ اللَّهِ سبحانه يتضمَّن تكذيبَ اليَهُودِ في قولهم: «إن اللَّه لم يحرِّم علينا شيئاً، وإنما حرمنا على أنفسنا ما حَرَّمه إسرائيل على نفسه» ، وكُلَّ ذِي ظُفُرٍ: يراد به الإبلُ، والنَّعَام، والإوَزُّ ونحوه من الحيوانِ الذي هو غير مُنْفَرِجِ الأصابع، وله ظُفُر، وأخبرنا سبحانه في هذه الآية بتحريمِ الشحومِ عليهم، وهي الثُّرُوب وشَحْمُ الكلى، ومَا كان شحماً خالصاً خارجاً عن الاستثناء الذي في الآية، واختلف في تحريم ذلك على المسلمين من ذبائحهم، فعن مالكٍ: كراهيةُ شحومهم من غير تحريمٍ.

وقوله تعالى: إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُما، يريد: ما اختلط باللحْمِ في الظَّهْرِ والأجنابِ ونحوه، قال السُّدِّيُّ وأبو صالح: الأَلْيَاتُ ممَّا حملَتْ ظهورهما «٢» ، والحَوَايَا: ما تحوى في البَطْن، واستدار، وهي المَصَارِينُ والحُشْوة ونحوها، وقال ابن عباس وغيره:

هي المَبَاعِر «٣» ، وقوله: أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ، يريد: في سائر الشخص.

وقوله سبحانه: ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ يقتضي أنَّ هذا التحريم إنما كان عقوبةً لهم على بغيهم، واستعصائهم على أنبيائهم.

وقوله سبحانه: وَإِنَّا لَصادِقُونَ: إخبار يتضمَّن التعريضَ بكَذِبهم في قولهم: ما حرَّم اللَّهُ علينا شيئاً.

وقوله سبحانه: فَإِنْ كَذَّبُوكَ: أي: فيما أخبرْتَ به أنَّ اللَّه حرَّمه عليهم، فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ أي في إمهاله إذ لم يعاجلْكم بالعقوبةِ، مع شدَّة جُرْمِكم، ولكنْ لا تغترُّوا بسعة رحمته فإن له بَأْساً لا يُرَدُّ عن القوم المجْرِمِين، إما في الدنيا وإما في الآخرة، وهذه الآية وما جانَسَها من آياتِ مكَّة مرتفعٌ حكْمُها بآية القتالِ، ثم أخبر سبحانه نبيَّه- عليه السلام- بأن المشركين سيحتجُّون لتصويبِ ما هُمْ عليه من شركهم وتديُّنهم:

بتحريمِ تلك الأشياءِ بإمهال اللَّه تعالى لهم، وتقريرِهِ حالهم، وأنه لو شاء غَيْرَ ذلك، لما تَرَكَهم على تلْك الحال، ولا حُجَّة لهم فيما ذكَروه لأنه سبحانه شاء إشراكهم وأقدرهم على الاكتساب، ويلزمهم على احتجاجهم أنْ تكون كلُّ طريقةٍ وكلُّ نحلةٍ صواباً، إذْ كلها لو شاء اللَّه لَمْ تكُنْ، وفي الكلامِ حذفٌ يدلُّ عليه تناسُقُ الكلامِ كأنه قال: سيقول المشركون كذا وكذا، وليس في ذلك حُجَّة لهم، ولا شَيْء يقتضي تكذيبَكَ، ولكن، كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ بنحو هذه الشبهة مِنْ ظَنِّهم أنَّ ترك اللَّه لهم دليلٌ على رضاه بحالهم، وفي قوله تعالى: حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا: وعيدٌ بيِّن.

وقوله سبحانه: قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ.

أي: مِنْ قِبَلِ اللَّه، قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ، يريد البالغةَ غاية المَقْصِدِ في الأمر الذي يحتجُّ له، ثم أعلم سبحانه أنَّه لو شاء، لهدى العالم بأسره، وهَلُمَّ: معناها: هَاتِ وهي حينئذ متعدِّية، وقد تكون بمعنى:

«أَقْبِلْ» فلا تتعدى، وبعضُ العرب يجعلها اسم فعْلٍ ك «رُوَيْدَكَ» ، وبعضهم يجعلها فِعْلاً، ومعنى الآية: قل هاتوا شهداءكم الذين يشهدون أن اللَّه حرَّم ما زعمتم تحريمَهُ، فَإِنْ شَهِدُوا، أي: فإن افترى لهم أحدٌ أو زَوَّرَ شهادةً أو خبراً عن نبوَّة ونَحوَ ذلك، فجَنِّبْ أنْتَ ذلك، ولا تَشْهد معهم، قلْتُ: وهذه الآية/ والتي بعدها مِنْ نوعَ ما تقدّم من أن الخطاب له صلّى الله عليه وسلّم، والمراد غيره ممَّن يمكن ذلك منه، وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ، أي: يجعلون لَهُ أنداداً يسوُّونهم به، تعالى الله عن قولهم.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ كَذَّبُوكَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «لَمّا قالَ رَسُولُ اللَّهِ  لَلْمُشْرِكِينَ: "هَذا ما أُوحِيَ إلَيَّ أنَّهُ مُحَرَّمٌ عَلى المُسْلِمِينَ وعَلى اليَهُودِ"، قالُوا: فَإنَّكَ لَمْ تُصِبْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.» وفي المُكَذِّبِينَ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: المُشْرِكُونَ.

قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والثّانِي اليَهُودُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والمُرادُ بِذِكْرِ الرَّحْمَةِ الواسِعَةِ، أنَّهُ لا يُعَجِّلُ بِالعُقُوبَةِ، والبَأْسُ العَذابُ.

وَفِي المُرادِ بِالمُجْرِمِينَ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: المُشْرِكُونَ.

والثّانِي: المُكَذِّبُونَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ فَإنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكم ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ ولا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ ﴾ ﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللهُ ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا ولا حَرَّمْنا مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ حَتّى ذاقُوا بَأْسَنا قُلْ هَلْ عِنْدَكم مِن عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إنْ تَتَّبِعُونَ إلا الظَنَّ وإنْ أنْتُمْ إلا تَخْرُصُونَ ﴾ يُرِيدُ: "فَإنْ كَذَّبُوكَ فِيما أخْبَرَتْ بِهِ أنَّ اللهَ تَعالى حَرَّمَهُ عَلَيْهِمْ؛ وقالُوا: لَمْ يُحَرِّمِ اللهُ تَعالى عَلَيْنا شَيْئًا؛ وإنَّما حَرَّمْنا ما حَرَّمَ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ - قالَ السُدِّيُّ: وهَذِهِ كانَتْ مَقالَتَهم - فَقُلْ يا مُحَمَّدُ - عَلى جِهَةِ التَعَجُّبِ مِن حالِهِمْ؛ والتَعْظِيمِ لِفِرْيَتِهِمْ في تَكْذِيبِهِمْ لَكَ؛ مَعَ عِلْمِهِمْ بِحَقِيقَةِ ما قُلْتَ -: رَبُّكم ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ؛ إذْ لا يُعاجِلُكم بِالعُقُوبَةِ؛ مَعَ شِدَّةِ جُرْمِكُمْ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا كَما تَقُولُ - عِنْدَ رُؤْيَةِ مَعْصِيَةٍ؛ أو أمْرٍ مَبْغِيٍّ -: "ما أحْلَمَ اللهَ تَعالى !"؛ وأنْتَ تُرِيدُ: "لِإمْهالِهِ عَلى مِثْلِ ذَلِكَ"؛ فَفي قَوْلِهِ تَعالى ﴿ رَبُّكم ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ ﴾ ؛ قُوَّةُ وصْفِهِمْ بِغايَةِ الِاجْتِرامِ؛ وشِدَّةِ الطُغْيانِ.

ثُمَّ أعْقَبَ هَذِهِ المَقالَةَ بِوَعِيدٍ؛ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ ﴾ ؛ فَكَأنَّهُ قالَ: "وَلا تَغْتَرُّوا أيْضًا بِسَعَةِ رَحْمَتِهِ تَعالى ؛ فَإنَّ لَهُ بَأْسًا لا يُرَدُّ عَنِ المُجْرِمِينَ؛ إمّا في الدُنْيا؛ وإمّا في الآخِرَةِ"؛ وهَذِهِ الآيَةُ؛ وما جانَسَها مِن آياتِ مَكَّةَ مُرْتَفِعٌ حُكْمُهُ بِالقِتالِ؛ وأخْبَرَ اللهُ - عَزَّ وجَلَّ - نَبِيَّهُ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - أنَّ المُشْرِكِينَ سَيَحْتَجُّونَ لِصَوابِ ما هم عَلَيْهِ؛ مِن شِرْكِهِمْ؛ وتَدَيُّنِهِمْ بِتَحْرِيمِ تِلْكَ الأشْياءِ؛ بِإمْهالِ اللهِ تَعالى ؛ وتَقْرِيرِهِ حالَهُمْ؛ وأنَّهُ لَوْ شاءَ غَيْرَ ذَلِكَ لَما تَرَكَهم عَلى تِلْكَ الحالِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وبَيِّنٌ أنَّ المُشْرِكِينَ لا حُجَّةَ لَهم فِيما ذَكَرُوهُ؛ لِأنّا نَحْنُ نَقُولُ: "إنَّ اللهَ - عَزَّ وجَلَّ - لَوْ شاءَ ما أشْرَكُوا"؛ ولَكِنَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - شاءَ إشْراكَهُمْ؛ وأقْدَرَهم عَلى اكْتِسابِ الإشْراكِ؛ والمَعاصِي؛ ومَحَبَّتِهِ؛ والِاشْتِغالِ بِهِ؛ ثُمَّ عَلَّقَ العِقابَ؛ والثَوابَ عَلى تِلْكَ الأشْياءِ؛ والِاكْتِساباتِ؛ وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ ظَواهِرُ القُرْآنِ؛ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ  ﴾ ؛ ونَحْوِ ذَلِكَ؛ ويَلْزَمُهم عَلى احْتِجاجِهِمْ أنْ تَكُونَ كُلُّ طَرِيقَةٍ؛ وكُلُّ نِحْلَةٍ؛ صَوابًا؛ إذْ كُلُّها - لَوْ شاءَ اللهُ تَعالى - لَمْ تَكُنْ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: إنَّما هَذِهِ المَقالَةُ مِنَ المُشْرِكِينَ عَلى جِهَةِ الِاسْتِهْزاءِ؛ وهَذا ضَعِيفٌ.

وَتَعَلَّقَتِ المُعْتَزِلَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ؛ فَقالَتْ: إنَّ اللهَ تَعالى قَدْ ذَمَّ لَهم هَذِهِ المَقالَةَ؛ وإنَّما ذَمَّها تَعالى لِأنَّ كُفْرَهم لَيْسَ بِمَشِيئَةِ اللهِ تَعالى ؛ بَلْ هو خَلْقٌ لَهم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ولَيْسَ الأمْرُ عَلى ما قالُوا؛ وإنَّما ذَمَّ اللهُ تَعالى ظَنَّ المُشْرِكِينَ أنَّ ما شاءَ اللهُ تَعالى لا يَقَعُ عَلَيْهِ عِقابٌ؛ وأمّا أنَّهُ ذَمَّ قَوْلَهُمْ: "لَوْلا المَشِيئَةُ لَمْ نَكْفُرْ"؛ فَلا.

ثُمَّ قالَ تَعالى ﴿ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ ؛ وفي الكَلامِ حَذْفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ تَناسُقُ الكَلامِ؛ كَأنَّهُ قالَ تَعالى "سَيَقُولُ المُشْرِكُونَ كَذا؛ وكَذا؛ ولَيْسَ في ذَلِكَ حُجَّةٌ لَهُمْ؛ ولا شَيْءٌ يَقْتَضِي تَكْذِيبَهُمْ؛ ولَكِنْ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ بِنَحْوِ هَذِهِ الشُبْهَةِ؛ مِن ظَنِّهِمْ أنَّ تَرْكَ اللهِ تَعالى لَهم دَلِيلٌ عَلى رِضاهُ تَعالى بِحالِهِمْ.

وفِي قَوْلِهِ تَعالى ﴿ حَتّى ذاقُوا بَأْسَنا ﴾ وعِيدٌ بَيِّنٌ؛ ولَيْسَ في الآيَةِ رَدٌّ مَنصُوصٌ عَلى قَوْلِهِمْ: ﴿ لَوْ شاءَ اللهُ ما أشْرَكْنا ﴾ ؛ وإنَّما تَرَكَ الرَدَّ عَلَيْهِمْ مُقَدَّرًا في الكَلامِ؛ لِوُضُوحِهِ؛ وبَيانِهِ؛ وقَوْلُهُ تَعالى "وَلا آباؤُنا"؛ مَعْطُوفٌ عَلى الضَمِيرِ المَرْفُوعِ في "أشْرَكْنا"؛ والعَطْفُ عَلى الضَمِيرِ المَرْفُوعِ لا يَرُدُّهُ قِياسٌ؛ بِخِلافِ المَنصُوبِ؛ لَكِنَّ سِيبَوَيْهِ قَدْ قَبَّحَ العَطْفَ عَلى الضَمِيرِ المَرْفُوعِ؛ ووَجْهُ قُبْحِهِ أنَّهُ لَمّا بُنِيَ الفِعْلُ صارَ كَحَرْفٍ مِنَ الفِعْلِ؛ فَقَبُحَ العَطْفُ عَلَيْهِ؛ لِشِبْهِهِ بِالحَرْفِ؛ وذَلِكَ كَقَوْلِكَ: "قُمْتُ وزَيْدٌ"؛ لِأنَّ تَأْكِيدَهُ فِيهِ يُبَيِّنُ مَعْنى الِاسْمِيَّةِ؛ ويُذْهِبُ عنهُ شَبَهَ الحَرْفِ؛ وحَسُنَ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ العَطْفُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا ﴾ ؛ لَمّا طالَ الكَلامُ؛ بِـ "لا"؛ فَكَأنَّ مَعْنى الِاسْمِيَّةِ اتَّضَحَ واقْتَضَتْ "وَلا"؛ ما يُعْطَفُ بَعْدَها.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ قُلْ هَلْ عِنْدَكم مِن عِلْمٍ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ المَعْنى: "قُلْ يا مُحَمَّدُ لِلْكَفَرَةِ: هَلْ عِنْدَكم مِن عِلْمٍ مِن قِبَلِ اللهِ تَعالى ؛ فَتُبَيِّنُوهُ؛ حَتّى تَقُومَ بِهِ الحُجَّةُ؟"؛ و"مِن"؛ في قَوْلِهِ تَعالى "مِن عِلْمٍ"؛ زائِدَةٌ مُؤَكِّدَةٌ؛ وجاءَتْ زِيادَتُها لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ داخِلٌ في غَيْرِ الواجِبِ.

﴿ إنْ تَتَّبِعُونَ إلا الظَنَّ ﴾ ؛ أيْ: لا شَيْءَ عِنْدَكم إلّا الظَنُّ؛ وهو أكْذَبُ الحَدِيثِ.

وَقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "تَتَّبِعُونَ"؛ عَلى المُخاطَبَةِ؛ وقَرَأ إبْراهِيمُ النَخَعِيُّ ؛ وابْنُ وثّابٍ: "إنْ يَتَّبِعُونَ"؛ بِالياءِ؛ حِكايَةً عنهم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذِهِ قِراءَةٌ شاذَّةٌ؛ يُضْعِفُها قَوْلُهُ تَعالى ﴿ "وَإنْ أنْتُمْ"؛ ﴾ و ﴿ "تَخْرُصُونَ"؛ ﴾ مَعْناهُ: تُقَدِّرُونَ؛ وتَظُنُّونَ؛ وتَرْجُمُونَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

تفريع على الكلام السّابق الذي أبطل تحريم ما حرّموه، ابتداء من قوله: ﴿ ثمانية أزواج ﴾ [الأنعام: 143] الآيات أي: فإن لم يرعَوُوا بعد هذا البيان وكذّبوك في نفي تحريم الله ما زعموا أنَّه حرّمه فذكِّرهم ببأس الله لعلّهم ينتهون عمّا زعموه، وذكِّرهم برحمته الواسعة لعلّهم يبادرون بطلب ما يخوّلهم رحمته من اتّباع هَدي الإسلام، فيعود ضمير: ﴿ كذبوك ﴾ إلى المشركين وهو المتبادر من سياق الكلام: سابِقِه ولاحقه، وعلى هذا الوجه يجوز أن يكون في قوله: ﴿ فقل ربكم ذو رحمة واسعة ﴾ تنبيه لهم بأنّ تأخير العذاب عنهم هو إمهال داخل في رحمة الله رحمة مؤقّته، لعلّهم يسلمون.

وعليه يكون معنى فعل: ﴿ كذبوك ﴾ الاستمرار، أي إن استمرّوا على التّكذيب بعد هذه الحجج.

ويجوز أن يعود الضّمير إلى ﴿ الذين هادوا ﴾ [الأنعام: 146]، تكملة للاستطراد وهو قول مجاهد والسُدّي: أنّ اليهود قالوا لم يُحرّم الله علينا شيئاً وإنَّما حرّمنا ما حرّم إسرائيل على نفسه، فيكون معنى الآية: فَرْض تكذيبهم قوله: ﴿ وعلى الذين هادوا حرمنا ﴾ [الأنعام: 146] إلخ، لأنّ أقوالهم تخالف ذلك فهم بحيث يكذّبون ما في هذه الآية، ويشتبه عليهم الإمهال بالرّضى، فقيل لهم: ﴿ ربكم ذو رحمة واسعة ﴾ .

ومن رحمته إمهاله المجرمين في الدّنيا غالباً.

وقوله: ﴿ ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين ﴾ فيه إيجاز بحذف تقديره: وذو بأس ولا يُردّ بأسه عن القوم المجرمين إذا أراده.

وهذا وعيد وتوقّع وهو تذييل، لأنّ قوله: ﴿ عن القوم المجرمين ﴾ يعمّهم وغيرهم وهو يتضمّن أنهم مجرمون.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكُمْ ﴾ وهَذا أمْرٌ مِنَ اللَّهِ لِنَبِيِّهِ  ، أنْ يَدْعُوَ النّاسَ إلَيْهِ لِيَتْلُوَ عَلَيْهِمْ ما حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وما أحَلَّهُ لَهم لِيُقْلِعُوا عَمّا كانَتِ الجاهِلِيَّةُ عَلَيْهِ مِن تَحْرِيمِ المُباحِ وإباحَةِ الحَرامِ.

والتِّلاوَةُ: هي القِراءَةُ، والفَرْقُ بَيْنَ التِّلاوَةِ والمَتْلُوِّ، والقِراءَةِ والمَقْرُوءِ أنَّ التِّلاوَةَ والقِراءَةَ لِلْمَرَّةِ الأُولى، والمَتْلُوَّ والمَقْرُوءَ لِلثّانِيَةِ وما بَعْدَها، ذَكَرَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى، والَّذِي أراهُ مِنَ الفَرْقِ بَيْنَهُما أنَّ التِّلاوَةَ والقِراءَةَ يَتَناوَلُ اللَّفْظَ، والمَتْلُوَّ والمَقْرُوءَ يَتَناوَلُ المَلْفُوظَ.

ثُمَّ إنَّ اللَّهَ أخَذَ فَيِما حَرَّمَ فَقالَ: ﴿ ألا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ﴾ يَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: أحَدُها: ألّا تُشْرِكُوا بِعِبادَتِهِ عِبادَةَ غَيْرِهِ مِن شَيْطانٍ أوْ وثَنٍ.

والثّالِثُ: أنْ يَحْمِلَ الأمْرَيْنِ مَعًا.

ثُمَّ قالَ: ﴿ وَبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا ﴾ تَقْدِيرُهُ: وأُوصِيكم بِالوالِدَيْنِ إحْسانًا، والإحْسانُ تَأْدِيَةُ حُقُوقِهِما ومُجانَبَةُ عُقُوقِهِما والمُحافَظَةُ عَلى بَرِّهِما.

﴿ وَلا تَقْتُلُوا أوْلادَكم مِن إمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكم وإيّاهُمْ ﴾ وذَلِكَ أنَّهم كانُوا في الجاهِلِيَّةِ يَقْتُلُونَ أوْلادَهم خَشْيَةَ الإمْلاقِ.

وَفي الإمْلاقِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الإفْلاسُ، ومِنهُ المَلْقُ لِأنَّهُ اجْتِهادُ المُفْلِسِ في التَّقْرِيبِ إلى الغِنى طَمَعًا في تَأْجِيلِهِ.

والثّانِي: أنَّ الإمْلاقَ ومَعْناهُما قَرِيبٌ وإنْ كانَ بَيْنَهُما فَرْقٌ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، والسُّدِّيِّ، والضَّحّاكِ، وابْنِ جُرَيْجٍ.

ثُمَّ ذَكَرَ فَسادَ اعْتِقادِهِمْ في الإمْلاقِ بِأنْ قالَ: ﴿ نَحْنُ نَرْزُقُكم وإيّاهُمْ ﴾ لِأنَّ رِزْقَ العِبادِ كُلِّهِمْ، مِن كَفِيلٍ ومَكْفُولٍ، عَلى خالِقِهِمْ.

ثُمَّ قالَ: ﴿ وَلا تَقْرَبُوا الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ ﴾ وفِيها أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ ذَلِكَ عامٌّ في جَمِيعِ الفَواحِشِ سِرِّها وعَلانِيَتِها، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّهُ خاصٌّ في الزِّنى، ما ظَهَرَ مِنها: ذَواتُ الحَوانِيتِ، وما بَطَنَ: ذَواتُ الِاسْتِسْرارِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، والسُّدِّيُّ.

والثّالِثُ: ما ظَهَرَ مِنها: نِكاحُ المُحَرَّماتِ، وما بَطَنَ: الزِّنى، قالَهُ مُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ.

والرّابِعُ: أنَّ ما ظَهَرَ مِنها: الخَمْرُ، وما بَطَنَ مِنها: الزِّنى، قالَهُ الضَّحّاكُ.

وَقَدْ ذَكَرْنا فِيهِ احْتِمالَ تَأْوِيلٍ خامِسٍ: أنَّ ما ظَهَرَ مِنها أفْعالُ الجَوارِحِ، وما بَطَنَ مِنها اعْتِقادُ القُلُوبِ.

ثُمَّ قالَ: ﴿ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلا بِالحَقِّ ﴾ والنُّفُوسُ المُحَرَّمَةُ: نَفْسُ مُسْلِمٍ، أوْ مُعاهِدٍ، والحَقُّ الَّذِي تُقْتَلُ بِهِ النَّفْسُ ما بَيَّنَهُ النَّبِيُّ  بِقَوْلِهِ: «لاَ يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلّا بِإحْدى ثَلاثٍ: كُفْرٌ بَعْدَ إيمانٍ، أوْ زِنًى بَعْدَ إحْصانٍ، أوْ قَتْلُ نَفْسٍ بِغَيْرِ نَفْسٍ» .

ثُمَّ قالَ: ﴿ ذَلِكم وصّاكم بِهِ ﴾ يَعْنِي أنَّ اللَّهَ وصّى عِبادَهُ بِذَلِكَ، ووَصِيَّةُ اللَّهِ واجِبَةٌ.

ثُمَّ قالَ: ﴿ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: تَعْقِلُونَ تَحْرِيمَ ذَلِكَ عَلَيْكم وتَعْلَمُونَهُ.

والثّانِي: تَعْمَلُونَ عَمَلَ مَن يَعْقِلُ وهو تَرْكُ ما أوْجَبَ العِقابَ مِن هَذِهِ المُحَرَّماتِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ فإن كذبوك ﴾ قال: اليهود.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: كانت اليهود يقولون في اللحم: إنما حرمه إسرائيل فنحن نحرمه.

فذلك قوله: ﴿ فإن كذبوك فقل ربكم..

﴾ الآية.

والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ فَإِنْ كَذَّبُوكَ ﴾ قال الكلبي: (وذلك أن رسول الله  قال للمشركين: هذا ما أوحي إليَّ مما كان محرمًا على اليهود، وما حُرّم على المسلمين في الآية الأولى، وقالوا له: ما أصبت وكذبوه، فقال الله تعالى: ﴿ فَإِنْ كَذَّبُوكَ ﴾ فيما تقول ﴿ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ ﴾ ، لذلك لا يعجل عليكم بالعقوبة ﴿ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ ﴾ : عذابه إذا جاء الوقت، ﴿ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ﴾ يعني: الذين كذبوك بما تقول) (١) وقال ابن عباس: (يريد: الملحدين) (٢) (١) لم أجد من ذكر هذا السبب في نزول الآية، وفي "تنوير المقباس" 2/ 71، نحوه في شرح الآية.

(٢) لم أقف عليه.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسعة ﴾ أي إن كذبوك فيما أخبرت به من التحريم فقل لهم: ربكم ذو رحمة واسعة إذ لا يعاجلكم بالعقوبة على شدة جرمكم، وهذا كما تقول عند رؤية معصية: ما أحلم الله!

تريد لإمهاله عن مثل ذلك ثم أعقب وصفه بالرحمة الواسعة بقوله: ﴿ وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ القوم المجرمين ﴾ أي لا تغتروا بسعة رحمته، فإنه لا يرد بأسه عن مثلكم إما في الدنيا أو في الآخرة.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ حصاده ﴾ بفتح الحاء: أبو عمرو وعاصم وابن عامر وسهل ويعقوب، الباقون: بالكسر وكلاهما مصدر ﴿ من الضان ﴾ بغير همزة: أبو عمرو غير شجاع وأوقية والأعشى والأصبهاني عن ورش ويزيد وحمزة في الوقف.

﴿ ومن المعز ﴾ ساكن العين: عاصم وحمزة وعلي وخلف ونافع وأبو جعفر وابن فليح وزمعة والخزاعي عن البزي والقواس غير ابن مجاهد وأبي عون عن قنبل عنه، الباقون: بفتحها ﴿ إلا أن تكون ﴾ بتاء التأنيث: ابن كثير وابن عامر ويزيد وحمزة وعباس مَن طريق ابن رومي عنه.

﴿ ميتة ﴾ بالتخفيف والرفع: ابن عامر وزاد يزيد التشديد.

الباقون: بالياء وبالنصب.

﴿ الحوايا ﴾ ممالة: علي وحمزة وخلف.

﴿ فقل ربكم ﴾ وبابه مظهراً: الحلواني عن قالون والبرجمي.

الوقوف: ﴿ متشابه ﴾ ط.

﴿ ولا تسرفوا ﴾ ط ﴿ المسرفين ﴾ ه لا لأن قوله: ﴿ حمولة ﴾ منصوب بـ ﴿ أنشأ ﴾ ﴿ وفرشاً ﴾ ط ﴿ الشيطان ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه لا لأن ﴿ ثمانية ﴾ منصوب بـ ﴿ أنشأ ﴾ ﴿ جنات ﴾ ﴿ أزواج ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتحاد المعنى ﴿ المعز اثنين ﴾ ط ﴿ أرحام الأنثيين ﴾ ط لانتهاء الاستفهام ﴿ صادقين ﴾ ه لا لأن ﴿ اثنين ﴾ منصوب بـ ﴿ أنشأ ﴾ أيضاً ﴿ ومن البقر اثنين ﴾ ط ﴿ أرحام الأنثيين ﴾ ط لأن "أم" في قوله: ﴿ أم كنتم ﴾ بمعنى ألف استفهام توبيخ.

﴿ بهذا ﴾ ج للاستفهام مع الفاء ولانقطاع النظم مع اتحاد المعنى ﴿ علم ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه.

﴿ لغير الله ﴾ ج ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ ظفر ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتحاد المعنى.

﴿ بعظم ﴾ ط ﴿ ببغيهم ﴾ ز للابتداء بأن وإثبات وصف الصدق مطلقاً.

وللوصل وجه لأن المعنى وإنا لصادقون فيما أخبرنا عن التحريم ببغيهم.

﴿ واسعة ﴾ ط لاختلاف الجملتين ﴿ المجرمين ﴾ ه ﴿ من شيء ﴾ ط ﴿ بأسنا ﴾ ط ﴿ لنا ﴾ ط ﴿ تخرصون ﴾ ه ﴿ البالغة ﴾ ج للشرط مع الفاء ﴿ أجمعين ﴾ ه ﴿ حرم هذا ﴾ ج لذلك ﴿ معهم ﴾ ج لتناهي جزاء الشرط مع العطف ﴿ يعدلون ﴾ ه.

التفسير: إنه  جعل مدار هذا الكتاب الكريم على تقرير التوحيد والنبوة والمعاد وإثبات القضاء والقدر وإنه بالغ في تقرير هذه الأصول وانتهى الكلام إلى شرح أحوال السعداء والأشقياء، ثم انتقل منه إلى تهجين طريقة منكري البعث والقيامة، ثم أتبعه حكاية أقوالهم الركيكة تنبيهاً على ضعف عقولهم، فلما تمم هذه المقاصد عاد إلى ما هو المقصود الأصلي وهو إقامة الدلائل على إثبات ذاته ووجوب توحيده فقال: ﴿ وهو الذي أنشأ ﴾ الآية نشأ الشيء ينشأ نشأ إذا ظهر وارتفع، وأنشأه الله ينشئه إنشاء أظهره ورفعه ﴿ جنات معروشات وغير معروشات ﴾ يقال: عرشت الكرم إذا جعلت له دعائم وسمكاً تعطف عليه القبضان.

وقيل: كلاهما الكرم فإن بعض الأعناب تعرش وبعضها يبقى على وجه الأرض منبسطاً كالقرع والبطيخ.

وقيل: المعروشات ما يحتاج إلى أن يتخذ له عروش يحمل عليها فتمسكه وهو الكرم وما يجري مجراه، وغير معروشات هو القائم من الشجر المستغني باستوائه وقوة ساقة عن التعريش.

وقيل: المعروشات ما في البساتين والعمارات مما غرسه الناس واهتموا به فعرشوه، وغير معروشات ما أنبته الله وحشياً في البراري والجبال فيبقى غير معروش.

﴿ والنخل والزرع ﴾ فسر ابن عباس الزرع بجميع الحبوب التي الذكر تقتات ﴿ مختلفاً أكله ﴾ والأكل كل ما يؤكل والمراد ههنا ثمر النخل والزرع فاكتفى بإعادة الذكر على أحدهما كقوله: ﴿ وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها  ﴾ أي إليهما.

والمراد أن لكل شيء منهما طعماً غير طعم الآخر و ﴿ مختلفاً ﴾ حال مقدّرة أي أنشأه مقدرّاً اختلاف أكله لأنه لم يكن وقت الإنشاء كذلك ﴿ متشابهاً وغير متشابه ﴾ في القدر واللون والطعم.

ثم قال ﴿ كلوا من ثمره ﴾ وقد قال في الآية المتقدمة أعني نظير هذه الآية وذلك قوله: ﴿ وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء ﴾ الآية إلى قوله ﴿ انظروا إلى ثمره  ﴾ تنبيهاً على أن الأمر بالاستدلال بها على الصانع الحكيم متقدم على الإذن في الانتفاع بها لأن الحاصل من الأول سعادة روحانية أبدية، والحاصل من الانتفاع سعادة جسمانية زائلة.

وفائدة هذا الأمر الإباحة، وقدم إباحة الأكل على إخراج الحق كيلا يظن أنه يحرم على المالك تناوله لمكان شركة المتشاركين فيه.

وفي الآية إشارة إلى أن خلق هذه النعم إما للأكل وإما للتصدق، والأول لكونه حق النفس مقدم على الثاني لأنه حق الغير.

وفيه أن الأصل في المنافع الإباحة والإطلاق لأن قوله: ﴿ كلوا ﴾ خطاب عام يتناول الكل، ويمكن أن يستدل به على أن الأصل عدم وجوب الصوم وأن من ادعى إيجابه فهو المحتاج إلى الدليل، وأن المجنون إذا أفاق في أثناء النهار لا يلزمه قضاء ما مضى، وأن الشارع في صوم النفل لا يجب عليه الإتمام.

قال علماء الأصول: من المعلوم من لغة العرب أن صيغة الأمر تفيد ترجيح جانب الفعل؛ فحملها على الإباحة أو الوجوب لا يصار إليه إلا بدليل منفصل، وفائدة قوله: ﴿ إذا أثمر ﴾ وقد علم أنه إذا لم يثمر لم يؤكل منه هي أن يعلم أن أول وقت الإباحة وقت اطلاع الشجر الثمر ولا يتوهم أنه لا يباح إلا إذا أدرك وأينع، أما قوله: ﴿ وآتوا حقه يوم حصاده ﴾ فعن ابن عباس في رواية عطاء وهو قول سعيد بن المسيب والحسن وطاوس والضحاك.، أن الآية مدنية والحق هو الزكاة المفروضة وعلى هذا فكيف يؤدى الزكاة يوم الحصاد والحب في السنبل.

والجواب أن المراد فاعزموا على إيتاء الحق يوم الحصاد واهتموا به حتى لا تؤخروه عن أوّل وقت يمكن فيه الإيتاء، وقال مجاهد: الآية مكية وإن هذا حق في المال سوى الزكاة وكان يقول: إذا حصدت فحضرك المساكين فاطرح لهم منه، وكذا إذا دسته وإذا عرفت كيله فاعزل زكاته وزيف بقوله صلى الله عليه وآله: "ليس في المال حق سوى الزكاة" وبأن قوله: ﴿ وآتوا حقه ﴾ إنما يحسن ذكره لو كان ذلك الحق معلوماً قبل ورود هذه الآية والإلزام الإجمال.

وعن سعيد بن جبير أن هذا كان قبل وجوب الزكاة فلما فرض العشر أو نصف العشر فيما سقي بالسواقي نسخ، والقول الأول أصح.

ثم إن أبا حنيفة احتج بالآية على وجوب الزكاة في الثمار لأنه قال: ﴿ وآتوا حقه ﴾ بعد ذكر الأنواع الخمسة وهي العنب والنخل والزرع والزيتون والرمان.

واعترض عليه بأن لفظ الحصاد مخصوص بالزرع.

وأجيب بأن الحصد في اللغة عبارة عن القطع وذلك يتناول الكل.

واحتج هو أيضاً بها على أن العشر واجب في القليل والكثير للإطلاق.

والجواب أن بيانه في الحديث "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" .

ثم قال تعالى: ﴿ ولا تسرفوا ﴾ ولأهل اللغة فيه تفسيران: فعن ابن الأعرابي: السرف تجاوز ما حد لك.

فعلى هذا إذا أعطى الكل ولم يوصل إلى عياله شيئاً فقد أسرف كما جاء في الخبر "إبدأ بنفسك ثم بمن تعول" وروي أن ثابت بن قيس بن شماس عمد إلى خمسمائة نخلة فخذها فقسمها في يوم واحد ولم يدخل منها إلى منزله شيئاً فنزلت الآية ﴿ ولا تسرفوا ﴾ أي لا تعطوا كله وإذا منع الصدقة فقد أسرف وبه فسر الآية سعيد بن المسيب، فإن مجاوزة الحد تكون إلى طرف الإفراط وإلى طرف التفريط.

وقال عمر: سرف المال ما ذهب منه في غير منفعة.

وعلى هذا فقد قال مقاتل: معناه لا تشركوا الأصنام في الأنعام والحرث.

وقالالزهري: ولا تنفقوا في معصية الله  .

وعن مجاهد: لو كان أبو قبيس ذهباً فأنفقه رجل في طاعة الله  لم يكن مسرفاً، ولو أنفق درهماً في معصية الله كان مسرفاً، وهذا المعنى أراد حاتم الطائي حين قيل له لا خير في السرف فقال: لا سرف في الخير.

