الآية ١٤٩ من سورة الأنعام

الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ١٤٩ من سورة الأنعام

قُلْ فَلِلَّهِ ٱلْحُجَّةُ ٱلْبَـٰلِغَةُ ۖ فَلَوْ شَآءَ لَهَدَىٰكُمْ أَجْمَعِينَ ١٤٩

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 81 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٤٩ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٤٩ من سورة الأنعام عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله تعالى : ( قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين ) يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم : ( قل ) لهم - يا محمد : ( فلله الحجة البالغة ) أي : له الحكمة التامة ، والحجة البالغة في هداية من هدى ، وإضلال من أضل ، ( فلو شاء لهداكم أجمعين ) وكل ذلك بقدرته ومشيئته واختياره ، وهو مع ذلك يرضى عن المؤمنين ويبغض الكافرين ، كما قال تعالى : ( ولو شاء الله لجمعهم على الهدى ) [ الأنعام : 35 ] ، وقال تعالى : ( ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا ) [ يونس : 99 ] ، وقوله ( ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين ) [ هود : 118 ، 119 ] .

قال الضحاك : لا حجة لأحد عصى الله ، ولكن لله الحجة البالغة على عباده .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (149) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل، يا محمد، لهؤلاء العادلين بربهم الأوثان والأصنام, القائلين على ربهم الكذبَ، في تحريمهم ما حرموا من الحروث والأنعام, إن عجزوا عن إقامة الحجة عند قيلك لهم: " هل عندكم من علم بما تدعون على ربكم فتخرجوه لنا ", وعن إخراج علم ذلك لك وإظهاره, وهم لا شك عن ذلك عَجَزَة, وعن إظهاره مقصرون, لأنه باطل لا حقيقة له =(فلله)، الذي حرم عليكم أن تشركوا به شيئًا, وأن تتبعوا خطوات الشيطان في أموالكم من الحروث والأنعام =(الحجة البالغة)، دونكم أيها المشركون .

ويعني بـ" البالغة "، أنها تبلغ مراده في ثبوتها على مَنْ احتج بها عليه من خلقه, وقَطْعِ عُذْرِه إذا انتهت إليه فيما جُعِلت حجة فيه .

* * * =(فلو شاء لهداكم أجمعين)، يقول: فلو شاء ربكم لوفَّقكم أجمعين للإجماع على إفراده بالعبادة، والبراءة من الأنداد والآلهة، والدينونة بتحريم ما حرم الله وتحليل ما حلله الله, وترك اتباع خطوات الشيطان, وغير ذلك من طاعاته، ولكنه لم يشأ ذلك، فخالف بين خلقه فيما شاء منهم, فمنهم كافر ومنهم مؤمن .

* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل .

* ذكر من قال ذلك: 14132- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع بن أنس قال، لا حجة لأحد عصَى الله, ولكن لله الحجة البالغة على عباده .

وقال: (فلو شاء لهداكم أجمعين)، قال: لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ [سورة الأنبياء: 23] .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين [ ص: 117 ] قوله تعالى قل فلله الحجة البالغة أي التي تقطع عذر المحجوج ، وتزيل الشك عمن نظر فيها .

فحجته البالغة على هذا تبيينه أنه الواحد ، وإرساله الرسل والأنبياء ; فبين التوحيد بالنظر في المخلوقات ، وأيد الرسل بالمعجزات ، ولزم أمره كل مكلف .

فأما علمه وإرادته وكلامه فغيب لا يطلع عليه العبد ، إلا من ارتضى من رسول .

ويكفي في التكليف أن يكون العبد بحيث لو أراد أن يفعل ما أمر به لأمكنه .

وقد لبست المعتزلة بقوله : لو شاء الله ما أشركنا فقالوا : قد ذم الله هؤلاء الذين جعلوا شركهم عن مشيئته .

وتعلقهم بذلك باطل ; لأن الله تعالى إنما ذمهم على ترك اجتهادهم في طلب الحق .

وإنما قالوا ذلك على جهة الهزء واللعب .نظيره وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم .

ولو قالوه على جهة التعظيم والإجلال والمعرفة به لما عابهم ; لأن الله تعالى يقول : ولو شاء الله ما أشركوا .

وما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله .

ولو شاء لهداكم أجمعين .

ومثله كثير .

فالمؤمنون يقولونه لعلم منهم بالله تعالى .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ومنها: أن الحجة لله البالغة، التي لم تبق لأحد عذرا، التي اتفقت عليها الأنبياء والمرسلون، والكتب الإلهية، والآثار النبوية، والعقول الصحيحة، والفطر المستقيمة، والأخلاق القويمة، فعلم بذلك أن كل ما خالف هذه الأدلة القاطعة باطل، لأن نقيض الحق، لا يكون إلا باطلا.

ومنها: أن الله تعالى أعطى كل مخلوق، قدرة، وإرادة، يتمكن بها من فعل ما كلف به، فلا أوجب الله على أحد ما لا يقدر على فعله، ولا حرم على أحد ما لا يتمكن من تركه، فالاحتجاج بعد هذا بالقضاء والقدر، ظلم محض وعناد صرف.

ومنها: أن الله تعالى لم يجبر العباد على أفعالهم، بل جعل أفعالهم تبعا لاختيارهم، فإن شاءوا فعلوا، وإن شاءوا كفوا.

وهذا أمر مشاهد لا ينكره إلا من كابر، وأنكر المحسوسات، فإن كل أحد يفرق بين الحركة الاختيارية والحركة القسرية، وإن كان الجميع داخلا في مشيئة الله، ومندرجا تحت إرادته.

ومنها: أن المحتجين على المعاصي بالقضاء والقدر يتناقضون في ذلك.

فإنهم لا يمكنهم أن يطردوا ذلك، بل لو أساء إليهم مسيء بضرب أو أخذ مال أو نحو ذلك، واحتج بالقضاء والقدر لما قبلوا منه هذا الاحتجاج، ولغضبوا من ذلك أشد الغضب.

فيا عجبا كيف يحتجون به على معاصي الله ومساخطه.

ولا يرضون من أحد أن يحتج به في مقابلة مساخطهم؟" ومنها: أن احتجاجهم بالقضاء والقدر ليس مقصودا، ويعلمون أنه ليس بحجة، وإنما المقصود منه دفع الحق، ويرون أن الحق بمنزلة الصائل، فهم يدفعونه بكل ما يخطر ببالهم من الكلام وإن كانوا يعتقدونه خطأ

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( قل فلله الحجة البالغة ) التامة على خلقه بالكتاب والرسول والبيان ، ( فلو شاء لهداكم أجمعين ) فهذا يدل على أنه لم يشأ إيمان الكافر ، ولو شاء لهداه .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قل» إن لم يكن لكم حجة «فللَّه الحجة البالغة» التامة «فلو شاء» هدايتكم «لهداكم أجمعين».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قل -أيها الرسول- لهم: فلله جل وعلا الحجة القاطعة التي يقطع بها ظنونكم، فلو شاء لوفَّقكم جميعًا إلى طريق الاستقامة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد أن نفى - سبحانه - عنهم أدنى ما يقال له علم وحصر ما هم عليه من دين فى أدنى مراتب الظن مع أن أعلاها لا يغنى من الحق شيئاً ، ووصمهم بالكذب فيما يدعونه ، بعد كل ذلك أثبت لذاته - سبحانه - فى مقابلة ذلك الحجة العليا التى لا تعلوها حجة فقال :{ قُلْ فَلِلَّهِ الحجة البالغة فَلَوْ شَآءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ } .الحجة : كما قال الراغب فى مفرداته : الدلالة المبينة للمحجة ، أى : المقصد المستقيم .أى : قل أيها الرسول الكريم لهؤلاء المشركين الذين بنوا قواعد دينهم على الظن والكذب بعد أن عجزوا عن الإثبات بأدنى دليل على مزاعمهم ، قل لهم : لله وحده الحجة البالغة .

أى البينة الواضحة التى بلغت أعلى درجات العلم والقوة والمتانة ، والتى وصلت إلى أعلى درجات الكمال فى قطع عذر المحجوج وإزالة الشكوك عمن تدبرها وتأملها .وقوله .

{ فَلَوْ شَآءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ } أى : لو شاء - سبحانه - هدايتكم جميعا لفعل؛ لأنه لا يعجزه شىء ، ولكنه لم يشأ ذلك ، بل شاء هداية البعض لأنهم صرفوا اختيارهم إلى سلوك طريق الحق ، وشاء ضلالة آخرين ، لأنهم صرفوا اختيارهم إلى سلوك طريق الباطل .ونريد أن نزيد هذه الشبهة القديمة الحديثة تمحيصا وكشفا ودفعا فنقول لأولئك الذين يبررون ارتكابهم للموبقات بأنها واقعة بمشيئة الله .نحن معكم فى أنه لا يقع فى ملكه - سبحانه - هدايتكم جميعا لفعل؛ لأنه لا يعجزه شىء ، ولكنه لم يشأ ذلك ، بل شاء هداية البعض لأنهم صرفوا اختيارهم إلى سلوك طريق الحق ، وشاء ضلالة آخرين ، لأنهم صرفوا اختيارهم إلى سلوك طريق الباطل .ونريد أن نزيد هذه الشبهة القديمة الحديثة تمحيصا وكشفا ودفعا فنقول لأولئك الذين يبررون ارتكابهم للموبقات بأنها واقعة بمشيئة الله .نحن معكم فى أنه لا يقع فى ملكه - سبحانه - إلا ما يشاؤه ، فالطائع تحت المشيئة والعاصى تحت المشيئة ، ولكن المشيئة لم تجبر أحدا على طاعة أو معصية وقضاء الله وقدره هو علمه بكل ما هو كائن قبل أن يكون ، وليس العلم صفة تأثير وجبر .ولقد شاء الله - تعالى - أن يجعل فى طبيعة البشر الاستعداد للخير والشر ، ووهبهم العقل ليهتدوا به وأرسل إليهم الرسل لينموا فيهم استعدادهم وسن لهم شريعة لتكون مقياساً ثابتا لما يأخذون وما يدعون ، كى لا يتركهم لعقولهم وحدها .وإذن مشيئة الله متحققة حسب سنته التى ارتضاها مختارا - وهو قادر على اختيار غيرها وعلى تغييرها وتبديلها - متحققة سواء اتخذ العبد طريقه إلى الهدى أو إلى الضلال ، وهو مؤاخذ إن ضل ومأجور إذا اهتدى .غير أن سنة الله اقتضدت أن من يفتح عينه يبصر النور ، ومن يغمضها لا يراه ، كذلك من يفتح قلبه لإدراك دلائل الإيمان يهتدى .

ومن يحجب قلبه عنها يضل ، سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلا .وإذن فزعم الزاعمين بأن الله شاء هذا على معنى أنه أجبرهم عليه فهم لا يستطيعون عنه فكاكا ، إنما هو زعم باطل لا سند له من العلم والتفكير الصحيح فإن المشيئة الإلهية لها سنة تقيدت بها ، وهذه السنة هى أنه لا جبر على طاعة ولا قسر على معصية .وتقرير ذلك يؤخذ من قوله - تعالى - { قُلْ فَلِلَّهِ الحجة البالغة فَلَوْ شَآءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ } أى : فلو شاء أن يكرهكم ويفرض هدايتكم بقدرته وقدره لهداكم ، ولكنه لم يشأ إجباركم على الضلالة ، فهى مشيئة المنح والتيسير وليست مشيئة الإلجاء والتسخير قال - تعالى - { فَأَمَّا مَنْ أعطى واتقى وَصَدَّقَ بالحسنى فَسَنُيَسِّرُهُ لليسرى وَأَمَّا مَن بَخِلَ واستغنى وَكَذَّبَ بالحسنى فَسَنُيَسِّرُهُ للعسرى }

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما حكى عن أهل الجاهلية إقدامهم على الحكم في دين الله بغير حجة ولا دليل، حكى عنهم عذرهم في كل ما يقدمون عليه من الكفريات، فيقولون: لو شاء الله منا أن لا نكفر لمنعنا عن هذا الكفر، وحيث لم يمنعنا عنه، ثبت أنه مريد لذلك فإذا أراد الله ذلك منا امتنع منا تركه فكنا معذورين فيه، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن المعتزلة زعموا أن هذه الآية تدل على قولهم في مسألة إرادة الكائنات من سبعة أوجه: فالوجه الأول: أنه تعالى حكى عن الكفار صريح قول المجبرة وهو قولهم: لو شاء الله منا أن لا نشرك لم نشرك، وإنما حكى عنهم هذا القول في معرض الذم والتقبيح، فوجب كون هذا المذهب مذموماً باطلاً.

والوجه الثاني: أنه تعالى قال: ﴿ كَذَّبَ ﴾ وفيه قراءتان بالتخفيف وبالتثقيل.

أما القراءة بالتخفيف فهي تصريح بأنهم قد كذبوا في ذلك القول، وذلك يدل على أن الذي تقوله المجبرة في هذه المسألة كذب.

وأما القراءة بالتشديد، فلا يمكن حملها على أن القوم استوجبوا الذم بسبب أنهم كذبوا أهل المذاهب، لأنا لو حملنا الآية عليه لكان هذا المعنى ضداً لمعنى الذي يدل عليه قراءة ﴿ كَذَّبَ ﴾ بالتخفيف، وحينئذ تصير إحدى القراءتين ضداً للقراءة الأخرى، وذلك يوجب دخول التناقض في كلام الله تعالى، وإذا بطل ذلك وجب حمله على أن المراد منه أن كل من كذب نبياً من الأنبياء في الزمان المتقدم، فإنه كذبه بهذا الطريق، لأنه يقول الكل بمشيئة الله تعالى، فهذا الذي أنا عليه من الكفر، إنما حصل بمشيئة الله تعالى، فلم يمنعني منه، فهذا طريق متعين لكل الكفار المتقدمين والمتأخرين في تكذيب الأنبياء، وفي دفع دعوتهم عن أنفسهم، فإذا حملنا الآية على هذا الوجه صارت القراءة بالتشديد مؤكدة للقراءة بالتخفيف ويصير مجموع القراءتين دالاً على إبطال قول المجبرة.

الوجه الثالث: في دلالة الآية على قولنا قوله تعالى: ﴿ حتى ذَاقُواْ بَأْسَنَا ﴾ وذلك يدل على أنهم استوجبوا الوعيد من الله تعالى في ذهابهم إلى هذا المذهب.

الوجه الرابع: قوله تعالى: ﴿ قُلْ هَلْ عِندَكُم مّنْ عِلْمٍ فتخرجوه لَنَا ﴾ ولا شك أنه استفهام على سبيل الإنكار، وذلك يدل على أن القائلين بهذا القول ليس لهم به علم ولا حجة، وهذا يدل على فساد هذا المذهب، لأن كل ما كان حقاً كان القول به علماً.

الوجه الخامس: قوله تعالى: ﴿ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظن ﴾ مع أنه تعالى قال في سائر الآيات: ﴿ إَنَّ الظن لاَ يُغْنِى مِنَ الحق شَيْئًا  ﴾ .

والوجه السادس: قوله تعالى: ﴿ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ ﴾ والخرص أقبح أنواع الكذب، وأيضاً قال تعالى: ﴿ قُتِلَ الخارصون  ﴾ .

والوجه السابع: قوله تعالى: ﴿ قُلْ فَلِلَّهِ الحجة البالغة ﴾ وتقريره: أنهم احتجوا في دفع دعوة الأنبياء والرسل على أنفسهم بأن قالوا: كل ما حصل فهو بمشيئة الله تعالى، وإذا شاء الله منا ذلك، فكيف يمكننا تركه؟

وإذا كنا عاجزين عن تركه، فكيف يأمرنا بتركه؟

وهل في وسعنا وطاقتنا أن نأتي بفعل على خلاف مشيئة الله تعالى؟

فهذا هو حجة الكفار على الأنبياء، فقال تعالى: ﴿ قُلْ فَلِلَّهِ الحجة البالغة ﴾ وذلك من وجهين: الوجه الأول: أنه تعالى أعطاكم عقولاً كاملة، وأفهاماً وافية، وآذاناً سامعة، وعيوناً باصرة، وأقدركم على الخير والشر، وأزال الأعذار والموانع بالكلية عنكم، فإن شئتم ذهبتم إلى عمل الخيرات، وإن شئتم إلى عمل المعاصي والمنكرات، وهذه القدرة والمكنة معلومة الثبوت بالضرورة، وزوال الموانع والعوائق معلوم الثبوت أيضاً بالضرورة، وإذا كان الأمر كذلك كان ادعاؤكم أنكم عاجزون عن الإيمان والطاعة دعوى باطلة فثبت بما ذكرنا أنه ليس لكم على الله حجة بالغة!

بل لله الحجة البالغة عليكم.

والوجه الثاني: أنكم تقولون: لو كانت أفعالنا واقعة على خلاف مشيئة الله تعالى، لكنا قد غلبنا الله وقهرناه، وأتينا بالفعل على مضادته ومخالفته، وذلك يوجب كونه عاجزاً ضعيفاً، وذلك يقدح في كونه إلهاً.

فأجاب تعالى عنه: بأن العجز والضعف إنما يلزم إذا لم أكن قادراً على حملهم على الإيمان والطاعة على سبيل القهر والإلجاء، وأنا قادر على ذلك وهو المراد من قوله: ﴿ وَلَوْ شَآءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ إلا أني لا أحملكم على الإيمان والطاعة على سبيل القهر والإلجاء، لأن ذلك يبطل الحكمة المطلوبة من التكليف، فثبت بهذا البيان أن الذي يقولونه من أنا لو أتينا بعمل على خلاف مشيئة الله، فإنه يلزم منه كونه تعالى عاجزاً ضعيفاً، كلام باطل فهذا أقصى ما يمكن أن يذكر في تمسك المعتزلة بهذه الآية.

والجواب المعتمد في هذا الباب أن نقول: إنا بينا أن هذه السورة من أولها إلى آخرها تدل على صحة قولنا ومذهبنا، ونقلنا في كل آية ما يذكرونه من التأويلات وأجبنا عنها بأجوبة واضحة قوية مؤكدة بالدلائل العقلية القاطعة.

وإذا ثبت هذا، فلو كان المراد من هذه الآية ما ذكرتم، لوقع التناقض الصريح في كتاب الله تعالى فإنه يوجب أعظم أنواع الطعن فيه.

إذا ثبت هذا فنقول: إنه تعالى حكى عن القوم أنهم قالوا: ﴿ لَوْ شَاء الله مَا أَشْرَكْنَا ﴾ ثم ذكر عقيبه ﴿ كذلك كَذَّبَ الذين مِن قَبْلِهِمْ ﴾ فهذا يدل على أن القوم قالوا لما كان الكل بمشيئة الله تعالى وتقديره، كان التكليف عبثاً، فكانت دعوى الأنبياء باطلة، ونبوتهم ورسالتهم باطلة، ثم إنه تعالى بين أن التمسك بهذا الطريق في إبطال النبوة باطل، وذلك لأنه إله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، ولا اعتراض عليه لأحد في فعله، فهو تعالى يشاء الكفر من الكافر، ومع هذا فيبعث إليه الأنبياء ويأمره بالإيمان، وورود الأمر على خلاف الإرادة غير ممتنع.

فالحاصل: أنه تعالى حكى عن الكفار أنهم يتمسكون بمشيئة الله تعالى في إبطال نبوة الأنبياء، ثم إنه تعالى بين أن هذا الاستدلال فاسد باطل، فإنه لا يلزم من ثبوت المشيئة لله في كل الأمور دفع دعوة الأنبياء، وعلى هذا الطريق فقط سقط هذا الاستدلال بالكلية، وجميع الوجوه التي ذكرتموها في التقبيح والتهجين عائد إلى تمسككم بثبوت المشيئة لله على دفع دعوة الأنبياء، فيكون الحاصل: أن هذا الاستدلال باطل، وليس فيه البتة ما يدل على أن القول بالمشية باطل.

فإن قالوا: هذا العذر إنما يستقيم إذ قرأنا قوله تعالى: ﴿ كذلك كَذَّبَ ﴾ بالتشديد.

وأما إذا قرأناه بالتخفيف، فإنه يسقط هذا العذر بالكلية فنقول فيه وجهان.

الأول: أنا نمنع صحة هذه القراءة، والدليل عليه أنا بينا أن هذه السورة من أولها إلى آخرها تدل على قولنا: فلو كانت هذه الآية دالة على قولهم، لوقع التناقض، ولخرج القرآن عن كونه كلاماً لله تعالى، ويندفع هذا التناقض بأن لا تقبل هذه القراءة، فوجب المصير إليه.

الثاني: سلمنا صحة هذه القراءة لكنا نحملها على أن القوم كذبوا في أنه يلزم من ثبوت مشيئة الله تعالى في كل أفعال العباد سقوط نبوة الأنبياء وبطلان دعوتهم، وإذا حملناه على هذا الوجه لم يبق للمعتزلة بهذه الآية تمسك البتة، والحمد لله الذي أعاننا على الخروج من هذه العهدة القوية، ومما يقوي ما ذكرناه ما روي أن ابن عباس قيل له بعد ذهاب بصره ما تقول فيمن يقول: لا قدر، فقال إن كان في البيت أحد منهم أتيت عليه ويله أما يقرأ ﴿ إِنَّا كُلَّ شَيء خلقناه بِقَدَرٍ  ﴾ ﴿ إِنَّا نَحْنُ نُحْىِ الموتى وَنَكْتُبُ مَاَ قَدَّمُواْ وَءاثَارَهُمْ  ﴾ وقال ابن عباس: أول ما خلق الله القلم، قال له اكتب القدر، فجرى بما يكون إلى قيام الساعة، وقال صلوات الله عليه: «المكذبون بالقدر مجوس هذه الأمة».

المسألة الثانية: زعم سيبويه أن عطف الظاهر على المضمر المرفوع في الفعل قبيح، فلا يجوز أن يقال: قمت وزيد، وذلك لأن المعطوف عليه أصل، والمعطوف فرع، والمضمر ضعيف، والمظهر قوي، وجعل القوي فرعاً للضعيف، لا يجوز.

إذا عرفت هذا الأصل فنقول: إن جاء الكلام في جانب الإثبات، وجب تأكيد الضمير فنقول: قمت أنا وزيد، وإن جاء في جانب النفي قلت ما قمت ولا زيد.

إذا ثبت هذا فنقول قوله: ﴿ لَوْ شَاء الله مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا ﴾ فعطف قوله: ﴿ وَلاَ آبَاؤُنَا ﴾ على الضمير في قوله: ﴿ مَا أَشْرَكْنَا ﴾ إلا أنه تخلل بينهما كلمة لا فلا جرم حسن هذا العطف.

قال في جامع الأصفهاني: إن حرف العطف يجب أن يكون متأخراً عن اللفظة المؤكدة للضمير حتى يحسن العطف ويندفع المحذور المذكور من عطف القوي على الضعيف، وهذا المقصود إنما يحصل إذا قلنا: ﴿ مَا أَشْرَكْنَا نَّحْنُ وَلا ءآبَاؤُنَا ﴾ حتى تكون كلمة ﴿ لا ﴾ مقدمة على حرف العطف.

أما هاهنا حرف العطف مقدم على كلمة ﴿ لا ﴾ وحينئذ يعود المحذور المذكور.

فالجواب: أن كلمة ﴿ لا ﴾ لما أدخلت على قوله: ﴿ ءآبَاؤُنَا ﴾ كان ذلك موجباً إضمار فعل هناك، لأن صرف النفي إلى ذوات الآباء محال، بل يجب صرف هذا النفي إلى فعل يصدر منهم، وذلك هو الإشراك، فكان التقدير: ما أشركنا ولا أشرك آباؤنا، وعلى هذا التقدير فالإشكال زائل.

المسألة الثالثة: احتج أصحابنا على قولهم الكل بمشيئة الله تعالى بقوله: ﴿ فَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ فكلمة لو في اللغة تفيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره، فدل هذا على أنه تعالى ما شاء أن يهديهم، وما هداهم أيضاً.

وتقريره بحسب الدليل العقلي، أن قدرة الكافر على الكفر إن لم تكن قدرة على الإيمان فالله تعالى على هذا التقدير ما أقدره على الإيمان، فلو شاء الإيمان منه، فقد شاء الفعل من غير قدرة على الفعل، وذلك محال ومشيئة المحال محال، وإن كانت القدرة على الكفر قدرة على الإيمان توقف رجحان أحد الطرفين على حصول الداعية المرجحة.

فإن قلنا: إنه تعالى خلق تلك الداعية فقد حصلت الداعية المرجحة مع القدرة، ومجموعهما موجب للفعل، فحيث لم يحصل الفعل علمنا أن تلك الداعية لم تحصل، وإذا لم تحصل امتنع منه فعل الإيمان، وإذا امتنع ذلك منه، امتنع أن يريده الله منه، لأن إرادة المحال محال ممتنع، فثبت أن ظاهر القرآن دل على أنه تعالى ما أراد الإيمان من الكافر، والبرهان العقلي الذي قررناه يدل عليه أيضاً، فبطل قولهم من كل الوجوه، وأما قوله: تحمل هذه الآية على مشيئة الإلجاء فنقول: هذا التأويل إنما يحسن المصير إليه لو ثبت بالبرهان العقلي امتناع الحمل على ظاهر هذا الكلام، أما لو قام البرهان العقلي على أن الحق ليس إلا ما دل عليه هذا الظاهر، فكيف يصار إليه؟

ثم نقول: هذا الدليل باطل من وجوه: الأول: أن هذا الكلام لابد فيه من إضمار، فنحن نقول: التقدير: لو شاء الهداية لهداكم، وأنتم تقولون التقدير: لو شاء الهداية على سبيل الإلجاء لهداكم، فإضماركم أكثر فكان قولكم مرجوحاً.

الثاني: أنه تعالى يريد من الكافر الإيمان الاختياري، والإيمان الحاصل بالإلجاء غير الإيمان الحاصل بالاختيار، وعلى هذا التقدير يلزم كونه تعالى عاجزاً عن تحصيل مراده، لأن مراده هو الإيمان الاختياري، وأنه لا يقدر البتة على تحصيله، فكان القول بالعجز لازماً.

الثالث: أن هذا الكلام موقوف على الفرق بين الإيمان الحاصل بالاختيار، وبين الإيمان الحاصل بالإلجاء.

أما الإيمان الحاصل بالاختيار.

فإنه يمتنع حصوله إلا عند حصول داعية جازمة، وإرادة لازمة فإن الداعية التي يترتب عليها حصول الفعل، إما أن تكون بحيث يجب ترتب الفعل عليها أو لا يجب.

فإن وجب فهي الداعية الضرورية، وحينئذ لا يبقى بينها وبين الداعية الحاصلة بالإلجاء فرق وإن لم تجب ترتب الفعل عليها، فحينئذ يمكن تخلف الفعل عنها، فلنفرض تارة ذلك الفعل متخلفاً عنها، وتارة غير متخلف، فامتياز أحد الوقتين عن الآخر لابد وأن يكون لمرجح زائد فالحاصل قبل ذلك ما كان تمام الداعية، وقد فرضناه كذلك، وهذا خلف، ثم عند انضمام هذا القيد الزائد إن وجب الفعل لم يبق بينه وبين الضرورية فرق، وإن لم يجب افتقر إلى قيد زائد ولزم التسلسل، وهو محال فثبت أن الفرق الذي ذكروه بين الداعية الاختيارية وبين الداعية الضرورية وإن كان في الظاهر معتبراً، إلا أنه عند التحقيق والبحث لا يبقى له محصول.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ سَيَقُولُ الذين أَشْرَكُواْ ﴾ إخبار بما سوف يقولونه ولما قالوه قال: ﴿ وَقَالَ الذين أَشْرَكُواْ لَوْ شَآء الله مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْء ﴾ [النحل: 35] يعنون بكفرهم وتمردهم أن شركهم وشرك آبائهم، وتحريمهم ما أحلّ الله، بمشيئة الله وإرادته.

ولولا مشيئته لم يكن شيء من ذلك، كمذهب المجبرة بعينه ﴿ كذلك كَذَّبَ الذين مِن قَبْلِهِمْ ﴾ أي جاءوا بالتكذيب المطلق؛ لأن الله عزّ وجلّ ركب في العقول وأنزل في الكتب ما دلّ على غناه وبراءته من مشيئة القبائح وإرادتها، والرسل أخبروا بذلك.

فمن علق وجود القبائح من الكفر والمعاصي بمشيئة الله وإرادته فقد كذب التكذيب كله، وهو تكذيب الله وكتبه ورسله، ونبذ أدلة العقل والسمع وراء ظهره ﴿ حتى ذَاقُواْ بَأْسَنَا ﴾ حتى أنزلنا عليهم العذاب بتكذيبهم ﴿ قُلْ هَلْ عِندَكُم مّنْ عِلْمٍ ﴾ من أمر معلوم يصحّ الاحتجاج به فيما قلتم ﴿ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا ﴾ وهذا من التهكم، والشهادة بأن مثل قولهم محال أن يكون له حجة ﴿ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظن ﴾ في قولكم هذا ﴿ وَإِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُونَ ﴾ تقدّرون أن الأمر كما تزعمون أو تكذبون.

وقرئ: ﴿ كذلك كذب الذين من قبلهم ﴾ بالتخفيف ﴿ قُلْ فَلِلَّهِ الحجة البالغة ﴾ يعني فإن كان الأمر كما زعمتم أن ما أنتم عليه بمشيئة الله فللَّهِ الحجة البالغة عليكم على قود مذهبكم ﴿ فَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ منكم ومن مخالفيكم في الدين، فإن تعليقكم دينكم بمشيئة الله يقتضي أن تعلقوا دين من يخالفكم أيضاً بمشيئته، فتوالوهم ولا تعادوهم، وتوافقوهم ولا تخالفوهم، لأنّ المشيئة تجمع بين ما أنتم عليه وبين ما هم عليه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قُلْ فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البالِغَةُ ﴾ البَيِّنَةُ الواضِحَةُ الَّتِي بَلَغَتْ غايَةَ المَتانَةِ والقُوَّةِ عَلى الإثْباتِ، أوْ بَلَغَ بِها صاحِبُها صِحَّةَ دَعْواهُ وهي مِنَ الحَجِّ بِمَعْنى القَصْدِ كَأنَّها تَقْصِدُ إثْباتَ الحُكْمِ وتَطْلُبُهُ.

﴿ فَلَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ ﴾ بِالتَّوْفِيقِ لَها والحَمْلِ عَلَيْها ولَكِنْ شاءَ هِدايَةَ قَوْمٍ وضَلالَ آخَرِينَ.

﴿ قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ ﴾ أحْضِرُوهُمْ، وهو اسْمُ فِعْلٍ لا يَتَصَرَّفُ عِنْدَ أهْلِ الحِجازِ، وفِعْلٌ يُؤَنَّثُ ويُجْمَعُ عِنْدَ بَنِي تَمِيمٍ وأصْلُهُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ: ها لِمَ مَن لَمْ إذا قُصِدَ حُذِفَتِ الألِفُ لِتَقْدِيرِ السُّكُونِ في اللّامِ فَإنَّهُ الأصْلُ، وعِنْدَ الكُوفِيِّينَ هَلْ أمْ فَحُذِفَتِ الهَمْزَةُ بِإلْقاءِ حَرَكَتِها عَلى اللّامِ، وهو بَعِيدٌ لِأنَّ هَلْ لا تَدْخُلُ الأمْرَ ويَكُونُ مُتَعَدِّيًا كَما في الآيَةِ ولازِمًا كَقَوْلِهِ هَلُمَّ إلَيْنا.

﴿ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذا ﴾ يَعْنِي قُدْوَتَهم فِيهِ اسْتَحْضَرَهم لِيُلْزِمَهُمُ الحُجَّةَ ويُظْهِرَ بِانْقِطاعِهِمْ ضَلالَتَهم وأنَّهُ لا مُتَمَسِّكَ لَهم كَمَن يُقَلِّدُهُمْ، ولِذَلِكَ قَيَّدَ الشُّهَداءَ بِالإضافَةِ ووَصَفَهم بِما يَقْتَضِي العَهْدُ بِهِمْ.

﴿ فَإنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ ﴾ فَلا تُصَدِّقْهم فِيهِ وبَيِّنْ لَهم فَسادَهُ فَإنَّ تَسْلِيمَهُ مُوافَقَةٌ لَهم في الشَّهادَةِ الباطِلَةِ.

﴿ وَلا تَتَّبِعْ أهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا ﴾ مِن وضْعِ المُظْهَرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ مُكَذِّبَ الآياتِ مُتَّبِعُ الهَوى لا غَيْرَ، وأنَّ مُتَّبِعَ الحُجَّةِ لا يَكُونُ إلّا مُصَدِّقًا بِها.

﴿ والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ ﴾ كَعَبَدَةِ الأوْثانِ.

﴿ وَهم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ﴾ يَجْعَلُونَ لَهُ عَدِيلًا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩)

{قُلْ فَلِلَّهِ الحجة البالغة} عليكم بأوامره ونواهيه ولا حجة لكم على الله بمشيئته {فَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} أي فلو شاء هدايتكم وبه تبطل صولة المعتزلة

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قُلْ فَلِلَّهِ ﴾ خاصَّةً ﴿ الحُجَّةُ البالِغَةُ ﴾ أيِ البَيِّنَةُ الواضِحَةُ الَّتِي بَلَغَتْ غايَةَ المَتانَةِ والقُوَّةِ عَلى الإثْباتِ أوْ بَلَغَ بِها صاحِبُها صِحَّةَ دَعَواهُ كَعِيشَةٍ راضِيَةٍ والمُرادُ بِها في المَشْهُورِ الكِتابُ والرَّسُولُ والبَيانُ وقالَ شَيْخُ مَشايِخِنا الكُورانِيُّ: ﴿ الحُجَّةُ البالِغَةُ ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ العِلْمَ تابِعٌ لِلْمَعْلُومِ وأنَّ إرادَةَ اللَّهِ تَعالى مُتَعَلِّقَةٌ بِإظْهارِ ما اقْتَضاهُ اسْتِعْدادُ المَعْلُومِ في نَفْسِهِ مُراعاةً لِلْحِكْمَةِ جُودًا ورَحْمَةً لا وُجُوبًا وهي مِنَ الحَجِّ بِمَعْنى القَصْدِ كَأنَّها يُقْصَدُ بِها إثْباتُ الحُكْمِ وتَطَلُّبُهُ أوْ بِمَعْنى الغَلَبَةِ وهو المَشْهُورُ والفاءُ جَوابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ أيْ إذا ظَهَرَ أنْ لا حُجَّةَ لَكم قُلْ فَلِلَّهِ الحُجَّةُ ﴿ فَلَوْ شاءَ ﴾ هِدايَتَكم جَمِيعًا ﴿ لَهَداكم أجْمَعِينَ ﴾ (149) بِالتَّوْفِيقِ لَها والحَمْلِ عَلَيْها ولَكِنْ شاءَ هِدايَةَ البَعْضِ الصّارِفِينَ اخْتِيارَهم إلى سُلُوكِ طَرِيقِ الحَقِّ وضَلالَ آخَرِينَ صَرَفُوهُ إلى خِلافِ ذَلِكَ.

وقالَ الكُورانِيُّ: المُرادُ لَكِنَّهُ لَمْ يَشَأْ إذْ لَمْ يَعْلَمْ أنَّ لَكم هِدايَةً يَقْتَضِيها اسْتِعْدادُكم بَلِ المَعْلُومُ لَهُ عَدَمُ هِدايَتِكم وهو مُقْتَضى اسْتِعْدادِكُمُ الأزَلِيِّ الغَيْرِ المَجْعُولِ وهَذا تَحْقِيقٌ لِلْحَقِّ ولا يُنافِي ما في صَدْرِ الآيَةِ لِما عَلِمْتَ مِن مُرادِهِمْ بِهِ وفائِدَةُ إرْسالِ الرُّسُلِ عَلى القَوْلِ بِالِاسْتِعْدادِ تَحْرِيكُ الدَّواعِيَ لِلْفِعْلِ والتَّرْكُ بِاخْتِيارِ المُكَلَّفِ النّاشِئِ مِن ذَلِكَ الِاسْتِعْدادِ وقَطْعُ اعْتِذارِ الظّالِمِينَ وقَدْ أشَرْنا إلى ذَلِكَ مِن قَبْلُ فَتَذَكَّرْ وذَكَرَ ابْنُ المُنِيرِ وجْهًا آخَرَ في تَوْجِيهِ ما في الآيَةِ وهو أنَّ الرَّدَّ عَلَيْهِمُ إنَّما كانَ لِاعْتِقادِهِمْ أنَّهم مَسْلُوبُونَ اخْتِيارَهم وقُدْرَتَهم وأنَّ إشْراكَهم إنَّما صَدَرَ مِنهم عَلى وجْهِ الِاضْطِرارِ وزَعَمُوا أنَّهم يُقِيمُونَ الحُجَّةَ عَلى اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِذَلِكَ فَرَدَّ اللَّهُ تَعالى قَوْلَهم في دَعْواهم عَدَمَ الِاخْتِيارِ لِأنْفُسِهِمْ وشُبْهَتُهم بِمَنِ اغْتَرَّ قَبْلَهم بِهَذا الخَيالِ فَكَذَّبَ الرُّسُلَ وأشْرَكَ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ واعْتَمَدَ عَلى أنَّهُ إنَّما يَفْعَلُ ذَلِكَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى ورامَ إفْحامَ الرُّسُلِ بِهَذِهِ الشُّبْهَةِ ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهم لا حُجَّةَ لَهم في ذَلِكَ وأنَّ الحُجَّةَ البالِغَةَ لَهُ جَلَّ وعَلا لا لَهم ثُمَّ أوْضَحَ سُبْحانَهُ أنَّ كُلَّ واقِعٍ واقِعٌ بِمَشِيئَتِهِ وأنَّهُ لَمْ يَشَأْ مِنهُمُ إلّا ما صَدَرَ عَنْهم وأنَّهُ تَعالى لَوْ شاءَ مِنهُمُ الهِدايَةَ لاهْتَدَوْا أجْمَعُونَ.

والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ أنْ يَتَمَحَّضَ وجْهُ الرَّدِّ عَلَيْهِمْ ويَتَخَلَّصَ عَقِيدَةُ نُفُوذِ المَشِيئَةِ وعُمُومُ تَعَلُّقِها بِكُلِّ كائِنٍ عَنِ الرَّدِّ ويَنْصَرِفَ الرَّدُّ إلى دَعْواهم سَلْبَ الِاخْتِيارِ لِأنْفُسِهِمْ وأنَّ إقامَتَهُمُ الحُجَّةَ بِذَلِكَ خاصَّةٌ وإذا تَدَبَّرْتَ الآيَةَ وجَدْتَ صَدْرَها دافِعًا بِصُدُورِ الجَبْرِيَّةِ وعَجْزَها مُعْجِزًا لِلْمُعْتَزِلَةِ إذِ الأوَّلُ مُثْبِتٌ أنَّ لِلْعَبْدِ اخْتِيارًا وقُدْرَةً عَلى وجْهٍ يَقْطَعُ حُجَّتَهُ وعُذْرَهُ في المُخالَفَةِ والعِصْيانِ والثّانِي مُثْبِتٌ نُفُوذَ مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى في العَبْدِ وأنَّ جَمِيعَ أفْعالِهِ عَلى وفْقِ المَشِيئَةِ الإلَهِيَّةِ وبِذَلِكَ تَقُومُ الحُجَّةُ البالِغَةُ لِأهْلِ السُّنَّةِ عَلى المُعْتَزِلَةِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.

ووَجَّهَ القُطْبُ الآيَةَ بِأنَّ مُرادَهم رَدُّ دَعْوَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلى مَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى شاءَ شِرْكَنا وأرادَهُ مِنّا وأنْتُمْ تُخالِفُونَ إرادَتَهُ حَيْثُ تَدْعُونا إلى الإيمانِ فَوَبَّخَهم سُبْحانَهُ بِوُجُوهٍ عَدَّ مِنها قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البالِغَةُ ﴾ فَإنَّهُ بِتَقْدِيرِ الشَّرْطِ أيْ إذا كانَ الأمْرُ كَما زَعَمْتُمْ فَلِلَّهِ الحُجَّةُ.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ فَلَوْ شاءَ ﴾ ..

إلَخْ.

بَدَلٌ مِنهُ عَلى سَبِيلِ البَيانِ أيْ لَوْ شاءَ لَدَلَّ كُلًّا مِنكم ومِن مُخالِفِيكم عَلى دِينِهِ فَلَوْ كانَ الأمْرُ كَما تَزْعُمُونَ لَكانَ الإسْلامُ أيْضًا بِالمَشِيئَةِ فَيَجِبُ أنْ لا تَمْنَعُوا المُسْلِمِينَ مِنَ الإسْلامِ كَما وجَبَ بِزَعْمِكم أنْ لا يَمْنَعَكُمُ الأنْبِياءُ عَنِ الشِّرْكِ فَيَلْزَمَكم أنْ لا يَكُونَ بَيْنَكم وبَيْنَ المُسْلِمِينَ مُخالَفَةٌ ومُعاداةٌ بَلْ مُوافَقَةٌ ومُوالاةٌ ثُمَّ قالَ: ورُبَّما يُوَجَّهُ هَذا الِاحْتِجاجُ بِأنَّ ما خالَفَ مَذْهَبَكم مِنَ النِّحَلِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ عِنْدَكم حَقًّا لِأنَّهُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى فَيَلْزَمُ تَصْحِيحُ الأدْيانِ المُتَناقِضَةِ وفِيهِ مَنعٌ لِأنَّ الصِّحَّةَ إنَّما تَكُونُ بِالجَرَيانِ عَلى مَنهَجِ الشَّرْعِ ولا يَلْزَمُ مِن تَعْلِيقِ مَشِيئَتِهِ تَعالى بِشَيْءٍ جَرَيانُ ذَلِكَ عَلَيْهِ ولا يَخْفى أنَّ التَّوْجِيهَ الأوَّلَ كَهَذا التَّوْجِيهِ لا يَخْلُو عَنْ دَغْدَغَةٍ فَتَدَبَّرْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا مع الله لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا يعني: ولا أشرك آباؤنا، ولكن شاء لنا ذلك وأمرنا به وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ أي: من هذه الأشياء.

ويقال: مذهبهم مذهب الجبرية.

قال الله تعالى: كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ يعني: الأمم الخالية كذبوا رسلهم كما كذبك قومك.

وإنما كذبهم الله لأنهم قالوا ذلك على وجه السخرية لا على وجه التحقيق كما قال المنافقون: نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ الله فكذبهم الله في مقالتهم، لأنهم قالوا على وجه السخرية.

ثم قال: حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا يعني: الأمم الخالية أتاهم عذابنا فهذا تهديد لهم ليعتبروا.

ثم قال: قُلْ يا محمد لهم قل: هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ يعني: بيان من الله فَتُخْرِجُوهُ لَنا فبينوه لنا بتحريم هذه الأشياء التي كانوا يحرمونها، ثم بيّن الله أنهم قالوا ذلك بغير حجة وبيان فقال: إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ يعني: ما تقولون إلا بالظن من غير يقين وعلم وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ يعني: قل لهم ما أنتم إلا تكذبون على الله.

قوله تعالى: قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ يعني: الحجة الوثيقة وهو محمد  والقرآن.

فبيّن لهم ما أحلّ لهم وما حرم عليهم فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ يعني: لو شاء لوفَّقكم لدينه، وأكرمكم بالهدى لو كنتم أهلاً للإسلام، ولكن لم يوفقهم لأنهم لم يجاهدوا فِى الله حَقَّ جهاده قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هذا عليكم فَإِنْ شَهِدُوا على تحريمه فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ فأخبر الله أنهم لو شهدوا، كانت شهادتهم باطلة، ولا يجوز قبول شهادتهم، لأنهم يقولون بأهوائهم.

ثم قال: وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يعني: بمحمد  وبالقرآن وَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يعني: البعث وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ يعني يشركون بالله.

ثم قال تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

لُحُومَ الحُمُرِ الأنْسِيَّةِ «١» ، فتأول بعض الصحابة الحاضِرِينَ ذلك لأنها لم تخمَّس، وتأوَّل بعضهم أن ذلك لئَلاَّ تفنى حمولةُ النَّاس، وتأول بعضهم التحريمَ المَحْضَ، وثبت في الأمة الاختلافُ في لَحْمها، فجائز لِمَنْ ينظر من العلماءِ أنْ يحمل لفظ التحريمِ بحسب اجتهاده وقياسه على كراهية أو نحوها، وباقي الآية بيّن.

وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إِلاَّ ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصادِقُونَ (١٤٦) فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١٤٧) سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُونَ (١٤٨) قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩) قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هذا فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١٥٠)

وقوله سبحانه: وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ...

الآية: هذا خبر مِنَ اللَّهِ سبحانه يتضمَّن تكذيبَ اليَهُودِ في قولهم: «إن اللَّه لم يحرِّم علينا شيئاً، وإنما حرمنا على أنفسنا ما حَرَّمه إسرائيل على نفسه» ، وكُلَّ ذِي ظُفُرٍ: يراد به الإبلُ، والنَّعَام، والإوَزُّ ونحوه من الحيوانِ الذي هو غير مُنْفَرِجِ الأصابع، وله ظُفُر، وأخبرنا سبحانه في هذه الآية بتحريمِ الشحومِ عليهم، وهي الثُّرُوب وشَحْمُ الكلى، ومَا كان شحماً خالصاً خارجاً عن الاستثناء الذي في الآية، واختلف في تحريم ذلك على المسلمين من ذبائحهم، فعن مالكٍ: كراهيةُ شحومهم من غير تحريمٍ.

وقوله تعالى: إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُما، يريد: ما اختلط باللحْمِ في الظَّهْرِ والأجنابِ ونحوه، قال السُّدِّيُّ وأبو صالح: الأَلْيَاتُ ممَّا حملَتْ ظهورهما «٢» ، والحَوَايَا: ما تحوى في البَطْن، واستدار، وهي المَصَارِينُ والحُشْوة ونحوها، وقال ابن عباس وغيره:

هي المَبَاعِر «٣» ، وقوله: أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ، يريد: في سائر الشخص.

وقوله سبحانه: ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ يقتضي أنَّ هذا التحريم إنما كان عقوبةً لهم على بغيهم، واستعصائهم على أنبيائهم.

وقوله سبحانه: وَإِنَّا لَصادِقُونَ: إخبار يتضمَّن التعريضَ بكَذِبهم في قولهم: ما حرَّم اللَّهُ علينا شيئاً.

وقوله سبحانه: فَإِنْ كَذَّبُوكَ: أي: فيما أخبرْتَ به أنَّ اللَّه حرَّمه عليهم، فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ أي في إمهاله إذ لم يعاجلْكم بالعقوبةِ، مع شدَّة جُرْمِكم، ولكنْ لا تغترُّوا بسعة رحمته فإن له بَأْساً لا يُرَدُّ عن القوم المجْرِمِين، إما في الدنيا وإما في الآخرة، وهذه الآية وما جانَسَها من آياتِ مكَّة مرتفعٌ حكْمُها بآية القتالِ، ثم أخبر سبحانه نبيَّه- عليه السلام- بأن المشركين سيحتجُّون لتصويبِ ما هُمْ عليه من شركهم وتديُّنهم:

بتحريمِ تلك الأشياءِ بإمهال اللَّه تعالى لهم، وتقريرِهِ حالهم، وأنه لو شاء غَيْرَ ذلك، لما تَرَكَهم على تلْك الحال، ولا حُجَّة لهم فيما ذكَروه لأنه سبحانه شاء إشراكهم وأقدرهم على الاكتساب، ويلزمهم على احتجاجهم أنْ تكون كلُّ طريقةٍ وكلُّ نحلةٍ صواباً، إذْ كلها لو شاء اللَّه لَمْ تكُنْ، وفي الكلامِ حذفٌ يدلُّ عليه تناسُقُ الكلامِ كأنه قال: سيقول المشركون كذا وكذا، وليس في ذلك حُجَّة لهم، ولا شَيْء يقتضي تكذيبَكَ، ولكن، كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ بنحو هذه الشبهة مِنْ ظَنِّهم أنَّ ترك اللَّه لهم دليلٌ على رضاه بحالهم، وفي قوله تعالى: حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا: وعيدٌ بيِّن.

وقوله سبحانه: قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ.

أي: مِنْ قِبَلِ اللَّه، قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ، يريد البالغةَ غاية المَقْصِدِ في الأمر الذي يحتجُّ له، ثم أعلم سبحانه أنَّه لو شاء، لهدى العالم بأسره، وهَلُمَّ: معناها: هَاتِ وهي حينئذ متعدِّية، وقد تكون بمعنى:

«أَقْبِلْ» فلا تتعدى، وبعضُ العرب يجعلها اسم فعْلٍ ك «رُوَيْدَكَ» ، وبعضهم يجعلها فِعْلاً، ومعنى الآية: قل هاتوا شهداءكم الذين يشهدون أن اللَّه حرَّم ما زعمتم تحريمَهُ، فَإِنْ شَهِدُوا، أي: فإن افترى لهم أحدٌ أو زَوَّرَ شهادةً أو خبراً عن نبوَّة ونَحوَ ذلك، فجَنِّبْ أنْتَ ذلك، ولا تَشْهد معهم، قلْتُ: وهذه الآية/ والتي بعدها مِنْ نوعَ ما تقدّم من أن الخطاب له صلّى الله عليه وسلّم، والمراد غيره ممَّن يمكن ذلك منه، وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ، أي: يجعلون لَهُ أنداداً يسوُّونهم به، تعالى الله عن قولهم.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البالِغَةُ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: حُجَّتُهُ البالِغَةُ: تَبْيِينُهُ أنَّهُ الواحِدُ، وإرْسالُهُ الأنْبِياءَ بِالحُجَجِ المُعْجِزَةِ.

قالَ السُّدِّيُّ: ﴿ فَلَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ ﴾ يَوْمَ أخْذِ المِيثاقِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ قُلْ فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ ﴾ ﴿ قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أنَّ اللهَ حَرَّمَ هَذا فَإنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهم ولا تَتَّبِعْ أهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وهم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ﴾ ثُمَّ أعْقَبَ تَعالى أمْرَهُ نَبِيَّهُ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِتَوْقِيفِ المُشْرِكِينَ عَلى مَوْضِعِ عَجْزِهِمْ؛ بِأمْرِهِ تَعالى إيّاهُ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِأنْ يَقُولَ - مُبَيِّنًا؛ مُفْصِحًا -: ﴿ قُلْ فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البالِغَةُ ﴾ ؛ يُرِيدُ: اَلْبالِغَةُ غايَةَ المَقْصِدِ في الأمْرِ الَّذِي يُحْتَجُّ فِيهِ؛ ثُمَّ اعْلَمْ بِأنَّهُ لَوْ شاءَ تَعالى لَهَدى العالَمَ بِأسْرِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذِهِ الآيَةُ تَرُدُّ عَلى المُعْتَزِلَةِ في قَوْلِهِمْ: إنَّ الهِدايَةَ والإيمانَ إنَّما هي مِنَ العَبْدِ؛ لا مِنَ اللهِ تَعالى ؛ فَإنْ قالُوا: مَعْنى "لَهَداكُمْ": لاضْطَرَّكم إلى الهُدى؛ فَسَدَ ذَلِكَ بِمُعْتَقَدِهِمْ أنَّ الإيمانَ الَّذِي يُرِيدُ اللهُ تَعالى مِن عِبادِهِ؛ ويُثِيبُ عَلَيْهِ؛ لَيْسَ الَّذِي يُضْطَرُّ إلَيْهِ العَبْدُ؛ وإنَّما هو عِنْدَهُمُ الَّذِي يَقَعُ مِنَ العَبْدِ وحْدَهُ.

و"هَلُمَّ"؛ مَعْناها: "هاتِ"؛ وهي حِينَئِذٍ مُتَعَدِّيَةٌ؛ وقَدْ تَكُونُ بِمَعْنى: "أقْبِلْ"؛ فَهي حِينَئِذٍ لا تَتَعَدّى؛ وبَعْضُ العَرَبِ يَجْعَلُها اسْمًا لِلْفِعْلِ؛ كَـ "رُوَيْدَكَ"؛ فَيُخاطِبُ بِها الواحِدَ؛ والجَمِيعَ؛ والمُذَكَّرَ؛ والمُؤَنَّثَ؛ عَلى حَدٍّ واحِدٍ؛ وبَعْضُ العَرَبِ يَجْعَلُها فِعْلًا؛ فَيُرَكِّبُ عَلَيْها الضَمائِرَ؛ فَيَقُولُ: "هَلُمَّ يا زَيْدُ"؛ و"هَلُمُّوا أيُّها الناسُ"؛ و"هَلُمِّي يا هِنْدُ"؛ ونَحْوَ هَذا؛ وذَكَرَ اللُغَتَيْنِ أبُو عَلِيٍّ في "اَلْإغْفالُ"؛ وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: اَللُّغَةُ الأُولى لِأهْلِ العالِيَةِ؛ واللُغَةُ الثانِيَةُ لِأهْلِ نَجْدٍ؛ وقالَ سِيبَوَيْهِ ؛ والخَلِيلُ: أصْلُها: "هالُمَّ"؛ وقالَ بَعْضُهُمْ: أصْلُها "هالُمُمْ"؛ وحُذِفَتِ الألِفُ لِالتِقاءِ الساكِنَيْنِ؛ فَجاءَ "هَلُمْمَ"؛ فَحَذَفَ مَن قالَ: أصْلُها: "هالُمَّ"؛ وأدْغَمَ مَن قالَ: أصْلُها "هالُمُمْ"؛ عَلى غَيْرِ قِياسٍ.

وَمَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: "قُلْ هاتُوا شُهَداءَكم عَلى تَحْرِيمِ اللهِ تَعالى ما زَعَمْتُمْ أنَّهُ حَرَّمَهُ"؛ ثُمَّ قالَ اللهُ تَعالى لِنَبِيِّهِ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -: "فَإنْ شَهِدُوا"؛ أيْ: "فَإنِ افْتَرى لَهم أحَدٌ؛ وزَوَّرَ شَهادَةً أو خَبَرًا عن نُبُوَّةٍ؛ ونَحْوَ ذَلِكَ؛ فَتَجَنَّبْ أنْتَ ذَلِكَ؛ ولا تَشْهَدُ مَعَهُمْ"؛ وفي قَوْلِهِ تَعالى ﴿ فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ ﴾ ؛ قُوَّةُ وصْفِ شَهادَتِهِمْ بِنِهايَةِ الزُورِ؛ ﴿ وَلا تَتَّبِعْ أهْواءَ ﴾ ؛ يُرِيدُ: "لا تَنْحَطَّ في شَهَواتِ الكَفَرَةِ؛ وتُوافِقْهم أقْوالَهُمْ"؛ ﴿ والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ ؛ عَطْفُ نَعْتٍ عَلى نَعْتٍ؛ كَما تَقُولُ: "جاءَنِي زَيْدٌ الكَرِيمُ والعاقِلُ"؛ هَذا مَذْهَبُ مُعْظَمِ الناسِ؛ وقالَ النَقّاشُ: نَزَلَتْ في الدَهْرِيَّةِ مِنَ الزَنادِقَةِ؛ ﴿ وَهم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ﴾ ؛ أنْدادًا؛ يُسَوُّونَهم بِهِ؛ وإنْ كانَتْ في الزَنادِقَةِ؛ فَعَدْلُهم غَيْرُ هَذا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

جواب عن قولهم: ﴿ لو شاء الله ما أشرَكْنا ولا آباؤنا ﴾ [الأنعام: 148] تكملة للجواب السّابق لأنَّه زيادة في إبطال قولهم، وهو يشبه المعارضة في اصطلاح أهل الجدل.

وأعيد فعل الأمر بالقول لاسترعاء الأسماع لِما سيرد بعد فعل: ﴿ قل ﴾ وقد كرّر ثلاث مرات متعاقبة بدون عطف، والنكتة ما تقدم من كون القول جارياً على طريقة المقاولة.

والفاء فصيحة تؤذن بكلام مقدّر هو شرط، والتّقدير: فإن كان قولكم لمجرّد اتّباع الظنّ والخرص وسوء التّأويل فللّه الحجّة البالغة.

وتقديم المجرور على المبتدأ لإفادة الاختصاص، أي: لله لا لكم، ففهم منه أنّ حجتّهم داحضة.

والحجّة: الأمر الذي يدلّ على صدق أحد في دعواه وعلى مصادفة المستدلّ وجه الحقّ، وتقدّم القول فيها عند قوله تعالى: ﴿ لئلا يكون للنّاس عليكم حجّة ﴾ في سورة البقرة (150).

والبالغة هي الواصلة: أي الواصلة إلى ما قُصدت لأجله، وهو غَلَب الخصم، وإبطالُ حجّته، كقوله تعالى: ﴿ حِكْمة بالغة ﴾ [القمر: 5]، فالبلوغ استعارة مشهورة لحصول المقصود من الشّيء فلا حاجة إلى إجراء استعارة مكنيّة في الحجّة بأن تشبّه بسائر إلى غاية، وقرينتها إثباتُ البلوغ، ولا حاجة أيضاً إلى جعل إسناد البلوغ إلى الحجّة مجازاً عقلياً، أي بالغاً صاحبُها قَصْدَه، لأنَّه لا محيصّ من اعتبار الاستعارة في معنى البلوغ، فالتّفسير به من أوّل وهلة أولى، والمعنى: لله الحجّة الغالبة لكم، أي وليس استدلالُكم بحجّة.

والفاء في قوله: ﴿ فلو شاء ﴾ فاء التّفريع على ظهور حجّة الله تعالى عليهم: تفرع على بطلان استدلالهم أنّ الله لو شاء لهداهم، أي لو شاء هدايتهم بأكثر من إرسال الرّسول عليه الصّلاة والسّلام بأن يغيّر عقولهم فتأتيَ على خلاف ما هُيِّئتْ له لَكَان قد فعل ذلك بوجه عناية خاصّة بهم أو خارق عادة لأجلهم، إذ لا يعجزه شيء، ولكن حكمته قضت أن لا يعمّم عنايته بل يختصّ بها بعض خاصّته، وأن لا يعدل عن سنّته في الهداية بوضع العقول وتنبيهها إلى الحقّ بإرسال الرّسل ونصب الأدلّة والدّعاء إلى سبيله بالحكمة والموعظة، فالمشيئة المقصودة في قوله: فلو شاء لهداكم غير المشيئة المقصودة فيما حكى الله عنهم من قولهم: ﴿ لو شاء الله ما أشركنا ﴾ [الأنعام: 148] وإلاّ لكان ما أُنكر عليهم قد أثبت نظيره عقب الإنكار فتتناقض المُحَاجَّة، لأنّ الهداية تساوي عدم الإشراك وعدمَ التحريم، فلا يصدُق جعل كليهما جواباً للَوْ الامتناعيّة، فالمشيئة المقصودة في الردّ عليهم هي المشيئة الخفيّة المحجوبة، وهي مشيئة التّكوين، والمشيئة المنكرة عليهم هي ما أرادوه من الاستدلال بالواقع على الرّضى والمحبّة.

هذا وجه تفسير هذه الآية التي كلَّلها من الإيجاز ما شتَّت أفهاماً كثيرة في وجه تفسيرها لا يَخفى بُعدها عن مُطالع التّفاسير والموازنةُ بينها وبين ما هنا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكُمْ ﴾ وهَذا أمْرٌ مِنَ اللَّهِ لِنَبِيِّهِ  ، أنْ يَدْعُوَ النّاسَ إلَيْهِ لِيَتْلُوَ عَلَيْهِمْ ما حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وما أحَلَّهُ لَهم لِيُقْلِعُوا عَمّا كانَتِ الجاهِلِيَّةُ عَلَيْهِ مِن تَحْرِيمِ المُباحِ وإباحَةِ الحَرامِ.

والتِّلاوَةُ: هي القِراءَةُ، والفَرْقُ بَيْنَ التِّلاوَةِ والمَتْلُوِّ، والقِراءَةِ والمَقْرُوءِ أنَّ التِّلاوَةَ والقِراءَةَ لِلْمَرَّةِ الأُولى، والمَتْلُوَّ والمَقْرُوءَ لِلثّانِيَةِ وما بَعْدَها، ذَكَرَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى، والَّذِي أراهُ مِنَ الفَرْقِ بَيْنَهُما أنَّ التِّلاوَةَ والقِراءَةَ يَتَناوَلُ اللَّفْظَ، والمَتْلُوَّ والمَقْرُوءَ يَتَناوَلُ المَلْفُوظَ.

ثُمَّ إنَّ اللَّهَ أخَذَ فَيِما حَرَّمَ فَقالَ: ﴿ ألا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ﴾ يَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: أحَدُها: ألّا تُشْرِكُوا بِعِبادَتِهِ عِبادَةَ غَيْرِهِ مِن شَيْطانٍ أوْ وثَنٍ.

والثّالِثُ: أنْ يَحْمِلَ الأمْرَيْنِ مَعًا.

ثُمَّ قالَ: ﴿ وَبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا ﴾ تَقْدِيرُهُ: وأُوصِيكم بِالوالِدَيْنِ إحْسانًا، والإحْسانُ تَأْدِيَةُ حُقُوقِهِما ومُجانَبَةُ عُقُوقِهِما والمُحافَظَةُ عَلى بَرِّهِما.

﴿ وَلا تَقْتُلُوا أوْلادَكم مِن إمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكم وإيّاهُمْ ﴾ وذَلِكَ أنَّهم كانُوا في الجاهِلِيَّةِ يَقْتُلُونَ أوْلادَهم خَشْيَةَ الإمْلاقِ.

وَفي الإمْلاقِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الإفْلاسُ، ومِنهُ المَلْقُ لِأنَّهُ اجْتِهادُ المُفْلِسِ في التَّقْرِيبِ إلى الغِنى طَمَعًا في تَأْجِيلِهِ.

والثّانِي: أنَّ الإمْلاقَ ومَعْناهُما قَرِيبٌ وإنْ كانَ بَيْنَهُما فَرْقٌ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، والسُّدِّيِّ، والضَّحّاكِ، وابْنِ جُرَيْجٍ.

ثُمَّ ذَكَرَ فَسادَ اعْتِقادِهِمْ في الإمْلاقِ بِأنْ قالَ: ﴿ نَحْنُ نَرْزُقُكم وإيّاهُمْ ﴾ لِأنَّ رِزْقَ العِبادِ كُلِّهِمْ، مِن كَفِيلٍ ومَكْفُولٍ، عَلى خالِقِهِمْ.

ثُمَّ قالَ: ﴿ وَلا تَقْرَبُوا الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ ﴾ وفِيها أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ ذَلِكَ عامٌّ في جَمِيعِ الفَواحِشِ سِرِّها وعَلانِيَتِها، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّهُ خاصٌّ في الزِّنى، ما ظَهَرَ مِنها: ذَواتُ الحَوانِيتِ، وما بَطَنَ: ذَواتُ الِاسْتِسْرارِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، والسُّدِّيُّ.

والثّالِثُ: ما ظَهَرَ مِنها: نِكاحُ المُحَرَّماتِ، وما بَطَنَ: الزِّنى، قالَهُ مُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ.

والرّابِعُ: أنَّ ما ظَهَرَ مِنها: الخَمْرُ، وما بَطَنَ مِنها: الزِّنى، قالَهُ الضَّحّاكُ.

وَقَدْ ذَكَرْنا فِيهِ احْتِمالَ تَأْوِيلٍ خامِسٍ: أنَّ ما ظَهَرَ مِنها أفْعالُ الجَوارِحِ، وما بَطَنَ مِنها اعْتِقادُ القُلُوبِ.

ثُمَّ قالَ: ﴿ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلا بِالحَقِّ ﴾ والنُّفُوسُ المُحَرَّمَةُ: نَفْسُ مُسْلِمٍ، أوْ مُعاهِدٍ، والحَقُّ الَّذِي تُقْتَلُ بِهِ النَّفْسُ ما بَيَّنَهُ النَّبِيُّ  بِقَوْلِهِ: «لاَ يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلّا بِإحْدى ثَلاثٍ: كُفْرٌ بَعْدَ إيمانٍ، أوْ زِنًى بَعْدَ إحْصانٍ، أوْ قَتْلُ نَفْسٍ بِغَيْرِ نَفْسٍ» .

ثُمَّ قالَ: ﴿ ذَلِكم وصّاكم بِهِ ﴾ يَعْنِي أنَّ اللَّهَ وصّى عِبادَهُ بِذَلِكَ، ووَصِيَّةُ اللَّهِ واجِبَةٌ.

ثُمَّ قالَ: ﴿ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: تَعْقِلُونَ تَحْرِيمَ ذَلِكَ عَلَيْكم وتَعْلَمُونَهُ.

والثّانِي: تَعْمَلُونَ عَمَلَ مَن يَعْقِلُ وهو تَرْكُ ما أوْجَبَ العِقابَ مِن هَذِهِ المُحَرَّماتِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في الأسماء والصفات عن مجاهد في قوله: ﴿ سيقول الذين أشركوا لو شاء الله...

﴾ الآية.

قال: هذا قول قريش: إن الله حرم هذا يعنون البحيرة والسائبة والوصيلة والحام.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس.

أنه قيل له: إن ناساً يقولون: إن الشر ليس بقدر.

فقال ابن عباس: بيننا وبين أهل القدر هذه الآية ﴿ سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ﴾ إلى قوله: ﴿ قل فللّه الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين ﴾ قال ابن عباس: والعجز والكيس من القدر.

وأخرج أبو الشيخ عن علي بن زيد قال: انقطعت حجة القدرية عند هذه الآية ﴿ فللّه الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين ﴾ .

وأخرج أبو الشيخ عن عكرمة ﴿ قل فللّه الحجة البالغة ﴾ قال: السلطان.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ ﴾ قال الزجاج: (حجته البالغة تبيينه أنه الواحد، وإرساله الأنبياء بالحجج التي يعجز عنها المخلوقون أجمعون) (١) (٢) ﴿فَلَوْ (٣) أحدها: أن هذا عدول عن الظاهر، والظاهر لا يدل على أن المراد لو شاء لألجأهم إلى الإيمان حتى يؤمنوا.

والثاني: أن عندهم الله تعالى أراد أن يؤمن الخلق اختيارًا لا اضطرارًا، فإذا لم يؤمنوا أختيارًا حتى يلجئهم لم يرتفع مراده.

والثالث: أنهم بعد الإلجاء يجوز أن يصبروا على مقاساة الشدة ولا يؤمنوا فلا يرتفع أيضًا مراده كمن صبر على مطالبة ما يقدر على أدائه حتى يهلك، وأيضًا فإن هذا الإلجاء إذا قدر الله تعالى عليه ولم يفعل حتى يؤمنوا فشركهم كان بإرادته؛ لأن عندهم لا يجوز أن يدخر الله تعالى شيئًا عن الخلق (٤) (٥) (١) "معاني الزجاج" 2/ 303.

(٢) انظر: "تفسير الطبري" 8/ 79، و"معاني النحاس" 2/ 514، و"تفسير السمرقندي" 1/ 522، والبغوي 3/ 202.

(٣) في النسخ: (ولو شاء) بالواو، وقد جاء ذلك في سورة النحل، الآية 9 قوله تعالى: ﴿ وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ .

(٤) في (ش): (على الخلق).

(٥) انظر: "تفسير البغوي" 3/ 202، وابن عطية 5/ 390، والرازي 13/ 325، 326.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ سَيَقُولُ الذين أَشْرَكُواْ لَوْ شَآءَ الله مَآ أَشْرَكْنَا ﴾ الآية: معناها أنهم يقولون: إن شركهم وتحريمهم لما حرموا كان بمشيئة الله ولو شاء الله أن لا يفعلوا ذلك ما فعلوه، فاحتجوا على ذلك فإرادة الله له، وتلك نزغة جبرية، ولا حجة لهم في ذلك، لأنهم مكلفونمأمورون ألا يشركوا بالله، ولا يحللوا ما حرم الله ولا يحرموا ما حلل الله، والإرادة خلاف التكليف، ويحتمل عندي أن يكون قولهم: ﴿ لَوْ شَآءَ الله ﴾ قولاً يقولونه في الآخرة؛ على وجه التمني أن ذلك لم يكن، كقولك إاذ ندمت على شيء: لو شاؤ الله ما كان هذا.

أي يتمنى أن ذلك لم يكن، ويؤيد هذا أنه حكى قولهم بأداة الاستقبال، وهي السين، فذلك دليل على أنهم يقولونه في المستقبل وهي الآخرة ﴿ قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ ﴾ توقيف لهم وتعجيز ﴿ قُلْ فَلِلَّهِ الحجة البالغة ﴾ لما أبطل حجتهم أثبت حجة الله ليظهر الحق ويبطل الباطل ﴿ هَلُمَّ ﴾ قيل: هي بمعنى هات فهي متعدية، وقيل: بمعنى أقبل فهي غير متعدية، وهي عند بعض العرب فعل يتصل به ضمير الاثنين والجماع والمؤنث، وعند بعضهم: اسم فعل فيخاطب بها الواجد والاثنان والجماعة والمؤنث على حد سواء، ومقصود الآية تعجيزهم عن إقامة الشهداء ﴿ فَإِن شَهِدُواْ فَلاَ تَشْهَدْ مَعَهُمْ ﴾ أي إن كذبوا في شهادتهم وزوروا فلا تشهد بمثل شهادتهم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ حصاده ﴾ بفتح الحاء: أبو عمرو وعاصم وابن عامر وسهل ويعقوب، الباقون: بالكسر وكلاهما مصدر ﴿ من الضان ﴾ بغير همزة: أبو عمرو غير شجاع وأوقية والأعشى والأصبهاني عن ورش ويزيد وحمزة في الوقف.

﴿ ومن المعز ﴾ ساكن العين: عاصم وحمزة وعلي وخلف ونافع وأبو جعفر وابن فليح وزمعة والخزاعي عن البزي والقواس غير ابن مجاهد وأبي عون عن قنبل عنه، الباقون: بفتحها ﴿ إلا أن تكون ﴾ بتاء التأنيث: ابن كثير وابن عامر ويزيد وحمزة وعباس مَن طريق ابن رومي عنه.

﴿ ميتة ﴾ بالتخفيف والرفع: ابن عامر وزاد يزيد التشديد.

الباقون: بالياء وبالنصب.

﴿ الحوايا ﴾ ممالة: علي وحمزة وخلف.

﴿ فقل ربكم ﴾ وبابه مظهراً: الحلواني عن قالون والبرجمي.

الوقوف: ﴿ متشابه ﴾ ط.

﴿ ولا تسرفوا ﴾ ط ﴿ المسرفين ﴾ ه لا لأن قوله: ﴿ حمولة ﴾ منصوب بـ ﴿ أنشأ ﴾ ﴿ وفرشاً ﴾ ط ﴿ الشيطان ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه لا لأن ﴿ ثمانية ﴾ منصوب بـ ﴿ أنشأ ﴾ ﴿ جنات ﴾ ﴿ أزواج ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتحاد المعنى ﴿ المعز اثنين ﴾ ط ﴿ أرحام الأنثيين ﴾ ط لانتهاء الاستفهام ﴿ صادقين ﴾ ه لا لأن ﴿ اثنين ﴾ منصوب بـ ﴿ أنشأ ﴾ أيضاً ﴿ ومن البقر اثنين ﴾ ط ﴿ أرحام الأنثيين ﴾ ط لأن "أم" في قوله: ﴿ أم كنتم ﴾ بمعنى ألف استفهام توبيخ.

﴿ بهذا ﴾ ج للاستفهام مع الفاء ولانقطاع النظم مع اتحاد المعنى ﴿ علم ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه.

﴿ لغير الله ﴾ ج ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ ظفر ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتحاد المعنى.

﴿ بعظم ﴾ ط ﴿ ببغيهم ﴾ ز للابتداء بأن وإثبات وصف الصدق مطلقاً.

وللوصل وجه لأن المعنى وإنا لصادقون فيما أخبرنا عن التحريم ببغيهم.

﴿ واسعة ﴾ ط لاختلاف الجملتين ﴿ المجرمين ﴾ ه ﴿ من شيء ﴾ ط ﴿ بأسنا ﴾ ط ﴿ لنا ﴾ ط ﴿ تخرصون ﴾ ه ﴿ البالغة ﴾ ج للشرط مع الفاء ﴿ أجمعين ﴾ ه ﴿ حرم هذا ﴾ ج لذلك ﴿ معهم ﴾ ج لتناهي جزاء الشرط مع العطف ﴿ يعدلون ﴾ ه.

التفسير: إنه  جعل مدار هذا الكتاب الكريم على تقرير التوحيد والنبوة والمعاد وإثبات القضاء والقدر وإنه بالغ في تقرير هذه الأصول وانتهى الكلام إلى شرح أحوال السعداء والأشقياء، ثم انتقل منه إلى تهجين طريقة منكري البعث والقيامة، ثم أتبعه حكاية أقوالهم الركيكة تنبيهاً على ضعف عقولهم، فلما تمم هذه المقاصد عاد إلى ما هو المقصود الأصلي وهو إقامة الدلائل على إثبات ذاته ووجوب توحيده فقال: ﴿ وهو الذي أنشأ ﴾ الآية نشأ الشيء ينشأ نشأ إذا ظهر وارتفع، وأنشأه الله ينشئه إنشاء أظهره ورفعه ﴿ جنات معروشات وغير معروشات ﴾ يقال: عرشت الكرم إذا جعلت له دعائم وسمكاً تعطف عليه القبضان.

وقيل: كلاهما الكرم فإن بعض الأعناب تعرش وبعضها يبقى على وجه الأرض منبسطاً كالقرع والبطيخ.

وقيل: المعروشات ما يحتاج إلى أن يتخذ له عروش يحمل عليها فتمسكه وهو الكرم وما يجري مجراه، وغير معروشات هو القائم من الشجر المستغني باستوائه وقوة ساقة عن التعريش.

وقيل: المعروشات ما في البساتين والعمارات مما غرسه الناس واهتموا به فعرشوه، وغير معروشات ما أنبته الله وحشياً في البراري والجبال فيبقى غير معروش.

﴿ والنخل والزرع ﴾ فسر ابن عباس الزرع بجميع الحبوب التي الذكر تقتات ﴿ مختلفاً أكله ﴾ والأكل كل ما يؤكل والمراد ههنا ثمر النخل والزرع فاكتفى بإعادة الذكر على أحدهما كقوله: ﴿ وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها  ﴾ أي إليهما.

والمراد أن لكل شيء منهما طعماً غير طعم الآخر و ﴿ مختلفاً ﴾ حال مقدّرة أي أنشأه مقدرّاً اختلاف أكله لأنه لم يكن وقت الإنشاء كذلك ﴿ متشابهاً وغير متشابه ﴾ في القدر واللون والطعم.

ثم قال ﴿ كلوا من ثمره ﴾ وقد قال في الآية المتقدمة أعني نظير هذه الآية وذلك قوله: ﴿ وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء ﴾ الآية إلى قوله ﴿ انظروا إلى ثمره  ﴾ تنبيهاً على أن الأمر بالاستدلال بها على الصانع الحكيم متقدم على الإذن في الانتفاع بها لأن الحاصل من الأول سعادة روحانية أبدية، والحاصل من الانتفاع سعادة جسمانية زائلة.

وفائدة هذا الأمر الإباحة، وقدم إباحة الأكل على إخراج الحق كيلا يظن أنه يحرم على المالك تناوله لمكان شركة المتشاركين فيه.

وفي الآية إشارة إلى أن خلق هذه النعم إما للأكل وإما للتصدق، والأول لكونه حق النفس مقدم على الثاني لأنه حق الغير.

وفيه أن الأصل في المنافع الإباحة والإطلاق لأن قوله: ﴿ كلوا ﴾ خطاب عام يتناول الكل، ويمكن أن يستدل به على أن الأصل عدم وجوب الصوم وأن من ادعى إيجابه فهو المحتاج إلى الدليل، وأن المجنون إذا أفاق في أثناء النهار لا يلزمه قضاء ما مضى، وأن الشارع في صوم النفل لا يجب عليه الإتمام.

قال علماء الأصول: من المعلوم من لغة العرب أن صيغة الأمر تفيد ترجيح جانب الفعل؛ فحملها على الإباحة أو الوجوب لا يصار إليه إلا بدليل منفصل، وفائدة قوله: ﴿ إذا أثمر ﴾ وقد علم أنه إذا لم يثمر لم يؤكل منه هي أن يعلم أن أول وقت الإباحة وقت اطلاع الشجر الثمر ولا يتوهم أنه لا يباح إلا إذا أدرك وأينع، أما قوله: ﴿ وآتوا حقه يوم حصاده ﴾ فعن ابن عباس في رواية عطاء وهو قول سعيد بن المسيب والحسن وطاوس والضحاك.، أن الآية مدنية والحق هو الزكاة المفروضة وعلى هذا فكيف يؤدى الزكاة يوم الحصاد والحب في السنبل.

والجواب أن المراد فاعزموا على إيتاء الحق يوم الحصاد واهتموا به حتى لا تؤخروه عن أوّل وقت يمكن فيه الإيتاء، وقال مجاهد: الآية مكية وإن هذا حق في المال سوى الزكاة وكان يقول: إذا حصدت فحضرك المساكين فاطرح لهم منه، وكذا إذا دسته وإذا عرفت كيله فاعزل زكاته وزيف بقوله صلى الله عليه وآله: "ليس في المال حق سوى الزكاة" وبأن قوله: ﴿ وآتوا حقه ﴾ إنما يحسن ذكره لو كان ذلك الحق معلوماً قبل ورود هذه الآية والإلزام الإجمال.

وعن سعيد بن جبير أن هذا كان قبل وجوب الزكاة فلما فرض العشر أو نصف العشر فيما سقي بالسواقي نسخ، والقول الأول أصح.

ثم إن أبا حنيفة احتج بالآية على وجوب الزكاة في الثمار لأنه قال: ﴿ وآتوا حقه ﴾ بعد ذكر الأنواع الخمسة وهي العنب والنخل والزرع والزيتون والرمان.

واعترض عليه بأن لفظ الحصاد مخصوص بالزرع.

وأجيب بأن الحصد في اللغة عبارة عن القطع وذلك يتناول الكل.

واحتج هو أيضاً بها على أن العشر واجب في القليل والكثير للإطلاق.

والجواب أن بيانه في الحديث "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" .

ثم قال تعالى: ﴿ ولا تسرفوا ﴾ ولأهل اللغة فيه تفسيران: فعن ابن الأعرابي: السرف تجاوز ما حد لك.

فعلى هذا إذا أعطى الكل ولم يوصل إلى عياله شيئاً فقد أسرف كما جاء في الخبر "إبدأ بنفسك ثم بمن تعول" وروي أن ثابت بن قيس بن شماس عمد إلى خمسمائة نخلة فخذها فقسمها في يوم واحد ولم يدخل منها إلى منزله شيئاً فنزلت الآية ﴿ ولا تسرفوا ﴾ أي لا تعطوا كله وإذا منع الصدقة فقد أسرف وبه فسر الآية سعيد بن المسيب، فإن مجاوزة الحد تكون إلى طرف الإفراط وإلى طرف التفريط.

وقال عمر: سرف المال ما ذهب منه في غير منفعة.

وعلى هذا فقد قال مقاتل: معناه لا تشركوا الأصنام في الأنعام والحرث.

وقالالزهري: ولا تنفقوا في معصية الله  .

وعن مجاهد: لو كان أبو قبيس ذهباً فأنفقه رجل في طاعة الله  لم يكن مسرفاً، ولو أنفق درهماً في معصية الله كان مسرفاً، وهذا المعنى أراد حاتم الطائي حين قيل له لا خير في السرف فقال: لا سرف في الخير.

ثم ختم الآية بقوله: ﴿ إنه لا يحب المسرفين ﴾ والمقصود منه الزجر فإن كل مكلف لا يحبه الله فإنه من أهل النار لأن محبة الله  عبارة عن إرادة إيصال الثواب إليه.

قوله: ﴿ حمولة وفرشاً ﴾ معطوف على جنات أي وأنشأ من الأنعام هذين الجنسين.

فالحمولة ما يحمل الأثقال "فعولة" بمعنى "فاعلة" والفرش للذبح أو ينسج من وبره وصوفه وشعره الفرش مصدر بمعنى "مفعول".

وقيل: الحمولة الكبار التي تصلح للحمل، والفرش الصغار كالفصلان والعجاجيل والغنم لأنها دانية من الأرض للطافة أجرامها مثل الفرش المفروش عليها.

﴿ كلوا مما رزقكم الله ﴾ قالت المعتزلة.

أي مما أحلها لكم ﴿ ولا تتبعوا خطوات الشيطان ﴾ لا تسلكوا طريقه الذي يدعوكم إليه في التحليل والتحريم من عن أنفسكم كما فعل أهل الجاهلية ﴿ إنه لكم عدوّ مبين ﴾ بين العداوة.

وفي انتصاب ﴿ ثمانية أزواج ﴾ وجهان: قال الفراء: هو بدل من قوله: ﴿ حمولة وفرشاً ﴾ .

وجوز غيره أن يكون مفعول ﴿ كلوا ﴾ والعرب تسمي الواحد فرداً إذا كان وحده فإذا كان معه غيره من جنسه سمي كل واحد منهما زوجاً وهما زوجان، قال عز من قائل: ﴿ خلق الزوجين الذكر والأنثى  ﴾ وقال: ﴿ ثمانية أزواج ﴾ ثم فسرها بقوله: ﴿ من الضأن اثنين ﴾ أي زوجين اثنين ﴿ ومن المعز اثنين ﴾ وفي الآية الثانية: ﴿ ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين ﴾ قال الجوهري: الضائن خلاف الماعز والجمع يعني اسم الجمع الضأن والمعز مثل راكب وركب وسافر وسفر.

وضأن أيضاً مثل حارس وحرس.

وقال في الكشاف: إنه قرىء بفتح العين.

والضأن ذوات الصوف من الغنم والمعز ذوات الشعر منها ﴿ قل ءالذكرين حرم الأنثيين ﴾ نصب بقوله: ﴿ حرم ﴾ والاستفهام يعمل فيه ما بعده ولا يعمل فيه ما قبله.

ويريد بالذكرين الذكر من الضأن وهو الكبش، والذكر من المعز وهو التيس، وبالأنثيين الأنثى من الضأن وهيالنعجة، والأنثى من المعز وهي العنز، وذلك على طريق الجنسية والمشاكلة.

ومعنى الاستفهام إنكار أن يحرم الله من جنسي الغنم ضأنها ومعزها شيئاً من نوعي ذكورها وإناثها ولا مما يشتمل عليه أرحام الأنثيين أي مما يحمل إناث الجنسين، وكذلك الذكر من جنسي الإبل والبقر يعني الجمل والثور والأنثيان منهما الناقة والبقرة وما يحمل إناثهما وذلك أنهم كانوا يحرّمون ذكور الأنعام تارة وإناثها أخرى وأولادها كيفما كانت ذكوراً أو إناثاً، أو من خلط تارة وكانوا يقولون: قد حرمها الله فقيل لهم: إنكم لا تقرون بنبوّة نبي ولا شريعة شارع فكيف تحكمون بأن هذا يحل وهذا يحرم؟

وأكد ذلك بقوله: ﴿ نبؤني بعلم ﴾ أخبروني بأمر معلوم من جهة الله يدل على تحريم ما حرمتم ﴿ إن كنتم صادقين ﴾ في أن الله حرمه.

واعلم أنه  منّ على عباده بإنشاء الأزواج الثمانية من الأنعام لمنافعهم وإباحتها لهم إلا أنه فصل بين بعض المعدود وبعضه بالاحتجاج على من حرمها وليس ذلك بأجنبي وإنما هي جملة معترضة جيء بها تأكيداً وتشديداً للتحليل، فالاعتراضات في الكلام لاتساق إلا للتوكيد، أما قوله: ﴿ أم كنتم شهداء ﴾ فـ"أم" منقطعة أي بل أكنتم شهداء ومعناه الإنكار وفحواه أعرفتم التوصية به مشاهدين لأنكم لا تؤمنون بالرسل وتقولون إن الله حرم هذا فلم يبق إلا المشاهدة فتهكم بهم بذلك وسجل عليهم وعلى مثالهم بالظلم بقوله: ﴿ فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً ﴾ فنسب إليه تحريم ما لم يحرم، قال المفسرون: يريد عمرو بن لحي بن قمعة الذي غيَّر شريعة إسماعيل  وبَحَّر البحائر وسَيَّب السوائب.

والأقرب أن للفظ عام فيتناول كل مفتر وإذا استحق هذا الوعيد على افتراء الكذب في تحريم مباح فكيف إذا كذب على الله  في مسائل التوحيد ومعرفة الذات والصفات والملائكة وفي النبوّات وفي المعاد؟!

قال القاضي: في الآية دلالة على أن الإضلال عن الدين مذموم فلا يجوز أن ينسب إلى الله  .

وأجيب بأنه ليس كل ما كان مذموماً منا كان مذموماً من الله  فإن تمكين العبيد من أسباب الفجور وتسليط الشهوة عليهم مذموم منّا دونه ﴿ إن الله لا يهدي القوم الظالمين ﴾ قال القاضي: لا يهديهم إلى ثوابه وإلى زيادات الهدى التي يختص المهتدي بها.

وقالت الأشاعرة: معناه أنه لا ينقل المشركين من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، ثم لما بيّن فساد طريقة الجاهلية فيما يحل ويحرم من المطاعم أتبعه البيان الصحيح في الباب فقال: ﴿ قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرماً ﴾ أي طعاماً محرماً ﴿ على طاعم يطعمه ﴾ على آكل يأكله ﴿ إلا أن يكون ﴾ ذلك المأكول أو الموجود أو الطعام ﴿ ميتة أو دماً مسفوحاً ﴾ مصبوباً سائلاً.

قال ابن عباس: يريد ما خرج من الأنعام وهي أحياء وما خرج من الأوداج عند الذبح فلا يدخل فيه الكبد والطحال لجمودهما، وما يختلط باللحم من الدم فإنه غير سائل.

وسئل أبو مجلز عما يتلطّخ باللحم من الدم وعن القدر التي سلف في أمثالها، وانتصاب ﴿ فسقاً ﴾ على أنه معطوف على المنصوبات قبله، و ﴿ أهل ﴾ صفة له منصوبة المحل سمي ما أهل به لغير الله فسقاً لتوغله في باب الفسق كما يقال: فلان كرم وجود.

وجوز أن يكون ﴿ فسقاً ﴾ مفعولاً له من ﴿ أهل ﴾ وعلى هذا فقد عطف ﴿ أهل ﴾ على ﴿ يكون ﴾ والضمير في ﴿ به ﴾ يعود إلى ما يرجع إليه المستكن في ﴿ يكون ﴾ قالت العلماء: إن هذه السورة مكية وقد بيّن في الآية أنه لم يجد فيما أوحي إليه قرآناً أو غيره محرماً سوى هذه الأربعة، وقد أكد هذا بما في النحل وفي البقرة مصدرة بكلمة "إنما" الدالة على الحصر فصارت المدنية مطابقة للمكية، والذي جاء في المائدة ﴿ حرمت عليكم الميتة والدم  ﴾ إلى قوله: ﴿ وما أكل السبع إلا ما ذكيتم  ﴾ من أقسام الميتة ولكنه خص بالذكر لأنهم كانوا يحكمون على تلك الأشياء بالتحليل فثبت أن الشريعة من أولها إلى اخرها كانت مستقرة على هذا الحكم.

وعلى هذا الحصر بقي الكلام في الخمر وفي سائر النجاسات والمستقذرات فنقول: إنه  قد وصف الخمر بأنه رجس وههنا علل تحريم لحم الخنزير بكونه رجساً فعلمنا أن النجاسة علة لتحريم الأكل وكل نجس فإنه يحرم أكله، هذا بعد إجماع الأمة على تحريم الخبائث والنجاسات.

وإن جوزنا تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد كما روي أنه صلى الله عليه وآله نهى عن كل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطيور.

فلا إشكال.

وقيل: المراد أن وقت نزول هذه الآية لم يكن محرم على اليهود وزيف بأن تحريم شيء خامس نسخ والأصل عدمه.

ثم بين  أنه حرم على اليهود أشياء أخر سوى هذه الأربعة فقال: ﴿ وعلى الذين هادوا حرمنا ﴾ وذلك نوعان: الأول أنه حرم عليهم ﴿ كل ذي ظفر ﴾ وفيه لغات: ضم الفاء والعين وهي الفصحى، وكسرهما وهي قراءة ابن السماك، والضم مع السكون والكسر مع السكون وهي قراءة الحسن، واختلف في ذي الظفر فعن ابن عباس في رواية عطاء أنه الإبل فقط، وعنه في رواية أخرى وهو قول مجاهد أنه الإبل والنعام، وقيل: كل ذي مخلب من الطير وكل ذي حافر من الدواب، وسمي الحافر ظفراً على الاستعارة، وزيف بأن الحافر لا يكاد يسمى ظفراً وبأن البقرة والغنم مباحان لهم كما يجيء مع أن لهما حافراً فإذن يجب حمل الظفر على المخلب والبراثن من الجوارح والسباع بل على كل ما له إصبع من دابة وطائر.

وكان بعض ذوات الظفر حلالاً لهم فلما ظلموا عمم التحريم.

فعموم التحريم خاص بهم ولهذا قدم الجار في قوله ﴿ وعلى الذين هادوا حرمنا ﴾ فيستدل بذلك على حل بعض هذه الحيوانات على المسلمين وهو ما سوى ذات المخلب والناب فيكون الخبر مبيناً للآية لا مخالفاً كما ظن صاحب التفسير الكبير.

النوع الثاني قوله ﴿ ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما ﴾ قال في الكشاف: هو كقولك: "من زيد أخذت ماله" تريد بالإضافة يعني إضافة الأخذ إلى زيد بواسطة من زيادة الربط.

والمعنى أنه حرم عليهم من كل ذي ظفر كله ومن البقرة والغنم بعضهما وذلك شحومهما فقط، هذا أيضاً ليس على الإطلاق لقوله: ﴿ إلا ما حملت ظهورهما ﴾ قال ابن عباس: إلا ما علق بالظهر من الشحم فإني لم أحرمه.

وقال قتادة: إلا ما علق بالظهر والجنب من داخل بطونها.

وقيل: إلا ما اشتمل على الظهور والجنوب من السحفة وهي الشحمة التي على الظهر الملتزقة بالجلد فيما بين الكتفين إلى الوركين.

وهي بالحقيقة لحم سمين لأنه يحمر عند الهزال ولهذا لو حلف لا يأكل الشحم فأكل من ذلك اللحم السمين لم يحنث على الأصح.

والاستثناء الثاني قوله: ﴿ أو الحوايا ﴾ قال الجوهري: الحوايا الأمعاء واحدها حوية وفي معناها حاوية البطن وحاوياء البطن.

وقال الواحدي: هي المباعر والمصارين والفحوى، أو ما اشتمل على الأمعاء يعني أن الشحوم المتصقة بالمباعر والمصارين غير محرمة، والاستثناء الثالث: ﴿ أو ما اختلط بعظم ﴾ قال جمهور المفسرين: يعني شحم الآلية.

وقال ابن جريج: كل شحم في القوائم والجنب والرأس وفي العينين والأذنين فإنه مخلوط بعظم فهو حلال لهم.

والحاصل أن الشحم الذي حرم الله عليهم هو الثرب وشحم الكلية.

وقيل: إن الحوايا غير معطوف على المستثنى وإنما هو معطوف على المستثنى منه والتقدير: حرمنا عليهم شحومهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم إلا ما حملت الظهور فإنه غير محرم.

ودخوله كلمة "أو" كدخولها في قوله  : ﴿ ولا تطع منهم آثماً أو كفوراً  ﴾ والمعنى كل هؤلاء أهل أن يعصى فاعص هذا واعص هذا فكذا ههنا المعنى حرمنا عليهم هذا وهذا ﴿ ذلك ﴾ الجزاء وهو تحريم الطيبات ﴿ جزيناهم ببغيهم ﴾ بسبب قتلهم الأنبياء وأخذهم الربا واستحلالهم أموال الناس بالباطل وغير ذلك من قبائح أفعالهم ﴿ وإنا لصادقون ﴾ في هذه الأخبار أو فيما يوعد به العصاة.

قال القاضي: نفس التحريم لا يجوز أن يكون عقوبة على جرم صدر عنهم لأن التكليف تعريض للثواب والتعريض للثواب إحسان.

وأجيب بأن المنع من الانتفاع يمكن أن يكون لمزيد الثواب ويمكن أن يكون بشؤم الجرم المتقدم ﴿ فإن كذبوك ﴾ في ادعاء النبوّة والرسالة أو في تبليغ الأحكام، وعلى أصول المعتزلة فإن كذبوك في إنجاز إيعاد العصاة وزعموا أن الله واسع الرحمة وأنه يخلف الوعيد جوداً وكرماً.

﴿ فقل ربكم ذو رحمة واسعة ﴾ فلذلك لا يعجل بالعقوبة ﴿ ولا يردّ بأسه ﴾ إذا جاء وقت عذابه ﴿ عن القوم المجرمين ﴾ يعني المكذبين.

وعلى أصولهم رحمته واسعة لأهل طاعته ولا يرد بأسه مع ذلك عن الذين ارتكبوا الكبائر فماتوا قبل التوبة.

ثم حكى أعذار الكفار الواهية فقال: ﴿ سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ﴾ وإنما جاز العطف عل الضمير المرفوع المتصل من غير أن أكد بالمنفصل لمكان الفصل بعد حرف العطف بلا الزائدة لتأكيد النفي.

أخبر الله  بما سوف يقولونه ولما قالوه.

قال في سورة النحل: ﴿ وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء  ﴾ وإنما قال في سورة النحل بزيادة "نحن" و "من دونه" مرتين لأن الإشراك مستنكر مطلقاً.

فلفظ الإشراك يدل على إثبات شريك لا يجوز إثباته، وعلى تحليل أشياء وتحريم أشياء من دون الله فلم يحتج إلى لفظ من دونه، وأما العبادة فإنها غير مستنكرة على الإطلاق وإنما المستنكر عبادة شيء مع الله  ، ولا تدل على تحريم شيء فلم يكن بد من تقييده بقوله: ﴿ من دونه ﴾ ولما حذف من الآية لفظة ﴿ من دونه ﴾ مرتين حذف معه ﴿ نحن ﴾ لتطرد الآية في حكم التخفيف.

أما تفسير الآية فزعمت المعتزلة أنها تدل على قولهم في مسألة إرادة الكائنات من سبعة أوجه: الأول أن الذي حكى عن الكفار في معرض الذم والتقبيح وذلك قولهم: "لو شاء الله منا أن لا نشرك لم نشرك" هو صريح قول المجبرة فيكون هذا المذهب مذموماً.

الثاني قوله: ﴿ كذلك كذب الذين من قبلهم ﴾ فلم يذكر المكذب به تنبيهاً على أنهم جاؤا بالتكذيب المطلق لأن الله عز وعلا ركب في العقول وأنزل في الكتب ما دل على غناه وبراءته من مشيئته القبائح وإرادتها، والرسل أخبروا بذلك فمن علق وجود القبائح من الكفر والمعاصي بمشيئة الله وإرادته فقد كذب التكذيب كله وهو تكذيب الله ورسوله وكتبه ونبذ أدلة السمع والعقل وراء ظهره.

والحاصل أن هذا طريق متعين لكل الكفار المتقدمين منهم والمتأخرين في تكذيب الأنبياء وفي دفع دعوتهم عن أنفسهم لأنهم يقولون الكل بمشيئة الله  .

الثالث قوله: ﴿ حتى ذاقوا بأسنا ﴾ وذلك يدل على أنهم استوجبوا الوعيد من الله  في هذا المذهب.

الرابع قوله: ﴿ قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا ﴾ وإنه استفهام على سبيل الإنكار أي لا علم لهؤلاء القائلين ولا حجة.

الخامس: ﴿ إن تتبعون إلا الظن ﴾ السادس: ﴿ وإن أنتم إلا تخرصون ﴾ السابع: ﴿ قل فلَّله الحجة البالغة ﴾ لأنه أزال الأعذار بالتمكين والإقدار فلم يبق لكم على الله حجة وإنما الحجة البالغة له عليكم وذلك أنكم تقولون: لو أتينا بعمل على خلاف مشيئة الله لزم أن يكون الإله عاجزاً مغلوباً.

وهذا الكلام غير لازم لأن الله قادر على أن يحملكم على الإيمان والطاعة على سبيل القهر والإلجاء إلا أن ذلك يبطل الحكمة المطلوبة من التكليف وهذا هو المراد من قوله: ﴿ فلو شاء لهداكم أجمعين ﴾ وبوجه آخر إن كان الأمر كما زعمتم أن ما أنتم عليه بمشيئة الله فلَّله الحجة الكاملة عليكم فإن تعليقكم دينكم بمشيئة الله يقتضي أن تعلقوا دين من يخالفكم أيضاً بمشيئته فتوالوا جميع أهل الأديان ولا تعادوهم.

أجابت الأشاعرة بأنا قد بينا بالدلائل القاطعة من أول القرآن إلى ههنا صحة مذهبنا فوجب تأويل هذه الآية دفعاً للتناقض فنقول: إن القوم كانوا يتمسكون بمشيئة الله  في إبطال دعوة الأنبياء، وفي أن التكليف عبث فبين الله  أن ذلك من تكاذيبهم وأكاذيبهم، وأن التشبث بهذا العذر لا يفيدهم لأنه إله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا اعتراض لأحد عليه، شاء الكفر من الكافر ومع ذلك بعث الأنبياء وأمر بالإيمان، وورود الأمر على خلاف الإرادة غير ممتنع ويؤيد ذلك ما روي عن ابن عباس: أول ما خلق الله القلم فقال: اكتب القدر فجرى بما يكون إلى قيام الساعة.

وقال رسول الله صلى الله عليه وآله "المكذبون بالقدر مجوس هذه الأمة" ثم إن ظاهر آخر الآية معناه وهو قوله: ﴿ فلو شاء لهداكم أجمعين ﴾ وحمل المشيئة على مشيئة الإلجاء والقسر تعسف والله أعلم.

ثم لما أبطل جميع حجج الكفار بين أنه ليس لهم على قولهم شهود فقال: ﴿ قل هلم ﴾ ومعناه إذا كان لازماً أقبل وإذا كان متعدياً أحضر.

قال الخليل: أصله "هالم" من قولهم لمَّ الله شعثه أي جمعه كأنه قال: لمَّ نفسك إلينا أي أقرب والهاء للتنبيه واستعطاف المأمور، ثم حذفت ألفها لكثرة الاستعمال وجعلا اسماً واحداً يستوي فيه الواحد والجمع والتذكير والتأنيث في لغة أهل الحجاز، وأهل نجد يصرفونها "هلما هلموا هلمي هلممن" والأول أفصح وقد يوصل بإلى كقوله  : ﴿ والقائلين لإخوانهم هلم إلينا  ﴾ وقال الفراء: أصلها "هل أم" أرادوا بهل حرف الاستفهام ومعنى أم اقصد.

وقيل: إن أصل استعماله أن قالوا هل لك في الطعام أم أي اقصد.

ثم شاع في الكل.

أمر الله  نبيه باستدعاء إقامة الشهداء من الكافرين ليظهر أن لا شاهد لهم على تحريم ما حرموه.

وإنما لم يقل شهداء يشهدون لأنه ليس الغرض أحضار أناس يشهدون بالتحريم وإنما المراد إحضار شهدائهم الموسومين بالشهادة لهم المعروفين بنصرة مذهبهم ولهذا قال: ﴿ فإن شهدوا ﴾ أي فإن وقعت شهادتهم ﴿ فلا تشهد معهم ﴾ أي لا تسلم لهم ما شهدوا به ولا تصدقهم لأن شهادتهم محض الهوى والتعصب ولأجل ذلك قال أيضاً: ﴿ ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا ﴾ فوضع الظاهر موضع المضمر تسجيلاً عليهم بالتكذيب وليرتب عليه باقي الآية فيعلم أن المتصف بهذه الصفات لا تكون شهادتهم عند العقلاء مقبولة.

التأويل: ﴿ وهو الذي أنشأ جنات ﴾ في القلوب ﴿ معروشات ﴾ من شجرة الإسلام والإيمان والإحسان ﴿ وغير معروشات ﴾ هي الصفات الروحانية التي جبلت القلوب عليها كالسخاء والحياء والوفاء والمودة والفتوة والشفقة والعفة والعلم والحلم والعقل والشجاعة والقناعة ونخل الإيمان وزرع الأعمال الصالحة وزيتون الأخلاق الحميدة ورمان الإخلاص بالشواهد والأحوال ﴿ متشابهاً ﴾ أعمالها ﴿ وغير متشابه ﴾ أحوالها ﴿ كلوا من ثمره ﴾ انتفعوا من ثمار الإيمان والأعمال والإخلاص بالشواهد والأحوال لا بالدعاوى والقيل والقال.

﴿ وآتوا حقه ﴾ وحقه دعوة الخلق وتربيتهم بالحكمة والمواعظة الحسنة و ﴿ يوم حصاده ﴾ أوان بلوغ السالك مبلغ الرجال البالغين عند إدراك ثمرة الكمال للواصلين دون السالك الذي يتردد بعد بين المنازل والمراحل.

﴿ ولا تسرفوا ﴾ بالشروع في الكلام في غير وقته والحرص على الدعوة قبل أوانها.

﴿ ومن الأنعام ﴾ أي ومن الصفات الحيوانية التي هي مركوزة في الإنسان ما هو مستعد لحمل الأمانة وتكاليف الشرع، ومنها ما هو مستعد للأكل والشرب لصلاح القالب وقيام البشرية.

﴿ كلوا مما رزقكم الله ﴾ فرزق القلب هو التحقيق من حيثالبرهان، ورزق الروح هو المحبة بصدق التحرز عن الأكوان، ورزق السر هو شهود العرفان يلحظ العيان، فانتفعوا من هذه الأرزاق بقدر ما ينبغي.

﴿ إنه لكم عدو مبين ﴾ يخرجكم بالتفريط والإفراط إلى ضد المقصود.

ثم إن الصفات الحيوانية ثمان بعضها ذكور وبعضها إناث يتولد منها صفات أخر كلها محمودة إذ استعملت في محالها، وبمقدار ما ينبغي ﴿ من الضأن اثنين ومن المعز اثنين ﴾ والضأن والمعز من جنس الفرشية كما أن الإبل والبقر من جنس الحمولية.

والذكر من الضأن والمعز هما صفة شهوة البطن والفرج والأنثى منهما صفة حسن الخلق عند الاستمتاع بها وصفة التسليم عند تحمل الأذى، والذكر من الإبل والبقر صفتا الظلومية والجهولية، وأنثاهما الحمولية والاستسلام للاستعمال.

فبهذه الصفات الإنسانية صار الإنسان حامل أعباء الأمانة التي أبت المكونات عن حملها وهن أيضاً حملة عرش القلب فافهم، وقد أحل الله  استعمالها واستعمال المتولد منها على قانون الشرعية والطريقة، ومن زعم أنه يجب تركها وفصلها بالكلية فقد افترى ﴿ لو شاء الله ما أشركنا ﴾ الكلام في نفسه حق وصدق إلا أنهم لما ذكروه في معرض الإلزام دفعاً للأذية والآلام كذبوا فيما قالوا والله  أعلم بالصواب.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ سَيَقُولُ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ  ﴾ .

قيل: الآية في مشركي العرب.

قالوا ذلك حين لزمتهم المناقضة، وانقطع حجاجهم في تحريمهم ما حرموا من الأشياء، وأضافوا ذلك إلى الله، وهو صلة قوله: ﴿ ثَمَٰنِيَةَ أَزْوَٰجٍ مَّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْمَعْزِ ٱثْنَيْنِ قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلأُنثَيَيْنِ...

﴾ إلى آخر ما ذكر [الأنعام: 143] إلى قوله: ﴿ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ وَصَّٰكُمُ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا  ﴾ فلما لزمتهم المناقضة وانقطع حجاجهم فزعوا عند ذلك إلى هذا القول: ﴿ لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ ﴾ ، فيقول الله لنبيه: ﴿ كَذٰلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِم ﴾ : من الأمم الخالية رسلهم كما كذبك هؤلاء، وكانوا يقولون لرسلهم ما قال لك هؤلاء: ﴿ لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا...

﴾ إلى آخر ما ذكر.

ثم اختلف في تأويل قوله: ﴿ لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا ﴾ \[إلى آخر ما ذكر\].

قال الحسن، والأصم: إن المشيئة - هاهنا -: الرضا؛ قالوا: رضي الله بفعلنا وصنيعنا، حيث فعل آباؤنا مثل ما فعلنا، وصنعوا مثل ما صنعنا، فلم يحل الله بينهم وبين ذلك، ولا أخذ على أيديهم، ولا منعهم عن ذلك، فلو لم يرض بذلك منهم لكان يحول ذلك عنهم ويمنعهم عنه.

وإنما استدلوا بالرضا من الله والإذن فيه بما كانوا يخوفون إياهم الهلاك والعذاب بصنيعهم الذي كانوا صنعوا، ثم رأوهم ماتوا على ذلك ولم يأتهم العذاب، فاستدلوا بتأخير نزول العذاب عليهم على أن الله رضي بذلك، والله أعلم.

وليس للمعتزلة في ظاهر هذه الآية [أدنى] تعلق؛ لأنهم يقولون: إن الله -  - قد ردّ ذلك القول الذي قالوا، وعاتبهم على ذلك القول بقوله: ﴿ كَذٰلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِم حَتَّىٰ ذَاقُواْ بَأْسَنَا ﴾ ، وأوعدهم على ذلك وعيداً شديداً، فلو كان يجوز إضافة المشيئة إلى الله  في ذلك على ما تضيفون أنتم لم يكن يرد ذلك عنهم، ولا عاتبهم على ذلك، ولا أوعدهم وعيداً في ذلك؛ دل أنه لا يجوز أن يقال ذلك، ولا إضافة المشيئة إليه في ذلك.

فنقول - وبالله التوفيق -: إن المشيئة - هاهنا - تحتمل وجوهاً: أحدها: ما قال الحسن والأصم من الرضا؛ قالوا: إن الله رضي بذلك.

والثاني: الأمر والدعاء إلى ذلك؛ يقولون: إن الله أمرهم بذلك، ودعاهم إلى ذلك.

والثالث: كانوا يقولون ذلك على الاستهزاء والسخرية، لا على الحقيقة، وهكذا أمر المجوس أنهم إذا قيل لهم هذا: لم لا تؤمنون وتسلمون؟

يقولون ما قال هؤلاء: لو شاء الله لآمنا ولا أشركنا؛ فهذا العتاب الذي لحقهم والوعيد الذي أوعدهم إنما كان لما قالوا ذلك استهزاء منهم؛ أو لما ادعوا من الأمر والدعاء على الله وافتروا عليه، أو الرضا أنه رضي بذلك.

على هذه الوجوه الثلاثة تخرج المشيئة في هذا الموضع - والله أعلم - لا على ما قاله المعتزلة، وهو ما ذكر في آية أخرى: ﴿ وَيَقُولُ ٱلإِنسَانُ أَءِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً  ﴾ هي كلمة حق، لكن قالها استهزاء وهزؤا، فلحقه العتاب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَآ ﴾ أي: هل عندكم من بيان وحجة من الله [فتبينوه لنا وتظهروه على زعمكم أن الله أمركم بذلك ودعاكم إليه أو ترككم على ذلك لما رضي بذلك] دون أن أمهلكم ليعذبكم، أو ليس قد ترك من خالفكم في ذلك، ثم لم يدل تركه إياهم على أنه رضي بذلك، فقال الله: ﴿ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ ﴾ .

أي: ما تتبعون في ذلك إلا الظن.

﴿ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ  ﴾ .

أي: ما هم إلا يخرصون ويكذبون في ذلك، ليست لهم حجة ولا بيان على ما يدعون من الأمر والدعاء إلى ذلك، والترك على ما هم عليه من الرضا به.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ فَلِلَّهِ ٱلْحُجَّةُ ٱلْبَالِغَةُ ﴾ .

[قيل: الحجة البالغة]: التي إذا بلغت كل شبهة أزالتها، وكل غافل نائم نبهته وأيقظته.

وقل: الحجة البالغة: التامة القاهرة، الظاهرة على كل شيء، الغالبة عليه، لم تبلغ شيئاً إلا قهرته وغلبته.

وقال الحسن: الحجة البالغة في الآخرة: لا يعذب أحداً ولا يعاقبه إلا لحجة تلزم، لا يعاقب بهوى أو انتقام أو شهوة على ما يعاقب في الشاهد ولا غيره، ما من أحد من الخلائق إلا ولله عليه الحجة البالغة، أما الملك المقرب: فإن الله جبله على الطاعة فلا يعصيه، منّاً من الله عليه طولا وفضلا، فهو مقصر عن شكر نعمة الله عليه، وأما النبي المرسل والعبد الصالح: فلله عليهما السبيل والحجة من غير وجه.

ثم تحتمل الحجة البالغة وجوهاً: أحدها: هذا القرآن الذي أنزله على رسول الله  آية معجزة وحجة بالغة ما عجز الخلائق عن إتيان مثله، فدل عجزهم عن إتيان مثله على أنه آية من آيات الله، وحجة من حجج الله أرسلها إلى نبيه  .

والثاني: أنه جعل في كلية الخلائق والأشياء ما يشهد أن الخلائق والأشياء كلها له شهادة خلقه، وتدل كلية الأشياء على وحدانيته، فهو حجة بالغة.

والثالث: ألسن الرسل وأنباؤهم؛ [حيث لم يؤاخذوهم بكذب قط فيما بينهم، ولا جرى على لسانهم كذب قط، ولا فحش؛ عصمهم - عز وجل -] عن ذلك، فدل [ذلك] على أنهم إنما خصوا بذلك؛ لما أن الله جعلهم حججاً وآيات على وجه الأرض حجة بالغة، وبالله العصمة.

وقال بعضهم: ﴿ فَلِلَّهِ ٱلْحُجَّةُ ٱلْبَالِغَةُ ﴾ في تحريم الأشياء وتحليلها، ليس لهؤلاء الذين يحرمون أشياء لهم في تحريمهم حجة، إنما يحرمون ذلك بهوى أنفسهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَوْ شَآءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ .

قال الحسن: المشيئة - هاهنا -: مشيئة القدرة، وقال: لو شاء قهرهم وأعجزهم حتى لم يقدروا على معصية قط؛ على ما جعل الملائكة جبلهم على الطاعة حتى لا يقدروا على معصية قط، ثم هو يفضل الملائكة على الرسل والأنبياء والبشر جميعاً، ويقول: هم مجبورون على الطاعة، فذلك تناقض في القول لا يجوز من كان مقهوراً مجبوراً على الطاعة يفضل على من يعمل بالاختيار مع تمكن الشهوات فيه، والحاجات التي تغلب صاحبها وتمنعه عن العمل بالطاعة، أو يقول: فضلهم بالجوهر والأصل، فلا يجوز أن يكون لأحد بالجوهر نفسه فضل على غير ذلك الجوهر؛ لأن الله -  - لم يذكر فضل شيء بالجوهر إلا مقروناً بالأعمال الصالحة الطيبة؛ كقوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي ٱلسَّمَآءِ  تُؤْتِيۤ أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ  وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ ٱجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ ٱلأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ  ﴾ وغيره، وقوله: ﴿ وَٱلْبَلَدُ ٱلطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ  ﴾ وقوله: ﴿ وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّالِحُ يَرْفَعُهُ  ﴾ ونحوه، لم يفضل أحداً بالجوهر على أحد، ولكن إنما فضله بالأعمال الصالحة؛ لذلك قلنا: إن قوله يخرج على التناقض، وتأويل قوله: ﴿ فَلَوْ شَآءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ عندنا ظاهر، لو شاء لهداهم جميعاً، ووفقهم للطاعة، وأرشدهم لذلك، وهو كقوله: ﴿ وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فِضَّةٍ...

﴾ الآية [الزخرف: 33] فإذا كان الميل إلى الكفر لمكان ما جعل لهم من الفضة والزينة، فإذا كان ذلك للمؤمنين آمنوا، ثم لم يجعل كذلك، دل هذا على أن قولهم: ﴿ لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا ﴾ هو الأمر والرضا، أو ذكروا على الاستهزاء؛ حيث قال: ﴿ فَلَوْ شَآءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ .

والمعتزلة يقولون: المشيئة - هاهنا - مشيئة قسر وقهر، وقد ذكرنا ألا يكون في حال القهر إيمان، وإنما يكون في حال الاختيار، والمشيئة مشيئة الاختيار، ولا تحتمل مشيئة الخلقة؛ لأن كل واحد بمشيئة الخلقة مؤمن، فدل أن التأويل ما ذكرنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ هَلُمَّ شُهَدَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَ هَـٰذَا  ﴾ الذي تحرمون أنتم من الوصيلة، والسائبة، والحامي، وما حرموا من الحرث والأنعام ﴿ فَإِن شَهِدُواْ ﴾ .

أن الله حرّمه ﴿ فَلاَ تَشْهَدْ مَعَهُمْ ﴾ .

كيف قال: ﴿ هَلُمَّ شُهَدَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَ هَـٰذَا فَإِن شَهِدُواْ فَلاَ تَشْهَدْ مَعَهُمْ ﴾ .

دعاهم إلى أن يأتوا بالحجة، فإذا أقاموها لا تشهد معهم، لكن هذا - والله أعلم - أنهم يعلمون أن التحريم إلى الله، ليس إلى أحد من الخلائق، فإن شهدوا بأنه حرم، فلا تشهد معهم؛ فإنهم شهدوا بباطل.

ويحتمل: أن يكون أمره أن يسألهم شهداء من أهل الكتاب يشهدون لهم بأن الله حرم هذا؛ لأن هؤلاء كانوا أهل شرك، وعبدة الأوثان يسألون أهل الكتاب وأهل الرسل يشهدون لهم بذلك، فإن شهدوا فلا تشهد معهم أي: لا يشهدون لهم بذلك، فلا تشهد أنت - أيضاً - معهم؛ على الإخبار أنهم لا يشهدون؛ وهو كقوله: ﴿ لَئِنْ أُخْرِجُواْ لاَ يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِن قُوتِلُواْ لاَ يَنصُرُونَهُمْ وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ...

﴾ الآية [الحشر: 12]، أخبر عن المنافقين أنهم قالوا: ﴿ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلاَ نُطِيعُ فيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ...

 ﴾ ثم أخبر عنهم أنهم ﴿ لَئِنْ أُخْرِجُواْ لاَ يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِن قُوتِلُواْ لاَ يَنصُرُونَهُمْ...

 ﴾ الآية، لكنه أخبر أنهم لا يقاتلون رأساً، وإلا لو نصروهم لا يولون الأدبار؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ هَلُمَّ شُهَدَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَ هَـٰذَا فَإِن شَهِدُواْ فَلاَ تَشْهَدْ مَعَهُمْ ﴾ ؛ لأنهم لا يشهدون، والله أعلم.

ويشبه أن يسألوا حتى يأتوا بآبائهم حتى يشهدوا؛ لأنهم كانوا يقولون: إنا وجدنا عليها آباءنا، والله أمرنا بها، وإن الله رضي بصنيع آبائنا؛ حيث لم يهلكهم، وتركهم على ذلك، فيسألون أن يأتوا بأولئك حتى يكونوا هم الذين يشهدون على ذلك، فلن يجدوا إلى ذلك سبيلا أبداً؛ وهو كقوله: ﴿ وَٱدْعُواْ شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَٰدِقِينَ  ﴾ فلا يجدون أبداً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا ﴾ .

دل أن ما كانوا يحرمون إنما يحرمون بهواهم، لا بحجة وبرهان.

﴿ وَٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ وَهُم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ﴾ .

أي: يعدلون الأصنام في العبادة والألوهية بربهم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قل -أيها الرسول- للمشركين: إن لم تكن لكم حجج إلا هذه الحجج الواهية فإن لله الحجة القاطعة التي تنقطع عندها معاذيركم التي تقدمونها، وتبطل بها شبهكم التي تتعلقون بها، فلو شاء الله توفيقكم جميعًا للحق -أيها المشركون- لوفَّقكم له.

<div class="verse-tafsir" id="91.VEB0V"

مزيد من التفاسير لسورة الأنعام

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله