تفسير سورة الأنعام الآية ٩٤ عند البسيط

الإسلام > القرآن > تفسير > البسيط > سورة 6 الأنعام > الآية ٩٤

وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَٰدَىٰ كَمَا خَلَقْنَـٰكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍۢ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَـٰكُمْ وَرَآءَ ظُهُورِكُمْ ۖ وَمَا نَرَىٰ مَعَكُمْ شُفَعَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَـٰٓؤُا۟ ۚ لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ ٩٤

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 11 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى ﴾ الآية.

قال أهل المعاني: (هذا يكون على وجهين أحدهما: أنه على الحكاية أن يقال لهم في الآخرة هذا كما دلت الآية الأولى على الحكاية، والثاني: أن المعنى على الاستقبال كأنه: تجيئوننا فرادى إلا أنه جاء على لفظ الماضي؛ لأنه بمنزلة ما قد كان لتحقيق الخبر به) (١) وأما ﴿ فُرَادَى ﴾ (٢) ﴿ فُرَادَى ﴾ جمع، قال: والعرب تقول: قوم فرادى، وفراديا هذا، فلا يجرونها (٣) (٤) وقال الليث: (الفَرْد: ما كان وحده، يقال: فَرَد يَفْرد، وأفردته: جعلته واحداً، ويقال: جاء القوم فُرادى (٥) (٦) (٧) وقال ابن قتيبة: (فرادى جمع فردان مثل: سكران وسكارى وكسلان وكسالى) (٨) (٩) وأما التفسير فقال ابن عباس: (يريد: بلا أهل ولا مال ولا ولد ولا شيء قدمتموه) (١٠) (١١) (١٢) (١٣) (١٤) وقوله تعالى: ﴿ كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ قال ابن عباس: (يريد: حفاة عُرَاة كما خرجتم من بطون أمهاتكم) (١٥) (١٦) وقوله تعالى: ﴿ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ ﴾ أي: ملكناكم، يقال: خوّله الشيء، أي: مَلَّكه إياه، والخَوَل (١٧) (١٨) كُومَ الذُّرَى مِنْ خَوَلِ المُخَوَّلِ (١٩) ﴿ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ ﴾ : (يريد: من النعيم والمال والعبيد والرباع (٢٠) (٢١) ﴿ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ ﴾ قال ابن عباس: (يريد: شركاء لي) (٢٢) ﴿ شُفَعَاءَكُمُ ﴾ ، قال المفسرون (٢٣) وقوله تعالى: ﴿ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ ﴾ قال الزجاج (٢٤) (٢٥) (٢٦) (٢٧) قال أبو علي: (هذا الاسم يستعمل على ضربين: أحدهما: أن يكون اسمًا متصرفًا كالافتراق، والآخر: أن يكون ظرفًا، والمرفوع في قراءة من قرأ ﴿ بَيْنَكُمْ ﴾ الذي كان ظرفاً ثم استعمل اسمًا، والدليل على جواز كونه اسمًا قوله تعالى: ﴿ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ  ﴾ ، و ﴿ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ  ﴾ ، وقال (٢٨) (٢٩) كَأَنَّ رِمَاحَهُمْ أَشْطَانُ بِئْرٍ ...

بِعيدٍ بَيْنُ جَالَيْهَا جَرُورِ (٣٠) فلما استعمل اسمًا في هذه المواضع جاز أن يسند إليه الفعل الذي هو (تقطع) في قول من رفع.

قال: ويدل على أن هذا المرفوع هو الذي استعمل ظرفًا؛ لأنه لا يخلو من أن يكون الذي هو ظرف اتسع فيه، أو يكون الذي هو مصدر، فلا يجوز أن يكون هذا القسم؛ لأن التقدير يصير: لقد تقطع افتراقكم، وهذا خلاف القصد والمعنى [المراد] (٣١) (٣٢) ﴿ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ ﴾ بمعنى: لقد تقطع وصلكم، وحكى سيبويه: (هو أحمر بين العينين) (٣٣) فأما من قرأ: ﴿ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ ﴾ بالنصب ففيه مذهبان أحدهما: أنه أضمر الفاعل في الفعل، ودل عليه ما تقدم من قوله: ﴿ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ ﴾ ، ألا ترى أن هذا الكلام فيه دلالة على التقاطع والتهاجر، فكأنه قيل: لقد تقطع وصلكم بينكم.

وقد حكى سيبويه أنهم قالوا: (إذا كان غدًا فأتني) (٣٤) (٣٥) (٣٦) (٣٧) ﴿ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ  ﴾ أنه على معنى الرفع، وكذلك يقول في قوله تعالى: ﴿ وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ  ﴾ فدون: في موضع رفع عنده) (٣٨) (٣٩) (٤٠) ما بين عَوْفٍ وإبراهيمَ من نَسَبٍ ...

إلا قرابةُ بين الزنج والرومِ (٤١) أراد: إلا قرابة ما بين الزنج والروم، وقال آخر: يُدِيرُونَنِي عَنْ سَالِمٍ وأُدِيرُهُمْ ...

وَجِلْدَةُ بَيْن العَيْنِ وَالأنْفِ سالِمُ (٤٢) (٤٣) (٤٤) (٤٥) وأجاز الفراء هذا الوجه أيضًا فقال: (إذا جعل الفعل لبين ترك نصبًا كما قالوا: أتاني دونك من الرجال فترك نصبًا وهو في موضع رفع) (٤٦) وأما التفسير فقال ابن عباس: ﴿ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ ﴾ (يريد: وصلكم ومودتكم) (٤٧) ﴿ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ ﴾ (يعني: ما تواصلتم بينكم) (٤٨) (٤٩) (٥٠) وقوله تعالى: ﴿ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ﴾ ، قال ابن عباس: (ذهب عنكم ما كنتم تكذبون في الدنيا) (٥١) (١) انظر: "تفسير الطبري" 7/ 277، والماوردي 2/ 145، وابن عطية 5/ 290، وابن الجوزي 3/ 88، والرازي 13/ 86، وابن كثير 2/ 186.

(٢) انظر: "العين" 8/ 24، و"الجمهرة" 2/ 634 - 635، و"الصحاح" 2/ 518، و"مقاييس اللغة" 4/ 500، و"المجمل" 3/ 720 (فرد).

(٣) قوله: فلا يجرونها، أي: يصرفونها.

(٤) "معاني الفراء" 1/ 345، وفيه: (وفرادى واحدها فَرْد وفِرد وفريد، وفراد للجمع، ولا يجوز فرد في هذا المعنى) اهـ ، وأشار المحقق في الهامش إلى ورود لفظ فردان في بعض النسخ، كذلك جاء في "تهذيب اللغة" 3/ 2761، و"اللسان" 6/ 3373 (فرد) ، عن الفراء لفظ (فردان).

(٥) النص في "تهذيب اللغة" 3/ 2761، وفيه (جاء القوم فُرادًا)، بضم الفاء وفتح الراء مع التنوين.

وجاء في "اللسان" 6/ 3374، عن الليث أنه قال: (ويقال: جاء القوم فرادًا وفرادى، منونًا وغير منون، أي: واحداً واحداً) اهـ.

(٦) في (ش): (وغدت).

(٧) في (أ): (الدرهم).

(٨) "تفسير غريب القرآن" ص 168، وفيه: (فرادى فَرْد، وكأنه جمع فردان، كما قيل ...) اهـ.

(٩) انظر: "تفسير الطبري" 7/ 277 - 278، و"المفردات" ص 629، و"الدر المصون" 5/ 44.

(١٠) "تنوير المقباس" 2/ 44، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 84، وابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 88، وأبو حيان في "البحر" 4/ 182.

(١١) ذكره الثعلبي في "الكشف" ص 181 أ، وابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 88، وأبو حيان في "البحر" 4/ 182.

(١٢) ابن كيسان محمد بن أحمد بن كيسان، تقدمت ترجمته.

(١٣) ذكره الثعلبي في "الكشف" 181 أ، والواحدي في "الوسيط" 1/ 84، وابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 88، وأبو حيان في "البحر" 4/ 82.

(١٤) "معاني الزجاج" 2/ 273، وقوله: (وشقيقه) غير واضحة في الأصل وكأنها: وشفيعه.

(١٥) لم أقف عليه، وأخرجه البخاري (6524) كتاب الرقاق، باب: كيف الحشر، ومسلم (2860)، عن ابن عباس  ما أنه سمع النبي  يقول: "إنكم ملاقو الله مشاة حُفاة عراة غُرْلًا"، والمقصود أنهم يحشرون كما خلقوا لا شيء معهم ولا يفقد منهم شيء حتى الغرلة، وهي القلفة التي تقطع عند الختان تكون معهم.

وانظر: "شرح مسلم" للنووي 17/ 280 - 283، و"فتح الباري" 11/ 377 - 388.

(١٦) "معاني الزجاج" 2/ 273، وانظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 566.

(١٧) الخول: بفتح الخاء والواو.

انظر: "الجمهرة" 1/ 621، و"الصحاح" 4/ 1690، و"المجمل" 2/ 307، و"مقاييس اللغة" 2/ 230، و"المفردات" ص 304.

(١٨) أبو النَّجم: الفضْل بن قدامة بن عبيد العِجْلي الكوفي، تقدم.

(١٩) "ديوانه" ص 175، وهو من لاميته المشهورة في هشام بن عبد الملك، ومطلعها: الحمدُ للهِ الوْهُوبِ المْجْزِل ...

أَعْطَى فَلَمْ يَبْخَلْ وَلَم يُبَخَّل كُومَ الذُّرى منْ خَولِ المخول ...

تبَقَّلَتْ مِنْ أَوّلِ التَّبْقُّلِ= انظر: "طبقات فحول الشعراء" 2/ 478، وكوم جمع كوماء، وهي الناقة عظيمة السنام، والذرى جمع ذروة السنام وأعلى كل شيء، والخول: ما أعطى من النعم، والمخول بتشديد الواو وكسرها: الله سبحانه وتعالى خولهم النعم.

والشاهد في: "العين" 4/ 305، والطبري 7/ 278، و"تهذيب اللغة" 1/ 968، و"اللسان" 3/ 1293 (خول).

(٢٠) الرِّباع: بالكسر جمع الرَّبْع بفتح الراء المشددة وسكون الباء، وهو المنزل، والدار بعينها، والوطن، والموضع يرتعون فيه في الربيع.

انظر: "اللسان" 3/ 1563، و"القاموس" ص 718 (ربع).

(٢١) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 84.

(٢٢) في "تنوير المقباس" 2/ 44 نحوه، وذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 89.

(٢٣) أخرج الطبري في "تفسيره" 7/ 279، وابن أبي حاتم 4/ 1350 بسند جيد، عن عكرمة والسدي نحوه، وانظر: السمرقندي 1/ 502.

(٢٤) في (ش): تكرر (قال الزجاج: الرفع أجود ومعناه تقطع بينكم ...).

(٢٥) قرأ نافع والكسائي وعاصم في رواية (لقد تقطع بينكم) بنصب النون، وقرأ الباقون بالرفع.

انظر: "السبعة" ص 263، و"المبسوط" ص 172، و"الغاية" ص 245، و"التذكرة" 2/ 405، و"التيسير" ص 105، و"النشر" 2/ 260.

(٢٦) لفظ: (الواو) ساقط من (أ).

(٢٧) "معاني الزجاج" 2/ 273.

(٢٨) هذا الشاهد لا يوجد في "الحجة" لأبي علي.

(٢٩) مُهَلْهِل بن ربيعة التغلبي: أبو ليلى، من نجد شاعر جاهلي، تقدمت ترجمته.

(٣٠) ليس في "ديوانه"، وهو في: "مجاز القرآن" 1/ 201، و"الكامل" للمبرد 1/ 376، والطبري 7/ 280، و"الدر المصون" 5/ 53، وبلا نسبة في "مجالس الزجاجي" ص 110، و"أمالي القالي" 2/ 132، و"إعراب القراءات" 1/ 165، و"الحجة" لابن خالويه ص 145، و"المحتسب" 2/ 190، و"اللسان" 1/ 403 (بين)، والأشطان جمع شطن بالتحريك: الحبال الطويلة الشديدة الفتل، والجال: الجانب، والناحية، والجرور: بعيدة القعر.

والشاهد: بين ظرف في الأصل، فصيره اسمًا ورفعه.

(٣١) لفظ: (المراد) ساقط من (أ).

(٣٢) هو من الأضداد، يكون البَيْنُ الفراق ويكون الوصال.

انظر: كتاب "الأضداد" لقطرب ص 138، وللأصمعي ص 52، ولابن السكيت ص 204، ولابن الأنباري ص 75، و"شرح القصائد" لابن الأنباري ص 433.

(٣٣) "الكتاب" 1/ 195.

(٣٤) "الكتاب" 1/ 224.

(٣٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ش).

(٣٦) أبو الحسن هو سعيد بن مسعدة المجاشعي البصري الأخفش الأوسط، تقدمت ترجمته.

(٣٧) في النسخ: (ويوم)، وهو تحريف.

(٣٨) انظر: "معاني الأخفش" 1/ 237، و"الحجة" لأبي علي 1/ 250 - 251، 3/ 262، 5/ 429، 6/ 285، و"كتاب الشعر" 1/ 306، و"المحتسب" 2/ 190، وفيها كلام الأخفش وشرحه.

(٣٩) في (أ): (منا الطالحون ومنا الطالحون)، وهو تحريف.

(٤٠) "الحجة" لأبي علي 3/ 357 - 361 بتصرف واختصار، وانظر: "معاني القراءات" 1/ 371، و"إعراب القراءات" 1/ 164، و"الحجة" لابن خالويه ص 145، ولابن زنجلة ص 261، و"الكشف" 1/ 440.

(٤١) لم أقف على قائله، وهو في "الدر المصون" 5/ 51.

(٤٢) البيت لأبي الأسود الدؤلي في "ديوانه" ص 250، و"الدر المصون" 5/ 51، ولزهير في "ديوانه" ص 121، و"شرحه لثعلب" ص 250، وبلا نسبة في "أمالي القالي" 1/ 51، ونسب في "العقد الفريد" 2/ 273، 6/ 137 إلى عبد الله بن عمر بن الخطاب  ما؛ وقال البغدادي في "الخزانة" 5/ 272 - 273: (هذا خطأ، والصواب أنَّه تمثَّل به لا أنه قاله، والبيت لزهير، وهو ثابت في ديوانه) اهـ.

(٤٣) لفظ: (بين) ساقط من (ش)، وانظر: "التبيان" 1/ 349، و"الفريد" 2/ 194.

(٤٤) لفظ: (وبين الثوبين) الثانية ساقط من (ش).

(٤٥) ذكره الواحدي 1/ 85، وابن الجوزي 3/ 89، والرازي 13/ 87 - 88 مختصرًا.

(٤٦) "معاني الفراء" 1/ 345، قال: (هو في موضع رفع لأنه صفة ...)، وانظر: "إعراب النحاس" 1/ 566، و"المشكل" 1/ 262، و"البيان" 1/ 332.

(٤٧) "تنوير المقباس" 2/ 44، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 85، وأخرج الطبري في "تفسيره" 7/ 279، وابن أبي حاتم 4/ 1350 بسند جيد عن ابن عباس في الآية قال: (يعني: الأرحام والمنازل) ا.

هـ، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 60.

(٤٨) "تفسير مقاتل" 1/ 579، وفيه قال: (لقط تقطع بينكم وبين شركائكم، يعني: من الملائكة من المودة والتواصل) ا.

هـ.

(٤٩) ذكره هود الهواري في "تفسيره" 1/ 546، والواحدي في "الوسيط" 1/ 85، والسيوطي في "الدر" 3/ 60.

(٥٠) أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 1/ 214، والطبري 7/ 279، بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 60.

(٥١) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 85، بدون نسبة.

وانظر: "تنوير المقباس" 2/ 44.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.3 / 29.5
الإضاءة 29%
البدر بعد 9 يوم
الحمد لله