الآية ٥٤ من سورة الأنعام

الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ٥٤ من سورة الأنعام

وَإِذَا جَآءَكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِـَٔايَـٰتِنَا فَقُلْ سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمْ ۖ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ ۖ أَنَّهُۥ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوٓءًۢا بِجَهَـٰلَةٍۢ ثُمَّ تَابَ مِنۢ بَعْدِهِۦ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُۥ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ٥٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 118 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٥٤ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٥٤ من سورة الأنعام عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم ) أي : فأكرمهم برد السلام عليهم ، وبشرهم برحمة الله الواسعة الشاملة لهم ; ولهذا قال : ( كتب ربكم على نفسه الرحمة ) أي : أوجبها على نفسه الكريمة ، تفضلا منه وإحسانا وامتنانا ( أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ) قال بعض السلف : كل من عصى الله ، فهو جاهل .

وقال معتمر بن سليمان ، عن الحكم بن أبان ، عن عكرمة في قوله : ( من عمل منكم سوءا بجهالة ) قال : الدنيا كلها جهالة .

رواه ابن أبي حاتم .

( ثم تاب من بعده وأصلح ) أي : رجع عما كان عليه من المعاصي ، وأقلع وعزم على ألا يعود وأصلح العمل في المستقبل ( فأنه غفور رحيم ) قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، حدثنا معمر ، عن همام بن منبه قال : هذا ما حدثنا أبو هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لما قضى الله الخلق ، كتب في كتابه فهو عنده فوق العرش : إن رحمتي غلبت غضبي " .

أخرجاه في الصحيحين وهكذا رواه الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ورواه موسى بن عقبة ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة .

وكذا رواه الليث وغيره ، عن محمد بن عجلان ، عن أبيه ، عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك وقد روى ابن مردويه ، من طريق الحكم بن أبان ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " إذا فرغ الله من القضاء بين الخلق ، أخرج كتابا من تحت العرش : إن رحمتي سبقت غضبي ، وأنا أرحم الراحمين ، فيقبض قبضة أو قبضتين فيخرج من النار خلقا لم يعملوا خيرا مكتوب بين أعينهم .

عتقاء الله " .

وقال عبد الرزاق : أخبرنا معمر ، عن عاصم بن سليمان ، عن أبي عثمان النهدي عن سلمان في قوله : ( كتب ربكم على نفسه الرحمة ) قال : إنا نجد في التوراة عطفتين : أن الله خلق السماوات والأرض ، وخلق مائة رحمة - أو : جعل مائة رحمة - قبل أن يخلق الخلق ، ثم خلق الخلق ، فوضع بينهم رحمة واحدة ، وأمسك عنده تسعا وتسعين رحمة .

قال فبها يتراحمون ، وبها يتعاطفون ، وبها يتباذلون وبها يتزاورون ، وبها تحن الناقة ، وبها تثج البقرة ، وبها تثغو الشاة ، وبها تتابع الطير ، وبها تتابع الحيتان في البحر .

فإذا كان يوم القيامة ، جمع الله تلك الرحمة إلى ما عنده ، ورحمته أفضل وأوسع .

وقد روي هذا مرفوعا من وجه آخر وسيأتي كثير من الأحاديث الموافقة لهذه عند قوله : ( ورحمتي وسعت كل شيء ) [ الأعراف : 156 ] ومما يناسب هذه الآية [ الكريمة ] من الأحاديث أيضا قوله - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ بن جبل : " أتدري ما حق الله على العباد؟

أن يعبدوه لا يشركوا به شيئا " ، ثم قال : " أتدري ما حق العباد على الله إذا هم فعلوا ذلك؟

ألا يعذبهم " وقد رواه الإمام أحمد ، من طريق كميل بن زياد ، عن أبي هريرة [ رضي الله عنه ]

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (54) قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في الذين عنى الله تعالى ذكره بهذه الآية.

فقال بعضهم: عنى بها الذين نهى الله نبيَّه عن طردهم.

وقد مضت الرواية بذلك عن قائليه.

(4) وقال آخرون: عنَى بها قومًا استفتوا النبي صلى الله عليه وسلم في ذنوب أصابوها عظامٍ, فلم يؤيسهم الله من التوبة.

* ذكر من قال ذلك: 13291- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا يحيى بن سعيد قال، حدثنا سفيان, عن مجمع قال، سمعت ماهان قال: جاء قوم إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم قد أصابوا ذنوبًا عظامًا.

قال ماهان: فما إخاله ردّ عليهم شيئًا.

قال: فأنـزل الله تعالى ذكره هذه الآية: " وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم " الآية.

(5) 13292- حدثنا هناد قال، حدثنا قبيصة, عن سفيان, عن مجمع, عن ماهان: أنّ قومًا جاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد، إنا أصبنا ذنوبًا عظامًا!

فما إخاله ردّ عليهم شيئًا, فانصرفوا فأنـزل الله تعالى ذكره: " وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة " .

قال: فدعاهم فقرأها عليهم.

13293- حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا سفيان, عن مجمّع التميمي قال، سمعت ماهان يقول: فذكر نحوه.

* * * وقال آخرون: بل عُني بها قومٌ من المؤمنين كانوا أشاروا على النبي صلى الله عليه وسلم بطرد القوم الذين نهاه الله عن طردهم , فكان ذلك منهم خطيئة, فغفرها الله لهم وعفا عنهم, وأمر نبيَّه صلى الله عليه وسلم إذا أتوه أن يبشرهم بأن قد غفر لهم خطيئتهم التي سلفت منهم بمشورتهم على النبي صلى الله عليه وسلم بطرد القوم الذين أشاروا عليه بطردهم.

وذلك قول عكرمة وعبد الرحمن بن زيد, وقد ذكرنا الرواية عنهما بذلك قبل.

(6) * * * قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك عندي بتأويل الآية, قولُ من قال: المعنيُّون بقوله: " وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم "، غيرُ الذين نهى الله النبي صلى الله عليه وسلم عن طردهم.

لأن قوله: " وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا "، خبر مستأنَفٌ بعد تقضِّي الخبر عن الذين نهى الله نبيه صلى الله عليه وسلم عن طردهم.

ولو كانوا هم، لقيل: " وإذا جاؤوك فقل سلام عليكم ".

وفي ابتداء الله الخبرَ عن قصة هؤلاء، وتركه وصلَ الكلام بالخبر عن الأولين، ما ينبئ عن أنهم غيرُهم.

فتأويل الكلام إذًا = إذ كان الأمر على ما وصفنا = وإذا جاءك، يا محمد، القومُ الذين يصدِّقون بتنـزيلنا وأدلتنا وحججنا، فيقرّون بذلك قولا وعملا مسترشديك عن ذنوبهم التي سلفت منهم بيني وبينهم, هل لهم منها توبة، فلا تؤيسهم منها, وقل لهم: " سلام عليكم "، أَمَنَةُ الله لكم من ذنوبكم، أن يعاقبكم عليها بعد توبتكم منها (7) =" كتب ربكم على نفسه الرحمة "، يقول: قضى ربكم الرحمة بخلقه (8) =" أنه من عمل منكم سوءًا بجهالة ثم تابَ من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم ".

* * * واختلفت القرأة في قراءة ذلك: فقرأته عامة قرأة المدنيين: (أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا) ، فيجعلون " أنّ" منصوبةً على الترجمة بها عن " الرحمة " =(ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)، على ائتناف " إنه " بعد " الفاء " فيكسرونها، ويجعلونها أداة لا موضع لها, بمعنى: فهو له غفور رحيم = أو: فله المغفرة والرحمة.

(9) * * * وقرأهما بعض الكوفيين بفتح " الألف " منهما جميعًا, بمعنى: كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ = ثم ترجم بقوله: أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ، عن الرحمة، (فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) ، فيعطف ب " أنه " الثانية على " أنه " الأولى, ويجعلهما اسمين منصوبين على ما بينت.

(10) * * * وقرأ ذلك بعض المكيين وعامة قرأة أهل العراق من الكوفة والبصرة: بكسر " الألف " من " إنه " و " إنه " على الابتداء, وعلى أنهما أداتان لا موضع لهما.

(11) * * * قال أبو جعفر: وأولى القراءات في ذلك عندي بالصواب, قراءة من قرأهما بالكسر: (كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ إِنَّهُ) ، على ابتداء الكلام, وأن الخبر قد انتهى عند قوله: " كتب ربكم على نفسه الرحمة " ، ثم استؤنف الخبر عما هو فاعلٌ تعالى ذكره بمن عمل سوءًا بجهالة ثم تاب وأصلح منه.

* * * ومعنى قوله: " أنه من عمل منكم سوءًا بجهالة "، أنه من اقترف منكم ذنبًا, فجهل باقترافه إياه (12) = ثم تاب وأصلح =" فأنه غفورٌ"، لذنبه إذا تاب وأناب، وراجع العمل بطاعة الله، وترك العود إلى مثله، مع الندم على ما فرط منه =" رحيم "، بالتائب أن يعاقبه على ذنبه بعد توبته منه.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: 13294- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو خالد الأحمر, عن عثمان, عن مجاهد: " من عمل منكم سوءًا بجهالة "، قال: من جهل: أنه لا يعلم حلالا من حرام, ومن جهالته ركب الأمر.

13295 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو خالد, عن جويبر, عن الضحاك, مثله .

13296- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير, عن ليث, عن مجاهد: " يعملون السوء بجهالة "، قال: من عمل بمعصية الله, فذاك منه جهل حتى يرجع .

13297- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا بكر بن خنيس, عن ليث, عن مجاهد في قوله: " من عمل منكم سوءًا بجهالة "، قال: كل من عمل بخطيئة فهو بها جاهل.

(13) 13298 - حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا خالد بن دينار أبو خلدة قال: كنا إذا دخلنا على أبي العالية قال: " وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة ".

(14) ---------------- الهوامش : (4) انظر ما سلف رقم: 13258 ، وما بعده.

(5) الآثار: 13291 - 13293 -"سفيان" هو: ابن عيينة.

و"مجمع" ، هو"مجمع بن صمان" أبو حمزة التميمي" ، ثقة ، مضى برقم: 12710.

و"ماهان" الحنفي ، أبو سالم الأعور العابد ، مضى برقم: 3226.

(6) انظر ما سلف رقم: 13264 ، 13265.

(7) انظر تفسير"سلام" فيما سلف 10: 145 ، ومادة (سلم) في فهارس اللغة.

(8) انظر تفسير"كتب" فيما سلف ص: 273 ، تعليق: 2 ، والمراجع هناك.

(9) انظر معاني القرآن للفراء 1: 336 ، 337.

(10) انظر ما قاله أبو جعفر في بيان هذه القراءة فيما سلف ص: 278 - 280.

(11) انظر معاني القرآن للفراء 1: 336 ، 337.

(12) انظر تفسير"الجهالة" فيما سلف 8: 89 - 93 ، وهو بيان جيد جدًا.

(13) الأثر: 13297 -"بكر بن خنيس الكوفي" العابد ، يروى عن ليث بن أبي سليم ، وعبد الرحمن بن زياد ، وإسمعيل بن أبي خالد ، وعطاء بن أبي رباح.

قال ابن عدي: "وهو ممن يكتب حديثه ، ويحدث بأحاديث مناكير عن قوم لا بأس بهم ، وهو نفسه رجل صالح ، إلا أن الصالحين يشبه عليهم الحديث ، وربما حدثوا بالتوهم ، وحديثه في جملة الضعفاء ، وليس ممن يحتج بحديثه" ، وقيل فيه ما هو أشد.

مترجم في التهذيب.

(14) الأثر: 13298 -"خالد بن دينار التميمي السعدي" ، "أبو خلدة" ، ثقة ، مضى برقم: 44 ، 12239.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم قوله تعالى : وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم السلام والسلامة بمعنى واحد .

ومعنى ( سلام عليكم ) سلمكم الله في دينكم وأنفسكم ; نزلت في الذين نهى الله نبيه عليه الصلاة والسلام عن طردهم ، فكان إذا رآهم بدأهم بالسلام وقال : الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرني أن أبدأهم بالسلام فعلى هذا كان السلام من جهة النبي صلى الله عليه وسلم .

وقيل : إنه كان من جهة الله تعالى ، أي : أبلغهم منا السلام ; وعلى الوجهين ففيه دليل على فضلهم ومكانتهم عند الله تعالى .

وفي صحيح مسلم عن عائذ بن عمرو أن أبا سفيان أتى على سلمان وصهيب وبلال ونفر فقالوا : والله ما أخذت سيوف الله من عنق عدو الله مأخذها ; قال : فقال أبو بكر : أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم ؟

!

فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال : يا أبا بكر لعلك أغضبتهم لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك فأتاهم أبو بكر فقال : يا إخوتاه أغضبتكم ؟

قالوا : لا ; يغفر الله لك يا أخي ; فهذا دليل على رفعة منازلهم وحرمتهم كما بيناه في معنى الآية .

ويستفاد من هذا احترام الصالحين واجتناب ما يغضبهم أو يؤذيهم ; فإن في ذلك غضب الله ، أي : حلول عقابه بمن آذى أحدا من أوليائه .

وقال ابن عباس : نزلت الآية في أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم .

وقال الفضيل بن عياض : جاء قوم من المسلمين إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : إنا قد أصبنا من الذنوب فاستغفر لنا فأعرض عنهم ; فنزلت الآية .

وروي عن أنس بن مالك مثله سواء .قوله تعالى : كتب ربكم على نفسه الرحمة أي : أوجب ذلك بخبره الصدق ، ووعده الحق ، فخوطب العباد على ما يعرفونه من أنه من كتب شيئا فقد أوجبه على نفسه .

وقيل : كتب ذلك في اللوح المحفوظ .

أنه من عمل منكم سوءا بجهالة أي : خطيئة من غير قصد ; قال مجاهد : لا يعلم حلالا من حرام ومن جهالته ركب الأمر ، فكل من عمل خطيئة فهو بها جاهل ; وقد مضى هذا المعنى في " النساء " .وقيل : من آثر العاجل على الآخرة فهو الجاهل .

فأنه غفور رحيم قرأ بفتح " أن " من [ ص: 342 ] " فأنه " ابن عامر وعاصم ، وكذلك " أنه من عمل " ووافقهما نافع في " أنه من عمل " .

وقرأ الباقون بالكسر فيهما ; فمن كسر فعلى الاستئناف ، والجملة مفسرة للرحمة ; و ( إن ) إذا دخلت على الجمل كسرت وحكم ما بعد الفاء الابتداء والاستئناف فكسرت لذلك .

ومن فتحهما فالأولى في موضع نصب على البدل من الرحمة ، بدل الشيء من الشيء وهو هو ، فأعمل فيها كتب ، كأنه قال : كتب ربكم على نفسه أنه من عمل ; وأما فأنه غفور بالفتح ففيه وجهان ; أحدهما : أن يكون في موضع رفع بالابتداء والخبر مضمر ، كأنه قال : فله أنه غفور رحيم ; لأن ما بعد الفاء مبتدأ ، أي : فله غفران الله .

الوجه الثاني : أن يضمر مبتدأ تكون ( أن ) وما عملت فيه خبره ; تقديره : فأمره غفران الله له ، وهذا اختيار سيبويه ، ولم يجز الأول ، وأجازه أبو حاتم .

وقيل : إن كتب عمل فيها ; أي : كتب ربكم أنه غفور رحيم .

وروي عن علي بن صالح وابن هرمز كسر الأولى على الاستئناف ، وفتح الثانية على أن تكون مبتدأة أو خبر مبتدأ أو معمولة لكتب على ما تقدم .

ومن فتح الأولى - وهو نافع - جعلها بدلا من الرحمة ، واستأنف الثانية لأنها بعد الفاء ، وهي قراءة بينة .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ولما نهى الله رسولَه، عن طرد المؤمنين القانتين، أمَره بمقابلتهم بالإكرام والإعظام، والتبجيل والاحترام، فقال: { وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ } أي: وإذا جاءك المؤمنون، فحَيِّهم ورحِّب بهم ولَقِّهم منك تحية وسلاما، وبشرهم بما ينشط عزائمهم وهممهم، من رحمة الله، وسَعة جوده وإحسانه، وحثهم على كل سبب وطريق، يوصل لذلك.

ورَهِّبْهم من الإقامة على الذنوب، وأْمُرْهم بالتوبة من المعاصي، لينالوا مغفرة ربهم وجوده، ولهذا قال: { كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ } أي: فلا بد مع ترك الذنوب والإقلاع، والندم عليها، من إصلاح العمل، وأداء ما أوجب الله، وإصلاح ما فسد من الأعمال الظاهرة والباطنة.

فإذا وجد ذلك كله { فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ } أي: صب عليهم من مغفرته ورحمته، بحسب ما قاموا به، مما أمرهم به.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل : ( وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم ) قال عكرمة : نزلت في الذين نهى الله عز وجل نبيه عن طردهم ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا رآهم بدأهم بالسلام .

وقال عطاء : نزلت في أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وبلال وسالم وأبي عبيدة ومصعب بن عمير وحمزة وجعفر وعثمان بن مظعون وعمار بن ياسر والأرقم بن أبي الأرقم وأبي سلمة بن عبد الأسد رضي الله عنهم أجمعين .

( كتب ربكم على نفسه الرحمة ) أي : قضى على نفسه الرحمة ، ( أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ) قال مجاهد : لا يعلم حلالا من حرام فمن جهالته ركب الذنب ، وقيل : جاهل بما يورثه ذلك الذنب ، وقيل : جهالته من حيث أنه آثر المعصية على الطاعة والعاجل القليل على الآجل الكثير ، ( ثم تاب من بعده ) رجع عن ذنبه ، ( وأصلح ) عمله ، قيل : أخلص توبته ، ( فإنه غفور رحيم ) قرأ ابن عامر وعاصم ويعقوب " أنه من عمل منكم " " فأنه غفور رحيم " بفتح الألف فيهما بدلا من الرحمة ، أي : كتب على نفسه أنه من عمل منكم ، ثم جعل الثانية بدلا عن الأولى ، كقوله تعالى : " أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون " ، ( المؤمنون ، 35 ) ، وفتح أهل المدينة الأولى منهما وكسروا الثانية على الاستئناف ، وكسرهما الآخرون على الاستئناف .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل» لهم «سلام عليكم كتب» قضى «ربكم على نفسه الرحمة إنهُ» أي الشأن وفي قراءة بالفتح بدل من الرحمة «من عمل منكم سوءا بجهالة» منه حيث ارتكبه «ثم تاب» رجع «من بعده» بعد عمله عنه «وأصلح» عمله «فإنه» أي الله «غفور» له «رحيم» به، وفي قراءة بالفتح أي فالمغفرة له.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وإذا جاءك -أيها النبي- الذين صَدَّقوا بآيات الله الشاهدة على صدقك من القرآن وغيره مستفتين عن التوبة من ذنوبهم السابقة، فأكرِمْهم بردِّ السلام عليهم، وبَشِّرهم برحمة الله الواسعة؛ فإنه جلَّ وعلا قد كتب على نفسه الرحمة بعباده تفضلا أنه من اقترف ذنبًا بجهالة منه لعاقبتها وإيجابها لسخط الله -فكل عاص لله مخطئًا أو متعمدًا فهو جاهل بهذا الاعتبار وإن كان عالمًا بالتحريم- ثم تاب من بعده وداوم على العمل الصالح، فإنه تعالى يغفر ذنبه، فهو غفور لعباده التائبين، رحيم بهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

السلام والسلامة مصدران من الثلاثى .

يقال سلم فلان من المرض أو من البلاء سلاماً وسلامة ومعناهما البراءة والعافية .

ويستعمل السلام فى التحية ، وهو بمعنى الدعاء بالسلامة من كل سوء ، فهو آية المودة والأمان والصفاء .والمعنى : وإذا حضر إلى مجالسك يا محمد أولئك الذين يؤمنون بآياتنا ويعتقدون صحتها فقل لهم : تحية لكم من خالقكم وبشارة لكم بمغفرته ورضوانه ما دمتم متبعين لهديه ، ومحافظين على فرائضه .{ كَتَبَ رَبُّكُمْ على نَفْسِهِ الرحمة } أى أنه سبحانه أوجب على نفسه الرحمة لعباده تفضلا منه وكرما .ثم بين سبحانه أصلا من أصول الدين فى هذه الرحمة المكتوبة فقال { أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سواءا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } .أى أنه من عمل منكم عملا تسوء عاقبته متلبساً بجهالة دفعته إلى ذلك السوء كغضب شديد ثم تاب من بعد تكل الجهالة وأصلح خطأه وندم على ما بدر منه ، ورد المظالم إلى أهلها ، فالله سبحانه شأنه فى معاملته لهذا التائب النادم " أنه غفور رحيم " .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسائل: المسألة الأولى: اختلفوا في قوله: ﴿ وَإِذَا جَاءكَ الذين يُؤْمِنُونَ بئاياتنا ﴾ فقال بعضهم هو على إطلاقه في كل من هذه صفته.

وقال آخرون: بل نزل في أهل الصفة الذين سأل المشركون الرسول عليه السلام طردهم وإبعادهم، فأكرمهم الله بهذا الإكرام.

وذلك لأنه تعالى نهى الرسول عليه السلام أولاً عن طردهم، ثم أمره بأن يكرمهم بهذا النوع من الإكرام.

قال عكرمة: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا رآهم بدأهم بالسلام ويقول: الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرني أن أبدأه بالسلام وعن ابن عباس رضي الله عنهما: أن عمر لما اعتذر من مقالته واستغفر الله منها.

وقال للرسول عليه السلام، ما أردت بذلك إلا الخير نزلت هذه الآية.

وقال بعضهم: بل نزلت في قوم أقدموا على ذنوب، ثم جاؤه صلى الله عليه وسلم مظهرين للندامة والأسف، فنزلت هذه الآية فيهم والأقرب من هذه الأقاويل أن تحمل هذه الآية على عمومها، فكل من آمن بالله دخل تحت هذا التشريف.

ولي هاهنا إشكال، وهو: أن الناس اتفقوا على أن هذه السورة نزلت دفعة واحدة، وإذا كان الأمر كذلك، فكيف يمكن أن يقال في كل واحدة من آيات السورة أن سبب نزولها هو الأمر الفلاني بعينه؟

المسألة الثانية: قوله: ﴿ وَإِذَا جَاءكَ الذين يُؤْمِنُونَ بئاياتنا ﴾ مشتمل على أسرار عالية، وذلك لأن ما سوى الله تعالى فهو آيات وجود الله تعالى، وآيات صفات جلاله وإكرامه وكبريائه، وآيات وحدانيته، وما سوى الله فلا نهاية له، وما لا نهاية له فلا سبيل للعقل في الوقوف عليه على التفصيل التام، إلا أن الممكن هو أن يطلع على بعض الآيات ويتوسل بمعرفتها إلى معرفة الله تعالى ثم يؤمن بالبقية على سبيل الإجمال ثم إنه يكون مدة حياته كالسائح في تلك القفار، وكالسابح في تلك البحار.

ولما كان لا نهاية لها فكذلك لا نهاية لترقي العبد في معارج تلك الآيات، وهذا مشرع جملي لا نهاية لتفاصيله.

ثم إن العبد إذا صار موصوفاً بهذه الصفة فعند هذا أمر الله محمداً صلى الله عليه وسلم بأن يقول لهم ﴿ سلام عَلَيْكُمُ ﴾ فيكون هذا التسليم بشارة لحصول السلامة.

وقوله: ﴿ كَتَبَ رَبُّكُمْ على نَفْسِهِ الرحمة ﴾ بشارة لحصول الرحمة عقيب تلك السلامة.

أما السلامة فالنجاة من بحر عالم الظلمات ومركز الجسمانيات ومعدن الآفات والمخالفات وموضع التغييرات والتبديلات، وأما الكرامات فبالوصول إلى الباقيات الصالحات والمجردات المقدسات، والوصول إلى فسحة عالم الأنوار والترقي إلى معارج سرادقات الجلال.

المسألة الثالثة: ذكر الزجاج عن المبرد.

أن السلامة في اللغة أربعة أشياء، فمنها سلمت سلاماً وهو معنى الدعاء، ومنها أنه اسم من أسماء الله تعالى، ومنها الإسلام، ومنها اسم للشجر العظيم، أحسبه سمي بذلك لسلامته من الآفات، وهو أيضاً اسم للحجارة الصلبة، وذلك أيضاً لسلامتها من الرخاوة.

ثم قال الزجاج: قوله: ﴿ سلام عَلَيْكُمُ ﴾ السلام هاهنا يحتمل تأويلين: أحدهما: أن يكون مصدر سلمت تسليماً وسلاماً مثل السراح من التسريح، ومعنى سلمت عليه سلاماً، دعوت له بأن يسلم من الآفات في دينه ونفسه.

فالسلام بمعنى التسليم، والثاني: أن يكون السلام جمع السلامة، فمعنى قولك السلام عليكم، السلامة عليكم.

وقال أبو بكر بن الأنباري: قال قوم السلام هو الله تعالى فمعنى السلام عليكم يعني الله عليكم أي على حفظكم وهذا بعيد في هذه الآية لتنكير السلام في قوله: ﴿ فَقُلْ سلام عَلَيْكُمْ ﴾ ولو كان معرفاً لصح هذا الوجه.

وأقول كتبت فصولاً مشبعة كاملة في قولنا سلام عليكم وكتبتها في سورة التوبة، وهي أجنبية عن هذا الموضع فإذا نقلته إلى هذا الموضع كمل البحث والله أعلم.

أما قوله: ﴿ كَتَبَ رَبُّكُمْ على نَفْسِهِ الرحمة ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قوله كتب كذا على فلان يفيد الإيجاب.

وكلمة على أيضاً تفيد الإيجاب ومجموعهما مبالغة في الإيجاب.

فهذا يقتضي كونه سبحانه راحماً لعباده رحيماً بهم على سبيل الوجوب واختلف العقلاء في سبب ذلك الوجوب فقال أصحابنا: له سبحانه أن يتصرف في عبيده كيف شاء وأراد، إلا أنه أوجب الرحمة على نفسه على سبيل الفضل والكرم.

وقالت المعتزلة: إن كونه عالماً بقبح القبائح وعالماً بكونه غنياً عنها، يمنعه من الإقدام على القبائح ولو فعله كان ظلماً، والظلم قبيح، والقبيح منه محال.

وهذه المسألة من المسائل الجلية في علم الأصول.

المسألة الثانية: دلت هذه الآية على أنه لا يمتنع تسمية ذات الله تعالى بالنفس وأيضاً قوله تعالى: ﴿ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِى وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ  ﴾ يدل عليه، والنفس هاهنا بمعنى الذات والحقيقة، وأما بمعنى الجسم والدم فالله سبحانه وتعالى مقدس عنه.

لأنه لو كان جسماً لكان مركباً والمركب ممكن وأيضاً أنه أحد، والأحد لا يكون مركباً، وما لا يكون مركباً لا يكون جسماً وأيضاً أنه غني كما قال: ﴿ والله الغنى ﴾ والغني لا يكون مركباً وما لا يكون مركباً لا يكون جسماً وأيضاً الأجسام متماثلة في تمام الماهية، فلو كان جسماً لحصل له مثل، وذلك باطل لقوله: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيء  ﴾ فأما الدلائل العقلية فكثيرة ظاهرة باهرة قوية جلية والحمد لله عليه.

المسألة الثالثة: قالت المعتزلة قوله: ﴿ كَتَبَ رَبُّكُمْ على نَفْسِهِ الرحمة ﴾ ينافي أن يقال: إنه تعالى يخلق الكفر في الكافر، ثم يعذبه عليه أبد الآباد، وينافي أن يقال: إنه يمنعه عن الإيمان، ثم يأمره حال ذلك المنع بالإيمان، ثم يعذبه على ترك ذلك الإيمان.

وجواب أصحابنا: أنه ضار نافع محيي مميت، فهو تعالى فعل تلك الرحمة البالغة وفعل هذا القهر البالغ ولا منافاة بين الأمرين.

المسألة الرابعة: من الناس من قال: إنه تعالى لما أمر الرسول بأن يقول لهم: ﴿ سلام عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ على نَفْسِهِ الرحمة ﴾ كان هذا من قول الله تعالى ومن كلامه، فهذا يدل على أنه سبحانه وتعالى قال لهم في الدنيا: ﴿ سلام عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ على نَفْسِهِ الرحمة ﴾ وتحقيق هذا الكلام أنه تعالى وعد أقواماً بأنه يقول لهم بعد الموت ﴿ سَلاَمٌ قَوْلاً مّن رَّبّ رَّحِيمٍ  ﴾ ثم إن أقواماً أفنوا أعمارهم في العبودية حتى صاروا في حياتهم الدنيوية كأنهم انتقلوا إلى عالم القيامة، لا جرم صار التسليم الموعود به بعد الموت في حق هؤلاء حال كونهم في الدنيا، ومنهم من قال: لا، بل هذا كلام الرسول عليه الصلاة والسلام.

وقوله: وعلى التقديرين فهو درجة عالية.

ثم قال تعالى: ﴿ أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوءا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن هذا لا يتناول التوبة من الكفر، لأن هذا الكلام خطاب مع الذين وصفهم بقوله: ﴿ وَإِذَا جَاءكَ الذين يُؤْمِنُونَ بئاياتنا ﴾ فثبت أن المراد منه توبة المسلم عن المعصية، والمراد من قوله: ﴿ بِجَهَالَةٍ ﴾ ليس هو الخطأ والغلط، لأن ذلك لا حاجة به إلى التوبة، بل المراد منه، أن تقدم على المعصية بسبب الشهوة، فكان المراد منه بيان أن المسلم إذا أقدم على الذنب مع العلم بكونه ذنباً ثم تاب منه توبة حقيقية فإن الله تعالى يقبل توبته.

المسألة الثانية: قرأ نافع ﴿ أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ ﴾ بفتح الألف ﴿ فَأَنَّهُ غَفُورٌ ﴾ بكسر الألف، وقرأ عاصم وابن عامر بالفتح فيهما، والباقون بالكسر فيهما.

أما فتح الأولى فعلى التفسير للرحمة، كأنه قيل: كتب ربكم على نفسه أنه من عمل منكم.

وأما فتح الثانية فعلى أن يجعله بدلاً من الأولى كقوله: ﴿ أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتٌّمْ وَكُنتُمْ تُرَاباً وعظاما أَنَّكُمْ مُّخْرَجُونَ  ﴾ وقوله: ﴿ كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلاَّهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ  ﴾ وقوله: ﴿ أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ الله وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ  ﴾ قال أبو علي الفارسي: من فتح الأولى فقد جعلها بدلاً من الرحمة، وأما التي بعد الفاء فعلى أنه أضمر له خبراً تقديره، فله أنه غفور رحيم، أي فله غفرانه، أو أضمر مبتدأ يكون أن خبره كأنه قيل: فأمره أنه غفور رحيم.

وأما من كسرهما جميعاً فلأنه لما قال: ﴿ كَتَبَ رَبُّكُمْ على نَفْسِهِ الرحمة ﴾ فقد تم هذا الكلام، ثم ابتدأ وقال: ﴿ أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوءا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ فدخلت الفاء جواباً للجزاء، وكسرت إن لأنها دخلت على مبتدأ وخبر كأنك قلت فهو غفور رحيم.

إلا أن الكلام بأن أوكد هذا قول الزجاج.

وقرأ نافع الأولى بالفتح والثانية بالكسر، لأنه أبدل الأولى من الرحمة، واستأنف ما بعد الفاء.

والله أعلم.

المسألة الثالثة: قوله: ﴿ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوءا بِجَهَالَةٍ ﴾ قال الحسن: كل من عمل معصية فهو جاهل، ثم اختلفوا فقيل: إنه جاهل بمقدار ما فاته من الثواب وما استحقه من العقاب، وقيل: إنه وإن علم أن عاقبة ذلك الفعل مذمومة، إلا أنه آثر اللذة العاجلة على الخير الكثير الآجل، ومن آثر القليل على الكثير قيل في العرف إنه جاهل.

وحاصل الكلام أنه وإن لم يكن جاهلاً إلا أنه لما فعل ما يليق بالجهال أطلق عليه لفظ الجاهل، وقيل نزلت هذه الآية في عمر حين أشار بإجابة الكفرة إلى ما اقترحوه، ولم يعلم بأنها مفسدة ونظير هذه الآية قوله: ﴿ إِنَّمَا التوبة عَلَى الله لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السوء بجهالة  ﴾ .

المسألة الرابعة: قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ ﴾ فقوله: ﴿ تَابَ ﴾ إشارة إلى الندم على الماضي وقوله: ﴿ وَأَصْلَحَ ﴾ إشارة إلى كونه آتياً بالأعمال الصالحة في الزمان المستقبل.

ثم قال: ﴿ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ فهو غفور بسبب إزالة العقاب، رحيم بسبب إيصال الثواب الذي هو النهاية في الرحمة.

والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ فَقُلْ سلام عَلَيْكُمْ ﴾ إما أن يكون أمراً بتبليغ سلام الله إليهم.

وإما أن يكون أمراً بأن يبدأهم بالسلام إكراماً لهم وتطييباً لقلوبهم.

وكذلك قوله: ﴿ كَتَبَ رَبُّكُمْ على نَفْسِهِ الرحمة ﴾ من جملة ما يقول لهم ليسرهم ويبشرهم بسعة رحمة الله وقبوله التوبة منهم.

وقرئ: (إنه) فإنه بالكسر على الاستئناف كأن الرحمة استفسرت فقيل: ﴿ أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ ﴾ وبالفتح على الإبدال من الرحمة ﴿ بِجَهَالَةٍ ﴾ في موضع الحال، أي عمله وهو جاهل.

وفيه معنيان، أحدهما: أنه فاعل فعل الجهلة لأنّ من عمل ما يؤدي إلى الضرر في العاقبة وهو عالم بذلك أو ظانّ فهو من أهل السفه والجهل، لا من أهل الحكمة والتدبير.

ومنه قول الشاعر: عَلَى أَنَّهَا قَالَتْ عَشِيَّةَ زُرْتُهَا ** جَهِلْتَ عَلَى عَمْدٍ وَلَمْ تَكُ جَاهِلا والثاني: أنه جاهل بما يتعلق به من المكروه والمضرة.

ومن حق الحكيم أن لا يقدم على شيء حتى يعلم حاله وكيفيته.

وقيل: إنها نزلت في عمر رضي الله عنه حين أشار بإجابة الكفرة إلى ما سألوا ولم يعلم أنها مفسدة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَإذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكم كَتَبَ رَبُّكم عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ﴾ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ هُمُ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم وصَفَهم بِالإيمانِ بِالقُرْآنِ واتِّباعِ الحُجَجِ بَعْدَ ما وصَفَهم بِالمُواظَبَةِ عَلى العِبادَةِ، وأمَرَهُ بِأنْ يَبْدَأ بِالتَّسْلِيمِ أوْ يُبَلِّغَ سَلامَ اللَّهِ تَعالى إلَيْهِمْ ويُبَشِّرَهم بِسِعَةِ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى وفَضْلِهِ بَعْدَ النَّهْيِ عَنْ طَرْدِهِمْ، إيذانًا بِأنَّهُمُ الجامِعُونَ لِفَضِيلَتَيِ العِلْمِ والعَمَلِ، ومَن كانَ كَذَلِكَ يَنْبَغِي أنْ يُقَرَّبَ ولا يُطْرَدَ، ويُعَزَّ ولا يُذَلَّ، ويُبَشَّرَ مِنَ اللَّهِ بِالسَّلامَةِ في الدُّنْيا والرَّحْمَةِ في الآخِرَةِ.

وَقِيلَ «إنَّ قَوْمًا جاءُوا إلى النَّبِيِّ  فَقالُوا: إنّا أصَبْنا ذُنُوبًا عِظامًا فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ شَيْئًا فانْصَرَفُوا فَنَزَلَتْ.» ﴿ أنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكم سُوءًا ﴾ اسْتِئْنافٌ بِتَفْسِيرِ الرَّحْمَةِ.

وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ ويَعْقُوبُ بِالفَتْحِ عَلى البَدَلِ مِنها.

﴿ بِجَهالَةٍ ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ مَن عَمَلَ ذَنْبًا جاهِلًا بِحَقِيقَةِ ما يَتْبَعُهُ مِنَ المَضارِّ والمَفاسِدِ، كَعُمَرَ فِيما أشارَ إلَيْهِ، أوْ مُلْتَبِسًا بِفِعْلِ الجَهالَةِ فَإنَّ ارْتِكابَ ما يُؤَدِّي إلى الضَّرَرِ مِن أفْعالِ أهْلِ السَّفَهِ والجَهْلِ.

﴿ ثُمَّ تابَ مِن بَعْدِهِ ﴾ بَعْدَ العَمَلِ أوِ السُّوءِ.

﴿ وَأصْلَحَ ﴾ بِالتَّدارُكِ والعَزْمِ عَلى أنْ لا يَعُودَ إلَيْهِ.

﴿ فَأنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ فَتْحُهُ مِن فَتْحِ الأوَّلِ غَيْرُ نافِعٍ عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ أوْ خَبَرٍ أيْ فَأمْرُهُ أوْ فَلَهُ غُفْرانُهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فَقُلْ سلام عَلَيْكُمْ} إِما أن يكون أمراً بتبليغ سلام الله إليهم وإما أن يكون أمرا بأن يبدأهم بالسلام إكراما لهم وتطيبا لقلوبهم وكذا قوله {كَتَبَ رَبُّكُمْ على نَفْسِهِ الرحمة} من جملة ما يقول لهم ليبشرهم بسعة رحمة الله وقبوله التوبة منهم ومعناه وعدكم بالرحمة وعداً مؤكداً {أَنَّهُ} الضمير للشأن {مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوءا} ذنباً {بِجَهَالَةٍ} في موضع الحال أي عمله وهو جاهل بما يتعلق به من المضرة أو جعل جاهلاً لإيثاره المعصية على الطاعة {ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ} من بعد السوء أو العمل {وَأَصْلَحَ} وأخلص توبته {فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} أَنَّهُ فَإِنَّهُ شامي وعاصم الأول بدل الرحمة والثاني خبر مبتدأ محذوف أي فشأنه أنه غفور رحيم أَنَّهُ فَإِنَّهُ مدني الأول بدل الرحمة والثاني مبتدأ

إِنَّهُ فَإِنَّهُ غيرهم على الاستئناف كأن الرحمة استفسرت فقيل إنه من عمل منكم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وإذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا ﴾ هم كَما رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ الَّذِينَ نُهِيَ  عَنْ طَرْدِهِمْ، والمُرادُ بِالآياتِ الآياتُ القُرْآنِيَّةُ أوِ الحُجَجُ مُطْلَقًا، وجُوِّزَ في الباءِ أنْ تَكُونَ صِلَةَ الإيمانِ وأنْ تَكُونَ سَبَبِيَّةً أيْ يُؤْمِنُونَ بِكُلِّ ما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ بِسَبَبِ نُزُولِ الآياتِ أوِ النَّظَرِ فِيها والِاسْتِدْلالِ بِها.

وفي وصْفِ أُولَئِكَ الكِرامِ بِالإيمانِ بَعْدَ وصْفِهِمْ بِما وصَفَهم سُبْحانَهُ بِهِ تَنْبِيهٌ عَلى حِيازَتِهِمْ لِفَضِيلَتَيِ العِلْمِ والعَمَلِ، وتَأْخِيرُ هَذا الوَصْفِ مَعَ أنَّهُ كالمَنشَإ لِلْوَصْفِ السّابِقِ لِما أنَّ مَدارَ الوَعْدِ بِالرَّحْمَةِ هو الإيمانُ كَما أنَّ مَناطَ النَّهْيِ عَنِ الطَّرْدِ فِيما سَبَقَ هو المُداوَمَةُ عَلى العِبادَةِ، وتَقَدَّمَ في رِوايَةِ ابْنِ المُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ ما يُشِيرُ إلى أنَّها نَزَلَتْ في عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُنَّ ورُوِيَ ذَلِكَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما.

وأمْرُ صِيغَةِ الجَمْعِ عَلى هَذا ظاهِرٌ وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ومُسَدَّدٌ في مُسْنَدِهِ وابْنُ جَرِيرٍ وآخَرُونَ عَنْ ماهانَ قالَ: «أتى قَوْمٌ النَّبِيَّ  فَقالُوا: إنّا أصَبْنا ذُنُوبًا عِظامًا فَما رَدَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلَيْهِمْ شَيْئًا فانْصَرَفُوا فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ فَدَعاهم  فَقَرَأها عَلَيْهِمْ» ورُوِيَ عَنْ أنَسٍ مِثْلُ ذَلِكَ، وقِيلَ: لَمْ تَنْزِلْ في قَوْمٍ بِأعْيانِهِمْ بَلْ هي مَحْمُولَةٌ عَلى إطْلاقِها واخْتارَهُ الإمامُ.

والمَشْهُورُ الأوَّلُ وسِياقُ الآيَةِ يُرَجِّحُ ما رُوِيَ عَنْ ماهانَ ﴿ فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ﴾ أمْرٌ مِنهُ تَعالى لِنَبِيِّهِ  أنْ يَبْدَأهم بِالسَّلامِ في مَحَلٍّ لا ابْتِداءَ بِهِ فِيهِ إكْرامًا لَهم بِخُصُوصِهِمْ كَما رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ، واخْتارَهُ الجَبائِيُّ، وقِيلَ: أمَرَهُ سُبْحانَهُ أنْ يُبَلِّغَهم تَحِيَّتَهُ عَزَّ شَأْنُهُ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: إنَّ المَعْنى أقْبَلُ عُذْرَهم واعْتِرافَهُمْ، وبَشِّرْهم بِالسَّلامَةِ مِمّا اعْتَذَرُوا مِنهُ.

وعَلَيْهِ لا يَكُونُ السَّلامُ بِمَعْنى التَّحِيَّةِ.

وهو أيْضًا مَبْنِيٌّ عَلى سَبَبِ النُّزُولِ عِنْدَهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، واخْتارَ بَعْضُهم أنَّهُ بِهَذا المَعْنى أيْضًا عَلى تَقْدِيرِ أنْ يُرادَ بِالمَوْصُولِ ما رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ فَيَكُونُ الكَلامُ أمْرًا لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يُبَشِّرَهم بِالسَّلامِ مِن كُلِّ مَكْرُوهٍ بَعْدَ إنْذارِ مُقابِلِيهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ كَتَبَ رَبُّكم عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ﴾ أيْ أوْجَبَها عَلى ذاتِهِ المُقَدَّسَةِ تَفَضُّلًا وإحْسانًا بِالذّاتِ لا بِتَوَسُّطِ شَيْءٍ أصْلًا، وفِيهِ احْتِمالٌ آخَرُ تَقَدَّمَ تَبْشِيرٌ لَهم بِسِعَةِ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى.

ولَمْ يَعْطِفْ عَلى جُمْلَةِ السَّلامِ مَعَ أنَّهُ مَحْكِيٌّ بِالقَوْلِ أيْضًا قِيلَ لِأنَّها دُعائِيَّةٌ إنْشائِيَّةٌ، وقِيلَ: إشارَةٌ إلى اسْتِقْلالِ كُلٍّ مِن مَضْمُونَيِ الجُمْلَتَيْنِ وهُما السَّلامَةُ مِنَ المَكارِهِ ونِيلُ المَطالِبِ بِالبِشارَةِ.

وفي التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِمْ إظْهارٌ لِلُّطْفِ بِهِمْ وإشْعارٌ بِعِلَّةِ الحُكْمِ.

وتَمامُ الكَلامِ في الآيَةِ قَدْ مَرَّ عَنْ قَرِيبٍ.، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكم سُوءًا ﴾ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ كَما قَرَأ بِذَلِكَ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ ويَعْقُوبُ بَدَلٌ مِنَ (الرَّحْمَةَ) كَما قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ وغَيْرُهُ.

وقِيلَ: إنَّهُ مَفْعُولُ (كَتَبَ) و(الرَّحْمَةَ) مَفْعُولٌ لَهُ، وقِيلَ: أنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ اللّامِ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أيْ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ أنَّهُ إلَخْ ودَلَّ عَلى ذَلِكَ ما قَبْلَهُ.

وقَرَأ الباقُونَ (إنَّهُ) بِالكَسْرِ عَلى الِاسْتِئْنافِ النَّحْوِيِّ البَيانِيِّ كَأنَّهُ قِيلَ: وما هَذِهِ الرَّحْمَةُ؟

والضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ.

و(مَن) مَوْصُولَةٌ أوْ شَرْطِيَّةٌ ومَوْضِعُها مُبْتَدَأٌ و(مِنكُمْ) في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: (بِجَهالَةٍ) حالٌ أيْضًا عَلى الأظْهَرِ أيْ مَن عَمِلَ ذَنْبًا وهو جاهِلٌ أيْ فاعِلٌ فِعْلَ الجَهَلَةِ لِأنَّ مَن عَمِلَ ما يُؤَدِّي إلى الضَّرَرِ في العاقِبَةِ وهو عالِمٌ بِذَلِكَ أوْ ظانٌّ فَهو مِن أهْلِ الجَهْلِ والسَّفَهِ لا مِن أهْلِ الحِكْمَةِ والتَّدْبِيرِ أوْ جاهِلٌ بِما يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ المَكْرُوهِ والمَضَرَّةِ وعَنِ الحَسَنِ كُلُّ مَن عَمِلَ مَعْصِيَةً فَهو جاهِلٌ ﴿ ثُمَّ تابَ ﴾ عَنْ ذَلِكَ ﴿ مِن بَعْدِهِ ﴾ أيِ العَمَلِ أوِ السُّوءِ ﴿ وأصْلَحَ ﴾ أيْ في تَوْبَتِهِ بِأنْ أتى بِشُرُوطِها مِنَ التَّدارُكِ والعَزْمِ عَلى عَدَمِ العَوْدِ أبَدًا ﴿ فَأنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ 45 - أيْ فَشَأْنُهُ سُبْحانَهُ وأمْرُهُ مُبالِغٌ في المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ لَهُ.

فَإنَّ وما بَعْدَها خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ والجُمْلَةُ خَبَرُ (مَن) أوْ جَوابُ الشَّرْطِ، والخَبَرُ حِينَئِذٍ عَلى الخِلافِ، وقَدَّرَ بَعْضُهم فَلَهُ أنَّهُ إلَخْ أوْ فَعَلَيْهِ أنَّهُ إلَخْ، وحِينَئِذٍ يَجُوزُ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ والرَّفْعُ عَلى الفاعِلِيَّةِ، وقِيلَ: إنَّ المُنْسَبِكَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ فَلْيَعْلَمْ أنَّهُ إلَخْ، وقِيلَ: إنَّ هَذا تَكْرِيرٌ لِما تَقَدَّمَ لِبُعْدِ العَهْدِ، وقِيلَ: بَدَلٌ مِنهُ، وقالَ أبُو البَقاءِ: وكِلاهُما ضَعِيفٌ لِوَجْهَيْنِ الأوَّلُ أنَّ البَدَلَ لا يَصْحَبُهُ حَرْفُ مَعْنًى إلّا أنْ يَجْعَلَ الفاءَ زائِدَةً وهو ضَعِيفٌ، والثّانِي أنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إلى أنْ لا يَبْقى لِـ (مَن) خَبَرٌ ولا جَوابَ عَلى تَقْدِيرِ شَرْطِيَّتِها، والتِزامُ الحَذْفِ بِعِيدٌ، وفَتْحُ الهَمْزَةِ هُنا قِراءَةُ مَن فَتَحَ هُناكَ سِوى نافِعٍ فَإنَّهُ كَباقِي القُرّاءِ قَرَأ بِالكَسْرِ وأجازَ الزَّجّاجُ كَسْرَ الأُولى وفَتْحَ الثّانِيَةِ، وهي قِراءَةُ الأعْرَجِ والزُّهْرِيِّ وأبِي عَمْرٍو الدّانِيِّ، ولَمْ يَطَّلِعْ -عَلى ما قِيلَ- أبُو شامَةٍ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ عَلى ذَلِكَ فَقالَ: إنَّهُ مُحْتَمَلٌ إعْرابِيٌّ وإنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهِ، ولَيْسَ كَما قالَ.

ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ تُقَوِّي مَذْهَبَ المُعْتَزِلَةِ حَيْثُ ذَكَرَ سُبْحانَهُ في بَيانِ سِعَةِ رَحْمَتِهِ أنَّ عَمَلَ السُّوءِ إذْ قارَنَ الجَهْلَ والتَّوْبَةَ والإصْلاحَ فَإنَّهُ يُغْفَرُ، ولِذا قِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ في عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ حَيْثُ قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ  : لَوْ أجَبْتَهم لِما قالُوا لَعَلَّ اللَّهَ تَعالى يَأْتِي بِهِمْ ولَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ المَضَرَّةَ ثُمَّ أنَّهُ تابَ وأصْلَحَ حَتّى أنَّهُ بَكى، وقالَ مُعْتَذِرًا: ما أرَدْتُ إلّا خَيْرًا.

وأُورِدَ عَلَيْهِ أنَّهُ مِنَ المُقَرَّرِ أنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ فَنُزُولُها في حَقِّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لا يَدْفَعُ الإشْكالَ وتُعُقِّبَ بِأنَّ مُرادَ المُجِيبِ أنَّ اللَّفْظَ لَيْسَ عامًّا وخِطابَ (مِنكُمْ) لِمَن كانَ في تِلْكَ المُشاوَرَةِ والعامِلَ لِذَلِكَ مِنهم عَمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَلا إشْكالَ.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ بِناءَ الجَوابِ عَلى هَذِهِ الرِّوايَةِ لَيْسَ مِنَ المَتانَةِ بِمَكانٍ إذْ لِلْخَصْمِ أنْ يَقُولَ: لا نُسَلِّمُ تِلْكَ الرِّوايَةَ.

فَلَعَلَّ الأوْلى في الجَوابِ أنَّ ما ذُكِرَ في الآيَةِ إنَّما هو المَغْفِرَةُ الواجِبَةُ حَسَبَ وُجُوبِ الرَّحْمَةِ في صَدْرِ الآيَةِ.

ولا يَلْزَمُ مِن تَقْيِيدِ ذَلِكَ بِما تَقَدَّمَ تَقْيِيدُ مُطْلَقِ المَغْفِرَةِ بِهِ.

فَحِينَئِذٍ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى قَدْ يَغْفِرُ لِمَن لَمْ يَتُبْ مَثَلًا إلّا أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمْ يَكْتُبْ ذَلِكَ عَلى نَفْسِهِ جَلَّ شَأْنُهُ فافْهَمْهُ فَإنَّهُ دَقِيقٌ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَكَذلِكَ فَتَنَّا يقول: هكذا ابتلينا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ يعني: الشريف بالوضيع، والعربي بالمولى، والغني بالفقير لِيَقُولُوا أَهؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا فلم يكن الاختبار لأجل أن يقولوا ذلك.

ولكن كان الاختبار سبباً لقولهم.

وهكذا قوله تعالى: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً [القصص: 8] فلم يأخذوه لأجل ذلك، ولكن كان أخذهم سبباً لذلك فكأنهم أخذوه لأجل ذلك، هاهنا ما كان الاختبار لأجل أن يقولوا هؤلاء منّ الله عليهم من بيننا لأنهم كانوا يقولون: لو كان خيرا ما سبقونا إليه.

ومعناه: ليظهر الذين يقولون: هؤلاء منّ الله عليهم من بيننا.

قال الله تعالى: أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ يعني: بالموحدين منكم من غيرهم.

قال الكلبي: فلما نزلت هذه الآية جاء عمر-  - فاعتذر.

فنزلت هذه الآية: وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا يعني عمر فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ يعني: قبلتُ توبتكم.

ويقال: قبل الله عذركم.

ويقال: المعنى وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا يعني: الضعفة من المسلمين، فابتدئ بالسلام.

وقل: سلام عليكم كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ يعني: أوجب الرحمة وقبول التوبة أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ يعني: من ركب معصية وهو جاهل بركوبها، وإن كان يعلم أنها معصية ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ بعد السوء وَأَصْلَحَ العمل فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ غفور يعني: متجاوز للذنوب رحيم حين قبل التوبة، ويقال: معناه: من عمل منكم سوءاً ثم تاب يغفر له، فكيف من كان قصده الخير فهو أولى بالرحمة.

وروى سفيان عن مجمع عن ماهان الحنفي قال: جاء قوم إلى النبيّ  قد أصابوا ذنوباً عظاماً فأعرض عنهم رسول الله  فنزل: وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ قرأ عاصم وابن عامر أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ: بنصب الألف.

فإنه غفور بالنصب على معنى البناء ومعناه: كتب أَنَّهُ وقرأ نافع: أَنَّهُ بالنصب على معنى البناء فَإِنَّهُ بالكسر على معنى الابتداء.

وقرأ الباقون: كلاهما بالكسر على معنى الابتداء.

ثم قال: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله تعالى: يُرِيدُونَ وَجْهَهُ قلتُ: قال الغَزَّالِيُّ في «الجَوَاهر» : النيةُ والعَمَلُ بهما تمامُ العبادةِ، فالنِّيَّة أحد جُزْأيِ العبَادةِ، لكنها خير الجزأَيْن، ومعنى النيَّة إرادةُ وَجْه اللَّه سبحانه بالعَمَلِ، قال اللَّه تعالى: وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ، ومعنى إخلاصها تصفيةُ الباعِثِ عن الشوائِبِ، ثم قال الغَزَّالِيُّ: وإذا عرفْتَ فَضْل النية، وأنَّها تحلُّ حَدَقَةَ المقْصود، فاجتهد أنْ تستكثر مِنَ النِّيَّة في جميع أعمالِكَ حتى تنوي بعملٍ واحدٍ نيَّاتٍ كثيرة، ولو صَدَقَتْ رغبتُكَ، لَهُدِيتَ لطريقِ رشدك.

انتهى.

وقوله سبحانه: مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ، قال الحَسَنُ والجمهورُ: أيْ: مِنْ حسابِ عملهم، والمعنى: أنك لم تُكَلَّفْ شيئاً غيْرَ دعائهم «١» ، وقوله: فَتَطْرُدَهُمْ: هو جوابُ النفْيِ في قوله: مَا عَلَيْكَ، وقوله: فَتَكُونَ: جوابُ النهْيِ في قوله: وَلا تَطْرُدِ.

وفَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ، أي: ابتلينا، ولِيَقُولُوا: معناه: ليصيرَ بحُكْم القَدَرِ أمرُهُمْ إلى أن يقولُوا على جهة الاِستخْفَافِ والهُزْء: أَهؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا، فاللامُ في لِيَقُولُوا: لامُ الصَّيْرورة.

وقوله سبحانه: أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ، أي: يا أيّها المستخفُّون، ليس الأمر أمر استخفاف، فاللَّه أعلَمُ بمن يشكر نعمه.

وقوله سبحانه: وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ...

الآية: قال جمهور المفسِّرين: هؤلاءِ هم الذينَ نَهَى اللَّهُ عَنْ طردهم، وشَفَعَ ذلك بِأنْ أَمَرَ سبحانه أنْ يسلِّم النبيُّ- عليه السلام- عليهم، ويُؤْنِسَهُمْ، قال خَبَّابُ بْنُ الأَرَتَّ: لما نزلَتْ: وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا ...

الآية، فكنّا نأتي النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فيقولُ لنا: سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ، ونقعُدُ معه، فإذا أراد أنْ يقوم، قَامَ، وتركَنا، فأنزل اللَّه تعالى: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ

يَدْعُونَ رَبَّهُمْ ...

«١» [الكهف: ٢٨] الآية، فكان يَقْعُدُ معنا، فإذا بَلَغَ الوقْتَ الذي يقوم فيه، قمنا وتركناه، حتّى يقوم، وسَلامٌ عَلَيْكُمْ: ابتداءٌ، والتقديرُ: سَلاَمٌ ثابتٌ أو واجبٌ عليكم، والمعنَى: أمَنَةً لكُمْ مِنْ عذاب اللَّه في الدنيا والآخرة، ولفظه لفظُ الخَبَر، وهو في معنى الدُّعَاء، قال الفَخْر «٢» قوله تعالى: كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ: النّفس هاهنا:

بمعنى الذَّات، والحقيقةِ، لا بمعنى الجِسْمِ، واللَّهُ تعالى مقدَّس عنه.

انتهى.

قلتُ: قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ في كتاب «تفسير الأَفْعَال الواقعة في القُرآن» : قوله تعالى:

كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ، قال علماؤنا: كَتَبَ: معناه أَوْجَبَ، وعندي أنه كتب حقيقة، قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «إنَّ اللَّهَ خَلَقَ القَلَمَ، فَقَالَ لَهُ: اكتب، فَكَتَبَ مَا يَكُونُ إلى يَوْمِ القِيَامَةِ» «٣» .

انتهى.

وقرأ عاصمٌ «١» ، وابنُ عَامِرٍ أنَّهُ- بفَتْحِ الهَمْزةِ في الأولى- والثانيةِ «فأنَّهُ» : الأولى بدلٌ من الرَّحْمَةَ، و «أنّه» الثانية: خبر ابتداء مضمر، تقديره: فأمره أنّه عفور رحيمٌ، هذا مذْهَبُ سيبَوَيْه، وقرأ ابنُ كَثِيرٍ، وأبو عَمْرٍو، وحمزة، والكسائي «إنَّهُ» - بكسر الهمزة في الأولى والثانية-، وقرأ نافعٌ بفَتْح الأولى وكَسْر الثانية، والجهالةُ في هذا الموضِعِ: تعمُّ التي تُضَادُّ العِلْمَ، والتي تُشَبَّه بها وذلك أنَّ المتعمِّد لفعْلِ الشيء الذي قَدْ نُهِيَ عنه تسمى معصيته تِلْكَ جِهَالَةً، قال مجاهدٌ: مِنَ الجهالةِ ألاَّ يعلم حَلاَلاً مِنْ حرامٍ «٢» ، ومن جهالته أنْ يركِّب الأمر.

قُلْتُ: أيْ: يتعمَّده، ومن الجهالة الَّتي لا تُضَادُّ العلم قوله صلّى الله عليه وسلّم في استعاذته: «أَوْ أَجْهَلَ أَوْ يُجْهَلَ عَلَيَّ» «٣» ومنها قولُ الشَّاعر: [الوافر]

أَلاَ لاَ يَجْهَلَنْ أحد علينا ...

فنجهل فوق جهل الجاهلينا

«٤»

قال الفخْر «١» : قال الحَسَنُ: كُلُّ مَنْ عَمِلَ معصيةً، فهو جاهلٌ، فقيل: المعنى أنه جاهلٌ بمقدارِ ما فاتَهُ منَ الثَّواب، وما استحقه من العقابِ، قلْتُ: وأيضاً فهو جاهلٌ بقَدْر مَنْ عصاه.

انتهى.

والإشارةُ بقوله تعالى: وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ، إلى ما تقدَّم من النهْيِ عن طَرْدِ المؤمنين، وبَيَانِ فَسَادِ مَنْزَعِ العارضين لذلك، وتفضيل الآياتِ: تبيينُها وشَرْحُها وإظهارُها، قلْتُ: ومما يناسِبُ هذا المَحَلَّ ذِكْرُ شيء ممَّا ورد في فَضْلِ المُصَافَحَة، وقد أسند أبُو عُمَر في «التمهيد» ، عن عبد الرحْمَنِ بْنِ الأسود «٢» ، عن أَبِيهِ وعلقمة أنهما قَالاَ: «مَنْ تَمَامِ التَّحِيَّةِ المُصَافَحَةُ» ، وروى مالكٌ في «الموطإ» ، عن عطاءٍ الخراسانيّ، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «تَصَافَحُوا يَذْهَبُ الغِلُّ، وَتَهَادَوْا تَحَابُّوا، وَتَذْهَب «٣» الشَّحْنَاءُ» ، قال أبو عمر في «التمهيد» : هذا الحديث يتَّصلُ مِنْ وجوه شتى حِسَانٍ كلُّها، ثم أسند أبو عُمَر من طريقِ أبي دَاوُد وغَيْره، عن البَرَاءِ، قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم: «مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ يَلْتَقِيَانِ، فَيَتَصَافَحَانِ إلاَّ غُفِرَ لهما قبل أن يتفرّقا» «٤» ، ثم أسند أبو عُمَرَ عن البَرَاء بنِ عازب، قال:

«لقيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فَأَخَذَ بِيَدِي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنْ كُنْتُ لأحْسِبُ أَنَّ المُصَافَحَةَ لِلْعَجَمِ فَقَالَ: نَحْنُ أَحَقُّ بِالمُصَافَحَةِ مِنْهُمْ مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ يَلْتَقِيَانِ، فَيَأْخُذُ أَحَدُهُمَا بِيَدِ صَاحِبِهِ مَوَدَّةً بَيْنَهُمَا، ونَصِيحَةً، إلاَّ أُلْقِيَتْ ذُنُوبُهُمَا بَيْنَهُمَا» «٥» ، وأسند أبو عُمَرَ عن عمر بْنِ الخَطَّابِ، قال: قَالَ رَسُولُ الله صلّى الله عليه وسلّم: «إذَا التقى المُسْلِمَانِ، فَتَصَافَحَا، أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيهِمَا مِائَةَ رَحْمَةٍ تِسْعُونَ مِنْهَا لِلَّذِي بَدَأَ بِالمُصَافَحَةِ، وَعَشَرَةٌ لِلَّذِي صُوفِحَ، وَكَانَ أَحَبَّهُمَا إلَى اللَّهِ أحسنهما بشرا بصاحبه» «٦» .

انتهى.

وقد ذكرنا/ طَرَفاً مِنْ آدَابِ المُصَافحة فِي غَيْرِ هذا الموضعِ، فَقِفْ عليه، واعمل به، تَرْشَدْ، فإنَّ العلْم إنما يرادُ للعَمَل، وباللَّه التوفيق.

وخُصَّ سبيلُ المُجْرمينَ بالذِّكْر لأنهم الذين آثَرُوا ما تقدَّم من الأقوال، وهو أهَمُّ في هذا الموضِعِ لأنها آياتُ رَدٍّ علَيْهم.

وأيضاً: فتَبْيِينُ سَبِيلِهِمْ يتضمَّن بيانَ سَبِيلِ المُؤْمنين، وتَأوَّلَ ابنُ زَيْد أنَّ قوله:

الْمُجْرِمِينَ مَعْنِيٌّ به الآمِرُونَ بطَرْد الضَّعَفَةِ «١» .

وقوله سبحانه: قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لاَّ أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ ...

الآية: أَمَرَ اللَّهُ سبحانه نَبيَّه- عليه السلام- أنْ يجاهرهم بالتبرّي ممّا هم فيه، وتَدْعُونَ: معناه تعبدون، ويْحْتَمَلُ أنْ يريدَ: تَدْعُونَ في أموركُمْ، وذلك مِنْ معنى العبَادةِ، واعتقادهم الأصنامَ آلهة.

وقوله تعالى: قُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي: المعنى: قل إني على أمْر بيِّن، وَكَذَّبْتُمْ بِهِ، الضمير في «بِهِ» عائدٌ على «بَيِّن» ، أو علَى الرَّبِّ، وقيل: على القُرآن، وهو جليٌّ، وقال بعضُ المفسِّرين: الضميرُ في «به» الثانِي عائدٌ على «مَا» ، والمُرَادُ بها الآياتُ المقْتَرَحَةُ على ما قال بعض المفسِّرين، وقيل: المرادُ به العذابُ، وهو يترجَّح من وجْهَيْن:

أحدهما: مِنْ جهة المعنى وذلك أنَّ قوله: وَكَذَّبْتُمْ بِهِ يتضمَّن أنَّكم واقعتم مَا تَسْتَوْجِبُون به العَذَابَ إلاَّ أنه ليس عنْدِي.

والآخَرُ: مِنْ جهة لَفْظِ الاستعجالِ الذي لَمْ يأت في القُرآن إلاَّ للعذابِ.

وأما اقتراحهم للآيَاتِ، فَلمْ يكُنْ باستعجال.

وقوله: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ، أي: القضاء والإنفاذ، ويَقُصُّ الْحَقَّ، أيْ: يخبر به والمعنى: يقُصُّ القَصَص الحَقَّ، وقرأ حمزةُ «٢» والكِسَائيُّ وغيرهما: «يَقْضِي الحَقَّ» ، أي: ينفذه.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى خَمْسَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في رِجالٍ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ  فَقالُوا: إنّا أصَبْنا ذُنُوبًا عَظِيمَةً، فَسَكَتَ عَنْهم رَسُولُ اللَّهِ  فَنَزَلَتْ هَذِهِ، الآَيَةُ قالَهُ أنَسُ بْنُ مالِكٍ.

والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في الَّذِينَ نَهى عَنْ طَرْدِهِمْ، فَكانَ النَّبِيُّ  إذا رَآَهم بَدَأهم بِالسَّلامِ، وقالَ: «الحَمْدُ لَلَّهِ الَّذِي جَعَلَ في أُمَّتِي مَن أمَرَنِي أنْ أبْدَأهم بِالسَّلامِ،» قالَهُ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ.

والثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ، وعُثْمانَ، وعَلَيٍّ، وحَمْزَةَ، وجَعْفَرٍ، وعُثْمانَ بْنَ مَظْعُونٍ، وأبِي عُبَيْدَةَ، ومُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ، وسالِمٍ، وأبِي سَلَمَةِ، والأرْقَمِ ابْنِ أبِي الأرْقَمِ، وعَمّارٍ، وبِلالٍ، قالَهُ عَطاءٌ.

والرّابِعُ: «أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ كانَ أشارَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ  بِتَأْخِيرِ الفُقَراءِ، اسْتَمالَ لَلرُّؤَساءِ إلى الإسْلامِ.

فَلَمّا نَزَلَتْ: ﴿ وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ ﴾ ، جاءَ عُمَرُ يَعْتَذِرُ مِن مَقالَتِهِ ويَسْتَغْفِرُ مِنها، فَنَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الآَيَةُ،» قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

والخامِسُ: أنَّها نَزَلَتْ مُبَشِّرَةً بِإسْلامِ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ، فَلَمّا جاءَ وأسْلَمَ، تَلاها عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ  ، حَكاهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا ﴾ فَمَعْناهُ: يُصَدِّقُونَ بِحُجَجِنا وبَراهِينِنا.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ أمَرَ بِالسَّلامِ عَلَيْهِمْ تَشْرِيفًا لَهُمْ؛ وقَدْ ذَكَرْناهُ عَنِ الحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ.

والثّانِي: أنَّهُ أمَرَ بِإبْلاغِ السَّلامِ إلَيْهِمْ عَنِ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى السَّلامِ: دُعاءٌ لْلْإنْسانِ بِأنْ يَسْلَمَ مِنَ الآَفاتِ.

وفي السُّوءِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ الشِّرْكُ.

والثّانِي: المَعاصِي.

وَقَدْ ذَكَرْنا في سُورَةِ [النِّساءِ] مَعْنى "الجَهالَةِ" قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "أنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكم سُوءًا" فَإنَّهُ غَفُورٌ بِكَسْرِ الألِفِ فِيهِما.

وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: بِفَتْحِ الألِفِ فِيهِما.

وقَرَأ نافِعٌ: بِنَصْبِ ألْفِ "أنَّهُ" وكَسْرِ ألْفِ "فَإنَّهُ غَفُورٌ" قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَن كَسَرَ ألِفَ "إنَّهُ" جَعَلَهُ تَفْسِيرًا لَلرَّحْمَةِ، ومَن كَسَرَ ألِفَ "فَإنَّهُ غَفُورٌ" فَلِأنَّ ما بَعْدَ الفاءِ حِكْمَةُ الِابْتِداءِ، ومَن فَتْحَ ألِفَ "أنَّهُ مَن عَمِلَ" جَعَلَ "أنْ" بَدَلًا مِنَ الرَّحْمَةِ، والمَعْنى: كَتَبَ رَبُّكم "أنَّهُ مَن عَمِلَ" ومَن فَتَحَها بَعْدَ الفاءِ، أضْمَرَ خَبَرًا تَقْدِيرُهُ: فَلَهُ ( أنَّهُ غَفُور رَحِيم ) والمَعْنى: فَلَهُ غُفْرانُهُ.

وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ  ﴾ ، مَعْناهُ: فَلَهُ أنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ.

وأمّا قِراءَةُ نافِعٍ، فَإنَّهُ أبْدَلَ مِنَ الرَّحْمَةِ، واسْتَأْنَفَ ما بَعْدَ الفاءِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَإذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكم كَتَبَ رَبُّكم عَلى نَفْسِهِ الرَحْمَةَ أنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكم سُوءًا بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مَن بَعْدِهِ وأصْلَحَ فَأنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ ﴿ وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ ولِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المُجْرِمِينَ ﴾ قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: "اَلَّذِينَ"؛ يُرادُ بِهِمُ القَوْمُ الَّذِينَ كانَ عُرِضَ طَرْدُهُمْ؛ فَنَهى اللهُ - عَزَّ وجَلَّ - عن طَرْدِهِمْ؛ وشَفَعَ ذَلِكَ بِأنْ أمَرَ بِأنْ يُسَلِّمَ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَلَيْهِمْ؛ ويُؤْنِسَهم.

وقالَ عِكْرِمَةُ ؛ وعَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ: "اَلَّذِينَ"؛ يُرادُ بِهِمُ القَوْمُ مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ صَوَّبُوا رَأْيَ أبِي طالِبٍ في طَرْدِ الضَعَفَةِ؛ فَأمَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنْ يُسَلِّمَ عَلَيْهِمْ؛ ويُعْلِمَهم أنَّ اللهَ تَعالى يَغْفِرُ لَهُمْ؛ مَعَ تَوْبَتِهِمْ مِن ذَلِكَ السُوءِ؛ وغَيْرِهِ.

وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ عن ماهانَ أنَّهُ قالَ: نَزَلَتِ الآيَةُ في قَوْمٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ اسْتَفْتَوُا النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في ذُنُوبٍ سَلَفَتْ مِنهُمْ؛ فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِهِمْ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهي - عَلى هَذا - تَعُمُّ جَمِيعَ المُؤْمِنِينَ؛ دُونَ أنْ تُشِيرَ إلى فِرْقَةٍ.

وقالَ الفُضَيْلُ بْنُ عِياضٍ: «قالَ قَوْمٌ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: إنّا قَدْ أصَبْنا ذُنُوبًا؛ فاسْتَغْفِرْ لَنا؛ فَأعْرَضَ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عنهُمْ؛ فَنَزَلَتِ الآيَةُ.» وقَوْلُهُ: ﴿ "بِآياتِنا"؛ ﴾ يَعُمُّ آياتِ القُرْآنِ؛ وأيْضًا عَلاماتِ النُبُوَّةِ كُلَّها؛ و ﴿ "سَلامٌ عَلَيْكُمْ"؛ ﴾ اِبْتِداءٌ؛ والتَقْدِيرُ: "سَلامٌ ثابِتٌ - أو واجِبٌ - عَلَيْكُمْ"؛ والمَعْنى: "أمَنَةٌ لَكم مِن عَذابِ اللهِ تَعالى في الدُنْيا؛ والآخِرَةِ"؛ وقِيلَ: اَلْمَعْنى: "إنَّ اللهَ تَعالى يُسَلِّمُ عَلَيْكُمْ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا مَعْنًى لا يَقْتَضِيهِ لَفْظُ الآيَةِ؛ حَكاهُ المَهْدَوِيُّ؛ ولَفْظُهُ لَفْظُ الخَبَرِ؛ وهو في مَعْنى الدُعاءِ؛ وهَذا مِنَ المَواضِعِ الَّتِي جازَ فِيها الِابْتِداءُ بِالنَكِرَةِ؛ إذْ قَدْ تَخَصَّصَتْ؛ و"كَتَبَ"؛ بِمَعْنى "أوجَبَ"؛ واللهُ تَعالى لا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ عَقْلًا؛ إلّا إذا أعْلَمَنا أنَّهُ قَدْ حَتَّمَ بِشَيْءٍ ما؛ فَذَلِكَ الشَيْءُ واجِبٌ؛ وفي "أيْنَ هَذا الكِتابُ؟"؛ اِخْتِلافٌ؛ قِيلَ: في اللَوْحِ المَحْفُوظِ؛ وقِيلَ: في كِتابٍ غَيْرِهِ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - في صَحِيحِ البُخارِيِّ: « "إنَّ اللهَ - تَبارَكَ وتَعالى - كَتَبَ كِتابًا - فَهو عِنْدَهُ فَوْقَ العَرْشِ -: إنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي".» وَقَرَأ عاصِمٌ ؛ وابْنُ عامِرٍ: "أنَّهُ"؛ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ في الأُولى؛ والثانِيَةِ؛ فَـ "أنَّهُ"؛ اَلْأُولى بَدَلٌ مِن "اَلرَّحْمَةَ"؛ و"أنَّهُ"؛ اَلثّانِيَةُ خَبَرُ ابْتِداءٍ مُضْمَرٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "فَأمْرُهُ أنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ"؛ هَذا مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ ؛ وقالَ أبُو حاتِمٍ: "فَأنَّهُ"؛ اِبْتِداءٌ؛ ولا يَجُوزُ هَذا عِنْدَ سِيبَوَيْهِ ؛ وقالَ النَحّاسُ: هي عَطْفٌ عَلى الأُولى؛ وتَكْرِيرٌ لَها؛ لِطُولِ الكَلامِ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: ذَلِكَ لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ "مَن"؛ لا يَخْلُو أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً؛ بِمَعْنى: "اَلَّذِي"؛ فَتَحْتاجَ إلى خَبَرٍ؛ أو تَكُونَ شَرْطِيَّةً؛ فَتَحْتاجَ إلى جَوابٍ؛ وإذا جَعَلْنا "فَأنَّهُ"؛ تَكْرِيرًا لِلْأُولى؛ عَطْفًا عَلَيْها؛ بَقِيَ المُبْتَدَأُ بِلا خَبَرٍ؛ أوِ الشَرْطُ بِلا جَوابٍ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ: "إنَّهُ"؛ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ في الأُولى؛ والثانِيَةِ؛ وهَذا عَلى جِهَةِ التَفْسِيرِ لِـ "اَلرَّحْمَةَ"؛ في الأُولى؛ والقَطْعِ فِيها؛ وفي الثانِيَةِ: إمّا في مَوْضِعِ الخَبَرِ؛ أو مَوْضِعِ جَوابِ الشَرْطِ؛ وحُكْمُ ما بَعْدَ الفاءِ إنَّما هو الِابْتِداءُ؛ وقَرَأ نافِعٌ بِفَتْحِ الأُولى؛ وكَسْرِ الثانِيَةِ؛ وهَذا عَلى أنْ أبْدَلَ مِن "اَلرَّحْمَةَ"؛ واسْتَأْنَفَ بَعْدَ الفاءِ؛ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِكَسْرِ الأُولى؛ وفَتْحِ الثانِيَةِ؛ حَكاهُ الزَهْراوِيُّ عَنِ الأعْرَجِ ؛ وأظُنُّهُ وهْمًا؛ لِأنَّ سِيبَوَيْهِ حَكاهُ عَنِ الأعْرَجِ مِثْلَ قِراءَةِ نافِعٍ ؛ وقالَ أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ: قِراءَةُ الأعْرَجِ ضِدُّ قِراءَةِ نافِعٍ.

والجَهالَةُ - في هَذا المَوْضِعِ - تَعُمُّ الَّتِي تُضادُّ العِلْمَ؛ والَّتِي تُشَبَّهُ بِها؛ وذَلِكَ أنَّ المُتَعَمِّدَ لِفِعْلِ الشَيْءِ الَّذِي قَدْ نُهِيَ عنهُ تَشْمَلُ مَعْصِيَتُهُ تِلْكَ جَهالَةً؛ إذْ قَدْ فَعَلَ ما يَفْعَلُهُ الَّذِي لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ عِلْمٌ؛ قالَ مُجاهِدٌ: "مِنَ الجَهالَةِ ألّا يَعْلَمَ حَلالًا مِن حَرامٍ؛ ومِن جَهالَتِهِ أنْ يَرْكَبَ الأمْرَ"؛ ومِن هَذا الَّذِي لا يُضادُّ العِلْمَ قَوْلُ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في اسْتِعاذَتِهِ: "أنْ أجْهَلَ؛ أو يُجْهَلَ عَلَيَّ"؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ألا لا يَجْهَلَنْ أحَدٌ عَلَيْنا ∗∗∗ فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الجاهِلِينا والجَهالَةُ المُشَبَّهَةُ لَيْسَتْ بِعُذْرٍ في الشَرْعِ جُمْلَةً؛ والجَهالَةُ الحَقِيقِيَّةُ يُعْذَرُ بِها في بَعْضِ ما يَخِفُّ مِنَ الذُنُوبِ؛ ولا يُعْذَرُ بِها في كَبِيرَةٍ.

و"اَلتَّوْبَةُ": اَلرُّجُوعُ؛ وصِحَّتُها مَشْرُوطَةٌ بِاسْتِدامَةِ الإصْلاحِ بَعْدَها في الشَيْءِ الَّذِي تِيبَ مِنهُ.

والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: "وَكَذَلِكَ"؛ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ النَهْيِ عن طَرْدِ المُؤْمِنِينَ؛ وبَيانِ فَسادِ مَنزَعِ العارِضِينَ لِذَلِكَ؛ وتَفْصِيلُ الآياتِ: تَبْيِينُها؛ وشَرْحُها؛ وإظْهارُها؛ واللامُ في قَوْلِهِ: "وَلِتَسْتَبِينَ"؛ مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المُجْرِمِينَ فَصَّلْناها".

وقَرَأ نافِعٌ: "وَلِيَسْتَبِينَ"؛ بِالياءِ؛ أيِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ "سَبِيلَ"؛ بِالنَصْبِ؛ حَكاهُ مَكِّيٌّ في "اَلْمُشْكِلُ"؛ لَهُ؛ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وابْنُ عامِرٍ ؛ وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المُجْرِمِينَ"؛ بِرَفْعِ "اَلسَّبِيلُ"؛ وتَأْنِيثِها؛ وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَـهُ عنهُ -؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ: "وَلِيَسْتَبِينَ سَبِيلُ"؛ بِرَفْعِ "اَلسَّبِيلُ"؛ وتَذْكِيرِها؛ وعَرَبُ الحِجازِ تُؤَنِّثُ "اَلسَّبِيلُ"؛ وتَمِيمٌ وأهْلُ نَجْدٍ يُذَكِّرُونَها؛ وخُصَّ سَبِيلُ المُجْرِمِينَ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ أثارُوا ما تَقَدَّمَ مِنَ الأقْوالِ؛ وهم أهَمُّ في هَذا المَوْضِعِ؛ لِأنَّها آياتُ رَدٍّ عَلَيْهِمْ؛ وأيْضًا فَتَبْيِينُ سَبِيلِهِمْ يَتَضَمَّنُ بَيانَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ؛ وتَأوَّلَ ابْنُ زَيْدٍ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ "المُجْرِمِينَ"؛ ﴾ يَعْنِي بِهِ الآمِرِينَ بِطَرْدِ الضَعَفَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على قوله ﴿ ولا تطرد الذين يدعون ربّهم ﴾ [الأنعام: 52] وهو ارتقاء في إكرام الذين يدْعون ربَّهم بالغداة والعشي.

فهم المراد بقوله: ﴿ الذين يؤمنون بآياتنا ﴾ .

ومعنى ﴿ يؤمنون بآياتنا ﴾ أنَّهم يوقنون بأنّ الله قادر على أن ينزّل آيات جمَّة.

فهم يؤمنون بما نزّل من الآيات وبخاصّة آيات القرآن وهو من الآيات، قال تعالى: ﴿ أو لم يكفهم أنَّا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم ﴾ [العنكبوت: 51].

وقوله: ﴿ فقل سلام عليكم ﴾ قيل: معناه حَيِّهم بتحيَّة الإسلام، وهي كلمة (سلام عليكم)، وقيل: أبلغهم السلام من الله تعالى تكرمة لهم لمضادّة طلب المشركين طردَهم.

وقد أكرمهم الله كرامتين الأولى أن يبدأهم النبي صلى الله عليه وسلم بالسلام حين دخولهم عليه وهي مزيَّة لهم، لأنّ شأن السلام أن يبتدئه الداخل، ثم يحتمل أنّ هذا حكم مستمرّ معهم كلّما أدخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحتمل أنّه للمرّة التي يبلّغهم فيها هذه البشارة، فنزّل هو منزلة القادم عليهم لأنَّه زفّ إليهم هذه البشرى.

والكرامةُ الثانية هي بشارتهم برضى الله عنهم بأنّ غفر لهم ما يعملون من سوء إذا تابوا من بعده وأصلحوا.

وهذا الخبر وإن كان يعمّ المسلمين كلّهم فلعلّه لم يكن معلوماً، فكانت البشارة به في وجوه المؤمنين يومئذٍ تكرمة لهم ليكونوا ميموني النقيبة على بقية إخوانهم والذين يجيئون من بعدهم.

والسلام: الأمان، كلمة قالتها العرب عند لقاء المرء بغيره دلالة على أنَّه مسالم لا مُحارب لأنّ العرب كانت بينهم دماء وتِرات وكانوا يثأرون لأنفسهم ولو بغير المعتدي من قبيلته، فكان الرجل إذا لقي من لا يعرفه لا يأمن أن يكون بينه وبين قبيلته إحَن وحفائظ فيؤمِّن أحدهما الآخر بقوله: السلام عليكم، أو سلام، أو نحو ذلك.

وقد حكاها الله تعالى عن إبراهيم عليه السلام ثم شاع هذا اللفظ فصار مستعملاً في التكرمة.

ومصدر سلَّم التسليم.

والسلام اسم مصدر، وهو يأتي في الاستعمال منكّراً مرفوعاً ومنصوباً؛ ومعرّفاً باللام مرفوعاً لا غير.

فأمَّا تنكيره مع الرفع كما في هذه الآية، فهو على اعتباره اسماً بمعنى الأمان، وساغ الابتداء به لأنّ المقصود النوعية لا فرد معيّن.

وإنّما لم يقدّم الخبر لاهتمام القادم بإدخال الطمأنينة في نفس المقدوم عليه، أنَّه طارق خير لا طارق شرّ.

فهو من التقديم لضرب من التفاؤل.

وأمَّا تعريفه مع الرفع فلدخول لام تعريف الجنس عليه.

وكلمة (على) في الحالتين للدلالة على تمكّن التلبّس بالأمان، أي الأمان مستقرّ منكم متلبِّس بكم، أي لا تخف.

وأمّا إن نصبوا مع التنكير فعلى اعتباره كمصدر سلم، فهو مفعول مطلق أتى بدلاً من فعله.

تقديره: سلّمت سلاماً، فلذلك لا يؤتى معه ب (على).

ثم إنَّهم يرفعونه أيضاً على هذا الاعتبار فلا يأتون معه ب (على) لقصد الدلالة على الدوام والثبات بالجملة الاسمية بالرفع، لأنَّه يقطع عنه اعتبار البدلية عن الفعل ولذلك يتعيّن تقدير مبتدأ، أي أمرُكم سلام، على حدّ ﴿ فصبر جميل ﴾ [يوسف: 18].

والرفع أقوى، ولذلك قيل: إنّ إبراهيم ردّ تحيَّة أحسن من تحية الملائكة، كما حكي بقوله تعالى: ﴿ قالوا سلاماً قال سلام ﴾ [هود: 69].

وقد ورد في ردّ السلام أن يكون بمثل كلمة السلام الأولى، كقوله تعالى: ﴿ إلاّ قيلاً سلاماً سلاماً ﴾ [الواقعة: 26] وورد بالتعريف والتنكير فينبغي جعل الردّ أحسن دلالة.

فأمَّا التعريف والتنكير فهما سواء لأنّ التعريف تعريف الجنس.

ولذلك جاء في القرآن ذكر عيسى ﴿ وسلام عليه يوم ولد ﴾ [مريم: 15] وجاء أنَّه قال: ﴿ والسلامُ عليَّ يوم وُلدت ﴾ [مريم: 33].

وجملة ﴿ كتب ربّكم على نفسه الرحمة ﴾ مستأنفة استئنافاً ابتدائياً وهي أول المقصود من المقول، وأمَّا السلام فمقدّمة للكلام.

وجوّز بعضهم أن تكون كلاماً ثانياً.

وتقدّم تفسير نظيره في قوله تعالى: ﴿ كتب على نفسه الرحمة ليجمعنَّكم إلى يوم القيامة ﴾ في هذه السورة [12].

فقوله هنا كتب ربُّكم على نفسه الرحمة } تمهيد لقوله: ﴿ أنَّه مَنْ عَمِلَ منكم سوءاً بجهالة ﴾ الخ.

وقوله: ﴿ أنَّه من عمل منكم سوءاً بجهالة ﴾ قرأه نافع، وابن عامر، وعاصم، ويعقوب بفتح الهمزة على أنَّه بدل من ﴿ الرحمة ﴾ بدلُ اشتمال، لأنّ الرحمة العامَّة تشتمل على غفران ذنب من عمل ذنباً ثم تاب وأصلح.

وقرأه الباقون بكسر الهمزة على أن يكون استئنافاً بيانياً لجواب سؤال متوقّع عن مَبلغ الرحمة.

(ومَنْ) شرطية، وهي أدلّ على التعميم من الموصولة.

والباء في قوله: ﴿ بجهالة ﴾ للملابسة، أي ملتبساً بجهالة.

والمجرور في موضع الحال من ضمير ﴿ عَمل ﴾ .

والجهالة تطلق على انتفاء العلم بشيء مَّا.

وتطلق على ما يقابل الحلم، وقد تقدّم في قوله تعالى: ﴿ إنَّما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ﴾ في سورة [النساء: 17].

والمناسب هنا هو المعنى الثاني، أي من عمل سوءاً عن حماقة من نفسه وسفاهة، لأنّ المؤمن لا يأتي السيّئات إلاّ عن غلبة هواه رُشدَه ونُهاه.

وهذا الوجه هو المناسب لتحقيق معنى الرحمة.

وأمَّا حمل الجهالة على معنى عدم العلم بناء على أنّ الجاهل بالذنب غير مؤاخذ، فلا قوة لتفريع قوله: ثم تاب من بعده وأصلح } عليه، إلاّ إذا أريد ثم تفطَّن إلى أنّه عمل سوءاً.

والضمير في قوله: ﴿ مِنْ بعده ﴾ عائد إلى ﴿ سوءاً ﴾ أي بعد السوء، أي بعد عمله.

ولك أن تجعله عائداً إلى المصدر المضمون في (عَمِلَ) مثل ﴿ اعْدلُوا هُو أقرب للتقوى ﴾ [المائدة: 8].

ومعنى ﴿ أصلح ﴾ صيّر نفسه صالحة، أو أصلح عمله بعد أن أساء.

وقد تقدّم عند قوله تعالى: ﴿ فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإنّ الله يتوب عليه ﴾ في سورة [المائدة: 39].

وعند قوله: ﴿ إلاّ الذين تابوا وأصلحوا وبيَّنُوا ﴾ في سورة [البقرة: 160].

وجملة: فإنَّه غفور رحيم} دليل جواب الشرط، أي هو شديد المغفرة والرحمة.

وهذا كناية عن المغفرة لهذا التائب المصلح.

وقرأه نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وأبو جعفر، وخلف بكسر همزة ﴿ فإنَّه غفور رحيم ﴾ على أنّ الجملة موكَّدة ب ﴿ إنّ ﴾ فيعلم أنّ المراد أنّ الله قد غفر لمن تاب لأنَّه كثير المغفرة والرحمة.

وقرأه ابن عامر، وعاصم، ويعقوب ﴿ فأنّه ﴾ بفتح الهمزة على أنَّها (أنّ) المفتوحة أخت (إنّ)، فيكون ما بعدها مؤوّلاً بمصدر.

والتقدير: فغفرانه ورحمته.

وهذا جزء جملة يلزمه تقدير خبر، أي له، أي ثابت لمن عمل سوءاً ثم تاب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قُلْ لا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: الرِّزْقُ، أيْ لا أقْدِرُ عَلى إغْناءِ فَقِيرٍ، ولا إفْقارِ غَنِيٍّ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

والثّانِي: مَفاتِيحُ خَزائِنِ العَذابِ لِأنَّهُ خَوَّفَهم مِنهُ، فَقالُوا مَتى يَكُونُ هَذا؟

قالَهُ مُقاتِلٌ.

﴿ وَلا أعْلَمُ الغَيْبَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: عِلْمُ الغَيْبِ في نُزُولِ العَذابِ عَلَيْهِمْ مَتى يَكُونُ؟

قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: عِلْمُ جَمِيعِ ما غابَ مِن ماضٍ ومُسْتَقْبَلٍ، إلّا أنَّ المُسْتَقْبَلَ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ أوْ مَن أطْلَعَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى عِلْمِهِ مِن أنْبِيائِهِ، وأمّا الماضِي فَقَدْ يَعْلَمُهُ المَخْلُوقُونَ مَن أحَدِ الوَجْهَيْنِ: إمّا مِن مُعايَنَةٍ أوْ خَبَرٍ، فَإنْ كانَ الإخْبارُ عَنْ مُسْتَقْبَلٍ، فَهو مِن آياتِ اللَّهِ المُعْجِزَةِ، وإنْ كانَ عَنْ ماضٍ فَإنْ عَلِمَ بِهِ غَيْرُ المُخْبِرِ والمُخْبَرُ لَمْ يَكُنْ مُعْجِزًا، وإنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ أحَدٌ وعَلِمَ بِهِ المُخْبِرُ وحْدَهُ كانَ مُعْجِزًا، فَنَفى رَسُولُ اللَّهِ  عَنْ نَفْسِهِ عِلْمَ الغَيْبِ، لِأنَّهُ لا يَعْلَمُهُ غَيْرُ اللَّهِ تَعالى، وإنَّ ما أخْبَرَ بِهِ مِن غَيْبٍ فَهو عَنِ اللَّهِ ووَحْيِهِ.

﴿ وَلا أقُولُ لَكم إنِّي مَلَكٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ يُرِيدُ أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى ما يَعْجِزُ عَنْهُ العِبادُ، وإنْ قَدَرَتْ عَلَيْهِ المَلائِكَةُ.

والثّانِي: أنَّهُ يُرِيدُ بِذَلِكَ أنَّهُ مِن جُمْلَةِ البَشَرِ ولَيْسَ بِمَلَكٍ، لِيَنْفِيَ عَنْ نَفْسِهِ غُلُوَّ النَّصارى في المَسِيحِ وقَوْلَهُمْ: إنَّهُ ابْنُ اللَّهِ.

ثُمَّ في نَفْيِهِ أنْ يَكُونَ مَلَكًا وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ بَيَّنَ بِذَلِكَ فَضْلَ المَلائِكَةِ عَلى الأنْبِياءِ، لِأنَّهُ دَفَعَ عَنْ نَفْسِهِ مَنزِلَةً لَيْسَتْ لَهُ.

والثّانِي: أنَّهُ أرادَ إنِّي لَسْتُ مَلَكًا في السَّماءِ، فَأعْلَمُ غَيْبَ السَّماءِ الَّذِي تُشاهِدُهُ المَلائِكَةُ ويَغِيبُ عَنِ البَشَرِ، وإنْ كانَ الأنْبِياءُ أفْضَلَ مِنَ المَلائِكَةِ مَعَ غَيْبِهِمْ عَمّا تُشاهِدُهُ المَلائِكَةُ.

﴿ إنْ أتَّبِعُ إلا ما يُوحى إلَيَّ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ أُخْبِرَكم إلّا بِما أخْبَرَنِي اللَّهُ بِهِ.

والثّانِي: أنْ أفْعَلَ إلّا ما أمَرَنِي اللَّهُ بِهِ.

﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: الجاهِلُ والعالِمُ.

والثّانِي: الكافِرُ والمُؤْمِنُ.

﴿ أفَلا تَتَفَكَّرُونَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: فِيما ضَرَبَهُ اللَّهُ مِن مَثَلِ الأعْمى والبَصِيرِ.

الثّانِي: فِيما بَيَّنَهُ مِن آياتِهِ الدّالَّةِ عَلى تَوْحِيدِهِ وصِدْقِ رَسُولِهِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ ﴾ رُوِيَ أنَّ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ «أنَّ المَلَأ مِن قُرَيْشٍ أتَوُا النَّبِيَّ  وعِنْدَهُ جَماعَةٌ مِن ضُعَفاءِ المُسْلِمِينَ مِثْلَ بِلالٍ، وعَمّارٍ، وصُهَيْبٍ، وخَبّابِ بْنِ الأرَتِّ، وابْنِ مَسْعُودٍ، فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ اطْرُدْ عَنّا مَوالِيَنا وحُلَفاءَنا فَإنَّما هم عَبِيدُنا وعُتَقاؤُنا، فَلَعَلَّكَ إنْ طَرَدْتَهم نَتْبَعُكَ، فَقالَ عُمَرُ: لَوْ فَعَلْتَ ذَلِكَ حَتّى نَعْلَمَ ما الَّذِي يُرِيدُونَ وإلامَ يَصِيرُونَ، فَهَمَّ رَسُولُ اللَّهِ  بِذَلِكَ حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

وَنَزَلَ في المَلَإ مِن قُرَيْشٍ ﴿ وَكَذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهم بِبَعْضٍ ﴾ الآيَةَ، فَأقْبَلَ عُمَرُ فاعْتَذَرَ مِن مَقالَتِهِ فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ: ﴿ وَإذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ﴾ الآيَةَ.

» وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ ﴾ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّها الصَّلَواتُ الخَمْسُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ.

والثّانِي: أنَّهُ ذِكْرُ اللَّهِ، قالَهُ إبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ.

والثّالِثُ: تَعْظِيمُ القُرْآنِ، قالَهُ أبُو جَعْفَرٍ.

والرّابِعُ: أنَّهُ عِبادَةُ اللَّهِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

وَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ يُرِيدُونَ وجْهَهُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يُرِيدُونَ بِدُعائِهِمْ، لِأنَّ العَرَبَ تَذْكُرُ وجْهَ الشَّيْءِ إرادَةً لَهُ مِثْلَ قَوْلِهِمْ: هَذا وجْهُ الصَّوابِ تَفْخِيمًا لِلْأمْرِ وتَعْظِيمًا.

والثّانِي: مَعْناهُ يُرِيدُونَ طاعَتَهُ لِقَصْدِهِمُ الوَجْهَ الَّذِي وجَّهَهم إلَيْهِ.

﴿ ما عَلَيْكَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثُ أقْوالٍ: أحَدُها: يَعْنِي ما عَلَيْكَ مِن حِسابِ عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ مِن ثَوابٍ أوْ عِقابٍ.

﴿ وَما مِن حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِن شَيْءٍ ﴾ يَعْنِي وما مِن حِسابِ عَمَلِكَ عَلَيْهِمْ مِن شَيْءٍ، لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ مُؤاخَذٌ بِحِسابِ عَمَلِهِ دُونَ غَيْرُ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّانِي: مَعْناهُ ما عَلَيْكَ مِن حِسابِ رِزْقِهِمْ وفَقْرِهِمْ مِن شَيْءٍ.

والثّالِثُ: ما عَلَيْكَ كِفايَتُهم ولا عَلَيْهِمْ كِفايَتُكَ، والحِسابُ الكِفايَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ عَطاءً حِسابًا  ﴾ أيْ تامًّا كافِيًا، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَكَذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهم بِبَعْضٍ ﴾ يَعْنِي لِاخْتِلافِهِمْ في الأرْزاقِ، والأخْلاقِ، والأحْوالِ.

وَفي إفْتانِ اللَّهِ تَعالى لَهم قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ ابْتِلاؤُهم واخْتِبارُهم لِيَخْتَبِرَ بِهِ شُكْرَ الأغْنِياءِ وصَبْرَ الفُقَراءِ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.

والثّانِي: تَكْلِيفُ ما يَشُقُّ عَلى النَّفْسِ مَعَ قُدْرَتِها عَلَيْهِ.

﴿ لِيَقُولُوا أهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن بَيْنِنا ﴾ وهَذا قَوْلُ المَلَإ مِن قُرَيْشٍ لِلضُّعَفاءِ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وفِيما مَنَّ اللَّهُ تَعالى بِهِ عَلَيْهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: ما تَفَضَّلَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنَ اللُّطْفِ في إيمانِهِمْ.

والثّانِي: ما ذَكَرَهُ مِن شُكْرِهِمْ عَلى طاعَتِهِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا ﴾ يَعْنِي بِهِ ضُعَفاءَ المُسْلِمِينَ وما كانَ مِن شَأْنِ عُمَرَ.

﴿ فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أمَرَ بِالسَّلامِ عَلَيْهِمْ مِنَ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّانِي: أنَّهُ أمَرَ بِالسَّلامِ عَلَيْهِمْ مِن نَفْسِهِ تَكْرِمَةً لَهم، قالَهُ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ.

وَفي السَّلامِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ جَمَعَ السَّلامَةَ.

والثّانِي: أنَّهُ السَّلامُ هو اللَّهُ ومَعْناهُ ذُو السَّلامِ.

﴿ كَتَبَ رَبُّكم عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ أوْجَبَ اللَّهُ عَلى نَفْسِهِ.

والثّانِي: كَتَبَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ عَلى نَفْسِهِ.

وَ ﴿ الرَّحْمَةَ ﴾ يَحْتَمِلُ المُرادُ بِها هُنا وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: المَعُونَةُ.

والثّانِي: العَفْوُ.

﴿ أنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكم سُوءًا بِجَهالَةٍ ﴾ في الجَهالَةِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: الخَطِيئَةُ، قالَهُ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ.

والثّانِي: ما جُهِلَ كَراهِيَةُ عاقِبَتِهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

وَيُحْتَمَلُ ثالِثًا: أنَّ الجَهالَةَ هُنا ارْتِكابُ الشُّبْهَةِ بِسُوءِ التَّأْوِيلِ.

﴿ ثُمَّ تابَ مِن بَعْدِهِ وأصْلَحَ ﴾ يَعْنِي تابَ مِن عَمَلِهِ الماضِي وأصْلَحَ في المُسْتَقْبَلِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أحمد وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية عن عبد الله بن مسعود قال: مر الملأ من قريش على النبي صلى الله عليه وسلم وعنده صهيب، وعمار، وبلال، وخباب، ونحوهم من ضعفاء المسلمين، فقالوا: يا محمد أرضيت بهؤلاء من قومك منّ الله عليهم من بيننا، أو نحن نكون تبعاً لهؤلاء؟

أطردهم عنك فلعلك إن طردتهم أن نتبعك.

فأنزل فيهم القرآن ﴿ وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ﴾ إلى قوله: ﴿ والله أعلم بالظالمين ﴾ .

وأخرج أبن جرير وابن المنذر عن عكرمة قال مشى عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وقرظة بن عبد، عمر، وابن نوفل، والحارث بن عامر بن نوفل، ومطعم بن عدي بن الخيار بن نوفل، في أشراف الكفار من عبد مناف إلى أبي طالب فقالوا: لو أن ابن أخيك طرد عنا هؤلاء الأعبد فانهم عبيدنا وعسفاؤنا كان أعظم له في صدورنا، وأطوع له عندنا، وأدنى لاتباعنا إياه وتصديقه، فذكر ذلك أبو طالب للنبي صلى الله عليه وسلم فقال عمر بن الخطاب: لو فلعت يا رسول الله حتى ننظر ما يريدون بقولهم وما يصيرون إليه من أمرهم، فأنزل الله: ﴿ وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ﴾ إلى قوله: ﴿ أليس الله بأعلم بالشاكرين ﴾ قالوا: وكانوا بلالاً، وعمار بن ياسر، وسالماً مولى أبي حذيفة، وصبحاً مولى أسيد، ومن الحلفاء ابن مسعود، والمقداد بن عمرو، وواقد بن عبد الله الحنظلي، وعمرو بن عبد عمر، وذو الشمالين، ومرثد بن أبي مرثد، وأشباههم ونزلت في أئمة الكفر من قريش والموالي والحلفاء ﴿ وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا ﴾ الآية.

فلما نزلت أقبل عمر بن الخطاب فاعتذر من مقالته، فأنزل الله: ﴿ وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا ﴾ الآية.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن ماجة وأبو يعلى وأبو نعيم في الحلية وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن خباب قال «جاء الأقرع بن حابس التميمي، وعيينة بن حصن الفزاري، فوجدا النبي صلى الله عليه وسلم قاعداً مع بلال، وصهيب، وعمار، وخباب، في أناس ضعفاء من المؤمنين، فلما رأوهم حوله حقروهم فأتوه فخلوا به، فقالوا: انا نحب أن تجعل لنا منك مجلساً تعرف لنا العرب به فضلنا، فإن وفود العرب ستأتيك فنستحي أن ترانا العرب قعوداً مع هؤلاء الأعبد، فإذا نحن جئناك فأقمهم عنا، فإذا نحن فرغنا فلتقعد معهم إن شئت.

قال: نعم.

قالوا: فاكتب لنا عليك بذلك كتاباً، فدعا بالصحيفة ودعا علياً ليكتب ونحن قعود في ناحية، إذ نزل جبريل بهذه الآية ﴿ ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ﴾ إلى قوله: ﴿ فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة ﴾ فألقى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيفة من يده، ثم دعا فأتيناه وهو يقول ﴿ سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة ﴾ فكنا نقعد معه، فإذا أراد أن يقوم قام وتركنا، فأنزل الله: ﴿ واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه...

﴾ [ الكهف: 28] الآية.

قال: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقعد معنا بعد، فإذا بلغ الساعة التي يقوم فيها، تركناه حتى يقوم» .

وأخرج الزبير بن بكار في أخبار المدينة عن عمر بن عبد الله بن المهاجر مولى غفرة، أنه قال في أسطوان التوبة: كان أكثر نافلة النبي صلى الله عليه وسلم إليها، وكان إذا صلى الصبح انصرف إليها وقد سبق إليها الضعفاء، والمساكين، وأهل الضر، وضيفان النبي صلى الله عليه وسلم والمؤلفة قلوبهم، ومن لا مبيت له إلا المسجد.

قال: وقد تحلقوا حولها حلقاً بعضها دون بعض فينصرف إليهم من مصلاه من الصبح، فيتلو عليهم ما أنزل الله عليه من ليلته، ويحدثهم ويحدثونه حتى إذا طلعت الشمس جاء أهل الطول والشرف والغني فلم يجدوا إليه مخلصاً، فتاقت أنفسهم إليه وتاقت نفسه إليهم، فأنزل الله عز وجل ﴿ واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه....

﴾ [ الكهف: 28] إلى منتهى الآيتين، فلما نزل ذلك فيهم قالوا: يا رسول الله لو طردتهم عنا ونكون نحن جلساءك وإخوانك لا نفارقك، فأنزل الله عز وجل ﴿ ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ﴾ إلى منتهى الآيتين.

وأخرج الفربابي وأحمد وعبد بن حميد ومسلم والنسائي وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان وأبو الشيخ وابن مردويه والحاكم وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في الدلائل عن سعد بن أبي وقاص قال: لقد نزلت هذه الآية في ستة، أنا، وعبد الله بن مسعود، وبلال، ورجل من هذيل، واثنين، قالوا: يا رسول الله أطردهم فانا نستحي أن نكون تبعاً لهؤلاء، فوقع في نفس النبي صلى الله عليه وسلم ما شاء الله أن يقع، فأنزل الله: ﴿ ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ﴾ إلى قوله: ﴿ أليس الله بأعلم بالشاكرين ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ﴾ قال: المصلين بلال، وابن أم عبد، كانا يجالسان محمداً صلى الله عليه وسلم فقالت قريش تحقره لهما: لولاهما واشباههما لجالسناه، فنهى عن طردهم حتى قوله: ﴿ أليس الله بأعلم بالشاكرين ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الربيع بن أنس قال: كان رجال يستبقون إلى مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم بلال، وصهيب، وسلمان، فيجيء أشراف قومه وسادتهم وقد أخذ هؤلاء المجلس فيجلسون ناحية فقالوا: صهيب رومي، وسلمان فارسي، وبلال حبشي، يجلسون عنده ونحن نجيء فنجلس ناحية، حتى ذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم: انا سادة قومك وأشرافهم، فلو أدنيتنا منك إذا جئنا؟

قال: فهم إن فعل، فأنزل الله: ﴿ ولا تطرد الذين يدعون ربهم...

﴾ الآية.

وأخرج ابن عساكر عن مجاهد قال: كان أشراف قريش يأتون النبي صلى الله عليه وسلم وعنده بلال، وسلمان، وصهيب، وغيرهم مثل ابن أم عبد، وعمار، وخباب، فإذا أحاطوا به قال أشراف قريش: بلال حبشي، وسلمان فارسي، وصهيب رومي، فلو نحاهم لأتيناه، فأنزل الله: ﴿ ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ﴾ يعني يعبدون ربهم بالغداة والعشي، يعني الصلاة المكتوبة.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ﴾ قال الصلاة المفروضة، الصبح والعصر.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن إبراهيم في قوله: ﴿ ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ﴾ قال: هم أهل الذكر لا تطردهم عن الذكر قال سفيان: هم أهل الفقر.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله: ﴿ وكذلك فتنا بعضهم ببعض ﴾ يعني أنه جعل بعضهم اغنياء وبعضهم فقراء، فقال الأغيناء للفقراء ﴿ أهؤلاء منَّ الله عليهم من بيننا ﴾ يعني هؤلاء هداهم الله، وإنما قالوا ذلك استهزاءً وسخرياً.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ وكذلك فتنا بعضهم ببعض ﴾ يقول: ابتلينا بعضهم ببعض.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ أهؤلاء منَّ الله عليهم من بيننا ﴾ لو كان بهم كرامة على الله ما أصابهم هذا من الجهد.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس ﴿ وكذلك فتنا بعضهم ببعض...

﴾ الآية.

قال: هم أناس كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم من الفقراء، فقال أناس من أشراف الناس: نؤمن لك، فإذا صلينا معك فأخر هؤلاء الذين معك فليصلوا خلفنا.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد ومسدد في مسنده وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ماهان قال: أتى قوم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: انا أصبنا ذنوباً عضاماً؟

فما رد عليهم شيئاً، فانصرفوا فأنزل الله: ﴿ وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا...

﴾ الآية.

فدعاهم فقرأها عليهم.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جرير قال: أخبرت أن قوله: ﴿ سلام عليكم ﴾ قال: كانوا إذا دخلوا على النبي صلى الله عليه وسلم بدأهم فقال: سلام عليكم، وإذا لقيهم فكذلك أيضاً.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ وكذلك نفصل الآيات ﴾ قال: نبين الآليات.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله: ﴿ ولتستبين سبيل المجرمين ﴾ قال: الذين يأمرونك بطرد هؤلاء.

قوله تعالى ﴿ قد ضللت إذاً وما أنا من المهتدين ﴾ أخرج ابن أبي شيبة والبخاري وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن أبي حاتم عن هزيل بن شرحبيل قال: جاء رجل إلى أبي موسى وسلمان بن ربيعة فسألهما عن ابنة وابنة ابن وأخت؟

فقال: للابنة النصف، وللأخت النصف، وائت عبد الله فإنه سيتابعنا، فأتى عبد الله فأخبره فقال: ﴿ قد ضللت إذاً وما أنا من المهتدين ﴾ لأقضين فيها بقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، للابنة النصف، ولابنة الابن السدس، وما بقي فللأخت.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا ﴾ الآية قال ابن عباس: (نزلت في أصحاب النبي  أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم (١) وقال عكرمة (٢) (٣)  إذا رآهم بدأهم بالسلام، ويقول: "الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرني أن أبدأهم بالسلام" (٤) ﴿ وَإِذَا جَاءَكَ ﴾ ﴿ إِذَا ﴾ ظرف للقول أي: قل سلام عليكم إذا جاؤوك، و ﴿ جَاءَكَ ﴾ في موضع جر؛ لأن ﴿ إِذَا ﴾ مضاف إليه بمنزلة (٥) ﴿ جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا ﴾ أي: يصدقون [بحججنا] (٦) قال الزجاج (٧) ﴿ فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ﴾ (السلام (٨) (٩) (١٠) (١١) تُحَيَّ بالسَّلاَمَةِ أُمُّ بَكْرٍ ...

وَهَلْ لَكِ بَعْدَ قَومِكِ مِنْ سَلاَمِ) والوجهان ذكرهما الزجاج وابن الأنباري، قال أبو بكر: (قال قوم: السلام الله (١٢) (١٣) ﴿ فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ﴾ (١٤) (١٥) وقال أبو الهيثم: (السلام والتحية بمعنى واحد معناهما: السلامة من جميع الآفات) (١٦) ﴿ قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ  ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ﴾ .

قال ابن عباس: (يريد: قضى [لكم] (١٧) ﴿ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ﴾ ) (١٨) قال أبو إسحاق: (معنى ﴿ كَتَبَ ﴾ : أوجب ذلك إيجابًا مؤكدًا، وإنما خوطب الخلق بما يعقلون وهم يعقلون أن توكيد الشيء المؤخّر إنما يحفظ بالكتاب قال: وجائز أن يكون كتب ذلك في اللوح المحفوظ) (١٩) وقوله تعالى: ﴿ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ﴾ قال ابن عباس: (يريد: إن ذنوبكم جهل، ليس بكفر ولا جحود) (٢٠) وقال الحسن (٢١) (٢٢) (٢٣) قال أبو إسحاق: (معنى الجهالة هاهنا يحتمل أمرين أحدهما: أنه عمله وهو جاهل بمقدار المكروه فيه، أي: لم يعرف أن فيه مكروهًا، والآخر: أنه علم أن عاقبته مكروهة، ولكنه آثر العاجل فجُعل جاهلاً بأنه آثر القليل على الراحة الكثيرة والعافية الدائمة) (٢٤) (٢٥) ﴿ إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ﴾ الآية [النساء: 17]، وقد ذكرنا ما فيه هناك.

وقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ ﴾ أي: رجع عن ذنبه ولم يصرّ على ما فعل ﴿ وَأَصْلَحَ ﴾ عمله ﴿ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ .

واختلف القرّاء (٢٦) ﴿ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ ﴾ فـ ﴿ فَأَنَّهُ ﴾ فقرأ بعضهم بالفتح فيهما أما فتح الأولى فعلى التفسير للرحمة، كأنه قيل: ﴿ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ ﴾ .

وأما فتح الثانية فعلى أن تجعله بدلاً من الأولى كقوله تعالى: ﴿ أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ  ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿ كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ  ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿ أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ  ﴾ ، وهذا معنى قول الفراء (٢٧) (٢٨) ﴿ الرَّحْمَةَ ﴾ ، وأما التي بعد الفاء فعلى أنه أضمر له خبرًا تقديره: فله أنه ﴿ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ أي: فله غفرانه، أو أضمر مبتدأ يكون أن خبره كأنه فأمره أنه ﴿ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ ، وعلى هذا التقدير يكون الفتح في قوله تعالى: ﴿ أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ ﴾ (٢٩) ﴿ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ ﴾ وإن شئت قدرت، فأمره أن ﴿ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ ﴾ فيكون خبر هذا المبتدأ المضمر.

قال: ومن ذهب في هذه الآية إلى أن التي بعد الفاء تكرير للأولى لم يستقم قوله، وذلك أن ﴿ مَنْ ﴾ لا تخلو من أن [تكون] (٣٠) (٣١) ﴿ فَأَنَّ لَهُ ﴾ يمنع من أن يكون بدلاً، ألا ترى أنه لا يكون بين البدل والمُبدل منه الفاء العاطفة ولا التي للجزاء، فإن جاءت: إنها زائدة بقي الشرط بلا جزاء فلا يجوز إذن تقدير زيادتها هنا وإن جاءت زائدة في غير هذا الموضع) (٣٢) ﴿ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ﴾ قال: ﴿ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ ، ودخلت الفاء جوابًا للجزاء وكُسِرت إن لأنها على ابتداء وخبر، كأنك قلت: فهو ﴿ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ ، إلا إنْ الكلام بإنْ أوكد؛ هذا قول الزجاج (٣٣) وقال أبو علي: (أما كسر إن في قوله تعالى: ﴿ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ فلأن ما بعد الفاء حكمه الابتداء، ومن ثم حمل قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ  ﴾ ، على إرادة المبتدأ بعد الفاء وحذفه، وقرأ نافع الأولى بالفتح والثانية بالكسر أبدل الأولى من الرحمة واستأنف ما بعد الفاء) (٣٤) ﴿ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ ﴾ فهو ﴿ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ لكان صوابًا، فإذا حسن دخول هو حسن الكسر) (٣٥) (١) ذكره القرطبي 6/ 435، عن ابن عباس، وذكره الثعلبي 178 أ، والبغوي 3/ 148، وابن الجوزى 3/ 48، والخازن 2/ 138 عن عطاء.

(٢) ذكره الثعلبي 178 أ، والواحدي في "أسباب النزول" ص 221، والبغوي 3/ 148.

(٣) لفظ: (الحسن) ساقط من (ش)، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 48، وابن الجوزي 3/ 48، عن الحسن وعكرمة، وذكره هود الهواري 1/ 525، عن الحسن، وقال أبو حيان في "البحر" 4/ 139: (هذا هو قول الجمهور، والظاهر أنه يراد به المؤمنون من غير تخصيص) ا.

هـ (٤) الحديث بهذا اللفظ لم أقف على سنده، وفي "الدر المنثور" 3/ 25، قال: (أخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال: أخبرت أن قوله ﴿ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ﴾ قال: كانوا إذا دخلوا على النبي  بدأهم فقال: "سلام عليكم" وإذا لقيهم فكذلك أيضًا) ا.

هـ وذكر الهيثمي في "مجمع الزوائد" 7/ 21: في الآية (أن النبي  قال: "الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرني أن أصبر نفسي معهم" قال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح) ا.

هـ.

(٥) قال السمين في "الدر" 4/ 648: ( ﴿ إِذًا ﴾ منصوب بجوابه، أي: ﴿ فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ﴾ وقت مجيئهم أي: أوقع هذا القول كله في وقت مجيئهم إليك، وهذا معنى واضح) ا.

هـ وقال العكبري في "التبيان" 335، والهمداني في "الفريد" 2/ 155: (العامل في ﴿ إِذًا ﴾ معنى الجواب، أي: إذا جاؤوك سلم عليهم)، وذكر هذا القول السمين في "الدر" وقال: (لا حاجة تدعو إلى ذلك مع فوات قوة المعنى؛ لأن كونه يبلغهم السلام والإخبار بأنه كتب على نفسه الرحمة وأنه من عمل سوءًا بجهالة غفر له لا يقوم مقامه السلام فقط وتقديره: يفضي إلى ذلك) ا.

هـ.

(٦) في (أ): (بجحتنا).

(٧) "معاني الزجاج" 2/ 252.

(٨) انظر: "العين" 7/ 265، و"الجمهرة" 2/ 858، و"الصحاح" 5/ 1951، و"المجمل" 2/ 469، و"مقاييس اللغة" 3/ 90، و"المفردات" ص 421 (سلم).

(٩) لفظ: (أي) ساقط من (أ).

(١٠) لفظ: (السلامة عليكم) ساقط من (ش).

(١١) الشاهد لأبي بكر بن الأسود بن شعوب الليثي، وهو شداد بن الأسود في "سيرة ابن هشام" 2/ 400، و"الروض الأنف" 3/ 117، ولعمرو بن سُمي بن كعب الليثي، وقد ينسب إلى أمه شعوب الخزاعية في كتاب "من نسب إلى أمه لابن حبيب" 49، وبلا نسبة في "تفسير غريب القرآن" ص170، و"اشتقاق أسماء الله" للزجاجي ص 215، و"تهذيب اللغة" 2/ 1742، و"أمالي ابن الشجري" 2/ 24 - 28، و"اللسان" 4/ 2077 (سلم).

(١٢) السلام اسم من أسماء الله تعالى مأخوذ من السلامة، فهو سبحانه السالم من كل ما ينافي كماله ومن مماثلة أحد من خلقه.

انظر: "الأسماء والصفات" للبيهقي ص 53، و"المقصد الأسنى" للغزالي ص 67، و"شرح أسماء الله" للرازي ص 187 (١٣) "الزاهر" 1/ 46.

(١٤) في (ش): ﴿ قل سلام ....

﴾ ، وهو تحريف.

(١٥) انظر: "تفسير الرازي" 13/ 3.

(١٦) "تهذيب اللغة" 2/ 1742، و"اللسان" 4/ 2077 (سلم)، وقال أبو علي في "الحجة" 2/ 298، 4/ 359 - 363: (السلام مصدر سَلَّمْتُ، والسلام جمع سلامة، والسلام اسم من أسماء الله تعالى، والسلام شجر، والسلام البراءة، وأكثر استعماله بغير (أل) وذاك أنه في معنى الدعاء حمل غير المعهود، وجاء بأل محمول على المعهود) ا.

هـ.

(١٧) لفظ: (لكم) ساقط من (ش).

(١٨) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 48، وفي "تنوير المقباس" 2/ 24، قال في الآية: (أوجب ﴿ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ﴾ لمن تاب) ا.

هـ (١٩) "معاني القرآن" 2/ 254، وقال ابن كثير رحمه الله في "تفسيره" 2/ 152: (أي.

أوجبهما على نفسه الكريمة تفضلًا منه وإحسانًا وامتنانًا) ا.

هـ انظر: "تفسير ابن عطية" 5/ 214، و"الفتاوى" 18/ 148 - 151، و"بدائع التفسير" 2/ 142.

(٢٠) أخرج الطبري في "تفسيره" 4/ 299، بسند ضعيف عن ابن عباس قال: (من عمل السوء فهو جاهل ومن جهالته عمل السوء)، وذكر القرطبي في "تفسيره" 5/ 92، نحوه عن ابن عباس وقتادة والضحاك ومجاهد والسدي.

(٢١) قال الماوردي في "تفسيره" 2/ 120: (قال الحسن ومجاهد والضحاك: الجهالة الخطيئة) ا.

هـ.

وقال ابن الجوزي في "زاد المسير" 2/ 37: (قال الحسن وعطاء وقتادة والسدي في آخرين: إنما سموا جهالًا لمعاصيهم، لا أنهم غير مميزين) ا.

هـ.

وذكر قول الحسن الرازي في "تفسيره" 13/ 5.

(٢٢) "تفسير مجاهد" 1/ 149، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 4/ 299، 7/ 209، وابن أبي حاتم 4/ 1301، بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 26 - 27.

(٢٣) أخرجه الطبري في "تفسيره" 7/ 209، وابن أبي حاتم 4/ 1301 بسند ضعيف.

(٢٤) انظر: "معاني الزجاج" 2/ 254.

(٢٥) انظر: "تفسير ابن عطية" 5/ 216، والرازي 13/ 5.

(٢٦) (قرأ نافع (أَنَّهُ) بفتح الهمزة: (فَإِنَّهُ) بكسر الهمزة، وفتحهما جميعًا عاصم وابن عامر، وكسرهما الباقون).

انظر: "السبعة" ص 258، و"المبسوط" ص 168، و"التذكرة" 2/ 398، و"التيسير" ص 102، و"النشر" 2/ 258.

(٢٧) انظر: "معاني القرآن للفراء" 1/ 336 - 337.

(٢٨) انظر: "معاني الزجاج" 2/ 253 - 254، و"الأخفش" 2/ 275 - 276، و"النحاس" 2/ 431 - 432، و"إعراب القرآن للنحاس" 1/ 538.

(٢٩) في (أ): (تعلموا) بالتاء.

(٣٠) في (ش): (يكون).

(٣١) في (ش): (يكون).

(٣٢) "الحجة لأبي علي" 3/ 311 - 313.

(٣٣) "معاني القرآن" 2/ 253 - 254، وقال شيخ الإِسلام في "الفتاوى" 15/ 276 - 277: (الأحسن في هذا أن يقال: كل واحدة من هاتين الجملتين جملة مركبة مؤكدة، فهما تأكيدان مقصودان لمعنيين مختلفين، ألا ترى تأكيد قوله.

﴿ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ بإن غير تأكيد (مَن عَمِلَ سُوء) له بأن، وهذا ظاهر لا خافاء به، وهو كثير في القرآن وكلام العرب) ا.

هـ.

ملخصًا.

(٣٤) "الحجة لأبي علي" 3/ 311 - 313.

(٣٥) انظر: "معاني القرآن" 1/ 337، وانظر: "معاني القراءات" 1/ 355 - 357، و"إعراب القراءات" 1/ 157 - 158، و"الحجة" لابن خالويه ص 139 - 140، و"الحجة" لابن زنجلة ص 252 - 253، و"الكشف" 1/ 433، و"الدر المصون" 4/ 650 - 654.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وكذلك فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ ﴾ أي ابتلينا الكفار بالمؤمنين، وذلك أن الكفار كانوا يقولون أهؤلاء العبيد والفقراء منَّ الله عليهم بالتوفيق للحق والسعادة دوننا، ونحن أشراف أغنياء، وكان هذا الكلام منهم على وجه الاستبعاد بذلك ﴿ أَلَيْسَ الله بِأَعْلَمَ بالشاكرين ﴾ ردّ على الكفار في قولهم المتقدّم ﴿ وَإِذَا جَآءَكَ الذين يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سلام عَلَيْكُمْ ﴾ هم الذين نُهيَ النبي صلى الله عليه وسلم عن طردهم بل أمر بأن يسلم عليهم إكراماً لهم وأن يؤنسهم بما بعد هذا ﴿ كَتَبَ رَبُّكُمْ على نَفْسِهِ الرحمة ﴾ أي: حتّمها وفي الصحيح: إن الله كتب كتاباً فهو عنده فوق العرش إن رحمتي سبقت غضبي ﴿ أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سواءا ﴾ الآية، وعد بالمغفرة والرحمة لمن تاب وأصلح، وهو خطاب للقوم المذكورين قبل، وحكمها عام فيهم وفي غيرهم والجهالة قد ذكرت في [النساء: 16] وقيل: نزلت بسبب أن عمر بن الخطاب أشار على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطرد الضعفاء عسى أن يسلم الكفار، فلما نزلت لا تطرد ندم عمر على قوله وتاب منه فنزلت الآية، وقرئ أنه بالفتح على البدل من الرحمة وبالكسر على الاستئناف وكذلك فإنه غفور رحيم بالكسر على الاستئناف وبالفتح خبر ابتداء مضمر تقديره فأمره أنه غفور رحيم، وقيل: تكرار للأولى لطول الكلام.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ بالغدوة ﴾ مضموم الغين ساكن الدال مفتوح الواو وكذا في الكهف: ابن عامر الباقون: بفتح الغين والدال وبالألف ﴿ أنه ﴾ بالفتح ﴿ فإنه ﴾ بالكسر: أبو جعفر ونافع.

وقرأ ابن عامر وعاصم وسهل ويعقوب جميعاً بالفتح.

الباقون: بالكسر فيهما ﴿ وليستبين ﴾ بياء الغيبة: زيد وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص والمفضل.

الباقون: بالتاء الفوقانية ﴿ سبيل ﴾ بالنصب: أبو جعفر ونافع وزيد.

الباقون: بالرفع ﴿ يقص ﴾ ابن كثير وأبو جعفر ونافع وعاصم.

الباقون ﴿ يقضي الحق ﴾ .

الوقوف: ﴿ يتقون ﴾ ه ﴿ وجهه ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ من بيننا ﴾ ط ﴿ الشاكرين ﴾ ه ﴿ الرحمة ﴾ ط لمن قرأ ﴿ أنه ﴾ بكس الألف ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ المجرمين ﴾ ه ﴿ من دون الله ﴾ ط ﴿ أهواءكم ﴾ لا لتعيين "إذا" بما قبله أي قد ضللت "إذا" اتبعت ﴿ المهتدين ﴾ ه ﴿ وكذبتم به ﴾ ط ﴿ تستعجلون به ﴾ ط ﴿ لله ﴾ ط ﴿ الفاصلين ﴾ ه ﴿ وبينكم ﴾ ط ﴿ بالظالمين ﴾ ه ﴿ إلا هو ﴾ ط ﴿ والبحر ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ مسمى ﴾ ط لأن "ثم" لترتيب الأخبار مع اتحاد المقصود.

﴿ تعملون ﴾ ه.

التفسير: لما وصف الرسل بكونهم مبشرين ومنذرين أمر الرسول  بالإنذار وهو الإعلام بموضع المخافة فقال له ﴿ وأنذر به ﴾ قال ابن عباس والزجاج: أي بالقرآن وهو المذكور هنا في قوله ﴿ إن أتبع إلا ما يوحى إليّ  ﴾ وقال الضحاك: أي بالله.

قيل: والأول أولى لأن الإنذار والتخويف إنما يقع بالقول وفيه نظر، لأن الإنذار لا نزاع فيه أنه قول ولكن المنذر به قلما يكون قولاً لقوله ﴿ وأنذرهم يوم الآزفة  ﴾ ﴿ فأنذرتكم ناراً تلظى  ﴾ ولو زعم أن المراد وأنذرهم النار والعذاب بواسطة القرآن قلنا: فقدر مثله ههنا، والمعنى أنذرهم العذاب بقول ينبىء عن شدة سخط الله وعقوبته.

أما ﴿ الذين يخافون أن يحشروا ﴾ فقيل: إنهم الكافرون الذين سبق ذكرهم، فلعل ناساً من المشركين من حالهم أنهم يخافون إذا سمعوا بحديث البعث أن يكون حقاً فيهلكوا فهم ممن يرجى أن ينجع فيهم الإنذار فأمر أن ينذر هؤلاء دون المتمردين منهم.

ثم قال هذا القائل ولا يجوز حمله على المؤمنين لأنهم يعلمون أنهم يحشرون، والعلم خلاف الخوف والظن.

وضعف بأن الخوف شامل للناس كافة لعدم الجزم بالثواب وقبول الطاعة وإن كانوا مقرين بصحة الحشر والنشر فالظاهر أن الضمير يتناول الكل لأن العاقل لا بد أن يخاف الحشر سواء كان جازماً به أو شاكاً فيه.

وأيضاً إنه مأمور بتبليغ الكل فلا وجه للتخصيص.

وقيل: إنهم قوم مسلمون مفرطون في العمل فينذرهم بما أوحي إليه لعلهم يدخلون في زمرة أهل التقوى من المسلمين.

وقيل: هم أهل الكتاب لأنهم مقرون بالعبث.

ومعنى ﴿ إلى ربهم ﴾ إلى حكمه وقضائه فلا يلزم منه مكان ولا جهة.

أما قوله ﴿ ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع ﴾ فقال الزجاج: إن الجملة في موضع الحال من ضمير ﴿ يحشروا ﴾ أي يخافون أن يحشروا غير منصورين ولا مشفوعاً لهم.

فإن كان الضمير للكفار فظاهر، وإن كان للمؤمنين فشفاعة الملائكة والرسل إذا كانت بإذن الله  فإنها تكون بالحقيقة من الله  فصح أنه ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع، ولا بد من هذه الحال لأن الحشر مطلقاً ليس مخوفا وإنما المخوف هو الحشر على هذه الحالة لأنهم اعتقدوا أن لا ناصر ولا شفيع إلا الله وإذا لم يكن الله ناصراً وشفيعاً لزم أن لا يكون ناصراً أصلاً.

﴿ لعلهم يتقون ﴾ قال ابن عباس: لكي يخافوا في الدنيا وينتهوا عن الكفر والمعاصي.

قالت المعتزلة: فيه دلالة على أنه أراد من الكفار التقوى والطاعة.

وأجيب بأن الترجي راجع إلى العباد.

ولما أمر بإنذار عموم المكلفين ليتقوا أردفهم بذكر المتقين وأمر بتقريبهم وإكرامهم.

"روي عن ابن مسعود أن الملأ من قريش مروا على رسول الله  - وعنده صهيب وبلال وخباب وعمار وغيرهم من ضعفاء المسلمين - فقالوا: يا محمد، أرضيت بهؤلاء أتريد أن نكون تبعاً لهؤلاء؟

اطردهم عنك فلعلك إن طردتهم اتبعناك.

فقال  : ما أنا بطارد المؤمنين.

فقالوا: فأقمهم عنا إذا جئنا فإذا قمنا فأقعدهم معك إن شئت.

فقال: نعم طمعاً في إيمانهم" .

وروي أن عمر قال له: لو فعلت حتى ننظر إلى ماذا يصيرون.

ثم إنهم قالوا للرسول  : اكتب بذلك كتاباً، فدعا الصحيفة وبعلي ليكتب فنزلت ﴿ ولا تطرد ﴾ الآية.

فرمى بالصحيفة واعتذر عمر عن مقالته.

قال سلمان وخباب: فينا نزلت.

فكان رسول الله  يقعد معنا وندنو منه حتى تمس ركبتنا ركبته، وكان يقوم عنا إذا أراد القيام فنزلت ﴿ واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم  ﴾ فترك القيام عنا إلى أن نقوم عنه.

وقال: الحمد لله الذي لم يمتني حتى أمرني أن أصبر نفسي مع قوم من أمتي معكم المحيا ومعكم الممات، أثنى الله عليهم بأنهم يدعون ربهم بالغداة والعشي.

قال ابن عباس والحسن ومجاهد: أي يصلون صلاة الصبح والعصر.

وقيل: أي يذكرون ربهم طرفي النهار، والمراد بالغداة والعشي الدوام.

والغداة لغة ما بين صلاة الغداة وطلوع الشمس، والعشي ما بين الزوال إلى الغروب.

قال الجوهري: غدوة بالتنوين نكرة وبدونه معرفة غير مصروفة كسحر.

ومحل ﴿ يريدون وجهه ﴾ نصب على الحال أو على الاستئناف كأنه قيل: ما أرادوا بالمواظبة على الدعاء؟

فأجيب بقوله ﴿ يريدون وجهه ﴾ ولا يثبت به لله  عضو كما زعمت المجسمة ولكن المراد به التعظيم، فقد يعبر به عن ذات الشيء أو حقيقته كما يقال: هذا وجه الرأي وذاك وجه الدليل.

وأيضاً المحبة تستلزم طلب رؤية الوجه فلهذا السبب جعل الوجه كناية عن المحبة وطلب الرضا.

ثم علل النهي بقوله ﴿ ما عليك من حسابهم من شيء ﴾ قيل: الضمير عائد إلى المشركين أي لا يؤاخذوا بحسابك ولا أنت بحسابهم حتى يهمك إيمانهم ويدعوك ذلك إلى أن تطرد المؤمنين، والأولى أن يعود إلى الفقراء ليناسب قوله ﴿ فتطردهم ﴾ كما في قصة نوح ﴿ إن حسابهم إلا على ربي  ﴾ وذلك أنهم طعنوا في دينهم وإخلاصهم كان الأمر على ما زعموا فيما يلزمك إلا اعتبار الظاهر إن كان لهم باطن غير مرضي فحسابهم لا يتعدى إليك كما أن حسابك لا يتعدى إليهم، فالجملتان لهما مؤدى واحد وهو المفهوم من قوله ﴿ ولا تزر وازرة وزر أخرى  ﴾ كأنه قيل: لا تؤاخذ أنت ولا هم بحساب صاحبه.

وقيل: ما عليك من حساب رزقهم من شيء ولا من حساب رزقك عليهم من شيء.

وإنما الرازق لك ولهم هو الله  فدعهم يكونوا عندك، أما قوله ﴿ فتطردهم ﴾ فهو جواب النفي في ﴿ ما عليك ﴾ وفي انتصاب ﴿ فتكون ﴾ وجهان: أحدهما أنه جواب النهي، والثاني أنه عطف على ﴿ فتطردهم ﴾ على وجه التسبب، لأن كونه ظالماً معلوم من طردهم ومسبب عنه، فإن طرد من يستوجب التقريب والترحيب وضع للشيء في غير موضعه ومن هنا طعن بعض الناس في عصمة النبي  قالوا: كان يقول كلما دخل أولئك الفقراء عليه بعد هذه الواقعة مرحباً بمن عاتبني ربي فيهم أو لفظ هذا معناه.

والجواب أنه ما طردهم لأجل الاستخفاف بهم والاستنكاف من فقرهم وإنما أفرد لهم مجلساً تألفاً لقلوبالمشركين وتكثيراً لسواد الإسلام مع علمه بأنه لا يفوت الفقراء بهذه المصالحة أمر مهم في الدنيا ولا في الدين، فغاية ذلك أنه يكون من باب تبرك الأولى والأفضل، ﴿ وكذلك ﴾ أي مثل ذلك الفتن العظيم ﴿ فتنا ﴾ ابتلينا بعض الناس ببعض، فأحد الفريقين وهم الكفار يرى الآخر مقدماً عليه في المناصب الدينية فيقول ﴿ أهؤلاء ﴾ المسترذلون ﴿ منّ الله عليهم من بيننا ﴾ كقوله: ﴿ أألقي الذكر عليه من بيننا  ﴾ والفريق الآخر يرى الأول مقدماً عليه في الخيرات العاجلة والخصب والسعة الراحة والدعة فيقول: أهذا هو الذي فضله الله علينا.

وأما المحققون فهم الذين يعلمون أن كل ما فعله الله فهو صواب، ولا اعتراض عليه بحكم المالكية وبحسب رعاية الأصلح.

وبالجملة فصفات الكمال غير محصورة ولا تجتمع في إنسان واحد ألبتة بل هي موزعة على الخلائق وكلها محبوبة لذاتها.

فكل إنسان يحسد صاحبه على ما آتاه الله  من صفة الكمال، فمن عرف سر القدر رضي بنصيب نفسه وسكت عن التعرض لغيره وعاش عيشاً طيباً في الدنيا والآخرة.

قال هشام بن الحكم الافتتان الاختبار والامتحان، وفيه دليل على أنه  لا يعلم الجزيئات إلا عن حدوثها.

والجواب أنه يعامل المكلف معاملة المختبر وقد مر مراراً.

وقالت الأشاعرة: في الآية دلالة على مسألة خلق الأعمال لأن تلك الفتنة التي ألقاها الله  ليست إلا اعتراضهم على الله والاعتراض عليه كفر.

فهو  خالق للكفر.

وأيضاً منة الله عليهم ليست إلا بالإيمان ومتابعة الرسول، فلو كان الموجد للإيمان هو العبد كان العبد هو المان على نفسه.

أجاب المعتزلة بأن معنى فتناهم ليقولوا خذلناهم حتى آل أمرهم إلى أن قالوا: فتكون اللام لام العاقبة، وزيف بأنه عدول عن الظاهر مع أنا ننقل الكلام إلى الخذلان فلا بد من الانتهاء إليه تعالى ﴿ أليس الله بأعلم بالشاكرين ﴾ بمن يصرف كل ما أنعم به عليه فيما أعطاه لأجله فيظهر أفعاله على حسب معلوم الله  .

وقال في الكشاف: أي الله أعلم بمن يقع منه الإيمان والشكر فيوفقه للإيمان، وبمن يصمم على كفره فيخذله ويمنعه التوفيق.

﴿ وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا ﴾ قال عكرمة: نزلت في الذين نهى الله نبيّه  عن طردهم وكان إذا رآهم بدأهم بالسلام، وقال: "الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرني أن أبدأهم بالسلام" .

وقال ماهان الحنفي: أتى قوم النبي  فقالوا: إنا أصبنا ذنوباً عظاماً، وأظهروا الندامة والأسف فما أخاله رد عليهم بشيء.

فلما ذهبوا وتولوا نزلت الآية.

قال في التفسير الكبير: الأقرب أن تحمل الآية على عمومها، فكل من آمن بآيات الله  يدخل تحت هذا التشريف والإكرام ثم أبدى إشكالاً وهو أن المفسرين اتفقوا على أن هذه السورة نزلت دفعة واحدة، وإذا كان الأمر كذلك فكيف يمكن أن يقال في كل واحدة من جميع آي هذه السورة إنها نزلت بسبب الأمر الفلاني؟

قلت: لا استبعاد في أن تنزل السورة دفعة وينزل الصحابة كل آية منها على واقعة تناسبها، كيف وهم أعرف بحقائق التنزيل وأعلم بدقائق التأويل لأنهم أهل مشاهدة الوحي وأرباب مزاولة الأمر والنهي؟!

واعلم أن ما سوى الله  فهو آيات وجود الله،وأنها لا تكاد تنحصر فيجب على المكلف أن يكون مدة حياته كالسابح في تلك البحار والسائح في هذه القفار ليكون دائماً مترقياً في معارجها مترقباً أن تفيض عليه الأنوار من مدارجها فيستعد لبشارة ﴿ سلام عليكم ﴾ ويستأهل لكرامة ﴿ كتب ربكم على نفسه الرحمة ﴾ ﴿ فقل سلام عليكم ﴾ إما أن يكون أمراً بتبليغ سلام الله إليهم، وإما أن يكون أمراً بأن يبدأهم بالسلام إكراماً لهم.

قال الزجاج: ﴿ سلام ﴾ إما مصدر "سلمت سلاماً وتسليماً" مثل: كلمت كلاماً وتكليماً.

ومعناه الدعاء بأن يسلم من الآفات في نفسه ودينه، وإما أن يكون جمع سلامة.

وقيل: السلام هو الله أي الله عليكم أي على حفظكم ولعل هذا الوجه إنما يتأتى في المعرف لا في المنكر.

﴿ كتب ربكم ﴾ من جملة المقول لهم تبشيراً بسعة رحمة الله وقبوله التوبة.

ومعنى كتب على نفسه أوجب على ذاته إيجاب الكرم لا إيجاباً يستحق بتركه الذم.

وقالت المعتزلة: كونه عالماً بقبح القبائح وباستغنائه عنها يمنعه عن الإقدام عليها ولو فعل كان ظلماً، وإيجاب الرحمة ينافي القول بأنه منع الكافر من الإيمان ثم أمره حال ذلك المنع بالإيمان ثم يعذبه على ترك ذلك الإيمان، وأجيب بأنه فاعل لما يشاء ولا اعتراض عليه.

﴿ أنه من عمل ﴾ من قرأ بالفتح فعلى الإبدال من الرحمة، ومن قرأ بالكسر فعلى الاستئناف كأن الرحمة استفسرت فقيل: إنه من عمل ﴿ منكم سوءاً بجهالة ﴾ وهو في موضع الحال أي عمله وهو جاهل.

والمراد أنه فاعل فعل الجهال لأن من عمل ما يضره في العاقبة وهو عالم بذلك أو ظان فهو من أهل السفه لا من أهل الحكمة والتدبير، أو أنه جاهل بعاقبته ومن حق الحكيم أن لا يقدم على ما لا يعرف مآل حاله.

﴿ ثم تاب من بعده ﴾ بأن يندم على ما فعله ﴿ وأصلح ﴾ العمل في المستقبل ﴿ فأنه غفور ﴾ يزيل العقاب عنه ﴿ رحيم ﴾ يوصل الثواب إليه من قرأ بالكسر فعلى: أن الجملة جزاء للشرط، ومن قرأ بالفتحفعلى أن الخبر أو المبتدأ محذوف أي فغفرانه كائن أو فأمره أنه غفور.

قيل: إن الآية نزلتفي عمر حين أشار بإجابة الكفرة إلى ما طلبوا ولم يعلم أنها مفسدة.

﴿ وكذلك ﴾ أي كما فصلنا في هذه السورة دلائلنا على التوحيد والنبوة والقضاء والقدر ﴿ نفصل الآيات ﴾ ونميزها لك في تقرير كل حق ينكره أهل الباطل ﴿ وليستبين ﴾ معطوف على محذوف كأنه قيل: ليظهر الحق وليستبين، أو معلق بمحذوف أي وليستبين سبيل المجرمين فصلنا ذلك التفصيل البين.

من رفع "السبيل" قرأ ﴿ ليستبين ﴾ بالياء أو بالتاء لأن السبيل يذكر ويؤنث، ومن نصب السبيل قرأ ﴿ لتستبين ﴾ بتاء الخطاب مع الرسول يقال: استبان الأمر وتبين واستبنته وتبينته واستبانة سبيل المجرمين تستلزم استبانة طريق المحقين، فلذلك اقتصر على أحدهما كقوله ﴿ سرابيل تقيكم الحر  ﴾ ولم يذكر البرد.

وإنما ذكر المجرمين دون المحقين لأن طريق الحق واحد والمجرمون أصناف يشتبه أمرهم، فمنهم من هو مطبوع على قلبه، ومنهم من يرجى فيهم قبول الإسلام، ومنهم من دخل في الإسلام إلا أنه لا يحفظ حدوده فينبغي أن يستوضح سبيلهم ليعامل كلاً منهم بما يجب، ومن جملة ذلك أنه نهى عن عبادة معبوداتهم وذلك قوله ﴿ قل إني نهيت ﴾ أي صرفت بدلائل العقلية والسمعية ﴿ أن أعبد الذين تدعون ﴾ تعبدون ﴿ من دون الله قل لا أتبع أهواءكم ﴾ لأن عبادة المصنوع والمخلوف محض التقليد وعين الهواى ﴿ قد ضللت إذا وما أنا من المهتدين ﴾ أثبت الضلال إذ ذاك ونفى الهدى مع أنهما متلازمان للتقرير والتأكيد، وفيه تعريض بهم أنهم كذلك.

ثم نبه على ما يجب اتباعه بقوله ﴿ قل إني على بينة من ربي ﴾ على حجة واضحة من مغفرة ربي وأنه لا معبود سواه ﴿ وكذبتم ﴾ أنتم به حيث أشركتم به غيره.

يقال: أنا على بينة من هذا الأمر وأنا على يقين منه إذا كان ثابتاً عنده بدليل.

وقيل: أي على حجة من جهة ربي وهي القرآن ﴿ وكذبتم به ﴾ أي بالبينة وذكر الضمير على تأويل القرآن أو البيان.

﴿ ما عندي ما تستعجلون به ﴾ يعني العذاب الذي استعجلوه في قولهم ﴿ إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء  ﴾ قال الكلبي: نزلت في النضر بن الحرث ورؤساء قريش كانوا يقولون: يا محمد آتنا بالعذاب الذي تعدنا به استهزاء منهم.

﴿ إن الحكم إلا لله ﴾ مطلق يتناول الكل.

فقال الأشاعرة: لا يقدر العبد على أمر من الأمور إلا إذا قضى الله  فيمتنع منه فعل الكفر إلا بإرادة الله، واحتجت المعتزلة بقوله ﴿ يقضي الحق ﴾ أي كل ما قضى به فهو الحق، وهذا يقتضي أن لا يريد الكفر من الكافر ولا المعصية من العاصي لأن ذلك ليس بحق.

ويمكن أن يقال: إن جميع أحكامه حق وصدق ولا اعتراض لأحد عليه بحكم المالكية.

وانتصاب ﴿ الحق ﴾ على أنه صفة مصدر أي يقضي القضاء الحق، أو مفعول به من قولهم: قضى الدرع إذا صنعها أي يصنع الحق ويدبره.

ومثله من قرأ ﴿ يقصر الحق ﴾ كقوله ﴿ نحن نقص عليك أحسن القصص  ﴾ أي يقول الحق أو يتبعه من قص أثره ﴿ وهو خير الفاصلين ﴾ أي القاضي، وإنما كتب ﴿ يقض ﴾ في المصاحف بغير ياء لأنها سقطت في اللفظ لالتقاء الساكنين، وليوافق قراءة ﴿ يقص ﴾ ﴿ قل لو أن عندي ﴾ أي في قدرتي وإمكاني ﴿ ما تستعجلون ﴾ من العذاب ﴿ لقضي الأمر ﴾ أمر الإهلاك ﴿ بيني وبينكم ﴾ عاجلاً غضباً لربي ﴿ والله أعلم بالظالمين ﴾ فيؤخر عقابهم إلى وقته وأنا لا أعلم ما يجب في الحكمة من وقت عقابهم ومقداره.

فإن قلت: أما يناقض هذا قوله ﴿ فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا  ﴾ فإن استعجال الهلاك ينافي الحرص على الإيمان، لأن من حرص على إيمان أحد حرص على طول حياته طمعاً في إيمانه.

قلت: لا، بل يؤكده لاشتراك كل من الحكمين في الاستعجال اللازم للبشرية في قوله ﴿ وكان الإنسان عجولا  ﴾ ثم بين  أعلميته بقوله على سبيل الاستعارة ﴿ وعنده مفاتح الغيب ﴾ أراد أن المتوصل إلى المغيبات وحده كمن عنده مفاتح أقفال المخازن ويعلم فتحها ولم يمنعه من ذلك مانع، والمفاتح جمع مفتح وهو المفتاح، أو جمع مفتح بفتح الميم وهو المخزن، قال الحكيم في بيانه: إن العلم بالعلة التامة يوجب العلم بالمعلول وكل ما سوى الواجب فإنه موجود بإيجاده وتكوينه بواسطة أو بوسائط، فعلمه بذاته يوجب العلم بجميع آثاره على ترتيبها المعتبر - كليات كانت أو جزيئات - وعلمه بذاته لم يحصل إلا لذاته فصح ان يقال: وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو.

وفيه أنه لا ضد له ولا ند إذ لو كان في الوجود واجب آخر لكانت مفاتح الغيب حاصلة أيضاً عنده فيبطل هذا الحصر، ولا يمكن أن تكون هذه المفاتح عند شيء من الممكنات لأن المحاط لا يحيط بمحيطه فلا يحيط ما دون الواجب بالواجب، فلا يكون المفتاح الأوّل للعلم بجميع المعلومات إلا عنده.

ثم إن قوله ﴿ وعنده مفاتح الغيب ﴾ قضية معقولة مجردة، والإنسان الذي يقوي على الإحاطة بمعنى هذه القضية نادر جداً والقرآن إنما نزل لينتفع به جميع الناس فذكر من الأمور المحسوسة الداخلة تحت تلك القضية الكلية أمثالاً لها ليعين الحس العقل فقال ﴿ ويعلم ما في البر والبحر ﴾ لأن ذكر هذا المحسوس يكشف عن حقيقة عظيمة لذلك المعقول، وقدم ذكر البر لأن الإنسان قد شاهد أحوال البر وكثرة ما فيه من المدن والقرى والجبال والتلال والمعادن والنبات والحيوان، وأما البحر فإحاطة الحس بأحواله أقل مع كثرة ما فيها من العجائب والغرائب أيضاً.

ثم أفرد من هذه المحسوسات قسماً فقال ﴿ وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ﴾ أي لا يتغير حال ورقة إلا والحق يعلمها.

ثم عدل عن التعجيب من كثرة المدركات إلى التعجيب من صغر المدرك وخفائه فقال ﴿ ولا حبة في ظلمات الأرض ﴾ وفي تخصيص الحبة والورقة تنبيه للمكلفين على أمر الحساب لأنه إذا كان بحيث لا يهمل أمر الأشياء التي ليس لها ثواب ولا عقاب فلأن لا يهمل أمر المكلفين أولى.

ثم عاد إلى ذكر القضية الكلية المجردة بعبارة أخرى فقال ﴿ ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين ﴾ قال في الكشاف: ولا حبة ولا رطب ولا يابس عطف على ورقة وداخل في حكمها كأنه قيل: وما يسقط شيء من هذه الأشياء إلا وهو يعلمه.

وقوله ﴿ إلا في كتاب مبين ﴾ كالتكرير لقوله ﴿ إلا يعلمها ﴾ ومعنى ﴿ إلا في كتاب مبين ﴾ واحد.

والكتاب المبين علم الله أو اللوح.

قال علماء التفسير: يجوز أن يكون الله جل شأنه أثبت كيفية المعلومات في كتاب من قبل أن يخلق الخلق لتقف الملائكة على نفاذ علمه في المعلومات وأنه لا يغيب عنه شيء، فيكون في ذلك عبرة كاملة للملائكة الموكلين باللوح المحفوظ لأنهم يقابلون به ما يحدث في العالم فيجدونه موافقاً له.

أو لأنه إذا كتب أحوال جميع الموجودات في ذلك الكتاب على التفصيل التام امتنع تغيرها وإلا لزم الكذب أو الجهل فتصير كتبة جملة الأحوال في ذلك الكتاب سبباً تاماً في أنه يمتنع تقدم ما تأخر وتأخر ما تقدم.

ثم لما بين كمال علمه أردفه ببيان كمال قدرته بقوله ﴿ وهو الذي يتوفاكم ﴾ أي يتوفى أنفسكم التي بها تقدرون على الإدراك والتمييز.

وذلك أن الأرواح الجسمانية تغور حالة النوم من الظاهر إلى الباطن فتتعطل الحواس عن بعض الاعمال، وأما عند الموت فتصير جملة البدن معطلة عن كل الأعمال فلهذا كان النوم أخا الموت فصح إطلاق لفظ الوفاة على النوم من هذا الوجه ﴿ ويعلم ما جرحتم ﴾ أي ما كسبتم من العمل بالنهار ومنه الجوارح للأعضاء وللسباع ﴿ ثم يبعثكم فيه ﴾ أي يردّ إليكم أرواحكم بالنهار ﴿ ليقضي أجل مسمى ﴾ أي أعماركم المكتوبة.

وقضاء الأجل فصل مدة العمر من غيرها بالموت.

ثم لما ذكر أنه يميتهم أولاً ثم يوقظهم ثانياً كان ذلك جارياً مجرى الإحياء بعد الإماتة فلا جرم استدل بذلك على صحة البعث في القيامة فقال ﴿ ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم تعملون ﴾ في ليلكم ونهاركم وجميع أحوالكم وأوقاتكم.

واعلم أن في هذه الآية إشكالاً لأن قوله ﴿ ويعلم ما جرحتم بالنهار ﴾ كان ينبغي أن يكون بعد قوله ﴿ ثم يبعثكم فيه ﴾ فإن البعث في النهار مقدم على الكسب فيه بل على تعلق العلم بالكسب.

ويمكن أن يجاب بأن المراد ويعلم ما جرحتم في النهار الماضي بدليل قوله ﴿ جرحتم ﴾ دون "تجرحون" ثم يبعثكم في النهار الآتي.

والغرض بيان إحاطة علمه وقدرته بالزمانين المحيطين بالليل.

ولعل صاحب الكشاف لمكان هذا الإشكال عدل عن هذا التفسير إلى أن قال: ﴿ وهو الذي يتوفاكم بالليل ﴾ والخطاب للكفرة أي أنتم منسدحون الليل كالحيف.

والانسداح الانبطاح أو الاستلقاء ﴿ ويعلم ما جرحتم بالنهار ﴾ ما كسبتم من الآثام فيه ﴿ ثم يبعثكم ﴾ من القبور ﴿ فيه ﴾ أي في شأن ذلك الذي قطعتم به أعماركم من النوم بالليل وكسب الآثام في النهار ومن أجله كقولك: فيم دغوتني؟

فيقول: في أمر كذا ﴿ ليقضي أجل مسمى ﴾ وهو الأجل الذي سماه وضربه لبعث الموتى وجزائهم على أعمالهم ﴿ ثم إليه مرجعكم ﴾ وهو المرجع إلى موقف الحساب.

والأصوب عندي أن يقال: الخطاب عام، وكذا الكسب في النهار فينبغي أن لا يقيد بالآثام.

أما الضمير في ﴿ فيه ﴾ فيكون جارياً مجرى اسم الإشارة إلى الكسب.

والبعث هو البعث من القبور إلى آخر ما قال والله علم.

التأويل: ﴿ وأنذر به ﴾ أي بهذه الحقائق والمعاني ﴿ الذين يخافون ﴾ أي يرجون ﴿ أن يحشروا إلى ربهم ﴾ بجذبات العناية ويتحقق لهم أن ﴿ ليس لهم ﴾ في الوصول إلى الله ﴿ من دونه ولي ﴾ من الأولياء ﴿ ولا شفيع ﴾ يعني من الأنبياء، لأن الوصول لا يمكن إلا بجذبات الحق.

﴿ ولا تطرد الذين يدعون ﴾ أخبر عن الفقراء أنهم جلساؤه بالغداة والعشي كما قال "أنا جليس من ذكرني" فلا تطردهم عن مجالستك فإنهم يطلبوني في متابعتك لا يريدون الدنيا ولا الآخرة ولكن يريدون وجهه.

وكل له سؤل ودين ومذهب *** ووصلكم سؤلي وديني رضاكم قال المحققون: الإرادة اهتياج يحصل في القلب يسلب القرار من العبد حتى يصلإلى الله.

فصاحب الإرادة لا يهدأ ليلاً ولا نهاراً، ولا يجد من دون الوصول إلى الله  سكوناً ولا قراراً ﴿ ما عليك من حسابهم من شيء ﴾ يعني الذي لنا معك في الحساب من المواصلة والتوحيد في الخلوة فإنهم ليسوا في شيء من ذلك ليكون عليك ثقلاً ﴿ وما من حسابك عليهم من شيء ﴾ أي الذي لنا معهم في الحساب من التفرد للوصول والوصال ليس لك إلى ذلك حاجة ليثقل عليهم ﴿ فتطردهم ﴾ فتكسر قلوبهم بالطرد ﴿ فتكون من الظالمين ﴾ بوضع الكسر مقام الجبر فإنك بعثت لجبر قلوبهم لا لكسر قلوبهم كقوله ﴿ واخفض جناحك للمؤمنين  ﴾ ﴿ وكذلك فتنا بعضهم ببعض ﴾ ليشكر الفاضل وليصبر المفضول فيستويان في الفضل فلهذا قيل: لسليمان ولأيوب كليهما: نعم العبد.

مع قدرة سليمان على أسباب الطاعة وعجز أيوب عنها.

ومن فتنة الفاضل في المفضول رؤية فضله على المفضول أو تحقيره، ومنع حقه عنه في فضله، ومن فتنة المفضول في الفاضل حسده على فضله وسخطه عليه في منع حقه من فضله عنه، فإن المعطي والمانع هو الله.

ومنه أن لا يرىالفاضل مستحقاً للفضل ليقولوا ﴿ أهؤلاء منّ الله عليهم من بيننا ﴾ ﴿ فقل سلام عليكم ﴾ إنه  من كمال فضله على الفقراء حملهم محمل الأكابر والملوك في الدنيا فقال لنبيه  : "كن مبتدئاً بالسلام عليهم وفي الآخرة فألهم الملائكة أن يسلموا عليهم في الجنة" { ﴿ سلام عليكم طبتم  ﴾ بل سلم بذاته عليهم ﴿ سلام قولاً من رب رحيم  ﴾ وكل ذلك نتيجة سلامتهم من ظلمة الخلقة بإصابة رشاش النور في الأزل فلهذا قال ﴿ كتب ربكم على نفسه الرحمة ﴾ أي الرحمة الخاصة كما خص الخضر في قوله ﴿ وآتيناه رحمة من عندنا  ﴾ والرحمة العامة كما في الحديث الرباني للجنة "إنما أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي" ﴿ أنه من عمل منكم ﴾ أي من المؤمنين ﴿ سوءاً بجهالة ﴾ أي بجهالة الجهولية التي جبل الإنسان عليها لا بجهالة الضلالة التي هي نتيجة إخطاء النور فإن هذه لا توبة لها ﴿ ثم تاب من بعده ﴾ أي رجع إلى الله بقدم السير من بعد إفساد الاستعداد الفطري وأصلح الاستعداد بالأعمال الصالحة لقبول الفيض.

﴿ قل إني نهيت ﴾ في الأزل بإصابة النور المرشش.

﴿ ما عندي ما تستعجلون به ﴾ من عبادة الهوى ﴿ لقضي الأمر ﴾ يعني أمر القتال والخصومات ولاسترحت من أذيتكم لأن الشيء إنما ينفعل عن ضده لا عن شبيهه ﴿ وعنده مفاتح الغيب ﴾ يعني العلوم العقلية التي هي سبب فتح باب صور عالم الشهادة كالنقاش ينشيء الصور في ذهنه ثم يصوّرها في الخارج.

وإنما وحد الغيب وجمع المفاتح لأن عالم الغيب عالم التكوين وهو واحد في جميع الأشياء وفي الملكوت كثرة يعلم التكوين ﴿ ويعلم ما في البر ﴾ وهو عالم الشهادة ﴿ والبحر ﴾ وهو عالم الغيب ﴿ و ﴾ بهذا العلم ﴿ ما تسقط من ورقة ﴾ عن شجرة الوجود ﴿ إلا يعلمها ﴾ لأنه مكونها ومسقطها ﴿ ولا حبة ﴾ هي حبة الروح ﴿ في ظلمات ﴾ صفات أرض النفس، أو حبة المحبة في ظلمات أرض القلب ﴿ ولا رطب ولا يابس ﴾ الرطب المؤمن، واليابس ما سيصير موجوداً وما قد صار.

أو الرطب الروحانيات.

واليابس الجمادات.

أو الرطب المؤمن، واليابس الكافر.

أو الرطب العالم، واليابس الجاهل.

أو الرطب العارف، واليابس الزاهد.

أو الرطب أهل المحبة، واليابس أهل السلوة.

أو الرطب صاحب الشهود، اليابس صاحب الوجود.

أو الرطب الباقي بالله واليابس الباقي بنصيبه ﴿ وهو الذي يتوفاكم بالليل ﴾ ليل القضاء ﴿ ويعلم ما جرحتم بالنهار ﴾ نهار القدر أو الليل، ليل صفات البشرية والنهار نهار الشهود في عالم الوحدة.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا جَآءَكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَٰمٌ عَلَيْكُمْ ﴾ هذا يدل على أن النهي عن الطرد ليس للإبعاد خاصة في المجلس، ولكن في كل شيء في بشاشة الوجه واللطف في الكلام وفي كل شيء؛ لأنه قال ﴿ فَقُلْ سَلَٰمٌ عَلَيْكُمْ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ ﴾ قال بعضهم ﴿ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ ﴾ هو أن يبدأهم بالسلام فذلك الذي كتب على نفسه الرحمة.

وقال بعضهم قوله ﴿ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ ﴾ أي: لم يأخذهم في أول ما وقعوا في المعصية ولكن أمهلهم إلى وقت وجعل لهم المخرج من ذلك بالتوبة وعلى ذلك ما روي عن ابن عباس -  - أنه قال: "فتح الله للعبد التوبة إلى أن يأتيه الموت".

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوۤءًا بِجَهَٰلَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ أي: كل من عمل سوءاً بجهالة ثم تاب من بعد ذلك وأصلح أنه يغفر له ما كان منه.

ومن قرأها بالنصب عطفه على قوله: ﴿ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوۤءًا بِجَهَٰلَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ لذلك.

وجائز أن يكون قوله ﴿ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ ﴾ أي: كتب على خلقه الرحمة أن يرحم بعضهم بعضاً.

وجائز ما ذكرنا أنه كتب على نفسه الرحمة أي: أوجب أن يرحم ويغفر لمن تاب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوۤءًا بِجَهَٰلَةٍ ﴾ جائز أن يكون الآية في الكافر إذا تاب يغفر الله له ما كان منه في حال الكفر والشرك كقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ ٱللَّهَ فَٱسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ...

 ﴾ الآية، وقوله: ﴿ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ  ﴾ .

وجائز أن تكون في المؤمنين.

ثم ذكر عملا بجهالة وإن لم يكن يعمل بالجهل لأن الفعل فعل الجهل وإن كان فعله لم يكن على الجهل؛ وكذلك ما ذكر من النسيان والخطأ في الفعل؛ لأن فعله فعل ناس وفعل مخطىء وإن لم يفعله الكافر على النسيان والخطأ، وإلا لو كان على حقيقة الخطأ والنسيان لكان لا يؤاخذ به؛ لقوله ﴿ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ  ﴾ لكن الوجه ما ذكرنا أن الفعل فعل نسيان وخطأ وإن لم يكن ناسياً ولا مخطئاً فيه، وعلى ذلك [الفعل] فعل جهل وإن لم يكن جاهلا والفعل فعل جهل وإن لم يكن بالجهل، والمؤمن جميع ما يتعاطى من المساوي يكون لجهالة؛ لأنه إنما يعمل السوء إما لغلبة شهوة أو للاعتماد على كرم ربه بالعفو عنه والصفح عن ذلك ويعمل السوء على نية التوبة والعزم عليها في آخره.

على هذه الوجوه الثلاثة يقع المؤمن في المعصية وأما على التعمد فلا يعمل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَذَلِكَ نفَصِّلُ ٱلآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ ٱلْمُجْرِمِينَ ﴾ قرئ بالياء والتاء جميعاً.

فمن قرأ بالتاء نصب السبيل بجعل الخطاب لرسول الله صلى الله عليه سلم، أي: لتعرف سبيل المجرمين.

ومن قرأ بالياء رفع "السبيل" كأنه قال نفصل الآيات وجوهاً.

أي: نبين الآيات ما يعرف السامعون أنها آيات من عند الله غير مخترعة من عند الخالق ولا مفتراة ما يبين سبيل المجرمين من سبيل المهتدين.

والثاني: نفصل الآيات ما بالخلق حاجة إليها وإلى معرفتها.

والثالث: نبين من الآيات ما بين المختلفين، أي: بين سبيل المجرمين وبين سبيل المهتدين.

﴿ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ ٱلْمُجْرِمِينَ ﴾ تأويله ما ذكرنا أن من قرأ بالتاء حمله على خطاب رسول الله  أي: نبين من الآيات لتعرف سبيل المجرمين بالنصب.

ومن قرأ بالياء نبين من الآيات ليتبين سبيل المجرمين من سبيل غير المجرمين، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ قُلْ لاَّ أَتَّبِعُ أَهْوَآءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُهْتَدِينَ ﴾ معناه - والله أعلم -: إني نهيت بما أكرمت من العقل واللب أن أعبد الذين تعبدون من دون الله.

أو يقول: إني نهيت بما أكرمت من الوحي والرسالة أن أعبد الذين تدعون من دون الله.

﴿ قُلْ لاَّ أَتَّبِعُ أَهْوَآءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُهْتَدِينَ ﴾ ثم أخبر أن ما يعبدون هم من دون الله إنما يعبدونه اتباعاً لهوى أنفسهم وأن ما يعبده هو ليس يتبع هوى نفسه، ولكن إنما يتبع الحجة والسمع وما يستحسنه العقل؛ ألا ترى أنه قال ﴿ قُلْ إِنِّي عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي ﴾ أي: على حجة من ربي؟!

يخبر أن ما يعبده هو يعبده اتباعاً للحجة والعقل، وما يعبدون اتباعاً لهوى أنفسهم، وما يتبع بالهوى يجوز أن يترك أتباعه ويتبع غيره لما تهوى نفسه هذا ولا تهوى الأول وأما ما يتبع بالحجة والسمع وما يستحسنه العقل فإنه لا يجوز أن يترك اتباعه ويتبع غيره وفيه تعريض بسفههم؛ لأنه قال ﴿ قُلْ لاَّ أَتَّبِعُ أَهْوَآءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُهْتَدِينَ ﴾ أي: لو اتبعت هواكم لضللت أنا، وأنتم إذا اتبعتم أهواءكم لعبادتكم غير الله ضلال ولستم من المهتدين؛ فهو تعريض بالتسفيه لهم والشتم منه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ إِنِّي عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَكَذَّبْتُم بِهِ ﴾ قيل: على بيان من ربي وحجة، وقيل على دين من ربي.

وقوله عز وجل ﴿ وَكَذَّبْتُم بِهِ ﴾ قيل بالقرآن، وقيل: العذاب ما أوعدتكم ويحتمل كذبتم ما وعدتكم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ ﴾ أي: العذاب كقوله -  -: ﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ  ﴾ وغيره فقال ما عندي ما تستعجلون به من العذاب.

ثم هذا يدل على أن قوله: ﴿ قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلاۤ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ ﴾ أن المراد بالخزائن العذاب أي: ليس عندي ذلك، إنما ذلك إلى الله وعنده ذلك وهو قوله: ﴿ إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ ﴾ ، أي: ما الحكم والقضاء إلا لله.

﴿ يَقُصُّ ٱلْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْفَٰصِلِينَ ﴾ اختلف في تلاوته وتأويله: قرأ بعضهم بالضاد وآخرون بالصاد.

فمن قرأ بالصاد ﴿ يَقُصُّ ﴾ يقول يبين الحق؛ لأن القصص هو البيان.

وقال آخر ﴿ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْفَٰصِلِينَ ﴾ أي: خير المبينين.

ومن قرأ بالضاد يقول يقضي بحكم.

ثم اختلف فيه: قال بعضهم أي: يقضي بالحق وكذلك روي في حرف ابن مسعود  أنه قرأ (يقضي بالحق) وقيل فيه إضمار، أي: يقضي ويحكم وحكمه الحق.

﴿ يَقُصُّ ٱلْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْفَٰصِلِينَ ﴾ أي: القاضين والفصل والقضاء واحد؛ لأنه بالقضاء يفصل والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُل لَّوْ أَنَّ عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ ٱلأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ﴾ عن ابن عباس -  -: ﴿ قُل لَّوْ أَنَّ عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ ٱلأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ﴾ لأهلكتكم.

وقيل: ﴿ لَقُضِيَ ٱلأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ﴾ ، أي: لعجلته لكم بالقضاء [فيما بيننا، يخبر] عن رحمة الله وحلمه، أي: لو كان بيدي لأرسلته عليكم، لكن الله بفضله ورحمته يؤخر ذلك عنكم.

ثم فيه نقض على المعتزلة في قولهم بأن الله لا يفعل بالعبد إلا الأصلح في الدين؛ لأنه قال: ﴿ قُل لَّوْ أَنَّ عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ ٱلأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ﴾ ، ثم لا يحتمل أن تأخير العذاب والهلاك خير لهم وأصلح، ثم هو يهلكهم ويكون عظة لغيرهم وزجراً لهم، ثم إن الله -  - أخر ذلك العذاب عنهم وإن كان فيه شر لهم؛ فدل أن الله قد يفعل بالعبد ما ليس ذلك بأصلح له في الدين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِٱلظَّالِمِينَ ﴾ .

أي: عليم بمن الظالم منا؟

وهم كانوا ظلمة.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وإذا جاءك -أيها الرسول- الذين يؤمنون بآياتنا الشاهدة على صدق ما جئت به، فَرُدَّ عليهم السلام إكرامًا لهم، وبشرهم بسعة رحمة الله، فقد أوجب الله على نفسه الرحمة إيجاب تَفَضُّل، فمن ارتكب منكم معصية في حال جهل وسفهٍ، ثم تاب من بعد ارتكابه لها، وأصلح عمله، فإن الله يغفر له ما ارتكبه، فالله غفور لمن تاب من عباده، رحيم بهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.XYkJ7"

مزيد من التفاسير لسورة الأنعام

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله