تفسير سورة الأنعام الآية ٥٤ عند البسيط

الإسلام > القرآن > تفسير > البسيط > سورة 6 الأنعام > الآية ٥٤

وَإِذَا جَآءَكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِـَٔايَـٰتِنَا فَقُلْ سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمْ ۖ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ ۖ أَنَّهُۥ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوٓءًۢا بِجَهَـٰلَةٍۢ ثُمَّ تَابَ مِنۢ بَعْدِهِۦ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُۥ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ٥٤

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 10 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا ﴾ الآية قال ابن عباس: (نزلت في أصحاب النبي  أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم (١) وقال عكرمة (٢) (٣)  إذا رآهم بدأهم بالسلام، ويقول: "الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرني أن أبدأهم بالسلام" (٤) ﴿ وَإِذَا جَاءَكَ ﴾ ﴿ إِذَا ﴾ ظرف للقول أي: قل سلام عليكم إذا جاؤوك، و ﴿ جَاءَكَ ﴾ في موضع جر؛ لأن ﴿ إِذَا ﴾ مضاف إليه بمنزلة (٥) ﴿ جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا ﴾ أي: يصدقون [بحججنا] (٦) قال الزجاج (٧) ﴿ فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ﴾ (السلام (٨) (٩) (١٠) (١١) تُحَيَّ بالسَّلاَمَةِ أُمُّ بَكْرٍ ...

وَهَلْ لَكِ بَعْدَ قَومِكِ مِنْ سَلاَمِ) والوجهان ذكرهما الزجاج وابن الأنباري، قال أبو بكر: (قال قوم: السلام الله (١٢) (١٣) ﴿ فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ﴾ (١٤) (١٥) وقال أبو الهيثم: (السلام والتحية بمعنى واحد معناهما: السلامة من جميع الآفات) (١٦) ﴿ قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ  ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ﴾ .

قال ابن عباس: (يريد: قضى [لكم] (١٧) ﴿ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ﴾ ) (١٨) قال أبو إسحاق: (معنى ﴿ كَتَبَ ﴾ : أوجب ذلك إيجابًا مؤكدًا، وإنما خوطب الخلق بما يعقلون وهم يعقلون أن توكيد الشيء المؤخّر إنما يحفظ بالكتاب قال: وجائز أن يكون كتب ذلك في اللوح المحفوظ) (١٩) وقوله تعالى: ﴿ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ﴾ قال ابن عباس: (يريد: إن ذنوبكم جهل، ليس بكفر ولا جحود) (٢٠) وقال الحسن (٢١) (٢٢) (٢٣) قال أبو إسحاق: (معنى الجهالة هاهنا يحتمل أمرين أحدهما: أنه عمله وهو جاهل بمقدار المكروه فيه، أي: لم يعرف أن فيه مكروهًا، والآخر: أنه علم أن عاقبته مكروهة، ولكنه آثر العاجل فجُعل جاهلاً بأنه آثر القليل على الراحة الكثيرة والعافية الدائمة) (٢٤) (٢٥) ﴿ إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ﴾ الآية [النساء: 17]، وقد ذكرنا ما فيه هناك.

وقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ ﴾ أي: رجع عن ذنبه ولم يصرّ على ما فعل ﴿ وَأَصْلَحَ ﴾ عمله ﴿ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ .

واختلف القرّاء (٢٦) ﴿ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ ﴾ فـ ﴿ فَأَنَّهُ ﴾ فقرأ بعضهم بالفتح فيهما أما فتح الأولى فعلى التفسير للرحمة، كأنه قيل: ﴿ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ ﴾ .

وأما فتح الثانية فعلى أن تجعله بدلاً من الأولى كقوله تعالى: ﴿ أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ  ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿ كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ  ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿ أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ  ﴾ ، وهذا معنى قول الفراء (٢٧) (٢٨) ﴿ الرَّحْمَةَ ﴾ ، وأما التي بعد الفاء فعلى أنه أضمر له خبرًا تقديره: فله أنه ﴿ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ أي: فله غفرانه، أو أضمر مبتدأ يكون أن خبره كأنه فأمره أنه ﴿ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ ، وعلى هذا التقدير يكون الفتح في قوله تعالى: ﴿ أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ ﴾ (٢٩) ﴿ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ ﴾ وإن شئت قدرت، فأمره أن ﴿ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ ﴾ فيكون خبر هذا المبتدأ المضمر.

قال: ومن ذهب في هذه الآية إلى أن التي بعد الفاء تكرير للأولى لم يستقم قوله، وذلك أن ﴿ مَنْ ﴾ لا تخلو من أن [تكون] (٣٠) (٣١) ﴿ فَأَنَّ لَهُ ﴾ يمنع من أن يكون بدلاً، ألا ترى أنه لا يكون بين البدل والمُبدل منه الفاء العاطفة ولا التي للجزاء، فإن جاءت: إنها زائدة بقي الشرط بلا جزاء فلا يجوز إذن تقدير زيادتها هنا وإن جاءت زائدة في غير هذا الموضع) (٣٢) ﴿ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ﴾ قال: ﴿ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ ، ودخلت الفاء جوابًا للجزاء وكُسِرت إن لأنها على ابتداء وخبر، كأنك قلت: فهو ﴿ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ ، إلا إنْ الكلام بإنْ أوكد؛ هذا قول الزجاج (٣٣) وقال أبو علي: (أما كسر إن في قوله تعالى: ﴿ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ فلأن ما بعد الفاء حكمه الابتداء، ومن ثم حمل قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ  ﴾ ، على إرادة المبتدأ بعد الفاء وحذفه، وقرأ نافع الأولى بالفتح والثانية بالكسر أبدل الأولى من الرحمة واستأنف ما بعد الفاء) (٣٤) ﴿ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ ﴾ فهو ﴿ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ لكان صوابًا، فإذا حسن دخول هو حسن الكسر) (٣٥) (١) ذكره القرطبي 6/ 435، عن ابن عباس، وذكره الثعلبي 178 أ، والبغوي 3/ 148، وابن الجوزى 3/ 48، والخازن 2/ 138 عن عطاء.

(٢) ذكره الثعلبي 178 أ، والواحدي في "أسباب النزول" ص 221، والبغوي 3/ 148.

(٣) لفظ: (الحسن) ساقط من (ش)، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 48، وابن الجوزي 3/ 48، عن الحسن وعكرمة، وذكره هود الهواري 1/ 525، عن الحسن، وقال أبو حيان في "البحر" 4/ 139: (هذا هو قول الجمهور، والظاهر أنه يراد به المؤمنون من غير تخصيص) ا.

هـ (٤) الحديث بهذا اللفظ لم أقف على سنده، وفي "الدر المنثور" 3/ 25، قال: (أخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال: أخبرت أن قوله ﴿ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ﴾ قال: كانوا إذا دخلوا على النبي  بدأهم فقال: "سلام عليكم" وإذا لقيهم فكذلك أيضًا) ا.

هـ وذكر الهيثمي في "مجمع الزوائد" 7/ 21: في الآية (أن النبي  قال: "الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرني أن أصبر نفسي معهم" قال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح) ا.

هـ.

(٥) قال السمين في "الدر" 4/ 648: ( ﴿ إِذًا ﴾ منصوب بجوابه، أي: ﴿ فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ﴾ وقت مجيئهم أي: أوقع هذا القول كله في وقت مجيئهم إليك، وهذا معنى واضح) ا.

هـ وقال العكبري في "التبيان" 335، والهمداني في "الفريد" 2/ 155: (العامل في ﴿ إِذًا ﴾ معنى الجواب، أي: إذا جاؤوك سلم عليهم)، وذكر هذا القول السمين في "الدر" وقال: (لا حاجة تدعو إلى ذلك مع فوات قوة المعنى؛ لأن كونه يبلغهم السلام والإخبار بأنه كتب على نفسه الرحمة وأنه من عمل سوءًا بجهالة غفر له لا يقوم مقامه السلام فقط وتقديره: يفضي إلى ذلك) ا.

هـ.

(٦) في (أ): (بجحتنا).

(٧) "معاني الزجاج" 2/ 252.

(٨) انظر: "العين" 7/ 265، و"الجمهرة" 2/ 858، و"الصحاح" 5/ 1951، و"المجمل" 2/ 469، و"مقاييس اللغة" 3/ 90، و"المفردات" ص 421 (سلم).

(٩) لفظ: (أي) ساقط من (أ).

(١٠) لفظ: (السلامة عليكم) ساقط من (ش).

(١١) الشاهد لأبي بكر بن الأسود بن شعوب الليثي، وهو شداد بن الأسود في "سيرة ابن هشام" 2/ 400، و"الروض الأنف" 3/ 117، ولعمرو بن سُمي بن كعب الليثي، وقد ينسب إلى أمه شعوب الخزاعية في كتاب "من نسب إلى أمه لابن حبيب" 49، وبلا نسبة في "تفسير غريب القرآن" ص170، و"اشتقاق أسماء الله" للزجاجي ص 215، و"تهذيب اللغة" 2/ 1742، و"أمالي ابن الشجري" 2/ 24 - 28، و"اللسان" 4/ 2077 (سلم).

(١٢) السلام اسم من أسماء الله تعالى مأخوذ من السلامة، فهو سبحانه السالم من كل ما ينافي كماله ومن مماثلة أحد من خلقه.

انظر: "الأسماء والصفات" للبيهقي ص 53، و"المقصد الأسنى" للغزالي ص 67، و"شرح أسماء الله" للرازي ص 187 (١٣) "الزاهر" 1/ 46.

(١٤) في (ش): ﴿ قل سلام ....

﴾ ، وهو تحريف.

(١٥) انظر: "تفسير الرازي" 13/ 3.

(١٦) "تهذيب اللغة" 2/ 1742، و"اللسان" 4/ 2077 (سلم)، وقال أبو علي في "الحجة" 2/ 298، 4/ 359 - 363: (السلام مصدر سَلَّمْتُ، والسلام جمع سلامة، والسلام اسم من أسماء الله تعالى، والسلام شجر، والسلام البراءة، وأكثر استعماله بغير (أل) وذاك أنه في معنى الدعاء حمل غير المعهود، وجاء بأل محمول على المعهود) ا.

هـ.

(١٧) لفظ: (لكم) ساقط من (ش).

(١٨) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 48، وفي "تنوير المقباس" 2/ 24، قال في الآية: (أوجب ﴿ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ﴾ لمن تاب) ا.

هـ (١٩) "معاني القرآن" 2/ 254، وقال ابن كثير رحمه الله في "تفسيره" 2/ 152: (أي.

أوجبهما على نفسه الكريمة تفضلًا منه وإحسانًا وامتنانًا) ا.

هـ انظر: "تفسير ابن عطية" 5/ 214، و"الفتاوى" 18/ 148 - 151، و"بدائع التفسير" 2/ 142.

(٢٠) أخرج الطبري في "تفسيره" 4/ 299، بسند ضعيف عن ابن عباس قال: (من عمل السوء فهو جاهل ومن جهالته عمل السوء)، وذكر القرطبي في "تفسيره" 5/ 92، نحوه عن ابن عباس وقتادة والضحاك ومجاهد والسدي.

(٢١) قال الماوردي في "تفسيره" 2/ 120: (قال الحسن ومجاهد والضحاك: الجهالة الخطيئة) ا.

هـ.

وقال ابن الجوزي في "زاد المسير" 2/ 37: (قال الحسن وعطاء وقتادة والسدي في آخرين: إنما سموا جهالًا لمعاصيهم، لا أنهم غير مميزين) ا.

هـ.

وذكر قول الحسن الرازي في "تفسيره" 13/ 5.

(٢٢) "تفسير مجاهد" 1/ 149، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 4/ 299، 7/ 209، وابن أبي حاتم 4/ 1301، بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 26 - 27.

(٢٣) أخرجه الطبري في "تفسيره" 7/ 209، وابن أبي حاتم 4/ 1301 بسند ضعيف.

(٢٤) انظر: "معاني الزجاج" 2/ 254.

(٢٥) انظر: "تفسير ابن عطية" 5/ 216، والرازي 13/ 5.

(٢٦) (قرأ نافع (أَنَّهُ) بفتح الهمزة: (فَإِنَّهُ) بكسر الهمزة، وفتحهما جميعًا عاصم وابن عامر، وكسرهما الباقون).

انظر: "السبعة" ص 258، و"المبسوط" ص 168، و"التذكرة" 2/ 398، و"التيسير" ص 102، و"النشر" 2/ 258.

(٢٧) انظر: "معاني القرآن للفراء" 1/ 336 - 337.

(٢٨) انظر: "معاني الزجاج" 2/ 253 - 254، و"الأخفش" 2/ 275 - 276، و"النحاس" 2/ 431 - 432، و"إعراب القرآن للنحاس" 1/ 538.

(٢٩) في (أ): (تعلموا) بالتاء.

(٣٠) في (ش): (يكون).

(٣١) في (ش): (يكون).

(٣٢) "الحجة لأبي علي" 3/ 311 - 313.

(٣٣) "معاني القرآن" 2/ 253 - 254، وقال شيخ الإِسلام في "الفتاوى" 15/ 276 - 277: (الأحسن في هذا أن يقال: كل واحدة من هاتين الجملتين جملة مركبة مؤكدة، فهما تأكيدان مقصودان لمعنيين مختلفين، ألا ترى تأكيد قوله.

﴿ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ بإن غير تأكيد (مَن عَمِلَ سُوء) له بأن، وهذا ظاهر لا خافاء به، وهو كثير في القرآن وكلام العرب) ا.

هـ.

ملخصًا.

(٣٤) "الحجة لأبي علي" 3/ 311 - 313.

(٣٥) انظر: "معاني القرآن" 1/ 337، وانظر: "معاني القراءات" 1/ 355 - 357، و"إعراب القراءات" 1/ 157 - 158، و"الحجة" لابن خالويه ص 139 - 140، و"الحجة" لابن زنجلة ص 252 - 253، و"الكشف" 1/ 433، و"الدر المصون" 4/ 650 - 654.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.6 / 29.5
الإضاءة 31%
البدر بعد 9 يوم
سبحان الله وبحمده