ثم ختم الآية بقوله: ﴿ إنه لا يحب المسرفين ﴾ والمقصود منه الزجر فإن كل مكلف لا يحبه الله فإنه من أهل النار لأن محبة الله  عبارة عن إرادة إيصال الثواب إليه.

قوله: ﴿ حمولة وفرشاً ﴾ معطوف على جنات أي وأنشأ من الأنعام هذين الجنسين.

فالحمولة ما يحمل الأثقال "فعولة" بمعنى "فاعلة" والفرش للذبح أو ينسج من وبره وصوفه وشعره الفرش مصدر بمعنى "مفعول".

وقيل: الحمولة الكبار التي تصلح للحمل، والفرش الصغار كالفصلان والعجاجيل والغنم لأنها دانية من الأرض للطافة أجرامها مثل الفرش المفروش عليها.

﴿ كلوا مما رزقكم الله ﴾ قالت المعتزلة.

أي مما أحلها لكم ﴿ ولا تتبعوا خطوات الشيطان ﴾ لا تسلكوا طريقه الذي يدعوكم إليه في التحليل والتحريم من عن أنفسكم كما فعل أهل الجاهلية ﴿ إنه لكم عدوّ مبين ﴾ بين العداوة.

وفي انتصاب ﴿ ثمانية أزواج ﴾ وجهان: قال الفراء: هو بدل من قوله: ﴿ حمولة وفرشاً ﴾ .

وجوز غيره أن يكون مفعول ﴿ كلوا ﴾ والعرب تسمي الواحد فرداً إذا كان وحده فإذا كان معه غيره من جنسه سمي كل واحد منهما زوجاً وهما زوجان، قال عز من قائل: ﴿ خلق الزوجين الذكر والأنثى  ﴾ وقال: ﴿ ثمانية أزواج ﴾ ثم فسرها بقوله: ﴿ من الضأن اثنين ﴾ أي زوجين اثنين ﴿ ومن المعز اثنين ﴾ وفي الآية الثانية: ﴿ ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين ﴾ قال الجوهري: الضائن خلاف الماعز والجمع يعني اسم الجمع الضأن والمعز مثل راكب وركب وسافر وسفر.

وضأن أيضاً مثل حارس وحرس.

وقال في الكشاف: إنه قرىء بفتح العين.

والضأن ذوات الصوف من الغنم والمعز ذوات الشعر منها ﴿ قل ءالذكرين حرم الأنثيين ﴾ نصب بقوله: ﴿ حرم ﴾ والاستفهام يعمل فيه ما بعده ولا يعمل فيه ما قبله.

ويريد بالذكرين الذكر من الضأن وهو الكبش، والذكر من المعز وهو التيس، وبالأنثيين الأنثى من الضأن وهيالنعجة، والأنثى من المعز وهي العنز، وذلك على طريق الجنسية والمشاكلة.

ومعنى الاستفهام إنكار أن يحرم الله من جنسي الغنم ضأنها ومعزها شيئاً من نوعي ذكورها وإناثها ولا مما يشتمل عليه أرحام الأنثيين أي مما يحمل إناث الجنسين، وكذلك الذكر من جنسي الإبل والبقر يعني الجمل والثور والأنثيان منهما الناقة والبقرة وما يحمل إناثهما وذلك أنهم كانوا يحرّمون ذكور الأنعام تارة وإناثها أخرى وأولادها كيفما كانت ذكوراً أو إناثاً، أو من خلط تارة وكانوا يقولون: قد حرمها الله فقيل لهم: إنكم لا تقرون بنبوّة نبي ولا شريعة شارع فكيف تحكمون بأن هذا يحل وهذا يحرم؟

وأكد ذلك بقوله: ﴿ نبؤني بعلم ﴾ أخبروني بأمر معلوم من جهة الله يدل على تحريم ما حرمتم ﴿ إن كنتم صادقين ﴾ في أن الله حرمه.

واعلم أنه  منّ على عباده بإنشاء الأزواج الثمانية من الأنعام لمنافعهم وإباحتها لهم إلا أنه فصل بين بعض المعدود وبعضه بالاحتجاج على من حرمها وليس ذلك بأجنبي وإنما هي جملة معترضة جيء بها تأكيداً وتشديداً للتحليل، فالاعتراضات في الكلام لاتساق إلا للتوكيد، أما قوله: ﴿ أم كنتم شهداء ﴾ فـ"أم" منقطعة أي بل أكنتم شهداء ومعناه الإنكار وفحواه أعرفتم التوصية به مشاهدين لأنكم لا تؤمنون بالرسل وتقولون إن الله حرم هذا فلم يبق إلا المشاهدة فتهكم بهم بذلك وسجل عليهم وعلى مثالهم بالظلم بقوله: ﴿ فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً ﴾ فنسب إليه تحريم ما لم يحرم، قال المفسرون: يريد عمرو بن لحي بن قمعة الذي غيَّر شريعة إسماعيل  وبَحَّر البحائر وسَيَّب السوائب.

والأقرب أن للفظ عام فيتناول كل مفتر وإذا استحق هذا الوعيد على افتراء الكذب في تحريم مباح فكيف إذا كذب على الله  في مسائل التوحيد ومعرفة الذات والصفات والملائكة وفي النبوّات وفي المعاد؟!

قال القاضي: في الآية دلالة على أن الإضلال عن الدين مذموم فلا يجوز أن ينسب إلى الله  .

وأجيب بأنه ليس كل ما كان مذموماً منا كان مذموماً من الله  فإن تمكين العبيد من أسباب الفجور وتسليط الشهوة عليهم مذموم منّا دونه ﴿ إن الله لا يهدي القوم الظالمين ﴾ قال القاضي: لا يهديهم إلى ثوابه وإلى زيادات الهدى التي يختص المهتدي بها.

وقالت الأشاعرة: معناه أنه لا ينقل المشركين من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، ثم لما بيّن فساد طريقة الجاهلية فيما يحل ويحرم من المطاعم أتبعه البيان الصحيح في الباب فقال: ﴿ قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرماً ﴾ أي طعاماً محرماً ﴿ على طاعم يطعمه ﴾ على آكل يأكله ﴿ إلا أن يكون ﴾ ذلك المأكول أو الموجود أو الطعام ﴿ ميتة أو دماً مسفوحاً ﴾ مصبوباً سائلاً.

قال ابن عباس: يريد ما خرج من الأنعام وهي أحياء وما خرج من الأوداج عند الذبح فلا يدخل فيه الكبد والطحال لجمودهما، وما يختلط باللحم من الدم فإنه غير سائل.

وسئل أبو مجلز عما يتلطّخ باللحم من الدم وعن القدر التي سلف في أمثالها، وانتصاب ﴿ فسقاً ﴾ على أنه معطوف على المنصوبات قبله، و ﴿ أهل ﴾ صفة له منصوبة المحل سمي ما أهل به لغير الله فسقاً لتوغله في باب الفسق كما يقال: فلان كرم وجود.

وجوز أن يكون ﴿ فسقاً ﴾ مفعولاً له من ﴿ أهل ﴾ وعلى هذا فقد عطف ﴿ أهل ﴾ على ﴿ يكون ﴾ والضمير في ﴿ به ﴾ يعود إلى ما يرجع إليه المستكن في ﴿ يكون ﴾ قالت العلماء: إن هذه السورة مكية وقد بيّن في الآية أنه لم يجد فيما أوحي إليه قرآناً أو غيره محرماً سوى هذه الأربعة، وقد أكد هذا بما في النحل وفي البقرة مصدرة بكلمة "إنما" الدالة على الحصر فصارت المدنية مطابقة للمكية، والذي جاء في المائدة ﴿ حرمت عليكم الميتة والدم  ﴾ إلى قوله: ﴿ وما أكل السبع إلا ما ذكيتم  ﴾ من أقسام الميتة ولكنه خص بالذكر لأنهم كانوا يحكمون على تلك الأشياء بالتحليل فثبت أن الشريعة من أولها إلى اخرها كانت مستقرة على هذا الحكم.

وعلى هذا الحصر بقي الكلام في الخمر وفي سائر النجاسات والمستقذرات فنقول: إنه  قد وصف الخمر بأنه رجس وههنا علل تحريم لحم الخنزير بكونه رجساً فعلمنا أن النجاسة علة لتحريم الأكل وكل نجس فإنه يحرم أكله، هذا بعد إجماع الأمة على تحريم الخبائث والنجاسات.

وإن جوزنا تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد كما روي أنه صلى الله عليه وآله نهى عن كل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطيور.

فلا إشكال.

وقيل: المراد أن وقت نزول هذه الآية لم يكن محرم على اليهود وزيف بأن تحريم شيء خامس نسخ والأصل عدمه.

ثم بين  أنه حرم على اليهود أشياء أخر سوى هذه الأربعة فقال: ﴿ وعلى الذين هادوا حرمنا ﴾ وذلك نوعان: الأول أنه حرم عليهم ﴿ كل ذي ظفر ﴾ وفيه لغات: ضم الفاء والعين وهي الفصحى، وكسرهما وهي قراءة ابن السماك، والضم مع السكون والكسر مع السكون وهي قراءة الحسن، واختلف في ذي الظفر فعن ابن عباس في رواية عطاء أنه الإبل فقط، وعنه في رواية أخرى وهو قول مجاهد أنه الإبل والنعام، وقيل: كل ذي مخلب من الطير وكل ذي حافر من الدواب، وسمي الحافر ظفراً على الاستعارة، وزيف بأن الحافر لا يكاد يسمى ظفراً وبأن البقرة والغنم مباحان لهم كما يجيء مع أن لهما حافراً فإذن يجب حمل الظفر على المخلب والبراثن من الجوارح والسباع بل على كل ما له إصبع من دابة وطائر.

وكان بعض ذوات الظفر حلالاً لهم فلما ظلموا عمم التحريم.

فعموم التحريم خاص بهم ولهذا قدم الجار في قوله ﴿ وعلى الذين هادوا حرمنا ﴾ فيستدل بذلك على حل بعض هذه الحيوانات على المسلمين وهو ما سوى ذات المخلب والناب فيكون الخبر مبيناً للآية لا مخالفاً كما ظن صاحب التفسير الكبير.

النوع الثاني قوله ﴿ ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما ﴾ قال في الكشاف: هو كقولك: "من زيد أخذت ماله" تريد بالإضافة يعني إضافة الأخذ إلى زيد بواسطة من زيادة الربط.

والمعنى أنه حرم عليهم من كل ذي ظفر كله ومن البقرة والغنم بعضهما وذلك شحومهما فقط، هذا أيضاً ليس على الإطلاق لقوله: ﴿ إلا ما حملت ظهورهما ﴾ قال ابن عباس: إلا ما علق بالظهر من الشحم فإني لم أحرمه.

وقال قتادة: إلا ما علق بالظهر والجنب من داخل بطونها.

وقيل: إلا ما اشتمل على الظهور والجنوب من السحفة وهي الشحمة التي على الظهر الملتزقة بالجلد فيما بين الكتفين إلى الوركين.

وهي بالحقيقة لحم سمين لأنه يحمر عند الهزال ولهذا لو حلف لا يأكل الشحم فأكل من ذلك اللحم السمين لم يحنث على الأصح.

والاستثناء الثاني قوله: ﴿ أو الحوايا ﴾ قال الجوهري: الحوايا الأمعاء واحدها حوية وفي معناها حاوية البطن وحاوياء البطن.

وقال الواحدي: هي المباعر والمصارين والفحوى، أو ما اشتمل على الأمعاء يعني أن الشحوم المتصقة بالمباعر والمصارين غير محرمة، والاستثناء الثالث: ﴿ أو ما اختلط بعظم ﴾ قال جمهور المفسرين: يعني شحم الآلية.

وقال ابن جريج: كل شحم في القوائم والجنب والرأس وفي العينين والأذنين فإنه مخلوط بعظم فهو حلال لهم.

والحاصل أن الشحم الذي حرم الله عليهم هو الثرب وشحم الكلية.

وقيل: إن الحوايا غير معطوف على المستثنى وإنما هو معطوف على المستثنى منه والتقدير: حرمنا عليهم شحومهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم إلا ما حملت الظهور فإنه غير محرم.

ودخوله كلمة "أو" كدخولها في قوله  : ﴿ ولا تطع منهم آثماً أو كفوراً  ﴾ والمعنى كل هؤلاء أهل أن يعصى فاعص هذا واعص هذا فكذا ههنا المعنى حرمنا عليهم هذا وهذا ﴿ ذلك ﴾ الجزاء وهو تحريم الطيبات ﴿ جزيناهم ببغيهم ﴾ بسبب قتلهم الأنبياء وأخذهم الربا واستحلالهم أموال الناس بالباطل وغير ذلك من قبائح أفعالهم ﴿ وإنا لصادقون ﴾ في هذه الأخبار أو فيما يوعد به العصاة.

قال القاضي: نفس التحريم لا يجوز أن يكون عقوبة على جرم صدر عنهم لأن التكليف تعريض للثواب والتعريض للثواب إحسان.

وأجيب بأن المنع من الانتفاع يمكن أن يكون لمزيد الثواب ويمكن أن يكون بشؤم الجرم المتقدم ﴿ فإن كذبوك ﴾ في ادعاء النبوّة والرسالة أو في تبليغ الأحكام، وعلى أصول المعتزلة فإن كذبوك في إنجاز إيعاد العصاة وزعموا أن الله واسع الرحمة وأنه يخلف الوعيد جوداً وكرماً.

﴿ فقل ربكم ذو رحمة واسعة ﴾ فلذلك لا يعجل بالعقوبة ﴿ ولا يردّ بأسه ﴾ إذا جاء وقت عذابه ﴿ عن القوم المجرمين ﴾ يعني المكذبين.

وعلى أصولهم رحمته واسعة لأهل طاعته ولا يرد بأسه مع ذلك عن الذين ارتكبوا الكبائر فماتوا قبل التوبة.

ثم حكى أعذار الكفار الواهية فقال: ﴿ سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ﴾ وإنما جاز العطف عل الضمير المرفوع المتصل من غير أن أكد بالمنفصل لمكان الفصل بعد حرف العطف بلا الزائدة لتأكيد النفي.

أخبر الله  بما سوف يقولونه ولما قالوه.

قال في سورة النحل: ﴿ وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء  ﴾ وإنما قال في سورة النحل بزيادة "نحن" و "من دونه" مرتين لأن الإشراك مستنكر مطلقاً.

فلفظ الإشراك يدل على إثبات شريك لا يجوز إثباته، وعلى تحليل أشياء وتحريم أشياء من دون الله فلم يحتج إلى لفظ من دونه، وأما العبادة فإنها غير مستنكرة على الإطلاق وإنما المستنكر عبادة شيء مع الله  ، ولا تدل على تحريم شيء فلم يكن بد من تقييده بقوله: ﴿ من دونه ﴾ ولما حذف من الآية لفظة ﴿ من دونه ﴾ مرتين حذف معه ﴿ نحن ﴾ لتطرد الآية في حكم التخفيف.

أما تفسير الآية فزعمت المعتزلة أنها تدل على قولهم في مسألة إرادة الكائنات من سبعة أوجه: الأول أن الذي حكى عن الكفار في معرض الذم والتقبيح وذلك قولهم: "لو شاء الله منا أن لا نشرك لم نشرك" هو صريح قول المجبرة فيكون هذا المذهب مذموماً.

الثاني قوله: ﴿ كذلك كذب الذين من قبلهم ﴾ فلم يذكر المكذب به تنبيهاً على أنهم جاؤا بالتكذيب المطلق لأن الله عز وعلا ركب في العقول وأنزل في الكتب ما دل على غناه وبراءته من مشيئته القبائح وإرادتها، والرسل أخبروا بذلك فمن علق وجود القبائح من الكفر والمعاصي بمشيئة الله وإرادته فقد كذب التكذيب كله وهو تكذيب الله ورسوله وكتبه ونبذ أدلة السمع والعقل وراء ظهره.

والحاصل أن هذا طريق متعين لكل الكفار المتقدمين منهم والمتأخرين في تكذيب الأنبياء وفي دفع دعوتهم عن أنفسهم لأنهم يقولون الكل بمشيئة الله  .

الثالث قوله: ﴿ حتى ذاقوا بأسنا ﴾ وذلك يدل على أنهم استوجبوا الوعيد من الله  في هذا المذهب.

الرابع قوله: ﴿ قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا ﴾ وإنه استفهام على سبيل الإنكار أي لا علم لهؤلاء القائلين ولا حجة.

الخامس: ﴿ إن تتبعون إلا الظن ﴾ السادس: ﴿ وإن أنتم إلا تخرصون ﴾ السابع: ﴿ قل فلَّله الحجة البالغة ﴾ لأنه أزال الأعذار بالتمكين والإقدار فلم يبق لكم على الله حجة وإنما الحجة البالغة له عليكم وذلك أنكم تقولون: لو أتينا بعمل على خلاف مشيئة الله لزم أن يكون الإله عاجزاً مغلوباً.

وهذا الكلام غير لازم لأن الله قادر على أن يحملكم على الإيمان والطاعة على سبيل القهر والإلجاء إلا أن ذلك يبطل الحكمة المطلوبة من التكليف وهذا هو المراد من قوله: ﴿ فلو شاء لهداكم أجمعين ﴾ وبوجه آخر إن كان الأمر كما زعمتم أن ما أنتم عليه بمشيئة الله فلَّله الحجة الكاملة عليكم فإن تعليقكم دينكم بمشيئة الله يقتضي أن تعلقوا دين من يخالفكم أيضاً بمشيئته فتوالوا جميع أهل الأديان ولا تعادوهم.

أجابت الأشاعرة بأنا قد بينا بالدلائل القاطعة من أول القرآن إلى ههنا صحة مذهبنا فوجب تأويل هذه الآية دفعاً للتناقض فنقول: إن القوم كانوا يتمسكون بمشيئة الله  في إبطال دعوة الأنبياء، وفي أن التكليف عبث فبين الله  أن ذلك من تكاذيبهم وأكاذيبهم، وأن التشبث بهذا العذر لا يفيدهم لأنه إله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا اعتراض لأحد عليه، شاء الكفر من الكافر ومع ذلك بعث الأنبياء وأمر بالإيمان، وورود الأمر على خلاف الإرادة غير ممتنع ويؤيد ذلك ما روي عن ابن عباس: أول ما خلق الله القلم فقال: اكتب القدر فجرى بما يكون إلى قيام الساعة.

وقال رسول الله صلى الله عليه وآله "المكذبون بالقدر مجوس هذه الأمة" ثم إن ظاهر آخر الآية معناه وهو قوله: ﴿ فلو شاء لهداكم أجمعين ﴾ وحمل المشيئة على مشيئة الإلجاء والقسر تعسف والله أعلم.

ثم لما أبطل جميع حجج الكفار بين أنه ليس لهم على قولهم شهود فقال: ﴿ قل هلم ﴾ ومعناه إذا كان لازماً أقبل وإذا كان متعدياً أحضر.

قال الخليل: أصله "هالم" من قولهم لمَّ الله شعثه أي جمعه كأنه قال: لمَّ نفسك إلينا أي أقرب والهاء للتنبيه واستعطاف المأمور، ثم حذفت ألفها لكثرة الاستعمال وجعلا اسماً واحداً يستوي فيه الواحد والجمع والتذكير والتأنيث في لغة أهل الحجاز، وأهل نجد يصرفونها "هلما هلموا هلمي هلممن" والأول أفصح وقد يوصل بإلى كقوله  : ﴿ والقائلين لإخوانهم هلم إلينا  ﴾ وقال الفراء: أصلها "هل أم" أرادوا بهل حرف الاستفهام ومعنى أم اقصد.

وقيل: إن أصل استعماله أن قالوا هل لك في الطعام أم أي اقصد.

ثم شاع في الكل.

أمر الله  نبيه باستدعاء إقامة الشهداء من الكافرين ليظهر أن لا شاهد لهم على تحريم ما حرموه.

وإنما لم يقل شهداء يشهدون لأنه ليس الغرض أحضار أناس يشهدون بالتحريم وإنما المراد إحضار شهدائهم الموسومين بالشهادة لهم المعروفين بنصرة مذهبهم ولهذا قال: ﴿ فإن شهدوا ﴾ أي فإن وقعت شهادتهم ﴿ فلا تشهد معهم ﴾ أي لا تسلم لهم ما شهدوا به ولا تصدقهم لأن شهادتهم محض الهوى والتعصب ولأجل ذلك قال أيضاً: ﴿ ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا ﴾ فوضع الظاهر موضع المضمر تسجيلاً عليهم بالتكذيب وليرتب عليه باقي الآية فيعلم أن المتصف بهذه الصفات لا تكون شهادتهم عند العقلاء مقبولة.

التأويل: ﴿ وهو الذي أنشأ جنات ﴾ في القلوب ﴿ معروشات ﴾ من شجرة الإسلام والإيمان والإحسان ﴿ وغير معروشات ﴾ هي الصفات الروحانية التي جبلت القلوب عليها كالسخاء والحياء والوفاء والمودة والفتوة والشفقة والعفة والعلم والحلم والعقل والشجاعة والقناعة ونخل الإيمان وزرع الأعمال الصالحة وزيتون الأخلاق الحميدة ورمان الإخلاص بالشواهد والأحوال ﴿ متشابهاً ﴾ أعمالها ﴿ وغير متشابه ﴾ أحوالها ﴿ كلوا من ثمره ﴾ انتفعوا من ثمار الإيمان والأعمال والإخلاص بالشواهد والأحوال لا بالدعاوى والقيل والقال.

﴿ وآتوا حقه ﴾ وحقه دعوة الخلق وتربيتهم بالحكمة والمواعظة الحسنة و ﴿ يوم حصاده ﴾ أوان بلوغ السالك مبلغ الرجال البالغين عند إدراك ثمرة الكمال للواصلين دون السالك الذي يتردد بعد بين المنازل والمراحل.

﴿ ولا تسرفوا ﴾ بالشروع في الكلام في غير وقته والحرص على الدعوة قبل أوانها.

﴿ ومن الأنعام ﴾ أي ومن الصفات الحيوانية التي هي مركوزة في الإنسان ما هو مستعد لحمل الأمانة وتكاليف الشرع، ومنها ما هو مستعد للأكل والشرب لصلاح القالب وقيام البشرية.

﴿ كلوا مما رزقكم الله ﴾ فرزق القلب هو التحقيق من حيثالبرهان، ورزق الروح هو المحبة بصدق التحرز عن الأكوان، ورزق السر هو شهود العرفان يلحظ العيان، فانتفعوا من هذه الأرزاق بقدر ما ينبغي.

﴿ إنه لكم عدو مبين ﴾ يخرجكم بالتفريط والإفراط إلى ضد المقصود.

ثم إن الصفات الحيوانية ثمان بعضها ذكور وبعضها إناث يتولد منها صفات أخر كلها محمودة إذ استعملت في محالها، وبمقدار ما ينبغي ﴿ من الضأن اثنين ومن المعز اثنين ﴾ والضأن والمعز من جنس الفرشية كما أن الإبل والبقر من جنس الحمولية.

والذكر من الضأن والمعز هما صفة شهوة البطن والفرج والأنثى منهما صفة حسن الخلق عند الاستمتاع بها وصفة التسليم عند تحمل الأذى، والذكر من الإبل والبقر صفتا الظلومية والجهولية، وأنثاهما الحمولية والاستسلام للاستعمال.

فبهذه الصفات الإنسانية صار الإنسان حامل أعباء الأمانة التي أبت المكونات عن حملها وهن أيضاً حملة عرش القلب فافهم، وقد أحل الله  استعمالها واستعمال المتولد منها على قانون الشرعية والطريقة، ومن زعم أنه يجب تركها وفصلها بالكلية فقد افترى ﴿ لو شاء الله ما أشركنا ﴾ الكلام في نفسه حق وصدق إلا أنهم لما ذكروه في معرض الإلزام دفعاً للأذية والآلام كذبوا فيما قالوا والله  أعلم بالصواب.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ ﴾ .

قوله: ﴿ قُل لاَّ أَجِدُ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أي: لا أجد مما تحرمون أنتم فيما أوحي إلي، وأما مما لا تحرمون فإنه يجد.

والثاني: لا أجد فيما أوحي محرما في وقت، ثم وجده في وقت آخر.

وأيهما كان فليس فيه دليل حل سوى ما ذكر في الآية على ما يقوله بشر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ ﴾ .

مثل هذا الخطاب لا يكون إلا في معهود [أو] سؤال، وإلا مثل هذا الخطاب لا يستقيم على الابتداء.

فإن كان في معهود فهو يخرج جواب ما كانوا يحرمون من أشياء من الأنعام والحرث، وما ذكر في الآيات التي تقدم ذكرها، وما كانوا يحرمون من البحيرة والسائبة، والوصيلة، والحامي؛ فقال: ﴿ قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً ﴾ : مما تحرمون أنتم، ﴿ عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً ﴾ .

أو كان جواب سؤال في نازلة؛ فقال: ﴿ قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً ﴾ إلا فيما ذكر في الآية، أو لم يجده محرما في وقت إلا ما ذكر، ثم وجده في وقت آخر، ففي أيهما كان لم يكن لبشر علينا في ذلك حجة؛ حيث قال إن الأشياء كلها محللة مطلقة بهذه الآية: ﴿ قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً ﴾ إلا ما ذكر: من الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما أهل لغير الله به، فقال: لا يحرم من الحيوان إلا ما ذكر.

ويقول: إن النهي الذي جاء عن رسول الله  : "أنه نهى عن كل ذي ناب من السباع، وعن كل ذي مخلب من الطير" ، إنما هو خبر خاص من أخبار الآحاد، وخبر الواحد لا يعمل في نسخ الكتاب، وقد قال: ﴿ لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً ﴾ .

[وبعد]: فإن ذلك الخبر من الأخبار المتواترة؛ لأنه عرفه الخاص والعام، وعملوا به وظهر العمل به حتى لا يكاد يوجد ذلك يباع في أسواق المسلمين؛ دل أنه [من] المتواتر.

قال الشيخ -  -: وعندنا أن لفظة "التحريم" [على الإطلاق لا تقال إلا في النهايات من الحرمة، ونحن نقول: لا تطلق لفظة التحريم] في الحيوان إلا فيما ذكر في الآية من الميتة، والدم المسفوح، والخنزير، ولكن يقال: منهي عنه مكروه، ولا يقال: محرم مطلقا، ويقال: لا يؤكل ولا يطعم.

وبعد: فإن الآية لو كانت في غير الوجهين اللذين ذكرناهما، لم يكن فيها دليل حل ما عدا المذكور في الآية؛ لأنه قال: ﴿ لاَّ أَجِدُ ﴾ ، ولم يوجد في وقت، ثم وجد في وقت آخر، [و] هذا جائز.

وفي قوله: ﴿ مُحَرَّماً عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ ﴾ دلالة أن الجلد يحرم بحق اللحمية؛ لأنه أمكن أن يشوى فيؤكل؛ فحرمته حرمة اللحم، فإذا دُبغ خرج من أن يؤكل؛ [فظل هو مخرج] عن قوله: ﴿ عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ...

﴾ ، والله أعلم.

ثم في قوله: ﴿ مُحَرَّماً عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ...

﴾ الآية دلالة أن الحرمة التي ذكر في قوله: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلْدَّمُ وَلَحْمُ ٱلْخِنْزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ وَٱلْمُنْخَنِقَةُ وَٱلْمَوْقُوذَةُ وَٱلْمُتَرَدِّيَةُ...

 ﴾ إلى آخر ما ذكر حرمة الأكل والتناول منها؛ لأنه لم يبين في تلك الآية ما الذي حرم منها سوى ما ذكر حرمته تفسرها هذه الآية.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مُحَرَّماً عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً ﴾ .

دل هذا أن الحرمة في تلك الآية الأكل والتناول منها؛ وكذلك قوله: ﴿ ٱلْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ  ﴾ : ذكر الحل، ولم يذكر الحكم، لماذا؟

ثم جاء التفسير في هذه الآية أنه للأكل، ثم الميتة التي ذكر أنها محرمة ليست هي التي ماتت حتف أنفها خاصة.

ألا ترى أنه ذكر: ﴿ وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ  ﴾ ، ﴿ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ  ﴾ .

[و] قال: ﴿ وَٱلْمُنْخَنِقَةُ وَٱلْمَوْقُوذَةُ وَٱلْمُتَرَدِّيَةُ وَٱلنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ ٱلسَّبُعُ  ﴾ ، كل هذا الذي ذكر لم يمت حتف أنفه، ولكن بأسباب لم يؤمر بها؛ فصارت ميتة؛ فدل أن كل مذبوح أو مقتول بسبب لم يؤمر به فهو ميتة، لا يحل التناول منها إلا في حال الاضطرار.

وفي قوله: ﴿ أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً ﴾ .

دلالة أن المحرم من الدم هو المسفوح، والدم الذي يكون في اللحم ويخالط اللحم ليس بحرام، والدم المسفوحُ حرامٌ.

قال أبو عوسجة: المسفوح المصبوب؛ تقول: سفحت: صببت.

وقال القتبي: مسفوحاً، أي: سائلا.

وقال ابن عباس -  -: المسفوح: هو الذي يراق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَحْمَ خِنزِيرٍ ﴾ .

ذكر اللحم وذكر حرمة الميتة؛ ليعلم أن الخنزير بجوهره حرام، والميتة حرمتها لا بجوهرها، لكن لما اعترض؛ لذلك قلنا: [إنه] لا بأس بالانتفاع بصوف الميتة ووبرها وعظمها، ولا يجوز من الخنزير شيء، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ ﴾ .

قيل: غير باغ: يستحله في دينه، ولا عاد، أي: ولا متعد بألم يضطر إليه فأكله.

وقد ذكرنا أقاويلهم والاختلاف في تأويله في صدر الكتاب.

﴿ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ ﴾ ، لأكله الحرام في حال الاضطرار، ﴿ رَّحِيمٌ ﴾ ، حيث رخص الحرام في موضع الاضطرار، وهذا - أيضاً - قد مضى ذكره في غير موضع.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ  ﴾ .

قيل: مثل [هذا] النعامة والبعير.

وقيل: كل ذي ظفر: مثل الديك، والبط، والبعير، وكل ما لم يكن منفرج الأصابع والقوائم.

وقيل: حرمنا كل ذي حافر من نحو حمار الوحش والوز وغيره.

وقيل: ﴿ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ﴾ : كل ذي مخلب من الطير، وكل ذي ناب من السباع، ومن الدواب: كل ذي ظفر منشق؛ مثل: الأرنب والبعير وأشباههما، وهو قول ابن عباس -  ما - والأشبه أن يكون ما ذكر [من تحريم كل ذي ظفر عليهم هو ما يحل أكله لا ما يحرم وهو ما ذكر بعضهم أنه البعير والغنم لأنه ذكر] في آية أخرى ﴿ فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ...

﴾ الآية [النساء: 160].

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِنَ ٱلْبَقَرِ وَٱلْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَآ إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا ﴾ .

قيل: [تحرم] [شحوم] بطونهما، ومن الثروب، وشحم الكليتين.

﴿ أَوِ ٱلْحَوَايَآ ﴾ .

وهي المباعر والمصارين، أي: الشحم الذي عليهما.

﴿ أَوْ مَا ٱخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ﴾ .

قيل: الألية.

وقيل: قوله: ﴿ إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا ﴾ : هو سمن اللحم، قيل فيه أقاويل مختلفة في هذا، وفي الأول في قوله: ﴿ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ﴾ ، لكن ليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة؛ لأن تلك شريعة قد نسخت، والعمل بالمنسوخ حرام، فإذا لم يكن علينا العمل بذلك فليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة كان ذا أو ذا، وإنما علينا أن نعرف: لم كان ذلك التحريم عليهم؟

وبم كان تحريم هذه الأشياء عليهم؟

فهو - والله أعلم - ما ذكر في قوله: ﴿ فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ كَثِيراً...

﴾ الآية [النساء: 160] الآية، أخبر أن ما حرم عليهم من الطيبات؛ بظلمهم للذين ظلموا؛ ولذلك قال الله -  -: ﴿ ذٰلِكَ جَزَيْنَٰهُم بِبَغْيِهِمْ ﴾ .

أخبر أن ذلك جزاء بغيهم الذي بغوا.

والثاني: أنهم كانوا يدعون ويقولون: ﴿ نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ  ﴾ ، يقول: لو كنتم صادقين في زعمكم أنكم أبناء الله وأحباؤه، لكن لا أحد يعاقب ولده أو حبيبه بأدنى ظلم، ولا يحرم عليه الطيبات، فإذا كان الله حرم عليكم الطيبات، وجزاكم بتحريم أشياء؛ عقوبة لكم بظلمكم وبغيكم - ظهر أنكم كذبتم في دعاويكم، وافتريتم بذلك على الله.

وفيه دليل إثبات رسالة محمد ونبوته  لأنهم كانوا يحرمون هذه الأشياء فيما بينهم، ولا يقولون: إنهم ظلمة، وإن ما حرم عليهم [كان] بظلم كان منهم وبغى، ثم أخبرهم النبي  أن ما حرم عليهم من الطيبات إنما حرم بظلمهم وبغيهم؛ دل أنه إنما أخبر بذلك عن الله، وبه عرف ذلك؛ فدل أنه آية من آيات نبوته  ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكَ جَزَيْنَٰهُم بِبَغْيِهِمْ ﴾ .

أي: ذلك التحريم عقوبة لبغيهم وظلمهم.

﴿ وِإِنَّا لَصَٰدِقُونَ ﴾ \[أي: إنا لصادقون\] بالإنباء أن ذلك كان بظلمهم وبغيهم، أو إنا لصادقون في كل ما أخبرنا وأنبأنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ  ﴾ .

قال الحسن: فإن كذبوك فيما تدعوهم إليه وتأمرهم به: من التصديق، والتوحيد له، والربوبية فقل: ربكم ذو رحمة [واسعة] إذا رجعتم عن التكذيب، وصدقتم وعرفتم أنه واحد لا شريك له، يغفر لكم ما كان منكم في حال الكفر، ويكفر عنكم سيئاتكم التي كانت.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْمُجْرِمِينَ  ﴾ .

كأنه على التقديم والتأخير، [كأنه] يقول: فإن كذبوك فقل: ﴿ وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْمُجْرِمِينَ ﴾ .

ثم قل: ﴿ رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ ﴾ : يسع في رحمته العفو إذا تبتم.

وقال غيره من أهل التأويل: ﴿ فَإِن كَذَّبُوكَ ﴾ يا محمد حين أنبأتهم بما حرم الله عليهم بظلمهم وبغيهم، ﴿ فَقُلْ رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ ﴾ لا يهلك [أحداً] وقت ارتكابه المعصية، ولا يعذبه حالة ذلك، لكنه يؤخر، ﴿ وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُهُ ﴾ أي: عذابه إذا نزل بقوم مجرمين بجرمهم، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فإن كذبوك -أيها الرسول- ولم يصدقوا بما جئت به من ربك فقل ترغيبًا لهم: ربكم ذو رحمة واسعة، ومن رحمته بكم إمهاله لكم، وعدم معاجلته لكم بالعذاب، وقل لهم تحذيرًا لهم: إنَّ عذابه لا يُرَد عن القوم الذين يرتكبون المعاصي والآثام.

<div class="verse-tafsir" id="91.x215N"

مزيد من التفاسير لسورة الأنعام

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد