الآية ١٤٦ من سورة الأنعام

الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ١٤٦ من سورة الأنعام

وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُوا۟ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى ظُفُرٍۢ ۖ وَمِنَ ٱلْبَقَرِ وَٱلْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَآ إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَآ أَوِ ٱلْحَوَايَآ أَوْ مَا ٱخْتَلَطَ بِعَظْمٍۢ ۚ ذَٰلِكَ جَزَيْنَـٰهُم بِبَغْيِهِمْ ۖ وَإِنَّا لَصَـٰدِقُونَ ١٤٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 136 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٤٦ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٤٦ من سورة الأنعام عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال ابن جرير : يقول تعالى : وحرمنا على اليهود ( كل ذي ظفر ) وهو البهائم والطير ما لم يكن مشقوق الأصابع ، كالإبل والنعام والأوز والبط .

قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : ( وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ) وهو البعير والنعامة .

وكذا قال مجاهد ، والسدي في رواية .

وقال سعيد بن جبير : هو الذي ليس بمنفرج الأصابع ، وفي رواية عنه : كل شيء متفرق الأصابع ، ومنه الديك .

وقال قتادة في قوله : ( وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ) وكان يقال : البعير والنعامة وأشياء من الطير والحيتان .

وفي رواية : البعير والنعامة ، وحرم عليهم من الطير : البط وشبهه ، وكل شيء ليس بمشقوق الأصابع .

وقال ابن جريج : عن مجاهد : ( كل ذي ظفر ) قال : النعامة والبعير ، شقا شقا .

قلت للقاسم بن أبي بزة وحدثنيه : ما " شقا شقا " ؟

قال : كل ما لا يفرج من قول البهائم .

قال : وما انفرج أكلته اليهود قال : انفرجت قوائم البهائم والعصافير ، قال : فيهود تأكلها .

قال : ولم تنفرج قائمة البعير ، خفه ، ولا خف النعامة ولا قائمة الوز ، فلا تأكل اليهود الإبل ولا النعام ولا الوز ، ولا كل شيء لم تنفرج قائمته ، ولا تأكل حمار وحش .

وقوله : ( ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما ) قال السدي : يعني الثرب وشحم الكليتين .

وكانت اليهود تقول : إنه حرمه إسرائيل فنحن نحرمه .

وكذا قال ابن زيد .

وقال قتادة : الثرب وكل شحم كان كذلك ليس في عظم .

وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : ( إلا ما حملت ظهورهما ) يعني : ما علق بالظهر من الشحوم .

وقال السدي وأبو صالح : الألية ، مما حملت ظهورهما .

وقوله : ( أو الحوايا ) قال الإمام أبو جعفر بن جرير : ( الحوايا ) جمع ، واحدها حاوياء ، وحاوية وحوية وهو ما تحوى من البطن فاجتمع واستدار ، وهي بنات اللبن ، وهي " المباعر " ، وتسمى " المرابض " ، وفيها الأمعاء .

قال : ومعنى الكلام : ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما ، إلا ما حملت ظهورهما ، أو ما حملت الحوايا .

وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : ( أو الحوايا ) وهي المبعر .

وقال مجاهد : ( الحوايا ) المبعر ، والمربض .

وكذا قال سعيد بن جبير ، والضحاك ، وقتادة ، وأبو مالك ، والسدي .

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : ( الحوايا ) المرابض التي تكون فيها الأمعاء ، تكون وسطها ، وهي بنات اللبن ، وهي في كلام العرب تدعى المرابض .

وقوله تعالى : ( أو ما اختلط بعظم ) أي : وإلا ما اختلط من الشحوم بالعظام فقد أحللناه لهم .

وقال ابن جريج : شحم الألية اختلط بالعصعص ، فهو حلال .

وكل شيء في القوائم والجنب والرأس والعين وما اختلط بعظم ، فهو حلال ، ونحوه قال السدي .

وقوله تعالى : ( ذلك جزيناهم ببغيهم ) أي : هذا التضييق إنما فعلناه بهم وألزمناهم به ، مجازاة لهم على بغيهم ومخالفتهم أوامرنا ، كما قال تعالى : ( فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا ) [ النساء : 160 ] .

وقوله : ( وإنا لصادقون ) أي : وإنا لعادلون فيما جزيناهم به .

وقال ابن جرير : وإنا لصادقون فيما أخبرناك به يا محمد من تحريمنا ذلك عليهم ، لا كما زعموا من أن إسرائيل هو الذي حرمه على نفسه ، والله أعلم .

وقال عبد الله بن عباس : بلغ عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، أن سمرة باع خمرا ، فقال : قاتل الله سمرة !

ألم يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لعن الله اليهود ، حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها " أخرجاه من حديث سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن طاوس ، عن ابن عباس ، عن عمر ، به .

وقال الليث : حدثني يزيد بن أبي حبيب قال : قال عطاء بن أبي رباح : سمعت جابر بن عبد الله يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عام الفتح : " إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام " فقيل : يا رسول الله ، أرأيت شحوم الميتة ، فإنه يدهن بها الجلود ويطلى بها السفن ، ويستصبح بها الناس .

فقال : " لا هو حرام " ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك : " قاتل الله اليهود ، إن الله لما حرم عليهم شحومها جملوه ، ثم باعوه وأكلوا ثمنه " رواه الجماعة من طرق ، عن يزيد بن أبي حبيب ، به .

وقال الزهري ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " قاتل الله اليهود !

حرمت عليهم الشحوم ، فباعوها وأكلوا ثمنه " ورواه البخاري ومسلم جميعا ، عن عبدان ، عن ابن المبارك ، عن يونس ، عن الزهري ، به .

وقال ابن مردويه : حدثنا محمد بن عبد الله بن إبراهيم ، حدثنا إسماعيل بن إسحاق ، حدثنا سليمان بن حرب ، حدثنا وهيب ، حدثنا خالد الحذاء ، عن بركة أبي الوليد ، عن ابن عباس ; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قاعدا خلف المقام ، فرفع بصره إلى السماء فقال : " لعن الله اليهود - ثلاثا - إن الله حرم عليهم الشحوم ، فباعوها وأكلوا ثمنها ، إن الله لم يحرم على قوم أكل شيء إلا حرم عليهم ثمنه " وقال الإمام أحمد : حدثنا علي بن عاصم ، أنبأنا خالد الحذاء ، عن بركة أبي الوليد ، أنبأنا ابن عباس قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعدا في المسجد مستقبلا الحجر ، فنظر إلى السماء فضحك ، ثم قال : " لعن الله اليهود ، حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها ، وإن الله إذا حرم على قوم أكل شيء حرم عليهم ثمنه " ورواه أبو داود ، من حديث خالد الحذاء .

وقال الأعمش ، عن جامع بن شداد ، عن كلثوم ، عن أسامة بن زيد قال : دخلنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مريض نعوده ، فوجدناه نائما قد غطى وجهه ببرد عدني ، فكشف عن وجهه وقال : لعن الله اليهود يحرمون شحوم الغنم ويأكلون أثمانها " ، وفي رواية : " حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها "

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وحرّمنا على اليهود (25) =" كل ذي ظفر ", وهو من البهائم والطير ما لم يكن مشقُوق الأصابع، كالإبل والنَّعام والإوز والبط .

* * * وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

* ذكر من قال ذلك: 14092- حدثني المثنى, وعلي بن داود قالا حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: (وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر)، وهو البعير والنعامة .

14093- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: (وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر)، قال: البعير والنعامة ونحو ذلك من الدوابّ .

4094- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن آدم, عن شريك, عن عطاء, عن سعيد: (وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر)، قال: هو الذي ليس بمنفرج الأصابع .

14095- حدثني علي بن الحسين الأزدي قال، حدثنا يحيى بن يمان, عن شريك, عن عطاء بن السائب, عن سعيد بن جبير في قوله: (وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر)، قال: كل شيء متفرق الأصابع, ومنه الديك .

(26) 14096- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد قال: (كل ذي ظفر) ، النعامة والبعير .

14097- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, مثله .

14098- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر)، فكان يقال: البعير والنعامة وأشباهه من الطير والحيتان .

14098- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور قال، حدثنا معمر, عن قتادة: (كل ذي ظفر)، قال: الإبل والنعام, ظفر يد البعير ورجله, والنعام أيضًا كذلك, وحرم عليهم أيضًا من الطير البط وشبهه, وكل شيء ليس بمشقوق الأصابع .

14099- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " أما كل ذي ظفر "، فالإبل والنعام .

14100- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا شيخ, عن مجاهد في قوله: (وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر)، قال: النعامة والبعير، شقًّا شقًّا, قال قلت: " ما شقًّا شقًّا "؟

قال: كل ما لم تفرج قوائمه لم يأكله اليهود, البعيرُ والنعامة.

والدجاج والعصافير تأكلها اليهود، لأنها قد فُرِجت .

14101- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد: (كل ذي ظفر)، قال: النعامة والبعير، شقًّا شقًّا.

قلت للقاسم بن أبي بزة وحدثنيه: ما " شقًّا شقًّا "؟

قال: كل شيء لم يفرج من قوائم البهائم.

قال: وما انفرج أكلته اليهود.

قال: انفرجت قوائم الدجاج والعصافير, فيهود تأكلها .

قال: ولم تنفرج قائمة البعير، خفّه، ولا خف النعامة، ولا قائمة الوَزِّينة, (27) فلا تأكل اليهود الإبل ولا النعام ولا الوزِّين، ولا كل شيء لم تنفرج قائمته, وكذلك لا تأكل حمار وحش .

* * * وكان ابن زيد يقول في ذلك بما:- 14102- حدثني به يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر)، الإبل قطْ .

(28) * * * قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك بالصواب, القول الذي ذكرنا عن ابن عباس ومن قال بمثل مقالته؛ لأن الله جل ثناؤه أخبر أنه حرم على اليهود كل ذي ظفر, فغير جائز إخراج شيء من عموم هذا الخبر إلا ما أجمع أهل العلم أنه خارج منه .

وإذا كان ذلك كذلك, وكان النعام وكل ما لم يكن من البهائم والطير مما له ظفر غير منفرج الأصابع داخلا في ظاهر التنـزيل, وجب أن يحكم له بأنه داخل في الخبر, إذ لم يأت بأن بعض ذلك غير داخلٍ في الآية، خبرٌ عن الله ولا عن رسوله, وكانت الأمة أكثرها مجمع على أنه فيه داخل .

* * * القول في تأويل قوله : وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في" الشحوم " التي أخبر الله تعالى ذكره: أنه حرمها على اليهود من البقر والغنم.

فقال بعضهم: هي شحوم الثُّروب خاصة .

(29) * ذكر من قال ذلك: 14103- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: (ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما)، الثروب .

ذكر لنا أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: قاتل الله اليهود، حرم الله عليهم الثروب ثم أكلوا أثمانها!

(30) * * * وقال آخرون: بل ذلك كان كل شحم لم يكن مختلطًا بعظم ولا على عظم .

* ذكر من قال ذلك: 14104- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج قوله: (حرمنا عليهم شحومهما)، قال: إنما حرم عليهم الثرب, وكل شحم كان كذلك ليس في عظم .

* * * وقال آخرون: بل ذلك شحم الثرب والكُلَى .

* ذكر من قال ذلك: 14105- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي قوله: (حرمنا عليهم شحومهما)، قال: الثرب وشحم الكليتين .

وكانت اليهود تقول: إنما حرَّمه إسرائيل، فنحن نحرّمه .

14106- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (حرمنا عليهم شحومهما)، قال: إنما حرم عليهم الثروب والكليتين = هكذا هو في كتابي عن يونس, وأنا أحسب أنه: " الكُلَى ".

* * * قال أبو جعفر: والصواب في ذلك من القول أن يقال: إن الله أخبر أنه كان حرم على اليهود من البقر والغنم شحومهما، إلا ما استثناه منها مما حملت ظهورهما أو الحَوَايا أو ما اختلط بعظم.

فكل شحم سوى ما استثناه الله في كتابه من البقر والغنم, فإنه كان محرمًا عليهم .

وبنحو ذلك من القول تظاهرت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, وذلك قوله: " قاتل الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم فجملوها ثم باعوها وأكلوا أثمانها " .

(31) * * * وأما قوله: (إلا ما حملت ظهورهما)، فإنه يعني: إلا شحوم الجَنْب وما علق بالظهر, فإنها لم تحرَّم عليهم .

* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

* ذكر من قال ذلك: 14107- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس: (إلا ما حملت ظهورهما)، يعني: ما علق بالظهر من الشحوم .

14108- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: أمّا " ما حملت ظهورهما "، فالألْيات .

14108م - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أسامة, عن إسماعيل, عن أبي صالح قال: الألية، مما حملت ظهورهما .

* * * القول في تأويل قوله : أَوِ الْحَوَايَا قال أبو جعفر: و " الحوايا " جمع, واحدها " حاوِياء "، و " حاوية "، و " حَوِيَّة "، وهي ما تحوَّى من البطن فاجتمع واستدار, وهي بنات اللبن, وهي" المباعر ", وتسمى " المرابض ", وفيها الأمعاء .

(32) * * * ومعنى الكلام: ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما، إلا ما حملت ظهورهما، أو ما حملت الحوايا = فـ" الحوايا "، رفع، عطفًا على " الظهور ", و " ما " التي بعد " إلا ", نصبٌ على الاستثناء من " الشحوم ".

(33) * * * وبمثل ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

* ذكر من قال ذلك: 14109- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس: (أو الحوايا)، وهي المبعر .

14110- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله: (أو الحوايا)، قال: المبعر .

14111- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " الحوايا "، المبعر والمرْبَض .

14112- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أسامة, عن شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (أو الحوايا)، قال: المبعر .

14113- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن يمان, عن سفيان, عن عطاء, عن سعيد بن جبير: (أو الحوايا)، قال: المباعر .

14114- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن آدم, عن شريك, عن عطاء, عن سعيد بن جبير: (أو الحوايا)، قال: المباعر .

14115- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: (أو الحوايا)، قال: المبعر .

14116- حدثنا ابن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة: (أو الحوايا)، قال: المبعر .

14117- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أسامة والمحاربي, عن جويبر, عن الضحاك قال: المبعر .

14118- حدثت عن الحسين بن الفرج قال،سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: (أو الحوايا)، يعني: البطون غير الثروب .

14119- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: (أو الحوايا)، هو المبعر .

14120- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (أو الحوايا)، قال: المباعر .

* * * وقال ابن زيد في ذلك ما:- 14121- حدثني به يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (أو الحوايا)، قال: " الحوايا "، المرابض التي تكون فيها الأمعاء، تكون وسطها, وهي" بنات اللبن ", وهي في كلام العرب تدعى " المرابض " .

* * * القول في تأويل قوله : أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ومن البقر والغنم حرمنا على الذين هادوا شحومهما، سوى ما حملت ظهورهما, أو ما حملت حواياهما, فإنا أحللنا ذلك لهم, وإلا ما اختلط بعظم، فهو لهم أيضًا حلال .

* * * فردّ قوله: (أو ما اختلط بعظم)، على قوله: إِلا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا فـ" ما " التي في قوله: (أو ما اختلط بعظم)، في موضع نصب عطفًا على " ما " التي في قوله: إِلا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا .

(34) * * * وعنى بقوله: (أو ما اختلط بعظم)، شحم الألية والجنب، وما أشبه ذلك ، كما:- 14122- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج: (أو ما اختلط بعظم)، قال: شحم الألية بالعُصْعُص, (35) فهو حلال.

وكل شيء في القوائم والجنب والرأس والعين قد اختلط بعظم, فهو حلال .

14123- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (أو ما اختلط بعظم)، مما كان من شحم على عظم .

* * * القول في تأويل قوله : ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (146) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فهذا الذي حرمنا على الذين هادوا من الأنعام والطير, ذوات الأظافير غير المنفرجة, ومن البقر والغنم, ما حرمنا عليهم من شحومهما، الذي ذكرنا في هذه الآية, حرمناه عليهم عقوبة منّا لهم, وثوابًا على أعمالهم السيئة، وبغيهم على ربهم ، (36) كما:- 14124- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: (ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون)، إنما حرم ذلك عليهم عقوبة ببغيهم .

14125- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (ذلك جزيناهم ببغيهم )، فعلنا ذلك بهم ببغيهم.

* * * وقوله: (وإنا لصادقون)، يقول: وإنا لصادقون في خبرنا هذا عن هؤلاء اليهود عما حرمنا عليهم من الشحوم ولحوم الأنعام والطير التي ذكرنا أنّا حرمنا عليهم, وفي غير ذلك من أخبارنا, وهم الكاذبون في زعمهم أن ذلك إنما حرمه إسرائيل على نفسه، وأنهم إنما حرموه لتحريم إسرائيل إياه على نفسه .

---------------------- الهوامش : (25) انظر تفسير (( هاد )) فيما سلف 10 : 476 ، تعليق : 1 والمراجع هناك .

(26) قوله : (( كل شيء متفرق الأصابع ، ومنه الديك )) ، هكذا هو في المخطوطة ، والذي تبادر إلى ذهن من نشر التفسير قبل ، أن صوابه (( غير متفرق الأصابع )) ، ليطابق ما قبله وما بعده .

ولكني وجدت ابن كثير في تفسيره 3 : 417 ، يقول : (( وفي رواية عنه : (( كل متفرق الأصابع ، ومنه الديك )) ، فلذلك رجحت صواب ما في المخطوطة والمطبوعة .

(27) (( الوزينة )) ( بفتح الواو ، وتشديد الزاي مكسورة ) ، هي الإوزة ، و جمعها (( الوزين )) ، مثلها في الوزن بغير هاء .

(28) في المطبوعة : (( فقط )) ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو محض صواب .

يقال : (( ماله إلى عشرة قط )) ( بفتح وسكون الطاء ) و (( قط )) ( بتشديد الطاء وكسرها ) ، بمعنى : أي ، ولا يزيد على ذلك ، بمعنى (( حسب )) .

(29) (( الثروب )) جمع (( ثرب )) ( بفتح فسكون ) ، وهو شحم رقيق يغشى الكرش والأمعاء .

(30) الأثر : 14103 - الخبر الذي رواه قتادة مرسلا ، رواه البخاري بإسناده مرفوعًا ( الفتح 4 : 344 ، 345 ) .

بنحوه ، ورواه الجماعة .

انظر التعليق التالي .

(31) رواه الجماعة ، انظر ( الفتح 4 : 344 ، 345 ) ز و (( جمل الشحم )) : أذابه واستخرج ودكه .

و (( الجميل )) الشحم المذاب .

(32) (( الربض )) ( بفتحتين ) و (( المربض )) ( بفتح الميم ، وفتح الباء أو كسرها ) ، و (( الربيض )) مجتمع الحوايا ، أو ما تحوى من مصارين البطن .

و (( بنات اللبن )) : ما صغر من الأمعاء .

وانظر الأثر التالي رقم : 14121 .

(33) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 363 .

(34) انظر معاني القرآن 1 : 363 .

(35) (( العصعص )) ، وهو عظم عجب الذنب .

(36) انظر تفسير (( جزى )) فيما سلف من فهارس اللغة ( جزى ) .

= وتفسير (( البغي )) فيما سلف 2 : 342 / 4 : 281 / 6 : 276 .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقونفيه ست مسائل :الأولى : قوله تعالى وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر لما ذكر الله عز وجل ما حرم على أمة محمد صلى الله عليه وسلم عقب ذلك بذكر ما حرم على اليهود ; لما في ذلك من تكذيبهم في قولهم : إن الله لم يحرم علينا شيئا ، وإنما نحن حرمنا على أنفسنا ما حرمه إسرائيل على نفسه .

وقد تقدم في " البقرة " معنى هادوا .

وهذا التحريم على الذين هادوا إنما هو تكليف بلوى وعقوبة .

فأول ما ذكر من المحرمات عليهم كل ذي ظفر .

وقرأ الحسن ( ظفر ) بإسكان الفاء .

وقرأ أبو السمال ( ظفر ) بكسر الظاء وإسكان الفاء .

وأنكر أبو حاتم كسر الظاء وإسكان الفاء ، ولم يذكر هذه القراءة وهي لغة .

( وظفر ) بكسرهما .

والجمع أظفار وأظفور وأظافير ; قاله الجوهري .

وزاد النحاس عن الفراء أظافير وأظافرة ; قال ابن السكيت : يقال رجل أظفر بين الظفر إذا كان طويل الأظفار ; كما يقال : رجل أشعر للطويل الشعر .قال مجاهد وقتادة : ذي ظفر : ما ليس بمنفرج الأصابع من البهائم والطير ; مثل الإبل والنعام والإوز والبط .

وقال ابن زيد : الإبل فقط .

وقال ابن عباس : ذي ظفر البعير والنعامة ; لأن النعامة ذات ظفر كالإبل .

[ ص: 114 ] وقيل : يعني كل ذي مخلب من الطير وذي حافر من الدواب .

ويسمى الحافر ظفرا استعارة .

وقال الترمذي الحكيم : الحافر ظفر ، والمخلب ظفر ; إلا أن هذا على قدره ، وذاك على قدره وليس ههنا استعارة ; ألا ترى أن كليهما يقص ويؤخذ منهما وكلاهما جنس واحد : عظم لين رخو .

أصله من غذاء ينبت فيقص مثل ظفر الإنسان ، وإنما سمي حافرا لأنه يحفر الأرض بوقعه عليها .

وسمي مخلبا لأنه يخلب الطير برءوس تلك الإبر منها .

وسمي ظفرا لأنه يأخذ الأشياء بظفره ، أي يظفر به الآدمي والطير .الثانية قوله تعالى ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما قال قتادة : يعني الثروب وشحم الكليتين ; وقاله السدي .

والثروب جمع الثرب ، وهو الشحم الرقيق الذي يكون على الكرش .

قال ابن جريج : حرم عليهم كل شحم غير مختلط بعظم أو على عظم ، وأحل لهم شحم الجنب والألية ; لأنه على العصعص .الثالثة قوله تعالى إلا ما حملت ظهورهما " ما " في موضع نصب على الاستثناء ظهورهما رفع ب حملت أو الحوايا في موضع رفع عطف على الظهور أي أو حملت حواياهما ، والألف واللام بدل من الإضافة .

وعلى هذا تكون الحوايا من جملة ما أحل .

أو ما اختلط بعظم " ما " في موضع نصب عطف على ما حملت أيضا .

هذا أصح ما قيل فيه .

وهو قول الكسائي والفراء وأحمد بن يحيى .

والنظر يوجب أن يعطف الشيء على ما يليه ، إلا ألا يصح معناه أو يدل دليل على غير ذلك .

وقيل : إن الاستثناء في التحليل إنما هو ما حملت الظهور خاصة ، وقوله : أو الحوايا أو ما اختلط بعظم معطوف على المحرم .

والمعنى : حرمت عليهم شحومهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم ; إلا ما حملت الظهور فإنه غير محرم .

وقد احتج الشافعي بهذه الآية في أن من حلف ألا يأكل الشحم حنث بأكل شحم الظهور ; لاستثناء الله عز وجل ما على ظهورهما من جملة الشحم .الرابعة قوله تعالى أو الحوايا الحوايا : هي المباعر ، عن ابن عباس وغيره .

وهو جمع مبعر ، سمي بذلك لاجتماع البعر فيه .

وهو الزبل .

وواحد الحوايا حاوياء ; مثل قاصعاء وقواصع .

وقيل : حاوية مثل ضاربة وضوارب .

وقيل : حوية مثل سفينة وسفائن .

قال أبو عبيدة : الحوايا ما تحوى من البطن أي استدار .

وهي منحوية أي مستديرة .

وقيل : الحوايا خزائن اللبن ، وهو يتصل بالمباعر وهي المصارين .

وقيل : الحوايا الأمعاء التي عليها الشحوم .

والحوايا في غير هذا الموضع : كساء يحوى حول سنام البعير .

قال امرؤ القيس :جعلن حوايا واقتعدن قعائدا وخففن من حوك العراق المنمق[ ص: 115 ] فأخبر الله سبحانه أنه كتب عليهم تحريم هذا في التوراة ردا لكذبهم .

ونصه فيها : حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وكل دابة ليست مشقوقة الحافر وكل حوت ليس فيه سفاسق ، أي بياض .

ثم نسخ الله ذلك كله بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم .

وأباح لهم ما كان محرما عليهم من الحيوان ، وأزال الحرج بمحمد عليه السلام ، وألزم الخليقة دين الإسلام بحله وحرامه وأمره ونهيه .الخامسة : لو ذبحوا أنعامهم فأكلوا ما أحل الله لهم في التوراة وتركوا ما حرم عليهم فهل يحل لنا ; قال مالك في كتاب محمد : هي محرمة .

وقال في سماع المبسوط : هي محللة وبه قال ابن نافع .

وقال ابن القاسم : أكرهه .

وجه الأول أنهم يدينون بتحريمها ولا يقصدونها عند الذكاة ، فكانت محرمة كالدم .

ووجه الثاني وهو الصحيح أن الله عز وجل رفع ذلك التحريم بالإسلام ، واعتقادهم فيه لا يؤثر ; لأنه اعتقاد فاسد ; قاله ابن العربي .

قلت : ويدل على صحته ما رواه الصحيحان عن عبد الله بن مغفل قال : كنا محاصرين قصر خيبر ، فرمى إنسان بجراب فيه شحم فنزوت لآخذه فالتفت فإذا النبي صلى الله عليه وسلم فاستحييت منه .

لفظ البخاري .

ولفظ مسلم : قال عبد الله بن مغفل : أصبت جرابا من شحم يوم خيبر ، قال فالتزمته وقلت : لا أعطي اليوم أحدا من هذا شيئا ، قال : فالتفت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم متبسما .

قال علماؤنا : تبسمه عليه السلام إنما كان لما رأى من شدة حرص ابن مغفل على أخذ الجراب ومن ضنته به ، ولم يأمره بطرحه ولا نهاه .

وعلى جواز الأكل مذهب أبي حنيفة والشافعي وعامة العلماء ; غير أن مالكا كرهه للخلاف فيه .

وحكى ابن المنذر عن مالك تحريمها ; وإليه ذهب كبراء أصحاب مالك .

ومتمسكهم ما تقدم ، والحديث حجة عليهم ; فلو ذبحوا كل ذي ظفر قال أصبغ : ما كان محرما في كتاب الله من ذبائحهم فلا يحل أكله ; لأنهم يدينون بتحريمها .

وقاله أشهب وابن القاسم ، وأجازه ابن وهب .

وقال ابن حبيب : ما كان محرما عليهم ، وعلمنا ذلك من كتابنا فلا يحل لنا من ذبائحهم ، وما لم نعلم تحريمه إلا من أقوالهم واجتهادهم فهو غير محرم علينا من ذبائحهم .السادسة قوله تعالى ذلك أي ذلك التحريم .

ف ذلك في موضع رفع ، أي الأمر ذلك .جزيناهم ببغيهم أي بظلمهم ، عقوبة لهم لقتلهم الأنبياء وصدهم عن سبيل الله ، [ ص: 116 ] وأخذهم الربا واستحلالهم أموال الناس بالباطل .

وفي هذا دليل على أن التحريم إنما يكون بذنب ; لأنه ضيق فلا يعدل عن السعة إليه إلا عند المؤاخذة .وإنا لصادقون في إخبارنا عن هؤلاء اليهود عما حرمنا عليهم من اللحوم والشحوم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وأما ما حرم على أهل الكتاب، فبعضه طيب ولكنه حرم عليهم عقوبة لهم، ولهذا قال: { وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ } وذلك كالإبل، وما أشبهها { وَ } حرمنا عليهم.

{ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ } بعض أجزائها، وهو: { شُحُومَهُمَا } وليس المحرم جميع الشحوم منها، بل شحم الألية والثرب، ولهذا استثنى الشحم الحلال من ذلك فقال: { إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا } أي: الشحم المخالط للأمعاء { أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ } { ذَلِكَ } التحريم على اليهود { جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ } أي: ظلمهم وتعديهم في حقوق الله وحقوق عباده، فحرم الله عليهم هذه الأشياء عقوبة لهم ونكالا.

{ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ } في كل ما نقول ونفعل ونحكم به، ومن أصدق من الله حديثا، ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله - عز وجل - : ( وعلى الذين هادوا ) يعني اليهود ، ( حرمنا كل ذي ظفر ) وهو ما لم يكن مشقوق الأصابع من البهائم والطير مثل : البعير والنعامة والإوز والبط ، قال القتيبي : هو كل ذي مخلب من الطير وكل ذي حافر من الدواب وحكاه عن بعض المفسرين ، وقال : سمي الحافر ظفرا على الاستعارة .

( ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما ) يعني شحوم الجوف ، وهي الثروب ، وشحم الكليتين ، ( إلا ما حملت ظهورهما ) أي : إلا ما علق بالظهر والجنب من داخل بطونهما ، ( أو الحوايا ) وهي المباعر ، واحدتها : حاوية وحوية ، أي : ما حملته الحوايا من الشحم .

( أو ما اختلط بعظم ) يعني : شحم الألية ، هذا كله داخل في الاستثناء ، والتحريم مختص بالثرب وشحم الكلية .

أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف ثنا محمد بن إسماعيل ثنا قتيبة أنا الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن عطاء بن أبي رباح عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول عام الفتح وهو بمكة " إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام " فقيل : يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة فإنه يطلى بها السفن ويدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس؟

فقال : لا هو حرام .

ثم قال رسول الله عند ذلك : " قاتل الله اليهود إن الله - عز وجل - لما حرم شحومهما جملوه ثم باعوه فأكلوا ثمنه " .

( ذلك جزيناهم ) أي : ذلك التحريم عقوبة لهم ( ببغيهم ) أي : بظلمهم من قتلهم الأنبياء وصدهم عن سبيل الله وأخذهم الربا واستحلال أموال الناس بالباطل ، ( وإنا لصادقون ) في الإخبار عما حرمنا عليهم وعن بغيهم .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وعلى الذين هادوا» أي اليهود «حرَّمنا كل ذي ظفر» وهو ما لم تفرق أصابعه كالإبل والنعام «ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما» الثروب وشحم الكلي «إلا ما حملت ظهورهما» أي ما علق بها منه «أو» حملته «الحوايا» الأمعاء جمع حاوياء أو حاوية «أو ما اختلط بعظم» منه وهو شحم الإلية فإنه أحل لهم «ذلك» التحريم «جزيناهم» به «ببغيهم» بسبب ظلمهم بما سبق في سورة النساء «وإنا لصادقون» في أخبارنا ومواعيدنا.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

واذكر -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين ما حرمَّنا على اليهود من البهائم والطير: وهو كل ما لم يكن مشقوق الأصابع كالإبل والنَّعام، وشحوم البقر والغنم، إلا ما عَلِق من الشحم بظهورها أو أمعائها، أو اختلط بعظم الألْية والجنب ونحو ذلك.

ذلك التحرم المذكور على اليهود عقوبة مِنَّا لهم بسبب أعمالهم السيئة، وإنَّا لصادقون فيما أخبرنا به عنهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - بعد ذلك ما حرمه الله على اليهود بسبب ظلمهم وبغيهم فقال - تعالى - { وَعَلَى الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ } .فقوله - تعالى - { وَعَلَى الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا } بيان لما حرمه الله - تعالى - على بنى إسرائيل جزاء ظلمهم ، وفى هذا البيان رد على اليهود ، وتكذيب لهم ، إذ زعموا أن الله لم يحرم عليهم شيئاً ، وإنما هم حرموا على أنفسهم ما حرمه إسرائيل على نفسه ، فجاءت هذه الآية الكريمة لتبين بعض ما حرمه الله عليهم من الطيبات - التى كانت حلالا لهم - بسبب فسقهم وطغيانهم .والمراد بقوله تعالى { كُلَّ ذِي ظُفُرٍ } ما ليس بمنفرج الأصابع من البهائم والطير ، كالإبل والنعام والإوز والبط ، كما روى عن ابن عباس وسعيد ابن جبير وقتادة .قال الإمام الرازى : قوله - تعالى - : { وَعَلَى الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ } يفيد تخصيص هذه الحرمة بهم من وجهين :الأول : أن قوله - تعالى - { وَعَلَى الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا } كذا وكذا يفيد الحصر فى اللغة ، لتقدم المعمول على عامله .الثانى : أنه لو كانت هذه الحرمة ثابتة فى حق الكل لم يبق لقوله { وَعَلَى الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا } فائدة .ثم بين - سبحانه - ما حرم عليهم من غير ذوى الظفر فقال - تعالى - : { وَمِنَ البقر والغنم حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَآ إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الحوايآ أَوْ مَا اختلط بِعَظْمٍ } .والشحم : هو المادة الدهنية التى تكون فى الحيوان وبها يكون لحمه سمينا والعرب تسمى سنام البعير ، وبياض البطن شحماً ، وغلب إطلاق الشحم على ما يكون فوق أمعاء الحيوان .والحوايا : - كما قال ابن جرير - جمع حاوياء وحاوية ، وحوية هى ما تحوى من البطن فاجتمع واستدار ، وفسرت بالمباعر ، والمرابض التى هي مجتمع الأمعاء فى البطن .والمعنى : كما حرمنا على اليهود كل ذى ظفر ، فقد حرمنا عليهم كذلك من البقر والغنم شحومهما الزائدة التى تنتزع بسهولة ، إلا ما استثنيناه من هذه الشحون وهو ما حملت ظهورهما او ما حملت حواياهما ، أو اختلط من هذه الشحوم بعظمهما .

فقد أحللناه لهم .ثم بين - سبحانه - أن هذا التحريم كان نتيجة لطغيانهم فقال تعالى : { ذلك جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ وِإِنَّا لَصَادِقُونَ } أى : هذا الذى حرمناه على الذين هادوا من الأنعام والطير ومن البقر والغنم ، وهذا التضييق الذى حكمنا به عليهم ، إنما ألزمناهم به ، بسبب بغيهم وظلمهم ، وتعديهم حدود الله تعالى .قال قتادة : إنما حرم الله عليهم ما ليس بخبيث عقوبة لهم وتشديداً عليهم .ولما كان هذا النبأ عن شريعة اليهود ، من الأنباء التى لم يكن النبى صلى الله عليه وسلم وقومه يعلمون عنها شيئاً لأميتهم ، وكان تكذيب اليهود له بأن الله لم يحرم ذلك عليهم عقوبة لهم ، لما كان الأمر كذلك ، أكد الله هذا النبأ بقوله : { وِإِنَّا لَصَادِقُونَ } .

أى : وإنا لصادقون - يا محمد - فيما أخبرناك به ، ومن بينه ما أعلمناك عنه مما حرمناه على اليهود من الطيبات وهم الكاذبون فى زعمهم أن ذلك إنما حرمه إسرائيل على نفسه ، وأنهم إنما حرموه لتحريم إسرائيل إياه على نفسه .ومع أن الشحوم جميعها باستثناء ما أحله لهم منها محرمة عليهم ، فإنهم تحايلوا على شرع الله ، وأخذوا يذيبونها ويستعملونها فى شئونهم المختلفة أو يبيعونها ويأكلون ثمنها ، ولقد لعنهم النبى صلى الله عليه وسلم بسبب هذا التحايل فى أحاديث متعددة .من ذلك ما روى عن ابن عباس - رضى الله عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قاعداً خلف المقام ، فرفع بصره إلى السماء وقال : " لعن الله اليهود - ثلاثا - إن الله حرم عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا ثمنهان وإن الله لم يحرم على قوم أكل شىء إلا حرم عليهم ثمنه " .وعن جابر بن عبد الله قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عام الفتح " إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام فقيل يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة فإنها يدهن بها الجلود ، وتطلى بها السفن ويستصبح بها الناس ، فقال : " لا .

هو حرام " ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك " قاتل الله اليهود " ، إن الله لما حرم عليهم شحومها جملوها .

أى : أذابوها ثم باعوها وأكلوا ثمنها " .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما بين فساد طريقة أهل الجاهلية فيما يحل ويحرم من المطعومات أتبعه بالبيان الصحيح في هذا الباب، فقال: ﴿ قُل لا أَجِدُ فِيمَا أُوحِىَ إِلَىَّ ﴾ وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن كثير وحمزة ﴿ إِلا أَن تَكُونَ ﴾ بالتاء ﴿ مَيْتَةً ﴾ بالنصب على تقدير: إلا أن تكون العين أو النفس أو الجثة ميتة.

وقرأ ابن عامر إلا أن تكون بالتاء ﴿ مَيْتَةً ﴾ بالرفع على معنى إلا أن تقع ميتة أو تحدث ميتة والباقون ﴿ إِلا أَن يَكُونَ مَيْتَةً ﴾ أي إلا أن يكون المأكول ميتة، أو إلا أن يكون الموجود ميتة.

المسألة الثانية: لما بين الله تعالى أن التحريم والتحليل لا يثبت إلا بالوحي قال: ﴿ قُل لا أَجِدُ فِيمَا أُوحِىَ إليَّ مُحَرَّمًا على طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ ﴾ أي على آكل يأكله، وذكر هذا ليظهر أن المراد منه هو بيان ما يحل ويحرم من المأكولات.

ثم ذكر أموراً أربعة.

أولها: الميتة.

وثانيها: الدم المسفوح.

وثالثها: لحم الخنزير فإنه رجس.

ورابعها: الفسق وهو الذي أهل به لغير الله، فقوله تعالى: ﴿ قُل لا أَجِدُ فِيمَا أُوحِىَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا ﴾ إلا هذه الأربعة مبالغة في بيان أنه لا يحرم إلا هذه الأربعة وذلك لأنه لما ثبت أنه لا طريق إلى معرفة المحرمات والمحللات إلا بالوحي، وثبت أنه لا وحي من الله تعالى إلا إلى محمد عليه الصلاة والسلام، وثبت أنه تعالى يأمره أن يقول: إني لا أجد فيما أوحي إلي محرماً من المحرمات إلا هذه الأربعة كان هذا مبالغة في بيان أنه لا يحرم إلا هذه الأربعة.

واعلم أن هذه السورة مكية، فبين تعالى في هذه السورة المكية أنه لا محرم إلا هذه الأربعة ثم أكد ذلك بأن قال في سورة النحل: ﴿ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الميتة والدم وَلَحْمَ الخنزير وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ فَمَنِ اضطر غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ الله غَفورٌ رَحيم  ﴾ وكلمة ﴿ إِنَّمَا ﴾ تفيد الحصر فقد حصلت لنا آيتان مكيتان يدلان على حصر المحرمات في هذه الأربعة، فبين في سورة البقرة وهي مدنية أيضاً أنه لا محرم إلا هذه الأربعة فقال: ﴿ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الميتة والدم وَلَحْمَ الخنزير وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ الله  ﴾ وكلمة ﴿ إِنَّمَا ﴾ تفيد الحصر فصارت هذه الآية المدنية مطابقة لتلك الآية المكية لأن كلمة ﴿ إِنَّمَا ﴾ تفيد الحصر، فكلمة ﴿ إِنَّمَا ﴾ في الآية المدنية مطابقة لقوله: ﴿ قُل لا أَجِدُ فِيمَا أُوْحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا ﴾ إلا كذا وكذا في الآية المكية، ثم ذكر تعالى في سورة المائدة قوله تعالى: ﴿ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأنعام إِلاَّ مَا يتلى عَلَيْكُمْ  ﴾ وأجمع المفسرون على أن المراد بقوله: ﴿ إِلاَّ مَا يتلى عَلَيْكُمْ ﴾ هو ما ذكره بعد هذه الآية بقليل، وهو قوله: ﴿ حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة والدم وَلَحْمُ الخنزير وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وَمَا أَكَلَ السبع إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ  ﴾ وكل هذه الأشياء أقسام الميتة وأنه تعالى إنما أعادها بالذكر لأنهم كانوا يحكمون عليها بالتحليل، فثبت أن الشريعة من أولها إلى آخرها كانت مستقرة على هذا الحكم وعلى هذا الحصر.

فإن قال قائل: فيلزمكم في التزام هذا الحصر تحليل النجاسات والمستقذرات، ويلزم عليه أيضاً تحليل الخمر، وأيضا فيلزمكم تحليل المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة مع أن الله تعالى حكم بتحريمها.

قلنا: هذا لا يلزمنا من وجوه: الأول: أنه تعالى قال في هذه الآية: ﴿ أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ ﴾ ومعناه أنه تعالى إنما حرم لحم الخنزير لكونه نجساً، فهذا يقتضي أن النجاسة علة لتحريم الأكل فوجب أن يكون كل نجس يحرم أكله، وإذا كان هذا مذكوراً في الآية كان السؤال ساقطاً.

والثاني: أنه تعالى قال في آية أخرى: ﴿ وَيُحَرّمُ عَلَيْهِمُ الخبائث  ﴾ وذلك يقتضي تحريم كل الخبائث، والنجاسات خبائث، فوجب القول بتحريمها.

الثالث: أن الأمة مجمعة على حرمة تناول النجاسات، فهب أنا التزمنا تخصيص هذه السورة بدلالة النقل المتواتر من دين محمد في باب النجاسات فوجب أن يبقى ما سواها على وفق الأصل تمسكاً بعموم كتاب الله في الآية المكية والآية المدنية، فهذا أصل مقرر كامل في باب ما يحل وما يحرم من المطعومات، وأما الخمر فالجواب عنه: أنها نجسة فيكون من الرجس فيدخل تحت قوله: ﴿ رِجْسٌ ﴾ وتحت قوله: ﴿ وَيُحَرّمُ عَلَيْهِمُ الخبائث ﴾ وأيضاً ثبت تخصيصه بالنقل المتواتر من دين محمد صلى الله عليه وسلم في تحريمه، وبقوله تعالى: ﴿ فاجتنبوه  ﴾ وبقوله: ﴿ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا  ﴾ والعام المخصوص حجة في غير محل التخصيص، فتبقى هذه الآية فيما عداها حجة.

وأما قوله ويلزم تحليل الموقوذة والمتردية والنطحية، فالجواب عنه من وجوه: أولها: أنها ميتات فكانت داخلة تحت هذه الآية.

وثانيها: أنا نخص عموم هذه الآية بتلك الآية.

وثالثها: أن نقول إنها إن كانت ميتة دخلت تحت هذه الآية، وإن لم تكن ميتة فنخصصها بتلك الآية.

فإن قال قائل: المحرمات من المطعومات أكثر مما ذكر في هذه الآية فما وجهها؟

أجابوا عنه من وجوه: أحدها: أن المعنى لا أجد محرماً مما كان أهل الجاهلية يحرمه من البحائر والسوائب وغيرها إلا ما ذكر في هذه الآية.

وثانيها: أن المراد أن وقت نزول هذه الآية لم يكن تحريم غير ما نص عليه في هذه الآية ثم وجدت محرمات أخرى بعد ذلك.

وثالثها: هب أن اللفظ عام إلا أن تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد جائز فنحن نخصص هذا العموم بأخبار الآحاد.

ورابعها: أن مقتضى هذه الآية أن نقول إنه لا يجد في القرآن، ويجوز أن يحرم الله تعالى ما سوى هذه الأربعة على لسان رسوله عليه الصلاة والسلام.

ولقائل أن يقول: هذه الأجوبة ضعيفة.

أما الجواب الأول: فضعيف لوجوه: أحدها: لا يجوز أن يكون المراد من قوله: ﴿ قُل لا أَجِدُ فِيمَا أُوْحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا ﴾ ما كان يحرمه أهل الجاهلية من السوائب والبحائر وغيرها إذ لو كان المراد ذلك لما كانت الميتة والدم ولحم الخنزير وما ذبح على النصب داخلة تحته، ولو لم تكن هذه الأشياء داخلة تحت قوله: ﴿ قُل لا أَجِدُ فِيمَا أُوْحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا ﴾ لما حسن استثناؤها، ولما رأينا أن هذه الأشياء مستثناة عن تلك الكلمة، علمنا أنه ليس المراد من تلك الكلمة ما ذكروه.

وثانيها: أنه تعالى حكم بفساد قولهم في تحريم تلك الأشياء، ثم إنه تعالى في هذه الآية خصص المحرمات في هذه الأربعة وتحليل تلك الأشياء التي حرمها أهل الجاهلية لا يمنع من تحليل غيرها، فوجب إبقاء هذه الآية على عمومها لأن تخصيصها يوجب ترك العمل بعمومها من غير دليل.

وثالثها: أنه تعالى قال في سورة البقرة: ﴿ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ  ﴾ وذكر هذه الأشياء الأربعة، وكلمة ﴿ إِنَّمَا ﴾ تفيد الحصر وهذه الآية في سورة البقرة غير مسبوقة بحكاية أقوال أهل الجاهلية في تحريم البحائر والسوائب فسقط هذا العذر.

وأما جوابهم الثاني: وهو أن المراد أن وقت نزول هذه الآية لم يكن محرماً إلا هذه الأربعة.

فجوابه من وجوه: أولها: أن قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الميتة والدم وَلَحْمَ الخنزير وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ الله  ﴾ آية مدنية نزلت بعد استقرار الشريعة، وكلمة ﴿ إِنَّمَا ﴾ تفيد الحصر فدل هاتان الآيتان على أن الحكم الثابت في شريعة محمد عليه الصلاة والسلام من أولها إلى آخرها ليس إلا حصر المحرمات في هذه الأشياء.

وثانيها: أنه لما ثبت بمقضتى هاتين الآيتين حصر المحرمات في هذه الاْربعة كان هذا اعترافاً بحل ما سواها، فالقول بتحريم شيء خامس يكون نسخاً، ولا شك أن مدار الشريعة على أن الأصل عدم النسخ، لأنه لو كان احتمال طريان الناسخ معادلاً لاحتمال بقاء الحكم على ما كان، فحينئذ لا يمكن التمسك بشيء من النصوص في إثبات شيء من الأحكام لاحتمال أن يقال: إنه وإن كان ثابتاً إلا أنه زال، ولما اتفق الكل على أن الأصل عدم النسخ، وأن القائل به والذاهب إليه هو المحتاج إلى الدليل علمنا فساد هذا السؤال.

وأما جوابهم الثالث: وهو أنا نخصص عموم القرآن بخبر الواحد.

فنقول: ليس هذا من باب التخصيص، بل هو صريح النسخ، لأن قوله تعالى: ﴿ قُل لا أَجِدُ فِيمَا أُوحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا على طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ ﴾ مبالغة في أنه لا يحرم سوى هذه الأربعة، وقوله في سورة البقرة: ﴿ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الميتة ﴾ وكذا وكذا، تصريح بحصر المحرمات في هذه الأربعة، لأن كلمة ﴿ إِنَّمَا ﴾ تفيد الحصر، فالقول بأنه ليس الأمر كذلك يكون دفعاً لهذا الذي ثبت بمقتضى هاتين الآيتين أنه كان ثابتاً في أول الشريعة بمكة، وفي آخرها بالمدينة، ونسخ القرآن بخبر الواحد لا يجوز.

وأما جوابهم الرابع: فضعيف أيضاً، لأن قوله تعالى: ﴿ قُل لا أَجِدُ فِيمَا أُوحِىَ إِلَيْكَ ﴾ يتناول كل ما كان وحياً، سواء كان ذلك الوحي قرآناً أو غيره، وأيضاً فقوله في سورة البقرة: ﴿ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الميتة ﴾ يزيل هذا الاحتمال.

فثبت بالتقرير الذي ذكرنا قوة هذا الكلام، وصحة هذا المذهب، وهو الذي كان يقول به مالك بن أنس رحمه الله، ومن السؤالات الضعيفة أن كثيراً من الفقهاء خصصوا عموم هذه الآية بما نقل أنه عليه الصلاة والسلام قال: ما استخبثه العرب فهو حرام وقد علم أن الذي يستخبثه العرب فهو غير مضبوط، فسيد العرب بل سيد العالمين محمد صلوات الله عليه، لما رآهم يأكلون الضب قال: يعافه طبعي ثم إن هذا الاستقذار ما صار سبباً لتحريم الضب.

وأما سائر العرب فمنهم من لا يستقذر شيئاً، وقد يختلفون في بعض الأشياء، فيستقذرها قوم ويستطيبها آخرون، فعلمنا أن أمر الاستقذار غير مضبوط، بل هو مختلف باختلاف الأشخاص والأحوال، فكيف يجوز نسخ هذا النص القاطع بذلك الأمر الذي ليس له ضابط معين ولا قانون معلوم؟

المسألة الثالثة: اعلم أنا قد ذكرنا المسائل المتعلقة بهذه الأشياء الأربعة في سورة البقرة على سبيل الاستقصاء، فلا فائدة في الإعادة.

فأولها: الميتة، ودخلها التخصيص في قوله عليه الصلاة والسلام: «أحلت لنا ميتتان السمك والجراد».

وثانيها: الدم المسفوح، والسفح الصب يقال: سفح الدم سفحاً، وسفح هو سفوحاً إذا سال وأنشد أبو عبيدة لكثير: أقول ودمعي واكف عند رسمها *** عليك سلام الله والدمع يسفح قال ابن عباس: يريد ما خرج من الأنعام وهي أحياء، وما يخرج من الأوداج عند الذبح، وعلى هذا التقدير: فلا يدخل فيه الكبد والطحال لجمودهما، ولا ما يختلط باللحم من الدم فإنه غير سائل، وسئل ابن مجلز عما يتلطخ من اللحم بالدم.

وعن القدر: يرى فيها حمرة الدم، فقال لا بأس به، إنما نهي عن الدم المسفوح.

وثالثها: لحم الخنزير فإنه رجس.

ورابعها: قوله: ﴿ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ ﴾ وهو منسوق على قوله: ﴿ إِلا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا ﴾ فسمى ما أهل لغير الله به فسقاً لتوغله في باب الفسق كما يقال: فلان كرم وجود إذا كان كاملاً فيهما، ومنه قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسم الله عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ  ﴾ .

وأما قوله تعالى: ﴿ فَمَنِ اضطر غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ فالمعنى أنه لما بين في هذه الأربعة أنها محرمة، بين أن عند الاضطرار يزول ذلك التحريم، وهذه الآية قد استقصينا تفسيرها في سورة البقرة.

وقوله عقيب ذلك: ﴿ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ يدل على حصول الرخصة، ثم بين تعالى أنه حرم على اليهود أشياء أخرى سوى هذه الأربعة، وهي نوعان: الأول: أنه تعالى حرم عليهم كل ذي ظفر.

وفيه مباحث: البحث الأول: قال الواحدي: في الظفر لغات ظفر بضم الفاء، وهو أعلاها وظفر بسكون الفاء، وظفر بكسر الظاء وسكون الفاء، وهي قراءة الحسن وظفر بكسرهما وهي قراءة أبي السمال.

البحث الثاني: قال الواحدي: اختلفوا في كل ذي ظفر الذي حرمه الله تعالى على اليهود روي عن ابن عباس: أنه الإبل فقط وفي رواية أخرى عن ابن عباس: أنه الإبل والنعامة، وهو قول مجاهد.

وقال عبد الله بن مسلم: إنه كل ذي مخلب من الطير وكل ذي حافر من الدواب.

ثم قال: ﴿ كذلك ﴾ قال المفسرون وقال: وسمى الحافر ظفراً على الاستعارة.

وأقول: أماحمل الظفر على الحافر فبعيد من وجهين: الأول: أن الحافر لا يكاد يسمى ظفراً.

والثاني: أنه لو كان الأمر كذلك لوجب أن يقال إنه تعالى حرم عليهم كل حيوان له حافر، وذلك باطل لأن الآية تدل على أن الغنم والبقر مباحان لهم من حصول الحافر لهما.

وإذا ثبت هذا فنقول: وجب حمل الظفر على المخالب والبراثن لأن المخالب آلات الجوارح في الاصطياد والبراثن آلات السباع في الاصطياد، وعلى هذا التقدير: يدخل فيه أنواع السباع والكلاب والسنانير، ويدخل فيه الطيور التي تصطاد لأن هذه الصفة تعم هذه الأجناس.

إذا ثبت هذا فنقول: قوله تعالى: ﴿ وَعَلَى الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى ظُفُرٍ ﴾ يفيد تخصيص هذه الحرمة بهم من وجهين: الأول: أن قوله: ﴿ وَعَلَى الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا ﴾ كذا وكذا يفيد الحصر في اللغة.

والثاني: أنه لو كانت هذه الحرمة ثابتة في حق الكل لم يبق لقوله، ﴿ وَعَلَى الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا ﴾ فائدة فثبت أن تحريم السباع وذوي المخالب من الطير مختص باليهود، فوجب أن لا تكون محرمة على المسلمين، فصارت هذه الآية دالة على هذه الحيوانات على المسلمين، وعند هذا نقول: ما روي أنه صلى الله عليه وسلم حرم كل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطيور ضعيف لأنه خبر واحد على خلاف كتاب الله تعالى، فوجب أن لا يكون مقبولاً، وعلى هذا التقدير: يقوى قول مالك في هذه المسألة.

النوع الثاني: من الأشياء التي حرمها الله تعالى على اليهود خاصة، قوله تعالى: ﴿ وَمِنَ البقر والغنم حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا ﴾ فبين تعالى أنه حرم على اليهود شحوم البقر والغنم، ثم في الآية قولان: الأول: إنه تعالى استثنى عن هذا التحريم ثلاثة أنواع: أولها: قوله: ﴿ إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا ﴾ قال ابن عباس: إلا ما علق بالظهر من الشحم، فإني لم أحرمه وقال قتادة: إلا ما علق بالظهر والجنب من داخل بطونها، وأقول ليس على الظهر والجنب شحم إلا اللحم الأبيض السمين الملتصق باللحم الأحمر على هذا التقدير: فذلك اللحم السمين الملتصق مسمم بالشحم، وبهذا التقدير: لو حلف لا يأكل الشحم، وجب أن يحنث بأكل ذلك اللحم السمين.

والاستثناء الثاني: قوله تعالى: ﴿ أَوِ الحوايا ﴾ قال الواحدي: وهي المباعر والمصارين، واحدتها حاوية وحوية.

قال ابن الأعرابي: هي الحوية أو الحاوية، وهي الدوارة التي في بطن الشاة.

وقال ابن السكيت: يقال حاوية وحوايا، مثل رواية وروايا.

إذا عرفت هذا: فالمراد أن الشحوم الملتصقة بالمباعر والمصارين غير محرمة.

والاستثناء الثالث: قوله: ﴿ وَمَا اختلط بِعَظْمٍ ﴾ قالوا: إنه شحم الإلية في قول جميع المفسرين.

وقال ابن جريج: كل شحم في القائم والجنب والرأس، وفي العينين والأذنيين يقول: إنه اختلط بعظم فهو حلال لهم، وعلى هذا التقدير: فالشحم الذي حرمه الله عليهم هو الثرب وشحم الكلية.

القول الثاني: في الآية أن قوله: ﴿ أَوِ الحوايا ﴾ غير معطوف على المستثنى، بل على المستثنى منه والتقدير: حرمت عليهم شحومهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم إلا ما حملت ظهورهما فإنه غير محرم قالوا: ودخلت كلمة أو كدخولها في قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ ءاثِماً أَوْ كَفُوراً  ﴾ والمعنى كل هؤلاء أهل أن يعصى، فاعص هذا واعص هذا، فكذا هاهنا المعنى حرمنا عليهم هذا وهذا.

ثم قال تعالى: ﴿ ذلك جزيناهم بِبَغْيِهِمْ ﴾ والمعنى: أنا إنما خصصناهم بهذا التحريم جزاء على بغيهم، وهو قتلهم الأنبياء، وأخذهم الربا، وأكلهم أموال الناس بالباطل، ونظيره قوله تعالى: ﴿ فَبِظُلْمٍ مّنَ الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طيبات أُحِلَّتْ لَهُمْ  ﴾ .

ثم قال تعالى: ﴿ وِإِنَّا لصادقون ﴾ أي في الإخبار عن بغيهم وفي الإخبار عن تخصيصهم بهذا التحريم بسبب بغيهم.

قال القاضي: نفس التحريم لا يجوز أن يكون عقوبة على جرم صدر عنهم، لأن التكليف تعريض للثواب، والتعريض للثواب إحسان فلم يجز أن يكون التكليف جزاء على الجرم المتقدم.

فالجواب: أن المنع من الانتفاع يمكن أن يكون لمزيد استحقاق الثواب، ويمكن أيضاً أن يكون للجرم المتقدم، وكل واحد منهما غير مستبعد.

ثم قال تعالى: ﴿ فَإِن كَذَّبُوكَ ﴾ يعني إن كذبوك في ادعاء النبوة والرسالة، وكذبوك في تبليغ هذه الأحكام ﴿ فَقُل رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسعة ﴾ فلذلك لا يعجل عليكم بالعقوبة ﴿ وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُهُ ﴾ أي عذابه إذا جاء الوقت ﴿ عَنِ القوم المجرمين ﴾ يعني الذين كذبوك فيما تقول، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

ذو الظفر ما له أصبع من دابة أو طائر، وكان بعض ذات الظفر حلالاً لهم، فلما ظلموا حرّم ذلك عليهم فعمّ التحريم كل ذي ظفر بدليل قوله: ﴿ فَبِظُلْمٍ مّنَ الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طيبات أُحِلَّتْ لَهُمْ ﴾ [النساء: 160] وقوله: ﴿ وَمِنَ البقر والغنم حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا ﴾ كقولك: من زيد أخذت ماله، تريد الإضافة زيادة الربط.

والمعنى أنه حرّم عليهم لحم كل ذي ظفر وشحمه وكل شيء منه، وترك البقر والغنم على التحليل لم يحرّم منهما إلاّ الشحوم الخالصة، وهي الثروب وشحوم الكلى.

وقوله: ﴿ إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا ﴾ يعني إلاّ ما اشتمل على الظهور والجنوب من السحقة ﴿ أَوِ الحوايا ﴾ أو اشتمل على الأمعاء ﴿ أَوْ مَا اختلط بِعَظْمٍ ﴾ وهو شحم الإلية.

وقيل: ﴿ الحوايا ﴾ عطف على شحومهما.

و (أو) بمنزلتها في قولهم: جالس الحسن أو ابن سيرين ﴿ ذلك ﴾ الجزاء ﴿ جزيناهم ﴾ وهو تحريم الطيبات ﴿ بِبَغْيِهِمْ ﴾ بسبب ظلمهم ﴿ وِإِنَّا لصادقون ﴾ فيما أوعدنا به العصاة لا نخلفه، كما لا نخلف ما وعدناه أهل الطاعة.

فلما عصوا وبغوا ألحقناهم بهم الوعيد وأحللنا بهم العقاب.

﴿ فَإِن كَذَّبُوكَ ﴾ في ذلك وزعموا أن الله واسع الرحمة، وأنه لا يؤاخذ بالبغي ويخلف الوعيد جوداً وكرماً ﴿ فَقُلْ ﴾ لهم ﴿ رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسعة ﴾ لأهل طاعته ﴿ وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُهُ ﴾ مع سعة رحمته ﴿ عَنِ القوم المجرمين ﴾ فلا تغترّ برجاء رحمته عن خوف نقمته.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ﴾ كُلَّ ما لَهُ إصْبَعٌ كالإبِلِ والسِّباعِ والطُّيُورِ.

وقِيلَ كُلَّ ذِي مِخْلَبٍ وحافِرٍ وسُمِّيَ الحافِرُ ظُفُرًا مَجازًا ولَعَلَّ المُسَبَّبَ عَنِ الظُّلْمِ تَعْمِيمُ التَّحْرِيمِ.

﴿ وَمِنَ البَقَرِ والغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما ﴾ الثُّرُوبَ وشُحُومَ الكُلى والإضافَةُ لِزِيادَةِ الرَّبْطِ.

﴿ إلا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما ﴾ إلّا ما عَلَقَتْ بِظُهُورِهِما.

﴿ أوِ الحَوايا ﴾ أوْ ما اشْتَمَلَ عَلى الأمْعاءِ جَمْعُ حاوِيَةٍ، أوْ حاوِياءَ كَقاصِعاءَ وقَواصِعَ، أوْ حَوِيَّةٍ كَسَفِينَةٍ وسَفائِنَ.

وقِيلَ هو عَطْفٌ عَلى شُحُومِهِما وأوْ بِمَعْنى الواوِ.

﴿ أوْ ما اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ﴾ هو شَحْمُ الألْيَةِ لِاتِّصالِها بِالعُصْعُصِ.

﴿ ذَلِكَ ﴾ التَّحْرِيمُ أوِ الجَزاءُ.

﴿ جَزَيْناهم بِبَغْيِهِمْ ﴾ بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ.

﴿ وَإنّا لَصادِقُونَ ﴾ في الإخْبارِ أوِ الوَعْدِ والوَعِيدِ.

﴿ فَإنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكم ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ ﴾ يُمْهِلُكم عَلى التَّكْذِيبِ فَلا تَغْتَرُّوا بِإمْهالِهِ فَإنَّهُ لا يُهْمِلُ.

﴿ وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ ﴾ حِينَ يَنْزِلُ، أوْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ عَلى المُطِيعِينَ وذُو بَأْسٍ شَدِيدٍ عَلى المُجْرِمِينَ، فَأقامَ مَقامَهُ ولا يُرَدُّ بَأْسُهُ لِتَضَمُّنِهِ التَّنْبِيهَ عَلى إنْزالِ البَأْسِ عَلَيْهِمْ مَعَ الدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ لازِبٌ بِهِمْ لا يُمْكِنُ رَدُّهُ عَنْهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَعَلَى الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى ظُفُرٍ} أي ماله أصبع من دابة أو طائر ويدخل فيه الإبل والنعام {وَمِنَ البقر والغنم حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا} أي حرمنا عليهم لحم كل ذي ظفر وشحمه وكل شيء منه ولم يحرم من البقر والغنم إلا الشحوم وهي الثروب وشحوم الكلى {إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا} إلا ما اشتمل على الظهور والجنوب

الأنعام ١٤٠ ١٤٤ من السَّحفة {أَوِ الحوايا} أو ما اشتمل على الأمعاء واحدها حاوياء أو حوية {أَوْ مَا اختلط بِعَظْمٍ} وهو الألية أو المخ {ذلك} مفعول ثان لقوله {جزيناهم} والتقدير جزيناهم ذلك {بِبَغْيِهِمْ} بسبب ظلمهم {وِإِنَّا لصادقون} فيما أخبرنا به وكيف نشكر من سبب معصيتهم لتحريم الحلال ومعصية سالفنا لتحليل الحرام حيث قال وعفا عنكم فالآن باشروهن

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وعَلى الَّذِينَ هادُوا ﴾ أيِ اليَهُودُ خاصَّةً لا عَلى مَن عَداهم مِنَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ ﴿ حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ﴾ أيْ لَيْسَ مُنْفَرِجِ الأصابِعِ كالإبِلِ والنَّعامِ والأوِزِّ والبَطِّ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جَرِيرٍ وقَتادَةُ ومُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّهُ الإبِلُ فَقَطْ وقالَ الجُبّائِيُّ: يَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ السِّباعِ والكِلابِ والسَّنانِيرِ وما يَصْطادُ بِظُفُرِهِ وعَنِ القُتَبِيِّ والبَلْخِيِّ أنَّهُ ذُو المِخْلَبِ مِنَ الطَّيْرِ وذُو الحافِرِ مِنَ الدَّوابِّ وسُمِّي الحافِرُ ظُفُرًا مَجازًا واسْتَبْعَدَ ذَلِكَ الإمامُ ولَعَلَّ المُسَبَّبَ عَنِ الظُّلْمِ هو تَعْمِيمُ التَّحْرِيمِ لِأنَّ البَعْضَ كانَ حَرامًا قَبْلَهُ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ كُلُّ ذِي ظُفُرٍ حَلالٍ بِقَرِينَةِ ﴿ حَرَّمْنا ﴾ وهَذا كَما قِيلَ تَحْقِيقٌ لِما سَلَفَ مِن حَصْرِ المُحَرَّماتِ فِيما فَصَّلَ بِإبْطالِ ما يُخالِفُهُ مِن فِرْيَةِ اليَهُودِ وتَكْذِيبِهِمْ في ذَلِكَ فَإنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: لَسْنا أوَّلَ مَن حُرِّمَتْ عَلَيْهِ وإنَّما كانَتْ مُحَرَّمَةً عَلى نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومَن بَعْدَهُما عَلَيْهِما السَّلامُ حَتّى انْتَهى التَّحْرِيمُ وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّ ذَلِكَ تَتْمِيمٌ لِما قَبْلَهُ لِأنَّ فِيهِ رَفْعٌ أنَّهُ تَعالى حَرَّمَ عَلى اليَهُودِ جَمِيعَ هَذِهِ الأُمُورِ فَكَذَلِكَ حَرَّمَ البُحَيْرَةَ والسّائِبَةَ ونَحْوَهُما بِأنَّ ذَلِكَ كانَ عَلى اليَهُودِ خاصَّةً غَضَبًا عَلَيْهِمْ: وقَرَأ الحَسَنُ ( ظِفْرٍ ) بِكَسْرِ الظّاءِ وسُكُونِ الفاءِ وقَرَأ أبُو السِّماكِ بِكَسْرِهِما وقُرِئَ كَما قالَ أبُو البَقاءِ ( ظُفْرٍ ) بِضَمِّ الظّاءِ وسُكُونِ الفاءِ.

﴿ ومِنَ البَقَرِ والغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما ﴾ لا لُحُومَهُما فَإنَّها باقِيَةٌ عَلى الحِلِّ والمُرادُ بِالشُّحُومِ ما يَكُونُ عَلى الأمْعاءِ والكِرْشِ مِنَ الشَّحْمِ الرَّقِيقِ وشُحُومُ الكُلى وقِيلَ: هو عامٌّ اسْتُثْنِيَ مِنهُ ما سَيَأْتِي و( مِنَ البَقَرِ ) مُتَعَلِّقٌ بِحَرَّمْنا بَعْدَهُ وكانَ يَكْفِي حِينَئِذٍ أنْ يُقالَ: الشُّحُومُ لَكِنَّهُ أُضِيفَ لِزِيادَةِ الرَّبْطِ والتَّأْكِيدِ كَما يُقالُ: أخَذْتُ مِن زَيْدٍ مالَهُ وهو مُتَعارَفٌ في كَلامِهِمْ وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ وظاهِرُ صَنِيعِهِ اخْتِيارُهُ مَعَ أنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ أنَّ ( مِنَ البَقَرِ ) عُطِفَ عَلى ﴿ كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ﴾ عَلى مَعْنى وبَعْضَ البَقَرِ وجَعَلَ ﴿ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما ﴾ تَبْيِينًا لِلْمُحَرَّمِ مِن ذَلِكَ وحِينَئِذٍ الإضافَةُ لِلرَّبْطِ المُحْتاجِ إلَيْهِ.

﴿ إلا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما ﴾ أيْ ما عَلِقَ بِظُهُورِهِما والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ أوْ مُتَّصِلٌ مِنَ الشُّحُومِ وإلى الِانْقِطاعِ ذَهَبَ الإمامُ الأعْظَمُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَقَدْ نُقِلَ عَنْهُ لَوْ حَلَفَ لا يَأْكُلَ شَحْمًا يَحْنَثُ بِشَحْمِ البَطْنِ فَقَطْ وخالَفَهُ في ذَلِكَ صاحِباهُ فَقالا يَحْنَثُ بِشَحْمِ الظَّهْرِ أيْضًا لِأنَّهُ شَحْمٌ وفِيهِ خاصِّيَّةُ الذَّوْبِ بِالنّارِ وأيَّدَ ذَلِكَ بِهَذا الِاسْتِثْناءِ بِناءً عَلى أنَّ الأصْلَ فِيهِ الِاتِّصالُ ولِلْإمامِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ لَحْمٌ حَقِيقَةً لِأنَّهُ يَنْشَأُ مِنَ الدَّمِ ويُسْتَعْمَلُ كاللَّحْمِ في اتِّخاذِ الطَّعامِ والقَلايا ويُؤْكَلُ كاللَّحْمِ ولا يُفْعَلُ ذَلِكَ بِالشَّحْمِ ولِهَذا يَحْنَثُ بِأكْلِهِ لَوْ حَلَفَ لا يَأْكُلُ لَحْمًا وبائِعُهُ يُسَمّى لَحّامًا لا شَحّامًا والِاتِّصالُ وإنْ كانَ أصْلًا في الِاسْتِثْناءِ إلّا أنَّ هُنا ما يَدُلُّ عَلى الِانْقِطاعِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوِ الحَوايا ﴾ فَإنَّهُ عُطِفَ عَلى المُسْتَثْنى ولَيْسَ بِشَحْمٍ بَلْ هو بِمَعْنى المَباعِرِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وغَيْرِهِما أوِ المَرابِضِ وهي نَباتُ اللَّبَنِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ أوِ المَصارِينُ والأمْعاءُ كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ مِن أهْلِ اللُّغَةِ ولِلْقائِلِ بِالِاتِّصالِ أنْ يَقُولَ العَطْفُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ شُحُومُ الحَوايا أوْ يُؤَوَّلُ ذَلِكَ بِما حَمَلَهُ ( الحَوايا ) مِن شَحْمٍ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُفَسَّرَ ( الحَوايا ) بِما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ الأمْعاءُ لِأنَّهُ مِن حَواهُ بِمَعْنى اشْتَمَلَ عَلَيْهِ فَيُطْلَقُ عَلى الشَّحْمِ المُلْتَفِّ عَلى الأمْعاءِ وجَوَّزَ غَيْرُ واحِدٍ أنْ يَكُونَ العَطْفُ عَلى ﴿ ظُهُورُهُما ﴾ وأنْ يَكُونَ عَلى ﴿ شُحُومَهُما ﴾ وحِينَئِذٍ يَكُونُ ما ذُكِرَ مُحَرَّمًا وإلَيْهِ ذَهَبَ بَعْضُ السَّلَفِ وهو يَعْطِفُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ أوْ ما اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ﴾ وهي شَحْمُ الإلْيَةِ لِاتِّصالِها بِالعُصْعُصِ وقِيلَ هو المُخُّ ولا يَقُولُ أحَدٌ إنَّهُ شَحْمٌ عَلَيْهِ ويَقُولُ بِتَحْرِيمِهِ أيْضًا و( الحَوايا ) قِيلَ جَمْعُ حاوِيَةٍ كَزاوِيَةٍ وزَوايا ووَزْنُهُ فَواعِلُ وأصْلُهُ حَواوى فَقُلِبَتِ الواوُ الَّتِي هي عَيْنُ الكَلِمَةِ هَمْزَةً لِأنَّها ثانِي حَرْفَيْ لِينٍ اكْتَنَفا مَدَّةَ مَفاعِلَ ثُمَّ قُلِبَتِ الهَمْزَةُ المَكْسُورَةُ ياءً ثُمَّ فُتِحَتْ لِثِقَلِ الكَسْرَةِ عَلى الياءِ فَقُلِبَتِ الياءُ الأخِيرَةُ ألِفًا لِتَحَرُّكِها بَعْدَ فَتْحَةٍ فَصارَتْ حَوايا أوْ قُلِبَتِ الواوُ هَمْزَةً مَفْتُوحَةً ثُمَّ الياءُ الأخِيرَةُ ألِفًا ثُمَّ الهَمْزَةُ ياءً لِوُقُوعِها بَيْنَ ألِفَيْنِ كَما فُعِلَ بِخَطايا وقِيلَ: جَمْعُ حاوِياءَ كَقاصِعاءَ وقَواصِعَ ووَزْنُهُ فَواعِلُ أيْضًا وإعْلالُهُ كَما عَلِمْتَ وقِيلَ: جَمْعُ حَوِيَّةٍ كَظَرِيفَةٍ وظَرائِفَ ووَزْنُهُ فَعائِلُ وأصْلُهُ حَوائِيُ فَقُلِبَتِ الهَمْزَةُ ياءً مَفْتُوحَةً والياءُ الَّتِي هي لامٌ ألِفًا فَصارَ حَوايا.

وجَوَّزَ الفارِسِيُّ أنْ يَكُونَ جَمْعًا لِكُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الثَّلاثَةِ وقَدْ سُمِعَ في مُفْرَدِهِ أيْضًا و( أوْ ) بِمَعْنى الواوِ.

وقالَ أبُو البَقاءِ لِتَفْصِيلِ مَذاهِبِهِمْ نَظِيرُها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وقالُوا كُونُوا هُودًا أوْ نَصارى ﴾ وقالَ الزَّجّاجُ: هي فِيما إذا كانَ العَطْفُ عَلى الشُّحُومِ لِلْإباحَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أوْ كَفُورًا ﴾ أيْ كُلُّ هَؤُلاءِ أهْلٌ أنْ يُعْصى فاعْصِ هَذا أوِ اعْصِ هَذا و( أوْ ) بَلِيغَةٌ في هَذا المَعْنى لِأنَّكَ إذا قُلْتَ: لا تُطِعْ زَيْدًا وعَمْرًا فَجائِزٌ أنْ تَكُونَ نُهِيتَ عَنْ طاعَتِهِما مَعًا فَإنْ أُطِيعَ زَيْدٌ عَلى حِدَّتِهِ لَمْ يَكُنْ مَعْصِيَةً فَإذا قُلْتَ لا تُطِعْ زَيْدًا أوْ عَمْرًا أوْ خالِدًا كانَ المَعْنى هَؤُلاءِ كُلُّهم أهْلٌ أنْ يُطاعَ فَلا تُطِعْ واحِدًا مِنهم ولا تُطِعِ الجَماعَةَ ومِنهُ جالِسِ الحَسَنَ أوِ ابْنَ سِيرِينَ أوِ الشَّعْبِيَّ فَلَيْسَ المَعْنى الأمْرَ بِمُجالَسَةِ واحِدٍ مِنهم بَلِ المَعْنى كُلُّهم أهْلٌ أنْ يُجالَسَ فَإنْ جالَسْتَ واحِدًا مِنهم فَأنْتَ مُصِيبٌ وإنْ جالَسْتَ الجَماعَةَ فَأنْتَ مُصِيبٌ واخْتارَهُ العَلّامَةُ الثّانِي وقالَ الوَجْهُ أنْ يُقالَ إنَّ كَلِمَةَ ( أوْ ) في العَطْفِ عَلى المُسْتَثْنى مِن قَبِيلِ جالِسِ الحَسَنَ أوِ ابْنَ سِيرِينَ كَما في العَطْفِ عَلى المُسْتَثْنى مِنهُ يَعْنِي أنَّها لِإفادَةِ التَّساوِي في الكُلِّ فَيَحْرُمُ الكُلُّ وتَحْقِيقُهُ أنَّ مَرْجِعَ التَّحْرِيمِ إلى النَّهْيِ كَأنَّهُ قِيلَ لا تَأْكُلُوا أحَدَ الثَّلاثَةِ وهو مَعْنى العُمُومِ وهَذا مُرادُ الزَّمَخْشَرِيِّ فِيما نُقِلَ عَنْهُ مِن أنَّ الجُمْلَةَ في حُكْمِ التَّحْرِيمِ فَوَجْهُ العَطْفِ بِحَرْفِ التَّخْيِيرِ أنَّها بَلِيغَةٌ بِهَذا المَعْنى ثُمَّ قالَ وبِهَذا يَتَبَيَّنُ فَسادُ ما يُتَوَهَّمُ أنَّهُ يُرِيدُ أنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ العَطْفِ عَلى المُسْتَثْنى مِنهُ يَكُونُ المَعْنى حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما أوْ حَرَّمْنا عَلَيْهِمُ الحَوايا أوْ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ ما اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ فَيَجُوزُ لَهم تَرْكُ أيِّها كانَ وأكْلُ الآخَرَيْنِ وادَّعى أنَّ الظّاهِرَ أنَّ مِثْلَ هَذا وإنْ كانَ جائِزًا فَلَيْسَ مِنَ الشَّرْعِ أنْ يُحَرَّمَ أوْ يُحَلَّلَ واحِدٌ مُبْهَمٌ مِن أُمُورٍ مُعَيَّنَةٍ وإنَّما ذَلِكَ في الواجِبِ فَقَطْ وهَذِهِ الدَّعْوى مِنَ العَجَبِ فَإنَّ الحَرامَ المُخَيَّرَ والمُباحَ المُخَيَّرَ مِمّا صَرَّحَ بِهِ الفُقَهاءُ وأهْلُ الأُصُولِ قاطِبَةً ويَحْتاجُ إلى إمْعانِ نَظَرٍ فَلْيُمْعِنْ وذَكَرَ الطَّيِّبِيُّ في حاصِلِ كَلامِ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ في أوْ هُنا أنَّكَ إذا عَطَفْتَ عَلى الشُّحُومِ دَخَلَتِ الثَّلاثَةُ تَحْتَ حُكْمِ النَّفْيِ فَيَحْرُمُ الكُلُّ سِوى ما اسْتُثْنِيَ مِنهُ وإذا عَطَفْتَ عَلى المُسْتَثْنى لَمْ يَحْرُمْ سِوى الشُّحُومِ و( أوْ ) عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ لِلْإباحَةِ وعَلى الثّانِي لِلتَّنْوِيعِ ﴿ ذَلِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى الجَزاءِ أوِ التَّحْرِيمِ: فَهو عَلى الأوَّلِ نُصِبَ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِما بَعْدَهُ وعَلى الثّانِي عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لَهُ أيْ ذَلِكَ التَّحْرِيمُ ﴿ جَزَيْناهُمْ ﴾ وجَزى يَتَعَدّى بِالباءِ وبِنَفْسِهِ كَما ذَكَرَهُ الرّاغِبُ وغَيْرُهُ وما نُقِلَ عَنِ ابْنِ مالِكٍ أنَّ اسْمَ الإشارَةِ لا يَنْتَصِبُ مُشارًا بِهِ إلى المَصْدَرِ إلّا ويُتْبَعُ بِالمَصْدَرِ نَحْوَ قُمْتُ هَذا القِيامَ وقَعَدْتُ ذَلِكَ القُعُودَ ولا يَجُوزُ قُمْتُ هَذا ولا قَعَدْتُ ذَلِكَ ورَدَّهُ أبُو حَيّانَ والجَلَبِيُّ وصَحَّحا وُرُودَ اسْمِ الإشارَةِ مُشارًا بِهِ إلى المَصْدَرِ غَيْرَ مَتْبُوعٍ بِهِ.

وجُوِّزَ كَوْنُ ذَلِكَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مُقَدَّرٍ أيِ الأمْرُ ذَلِكَ أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْ جَزَيْناهم إيّاهُ ﴿ بِبَغْيِهِمْ ﴾ أيْ بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ وهو قَتْلُهُمُ الأنْبِياءُ بِغَيْرِ حَقٍّ وأكْلُهُمُ الرِّبا وقَدْ نُهُوا عَنْهُ وأكْلُهم أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ وكانُوا كُلَّما أتَوْا بِمَعْصِيَةٍ عُوقِبُوا بِتَحْرِيمِ شَيْءٍ مِمّا أُحِلَّ لَهم وهم يُنْكِرُونَ ذَلِكَ ويَدَّعُونَ أنَّها لَمْ تَزَلْ مُحَرَّمَةً عَلى الأُمَمِ وقِيلَ: المُرادُ بِبَغْيِهِمْ عَلى فُقَرائِهِمْ بِناءً عَلى ما نَقَلَ عَلِيُّ بْنُ إبْراهِيمَ في تَفْسِيرِهِ أنَّ مُلُوكَ بَنِيَ إسْرائِيلَ كانُوا يَمْنَعُونَ فُقَراءَهم مِن أكْلِ لُحُومِ الطَّيْرِ والشُّحُومِ فَحَرَّمَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ ذَلِكَ بِسَبَبِ هَذا المَنعِ وهو تابِعٌ لِلْمَصْلَحَةِ أيْضًا ولا بُعْدَ في أنْ يَكُونَ المَنعُ مِنَ الِانْتِفاعِ لِمَزِيدِ اسْتِحْقاقِ الثَّوابِ وأنْ يَكُونَ لِجُرْمٍ مُتَقَدِّمٍ ﴿ وإنّا لَصادِقُونَ ﴾ (146) في جَمِيعِ أخْبارِنا الَّتِي مِن جُمْلَتِها الإخْبارُ بِالتَّحْرِيمِ وبِالبَغْيِ وعُدَّ مِنها واقْتَصَرَ عَلَيْهِ بَعْضُهُمُ الوَعْدُ والوَعِيدُ.

وقَوّى الإمامُ بِهَذِهِ الآيَةِ ما ذَهَبَ إلَيْهِ الإمامُ مالِكٌ وكَثِيرٌ مِنَ السَّلَفِ وهو القَوْلُ بِما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ الآيَةِ السّابِقَةِ مِن حِلِّ ما عَدا الأرْبَعَةَ المَذْكُورَةَ فِيها وذَلِكَ أنَّهُ أوْجَبَ حَمْلَ الظُّفُرِ عَلى المِخْلَبِ لِبُعْدِ حَمْلِهِ عَلى الحافِرِ لِوَجْهَيْنِ الأوَّلُ أنَّ الحافِرَ لا يَكادُ يُسَمّى ظُفُرًا والثّانِي أنَّ الأمْرَ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَوَجَبَ أنْ يُقالَ إنَّهُ تَعالى حَرَّمَ عَلَيْهِمْ كُلَّ حَيَوانٍ لَهُ حافِرٌ وهو باطِلٌ لِأنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ الغَنَمَ والبَقَرَ مُباحانِ لَهم مَعَ حُصُولِ الحافِرِ لَهم وإذًا وجَبَ حَمْلُهُ عَلى المِخْلَبِ والآيَةُ تُفِيدُ تَخْصِيصَ هَذِهِ الحُرْمَةِ بِاليَهُودِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ مِن وجْهَيْنِ الأوَّلُ إفادَةُ التَّرْكِيبِ الحَصْرَ لُغَةً والثّانِي أنَّها لَوْ كانَتْ ثابِتَةً في حَقِّ الكُلِّ لَمْ يَبْقَ لِلِاقْتِصارِ عَلى ذِكْرِهِمْ فائِدَةٌ ووَجَبَ أنْ لا تَكُونَ السِّباعُ وذَواتُ المِخْلَبِ مِنَ الطَّيْرِ مُحَرَّمَةً عَلى المُسْلِمِينَ بَلْ يَكُونُ تَحْرِيمُها مُخْتَصًّا بِاليَهُودِ وحِينَئِذٍ فَما رُوِيَ «أنَّهُ  حَرَّمَ كُلَّ ذِي نابٍ مِنَ السِّباعِ وذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ» ضَعِيفٌ لِأنَّهُ خَبَرٌ واحِدٌ عَلى خِلافِ كِتابِ اللَّهِ تَعالى فَلا يَكُونُ مَقْبُولًا فَيَتَقَرَّرُ قَوْلُ الجَماعَةِ السّابِقُ وفِيهِ نَظَرٌ لا يَخْفى فَتَدَبَّرْ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قُلْ لا أَجِدُ فِي مآ أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً يعني: لا أجد فيما أنزل علي من القرآن شيئاً محرماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ.

يعني: على آكل إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً.

قرأ ابن عامر إلا أَن تَكُون مَيْتَةً بالتاء على لفظ التأنيث لأن الميتة مؤنث وقرأ مَيْتَةً بالضم لأنه اسم كان.

وقرأ حمزة وابن كثير إِلا أَن تَكُونَ بالتاء بلفظ التأنيث مَيْتَةً بالنصب فجعل الميتة خبراً لكان، والاسم فيه مضمر.

وقرأ الباقون إِلَّا أَنْ يَكُونَ بلفظ التذكير الميتة بالنصب، وإن جعلوه مذكراً لأنه انصرف إلى المعنى ومعناه إلا أن يكون المأكول ميتة أَوْ دَماً مَسْفُوحاً يعني: سائلاً جارياً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أي: حرام أَوْ فِسْقاً يعني: معصية أُهِلَّ يعني: ذبح لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ يعني: لغير اسم الله وقال بعضهم: في الآية تقديم.

ومعناه: إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير أو فسقا أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ فإنه رجس أي حرام.

يعني: جميع ما ذكر في الآية هو رجس.

ويقال: الرجس هو نعت للحم الخنزير خاصة.

وروى عمر بن دينار عن أبي الشعثاء عن ابن عباس قال: كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء ويتركون أشياء، فبعث الله نبيه وأنزل كتابه، وأحل حلاله، وحرم حرامه فما أحل فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، وتلا هذه الآية قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ الآية يعني: ما لم يبيّن تحريمه فهو مباح بظاهر هذه الآية.

وروى أبو بكر الهذلي عن الحسن أنه قال: الله لولا حديث سلمة بن المحبق ما لبسنا خفافكم، ولا نعالكم، ولا فراكم، حتى نعلم ما هي.

قال أبو بكر: فذكرت ذلك للزهري، فقال: صدق الحسن ذلك عندي أوسع من هذا.

حدثني عبيد الله بن عبد الله عن عبد الله بن عباس أنه قرأ قُلْ لا أَجِدُ فِي مآ أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً الآية.

قال: إنما حرم من الميتة أكلها وما يؤكل منها، وهو اللحم، أما الجلد والعظم والشَّعر والصوف فحلال.

قال: وقد احتج بعض الناس بهذه الآية، على أن ما سوى هذه الأشياء التي ذكر في الآية مباح.

ولكن نحن نقول قد حرم أشياء سوى ما ذكر في الآية.

وقد بيّن على لسان رسول الله  من ذلك كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير.

وقد قال تعالى: وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر: 7] .

ثم قال: فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وقد ذكرنا تأويل هذه الآية.

ثم قال: وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا يعني: أن هذه الأشياء التي ذكرنا في الآية كانت حراماً في الأصل وقد حرّم الله أشياء كانت حلالاً في الأصل على اليهود بمعصيتهم.

كُلَّ ذِي ظُفُرٍ يعني: الإبل والنعامة والبط والأوز.

وكل شيء له خفّ وقال القتبي: كُلَّ ذِي ظُفُرٍ يعني: كل ذي مخلب من الطيور، وكل ذي حافر من الدواب، وسمي ظفراً على الاستعارة.

وقال الكلبي: كُلَّ ذِي ظُفُرٍ يعني: ليس بمنشق ولا مجتر فهو حرام عليهم وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما يعني: شحوم البطون.

ثم استثنى فقال: إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُما وقال الضحاك: إلا ما كان على اللحوم من الشحوم.

وقال الكلبي: يعني: ما تعلق بالظهر من الشحم من الكليتين.

ويقال: حرم عليهم الثروب وأحلّ ما سواها.

وواحد الثروب ثرب وهو الشحم الرقيق الذي يكون على الكرش أَوِ الْحَوايا وهو المباعر واحدتها حاوية أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ مثل الإلية.

وروى جويبر عن الضحاك قال: ما التزق بالعظم.

ويقال: هو المخ ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ يعني: ذلك التحريم عاقبناهم بشركهم وظلمهم وَإِنَّا لَصادِقُونَ أن هذه الأشياء كانت حلالاً في الأصل، وحرمناها على اليهود بمعصيتهم، لأن اليهود كانوا يقولون: أن هذه الأشياء كانت حراماً في الأصل.

ثم قال: فَإِنْ كَذَّبُوكَ يعني: فيما تقول من التحريم والتحليل فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ يعني: رحمته وسعت كل شيء لا يعجل عليهم بالعقوبة وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ يعني: عذابه عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ.

قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

لُحُومَ الحُمُرِ الأنْسِيَّةِ «١» ، فتأول بعض الصحابة الحاضِرِينَ ذلك لأنها لم تخمَّس، وتأوَّل بعضهم أن ذلك لئَلاَّ تفنى حمولةُ النَّاس، وتأول بعضهم التحريمَ المَحْضَ، وثبت في الأمة الاختلافُ في لَحْمها، فجائز لِمَنْ ينظر من العلماءِ أنْ يحمل لفظ التحريمِ بحسب اجتهاده وقياسه على كراهية أو نحوها، وباقي الآية بيّن.

وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إِلاَّ ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصادِقُونَ (١٤٦) فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١٤٧) سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُونَ (١٤٨) قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩) قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هذا فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١٥٠)

وقوله سبحانه: وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ...

الآية: هذا خبر مِنَ اللَّهِ سبحانه يتضمَّن تكذيبَ اليَهُودِ في قولهم: «إن اللَّه لم يحرِّم علينا شيئاً، وإنما حرمنا على أنفسنا ما حَرَّمه إسرائيل على نفسه» ، وكُلَّ ذِي ظُفُرٍ: يراد به الإبلُ، والنَّعَام، والإوَزُّ ونحوه من الحيوانِ الذي هو غير مُنْفَرِجِ الأصابع، وله ظُفُر، وأخبرنا سبحانه في هذه الآية بتحريمِ الشحومِ عليهم، وهي الثُّرُوب وشَحْمُ الكلى، ومَا كان شحماً خالصاً خارجاً عن الاستثناء الذي في الآية، واختلف في تحريم ذلك على المسلمين من ذبائحهم، فعن مالكٍ: كراهيةُ شحومهم من غير تحريمٍ.

وقوله تعالى: إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُما، يريد: ما اختلط باللحْمِ في الظَّهْرِ والأجنابِ ونحوه، قال السُّدِّيُّ وأبو صالح: الأَلْيَاتُ ممَّا حملَتْ ظهورهما «٢» ، والحَوَايَا: ما تحوى في البَطْن، واستدار، وهي المَصَارِينُ والحُشْوة ونحوها، وقال ابن عباس وغيره:

هي المَبَاعِر «٣» ، وقوله: أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ، يريد: في سائر الشخص.

وقوله سبحانه: ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ يقتضي أنَّ هذا التحريم إنما كان عقوبةً لهم على بغيهم، واستعصائهم على أنبيائهم.

وقوله سبحانه: وَإِنَّا لَصادِقُونَ: إخبار يتضمَّن التعريضَ بكَذِبهم في قولهم: ما حرَّم اللَّهُ علينا شيئاً.

وقوله سبحانه: فَإِنْ كَذَّبُوكَ: أي: فيما أخبرْتَ به أنَّ اللَّه حرَّمه عليهم، فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ أي في إمهاله إذ لم يعاجلْكم بالعقوبةِ، مع شدَّة جُرْمِكم، ولكنْ لا تغترُّوا بسعة رحمته فإن له بَأْساً لا يُرَدُّ عن القوم المجْرِمِين، إما في الدنيا وإما في الآخرة، وهذه الآية وما جانَسَها من آياتِ مكَّة مرتفعٌ حكْمُها بآية القتالِ، ثم أخبر سبحانه نبيَّه- عليه السلام- بأن المشركين سيحتجُّون لتصويبِ ما هُمْ عليه من شركهم وتديُّنهم:

بتحريمِ تلك الأشياءِ بإمهال اللَّه تعالى لهم، وتقريرِهِ حالهم، وأنه لو شاء غَيْرَ ذلك، لما تَرَكَهم على تلْك الحال، ولا حُجَّة لهم فيما ذكَروه لأنه سبحانه شاء إشراكهم وأقدرهم على الاكتساب، ويلزمهم على احتجاجهم أنْ تكون كلُّ طريقةٍ وكلُّ نحلةٍ صواباً، إذْ كلها لو شاء اللَّه لَمْ تكُنْ، وفي الكلامِ حذفٌ يدلُّ عليه تناسُقُ الكلامِ كأنه قال: سيقول المشركون كذا وكذا، وليس في ذلك حُجَّة لهم، ولا شَيْء يقتضي تكذيبَكَ، ولكن، كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ بنحو هذه الشبهة مِنْ ظَنِّهم أنَّ ترك اللَّه لهم دليلٌ على رضاه بحالهم، وفي قوله تعالى: حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا: وعيدٌ بيِّن.

وقوله سبحانه: قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ.

أي: مِنْ قِبَلِ اللَّه، قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ، يريد البالغةَ غاية المَقْصِدِ في الأمر الذي يحتجُّ له، ثم أعلم سبحانه أنَّه لو شاء، لهدى العالم بأسره، وهَلُمَّ: معناها: هَاتِ وهي حينئذ متعدِّية، وقد تكون بمعنى:

«أَقْبِلْ» فلا تتعدى، وبعضُ العرب يجعلها اسم فعْلٍ ك «رُوَيْدَكَ» ، وبعضهم يجعلها فِعْلاً، ومعنى الآية: قل هاتوا شهداءكم الذين يشهدون أن اللَّه حرَّم ما زعمتم تحريمَهُ، فَإِنْ شَهِدُوا، أي: فإن افترى لهم أحدٌ أو زَوَّرَ شهادةً أو خبراً عن نبوَّة ونَحوَ ذلك، فجَنِّبْ أنْتَ ذلك، ولا تَشْهد معهم، قلْتُ: وهذه الآية/ والتي بعدها مِنْ نوعَ ما تقدّم من أن الخطاب له صلّى الله عليه وسلّم، والمراد غيره ممَّن يمكن ذلك منه، وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ، أي: يجعلون لَهُ أنداداً يسوُّونهم به، تعالى الله عن قولهم.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ﴾ وقَرَأ الحَسَنُ، والأعْمَشُ: "ظُفُرٍ" بِسُكُونِ الفاءِ؛ وهَذا التَّحْرِيمُ تَحْرِيمُ بَلْوى وعُقُوبَةٍ.

وَفِي ذِي الظُّفُرِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ ما لَيْسَ بِمُنْفَرِجِ الأصابِعِ، كالإبِلِ، والنَّعامِ، والإوَزِّ، والبَطِّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ.

والثّانِي: الإبِلُ فَقَطْ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والثّالِثُ: كُلُّ ذِي حافِرٍ مِنَ الدَّوابِّ، ومِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

قالَ: وسُمِّيَ الحافِرُ ظُفُرًا عَلى الِاسْتِعارَةِ؛ والعَرَبُ تَجْعَلُ الحافِرَ والإظْلافَ مَوْضِعَ القَدَمِ، اسْتِعارَةً؛ وأنْشَدُوا: سَأمْنَعُها أوْ سَوْفَ أجْعَلُ أمْرَها إلى مَلِكِ أظْلافُهُ لَمْ تُشَقَّقِ أرادَ قَدَمَيْهِ؛ وإنَّما الأظْلافُ لَلشّاءِ والبَقَرِ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الظُّفْرُ هاهُنا، يَجْرِي مَجْرى الظُّفْرِ لِلْإنْسانِ.

وفِيهِ ثَلاثُ لُغاتٍ.

أعْلاهُنَّ: ظُفُرٌ؛ ويُقالُ: ظُفْرٌ، وأُظْفُورٌ.

وقالَ الشّاعِرُ: ألَمْ تَرَ أنَّ المَوْتَ أدْرَكَ مَن مَضى ∗∗∗ فَلَمْ يَبْقَ مِنهُ ذا جَناحٍ وذا ظُفْرٍ وَقالَ الآَخَرُ: لَقَدْ كُنْتَ ذا نابٍ وظُفُرٍ عَلى العِدى ∗∗∗ فَأصْبَحْتَ ما يَخْشَوْنَ نابِي ولا ظُفْرِي وَقالَ الآَخَرُ: ما بَيْنَ لُقْمَتِهِ الأُولى إذا انْحَدَرَتْ ∗∗∗ وبَيْنَ أُخْرى تَلِيها قَيْدَ أُظْفُورِ وَفِي شُحُومِ البَقَرِ والغَنَمِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ إنَّما حَرَّمَ مِن ذَلِكَ شُحُومَ الثُّرُوبِ خاصَّةً، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّانِي: شُحُومَ الثُّرُوبِ والكُلى، قالَهُ السُّدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ.

والثّالِثُ: كُلُّ شَحْمٍ لَمْ يَكُنْ مُخْتَلِطًا بِعَظْمٍ، ولا عَلى عَظْمٍ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

وفي قَوْلِهِ: ﴿ إلا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ ما عَلَقَ بِالظَّهْرِ مِنَ الشُّحُومِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: الإلْيَةُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ، والسُّدِّيُّ.

والثّالِثُ: ما عَلَقَ بِالظَّهْرِ والجَنْبِ مِن داخِلِ بُطُونِهِما، قالَهُ قَتادَةُ.

فَأمّا الحَوايا، فَلِلْمُفَسِّرِينَ فِيها أقْوالٌ تَتَقارَبُ مَعانِيها.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ قُتَيْبَةَ: هي المَباعِرُ.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هي بَناتُ اللَّبَنِ، وهي المَرابِضُ الَّتِي تَكُونُ فِيها الأمْعاءُ.

وقالَ الفَرّاءُ: الحَوايا: هي المَباعِرُ، وبَناتُ اللَّبَنِ.

وقالَ الأصْمَعِيُّ: هي بَناتُ اللَّبَنِ، وأحَدُها: حاوِياءُ، وحاوِيَةٌ، وحَوِيَّةٌ.

قالَ الشّاعِرُ: أقْتُلُهم ولا أرى مُعاوِيَةَ الجاحِظَ العَيْنِ العَظِيمَ الحاوِيَةِ وَقالَ الآَخَرُ: كَأنَّ نَقِيقَ الحُبِّ في حاوِيائِهِ فَحِيحُ الأفاعِي أوْ نَقِيقُ العَقارِبِ وَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الحَوايا: ما تَحْوِي مِنَ البَطْنِ، أيْ: ما اسْتَدارَ مِنها.

وقالَ الزَّجّاجُ: الحَوايا: اسْمٌ لَجَمِيعِ ما تَحْوِي مِنَ البَطْنِ فاجْتَمَعَ واسْتَدارَ، وهي بَناتُ اللَّبَنِ، وهي المُباعِرُ، وتُسَمّى: المَرابِضُ، وفِيها الأمْعاءُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوْ ما اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ شَحَّمُ البَطْنِ والإلْيَةِ، لِأنَّهُما عَلى عَظْمٍ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والثّانِي: كُلُّ شَحْمٍ في القَوائِمِ، والجَنْبِ، والرَّأْسِ، والعَيْنَيْنِ، والأُذُنَيْنِ، فَهو مِمّا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

واتَّفَقُوا عَلى أنَّ ما حَمَلَتْ ظُهُورُها حَلالٌ، بِالِاسْتِثْناءِ مِنَ التَّحْرِيمِ.

فَأمّا ما حَمَلَتِ الحَوايا، أوْ ما اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ، فَفِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ داخِلٌ في الِاسْتِثْناءِ، فَهو مُباحٌ؛ والمَعْنى: وأُبِيحَ لَهم ما حَمَلَتِ الحَوايا مِنَ الشَّحْمِ وما اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ، هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ.

والثّانِي: أنَّهُ نَسَقٌ عَلى ما حُرِّمَ، لا عَلى الِاسْتِثْناءِ؛ فالمَعْنى: حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما، أوِ الحَوايا، أوْ ما اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ، إلّا ما حَمَلَتِ الظُّهُورِ، فَإنَّهُ غَيْرُ مُحَرَّمٍ.

قالَهُ الزَّجّاجُ.

فَأمّا "أوِ" المَذْكُورَةُ هاهُنا، فَهي بِمَعْنى الواوِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ آثِمًا أوْ كَفُورًا ﴾ \[الدَّهْرِ:٢٤\] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ جَزَيْناهُمْ ﴾ أيْ: ذَلِكَ التَّحْرِيمُ عُقُوبَةٌ لَهم عَلى بَغْيِهِمْ.

وَفِي بَغْيِهِمْ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ قَتْلُهُمُ الأنْبِياءَ، وأكْلُهُمُ الرِّبا.

والثّانِي: أنَّهُ تَحْرِيمُ ما أُحِلَّ لَهم.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ومِنَ البَقَرِ والغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إلا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أوِ الحَوايا أوِ ما اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْناهم بِبَغْيِهِمْ وإنّا لَصادِقُونَ ﴾ لَمّا ذَكَرَ اللهُ - عَزَّ وجَلَّ - ما حَرَّمَ عَلى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أعْقَبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ ما حَرَّمَ عَلى اليَهُودِ؛ لِما في ذَلِكَ مِن تَكْذِيبِهِمْ في قَوْلِهِمْ: "إنَّ اللهَ تَعالى لَمْ يُحَرِّمْ عَلَيْنا شَيْئًا؛ وإنَّما حَرَّمْنا عَلى أنْفُسِنا ما حَرَّمَهُ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ".

وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في سُورَةِ "اَلْبَقَرَةِ" في "هادُوا"؛ ومَعْنى تَسْمِيَتِهِمْ "يَهُودًا".

و ﴿ كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ﴾ ؛ يُرادُ بِهِ الإبِلُ؛ والنَعامُ؛ والإوَزُّ؛ ونَحْوُهُ مِنَ الحَيَوانِ الَّذِي هو غَيْرُ مُنْفَرِجِ الأصابِعِ؛ ولَهُ ظُفُرٌ؛ وقالَ أبُو زَيْدٍ: "اَلْمُرادُ الإبِلُ خاصَّةً"؛ وهَذا ضَعِيفُ التَخْصِيصِ؛ وذَكَرَ النَقّاشُ عن ثَعْلَبٍ؛ أنَّ كُلَّ ما لا يَصِيدُ فَهو ذُو ظُفُرٍ؛ وما يَصِيدُ فَهو ذُو مِخْلَبٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا غَيْرُ مُطَّرِدٍ؛ لِأنَّ الأسَدَ ذُو ظُفُرٍ؛ وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "ظُفُرٍ"؛ بِضَمِّ الظاءِ؛ والفاءِ؛ وقَرَأ الحَسَنُ؛ والأعْرَجُ "ظُفْرٍ"؛ بِسُكُونِ الفاءِ؛ وقَرَأ أبُو السَمّالِ؛ قَعْنَبٌ: "ظِفْرٍ"؛ بِكَسْرِ الظاءِ؛ وسُكُونِ الفاءِ.

وأخْبَرَنا اللهُ - عَزَّ وجَلَّ - في هَذِهِ الآيَةِ بِتَحْرِيمِ الشُحُومِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ؛ وهِيَ: اَلثُّرُوبُ؛ والكُلى؛ وما كانَ شَحْمًا خالِصًا؛ خارِجًا عن الِاسْتِثْناءِ الَّذِي في الآيَةِ.

واخْتَلَفَ العُلَماءُ في تَحْرِيمِ ذَلِكَ عَلى المُسْلِمِينَ؛ مِن ذَبائِحِ اليَهُودِ؛ فَحَكى ابْنُ المُنْذِرِ في "اَلْأشْرافُ"؛ عن مالِكٍ وغَيْرِهِ؛ مَنعَ أكْلِ الشَحْمِ مِن ذَبائِحِ اليَهُودِ؛ وهو ظاهِرُ "اَلْمُدَوَّنَةُ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا عَلى القَوْلِ في قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ  ﴾ ؛ بِأنَّهُ المَطْعُومُ مِن ذَبائِحِهِمْ؛ وأمّا ما لا يَحِلُّ لَهُمْ؛ فَلا تَقَعُ عَلَيْهِ ذَكاةٌ؛ بَلْ هو كالدَمِ في ذَبائِحِ المُسْلِمِينَ؛ وعَلى هَذا القَوْلِ يَجِيءُ قَوْلُ مالِكٍ - رَحِمَهُ اللهُ - في "اَلْمُدَوَّنَةُ"؛ فِيما ذَبَحَهُ اليَهُودِيُّ؛ مِمّا لا يَحِلُّ لَهُمْ؛ كالجَمَلِ؛ والأرْنَبِ: إنَّهُ لا يُؤْكَلُ.

وَرُوِيَ عن مالِكٍ - رَحِمَهُ اللهُ - كَراهِيَةُ الشَحْمِ مِن ذَبائِحِ أهْلِ الكِتابِ؛ دُونَ تَحْرِيمٍ؛ وأباحَ بَعْضُ الناسِ الشَحْمَ مِن ذَبائِحِ أهْلِ الكِتابِ؛ وذَبْحِهِمْ ما هو عَلَيْهِمْ حَرامٌ؛ إذا أمَرَهم بِذَلِكَ مُسْلِمٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا عَلى أنْ يُجْعَلَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ  ﴾ ؛ يُرادُ بِهِ الذَبائِحُ؛ فَمَتى وقَعَ الذَبْحُ عَلى صِفَتِهِ؛ وقَعَتِ الإباحَةُ؛ وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ جَرَّدَ لَفْظَةَ "وَطَعامُ"؛ مِن مَعْنى أنْ تَكُونَ "مَطْعُومًا" لِأهْلِ الكِتابِ؛ وخَلَّصَها لِمَعْنى الذَبْحِ؛ وذَلِكَ حَرَجٌ لا يُتَوَجَّهُ.

وأمّا الطَرِيقُ فَحَرَّمَهُ قَوْمٌ؛ وكَرِهَهُ قَوْمٌ؛ وأباحَهُ قَوْمٌ؛ وحَلَّلَهُ مالِكٌ في "اَلْمُدَوَّنَةُ"؛ ثُمَّ رَجَعَ إلى مَنعِهِ؛ وقالَ ابْنُ حَبِيبٍ: ما كانَ مُحَرَّمًا عَلَيْهِمْ؛ وعَلِمْنا ذَلِكَ مِن كِتابِنا؛ فَلا يَحِلُّ لَنا مِن ذَبائِحِهِمْ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ إلا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما ﴾ ؛ يُرِيدُ ما اخْتَلَطَ بِاللَحْمِ؛ في الظَهْرِ؛ والأجْنابِ؛ ونَحْوَهُ؛ قالَ السُدِّيُّ ؛ وأبُو صالِحٍ: اَلْألَياتُ مِمّا حَمَلَتْ ظُهُورُهُما؛ "أوِ الحَوايا"؛ قالَ: هو جَمْعُ "حَوِيَّةٌ"؛ عَلى وزْنِ "فَعِيلَةٌ"؛ فَوَزْنُ "حَوايا"؛ عَلى هَذا: "فَعائِلُ"؛ كَـ "سَفِينَةٌ"؛ و"سَفائِنُ"؛ وقِيلَ: هو جَمْعُ "حاوِيَةٌ"؛ عَلى وزْنِ "فاعِلَةٌ"؛ فَـ "حَوايا"؛ عَلى هَذا: "فَواعِلُ"؛ كَـ "ضارِبَةٌ"؛ و"ضَوارِبُ"؛ وقِيلَ: جَمْعُ "حاوِياءُ"؛ فَوَزْنُها؛ عَلى هَذا أيْضًا: "فَواعِلُ"؛ كَـ "قاصِعاءُ"؛ و"قَواصِعُ"؛ وأمّا "حَوايا"؛ عَلى الوَزْنِ الأوَّلِ؛ فَأصْلُها "حَوائِي"؛ فَقُلِبَتِ الياءُ الأخِيرَةُ ألِفًا؛ فانْفَتَحَتْ لِذَلِكَ الهَمْزَةُ؛ ثُمَّ بُدِّلَتْ ياءً؛ وأمّا عَلى الوَزْنَيْنِ الأخِيرَيْنِ؛ فَأصْلُ "حَوايا"؛ "حَواوِي"؛ وبُدِّلَتِ الواوُ الثانِيَةُ هَمْزَةً؛ و"اَلْحَوِيَّةُ": ما تَحَوّى في البَطْنِ؛ واسْتَدارَ؛ وهي المَصارِينُ؛ والحَشْوَةُ؛ ونَحْوُهُما؛ وقالَ مُجاهِدٌ ؛ وقَتادَةُ ؛ وابْنُ عَبّاسٍ ؛ والسُدِّيُّ ؛ وابْنُ زَيْدٍ: "اَلْحَوايا": اَلْمَباعِرُ؛ وقالَ بَعْضُهُمْ: هي المَرابِطُ الَّتِي تَكُونُ فِيها الأمْعاءُ؛ وهي بَناتُ اللَبَنِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ أو ما اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ﴾ ؛ يُرِيدُ في سائِرِ الشُخُصِ.

و"اَلْحَوايا"؛ مَعْطُوفٌ عَلى "ما"؛ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ إلا ما حَمَلَتْ ﴾ ؛ فَهي في مَوْضِعِ نَصْبٍ؛ عَطْفًا عَلى المَنصُوبِ بِالِاسْتِثْناءِ؛ وقالَ الكِسائِيُّ: "اَلْحَوايا"؛ مَعْطُوفٌ عَلى "الظُهُورِ"؛ كَأنَّهُ قالَ: "إلّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما؛ أو حَمَلَتِ الحَوايا"؛ وقالَ بَعْضُ الناسِ: "اَلْحَوايا"؛ مَعْطُوفٌ عَلى "الشُحُومِ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وعَلى هَذا تَدْخُلُ "اَلْحَوايا" في التَحْرِيمِ؛ وهَذا قَوْلٌ لا يُعَضِّدُهُ اللَفْظُ؛ ولا المَعْنى؛ بَلْ يَدْفَعانِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ ذَلِكَ جَزَيْناهم بِبَغْيِهِمْ ﴾ ؛ "ذَلِكَ"؛ في مَوْضِعِ رَفْعٍ؛ و ﴿ جَزَيْناهم بِبَغْيِهِمْ ﴾ ؛ يَقْتَضِي أنَّ هَذا التَحْرِيمَ إنَّما كانَ عُقُوبَةً لَهم عَلى ذُنُوبِهِمْ؛ وبَغْيِهِمْ؛ واسْتِعْصائِهِمْ عَلى الأنْبِياءِ؛ وقَوْلُهُ تَعالى "وَإنّا لَصادِقُونَ"؛ إخْبارٌ يَتَضَمَّنُ التَعْرِيضَ بِكَذِبِهِمْ في قَوْلِهِمْ: "ما حَرَّمَ اللهُ عَلَيْنا شَيْئًا؛ وإنَّما اقْتَدَيْنا بِإسْرائِيلَ فِيما حَرَّمَ عَلى نَفْسِهِ"؛ ويَتَضَمَّنُ إدْحاضَ قَوْلِهِمْ؛ ورَدَّهُ عَلَيْهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

جملة: ﴿ وعلى الذين ادوا حرمنا ﴾ عَطْف على جملة: ﴿ قُل ﴾ [الأنعام: 145] عطفَ خبر على إنشاء، أي بيِّن لهم ما حرّم في الإسلام، واذكُرْ لهم ما حرّمنا على الّذين هادوا قبل الإسلام، والمناسبة أنّ الله لمّا أمر نبيّه عليه الصلاة والسلام أن يبيّن ما حَرّم الله أكله من الحيوان، وكان في خلال ذلك تنبيه على أنّ ما حرّمه الله خبيث بعضُه لا يصلح أكله بالأجساد الّذي قال فيه ﴿ فإنه رجس ﴾ [الأنعام: 145]، ومنه ما لا يلاقي واجب شكر الخالق وهو الّذي قال فيه: ﴿ أو فِسقاً أهل لغير الله به ﴾ [الأنعام: 145] أعقب ذلك بذكر ما حرّمه على بني إسرائيل تحريماً خاصّاً لحكمة خاصّة بأحوالهم، وموقَّتة إلى مجيء الشّريعة الخاتمة.

والمقصود من ذكر هذا الأخير: أن يظهر للمشركين أنّ ما حرّموه ليس من تشريع الله في الحال ولا فيما مضى، فهو ضلال بحت.

وتقديم المجرور على متعلَّقة في قوله: ﴿ وعلى الذين هادوا حرمنا ﴾ لإفادة الاختصاص، أي عليهم لا على غيرهم من الأمم.

والظفر: العظم الذي تحت الجلد في منتهى أصابع الإنسان والحيوان والمخالب، وهو يقابل الحافر والظلف ويكون للإبل والسّبع والكلب والهرّ والأرنب والوبْر ونحوها؛ فهذه محرّمة على اليهود بنص شريعة موسى عليه السّلام ففي الإصحاح الرابع عشر من سفر التّثنية: «الجمل والأرنب والوَبْر فلا تأكلوها».

والشّحوم: جمع شحم، وهو المادّة الدُهنية التي تكون مع اللّحم في جسد الحيوان، وقد أباح الله لليهود أكل لحوم البقر والغنم وحرم عليهم شحومهما إلاّ ما كان في الظهر.

و ﴿ الحوايا ﴾ معطوف على ﴿ ظهورهما ﴾ .

فالمقصود العطف على المباح لا على المحرّم، أي: أو ما حملت الحوايا، وهي جمع حَوِيَّة، وهي الأكياس الشَّحميّة التي تحوي الأمعاء.

﴿ أو ما اختلط بعظم ﴾ هو الشّحم الذي يكون ملتفّاً على عَظْم الحيوان من السِّمَن فهو معفو عنه لعسر تجريده عن عظمه.

والظّاهر أنّ هذه الشّحوم كانت محرّمة عليهم بشريعة موسى عليه السّلام، فهي غير المحرّمات التي أجملتها آية سورة النّساء (160) بقوله تعالى: ﴿ فبظلم من الذين هادوا حرّمنا عليهم طيّبات أحلّت لهم، كما أشرنا إليه هنالك لأنّ الجرائم التي عدّت عليهم هنالك كلّها ممّا أحدثوه بعد موسى عليه السّلام.

فقوله تعالى: ذلك جزيناهم ببغيهم ﴾ يراد منه البغي الذي أحدثوه زمن موسى.

في مدّة التيه، ممّا أخبر الله به عنهم: مثل قولهم: ﴿ لن نصبِرَ على طعام واحد ﴾ [البقرة: 61] وقولهم: ﴿ فاذْهَب أنت وربّك فقاتلا ﴾ [المائدة: 24] وعبادتِهم العِجْل.

وقد عدّ عليهم كثير من ذلك في سورة البقرة.

ومناسبة تحريم هذه المحرّمات للكون جزاءً لبغيهم: أنّ بغيهم نشأ عن صلابة نفوسهم وتغلّب القوّة الحيوانيّة فيهم على القوّة المَلكيّة، فلعلّ الله حرّم عليهم هذه الأمور تخفيفاً من صلابتهم، وفي ذلك إظهار منَّته على المسلمين بإباحة جميع الحيوان لهم إلاّ ما حرّمه القرآن وحرّمتْه السنّة ممّا لم يختلف فيه العلماء وما اختلفوا فيه.

ولم يذكر الله تحريم لحم الخنزير، مع أنَّه ممّا شمله نصّ التّوراة، لأنَّه إنَّما ذكر هنا ما خُصّوا بتحريمه ممّا لم يحرّم في الإسلام، أي ما كان تحريمه موقَّتاً.

وتقديم المجرور على عامله في قوله: ﴿ ومن البقر والغنم حرمنا عليهم ﴾ للاهتمام ببيان ذلك، لأنَّه ممّا يلتفت الذّهن إليه عند سماع تحريم كلّ ذي ظُفُر فيترقّب الحكم بالنّسبة إليهما فتقديم المجرور بمنزلة الافتتاح ب (أمَّا).

وجملة: ﴿ ذلك جزيناهم ببغيهم ﴾ تذييل يبيِّن علّة تحريم ما حرّم عليهم.

واسم الإشارة في قوله: ﴿ ذلك جزيناهم ﴾ مقصود به التّحريم المأخوذ من قوله: ﴿ حرمنا ﴾ فهو في موضع مفعول ثان: ل ﴿ جزيناهم ﴾ قدّم على عامله ومفعولِه الأوّل للاهتمام به والتَّثبيت على أنّ التّحريم جزاء لبغيهم.

وجملة: ﴿ وإنا لصادقون ﴾ تذييل للجملة التي قبلها قصداً لتحقيق أنّ الله حرّم عليهم ذلك، وإبطالاً لقولهم: إنّ الله لم يحرّم علينا شيئاً وإنَّما حرّمنا ذلك على أنفسنا اقتداء بيعقوب فيما حرّمه على نفسه لأنّ اليهود لمّا انتبزوا بتحريم الله عليهم ما أحلّه لغيرهم مع أنَّهم يزعمون أنَّهم المقرّبون عند الله دون جميع الأمم، أنكروا أن يكون الله حرّم عليهم ذلك وأنَّه عقوبة لهم فكانوا يزعمون أنّ تلك المحرّمات كان حرّمها يعقوب على نفسه نذراً لله فاتَّبعه أبناؤه اقتداء به.

وليس قولهم بحقّ: لأنّ يعقوب إنَّما حرّم على نفسه لحوم الإبل وألبانها، كما ذكره المفسّرون وأشار إليه قوله تعالى: ﴿ كل الطعام كان حلاً لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزّل التوراة ﴾ في سورة آل عمران (93).

وتحريم ذلك على نفسه لنذر أو مصلحة بدنية لا يسرى إلى من عداه من ذرّيته.

وأنّ هذه الأشياء التي ذكر الله تحريمها على بني إسرائيل مذكور تحريمها في التّوراة فكيف ينكرون تحريمها.

فالتّأكيد للردّ على اليهود ونظيرُ قوله هنا: ﴿ وإنَّا لصادقون ﴾ قولُه في سورة آل عمران (93).

عقب قوله: ﴿ قل صدق الله ﴾ [آل عمران: 93 95].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ﴾ هَذا التَّحْرِيمُ عَلى الَّذِينَ هادُوا إنَّما هو تَكْلِيفُ بَلْوى وعُقُوبَةٌ، فَأوَّلُ ما ذَكَرَهُ مِنَ المُحَرَّماتِ عَلَيْهِمْ ﴿ كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ ما لَيْسَ مُنْفَرِجَ الأصابِعِ كالإبِلِ والنَّعامِ والأوِزِّ والبَطِّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ.

والثّانِي: أنَّهُ عَنى أنْواعَ السِّباعِ كُلِّها.

والثّالِثُ: أنَّهُ كُلُّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ، وكُلُّ ذِي حافِرٍ مِنَ الدَّوابِّ.

ثُمَّ قالَ: ﴿ وَمِنَ البَقَرِ والغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إلا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها شُحُومُ الثَّرْبِ خاصَّةً، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّهُ كُلُّ شَحْمٍ لَمْ يَكُنْ مُخْتَلِطًا بِعَظْمٍ ولا عَلى عَظْمٍ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ شَحْمُ الثَّرْبِ والكُلى، قالَهُ السُّدِّيُّ وابْنُ زَيْدٍ.

ثُمَّ قالَ: ﴿ إلا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما ﴾ يَعْنِي شَحْمَ الجَنْبِ وما عَلَقَ بِالظَّهْرِ فَإنَّهُ لَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهِمْ.

ثُمَّ قالَ: ﴿ أوِ الحَوايا ﴾ وفِيها أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّها المَباعِرُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ.

والثّانِي: أنَّها بَناتُ اللَّبَنِ، قالَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ.

والثّالِثُ: أنَّها الأمْعاءُ الَّتِي عَلَيْها الشَّحْمُ مِن داخِلِها، قالَهُ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ.

والرّابِعُ: أنَّها كُلُّ ما تَحَوّى في البَطْنِ واجْتَمَعَ واسْتَدارَ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى.

﴿ أوْ ما اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ شَحْمُ الجَنْبِ.

والثّانِي: أنَّهُ شَحْمُ الجَنْبِ والألْيَةِ، لِأنَّهُ عَلى العُصْعُصِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، والسُّدِّيُّ.

﴿ ذَلِكَ جَزَيْناهم بِبَغْيِهِمْ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: بِبَغْيِهِمْ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فِيما اقْتَرَحُوهُ وعَلى ما خالَفُوهُ.

والثّانِي: بِبَغْيِهِمْ عَلى أنْفُسِهِمْ في الحَلالِ الَّذِي حَرَّمُوهُ.

﴿ وَإنّا لَصادِقُونَ ﴾ فِيما حَكاهُ عَنْهم وحَرَّمَهُ عَلَيْهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ﴾ قال: هو الذي ليس بمنفرج الأصابع، يعني ليس بمشقوق الأصابع منها الإبل والنعام.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس ﴿ وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ﴾ قال: هو البعير والنعامة.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ حرمنا كل ذي ظفر ﴾ قال: كان يقول: هو البعير والنعامة في أشياء من الطير والحيتان.

وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد ﴿ حرمنا كل ذي ظفر ﴾ قال: كل شيء لم تفرج قوائمه من البهائم، وما انفرج أكلته اليهود.

قال: أنفذت قوائم الدجاج والعصافير فيهود تأكله، ولم تفرج قائمة البعير خفه، ولا خف النعامة، ولا قائمة الورينة، فلا تأكل اليهود الإبل ولا النعام ولا الورينة، ولا كل شيء لم تفرج قائمته، كذلك ولا تأكل حمار الوحش.

وأخرج أبو الشيخ عن سعيد بن جبير ﴿ وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ﴾ قال: الديك منه.

وأخرج أبو الشيخ عن ابن جريج ﴿ حرمنا كل ذي ظفر ﴾ قال: كل شيء لم تفرج قوائمه من البهائم، وما انفرجت قوائمه أكلوه، ولا يأكلون البعير، ولا النعامه، ولا البط، ولا الوزر، ولا حمار الوحش.

أخرج البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن مردويه عن جابر بن عبدالله «سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قال: قاتل الله اليهود، لما حرم عليهم شحومها جملوه ثم باعوه فأكلوها» .

وأخرج ابن مردويه عن أسامة بن زيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لعن الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها» .

وأخرج البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجة وابن مردويه عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لعن الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها» .

وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قاتل الله اليهود، حرم الله عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا ثمنها» .

وأخرج أبو داود وابن مردويه عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لعن الله اليهود ثلاثاً، إن الله حرم عليهم الشحوم ثلاثاً، إن الله حرم عليهم الشحوم، فباعوها وأكلوا أثمانها، وإن الله لم يحرم على قوم أكل شيء إلا حرم عليهم ثمنه» .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله: ﴿ ومن الإِبل والبقر حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما ﴾ يعني ما علق بالظهر من الشحم ﴿ أو الحوايا ﴾ هو المبعر.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما ﴾ قال: حرم الله عليهم الثرب وشحم الكليتين.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال: إنما حرم عليهم الثرب، وشحم الكلية، وكل شحم كان ليس في عظم.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي صالح في قوله: ﴿ إلا ما حملت ظهورهما ﴾ قال: الإِلية ﴿ أو الحوايا ﴾ قال: المبعر ﴿ أو ما اختلط بعظم ﴾ قال: الشحم.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ أو الحوايا ﴾ قال: المباعر.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله: ﴿ أو الحوايا ﴾ قال: المرابض والمباعر ﴿ أو ما اختلط بعظم ﴾ قال: ما ألزق بالعظم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد قال: الحوايا المرابض التي تكون فيها الامعاء تكون وسطها وهي بنات اللبن، وهي في كلام العرب تدعى: المرابض.

وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: ﴿ أو ما اختلط بعظم ﴾ قال: الإِلية اختلط شحم الالية بالعصعص فهو حلال، وكل شحم القوائم والجنب والرأس والعين والإذن، يقولون، قد اختلط ذلك بعظم فهو حلال لهم، إنما حرم عليهم الثرب وشحم الكلية، وكل شيء كان كذلك ليس في عظم.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ ذلك جزيناهم ببغيهم ﴾ قال: إنما حرم الله ذلك عليهم عقوبة ببغيهم، فشدد عليهم بذلك وما هو بخبيث.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله تعالى: ﴿ وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ﴾ الآية، في الظفر لغات: ظُفُر بضم الفاء وهو أعلاها، وظُفْر بسكون الفاء، وظِفْر بكسر الظاء وسكون الفاء وهو قراءة الحسن (١) (٢) (٣) (٤) (٥) واختلفوا في ﴿ كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ﴾ المحرم على اليهود: فقال ابن عباس: (هو البعير والنعامة) (٦) (٧) (٨) (٩) وقال قتادة: (كل ذي ظفر ليس بمشقوق الأصابع) (١٠) (١١) وقال عبد الله بن مسلم: (أي: كل ذي مخلب من الطير، وكل ذي حافر من الدواب، كذلك قال المفسرون، قال: وسمى الحافر ظفرًا على الاستعارة كما قال الآخر وذكر ضيفًا: فما رَقَد الوِلْدَانُ حتى رَأَيْتُهُ ...

على البَكْرِ يَمْرِيهِ بَساقٍ وحَافِرٍ (١٢) فجعل الحافر موضع القدم) (١٣) (١٤) (١٥) وقوله تعالى: ﴿ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا ﴾ ، قال المفسرون: (يعني: الثُّرُوب (١٦) (١٧) (١٨) وقوله تعالى: ﴿ إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا ﴾ قال ابن عباس: (إلا ما علق بالظهر من الشحم فإني لم أحرمه) (١٩) (٢٠) وقوله تعالى: ﴿ أَوِ الْحَوَايَا ﴾ وهي المباعر والمصارين، واحدتها حاوية، وحَويَّة وحاوياء (٢١) (٢٢) وقال ابن السكيت: (يقال: حاويةٌ وحوايا مثل زَاوِية وَزَوَايا (٢٣) (٢٤) (٢٥) (٢٦) وأنشد ابن الأنباري (٢٧) كأَنَّ نفيق الحَبّ في حاويائِهِ ...

نفيق الأفاعي أو نفيقُ العقارب (٢٨) قال أبو علي الفارسي: (الحوايا واحدتها حوية وحاوياء (٢٩) (٣٠) ﴿ مَعَايِشَ ﴾ في سورة الأعراف [: 10] (٣١) (٣٢) (٣٣) (٣٤) (٣٥) (٣٦) (٣٧) (٣٨) (٣٩) (٤٠) (٤١) قال قتادة: (أرادوا ما حملت الحوايا) (٤٢) ﴿ أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ﴾ من الشحم فإني لم أحرمه) (٤٣) (٤٤) ﴿ وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ  ﴾ يريد: أهلها) (٤٥) وحكى ابن الأنباري (٤٦) لا يَسْمَعُ المَرْءُ فِيهَا ما يُؤَنّسُهُ ...

باللَّيْلِ إلاَّ نَئيمَ البُومِ وَالضُّوعَا (٤٧) (٤٨) وقوله تعالى: ﴿ أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ﴾ يعني: شحم الأَلية، في قول جميع المفسرين (٤٩) (٥٠) (٥١) قال الفراء: (و (ما) في موضع نصب نسقًا على ما في الأولى التي هي نصب بالاستثناء في قوله: ﴿ إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا ﴾ (٥٢) (٥٣) وقال أبو إسحاق: (قال قومٌ: حرمت عليهم الثروب، وأحل لهم ما حملت الظهور وصارت ﴿ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ﴾ نسقًا على ما حُرّم لا على الاستثناء [في قوله ﴿ إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا ﴾ ] (٥٤) ﴿ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا  ﴾ ، فالمعنى: كل هؤلاء أهل أن يعصى فاعص هذا، أو اعص هذا، وأو بليغة في هذا المعنى؛ لأنك إذا قلت: لا تطع زيدًا [وعمرًا] (٥٥) (٥٦) (٥٧) (٥٨) (٥٩) (٦٠) (٦١) وقوله تعالى: ﴿ ذَلِكَ ﴾ أي: ذلك التحريم ﴿ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ ﴾ ، قال مقاتل: (عقوبة لهم بقتلهم الأنبياء، وأخذهم الربا، واستحالال أموال الناس بالباطل، فهذا البغي) (٦٢) وقال الكلبي: ( ﴿ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ ﴾ عاقبناهم بذنوبهم، نظيره: ﴿ فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ ﴾ الآية [النساء: 160]) (٦٣) وقوله تعالى: ﴿ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ ﴾ أي: في الإخبار عن التحريم وعن بغيهم (٦٤) (١) ذكرها الثعلبي 185 ب، والرازي، 13/ 223، وأبو حيان في "البحر" 4/ 244، وأكثرهم ذكر سكون الفاء فقط.

انظر: "إعراب النحاس" 1/ 589، و"مختصر الشواذ" ص 41، وابن عطية 5/ 382، والقرطبي 7/ 124 - 125، وقال السمين في "الدر" 5/ 251: (قرأ الحسن (ظفر) بضم فسكون، وفي رواية بكسر فسكون) ا.

هـ.

بتصرف.

(٢) ذكرها الثعلبي في "الكشف" 185 ب، والرازي في "تفسيره" 13/ 223، والسمين في "الدر" 5/ 201، وأكثرهم ذكر عنه كسر الظاء وسكون الفاء.

انظر: "إعراب النحاس" 1/ 589، و"مختصر الشواذ" ص 41، و"تفسير ابن عطية" 5/ 382، والقرطبي 7/ 124، و"البحر المحيط" 4/ 144.

(٣) في النسخ (ابن السمآل) ونقله الرازي والسمين في "الدر" عن الواحدي بلفظ (أبو السمال)، وهو الصواب كما في المراجع السابقة، وهو: (أبو السمال) بفتح السين المهملة، وتشديد الميم: مشهور بكنيته واسمه مُعتب بن هلال العَدَوي المقرئ البصري، وقيل: اسمه: مغيث.

وقيل: قعنب بن أبي قعنب.

قال الذهبي في "الميزان" 4/ 142، 158: (له حروف شاذة، لا يعتمد على نقله ولا يوثق به، ضعفه الساجي، وكذبه الأزدي) ا.

هـ، وانظر: "غاية النهاية" 2/ 27، و"لسان الميزان" 6/ 60، 74.

(٤) انظر: "التبيان" 362، و"الفريد" 2/ 244، و"الدر المصون" 5/ 251، وقال ابن الأنباري في "المذكر والمؤنث" 337 - 338: (الأظفار كلها مذكرة وفي واحدها ثلاث لغات: ظُفُر بالضم، وهي اللغة العالية، وعليها أكثر الناس، وظفر بضم فسكون، وبها قرأ الحسن، وأظفور بضم الهمزة والفاء وسكون الظاء) اهـ، وفي "اللسان" 5/ 2749، قال: (وأما قراءة ظِافْر بالكسر فشاذ غير مأنوس به؛ إذ لا يعرف ظفر بالكسر) اهـ.

(٥) الشاهد في "الجمهرة" 2/ 762، 1194، أنشدته أم الهيثم غيثة من بني نمر بن عامر بن صعصعة، وبدون نسبة في "كتب الفرق" للأصمعي ص 61، ولأبي حاتم السجستاني ص 28، ولثابت بن أبي ثابت ص 22، و"المذكر والمؤنث" لابن الأنباري 1/ 339، و"تهذيب اللغة" 3/ 2242، و"زاد المسير" 3/ 142، و"اللسان" 5/ 2749، و"بصائر ذوي التمييز" 3/ 536، و"الدر المصون" 5/ 201، و"تاج العروس" 7/ 162 مادة (ظفر).

(٦) أخرجه الطبري 8/ 72، والبيهقي في "سننه" 10/ 8 بسند جيد، وعلقه البخاري في "صحيحه" 8/ 295، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 100.

(٧) "تفسير مجاهد" 1/ 226، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 73، من عدة طرق جيدة.

(٨) "معاني الزجاج" 2/ 301، وهو اختيار الطبري في "تفسيره" 8/ 73.

(٩) سبق تخريجه، وأخرج ابن أبي حاتم في "تفسيره" 5/ 1410 بسند جيد عن ابن عباس قال: (هو الذي ليس بمتفرج الأصابع، يعني: ليس بمشقوق الأصابع منها الإبل والنعام) ا.

هـ، وذكره الحافظ في "فتح الباري" 8/ 2295، وقال: (رواه ابن أبي حاتم، وإسناده حسن) اهـ.

(١٠) أخرج عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 221، والطبري 8/ 73، بسند جيد.

(١١) أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 73، بسند جيد عن ابن جريج عن شيخه القاسم بن أبي بزة المكي وقال السيوطي في "الدر" 3/ 100: (أخرجه أبو الشيخ عن ابن جريج).

(١٢) البيت لجُبَيْهاء الأسدي يزيد بن عبيد، في "اللسان" 2/ 925 مادة (حفر)، وبدون نسبة في "الحروف" لابن السكيت ص 95، و"الجمهرة" 3/ 1313/ "الصحاح" 3/ 635، و"الصناعتين" ص 301، و"المخصص" 6/ 134، و"المدخل" للحدادي ص 211، وهو لمُزرِّد بن ضرار الغطفاني في "أسرار البلاغة" ص 23.

ويمريه، أي: يستخرج ما عنده من الجري، والشاعر يصف ضيفًا أسرع إليه، واستعار الحافر للقدم.

(١٣) "تأويل مشكل القرآن" ص 153.

(١٤) ذكره الرازي في "تفسيره" 13/ 223.

(١٥) أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 73، بسند جيد، وذكره ابن عطية في "تفسيره" 5/ 382، وقال: (وهذا ضعيف التخصيص) اهـ.

(١٦) الثروب: بالضم جمع ثَرْبٍ، وهو الشحم المبسوط على الأمعاء والمصَارين والكَرِش.

انظر: "اللسان" 1/ 475 مادة (ثرب).

(١٧) انظر: "معاني الفراء" 1/ 363، و"معاني الزجاج" 2/ 301، و"تفسير الطبري" 8/ 74، والبغوي 3/ 200، وابن الجوزي 3/ 142.

(١٨) "تنوير المقباس" 2/ 71.

(١٩) أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 75، وابن أبي حاتم 5/ 1410، والبيهقي في "سننه" 10/ 8 بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 100، 101.

(٢٠) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 134، وابن الجوزي في "تفسيره" 3/ 142، والرازي 13/ 183.

(٢١) انظر: "العين" 3/ 318، و"الجمهرة" 1/ 231، و"المجمل" 1/ 254، و"المفردات" ص 271 (حوى).

(٢٢) "اللسان" 2/ 1063 (حوا)، و"الدر المصون" 5/ 206، وفي "تهذيب اللغة" 1/ 947 ، عن ابن الأعرابي قال: (هي الحَوَايةُ والحاوِية، وهي الدوارة التي في بطن الشاة) اهـ.

(٢٣) لفظ: (زواية وزوايا) ساقط من (ش).

(٢٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ش).

(٢٥) ذكره الرازي في "تفسيره" 13/ 224، والسمين في "الدر" 5/ 206، عن ابن السكيت، وهذا القول في "تهذيب اللغة" 1/ 947، و"اللسان" 2/ 1063 (حوا)، لأبي الهيثم خالد بن يزيد الرازي.

(٢٦) "ديوان جرير" ص 313، و"تهذيب اللغة" 1/ 947، و"اللسان" 2/ 163 (حوى)، و"الدر المصون" 5/ 206، وقوله: تضغو، أي: تصيح وتصوت.

انظر: "اللسان" 5/ 2593 (ضغا)، والخنانيص جمع الخِنَّوْص: ولد الخنزير.

انظر: "اللسان" 3/ 1278 (خنص)، وردوم: جمع ردم، وهو السد والصوت والضُّراط.

انظر: "اللسان" 3/ 1628 (ردم)، ومجعار، الجَعْر: ما تيبس في الدبر من العذرة.

انظر: "اللسان" 2/ 633 (جعر).

(٢٧) "الأضداد" لابن الأنباري ص 222، وقال: (ووا حدة الحوايا: حاوياء، وحاوية، وحَوِية) ا.

هـ.

وانظر: "شرح القصائد السبع" ص 212.

(٢٨) الشاهد لجرير في "ديوانه" ص 68، و"اللسان" 2/ 1063 (حوا)، وبدون نسبة في "الصحاح" 6/ 2322، و"مقاييس اللغة" 2/ 112 (حوى) و4/ 437 (فح)، و"زاد المسير" 3/ 143، و"الدر المصون" 5/ 206، وفي "الديوان" (نفيق بدل (فحيح).

(٢٩) في النسخ: (وحوايا)، وهو تحريف.

(٣٠) في (ش): (جمع حاويا أو حاويا).

(٣١) انظر: "الحجة" لأبي علي 4/ 7.

(٣٢) في (أ): مكسورة.

(٣٣) في (أ): (أن قلبت) وعليه علامة خطأ، وجاءت في "الإغفال" ص 779: (إذا قلبت).

(٣٤) في النسخ: (قولهم: مدارًا ومهارًا)، وفي "الإغفال" (مدارى) فقط.

(٣٥) في النسخ: (حواى)، وفي "الإغفال" ص 799: (وحروف الاعتلال في مطائي وسمائي أكثر منها في مداري ..) ا.

هـ.

(٣٦) في (أ): (فيقع همز بين ألفين).

(٣٧) كذا في "النسخ"، وفي "الإغفال" ص 799: (وهي قريبة من الألف).

(٣٨) كذا في (أ)، والصواب: (وإن قلت)، وفي "الإغفال" ص 804: (وإما فواعل فإنك قلبتها من حيث).

(٣٩) ما بين المعقوفين ساقط من (ش).

(٤٠) كذا في "النسخ"، وفي "الإغفال" ص 804: (من حيث همزات عوائر وأوائل).

(٤١) "الإغفال" ص 798 - 804 بتصرف.

وانظر: شرح ذلك في "الدر المصون" 5/ 106، و"معجم مفردات الإبدال والإعلال" للخراط ص 90.

(٤٢) لم أقف عليه بهذا اللفظ، وأخرج الطبري 8/ 75، 76، من طرق عن ابن عباس ومجاهد، وسعيد بن جبير، وقتادة، والضحاك، والسدي، قالوا: (الحوايا: == المباعر)، وقال ابن الأنباري في "شرح القصائد" ص 212: (قال المفسرون: الحوايا: المباعر، واحدها: حاوياء وحاوية) ا.

هـ.

(٤٣) سبق تخريجه.

(٤٤) هذا قول الطبري 8/ 75، وعليه يكون التقدير: وإلا الذي حملته الحوايا فإنه غير محرم، وقال أبو حيان 4/ 244، والسمين في "الدر" 5/ 203: (هذا هو الظاهر) اهـ.

(٤٥) "معاني الفراء" 1/ 363.

(٤٦) قال ابن الأنباري في "إيضاح الوقت والابتداء" 2/ 645: ( ﴿ إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا ﴾ وقف غير تام؛ لأن (الحوايا) منسوقة على الظهور، كأنه قال: إلا ما حملت ظهورهما أو حملت الحوايا) ا.

هـ، وانظر: "القطع والائتناف" 1/ 242.

(٤٧) الشاهد للأعشي في "ديوانه" ص 106، و"اللسان" 5/ 2621 (ضوع)، وذكره السمين في "الدر" 5/ 205، عن ابن الأنباري، والشاعر يصف قلاة.

والنئيم: صوت فيه ضعف كالأنين، وهو صوت البوم.

انظر: "اللسان" 7/ 4314 (نأم) والضُّوَع: طائر من طير الليل إذا أحصر بالصباح صدح، وقيل: هو ذكر اليوم، والضُّوَع صوته.

انظر: "اللسان" 5/ 2620، 2621 مادة (ضوع).

(٤٨) ذكره السمين في "الدر" 5/ 205 - 206 عن الواحدي، وقال بعده: (فمقتضى ما حكاه ابن الأنباري أن تكون (الحوايا) عطفًا على ما المستثناة، وفي معنى ذلك قلق بين) ا.

هـ، والنصب في (الحوايا) من وجهين: أحدهما: العطف على ما في قوله (إلا ما حملت).

والثاني: العطف على قوله (شحومهما)، وعلى وجه النصب تكون الحوايا محرمة عليهم بخلاف الرفع.

انظر: "المشكل" لمكي 1/ 276، و"البيان" 1/ 348، و"التبيان" 1/ 362، و"الفريد" 2/ 244، و"الدر المصون" 5/ 203 - 206.

(٤٩) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 134، والرازي في "تفسيره" 13/ 224 عن جميع المفسرين، ورجح الطبري في "تفسيره" 8/ 76، أن المراد شحم الألية والجنب وما أشبه ذلك.

(٥٠) في (ش): (وفي الأذنين والعينين).

(٥١) أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 76، بسند جيد، وذكره النحاس في "معانيه" 2/ 510.

(٥٢) "معاني الفراء" 1/ 363، وفيه قال: (ما: في موضع نصب) ا.

هـ، وقال النحاس في "إعراب القرآن" 1/ 589: (في هذا أقوال هذا أصحها، وهو قول الكسائي والفراء وثعلب، والنظر يوجبه أن يعطف الشيء على ما يليه، إلا أن لا يصح معناه أو يدل دليل على غيره) ا.

هـ واختاره الطبري في "تفسيره" 8/ 73.

(٥٣) انظر: "زاد المسير" 3/ 143 - 144.

(٥٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ش).

(٥٥) في (أ): (وعمروًا).

(٥٦) في (ش): (يهتدي)، وهو تحريف.

(٥٧) في (أ): (عمروًا).

(٥٨) في (ش): (لأن).

(٥٩) في (ش): (مجالسة).

(٦٠) ما بين المعقوفين ساقط من (أ).

(٦١) "معاني الزجاج" 2/ 301 - 302، وقال أبو حيان في "البحر" 4/ 145: (الأحسن في الآية إذا قلنا أن ذلك معطوف على (شحومهما) أن تكون أو فيه للتفصيل، فصل بها ما حرم عليهم من البقر والغنم) ا.

هـ، وانظر: "الدر المصون" 5/ 204 - 205.

(٦٢) "تفسير مقاتل" 1/ 595.

(٦٣) "تنوير المقباس" 2/ 71، والمعنى متقارب.

وانظر: "تفسير الطبري" 12/ 206، و"معاني النحاس" 2/ 513، و"تفسير السمرقندي" 1/ 521، والبغوي 3/ 200، وابن الجوزي 3/ 144، وابن كثير 2/ 186.

(٦٤) انظر: المراجع السابقة.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ قُل لاَّ أَجِدُ ﴾ الآية تقتضي حصر المحرمات فيما ذكر، وقد جاء في السنة تحريم أشياء لم تذكر هنا كلحوم الحمر الأهلية فذهب قوم إلى أن السنة نسخت هذا الحصر، وذهب آخرون إلى أن الآية وردت على سبب فلا تقتضي الحصر، وذهب آخرون إلى أن ما عدا ما ذكر إنما نهى عنه على وجه الكراهة، لا على وجه التحريم ﴿ أَوْ فِسْقاً ﴾ معطوف على المنصوبات قبله، وهو ما أُهِلَّ به لغير الله سماه فسقاً لتوغله في الفسق، وقد تقدم الكلام على هذه المحرمات في [البقرة: 173] ﴿ كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ﴾ هو ما له أصبع من دابة وطائر قاله الزمخشري وقال ابن عطية: يراد به الإبل والأوز والنعام ونحوه؛ من الحيوان الذي هو غير منفرج الأصابع، أو له ظفر وقال الماوردي مثله، وحكى النقاش عن ثعلب: أن كل ما لا يصيد فهو ذو ظفر، وما يصيد فهو ذو مخلب، وهذا غير مطرد، لأن الأسد ذو ظفر ﴿ إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا ﴾ يعني ما في الظهور والجُنوب من الشحم ﴿ أَوِ الحوايآ ﴾ هي المباعر، وقيل: المصارين والحشوةونحوهما مما يتحوّى في البطن، وواحد حوايا على هذا فعائل كصحيفة وصحائف، وقيل: واحدها حاوية على وزن فاعله فحوايا على هذا فواعل: كضاربة وضوارب، وهو معطوف على ما في قوله: إلا ما حملت الظهور، فهو من المستثنى من التحريم، وقيل: عطف على الظهور، فالمعنى إلا ما حملت الظهور، أو حملت الحوايا، وقيل: عطف على الشحوم، فهو من المحرم ﴿ أَوْ مَا اختلط بِعَظْمٍ ﴾ يريد ما في جميع الجسد ﴿ وِإِنَّا لصادقون ﴾ أي فيما أخبرنا به من التحريم، وفي ذلك تعريض بكذب من حرم ما لم يحرم الله.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ حصاده ﴾ بفتح الحاء: أبو عمرو وعاصم وابن عامر وسهل ويعقوب، الباقون: بالكسر وكلاهما مصدر ﴿ من الضان ﴾ بغير همزة: أبو عمرو غير شجاع وأوقية والأعشى والأصبهاني عن ورش ويزيد وحمزة في الوقف.

﴿ ومن المعز ﴾ ساكن العين: عاصم وحمزة وعلي وخلف ونافع وأبو جعفر وابن فليح وزمعة والخزاعي عن البزي والقواس غير ابن مجاهد وأبي عون عن قنبل عنه، الباقون: بفتحها ﴿ إلا أن تكون ﴾ بتاء التأنيث: ابن كثير وابن عامر ويزيد وحمزة وعباس مَن طريق ابن رومي عنه.

﴿ ميتة ﴾ بالتخفيف والرفع: ابن عامر وزاد يزيد التشديد.

الباقون: بالياء وبالنصب.

﴿ الحوايا ﴾ ممالة: علي وحمزة وخلف.

﴿ فقل ربكم ﴾ وبابه مظهراً: الحلواني عن قالون والبرجمي.

الوقوف: ﴿ متشابه ﴾ ط.

﴿ ولا تسرفوا ﴾ ط ﴿ المسرفين ﴾ ه لا لأن قوله: ﴿ حمولة ﴾ منصوب بـ ﴿ أنشأ ﴾ ﴿ وفرشاً ﴾ ط ﴿ الشيطان ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه لا لأن ﴿ ثمانية ﴾ منصوب بـ ﴿ أنشأ ﴾ ﴿ جنات ﴾ ﴿ أزواج ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتحاد المعنى ﴿ المعز اثنين ﴾ ط ﴿ أرحام الأنثيين ﴾ ط لانتهاء الاستفهام ﴿ صادقين ﴾ ه لا لأن ﴿ اثنين ﴾ منصوب بـ ﴿ أنشأ ﴾ أيضاً ﴿ ومن البقر اثنين ﴾ ط ﴿ أرحام الأنثيين ﴾ ط لأن "أم" في قوله: ﴿ أم كنتم ﴾ بمعنى ألف استفهام توبيخ.

﴿ بهذا ﴾ ج للاستفهام مع الفاء ولانقطاع النظم مع اتحاد المعنى ﴿ علم ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه.

﴿ لغير الله ﴾ ج ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ ظفر ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتحاد المعنى.

﴿ بعظم ﴾ ط ﴿ ببغيهم ﴾ ز للابتداء بأن وإثبات وصف الصدق مطلقاً.

وللوصل وجه لأن المعنى وإنا لصادقون فيما أخبرنا عن التحريم ببغيهم.

﴿ واسعة ﴾ ط لاختلاف الجملتين ﴿ المجرمين ﴾ ه ﴿ من شيء ﴾ ط ﴿ بأسنا ﴾ ط ﴿ لنا ﴾ ط ﴿ تخرصون ﴾ ه ﴿ البالغة ﴾ ج للشرط مع الفاء ﴿ أجمعين ﴾ ه ﴿ حرم هذا ﴾ ج لذلك ﴿ معهم ﴾ ج لتناهي جزاء الشرط مع العطف ﴿ يعدلون ﴾ ه.

التفسير: إنه  جعل مدار هذا الكتاب الكريم على تقرير التوحيد والنبوة والمعاد وإثبات القضاء والقدر وإنه بالغ في تقرير هذه الأصول وانتهى الكلام إلى شرح أحوال السعداء والأشقياء، ثم انتقل منه إلى تهجين طريقة منكري البعث والقيامة، ثم أتبعه حكاية أقوالهم الركيكة تنبيهاً على ضعف عقولهم، فلما تمم هذه المقاصد عاد إلى ما هو المقصود الأصلي وهو إقامة الدلائل على إثبات ذاته ووجوب توحيده فقال: ﴿ وهو الذي أنشأ ﴾ الآية نشأ الشيء ينشأ نشأ إذا ظهر وارتفع، وأنشأه الله ينشئه إنشاء أظهره ورفعه ﴿ جنات معروشات وغير معروشات ﴾ يقال: عرشت الكرم إذا جعلت له دعائم وسمكاً تعطف عليه القبضان.

وقيل: كلاهما الكرم فإن بعض الأعناب تعرش وبعضها يبقى على وجه الأرض منبسطاً كالقرع والبطيخ.

وقيل: المعروشات ما يحتاج إلى أن يتخذ له عروش يحمل عليها فتمسكه وهو الكرم وما يجري مجراه، وغير معروشات هو القائم من الشجر المستغني باستوائه وقوة ساقة عن التعريش.

وقيل: المعروشات ما في البساتين والعمارات مما غرسه الناس واهتموا به فعرشوه، وغير معروشات ما أنبته الله وحشياً في البراري والجبال فيبقى غير معروش.

﴿ والنخل والزرع ﴾ فسر ابن عباس الزرع بجميع الحبوب التي الذكر تقتات ﴿ مختلفاً أكله ﴾ والأكل كل ما يؤكل والمراد ههنا ثمر النخل والزرع فاكتفى بإعادة الذكر على أحدهما كقوله: ﴿ وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها  ﴾ أي إليهما.

والمراد أن لكل شيء منهما طعماً غير طعم الآخر و ﴿ مختلفاً ﴾ حال مقدّرة أي أنشأه مقدرّاً اختلاف أكله لأنه لم يكن وقت الإنشاء كذلك ﴿ متشابهاً وغير متشابه ﴾ في القدر واللون والطعم.

ثم قال ﴿ كلوا من ثمره ﴾ وقد قال في الآية المتقدمة أعني نظير هذه الآية وذلك قوله: ﴿ وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء ﴾ الآية إلى قوله ﴿ انظروا إلى ثمره  ﴾ تنبيهاً على أن الأمر بالاستدلال بها على الصانع الحكيم متقدم على الإذن في الانتفاع بها لأن الحاصل من الأول سعادة روحانية أبدية، والحاصل من الانتفاع سعادة جسمانية زائلة.

وفائدة هذا الأمر الإباحة، وقدم إباحة الأكل على إخراج الحق كيلا يظن أنه يحرم على المالك تناوله لمكان شركة المتشاركين فيه.

وفي الآية إشارة إلى أن خلق هذه النعم إما للأكل وإما للتصدق، والأول لكونه حق النفس مقدم على الثاني لأنه حق الغير.

وفيه أن الأصل في المنافع الإباحة والإطلاق لأن قوله: ﴿ كلوا ﴾ خطاب عام يتناول الكل، ويمكن أن يستدل به على أن الأصل عدم وجوب الصوم وأن من ادعى إيجابه فهو المحتاج إلى الدليل، وأن المجنون إذا أفاق في أثناء النهار لا يلزمه قضاء ما مضى، وأن الشارع في صوم النفل لا يجب عليه الإتمام.

قال علماء الأصول: من المعلوم من لغة العرب أن صيغة الأمر تفيد ترجيح جانب الفعل؛ فحملها على الإباحة أو الوجوب لا يصار إليه إلا بدليل منفصل، وفائدة قوله: ﴿ إذا أثمر ﴾ وقد علم أنه إذا لم يثمر لم يؤكل منه هي أن يعلم أن أول وقت الإباحة وقت اطلاع الشجر الثمر ولا يتوهم أنه لا يباح إلا إذا أدرك وأينع، أما قوله: ﴿ وآتوا حقه يوم حصاده ﴾ فعن ابن عباس في رواية عطاء وهو قول سعيد بن المسيب والحسن وطاوس والضحاك.، أن الآية مدنية والحق هو الزكاة المفروضة وعلى هذا فكيف يؤدى الزكاة يوم الحصاد والحب في السنبل.

والجواب أن المراد فاعزموا على إيتاء الحق يوم الحصاد واهتموا به حتى لا تؤخروه عن أوّل وقت يمكن فيه الإيتاء، وقال مجاهد: الآية مكية وإن هذا حق في المال سوى الزكاة وكان يقول: إذا حصدت فحضرك المساكين فاطرح لهم منه، وكذا إذا دسته وإذا عرفت كيله فاعزل زكاته وزيف بقوله صلى الله عليه وآله: "ليس في المال حق سوى الزكاة" وبأن قوله: ﴿ وآتوا حقه ﴾ إنما يحسن ذكره لو كان ذلك الحق معلوماً قبل ورود هذه الآية والإلزام الإجمال.

وعن سعيد بن جبير أن هذا كان قبل وجوب الزكاة فلما فرض العشر أو نصف العشر فيما سقي بالسواقي نسخ، والقول الأول أصح.

ثم إن أبا حنيفة احتج بالآية على وجوب الزكاة في الثمار لأنه قال: ﴿ وآتوا حقه ﴾ بعد ذكر الأنواع الخمسة وهي العنب والنخل والزرع والزيتون والرمان.

واعترض عليه بأن لفظ الحصاد مخصوص بالزرع.

وأجيب بأن الحصد في اللغة عبارة عن القطع وذلك يتناول الكل.

واحتج هو أيضاً بها على أن العشر واجب في القليل والكثير للإطلاق.

والجواب أن بيانه في الحديث "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" .

ثم قال تعالى: ﴿ ولا تسرفوا ﴾ ولأهل اللغة فيه تفسيران: فعن ابن الأعرابي: السرف تجاوز ما حد لك.

فعلى هذا إذا أعطى الكل ولم يوصل إلى عياله شيئاً فقد أسرف كما جاء في الخبر "إبدأ بنفسك ثم بمن تعول" وروي أن ثابت بن قيس بن شماس عمد إلى خمسمائة نخلة فخذها فقسمها في يوم واحد ولم يدخل منها إلى منزله شيئاً فنزلت الآية ﴿ ولا تسرفوا ﴾ أي لا تعطوا كله وإذا منع الصدقة فقد أسرف وبه فسر الآية سعيد بن المسيب، فإن مجاوزة الحد تكون إلى طرف الإفراط وإلى طرف التفريط.

وقال عمر: سرف المال ما ذهب منه في غير منفعة.

وعلى هذا فقد قال مقاتل: معناه لا تشركوا الأصنام في الأنعام والحرث.

وقالالزهري: ولا تنفقوا في معصية الله  .

وعن مجاهد: لو كان أبو قبيس ذهباً فأنفقه رجل في طاعة الله  لم يكن مسرفاً، ولو أنفق درهماً في معصية الله كان مسرفاً، وهذا المعنى أراد حاتم الطائي حين قيل له لا خير في السرف فقال: لا سرف في الخير.

ثم ختم الآية بقوله: ﴿ إنه لا يحب المسرفين ﴾ والمقصود منه الزجر فإن كل مكلف لا يحبه الله فإنه من أهل النار لأن محبة الله  عبارة عن إرادة إيصال الثواب إليه.

قوله: ﴿ حمولة وفرشاً ﴾ معطوف على جنات أي وأنشأ من الأنعام هذين الجنسين.

فالحمولة ما يحمل الأثقال "فعولة" بمعنى "فاعلة" والفرش للذبح أو ينسج من وبره وصوفه وشعره الفرش مصدر بمعنى "مفعول".

وقيل: الحمولة الكبار التي تصلح للحمل، والفرش الصغار كالفصلان والعجاجيل والغنم لأنها دانية من الأرض للطافة أجرامها مثل الفرش المفروش عليها.

﴿ كلوا مما رزقكم الله ﴾ قالت المعتزلة.

أي مما أحلها لكم ﴿ ولا تتبعوا خطوات الشيطان ﴾ لا تسلكوا طريقه الذي يدعوكم إليه في التحليل والتحريم من عن أنفسكم كما فعل أهل الجاهلية ﴿ إنه لكم عدوّ مبين ﴾ بين العداوة.

وفي انتصاب ﴿ ثمانية أزواج ﴾ وجهان: قال الفراء: هو بدل من قوله: ﴿ حمولة وفرشاً ﴾ .

وجوز غيره أن يكون مفعول ﴿ كلوا ﴾ والعرب تسمي الواحد فرداً إذا كان وحده فإذا كان معه غيره من جنسه سمي كل واحد منهما زوجاً وهما زوجان، قال عز من قائل: ﴿ خلق الزوجين الذكر والأنثى  ﴾ وقال: ﴿ ثمانية أزواج ﴾ ثم فسرها بقوله: ﴿ من الضأن اثنين ﴾ أي زوجين اثنين ﴿ ومن المعز اثنين ﴾ وفي الآية الثانية: ﴿ ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين ﴾ قال الجوهري: الضائن خلاف الماعز والجمع يعني اسم الجمع الضأن والمعز مثل راكب وركب وسافر وسفر.

وضأن أيضاً مثل حارس وحرس.

وقال في الكشاف: إنه قرىء بفتح العين.

والضأن ذوات الصوف من الغنم والمعز ذوات الشعر منها ﴿ قل ءالذكرين حرم الأنثيين ﴾ نصب بقوله: ﴿ حرم ﴾ والاستفهام يعمل فيه ما بعده ولا يعمل فيه ما قبله.

ويريد بالذكرين الذكر من الضأن وهو الكبش، والذكر من المعز وهو التيس، وبالأنثيين الأنثى من الضأن وهيالنعجة، والأنثى من المعز وهي العنز، وذلك على طريق الجنسية والمشاكلة.

ومعنى الاستفهام إنكار أن يحرم الله من جنسي الغنم ضأنها ومعزها شيئاً من نوعي ذكورها وإناثها ولا مما يشتمل عليه أرحام الأنثيين أي مما يحمل إناث الجنسين، وكذلك الذكر من جنسي الإبل والبقر يعني الجمل والثور والأنثيان منهما الناقة والبقرة وما يحمل إناثهما وذلك أنهم كانوا يحرّمون ذكور الأنعام تارة وإناثها أخرى وأولادها كيفما كانت ذكوراً أو إناثاً، أو من خلط تارة وكانوا يقولون: قد حرمها الله فقيل لهم: إنكم لا تقرون بنبوّة نبي ولا شريعة شارع فكيف تحكمون بأن هذا يحل وهذا يحرم؟

وأكد ذلك بقوله: ﴿ نبؤني بعلم ﴾ أخبروني بأمر معلوم من جهة الله يدل على تحريم ما حرمتم ﴿ إن كنتم صادقين ﴾ في أن الله حرمه.

واعلم أنه  منّ على عباده بإنشاء الأزواج الثمانية من الأنعام لمنافعهم وإباحتها لهم إلا أنه فصل بين بعض المعدود وبعضه بالاحتجاج على من حرمها وليس ذلك بأجنبي وإنما هي جملة معترضة جيء بها تأكيداً وتشديداً للتحليل، فالاعتراضات في الكلام لاتساق إلا للتوكيد، أما قوله: ﴿ أم كنتم شهداء ﴾ فـ"أم" منقطعة أي بل أكنتم شهداء ومعناه الإنكار وفحواه أعرفتم التوصية به مشاهدين لأنكم لا تؤمنون بالرسل وتقولون إن الله حرم هذا فلم يبق إلا المشاهدة فتهكم بهم بذلك وسجل عليهم وعلى مثالهم بالظلم بقوله: ﴿ فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً ﴾ فنسب إليه تحريم ما لم يحرم، قال المفسرون: يريد عمرو بن لحي بن قمعة الذي غيَّر شريعة إسماعيل  وبَحَّر البحائر وسَيَّب السوائب.

والأقرب أن للفظ عام فيتناول كل مفتر وإذا استحق هذا الوعيد على افتراء الكذب في تحريم مباح فكيف إذا كذب على الله  في مسائل التوحيد ومعرفة الذات والصفات والملائكة وفي النبوّات وفي المعاد؟!

قال القاضي: في الآية دلالة على أن الإضلال عن الدين مذموم فلا يجوز أن ينسب إلى الله  .

وأجيب بأنه ليس كل ما كان مذموماً منا كان مذموماً من الله  فإن تمكين العبيد من أسباب الفجور وتسليط الشهوة عليهم مذموم منّا دونه ﴿ إن الله لا يهدي القوم الظالمين ﴾ قال القاضي: لا يهديهم إلى ثوابه وإلى زيادات الهدى التي يختص المهتدي بها.

وقالت الأشاعرة: معناه أنه لا ينقل المشركين من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، ثم لما بيّن فساد طريقة الجاهلية فيما يحل ويحرم من المطاعم أتبعه البيان الصحيح في الباب فقال: ﴿ قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرماً ﴾ أي طعاماً محرماً ﴿ على طاعم يطعمه ﴾ على آكل يأكله ﴿ إلا أن يكون ﴾ ذلك المأكول أو الموجود أو الطعام ﴿ ميتة أو دماً مسفوحاً ﴾ مصبوباً سائلاً.

قال ابن عباس: يريد ما خرج من الأنعام وهي أحياء وما خرج من الأوداج عند الذبح فلا يدخل فيه الكبد والطحال لجمودهما، وما يختلط باللحم من الدم فإنه غير سائل.

وسئل أبو مجلز عما يتلطّخ باللحم من الدم وعن القدر التي سلف في أمثالها، وانتصاب ﴿ فسقاً ﴾ على أنه معطوف على المنصوبات قبله، و ﴿ أهل ﴾ صفة له منصوبة المحل سمي ما أهل به لغير الله فسقاً لتوغله في باب الفسق كما يقال: فلان كرم وجود.

وجوز أن يكون ﴿ فسقاً ﴾ مفعولاً له من ﴿ أهل ﴾ وعلى هذا فقد عطف ﴿ أهل ﴾ على ﴿ يكون ﴾ والضمير في ﴿ به ﴾ يعود إلى ما يرجع إليه المستكن في ﴿ يكون ﴾ قالت العلماء: إن هذه السورة مكية وقد بيّن في الآية أنه لم يجد فيما أوحي إليه قرآناً أو غيره محرماً سوى هذه الأربعة، وقد أكد هذا بما في النحل وفي البقرة مصدرة بكلمة "إنما" الدالة على الحصر فصارت المدنية مطابقة للمكية، والذي جاء في المائدة ﴿ حرمت عليكم الميتة والدم  ﴾ إلى قوله: ﴿ وما أكل السبع إلا ما ذكيتم  ﴾ من أقسام الميتة ولكنه خص بالذكر لأنهم كانوا يحكمون على تلك الأشياء بالتحليل فثبت أن الشريعة من أولها إلى اخرها كانت مستقرة على هذا الحكم.

وعلى هذا الحصر بقي الكلام في الخمر وفي سائر النجاسات والمستقذرات فنقول: إنه  قد وصف الخمر بأنه رجس وههنا علل تحريم لحم الخنزير بكونه رجساً فعلمنا أن النجاسة علة لتحريم الأكل وكل نجس فإنه يحرم أكله، هذا بعد إجماع الأمة على تحريم الخبائث والنجاسات.

وإن جوزنا تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد كما روي أنه صلى الله عليه وآله نهى عن كل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطيور.

فلا إشكال.

وقيل: المراد أن وقت نزول هذه الآية لم يكن محرم على اليهود وزيف بأن تحريم شيء خامس نسخ والأصل عدمه.

ثم بين  أنه حرم على اليهود أشياء أخر سوى هذه الأربعة فقال: ﴿ وعلى الذين هادوا حرمنا ﴾ وذلك نوعان: الأول أنه حرم عليهم ﴿ كل ذي ظفر ﴾ وفيه لغات: ضم الفاء والعين وهي الفصحى، وكسرهما وهي قراءة ابن السماك، والضم مع السكون والكسر مع السكون وهي قراءة الحسن، واختلف في ذي الظفر فعن ابن عباس في رواية عطاء أنه الإبل فقط، وعنه في رواية أخرى وهو قول مجاهد أنه الإبل والنعام، وقيل: كل ذي مخلب من الطير وكل ذي حافر من الدواب، وسمي الحافر ظفراً على الاستعارة، وزيف بأن الحافر لا يكاد يسمى ظفراً وبأن البقرة والغنم مباحان لهم كما يجيء مع أن لهما حافراً فإذن يجب حمل الظفر على المخلب والبراثن من الجوارح والسباع بل على كل ما له إصبع من دابة وطائر.

وكان بعض ذوات الظفر حلالاً لهم فلما ظلموا عمم التحريم.

فعموم التحريم خاص بهم ولهذا قدم الجار في قوله ﴿ وعلى الذين هادوا حرمنا ﴾ فيستدل بذلك على حل بعض هذه الحيوانات على المسلمين وهو ما سوى ذات المخلب والناب فيكون الخبر مبيناً للآية لا مخالفاً كما ظن صاحب التفسير الكبير.

النوع الثاني قوله ﴿ ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما ﴾ قال في الكشاف: هو كقولك: "من زيد أخذت ماله" تريد بالإضافة يعني إضافة الأخذ إلى زيد بواسطة من زيادة الربط.

والمعنى أنه حرم عليهم من كل ذي ظفر كله ومن البقرة والغنم بعضهما وذلك شحومهما فقط، هذا أيضاً ليس على الإطلاق لقوله: ﴿ إلا ما حملت ظهورهما ﴾ قال ابن عباس: إلا ما علق بالظهر من الشحم فإني لم أحرمه.

وقال قتادة: إلا ما علق بالظهر والجنب من داخل بطونها.

وقيل: إلا ما اشتمل على الظهور والجنوب من السحفة وهي الشحمة التي على الظهر الملتزقة بالجلد فيما بين الكتفين إلى الوركين.

وهي بالحقيقة لحم سمين لأنه يحمر عند الهزال ولهذا لو حلف لا يأكل الشحم فأكل من ذلك اللحم السمين لم يحنث على الأصح.

والاستثناء الثاني قوله: ﴿ أو الحوايا ﴾ قال الجوهري: الحوايا الأمعاء واحدها حوية وفي معناها حاوية البطن وحاوياء البطن.

وقال الواحدي: هي المباعر والمصارين والفحوى، أو ما اشتمل على الأمعاء يعني أن الشحوم المتصقة بالمباعر والمصارين غير محرمة، والاستثناء الثالث: ﴿ أو ما اختلط بعظم ﴾ قال جمهور المفسرين: يعني شحم الآلية.

وقال ابن جريج: كل شحم في القوائم والجنب والرأس وفي العينين والأذنين فإنه مخلوط بعظم فهو حلال لهم.

والحاصل أن الشحم الذي حرم الله عليهم هو الثرب وشحم الكلية.

وقيل: إن الحوايا غير معطوف على المستثنى وإنما هو معطوف على المستثنى منه والتقدير: حرمنا عليهم شحومهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم إلا ما حملت الظهور فإنه غير محرم.

ودخوله كلمة "أو" كدخولها في قوله  : ﴿ ولا تطع منهم آثماً أو كفوراً  ﴾ والمعنى كل هؤلاء أهل أن يعصى فاعص هذا واعص هذا فكذا ههنا المعنى حرمنا عليهم هذا وهذا ﴿ ذلك ﴾ الجزاء وهو تحريم الطيبات ﴿ جزيناهم ببغيهم ﴾ بسبب قتلهم الأنبياء وأخذهم الربا واستحلالهم أموال الناس بالباطل وغير ذلك من قبائح أفعالهم ﴿ وإنا لصادقون ﴾ في هذه الأخبار أو فيما يوعد به العصاة.

قال القاضي: نفس التحريم لا يجوز أن يكون عقوبة على جرم صدر عنهم لأن التكليف تعريض للثواب والتعريض للثواب إحسان.

وأجيب بأن المنع من الانتفاع يمكن أن يكون لمزيد الثواب ويمكن أن يكون بشؤم الجرم المتقدم ﴿ فإن كذبوك ﴾ في ادعاء النبوّة والرسالة أو في تبليغ الأحكام، وعلى أصول المعتزلة فإن كذبوك في إنجاز إيعاد العصاة وزعموا أن الله واسع الرحمة وأنه يخلف الوعيد جوداً وكرماً.

﴿ فقل ربكم ذو رحمة واسعة ﴾ فلذلك لا يعجل بالعقوبة ﴿ ولا يردّ بأسه ﴾ إذا جاء وقت عذابه ﴿ عن القوم المجرمين ﴾ يعني المكذبين.

وعلى أصولهم رحمته واسعة لأهل طاعته ولا يرد بأسه مع ذلك عن الذين ارتكبوا الكبائر فماتوا قبل التوبة.

ثم حكى أعذار الكفار الواهية فقال: ﴿ سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ﴾ وإنما جاز العطف عل الضمير المرفوع المتصل من غير أن أكد بالمنفصل لمكان الفصل بعد حرف العطف بلا الزائدة لتأكيد النفي.

أخبر الله  بما سوف يقولونه ولما قالوه.

قال في سورة النحل: ﴿ وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء  ﴾ وإنما قال في سورة النحل بزيادة "نحن" و "من دونه" مرتين لأن الإشراك مستنكر مطلقاً.

فلفظ الإشراك يدل على إثبات شريك لا يجوز إثباته، وعلى تحليل أشياء وتحريم أشياء من دون الله فلم يحتج إلى لفظ من دونه، وأما العبادة فإنها غير مستنكرة على الإطلاق وإنما المستنكر عبادة شيء مع الله  ، ولا تدل على تحريم شيء فلم يكن بد من تقييده بقوله: ﴿ من دونه ﴾ ولما حذف من الآية لفظة ﴿ من دونه ﴾ مرتين حذف معه ﴿ نحن ﴾ لتطرد الآية في حكم التخفيف.

أما تفسير الآية فزعمت المعتزلة أنها تدل على قولهم في مسألة إرادة الكائنات من سبعة أوجه: الأول أن الذي حكى عن الكفار في معرض الذم والتقبيح وذلك قولهم: "لو شاء الله منا أن لا نشرك لم نشرك" هو صريح قول المجبرة فيكون هذا المذهب مذموماً.

الثاني قوله: ﴿ كذلك كذب الذين من قبلهم ﴾ فلم يذكر المكذب به تنبيهاً على أنهم جاؤا بالتكذيب المطلق لأن الله عز وعلا ركب في العقول وأنزل في الكتب ما دل على غناه وبراءته من مشيئته القبائح وإرادتها، والرسل أخبروا بذلك فمن علق وجود القبائح من الكفر والمعاصي بمشيئة الله وإرادته فقد كذب التكذيب كله وهو تكذيب الله ورسوله وكتبه ونبذ أدلة السمع والعقل وراء ظهره.

والحاصل أن هذا طريق متعين لكل الكفار المتقدمين منهم والمتأخرين في تكذيب الأنبياء وفي دفع دعوتهم عن أنفسهم لأنهم يقولون الكل بمشيئة الله  .

الثالث قوله: ﴿ حتى ذاقوا بأسنا ﴾ وذلك يدل على أنهم استوجبوا الوعيد من الله  في هذا المذهب.

الرابع قوله: ﴿ قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا ﴾ وإنه استفهام على سبيل الإنكار أي لا علم لهؤلاء القائلين ولا حجة.

الخامس: ﴿ إن تتبعون إلا الظن ﴾ السادس: ﴿ وإن أنتم إلا تخرصون ﴾ السابع: ﴿ قل فلَّله الحجة البالغة ﴾ لأنه أزال الأعذار بالتمكين والإقدار فلم يبق لكم على الله حجة وإنما الحجة البالغة له عليكم وذلك أنكم تقولون: لو أتينا بعمل على خلاف مشيئة الله لزم أن يكون الإله عاجزاً مغلوباً.

وهذا الكلام غير لازم لأن الله قادر على أن يحملكم على الإيمان والطاعة على سبيل القهر والإلجاء إلا أن ذلك يبطل الحكمة المطلوبة من التكليف وهذا هو المراد من قوله: ﴿ فلو شاء لهداكم أجمعين ﴾ وبوجه آخر إن كان الأمر كما زعمتم أن ما أنتم عليه بمشيئة الله فلَّله الحجة الكاملة عليكم فإن تعليقكم دينكم بمشيئة الله يقتضي أن تعلقوا دين من يخالفكم أيضاً بمشيئته فتوالوا جميع أهل الأديان ولا تعادوهم.

أجابت الأشاعرة بأنا قد بينا بالدلائل القاطعة من أول القرآن إلى ههنا صحة مذهبنا فوجب تأويل هذه الآية دفعاً للتناقض فنقول: إن القوم كانوا يتمسكون بمشيئة الله  في إبطال دعوة الأنبياء، وفي أن التكليف عبث فبين الله  أن ذلك من تكاذيبهم وأكاذيبهم، وأن التشبث بهذا العذر لا يفيدهم لأنه إله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا اعتراض لأحد عليه، شاء الكفر من الكافر ومع ذلك بعث الأنبياء وأمر بالإيمان، وورود الأمر على خلاف الإرادة غير ممتنع ويؤيد ذلك ما روي عن ابن عباس: أول ما خلق الله القلم فقال: اكتب القدر فجرى بما يكون إلى قيام الساعة.

وقال رسول الله صلى الله عليه وآله "المكذبون بالقدر مجوس هذه الأمة" ثم إن ظاهر آخر الآية معناه وهو قوله: ﴿ فلو شاء لهداكم أجمعين ﴾ وحمل المشيئة على مشيئة الإلجاء والقسر تعسف والله أعلم.

ثم لما أبطل جميع حجج الكفار بين أنه ليس لهم على قولهم شهود فقال: ﴿ قل هلم ﴾ ومعناه إذا كان لازماً أقبل وإذا كان متعدياً أحضر.

قال الخليل: أصله "هالم" من قولهم لمَّ الله شعثه أي جمعه كأنه قال: لمَّ نفسك إلينا أي أقرب والهاء للتنبيه واستعطاف المأمور، ثم حذفت ألفها لكثرة الاستعمال وجعلا اسماً واحداً يستوي فيه الواحد والجمع والتذكير والتأنيث في لغة أهل الحجاز، وأهل نجد يصرفونها "هلما هلموا هلمي هلممن" والأول أفصح وقد يوصل بإلى كقوله  : ﴿ والقائلين لإخوانهم هلم إلينا  ﴾ وقال الفراء: أصلها "هل أم" أرادوا بهل حرف الاستفهام ومعنى أم اقصد.

وقيل: إن أصل استعماله أن قالوا هل لك في الطعام أم أي اقصد.

ثم شاع في الكل.

أمر الله  نبيه باستدعاء إقامة الشهداء من الكافرين ليظهر أن لا شاهد لهم على تحريم ما حرموه.

وإنما لم يقل شهداء يشهدون لأنه ليس الغرض أحضار أناس يشهدون بالتحريم وإنما المراد إحضار شهدائهم الموسومين بالشهادة لهم المعروفين بنصرة مذهبهم ولهذا قال: ﴿ فإن شهدوا ﴾ أي فإن وقعت شهادتهم ﴿ فلا تشهد معهم ﴾ أي لا تسلم لهم ما شهدوا به ولا تصدقهم لأن شهادتهم محض الهوى والتعصب ولأجل ذلك قال أيضاً: ﴿ ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا ﴾ فوضع الظاهر موضع المضمر تسجيلاً عليهم بالتكذيب وليرتب عليه باقي الآية فيعلم أن المتصف بهذه الصفات لا تكون شهادتهم عند العقلاء مقبولة.

التأويل: ﴿ وهو الذي أنشأ جنات ﴾ في القلوب ﴿ معروشات ﴾ من شجرة الإسلام والإيمان والإحسان ﴿ وغير معروشات ﴾ هي الصفات الروحانية التي جبلت القلوب عليها كالسخاء والحياء والوفاء والمودة والفتوة والشفقة والعفة والعلم والحلم والعقل والشجاعة والقناعة ونخل الإيمان وزرع الأعمال الصالحة وزيتون الأخلاق الحميدة ورمان الإخلاص بالشواهد والأحوال ﴿ متشابهاً ﴾ أعمالها ﴿ وغير متشابه ﴾ أحوالها ﴿ كلوا من ثمره ﴾ انتفعوا من ثمار الإيمان والأعمال والإخلاص بالشواهد والأحوال لا بالدعاوى والقيل والقال.

﴿ وآتوا حقه ﴾ وحقه دعوة الخلق وتربيتهم بالحكمة والمواعظة الحسنة و ﴿ يوم حصاده ﴾ أوان بلوغ السالك مبلغ الرجال البالغين عند إدراك ثمرة الكمال للواصلين دون السالك الذي يتردد بعد بين المنازل والمراحل.

﴿ ولا تسرفوا ﴾ بالشروع في الكلام في غير وقته والحرص على الدعوة قبل أوانها.

﴿ ومن الأنعام ﴾ أي ومن الصفات الحيوانية التي هي مركوزة في الإنسان ما هو مستعد لحمل الأمانة وتكاليف الشرع، ومنها ما هو مستعد للأكل والشرب لصلاح القالب وقيام البشرية.

﴿ كلوا مما رزقكم الله ﴾ فرزق القلب هو التحقيق من حيثالبرهان، ورزق الروح هو المحبة بصدق التحرز عن الأكوان، ورزق السر هو شهود العرفان يلحظ العيان، فانتفعوا من هذه الأرزاق بقدر ما ينبغي.

﴿ إنه لكم عدو مبين ﴾ يخرجكم بالتفريط والإفراط إلى ضد المقصود.

ثم إن الصفات الحيوانية ثمان بعضها ذكور وبعضها إناث يتولد منها صفات أخر كلها محمودة إذ استعملت في محالها، وبمقدار ما ينبغي ﴿ من الضأن اثنين ومن المعز اثنين ﴾ والضأن والمعز من جنس الفرشية كما أن الإبل والبقر من جنس الحمولية.

والذكر من الضأن والمعز هما صفة شهوة البطن والفرج والأنثى منهما صفة حسن الخلق عند الاستمتاع بها وصفة التسليم عند تحمل الأذى، والذكر من الإبل والبقر صفتا الظلومية والجهولية، وأنثاهما الحمولية والاستسلام للاستعمال.

فبهذه الصفات الإنسانية صار الإنسان حامل أعباء الأمانة التي أبت المكونات عن حملها وهن أيضاً حملة عرش القلب فافهم، وقد أحل الله  استعمالها واستعمال المتولد منها على قانون الشرعية والطريقة، ومن زعم أنه يجب تركها وفصلها بالكلية فقد افترى ﴿ لو شاء الله ما أشركنا ﴾ الكلام في نفسه حق وصدق إلا أنهم لما ذكروه في معرض الإلزام دفعاً للأذية والآلام كذبوا فيما قالوا والله  أعلم بالصواب.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ ﴾ .

قوله: ﴿ قُل لاَّ أَجِدُ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أي: لا أجد مما تحرمون أنتم فيما أوحي إلي، وأما مما لا تحرمون فإنه يجد.

والثاني: لا أجد فيما أوحي محرما في وقت، ثم وجده في وقت آخر.

وأيهما كان فليس فيه دليل حل سوى ما ذكر في الآية على ما يقوله بشر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ ﴾ .

مثل هذا الخطاب لا يكون إلا في معهود [أو] سؤال، وإلا مثل هذا الخطاب لا يستقيم على الابتداء.

فإن كان في معهود فهو يخرج جواب ما كانوا يحرمون من أشياء من الأنعام والحرث، وما ذكر في الآيات التي تقدم ذكرها، وما كانوا يحرمون من البحيرة والسائبة، والوصيلة، والحامي؛ فقال: ﴿ قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً ﴾ : مما تحرمون أنتم، ﴿ عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً ﴾ .

أو كان جواب سؤال في نازلة؛ فقال: ﴿ قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً ﴾ إلا فيما ذكر في الآية، أو لم يجده محرما في وقت إلا ما ذكر، ثم وجده في وقت آخر، ففي أيهما كان لم يكن لبشر علينا في ذلك حجة؛ حيث قال إن الأشياء كلها محللة مطلقة بهذه الآية: ﴿ قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً ﴾ إلا ما ذكر: من الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما أهل لغير الله به، فقال: لا يحرم من الحيوان إلا ما ذكر.

ويقول: إن النهي الذي جاء عن رسول الله  : "أنه نهى عن كل ذي ناب من السباع، وعن كل ذي مخلب من الطير" ، إنما هو خبر خاص من أخبار الآحاد، وخبر الواحد لا يعمل في نسخ الكتاب، وقد قال: ﴿ لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً ﴾ .

[وبعد]: فإن ذلك الخبر من الأخبار المتواترة؛ لأنه عرفه الخاص والعام، وعملوا به وظهر العمل به حتى لا يكاد يوجد ذلك يباع في أسواق المسلمين؛ دل أنه [من] المتواتر.

قال الشيخ -  -: وعندنا أن لفظة "التحريم" [على الإطلاق لا تقال إلا في النهايات من الحرمة، ونحن نقول: لا تطلق لفظة التحريم] في الحيوان إلا فيما ذكر في الآية من الميتة، والدم المسفوح، والخنزير، ولكن يقال: منهي عنه مكروه، ولا يقال: محرم مطلقا، ويقال: لا يؤكل ولا يطعم.

وبعد: فإن الآية لو كانت في غير الوجهين اللذين ذكرناهما، لم يكن فيها دليل حل ما عدا المذكور في الآية؛ لأنه قال: ﴿ لاَّ أَجِدُ ﴾ ، ولم يوجد في وقت، ثم وجد في وقت آخر، [و] هذا جائز.

وفي قوله: ﴿ مُحَرَّماً عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ ﴾ دلالة أن الجلد يحرم بحق اللحمية؛ لأنه أمكن أن يشوى فيؤكل؛ فحرمته حرمة اللحم، فإذا دُبغ خرج من أن يؤكل؛ [فظل هو مخرج] عن قوله: ﴿ عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ...

﴾ ، والله أعلم.

ثم في قوله: ﴿ مُحَرَّماً عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ...

﴾ الآية دلالة أن الحرمة التي ذكر في قوله: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلْدَّمُ وَلَحْمُ ٱلْخِنْزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ وَٱلْمُنْخَنِقَةُ وَٱلْمَوْقُوذَةُ وَٱلْمُتَرَدِّيَةُ...

 ﴾ إلى آخر ما ذكر حرمة الأكل والتناول منها؛ لأنه لم يبين في تلك الآية ما الذي حرم منها سوى ما ذكر حرمته تفسرها هذه الآية.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مُحَرَّماً عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً ﴾ .

دل هذا أن الحرمة في تلك الآية الأكل والتناول منها؛ وكذلك قوله: ﴿ ٱلْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ  ﴾ : ذكر الحل، ولم يذكر الحكم، لماذا؟

ثم جاء التفسير في هذه الآية أنه للأكل، ثم الميتة التي ذكر أنها محرمة ليست هي التي ماتت حتف أنفها خاصة.

ألا ترى أنه ذكر: ﴿ وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ  ﴾ ، ﴿ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ  ﴾ .

[و] قال: ﴿ وَٱلْمُنْخَنِقَةُ وَٱلْمَوْقُوذَةُ وَٱلْمُتَرَدِّيَةُ وَٱلنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ ٱلسَّبُعُ  ﴾ ، كل هذا الذي ذكر لم يمت حتف أنفه، ولكن بأسباب لم يؤمر بها؛ فصارت ميتة؛ فدل أن كل مذبوح أو مقتول بسبب لم يؤمر به فهو ميتة، لا يحل التناول منها إلا في حال الاضطرار.

وفي قوله: ﴿ أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً ﴾ .

دلالة أن المحرم من الدم هو المسفوح، والدم الذي يكون في اللحم ويخالط اللحم ليس بحرام، والدم المسفوحُ حرامٌ.

قال أبو عوسجة: المسفوح المصبوب؛ تقول: سفحت: صببت.

وقال القتبي: مسفوحاً، أي: سائلا.

وقال ابن عباس -  -: المسفوح: هو الذي يراق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَحْمَ خِنزِيرٍ ﴾ .

ذكر اللحم وذكر حرمة الميتة؛ ليعلم أن الخنزير بجوهره حرام، والميتة حرمتها لا بجوهرها، لكن لما اعترض؛ لذلك قلنا: [إنه] لا بأس بالانتفاع بصوف الميتة ووبرها وعظمها، ولا يجوز من الخنزير شيء، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ ﴾ .

قيل: غير باغ: يستحله في دينه، ولا عاد، أي: ولا متعد بألم يضطر إليه فأكله.

وقد ذكرنا أقاويلهم والاختلاف في تأويله في صدر الكتاب.

﴿ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ ﴾ ، لأكله الحرام في حال الاضطرار، ﴿ رَّحِيمٌ ﴾ ، حيث رخص الحرام في موضع الاضطرار، وهذا - أيضاً - قد مضى ذكره في غير موضع.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ  ﴾ .

قيل: مثل [هذا] النعامة والبعير.

وقيل: كل ذي ظفر: مثل الديك، والبط، والبعير، وكل ما لم يكن منفرج الأصابع والقوائم.

وقيل: حرمنا كل ذي حافر من نحو حمار الوحش والوز وغيره.

وقيل: ﴿ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ﴾ : كل ذي مخلب من الطير، وكل ذي ناب من السباع، ومن الدواب: كل ذي ظفر منشق؛ مثل: الأرنب والبعير وأشباههما، وهو قول ابن عباس -  ما - والأشبه أن يكون ما ذكر [من تحريم كل ذي ظفر عليهم هو ما يحل أكله لا ما يحرم وهو ما ذكر بعضهم أنه البعير والغنم لأنه ذكر] في آية أخرى ﴿ فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ...

﴾ الآية [النساء: 160].

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِنَ ٱلْبَقَرِ وَٱلْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَآ إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا ﴾ .

قيل: [تحرم] [شحوم] بطونهما، ومن الثروب، وشحم الكليتين.

﴿ أَوِ ٱلْحَوَايَآ ﴾ .

وهي المباعر والمصارين، أي: الشحم الذي عليهما.

﴿ أَوْ مَا ٱخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ﴾ .

قيل: الألية.

وقيل: قوله: ﴿ إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا ﴾ : هو سمن اللحم، قيل فيه أقاويل مختلفة في هذا، وفي الأول في قوله: ﴿ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ﴾ ، لكن ليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة؛ لأن تلك شريعة قد نسخت، والعمل بالمنسوخ حرام، فإذا لم يكن علينا العمل بذلك فليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة كان ذا أو ذا، وإنما علينا أن نعرف: لم كان ذلك التحريم عليهم؟

وبم كان تحريم هذه الأشياء عليهم؟

فهو - والله أعلم - ما ذكر في قوله: ﴿ فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ كَثِيراً...

﴾ الآية [النساء: 160] الآية، أخبر أن ما حرم عليهم من الطيبات؛ بظلمهم للذين ظلموا؛ ولذلك قال الله -  -: ﴿ ذٰلِكَ جَزَيْنَٰهُم بِبَغْيِهِمْ ﴾ .

أخبر أن ذلك جزاء بغيهم الذي بغوا.

والثاني: أنهم كانوا يدعون ويقولون: ﴿ نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ  ﴾ ، يقول: لو كنتم صادقين في زعمكم أنكم أبناء الله وأحباؤه، لكن لا أحد يعاقب ولده أو حبيبه بأدنى ظلم، ولا يحرم عليه الطيبات، فإذا كان الله حرم عليكم الطيبات، وجزاكم بتحريم أشياء؛ عقوبة لكم بظلمكم وبغيكم - ظهر أنكم كذبتم في دعاويكم، وافتريتم بذلك على الله.

وفيه دليل إثبات رسالة محمد ونبوته  لأنهم كانوا يحرمون هذه الأشياء فيما بينهم، ولا يقولون: إنهم ظلمة، وإن ما حرم عليهم [كان] بظلم كان منهم وبغى، ثم أخبرهم النبي  أن ما حرم عليهم من الطيبات إنما حرم بظلمهم وبغيهم؛ دل أنه إنما أخبر بذلك عن الله، وبه عرف ذلك؛ فدل أنه آية من آيات نبوته  ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكَ جَزَيْنَٰهُم بِبَغْيِهِمْ ﴾ .

أي: ذلك التحريم عقوبة لبغيهم وظلمهم.

﴿ وِإِنَّا لَصَٰدِقُونَ ﴾ \[أي: إنا لصادقون\] بالإنباء أن ذلك كان بظلمهم وبغيهم، أو إنا لصادقون في كل ما أخبرنا وأنبأنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ  ﴾ .

قال الحسن: فإن كذبوك فيما تدعوهم إليه وتأمرهم به: من التصديق، والتوحيد له، والربوبية فقل: ربكم ذو رحمة [واسعة] إذا رجعتم عن التكذيب، وصدقتم وعرفتم أنه واحد لا شريك له، يغفر لكم ما كان منكم في حال الكفر، ويكفر عنكم سيئاتكم التي كانت.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْمُجْرِمِينَ  ﴾ .

كأنه على التقديم والتأخير، [كأنه] يقول: فإن كذبوك فقل: ﴿ وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْمُجْرِمِينَ ﴾ .

ثم قل: ﴿ رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ ﴾ : يسع في رحمته العفو إذا تبتم.

وقال غيره من أهل التأويل: ﴿ فَإِن كَذَّبُوكَ ﴾ يا محمد حين أنبأتهم بما حرم الله عليهم بظلمهم وبغيهم، ﴿ فَقُلْ رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ ﴾ لا يهلك [أحداً] وقت ارتكابه المعصية، ولا يعذبه حالة ذلك، لكنه يؤخر، ﴿ وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُهُ ﴾ أي: عذابه إذا نزل بقوم مجرمين بجرمهم، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وحرَّمنا على اليهود ما لم تتفرَّق أصابعه كالإبل والنعام، وحرمنا عليهم شحوم البقر والغنم إلا ما علق بظهورهما، أو ما حملته الأمعاء، أو ما اختلط بعظم كالألية والجَنْب، وقد جازيناهم على ظلمهم بتحريم ذلك عليهم، وإنا لصادقون في كل ما نخبر به.

من فوائد الآيات في الآيات دليل على إثبات المناظرة في مسائل العلم، وإثبات القول بالنظر والقياس.

الوحي وما يستنبط منه هو الطريق لمعرفة الحلال والحرام.

إن من الظلم أن يُقْدِم أحد على الإفتاء في الدين ما لم يكن قد غلب على ظنه أنه يفتي بالصواب الذي يرضي الله.

من رحمة الله بعباده الإذن لهم في تناول المحرمات عند الاضطرار.

<div class="verse-tafsir" id="91.xXQml"

مزيد من التفاسير لسورة الأنعام

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله