الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ٩٤ من سورة الأنعام
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 146 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٩٤ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة ) أي : يقال لهم يوم معادهم هذا ، كما قال ( وعرضوا على ربك صفا لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة ) [ الكهف : 48 ] ، أي : كما بدأناكم أعدناكم ، وقد كنتم تنكرون ذلك وتستبعدونه ، فهذا يوم البعث .
وقوله : ( وتركتم ما خولناكم ) أي : من النعم والأموال التي اقتنيتموها في الدار الدنيا ( وراء ظهوركم ) وثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " يقول ابن آدم : مالي مالي ، وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت ، أو لبست فأبليت ، أو تصدقت فأمضيت ، وما سوى ذلك فذاهب وتاركه للناس " وقال الحسن البصري : يؤتى بابن آدم يوم القيامة كأنه بذج فيقول الله - عز وجل - له أين ما جمعت؟
فيقول يا رب ، جمعته وتركته أوفر ما كان ، فيقول : فأين ما قدمت لنفسك؟
فلا يراه قدم شيئا ، وتلا هذه الآية : ( ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم ) رواه ابن أبي حاتم .
وقوله : ( وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء ) تقريع لهم وتوبيخ على ما كانوا اتخذوا في الدار الدنيا من الأنداد والأصنام والأوثان ، ظانين أن تلك تنفعهم في معاشهم ومعادهم إن كان ثم معاد ، فإذا كان يوم القيامة تقطعت الأسباب ، وانزاح الضلال ، وضل عنهم ما كانوا يفترون ، ويناديهم الرب ، عز وجل ، على رءوس الخلائق : ( أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون ) [ الأنعام : 22 ] وقيل لهم ( أين ما كنتم تعبدون من دون الله هل ينصرونكم أو ينتصرون ) [ الشعراء : 92 ، 93 ] ; ولهذا قال هاهنا : ( وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء ) أي : في العبادة ، لهم فيكم قسط في استحقاق العبادة لهم .
ثم قال تعالى : ( لقد تقطع بينكم ) قرئ بالرفع ، أي شملكم ، وقرئ بالنصب ، أي : لقد انقطع ما بينكم من الوصلات والأسباب والوسائل ( وضل عنكم ) أي : وذهب عنكم ( ما كنتم تزعمون ) من رجاء الأصنام ، كما قال : ( إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرءوا منا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار ) [ البقرة : 166 ، 167 ] ، وقال تعالى : ( فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون ) [ المؤمنون : 101 ] ، وقال ( إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين ) [ العنكبوت : 25 ] ، وقال ( وقيل ادعوا شركاءكم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم ) الآية [ القصص : 64 ] ، وقال تعالى : ( ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا ) إلى قوله : ( وضل عنهم ما كانوا يفترون ) [ الأنعام : 22 - 24 ] ، والآيات في هذا كثيرة جدا .
القول في تأويل قوله : وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله جل ثناؤه عما هو قائل يوم القيامة لهؤلاء العادلين به الآلهة والأنداد, يخبر عبادَه أنه يقول لهم عند ورودهم عليه: " لقد جئتمونا فرادى " .
ويعني بقوله: " فرادى "، وُحدانًا لا مال معهم، ولا إناث، ولا رقيق، (59) ولا شيء مما كان الله خوّلهم في الدنيا =" كما خلقناكم أوّل مرة "، عُرَاة غُلْفًا غُرْلا حُفاة، كما ولدتهم أمهاتهم, (60) وكما خلقهم جل ثناؤه في بطون أمهاتهم, لا شيء عليهم ولا معهم مما كانوا يتباهَوْن به في الدنيا.
* * * و " فرادى "، جمع, يقال لواحدها: " فَرِد ", كما قال نابغة بني ذبيان: مِـنْ وَحْـشِ وَجْـرَةَ مَوْشـيٍّ أَكَارِعُهُ طَـاوِي المَصِـيرِ كَسَيْفِ الصَّيْقَلِ الفَرِدِ (61) و " فَرَدٌ" و " فريد ", كما يقال: " وَحَد " و " وَحِد " و " وحيد " في واحد " الأوحاد ".
وقد يجمع " الفَرَد "" الفُرَاد " كما يجمع " الوَحَد "،" الوُحَاد ", ومنه قول الشاعر: (62) تَـرَى النَّعَـرَاتِ الـزُّرْقَ فَـوْقَ لَبَانِه فُـرَادَى وَمَثْنًـى أَصْعَقَتْهَـا صَوَاهِلُـهْ (63) وكان يونس الجرْميّ، (64) فيما ذكر عنه، يقول: " فُراد " جمع " فَرْد ", كما قيل: " تُؤْم " و " تُؤَام " للجميع.
ومنه: " الفُرَادى "، و " الرُّدَافى " و " القُرَانى ".
(65) يقال: " رجل فرد " و " امرأة فرد ", إذا لم يكن لها أخٌ." وقد فَرد الرجلُ فهو يفرُد فرودًا ", يراد به تفرَّد," فهو فارد ".
* * * 13570 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، [قال ابن زيد قال] ، أخبرني عمرو: أن ابن أبي هلال حدثه: أنه سمع القرظيّ يقول: قرأت عائشةُ زوجُ النبي صلى الله عليه وسلم قولَ الله: " ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة "، فقالت: واسوأتاه, إن الرجال والنساء يحشرون جميعًا ينظر بعضهم إلى سوأة بعض!
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ , لا ينظر الرجال إلى النساء، ولا النساء إلى الرجال, شغل بعضهم عن بعض.
(66) * * * وأما قوله: " وتركتم ما خوّلناكم وراء ظهوركم "، فإنه يقول: خلفتم أيها القوم ما مكناكم في الدنيا مما كنتم تتباهون به فيها، خلفكم في الدنيا فلم تحملوه معكم.
وهذا تعيير من الله جل ثناؤه لهؤلاء المشركين بمباهاتهم التي كانوا يتباهون بها في الدنيا بأموالهم.
* * * وكل ما ملكته غيرك وأعطيته: " فقد خوّلته ", (67) يقال منه: " خال الرجل يَخَال أشدّ الخِيال " بكسر الخاء =" وهو خائل ", ومنه قول أبي النجم: أَعْطَــى فَلَــمْ يَبْخَـلْ وَلَـمْ يُبَخَّـلِ كَـومَ الـذُّرَى مِـنْ خَـوَلِ المُخَــوِّلِ (68) وقد ذكر أن أبا عمرو بن العلاء كان ينشد بيت زهير: هُنَـالِكَ إِنْ يُسْـتَخْوَلُوا الْمَـالَ يُخـوِلُوا وَإن يُسْـأَلُوا يُعطُـوا وَإِنْ يَيْسِرُوا يُغْلُوا (69) وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك : 13571 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " وتركتم ما خوّلناكم "، من المال والخدم =" وراء ظهوركم "، في الدنيا.
* * * القول في تأويل قوله : وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لهؤلاء العادلين بربهم الأنداد يوم القيامة: ما نرى معكم شفعاءكم الذين كنتم في الدنيا تزعمون أنهم يشفعون لكم عند ربكم يوم القيامة.
(70) * * * وقد ذكر أن هذه الآية نـزلت في النضر بن الحارث، لقيله: إنّ اللات والعزى يشفعان لهُ عند الله يوم القيامة.
* * * وقيل: إن ذلك كان قول كافة عَبَدة الأوثان.
* ذكر من قال ذلك: 13572 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: أما قوله: " وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء "، فإن المشركين كانوا يزعمون أنهم كانوا يعبدُون الآلهة، لأنهم شفعاء يشفعون لهم عند الله، وأنّ هذه الآلهة شركاءُ لله.
13573- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج، أخبرني الحكم بن أبان، عن عكرمة قال: قال النضر بن الحارث: " سوف تشفع لي اللات والعزَّى "!
فنـزلت هذه الآية: وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ، إلى قوله: " شركاء ".
* * * القول في تأويل قوله : لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (94) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره، مخبرًا عن قيله يوم القيامة لهؤلاء المشركين به الأنداد: " لقد تقطع بينكم "، يعني تواصلَهم الذي كان بينهم في الدنيا, ذهب ذلك اليوم, فلا تواصل بينهم ولا توادّ ولا تناصر, وقد كانوا في الدنيا يتواصلون ويتناصرون، فاضمحلّ ذلك كله في الآخرة, فلا أحدَ منهم ينصر صاحبه، ولا يواصله.
(71) * * * وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: 13574 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى , عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " لقد تقطع بينكم "،" البين "، تواصلهم.
13575- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " لقد تقطع بينكم "، قال: تواصلهم في الدنيا .
13576 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة: " لقد تقطع بينكم "، قال: وصلكم.
13577- وحدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: " لقد تقطع بينكم "، قال: ما كان بينكم من الوصل.
13578 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة , عن ابن عباس: " لقد تقطع بينكم وضلّ عنكم ما كنتم تزعمون "، يعني الأرحام والمنازل.
13579 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " لقد تقطع بينكم "، يقول: تقطع ما بينكم.
13580 - حدثنا أبو كريب قال، قال أبو بكر بن عياش: " لقد تقطع بينكم "، التواصل في الدنيا.
(72) * * * واختلفت القرأة في [قراءة] قوله: " بينكم ".
فقرأته عامة قرأة أهل المدينة نصبًا، بمعنى: لقد تقطع ما بينكم.
* * * وقرأ ذلك عامة قرأة مكة والعراقَيْن: (لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنُكُمْ) ، رفعًا, بمعنى: لقد تقطع وصلُكم.
* * * قال أبو جعفر: والصواب من القول عندي في ذلك أن يقال: إنهما قراءتان مشهورتان باتفاق المعنى, فبأيتهما قرأ القارئ فمصيبٌ الصوابَ.
وذلك أن العرب قد تنصب " بين " في موضع الاسم.
ذكر سماعًا منها: " أتاني نحَوك، ودونَك، وسواءَك ", (73) نصبًا في موضع الرفع.
وقد ذكر عنها سماعًا الرفع في" بين "، إذا كان الفعل لها، وجعلت اسمًا، وينشد بيت مهلهل: كَــأَنَّ رِمــاحَهُم أَشْــطَانُ بِــئْرٍ بَعِيـــدٍ بَيْــنُ جَالَيْهَــا جَــرُورِ (74) برفع " بين "، إذ كانت اسمًا، غير أن الأغلب عليهم في كلامهم النصبُ فيها في حال كونها صفة، وفي حال كونها اسمًا.
* * * وأما قوله: " وضل عنكم ما كنتم تزعمون "، فإنه يقول: وحاد عن طريقكم ومنهاجكم ما كنتم من آلهتكم تزعمون أنه شريك ربكم, وأنه لكم شفيع عند ربكم, فلا يشفع لكم اليوم.
(75) * * * --------------- الهوامش: (59) في المطبوعة: "ولا أثاث ولا رفيق" ، والصواب ما في المخطوطة ، يعني نساءهم وخدمهم ، وانظر الأثر التالي رقم: 13571 ، وانظر تفسير البغوي (بهامش ابن كثير 3: 361) قال: "وحدانا لا مال معكم ، ولا زوج ، ولا ولد ، ولا خدم".
فهذا صواب القراءة بحمد الله.
(60) "غلف جمع"أغلف" ، وهو الذي لم يختتن.
و"الغرل" جمع"أغرل" ، وهو أيضًا الذي لم يختتن ، وهذا حديث مسلم في صحيحه من حديث عائشة: "يحشر الناس يوم القيامة حفة عراة غرلا" (17: 192 ، 193).
(61) ديوانه: 26 ، واللسان (فرد) ، وغيرهما كثير.
من قصيدته المشهورة التي اعتذر بها إلى النعمان بن المنذر ، يقول قبله في صفة الثور: كـأنّ رَحْـلِي وَقَـدْ زَالَ النَّهَـارُ بِنَـا يَـوْمَ الجَـلِيلِ عَـلَى مُسْـتَأنِسٍ وَحَـدِ و"وجرة" ، منزل بين مكة والبصرة ، مربة للوحوش والظباء."موشي أكارعه" ، في قوائمه نقط سود."طاوي المصير" ، ضامر البطن ، و"المصير" جمع"مصران".
يصف بياض الثور والتماعه.
كأنه سيف مصقول جديد الصقل.
(62) هو تميم بن أبي بن مقبل.
(63) مضى البيت وتخريجه وتفسيره 7: 543 ، بغير هذه الرواية ، فراجعه هناك.
(64) مضى في 10: 120 ، تعليق: 1 ، ذكر"يونس [الحرمري]" ، وقد أشكل على أمره ، كما ذكرت هناك ، وصح بهذا أنه"الجرمي" ، ولم أجد في قدماء النحاة من يقال له: "يونس الجرمي" ، وذكرت هناك أن"يونس بن حبيب" ، ضبي لا جرمي ، فعسى أن يهديني من يقرأ هذا إلى الصواب فيه ، متفضلا مشكورا.
(65) في المطبوعة: "والغواني" ، وفي المخطوطة: "والعواـي" غير منقوطة ، وصواب قراءتها ما أثبت ، يقال: جاءوا قرانى" أي مقترنين ، قال ذو الرمة: قُــرَانَى وَأَشْــتَاتًا، وَحَـادٍ يَسُـوقُهَا إلَـى المَـاءِ مِـنْ جَـوْزِ التَّنُوفَةِ مُطْلِقُ (66) الأثر: 13570 -"عمرو بن الحارث بن يعقوب الأنصاري المصري" ، ثقة مضى برقم: 1387 ، 5973 ، 6889 ، 10330.
وأما "ابن أبي هلال" ، فهو: "سعيد بن أبي هلال الليثي المصري" ، ثقة.
مضى برقم: 1495 ، 5465.
وأما "القرظي" ، فقد بينه الحاكم في المستدرك في إسناده وأنه: "عثمان بن عبد الرحمن القرظي" ، ولكنه مع هذا البيان ، لم يزل مجهولا ، فإني لم أجد له ترجمة ولا ذكرًا في شيء من الكتب.
وكان في المطبوعة والمخطوطة: "القرطبي" ، وهو خطأ.
وهذا الخبر ، أخرجه الحاكم في المستدرك 4: 565 ، من طريق"عبد الله بن وهب ، عن عمرو بن الحارث" ، ليس فيه"قال ابن زيد" ، وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه" ، وعلق عليه الذهبي فقال: "صحيح ، فيه انقطاع".
والذي في إسناد الطبري"قال ابن زيد قال" ، عندي أنه زيادة من الناسخ ، لأن عبد الله بن وهب ، يروي مباشرة عن"عمرو بن الحارث" ، كما يروي عن"عبد الرحمن بن زيد بن أسلم" ، ولما كثر إسناد أبي جعفر"حدثني يونس قال أخبرنا ابن وهب ، قال قال ابن زيد" ، أسرع قلم الناسخ بإثبات"ابن زيد" مقمحًا في هذا الإسناد ، كما دل عليه إسناد الحاكم.
وانقطاع هذا الإسناد ، كما بينه الذهبي ، هو فيما أرجح ، أن"عثمان بن عبد الرحمن القرظي" لم يسمع من عائشة.
(67) في المطبوعة والمخطوطة: "وكل من ملكته غيرك .
.
." ، وهو خطأ محض ، صوابه ما أثبت.
(68) لامية أبي النجم في كتاب (الطرائف) ، والمراجع هناك ، وسيأتي في التفسير 23: 127 (بولاق) ، وهو مطلع رجزه ، وقبله: الَحْــمُد لِلــه الوَهُــوبِ المُجْـزِلُ وقوله: "كوم الذرى" ، أي: عظام الأسمنة ، "كوم" جمع"كوماء" ، وهي الناقة العظيمة السنام.
و"المخول" بكسر الواو ، الله الرَّزَّاق ذو القوة المتين.
وانظر تعليقي على البيت في طبقات فحول الشعراء: 576 ، تعليق: 4.
(69) ديوانه" 112 ، واللسان (خبل) (خول) ، وسيأتي في التفسير 23: 127 (بولاق) ، وغيرها كثير.
من قصيدته المشهورة في هرم بن سنان بن أبي حارثة ، والحارث بن عوف بن أبي حارثة المري ، يذكر قومهما بالكرم في زمن الجدب ، وقبله: إذَا السَّـنَةُ الشَّهْبَاءِ بِالنَّـاسِ أجْحَـفَتْ وَنَـالَ كِـرَامَ المَـالِ فِـي السَّنَةِ الأَكْلُ رَأَيْـتُ ذَوِي الحَاجَـاتِ حَــوْلَ بُيُوتِهِمْ قَطِينًـا لَهُـمْ، حَـتَّى إذَا أَنْبَـتَ البَقْـلُ هُنَــالِكَ إِنْ يُسْـتَخْوَلوا .
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
ورواية غير أبي عمرو بن العلاء: "إن يستخبلوا المال يخبلوا" ، يقال: "استخبل الرجل ناقة فأخبله" ، إذا استعاره ناقة لينتفع بألبانها وأوبارها فأعاره.
و"الاستخوال" مثله.
وروى الأصمعي عن أبي عمرو أنه قال: "ولو أنشدتها لأنشدتها: إن يستخولوا المال يخولوا" ، وقال: "الاختبال: المنيحة ، ولا أعرف الاستخبال ، وأراه: يستخولوا.
والاستخوال أن يملكوهم إياه".
وقوله: "ييسروا" ، من"الميسر" الذي تقسم فيه الجزر.
وقوله: "يغلوا" ، أي: يختاروا سمان الجزر للنحر ، فهم لا ينحرون إلا غالية.
(70) انظر تفسير"الشفيع" فيما سلف ص: 446 ، تعليق: 5 ، والمراجع هناك.
(71) انظر تفسير"البين" فيما سلف 8: 319.
(72) الأثر: 13580 - هذا إسناد منقطع كما أشرت إليه فيما سلف رقم: 1246 ، 2150 و"أبو بكر بن عياش بن سالم الأسدي" ، ثقة معروف ، مضى برقم: 1246 ، 2150 ، 3000 ، 5725 ، 8098.
(73) في المطبوعة: "إيابي نحوك .
.
." وهو خطأ محض ، وهي في المخطوطة غير منقوطة ، والصواب في معاني القرآن للفراء 1: 345.
(74) أمالي القالي 2: 132 ، واللسان (بين) ، وغيرهما ، من قصيدته المشهورة التي قالها لما أدرك بثأر أخيه كليب وائل.
وقبله: فِــدًى لِبَنِـي الشَّـقِيقَةِ يَـوْمَ جَـاءوا كَأُسْــدِ الغَـابِ لَجَّـتْ فِـي زَئِـيرِ و"الأشطان" الحبال الشديدة الفتل ، التي يستقي بها ، واحدها"شطن".
(بفتحتين) و"الجال" و"الجول" (بضم الجيم): ناحية البئر وجانبها وما يحبس الماء منها.
و"جرور" صفة البئر البعيدة القعر ، لأن دلوها يجر على شفرها ، لبعد قعرها.
يصف طول رماحهم ، وحركة أيديهم في الضرب بها ، ثم نزعها من بدن من أصابته.
(75) انظر تفسير"الضلال" فيما سلف من فهارس اللغة (ضلل).
قوله تعالى ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمونقوله تعالى ولقد جئتمونا فرادى هذه عبارة عن الحشر وفرادى في موضع نصب على الحال ، ولم ينصرف لأن فيه ألف تأنيث .
وقرأ أبو حيوة " فرادا " بالتنوين وهي لغة تميم ، ولا يقولون في موضع الرفع فراد .
وحكى أحمد بن يحيى " فراد " بلا تنوين ، قال : مثل ثلاث ورباع .
وفرادى جمع فردان كسكارى جمع سكران ، وكسالى جمع كسلان .
وقيل : واحده " فرد " بجزم الراء ، و " فرد " بكسرها ، و " فرد " بفتحها ، و " فريد " .
والمعنى : جئتمونا واحدا واحدا ، كل واحد منكم منفردا بلا أهل ولا مال ولا ولد ولا ناصر ممن كان يصاحبكم في الغي ، ولم ينفعكم ما عبدتم من دون الله .
وقرأ الأعرج " فردى " مثل سكرى وكسلى بغير ألف .كما خلقناكم أول مرة أي منفردين كما خلقتم .
وقيل : عراة كما خرجتم من بطون أمهاتكم حفاة غرلا بهما ليس معهم شيء .
وقال العلماء : يحشر العبد غدا وله من [ ص: 40 ] الأعضاء ما كان له يوم ولد ; فمن قطع منه عضو يرد في القيامة عليه .
وهذا معنى قوله : " غرلا " أي غير مختونين ، أي يرد عليهم ما قطع منهم عند الختان .قوله تعالى : وتركتم ما خولناكم أي أعطيناكم وملكناكم .
والخول : ما أعطاه الله للإنسان من العبيد والنعم .وراء ظهوركم أي خلفكم .وما نرى معكم شفعاءكم أي الذين عبدتموهم وجعلتموهم شركاء يريد الأصنام أي شركائي .
وكان المشركون يقولون : الأصنام شركاء الله وشفعاؤنا عنده .لقد تقطع بينكم قرأ نافع والكسائي وحفص بالنصب على الظرف ، على معنى لقد تقطع وصلكم بينكم .
ودل على حذف الوصل قوله وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم .
فدل هذا على التقاطع والتهاجر بينهم وبين شركائهم : إذ تبرءوا منهم ولم يكونوا معهم .
ومقاطعتهم لهم هو تركهم وصلهم لهم ; فحسن إضمار الوصل بعد تقطع لدلالة الكلام عليه .
وفي حرف ابن مسعود ما يدل على النصب فيه " لقد تقطع ما بينكم " وهذا لا يجوز فيه إلا النصب ، لأنك ذكرت المتقطع وهو " ما " .
كأنه قال : لقد تقطع الوصل بينكم .
وقيل : المعنى لقد تقطع الأمر بينكم .
والمعنى متقارب .
وقرأ الباقون " بينكم " بالرفع على أنه اسم غير ظرف ، فأسند الفعل إليه فرفع .
ويقوي جعل " بين " اسما من جهة دخول حرف الجر عليه في قوله تعالى : ومن بيننا وبينك حجاب و هذا فراق بيني وبينك .
ويجوز أن تكون قراءة النصب على معنى الرفع ، وإنما نصب لكثرة استعماله ظرفا منصوبا وهو في موضع رفع ، وهو مذهب الأخفش ; فالقراءتان على هذا بمعنى واحد ، فاقرأ بأيهما شئت .وضل عنكم أي ذهب .ما كنتم تزعمون أي تكذبون به في الدنيا .
روي أن الآية نزلت في النضر بن الحارث .
وروي أن عائشة رضي الله عنها قرأت قول الله تعالى : ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة فقالت : يا رسول الله ، واسوءتاه !
إن الرجال والنساء يحشرون جميعا ، ينظر بعضهم إلى سوءة بعض ؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه لا ينظر الرجال إلى النساء ولا النساء إلى الرجال شغل بعضهم عن بعض .
وهذا حديث ثابت في الصحيح أخرجه مسلم بمعناه .[ ص: 41 ]
فهذه حالهم في البرزخ.وأما يوم القيامة، فإنهم إذا وردوها، وردوها مفلسين فرادى بلا أهل ولا مال، ولا أولاد ولا جنود، ولا أنصار، كما خلقهم الله أول مرة، عارين من كل شيء.فإن الأشياء، إنما تتمول وتحصل بعد ذلك، بأسبابها، التي هي أسبابها، وفي ذلك اليوم تنقطع جميع الأمور، التي كانت مع العبد في الدنيا، سوى العمل الصالح والعمل السيء، الذي هو مادة الدار الآخرة، الذي تنشأ عنه، ويكون حسنها وقبحها، وسرورها وغمومها، وعذابها ونعيمها، بحسب الأعمال.
فهي التي تنفع أو تضر، وتسوء أو تسر، وما سواها من الأهل والولد، والمال والأنصار، فعواري خارجية، وأوصاف زائلة، وأحوال حائلة{ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ ْ} أي: أعطيناكم، وأنعمنا به عليكم { وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ ْ} لا يغنون عنكم شيئا { وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ ْ} فإن المشركين يشركون بالله، ويعبدون معه الملائكة، والأنبياء، والصالحين، وغيرهم، وهم كلهم لله، ولكنهم يجعلون لهذه المخلوقات نصيبا من أنفسهم، وشركة في عبادتهم، وهذا زعم منهم وظلم، فإن الجميع عبيد لله، والله مالكهم، والمستحق لعبادتهم.
فشركهم في العبادة، وصرفها لبعض العبيد، تنزيل لهم منزلة الخالق المالك، فيوبخون يوم القيامة ويقال لهم هذه المقالة.
{ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ ْ} أي: تقطعت الوصل والأسباب بينكم وبين شركائكم، من الشفاعة وغيرها فلم تنفع ولم تُجْد شيئا.
{ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ْ} من الربح، والأمن والسعادة، والنجاة، التي زينها لكم الشيطان، وحسنها في قلوبكم، فنطقت بها ألسنتكم.
واغتررتم بهذا الزعم الباطل، الذي لا حقيقة له، حين تبين لكم نقيض ما كنتم تزعمون، وظهر أنكم الخاسرون لأنفسكم وأهليكم وأموالكم.
( ولقد جئتمونا فرادى ) هذا خبر من الله أنه يقول للكفار يوم القيامة : ولقد جئتمونا فرادى وحدانا ، لا مال معكم ولا زوج ولا ولد ولا خدم ، وفرادى جمع فردان ، مثل سكران وسكارى ، وكسلان وكسالى ، وقرأ الأعرج فردى بغير ألف مثل سكرى ، ( كما خلقناكم أول مرة ) عراة حفاة غرلا ( وتركتم ) خلفتم ( ما خولناكم ) أعطيناكم من الأموال والأولاد والخدم ، ( وراء ظهوركم ) خلف ظهوركم في الدنيا ، ( وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء ) وذلك أن المشركين زعموا أنهم يعبدون الأصنام لأنهم شركاء الله وشفعاؤهم عنده ، ( لقد تقطع بينكم ) قرأ أهل المدينة والكسائي وحفص عن عاصم بنصب النون ، أي : لقد تقطع ما بينكم من الوصل ، أو تقطع الأمر بينكم .
وقرأ الآخرون " بينكم " برفع النون ، أي : لقد تقطع [ وصلكم ] وذلك مثل قوله : " وتقطعت بهم الأسباب " ( البقرة ، 166 ) ، أي : الوصلات ، والبين من الأضداد يكون وصلا ويكون هجرا ، ( وضل عنكم ما كنتم تزعمون ) .
«و» يقال لهم إذا بعثوا «لقد جئتمونا فرادى» منفردين عن الأهل والمال والولد «كما خلقناكم أول مرة» أي حفاة عراة غرلا «وتركتم ما خولناكم» أعطيناكم من الأموال «وراء ظهوركم» في الدنيا بغير اختباركم «و» يقال لهم توبيخا «ما نرى معكم شفعاءكم» الأصنام «الذين زعمتم أنهم فيكم» أي في استحقاق عبادتكم «شركاء» لله «لقد تقطع بينكُمْ» وصلكم أي تشتيت جمعكم وفي قراءة بالنصب ظرف أي وصلكم بينكم «وضل» ذهب «عنكم ما كنتم تزعمون» في الدنيا من شفاعتها.
ولقد جئتمونا للحساب والجزاء فرادى كما أوجدناكم في الدنيا أول مرة حفاة عراة، وتركتم وراء ظهوركم ما مكنَّاكم فيه مما تتباهون به من أموال في الدنيا، وما نرى معكم في الآخرة أوثانكم التي كنتم تعتقدون أنها تشفع لكم، وتَدَّعون أنها شركاء مع الله في العبادة، لقد زال تَواصُلُكم الذي كان بينكم في الدنيا، وذهب عنكم ما كنتم تَدَّعون من أن آلهتكم شركاء لله في العبادة، وظهر أنكم الخاسرون لأنفسكم وأهليكم وأموالكم.
ثم صور - سبحانه - حالهم عندما يعرضون للحساب فقال : { وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فرادى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ } .أى : ولقد جئتمونا للحساب والجزاء منعزلين ومنفردين عن الأموال والأولاد وعن كل ما جمعتموه فى الدنيا من متاع ، أو منفردين عن الأصنام والأوثان التى زعمتهم أنها شفعاؤكم عند الله .وفرادى قيل هو جمع فرد ، وفريد وقيل : هو اسم جمع لأن فرداً لا يجمع على فرادى وقول من قال إنه جمع : أراد أنه جمع له فى المعنى .وهذه الجملة الكريمة مستأنفة جاءت لبيان ما سيقوله الله لهؤلاء الظالمين يوم القيامة ، بعد بيان ما تقوله ملائكة العذاب عند موتهم .وقوله : { كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ } تشبيه للمجىء أريد منه معنى الإحياء بعد الموت الذى كانوا ينكرونه فقد رأوه رأى العين .أى : جئتمونا منعزلين عن كل ما كنتم تعتزون به فى الحياة الدنيا ، مجيئا مثل مجيئكم يوم خلقناكم أول مرة حفاة عراة .
فالكاف فى محل نصب صفة لمصدر محذوف .روى الشيخان عن ابن عباس قال : قام رسول الله صلى الله عليه وسلم بموعظة فقال : " أيها الناس إنكم تحشرون إلى الله حفاة عراة غرلا ( كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَآ إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ ) " .ورويا - أيضاً - عن عائشة قالت : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " تحشرون حفاة عراة غرلا .
قالت : يا رسول الله ، الرجال والنساء جميعاً ينظر بعضهم إلى بعض؟
قال صلى الله عليه وسلم : الأمر أشد من أن يهمهم ذلك " " .وروى الطبرانى بسنده عن عائشة أنها قالت " قرأت قول الله - تعالى - { وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فرادى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ } فقالت : يا رسول الله واسوأتاه!
الرجال والنساء جميعاً ينظر بعضهم إلى سوأة بعض؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه لا ينظر الرجال إلى النساء ولا النساء إلى الرجال ، شُغل بعضهم عن بعض " .قوله : { وَتَرَكْتُمْ مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ } أى : تركتم ما أعطيناكم وملكناكم فى الدنيا من أموال وأولاد وغيرهما وراء ظهوركم ولم تحملوا منه معكم نقيرا عندما جئتمونا للحساب .الخول : ما أعطاه الله لعباده من النعم : يقال : خوله الشىء تخويلا ، ملكه إياه ومكنه منه .
ومنه التخول بمعنى التعهد .والجملة الكريمة تتضمن توبيخهم ، لأنهم لم يقدموا منه شيئاً فى دنياهم ليكون نافعا لهم فى أخراهم ، بل جمعوه وتركوه لغيرهم دون أن ينتفعوا به فى معادهم .وقد ثبت فى الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " يقول ابن آدم : مالى!
مالى!
وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت ، أو لبست فأبليت أو تصدقت فأمضيت وما سوى ذلك فهو ذاهب وتاركه للناس " .وقوله : { وَمَا نرى مَعَكُمْ شُفَعَآءَكُمُ الذين زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَآءُ } تقريع وتوبيخ لهم على شركهم .أى : ما نرى وما نبصر معكم من زعمتم أنهم سيشفعون لكم عند الله من الأصنام والأوثان التى توهمتم أنهم شركاء لله تعالى فى ربوبيتكم واستحقاقه عبادتكم .وقوله { لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ } أى : لقد تقطع الاتصال الذى كان بينكم فى الدنيا واضمحل .ففاعل { تَّقَطَّعَ } ضمير يعود على الاتصال المدلول عليه بلفظ { شُرَكَآءُ } و { بَيْنَكُمْ } منصوب على الظرفية .وقرىء بالرفع أى : لقد تقطع شملكم فإن البين مصدر يستعمل فى الوصل وفى الفراق بالاشتراك؛ والأصل لقد تقطع ما بينكم وقد قرىء به أى : تقطع ما بينكم من الأسباب والصلات .{ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ } أى : وغلب عنكم ما كنتم تزعمون من شفاعة الشفعاء ، ورجاء الأنداد والأصنام .
كما قال - تعالى - { إِذْ تَبَرَّأَ الذين اتبعوا مِنَ الذين اتبعوا وَرَأَوُاْ العذاب وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسباب وَقَالَ الذين اتبعوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُواْ مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ الله أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النار } وهكذا يسوق القرآن مشهد هؤلاء الظالمين بتلك الصورة التى تهز النفوس ، وتحمل العقلاء على الإيمان والعمل الصالح .
اعلم أن قوله: ﴿ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فرادى ﴾ يحتمل وجهين: الأول: أن يكون هذا معطوفاً على قول الملائكة ﴿ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ اليوم تُجْزَوْنَ عَذَابَ الهون بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ ﴾ فبين تعالى أنهم كما يقولون ذلك على وجه التوبيخ، كذلك يقولون حكاية عن الله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فرادى ﴾ فيكون الكلام أجمع حكاية عنهم وأنهم يوردون ذلك على هؤلاء الكفار، وعلى هذا التقدير، فيحتمل أن يكون قائل هذا القول الملائكة الموكلين بقبض أرواحهم، ويحتمل أن يكون القائل هم الملائكة الموكلون بعقابهم.
والقول الثاني: أن قائل هذا القول هو الله تعالى ومنشأ هذا الاختلاف إن الله تعالى هل يتكلم مع الكفار أو لا؟
فقوله تعالى في صفة الكفار: ﴿ وَلاَ يُكَلّمُهُمُ ﴾ يوجب أن لا يتكلم معهم وقوله: ﴿ فَوَرَبّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ وقوله: ﴿ فَلَنَسْئَلَنَّ الذين أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ المرسلين ﴾ يقتضي أن أن يكون تعالى يتكلم معهم، فلهذا السبب وقع هذا الاختلاف، والقول الأول أقوى، لأن هذه الآية معطوفة على ما قبلها، والعطف يوجب التشريك.
المسألة الثانية: ﴿ فرادى ﴾ لفظ جمع وفي واحده قولان.
قال ابن قتيبة: فرادى جمع فردان، مثل سكارى وسكران، وكسالى وكسلان.
وقال غيره فرادى: جمع فريد، مثل ردافى ورديف.
وقال الفراء: فرادى جمع واحده فرد وفردة وفريد وفردان.
إذا عرفت هذا فقوله: ﴿ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فرادى ﴾ المراد منه التقريع والتوبيخ، وذلك لأنهم صرفوا جدهم وجهدهم في الدنيا إلى تحصيل أمرين: أحدهما: تحصيل المال والجاه.
والثاني: أنهم عبدوا الأصنام لاعتقادهم أنها تكون شفعاء لهم عند الله، ثم إنهم لما وردوا محفل القيامة لم يبق معهم شيء من تلك الأموال ولم يجدوا من تلك الأصنام شفاعة لهم عند الله تعالى فبقوا فرادى عن كل ما حصلوه في الدنيا وعولوا عليه، بخلاف أهل الإيمان فإنهم صرفوا عمرهم إلى تحصيل المعارف الحقة والأعمال الصالحة، وتلك المعارف والأعمال الصالحة بقيت معهم في قبورهم وحضرت معهم في مشهد القيامة، فهم في الحقيقة ما حضروا فرادى، بل حضروا مع الزاد ليوم المعاد: ثم قال تعالى: ﴿ لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قرأ نافع وحفص عن عاصم والكسائي ﴿ بَيْنكُمْ ﴾ بالنصب، والباقون بالرفع قال الزجاج: الرفع أجود، ومعناه، لقد تقطع وصلكم، والنصب جائز والمعنى: لقد تقطع ما كنتم فيه من الشركة بينكم.
قال أبو علي: هذا الاسم يستعمل على ضربين: أحدهما: أن يكون اسماً منصرفاً كالافتراق، والأجود أن يكون ظرفاً والمرفوع في قراءة من قرأ ﴿ بَيْنكُمْ ﴾ هو الذي كان ظرفاً ثم استعمل اسماً، والدليل على جواز كونه اسماً قوله تعالى: ﴿ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ ﴾ و ﴿ هذا فِرَاقُ بَيْنِى وَبَيْنِكَ ﴾ فلما استعمل اسماً في هذه المواضع جاز أن يسند إليه الفعل الذي هو ﴿ تُقَطَّعَ ﴾ في قول من رفع.
قال: ويدل على أن هذا المرفوع هو الذي استعمل ظرفاً أنه لا يخلو من أن يكون الذي هو ظرف اتسع فيه أو يكون الذي هو مصدر.
والقسم الثاني باطل، وإلا لصار تقدير الآية: لقد تقطع افتراقكم وهذا ضد المراد، لأن المراد من الآية لقد تقطع وصلكم وما كنتم سالفون عليه.
فإن قيل: كيف جاز أن يكون بمعنى الوصل مع أن أصله الافتراق والتباين؟
قلنا: هذا اللفظ إنما يستعمل في الشيئين اللذين بينهما مشاركة ومواصلة من بعض الوجوه، كقولهم بيني وبينه شركة، وبيني وبينه رحم، فلهذا السبب حسن استعمال هذا اللفظ في معنى الوصلة فقوله: ﴿ لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ ﴾ معناه لقد تقطع وصلكم.
أما من قرأ ﴿ لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ ﴾ بالنصب فوجهه أنه أضمر الفاعل والتقدير: لقد تقطع وصلكم بينكم وقال سيبويه: إنهم قالوا إذا كان غداً فأتني والتقدير: إذا كان الرجاء أو البلاء غداً فأتني، فأضمر لدلالة الحال.
فكذا هاهنا.
وقال ابن الأنباري: التقدير: لقد تقطع ما بينكم.
فحذفت لوضوح معناها.
المسألة الثانية: اعلم أن هذه الآية مشتملة على قانون شريف في معرفة أحوال القيامة فأولها: أن النفس الإنسانية إنما تعلقت بهذا الجسد آلة له في اكتساب المعارف الحقة والأخلاق الفاضلة فإذا فارقت النفس الجسد ولم يحصل هذين المطلوبين ألبتة عظمت حسراته وقويت آفاته حيث وجد مثل هذه الآلة الشريفة التي يمكن اكتساب السعادة الأبدية بها، ثم إنه ضيعها وأبطلها ولم ينتفع بها ألبتة، وهذا هو المراد من قوله: ﴿ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فرادى كَمَا خلقناكم أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ .
وثانيها: أن هذه النفس مع أنها لم تكتسب بهذه الآلة الجسدانية سعادة روحانية، وكمالاً روحانياً، فقد عملت عملاً آخر أردأ من الأول، وذلك لأنها طول العمر كانت في الرغبة في تحصيل الماء والجاه وفي تقوية العشق عليها، وتأكيد المحبة، وفي تحصيلها.
والإنسان في الحقيقة متوجه من العالم الجسماني إلى العالم الروحاني، فهذا المسكين قلب القضية وعكس القضية وأخذ يتوجه من المقصد الروحاني إلى العالم الجسماني ونسي مقصده واغتر باللذات الجسمانية، فلما مات انقلبت القضية شاء أم أبى توجه من العالم الجسماني إلى العالم الروحاني، فبقيت الأموال التي اكتسبها وأفنى عمره في تحصيلها وراء ظهره والشيء الذي يبقى وراء ظهر الإنسان لا يمكنه أن ينتفع به، وربما بقي منقطع المنفعة معوج الرقبة معوج الرأس بسبب التفاته إليها مع الهجز عن الانتفاع بها، وذلك يوجب نهاية الخيبة والغم والحسرة وهو المراد من قوله: ﴿ وَتَرَكْتُمْ مَّا خولناكم وَرَاء ظُهُورِكُمْ ﴾ وهذا يدل على أن كل مال يكتسبه الإنسان ولم يصرفه في مصارف الخيرات فصفته هذه التي ذكرها الله تعالى في هذه الآية، أما إذا صرفها إلى الجهات الموجبة للتعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله فما ترك تلك الأموال وراء ظهره ولكنه قدمها تلقاء وجهه، كما قال تعالى: ﴿ وَمَا تُقَدّمُواْ لأَنْفُسِكُم مّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ الله ﴾ .
وثالثها: أن أولئك المساكين أتعبوا أنفسهم في نصرة الأديان الباطلة، والمذاهب الفاسدة وظنوا أنهم ينتفعون بها عند الورود في محفل القيامة، فإذا وردوه وشاهدوا ما في تلك المذاهب من العذاب الشديد والعقاب الدائم حصلت فيه جهات كثيرة من العذاب.
منها عذاب الحسرة والندامة: وهو أنه كيف أنفق ماله في تحمل العناء الشديد والبلاء العظيم في تحصيل ما لم يحصل له منه إلا العذاب والعناء، ومنها عذاب الخجلة: وهو أنه ظهر له أن كل ما كان يعتقده في دار الدنيا كان محض الجهالة وصريح الضلالة، ومنها حصول اليأس الشديد مع الطمع العظيم، ولا شك أن مجموع هذه الأحوال يوجب العذاب الشديد والآلام العظيمة الروحانية، وهو المراد من قوله: ﴿ وَمَا نرى مَعَكُمْ شُفَعَاءكُمُ الذين زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاء ﴾ .
ورابعها: أنه لما بدا له أنه فاته الأمر الذي به يقدر على اكتساب الخيرات، وحصل عنده الأمر الذي يوجب حصول المضرات، فإذن بقي له رجاء في التدارك من بعض الوجوه فهاهنا يحف ذلك الألم ويضعف ذلك الحزن.
أما إذا حصل الجزم واليقين بأن التدارك ممتنع، وجبر ذلك النقصان متعذر فهاهنا يعظم الحزن ويقوى البلاء جداً، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿ لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ ﴾ والمعنى أن الوصلة الحاصلة بين النفس والجسد قد تقطعت ولا سبيل إلى تحصيلها مرة أخرى.
وعند الوقوف على حقائق هذه المراتب يظهر أنه لا بيان فوق هذا البيان في شرح أحوال هؤلاء الضالين.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فرادى ﴾ منفردين عن أموالكم وأولادكم وما حرصتم عليه، وآثرتموه من دنياكم، وعن أوثانكم التي زعمتم أنها شفعاؤكم وشركاء لله ﴿ كَمَا خلقناكم أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ على الهيئة التي ولدتم عليها في الانفراد ﴿ وَتَرَكْتُمْ مَّا خولناكم ﴾ ما تفضلنا به عليكم في الدنيا فشغلتم به عن الآخرة ﴿ وَرَاء ظُهُورِكُمْ ﴾ لم ينفعكم ولم تحتملوا منه نقيراً ولا قدّمتموه لأنفسكم ﴿ فِيكُمْ شُرَكَاء ﴾ في استبعادكم، لأنهم حين دعوهم آلهة وعبدوها، فقد جعلوها لله شركاء فيهم وفي استعبادهم.
وقرئ: ﴿ فرادى ﴾ بالتنوين.
وفراد، مثل ثلاث.
وفردى، نحو سكرى: فإن قلت: كما خلقناكم، في أي محل هو؟
قلت: في محل النصب صفة لمصدر جئتمونا، أي مجيئنا مثل خلقنا لكم ﴿ تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ ﴾ وقع التقطع بينكم، كما تقول: جمع بين الشيئين، تريد أوقع الجمع بينهما على إسناد الفعل إلى مصدره بهذا التأويل ومن رفع فقد أسند الفعل إلى الظرف كما تقول قوتل خلفكم وأمامكم.
وفي قراءة عبد الله: ﴿ لقد تقطع ما بينكم ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَقَدْ جِئْتُمُونا ﴾ لِلْحِسابِ والجَزاءِ.
﴿ فُرادى ﴾ مُنْفَرِدِينَ عَنِ الأمْوالِ والأوْلادِ وسائِرِ ما آثَرْتُمُوهُ مِنَ الدُّنْيا، أوْ عَنِ الأعْوانِ والأوْثانِ الَّتِي زَعَمْتُمْ أنَّها شُفَعاؤُكُمْ، وهو جَمْعُ فَرْدٍ والألِفُ لِلتَّأْنِيثِ كَكُسالى.
وقُرِئَ «فِرادَ» كَرِخالٍ و «فَرادٍ» كَثَلاثٍ و «فَرْدى» كَسَكْرى.
﴿ كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ بَدَلٌ مِنهُ أيْ عَلى الهَيْئَةِ الَّتِي وُلِدْتُمْ عَلَيْها في الِانْفِرادِ، أوْ حالٌ ثانِيَةٌ إنْ جُوِّزَ التَّعَدُّدُ فِيها، أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في فُرادى أيْ مُشْبِهِينَ ابْتِداءَ خَلْقِكم عُراةً حُفاةً غُرْلًا بُهْمًا، أوْ صِفَةُ مَصْدَرِ جِئْتُمُونا أيْ مَجِيئِنا كَما خَلَقْناكم.
﴿ وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ ﴾ ما تَفَضَّلْنا بِهِ عَلَيْكم في الدُّنْيا فَشُغِلْتُمْ بِهِ عَنِ الآخِرَةِ.
﴿ وَراءَ ظُهُورِكُمْ ﴾ ما قَدَّمْتُمْ مِنهُ شَيْئًا ولَمْ تَحْتَمِلُوا نَقِيرًا.
﴿ وَما نَرى مَعَكم شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أنَّهم فِيكم شُرَكاءُ ﴾ أيْ شُرَكاءُ لِلَّهِ في رُبُوبِيَّتِكم واسْتِحْقاقِ عِبادَتِكم.
﴿ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ ﴾ أيْ تَقَطَّعَ وصْلُكم وتَشَتَّتَ جَمْعُكُمْ، والبَيْنُ مِنَ الأضْدادِ يُسْتَعْمَلُ لِلْوَصْلِ والفَصْلِ.
وقِيلَ هو الظَّرْفُ أُسْنِدَ إلَيْهِ الفِعْلُ اتِّساعًا والمَعْنى: وقَعَ التَّقَطُّعُ بَيْنَكُمْ، ويَشْهَدُ لَهُ قِراءَةُ نافِعٍ والكِسائِيِّ وحَفْصٍ عَنْ عاصِمٍ بِالنَّصْبِ عَلى إضْمارِ الفاعِلِ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، أوْ أُقِيمَ مَقامَ مَوْصُوفِهِ وأصْلُهُ لَقَدْ تَقَطَّعَ ما بَيْنَكم وقَدْ قُرِئَ بِهِ.
﴿ وَضَلَّ عَنْكُمْ ﴾ ضاعَ وبَطَلَ.
﴿ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ﴾ أنَّها شُفَعاؤُكم أوْ أنْ لا بَعْثَ ولا جَزاءَ.
<div class="verse-tafsir"
{وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا} للحساب والجزاء {فرادى} منفردين بلا مال ولا معين هو جمع فريد كأسير وأسارى {كَمَا خلقناكم} في محل النصب
صفة لمصدر جِئْتُمُونَا أي مجيئاً مثل ما خلقناكم {أول مرة} على الهيآت التى ولدتم عليها فى الانفراد
الأنعام (٩٤ _ ٩٧)
{وَتَرَكْتُمْ مَّا خولناكم} ملكناكم {وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ} ولم تحتملوا منه نقيراً {وَمَا نرى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء} فى استعبادكم {لقد تقطع بينكم} وصلكم عن الزجاج والبين الوصل والهجر قال ...
فوالله لولا البين لم يكن الهوى ...
ولولا الهوى ما حن للبين الف ...
بَيْنِكُمْ مدني وعلي وحفص أي وقع التقطع بينكم {وَضَلَّ عَنكُم} وضاع وبطل {مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ} أنها شفعاؤكم عند الله
﴿ ولَقَدْ جِئْتُمُونا ﴾ لِلْحِسابِ ﴿ فُرادى ﴾ أيْ مُنْفَرِدِينَ عَنِ الأعْوانِ والأوْثانِ الَّتِي زَعَمْتُمْ أنَّها شُفَعاؤُكم أوْ عَنِ الأمْوالِ والأوْلادِ وسائِرِ ما آثَرْتُمُوهُ مِنَ الدُّنْيا، أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُما عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: قالَ النَّضْرُ بْنُ الحَرْثِ سَوْفَ تَشْفَعُ لِيَ اللّاتُ والعُزّى فَنَزَلَتْ.
والجُمْلَةُ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ مُسْتَأْنَفَةٌ مِن كَلامِهِ تَعالى ولا يُنافِي قَوْلَهُ تَعالى: (ولا يُكَلِّمُهُمْ) لِأنَّ المُرادَ نَفْيُ تَكْلِيمِهِمْ بِما يَنْفَعُهم أوْ لِأنَّهُ كِنايَةٌ عَنِ الغَضَبِ، وقِيلَ: مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِ المَلائِكَةِ (أخْرِجُوا) إلَخْ وهي مِن جُمْلَةِ كَلامِهِمْ وفِيهِ بُعْدٌ وإنْ ظَنَّهُ الإمامُ أوْلى وأقْوى.
ونَصْبُ ﴿ فُرادى ﴾ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ وهو جَمْعُ فَرْدٍ عَلى خِلافِ القِياسِ كَأنَّهُ جَمْعُ فَرْدانَ كَسَكْرانَ عَلى ما في الصِّحاحِ، والألِفُ لِلتَّأْنِيثِ كَكُسالى، والرّاءُ في فَرْدِهِ مَفْتُوحَةٌ عِنْدَ صاحِبِ الدُّرِّ المَصُونِ، وحُكِيَ بِصِيغَةِ التَّمْرِيضِ سُكُونُها، ونُقِلَ عَنِ الرّاغِبِ أنَّهُ جَمْعُ فَرِيدٍ كَأسِيرٍ وأُسارى، وفي القامُوسِ يُقالُ: جاءُوا أفْرادًا وفُرادًا وفُرادى وفَرادُ وفُرادُ وفَرْدى كَسَكْرى أيْ واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ والواحِدُ فَرَدٌ وفَرِدٌ وفَرِيدٌ وفَرْدانُ، ولا يَجُوزُ فَرْدٌ في هَذا المَعْنى ولَعَلَّ هَذا بُعَيْدَ الإرادَةِ في الآيَةِ، وقُرِئَ فُرادًا كَرُخالٍ المَضْمُومِ الرّاءِ وفُرادَ كَأُحادَ ورُباعَ في كَوْنِهِ صِفَةً مَعْدُولَةً ولا يَرِدُ أنَّ مَجِيءَ هَذا الوَزْنِ المَعْدُولِ مَخْصُوصٌ بِالعَدَدِ بَلْ بِبَعْضِ كَلِماتِهِ كَما نَصَّ عَلَيْهِ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ مِن عَدَمِ الِاخْتِصاصِ، نَعَمْ هو شائِعٌ فِيما ذُكِرَ وفَرْدى كَسَكْرى تَأْنِيثُ فَرْدانَ، والتَّأْنِيثُ لِجَمْعِ ذِي الحالِ ﴿ كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ بَدَلٌ مِن فُرادى بَدَلُ كُلٍّ لِأنَّ المُرادَ المُشابَهَةُ في الِانْفِرادِ المَذْكُورِ والكافُ اسْمٌ بِمَعْنى مِثْلٍ أيْ مِثْلَ الهَيْئَةِ الَّتِي وُلِدْتُمْ عَلَيْها في الِانْفِرادِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا ثانِيَةً عَلى رَأْيِ مَن يُجَوِّزُ تَعَدُّدَ الحالِ مِن غَيْرِ عَطْفٍ وهو الصَّحِيحُ أوْ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في فُرادى فَهي حالٌ مُتَرادِفَةٌ أوْ مُتَداخِلَةٌ؛ والتَّشْبِيهُ أيْضًا في الِانْفِرادِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِاعْتِبارِ ابْتِداءِ الخِلْقَةِ أيْ مُشَبَّهِينَ ابْتِداءَ خَلْقِكم بِمَعْنى شَبِيهَةِ حالِكم حالَ ابْتِداءِ خَلْقِكم حُفاةً عُراةً غُرْلًا بِهِما، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ صِفَةَ مَصْدَرِ (جِئْتُمُونا) أيْ مَجِيئًا كَخَلْقِنا لَكُمْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ «عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها أنَّها قَرَأتْ هَذِهِ الآيَةَ فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ واسَوْأتاهُ إنَّ النِّساءَ والرِّجالَ سَيُحْشَرُونَ جَمِيعًا يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى سَوْأةِ بَعْضٍ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ : ”لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ، لا يَنْظُرُ الرِّجالُ إلى النِّساءِ ولا النِّساءُ إلى الرِّجالِ شُغِلَ بَعْضُهم عَنْ بَعْضٍ“» ﴿ وتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ ﴾ أيْ ما أعْطَيْناكم في الدُّنْيا مِنَ المالِ والخَدَمِ وهو مُتَضَمِّنٌ لِلتَّوْبِيخِ أيْ فَشُغِلْتُمْ بِهِ عَنِ الآخِرَةِ ﴿ وراءَ ظُهُورِكُمْ ﴾ ما قَدَّمْتُمْ مِنهُ شَيْئًا لِأنْفُسِكُمْ، أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: يُؤْتى بِابْنِ آدَمَ يَوْمَ القِيامَةِ كَأنَّهُ بَذَجٌ فَيَقُولُ لَهُ تَبارَكَ وتَعالى: أيْنَ ما جَمَعْتَ؟
فَيَقُولُ: يا رَبِّ جَمَعْتُهُ وتَرَكْتُهُ أوْفَرَ ما كانَ فَيَقُولُ: أيْنَ ما قَدَّمْتَ لِنَفْسِكَ فَلا يَراهُ قَدَّمَ شَيْئًا، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ، والجُمْلَةُ قِيلَ مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ حالٌ بِتَقْدِيرِ قَدْ، ﴿ وما نَرى ﴾ أيْ نُبْصِرُ وهو عَلى ما نَصَّ عَلَيْهِ أبُو البَقاءِ حِكايَةُ حالٍ وبِهِ يَتَعَلَّقُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَعَكُمْ ﴾ ولَيْسَ حالًا مِن مَفْعُولِ (نَرى) أعْنِي قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ شُفَعاءَكُمُ ﴾ ولا مَفْعُولًا ثانِيًا، والرُّؤْيَةُ عِلْمِيَّةٌ، وإضافَةُ الشُّفَعاءِ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ بِاعْتِبارِ الزَّعْمِ كَما يُفْصِحُ عَنْهُ وصْفُهم بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ ﴾ في الدُّنْيا ﴿ أنَّهم فِيكم شُرَكاءُ ﴾ أيْ شُرَكاءُ لِلَّهِ تَعالى في رُبُوبِيَّتِكم واسْتِحْقاقِ عِبادَتِكُمْ، والزَّعْمُ هُنا نَصٌّ في الباطِلِ وجاءَ اسْتِعْمالُهُ في الحَقِّ كَما تَقَدَّمَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ: تَقُولُ هَلَكْنا إنْ هَلَكَتْ وإنَّما عَلى اللَّهِ أرْزاقُ العِبادِ كَما زَعَمَ (لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ) بِنَصْبِ -بَيْنَ- وهي قِراءَةُ عاصِمٍ والكِسائِيِّ وحَفْصٍ عَنْ عاصِمٍ، واخْتُلِفَ في تَخْرِيجِ ذَلِكَ، فَقِيلَ: الكَلامُ عَلى إضْمارِ الفاعِلِ لِدَلالَةِ ما قَبْلُ عَلَيْهِ أيْ تَقَطَّعَ الأمْرُ أوِ الوَصْلُ بَيْنَكُمْ، وقِيلَ: أنَّ الفاعِلَ ضَمِيرُ المَصْدَرِ، وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ لِأنَّ شَرْطَ إفادَةِ الإسْنادِ مَفْقُودَةٌ فِيهِ وهو تَغايُرُ الحُكْمِ والمَحْكُومِ عَلَيْهِ، ولِذَلِكَ لا يَجُوزُ قامَ ولا جَلَسَ وأنْتَ تُرِيدُ قامَ هو أيِ القِيامَ وجَلَسَ هو أيِ الجُلُوسَ ورُدَّ بِأنَّهُ سُمِعَ بَدا بَداءً وقَدْ قَدَّرُوا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُمَّ بَدا لَهم مِن بَعْدِ ما رَأوُا الآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ ﴾ بَدا البَداءُ وقالَ السَّفاقُسِيُّ: إنَّ مَن جَعَلَ الفاعِلَ ضَمِيرَ المَصْدَرِ قالَ: المُرادُ - وقَعَ التَّقْطِيعُ والتَّغايُرُ - حاصِلٌ بِهَذا الِاعْتِبارِ ولَوَسُلِّمَ فالتَّقَطُّعُ المُعْتَبَرُ مَرْجِعًا مُعَرَّفٌ بِلامِ الجِنْسِ و (تَقَطَّعَ) مُنْكَرٌ فَكَيْفَ يُقالُ اتَّحَدَ الحُكْمُ والمَحْكُومُ عَلَيْهِ ولا يَخْفى أنَّ القَوْلَ بِالتَّأْوِيلِ مُتَعَيِّنٌ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ لِأنَّهُ إذا تَقَطَّعَ التَّقَطُّعُ حَصَلَ الوَصْلُ وهو ضِدُّ المَقْصُودِ وقِيلَ: إنَّ (بَيْنَ) هو الفاعِلُ وبَقِيَ عَلى حالِهِ مَنصُوبًا حَمْلًا لَهُ عَلى أغْلَبِ أحْوالِهِ وهو مَذْهَبُ الأخْفَشِ، وقِيلَ: إنَّهُ بُنِيَ لِإضافَتِهِ إلى مَبْنِيٍّ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ واخْتارَ أبُو حَيّانَ أنَّ الكَلامَ مِن بابِ التَّنازُعِ سُلِّطَ عَلى (ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ.
تَقَطَّعَ) وضَلَّ عَنْكم فَأعْمَلَ الثّانِي وهو ضَلَّ، وأضْمَرَ في تَقْطَعَ ضَمِيرَهُ، والمُرادُ بِذَلِكَ الأصْنامُ والمَعْنى لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكم ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ وضَلُّوا عَنْكُمْ؛ كَما قالَ تَعالى: ﴿ وتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ ﴾ أيْ لَمْ يَبْقَ اتِّصالٌ بَيْنَكم وبَيْنَ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ أنَّهم شُرَكاءُ فَعَبَدْتُمُوهم وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ (بَيْنُكُمْ) بِالرَّفْعِ عَلى الفاعِلِيَّةِ وهو مِنَ الأضْدادِ كالقُرْءِ يُسْتَعْمَلُ في الوَصْلِ والفَصْلِ، والمُرادُ بِهِ هُنا الوَصْلُ أيْ تَقْطَّعَ وصْلُكم وتَفَرَّقَ جَمْعُكُمْ، وطَعَنَ ابْنُ عَطِيَّةٍ في هَذا بِأنَّهُ لَمْ يُسْمَعْ مِنَ العَرَبِ أنَّ البَيْنَ بِمَعْنى الوَصْلِ وإنَّما انْتُزِعَ مِن هَذِهِ الآيَةِ.
وأُجِيبَ بِأنَّهُ مَعْنًى مَجازِيٌّ ولا يَتَوَقَّفُ عَلى السَّماعِ لِأنَّ -بَيْنَ- يُسْتَعْمَلُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ المُتَلابِسَيْنِ نَحْوُ بَيْنِي وبَيْنَكَ رَحِمٌ وصَداقَةٌ وشَرِكَةٌ فَصارَ لِذَلِكَ بِمَعْنى الوَصْلَةِ.
عَلى أنَّهُ لَوْ قِيلَ بِأنَّهُ حَقِيقَةٌ في ذَلِكَ لَمْ يَبْعُدْ فَإنَّ أبا عَمْرٍو وأبا عُبَيْدَةَ وابْنَ جِنِّيِّ والزَّجّاجَ وغَيْرَهم مِن أئِمَّةِ اللُّغَةِ نَقَلُوهُ وكَفى بِهِمْ سَنَدًا فِيهِ فَكَوْنُهُ مُنْتَزَعًا مِن هَذِهِ الآيَةِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، وعَلَيْهِ فَيَكُونُ مَصْدَرًا لا ظَرْفًا.
وقِيلَ: إنَّ (بَيْنَ) هُنا ظَرْفٌ لَكِنَّهُ أُسْنِدَ إلَيْهِ الفِعْلُ عَلى سَبِيلِ الِاتِّساعِ وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ (لَقَدْ تَقَطَّعَ ما بَيْنَكُمْ) وما فِيهِ مَوْصُوفَةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ ﴿ وضَلَّ عَنْكُمْ ﴾ وضاعَ وبَطَلَ ﴿ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ﴾ 94 - أنَّها شُفَعاؤُكم أوْ أنَّها شُرَكاءُ لِلَّهِ تَعالى فِيكم أوْ أنْ لا بَعْثَ ولا جَزاءَ <div class="verse-tafsir"
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ نزلت في مسيلمة الكذاب زعم أن الله تعالى أوحى إليه وهو قوله وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ يعني: عبد الله بن أبي سرح كان كاتب الوحي فكان النبيّ إذا أملى عليه سَمِيعاً عَلِيماً يكتب عليماً حكيماً.
وإذا أملى عليه عليماً حكيماً، كتب هو سميعاً بصيراً وشكّ وقال: إن كان محمد يوحى إليه فقد أوحي إليّ، وإن كان ينزل إليه فقد أنزل إليّ مثل ما أنزل إليه فلحق بالمشركين وكفر.
وقال الضحاك: هو مسيلمة الكذاب كان يقول: بعث محمد إلى جسيم الأمور، وبعثت إلى محقرات الأمور.
ويقال هذا جواب لقولهم: لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا [الأنفال: 31] .
ثم قال: وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ يعني: ولو تعلم إذ الكافرون فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ أي: في نزعات الموت وسكراته.
فحذف الجواب لأن في الكلام دليلاً عليه.
ومعناه: لو رأيتهم في عذاب شديد.
ثم قال: وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ بالضرب.
ويقولون: أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ يعني: أرواحكم الخبيثة قال الفقيه أبو جعفر.
قال: حدّثنا أبو القاسم أحمد بن حسين.
قال: حدثنا محمد بن سلمة.
قال: حدّثنا أبو أيوب عن القاسم بن الفضل الحداني عن قتادة عن أسامة بن زهير عن أبي هريرة قال.
قال رسول الله : «إنَّ المُؤْمِنَ إذا حَضَرَهُ المَوْتُ أتَتْهُ المَلائِكَةُ بحَرِيرَةٍ فيها مسك، ومن ضبائر الرَّيْحَانِ، وَتُسَلُّ رُوحُهُ كَمَا تُسَلُّ الشَّعْرَةُ مِنَ العَجِينِ، ويقالُ لها: يا أيَّتُهَا النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ اخْرُجِي رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً وَمَرْضِيّاً عَنْكِ إلَى رُوحِ الله وَكَرَامَتِهِ، فإذا خَرَجَتْ رُوحُهُ وُضِعَتْ عَلَى ذلك المِسْكِ والرَّيْحَانِ وَطُوِيَتْ عَلَيْهِ الحَرِيرَةُ وَبُعِثَ بِهَا إلى علِّيِّينَ وَإِنَّ الكافِرَ إذَا حُضِرَ أتَتْهُ المَلائِكَةُ بِمِسْحٍ فِيهِ جَمْرَةٌ، فَتُنْتَزَعُ رُوحُهُ انْتِزَاعاً شَدِيداً.
ويقالُ لَهَا: أيَّتُها النَّفْسُ الخَبِيثَةُ اخْرُجِي سَاخِطَةً وَمَسْخُوطَةً إلَى هَوَانِ الله وَعَذَابِهِ، فإذا خَرَجَتْ رُوحُهُ وُضِعَتْ عَلَى تِلْكَ الجَمْرَةِ وإنَّ لَهَا نَشِيجاً وَيُطْوَى عَلَيْهَا المِسْحُ، وَيُذْهَبُ بِهَا إلى سِجِّين» .
ثم قال الله تعالى: الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ يعني إذا بعثوا يوم القيامة يقال لهم: اليوم تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ يعني: الهوان أي الشديد بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ في الدنيا غَيْرَ الْحَقِّ بأن معه شريكاً وَكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ يعني: عن الإيمان بمحمد وبالقرآن، ولم تقرّوا به.
قوله تعالى: وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى يعني: في الآخرة فُرادى لا ولد لكم ولا مال.
الفرادى جمع فرد، يعني: ليس معكم من دنياكم شيء.
كَما خَلَقْناكُمْ يعني: أعطيناكم من المال والولد وَتَرَكْتُمْ مَّا خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ في الدنيا.
وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ يعني: آلهتكم الَّذِينَ زَعَمْتُمْ في الدنيا أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ يعني: قلتم لي شريك ولكم شفعاء عند الله.
لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ قرأ نافع والكسائي وعاصم في رواية حفص بَيْنَكُمْ بالنصب وقرأ الباقون بَيْنَكُمْ بالضم فمن قرأ بالضم جعل البَيْن اسماً، يعني: تقطع وصْلُكم ومودتكم.
ومن قرأ بالنصب فمعناه لقد تقطع ما كنتم فيه من الشركة بينكم، فيصير نصباً بالظرف كما تقول: أصبحت بينكم أي فيما بينكم.
وَضَلَّ عَنْكُمْ مَّا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ يعني: اشتغل عنكم ما كنتم تعبدون وتزعمون أنها شفعاؤكم.
وقوله تعالى: <div class="verse-tafsir"
وقوله تعالى: وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ ...
الآية: جوابُ «لو» محذوفٌ، تقديره: «لرأيت عجبا أو هولا، ونحو هذا، وحذف هذا الجواب أبلغ في نفس السامع، والظَّالِمُونَ لفظٌ عامٌّ في أنواعِ الظلمِ الذي هو كُفْر، و «الغَمَرَاتُ» : جمع غَمْرةٍ، وهي المُصِيبة المُذْهِلة، وهي مشبَّهة بغمرة الماء، والملائكة، يريد: ملائكة قبض الرّوح، وباسِطُوا أَيْدِيهِمْ: كنايةٌ عن مدِّها بالمكروهِ، وهذا المكروهُ هو لا مَحَالة أوائلُ العذابِ، وأماراته، قال ابنُ عبَّاس: يَضْرِبُون وجوههم وأدبارهم، وقوله: أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ: حكايةٌ لما تقولُه الملائكة «١» ، والتقدير: يقولون لهم: أخرجوا أنْفُسَكم، وذلك على جهةِ الإهانة، وإدْخَال الرعْبِ عليهم، ويحتملُ: أخرجوا أنفسكُمْ مِنْ هذه المصائبِ والمحنِ، إنْ كان ما زعمتموه حقًّا في الدنيا، وفي ذلك توبيخٌ وتوقيفٌ على سالف فعلهم القبيحِ، قلت: والتأويل الأولُ هو الصحيحُ، وقد أسند أبو عمر في «التمهيد» ، عن ابن وَضَّاحٍ، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بْنُ أبي شَيْبة، ثم ذَكَر سنده، عن أبي هريرة، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «المَيِّتُ تَحْضُرُهُ المَلاَئِكَةُ، فَإذَا كَانَ الرَّجُلُ الصَّالِحُ، قَالَتِ: اخرجي، أيَّتُهَا النَّفْسُ الطَّيِّبَةِ كَانَتْ فِي الجَسَدِ الطَّيِّبِ، اخرجي حَمِيدَةً، وَأَبْشِرِي بِرَوْحٍ وَرَيْحَانٍ، وَرَبٍّ غَيْرِ غَضْبَانٍ، قَالَ: فَلاَ تَزَالُ يُقَالُ لَهَا ذَلِكَ حَتَّى تَخْرُجَ، ثُمَّ يُعْرَجُ بِهَا إلَى السَّمَاءِ، فَيُفْتَحُ لَهَا، فَيُقَالُ: مَنْ هَذَا؟
فَيَقُولُون: فُلاَنٌ، فَيُقَالُ: مَرْحَباً بِالنَّفْسِ الطَّيِّبَةِ، كَانَتْ فِي الجَسَدِ الطَّيِّبِ، ادخلي حَمِيدَةً، وَأَبْشِرِي بِرَوْحٍ وَرَيْحَانٍ.، وَرَبٍّ غَيْرِ غَضْبَان، فَلاَ تَزَالُ يُقَالُ لَهَا ذَلِكَ حتى يَنْتَهِيَ بِهَا إلَى السَّمَاءِ، يَعْنِي: السَّابِعَةَ، وَإذَا كَانَ الرُّجُلُ السُّوءُ، وَحَضَرَتْهُ المَلاَئِكَةُ عِنْدَ مَوْتِهِ، قالَتِ/: اخرجي، أيَّتُهَا النَّفْسُ الخَبِيثَةُ، كَانَتْ فِي الجَسَدِ الخَبِيثِ، اخرجي ذَمِيمَةً، وَأَبْشِرِي بِحَمِيمٍ وَغَسَّاقٍ، وآخَرَ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٍ، فَلاَ تَزَالُ يُقَالُ لَهَا ذَلِكَ حتى تخرج ...
»
وذكر الحديث «٢» .
انتهى، والْهُونِ: الهَوَان.
وقوله تعالى: بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ...
الآية: لفظ عامٌّ لأنواع الكفر، ولكنه يظهر منه الإنحاءُ على مَنْ قرب ذكره.
وقوله سبحانه: وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ...
الآية: هذه حكايةٌ عما يقالُ لهم بعد قَبْض أرواحهم، واعلم أيها الأخُ أنَّ هذه الآية الكريمةَ ونَحْوَها من الآيِ، وإن كان مساقها في الكُفَّار، فللمؤمن الموقِنِ فيها مُعْتَبَرٌ ومزدَجَر، وقد قيل: إن القبر بحْرُ النداماتِ، وقد روى ابن المبارك في «رقائقه» بسنده، عن أبي هريرة، قَالَ: قَالَ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «ما من أحد يموت إلا ندم» ، قالوا: وما ندامته، يا رسول الله؟
قال: «إن كان محسنا، ندم ألا يكون ازداد، وإن كَانَ مُسِيئاً، نَدِمَ أَلاَّ يَكُونَ نَزَعَ» «١» .
انتهى.
وكَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ: تشبيهاً بالاِنفراد الأول في وقت الخلقة، وخَوَّلْناكُمْ، معناه: أعطيناكم، ووَراءَ ظُهُورِكُمْ: إشارة إلى الدنيا لأنهم يتركون ذلك موجوداً.
وقوله سبحانه: وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ: توقيفٌ على الخطإ في عبادة الأصنام، واعتقادهم أنها تشفع وتُقَرِّب إلى اللَّه زلفى، قال «٢» أبو حَيَّان: وَما نَرى: لفظه لفظُ المستقبلِ، وهو حكاية حال.
انتهى.
وقرأ نافع «٣» والكسائي: «بَيْنَكُمْ» - بالنصب- على أنه ظرْفٌ، والتقدير: لقد تقطَّع الاِتصال والاِرتباطُ بينكم، ونحْوُ هذا، وهذا وجهٌ واضحٌ وعليه فسَّره الناس مجاهد وغيره «٤» ، وقرأ باقي السَّبْعة: «بَيْنُكُمْ» - بالرفع-، وقرأ ابن مسعود «٥» وغيره: «لقد تقطّع ما بينكم» ، وضَلَّ، معناه: تلف وذهب، وما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ، يريد: دعواهم أنها تشفَعُ، وأنها تشاركُ اللَّه في الألوهيَّة، تعالى اللَّه عن قولهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى ﴾ سَبَبُ نُزُولِها: أنَّ النَّضْرَ بْنَ الحارِثِ قالَ: سَوْفَ تَشْفَعُ لَيَ اللّاتُ والعُزّى، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
ومَعْنى فُرادى: وُحْدانًا.
وهَذا إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِما يُوَبِّخُ بِهِ المُشْرِكِينَ يَوْمَ القِيامَةِ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: فُرادى، أيْ فَرْدٌ فَرَدٌ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ؛ فُرادى: جَمْعُ فَرْدٍ.
وَلِلْمُفَسِّرِينَ في مَعْنى "فُرادى" خَمْسَةُ أقْوالٍ مُتَقارِبَةُ المَعْنى.
أحَدُها: فُرادى مِنَ الأهْلِ والمالِ والوَلَدِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: كُلُّ واحِدٍ عَلى حِدَةٍ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّالِثُ: لَيْسَ مَعَكم مِنَ الدُّنْيا شَيْءٌ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والرّابِعُ: كُلُّ واحِدٍ مُنْفَرِدٌ عَنْ شَرِيكِهِ في الغَيِّ، وشَقِيقِهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
والخامِسُ: فُرادى مِنَ المَعْبُودِينَ، قالَهُ ابْنُ كَيْسانَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: لا مالَ ولا أهْلَ ولا ولَدَ.
والثّانِي: حُفاةٌ عُراةٌ غُرْلًا.
والغُرْلُ: القَلْفُ.
والثّالِثُ: أحْياءٌ.
وخَوَّلْناكُمْ: بِمَعْنى مَلَّكْناكم.
﴿ وَراءَ ظُهُورِكُمْ ﴾ أيْ: فِي الدُّنْيا.
والمَعْنى: أنَّ ما دَأبْتُمْ في تَحْصِيلِهِ في الدُّنْيا فَنِيَ، وبَقِيَ النَّدَمُ عَلى سُوءِ الِاخْتِيارِ.
وفي شُفَعائِهِمْ، قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها الأصْنامُ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: شُفَعاؤُكم، أيْ: آَلِهَتُكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أنَّهم يَشْفَعُونَ لَكم.
و ﴿ زَعَمْتُمْ أنَّهم فِيكُمْ ﴾ أيْ: عِنْدَكم شُرَكاءُ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: زَعَمْتُمْ أنَّهم لِي في خَلْقِكم شُرَكاءُ.
والثّانِي: أنَّها المَلائِكَةُ؛ كانُوا يَعْتَقِدُونَ شَفاعَتَها، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: بِالرَّفْعِ.
والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: بِنَصْبِ النُّونِ عَلى الظَّرْفِ.
قالَ الزَّجّاجُ: الرَّفْعُ أجْوَدُ، ومَعْناهُ: لَقَدْ تَقَطَّعَ وصْلُكم، والنَّصْبُ جائِزٌ، ومَعْناهُ: لَقَدْ تَقَطَّعَ ما كُنْتُمْ فِيهِ مِنَ الشَّرِكَةِ بَيْنَكم.
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: التَّقْدِيرُ: لَقَدْ تَقَطَّعَ ما بَيْنَكم، فَحَذَفَ "ما" لَوُضُوحِ مَعْناها.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: الَّذِينَ رَفَعُوهُ، جَعَلُوهُ اسْمًا، فَأسْنَدُوا الفِعْلَ الَّذِي هو "تَقَطَّعَ" إلَيْهِ؛ والمَعْنى: لَقَدْ تَقَطَّعَ وصْلُكم.
والَّذِينَ نَصَبُوا، أضْمَرُوا اسْمَ الفاعِلِ في الفِعْلِ، والمُضْمَرُ هو الوَصْلُ؛ فالتَّقْدِيرُ: لَقَدْ تَقَطَّعَ وصْلُكم بَيْنَكم.
وفي الَّذِي كانُوا يَزْعُمُونَ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: شَفاعَةُ آَلِهَتِهِمْ.
والثّانِي: عَدَمُ البَعْثِ والجَزاءِ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ وتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكم وراءَ ظُهُورِكم وما نَرى مَعَكم شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أنَّهم فِيكم شُرَكاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكم وضَلَّ عنكم ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ﴾ هَذِهِ حِكايَةٌ عَمّا يُقالُ لَهم بَعْدَ قَبْضِ أرْواحِهِمْ؛ فَإمّا عِنْدَ خُرُوجِها مِنَ الأجْسادِ؛ وإمّا يَوْمَ القِيامَةِ؛ كُلُّ ذَلِكَ مُحْتَمَلٌ.
و"فُرادى"؛ مَعْناهُ: فَرْدًا فَرْدًا؛ والألِفُ في آخِرِهِ ألِفُ تَأْنِيثٍ؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: تَرى النُعَراتِ الزُرْقَ تَحْتَ لَبانِهِ ∗∗∗ فُرادى ومَثْنى أضْعَفَتْها صَواهِلُهْ وَقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "فُرادًا"؛ مُنَوَّنًا؛ عَلى وزْنِ "فُعالًا"؛ وهي لُغَةُ تَمِيمٍ؛ "وَفُرادى"؛ قِيلَ: هو جَمْعُ "فَرَدٌ"؛ بِفَتْحِ الراءِ؛ وقِيلَ: جَمْعُ "فَرْدٌ"؛ بِإسْكانِ الراءِ؛ والمَقْصِدُ في الآيَةِ تَوْقِيفُ الكُفّارِ عَلى انْفِرادِهِمْ؛ وقِلَّةِ النَصِيرِ؛ واحْتِياجِهِمْ إلى اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - بِفَقْدِ الخَوَلِ؛ والشُفَعاءِ؛ فَيَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ ؛ تَشْبِيهًا بِالِانْفِرادِ الأوَّلِ؛ في وقْتِ الخِلْقَةِ؛ ويُتَوَجَّهُ مَعْنًى آخَرُ؛ وهُوَ: أنْ يَتَضَمَّنَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ كَما خَلَقْناكُمْ ﴾ ؛ زِيادَةَ مَعانٍ عَلى الِانْفِرادِ؛ كَأنَّهُ قالَ: "وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى؛ وبِأحْوالِ كَذا"؛ والإشارَةُ - عَلى هَذا - بِقَوْلِهِ تَعالى "كَما"؛ هي إلى ما قالَهُ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في صِفَةِ مَن يُحْشَرُ [مِن] أنَّهم يُحْشَرُونَ حُفاةً؛ عُراةً؛ غُرْلًا.
و"خَوَّلْناكُمْ"؛ مَعْناهُ: أعْطَيْناكُمْ؛ وكانَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ يُنْشِدُ بَيْتَ زُهَيْرٍ: هُنالِكَ إنْ يُسْتَخْوَلُوا المالَ يُخْوِلُوا ∗∗∗ ∗∗∗ وإنْ يُسْألُوا يُعْطُوا وإنْ يَيْسِرُوا يُغْلُوا "وَراءَ ظُهُورِكُمْ"؛ إشارَةٌ إلى الدُنْيا؛ لِأنَّهم يَتْرُكُونَ ذَلِكَ مَوْجُودًا.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَما نَرى مَعَكم شُفَعاءَكُمُ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ تَوْقِيفٌ عَلى الخَطَإ في عِبادَةِ الأصْنامِ؛ وتَعْظِيمِها؛ قالَ الطَبَرِيُّ: ورُوِيَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في النَضْرِ بْنِ الحارِثِ ؛ لِأنَّهُ قالَ: سَوْفَ تَشْفَعُ لِيَ اللاتُ والعُزّى.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ومَن كانَ مِنَ العَرَبِ يَعْتَقِدُ أنَّها تَشْفَعُ؛ وتُقَرِّبُ إلى اللهِ تَعالى زُلْفى؛ ويَرى شَرِكَتَها بِهَذا الوَجْهِ؛ فَمُخاطَبَتُهم بِالآيَةِ مُتَمَكِّنَةٌ؛ وهَكَذا كانَ الأكْثَرُ؛ ومَن كانَ مِنهم لا يُقِرُّ بِإلَهِ غَيْرِها فَلَيْسَ هو في هَذِهِ الآيَةِ.
وَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وعاصِمٌ ؛ وابْنُ عامِرٍ ؛ وحَمْزَةُ: "بَيْنُكُمْ"؛ بِالرَفْعِ؛ وقَرَأ نافِعٌ ؛ والكِسائِيُّ: "بَيْنَكُمْ"؛ بِالنَصْبِ؛ أمّا الرَفْعُ فَعَلى وُجُوهٍ: أوَّلُها أنَّ الظَرْفَ اسْتُعْمِلَ اسْمًا؛ وأُسْنِدَ إلَيْهِ الفِعْلَ؛ كَما قَدِ اسْتَعْمَلُوهُ اسْمًا في قَوْلِهِ تَعالى مِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ ؛ وكَقَوْلِهِمْ فِيما حَكى سِيبَوَيْهِ: "أحْمَرُ بَيْنَ العَيْنَيْنِ"؛ ورَجَّحَ هَذا القَوْلَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ ؛ والوَجْهُ الآخَرُ أنَّ بَعْضَ المُفَسِّرِينَ - مِنهُمُ الزَهْراوِيُّ ؛ والمَهْدَوِيُّ؛ وأبُو الفَتْحِ؛ وسِواهم - حَكَوْا أنَّ "اَلْبَيْنَ"؛ في اللُغَةِ يُقالُ عَلى الِافْتِراقِ؛ وعَلى الوَصْلِ؛ فَكَأنَّهُ قالَ: "لَقَدْ تَقَطَّعَ وصْلُكُمْ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وفي هَذا عِنْدِي اعْتِراضٌ لِأنَّ ذَلِكَ لَمْ يُرْوَ مَسْمُوعًا عَنِ العَرَبِ؛ وإنَّما انْتُزِعَ مِنَ الآيَةِ؛ والآيَةُ مُحْتَمَلَةٌ؛ قالَ الخَلِيلُ في "اَلْعَيْنُ": "والبَيْنُ: اَلْوَصْلُ؛ لِقَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ ﴾ "؛ فَعَلَّلَ سَوْقَ اللَفْظَةِ بِالآيَةِ؛ والآيَةُ مُعَرَّضَةٌ لِغَيْرِ ذَلِكَ؛ أما إنَّ أبا الفَتْحِ قَوّى أنَّ البَيْنَ: اَلْوَصْلُ؛ وقالَ: "وَقَدْ أتْقَنَ ذَلِكَ بَعْضُ المُحَدِّثِينَ بِقَوْلِهِ: قَدْ أنْصَفَ البَيْنُ مِنَ البَيْنِ"؛ والوَجْهُ الثالِثُ مِن وُجُوهِ الرَفْعِ أنْ يَكُونَ "اَلْبَيْنُ"؛ عَلى أصْلِهِ في الفُرْقَةِ؛ مِن: "بانَ؛ يَبِينُ"؛ إذا بَعُدَ؛ ويَكُونَ في قَوْلِهِ تَعالى "تَقَطَّعَ"؛ تَجَوُّزٌ عَلى نَحْوِ ما يُقالُ في الأمْرِ البَعِيدِ في المَسافَةِ: "تَقَطَّعَتِ الفِجاجُ بَيْنَ كَذا؛ وكَذا"؛ عِبارَةً عن بُعْدِ ذَلِكَ؛ ويَكُونَ المَقْصِدُ: "لَقَدْ تَقَطَّعَتِ المَسافَةُ بَيْنَكم لِطُولِها"؛ فَعَبَّرَ عن ذَلِكَ بِالبَيْنِ؛ الَّذِي هو الفُرْقَةُ.
وأمّا وجْهُ قِراءَةِ النَصْبِ فَأنْ يَكُونَ ظَرْفًا؛ ويَكُونَ الفِعْلُ مُسْتَنِدًا إلى شَيْءٍ مَحْذُوفٍ؛ وتَقْدِيرُهُ: "لَقَدْ تَقَطَّعَ الِاتِّصالُ؛ أو الِارْتِباطُ بَيْنَكُمْ"؛ أو نَحْوُ هَذا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا وجْهٌ واضِحٌ؛ وعَلَيْهِ فَسَّرَهُ الناسُ: مُجاهِدٌ ؛ والسُدِّيُّ ؛ وغَيْرُهُما؛ ووَجْهٌ آخَرُ يَراهُ أبُو الحَسَنِ الأخْفَشُ ؛ وهو أنْ يَكُونَ الفِعْلُ مُسْنَدًا إلى الظَرْفِ؛ ويَبْقى الظَرْفُ عَلى حالِ نَصْبِهِ؛ وهو في النِيَّةِ مَرْفُوعٌ؛ ومِثْلُ هَذا عِنْدَهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَأنّا مِنّا الصالِحُونَ ومِنّا دُونَ ذَلِكَ ﴾ .
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ ؛ ومُجاهِدٌ ؛ والأعْمَشُ: "تَقَطَّعَ ما بَيْنَكُمْ"؛ بِزِيادَةِ "ما"؛ "وَضَلَّ"؛ مَعْناهُ: تَلَفَ؛ وذَهَبَ؛ و ﴿ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ﴾ ؛ يُرِيدُ دَعْواهم أنَّها تَشْفَعُ؛ وتُشارِكُ اللهَ تَعالى في الأُلُوهِيَّةِ.
<div class="verse-tafsir"
إن كان القول المقدّر في جملة ﴿ أخرجوا أنفسكم ﴾ [الأنعام: 93] قولاً من قِبَل الله تعالى كان قوله ﴿ ولقد جئتمونا فرادى ﴾ عطفاً على جملة ﴿ أخرجوا أنفسكم ﴾ [الأنعام: 93]، أي يقال لهم حين دفعهم الملائكة إلى العذاب: أخرجوا أنفسكم، ويقال لهم: لقد جئتمونا فرادى.
فالجملة في محلّ النّصب بالقول المحذوف.
وعلى احتمال أن يكون ﴿ غمرات الموت ﴾ [الأنعام: 93] حَقيقة، أي في حين النّزع يكون فعل ﴿ جئتمونا ﴾ من التّعبير بالماضي عن المستقبل القريب، مثل: قد قامت الصّلاة، فإنّهم حينئذٍ قاربوا أن يرجعوا إلى مَحض تصرّف الله فيهم.
وإن كان القول المقدّر قولَ الملائكة فجملة: ﴿ ولقد جئتمونا فُرادى ﴾ عطف على جملة: ﴿ ولو ترى إذ الظّالمون ﴾ [الأنعام: 93] فانتقل الكلام من خطاب المعتبِرين بحال الظّالمين إلى خطاب الظّالمين أنفسهم بوعيدهم بما سيقول لهم يومئذٍ.
فعلى الوجه الأوّل يكون ﴿ جئتمونا ﴾ حقيقة في الماضي لأنّهم حينما يقال لهم هذا القول قد حصل منهم المجيء بين يدي الله.
و(قد) للتّحقيق.
وعلى الوجه الثّاني يكون الماضي معبّراً به عن المستقبل تنبيهاً على تحقيق وقوعه، وتكون (قد) ترشيحاً للاستعارة.
وإخبارهم بأنّهم جاءوا ليس المراد به ظاهر الإخبار لأنّ مجيئهم معلوم لهم ولكنّه مستعمل في تخطئتهم وتوقيفهم على صدق ما كانوا يُنذرون به على لسان الرّسول فينكرونه وهو الرّجوع إلى الحياة بعد الموت للحساب بين يدي الله.
وقد يقصد مع هذا المعنى معنى الحصول في المِكنة والمصير إلى ما كانوا يحسبون أنّهم لا يصيرون إليه، على نحو قوله تعالى: ﴿ ووجد الله عنده ﴾ [النور: 39]، وقول الرّاجز: قد يُصبح الله إمام السّاري *** والضّمير المنصوب في ﴿ جئتمونا ﴾ ضمير الجلالة وليس ضمير الملائكة بدليل قوله: ﴿ كما خلقناكم ﴾ .
و ﴿ فُرادى ﴾ حال من الضّمير المرفوع في ﴿ جئتمونا ﴾ أي منعزلين عن كلّ ما كنتم تعتزّون به في الحياة الأولى من مال وولد وأنصار، والأظهر أنّ (فُرادى) جمع فَرْدَان مثل سُكارى لسَكران.
وليس فُرادى المقصورُ مرادفاً لفُرادَ المعدوللِ لأنّ فُرادَ المعدول يدلّ على معنى فَرْداً فَرْداً، مثل ثُلاث ورُباع من أسماء العدد المعدولة.
وأمّا فرادى المقصور فهو جمع فردان بمعنى المنفرد.
ووجه جمعه هنا أنّ كلّ واحد منهم جاء منفرداً عن ماله.
وقوله: ﴿ كما خلقناكم أوّل مرّة ﴾ تشبيه للمجيء أريد منه معنى الإحياء بعد الموت الّذي كانوا ينكرونه فقد رأوه رأي العين، فالكاف لتشبيه الخلق الجديد بالخلق الأوّل فهو في موضع المفعول المطلق.
و(ما) المجرورة بالكاف مصدريّة.
فالتّقدير: كخلْقِنا إيّاكم، أي جئتمونا مُعَادَيْن مخلوقين كما خلقناكم أوّل مرّة، فهذا كقوله تعالى: ﴿ أفعيينا بالخلق الأوّل بل هم في لبس من خلق جديد ﴾ [ق: 15].
والتّخويل: التفضّل بالعطاء.
قيل: أصله إعطاء الخَوَل بفتحتين وهو الخدم، أي إعطاء العبيد.
ثمّ استعمل مجازاً في إعطاء مطلق ما ينفع، أي تركتم ما أنعمنا به عليكم من مال وغيره.
و (ما) موصولة ومعنى تركهم إيّاه وراء ظهورهم بعدُهم عنه تمثيلاً لحال البعيد عن الشّيء بمن بارحه سائراً، فهو يترك من يبارحه وراءه حين مبارحته لأنّه لو سار وهو بين يديه لبلغ إليه ولذلك يمثّل القاصد للشّيء بأنّه بين يديه، ويقال للأمر الّذي يهيّئه المرءُ لنفسه: قد قدّمه.
﴿ وتَركتم ﴾ عطف على ﴿ جئتمونا ﴾ وهو يبيّن معنى ﴿ فرادى ﴾ إلاّ أنّ في الجملة الثّانية زيادة بيان لمعنى الانفراد بذكر كيفية هذا الانفراد لأنّ كلا الخبرين مستعمل في التّخطئة والتّنديم، إذ جاءوا إلى القيامة وكانوا ينْفون ذلك المجيء وتركوا ما كانوا فيه في الدّنيا وكان حالهم حال من ينوي الخلود.
فبهذا الاعتبار عطفت الجملة ولم تفصل.
وأبو البقاء جعل الجملة حالاً من الواو في ﴿ جئتمونا ﴾ فيصير ترك ما خوّلوه هو محلّ التّنكيل.
وكذلك القول في جملة ﴿ وما نَرى معكم شفعاءكم ﴾ أنّها معطوفة على ﴿ جئتمونا وتركتم ﴾ لأنّ هذا الخبر أيضاً مراد به التّخطئة والتَّلهيف، فالمشركون كانوا إذا اضطربت قلوبهم في أمر الإسلام علّلوا أنفسهم بأنّ آلهتهم تشفع لهم عند الله.
وقد روى بعضهم: أنّ النّضر بن الحارث قال ذلك، ولعلّه قاله استسخاراً أو جهلاً، وأنّ الآية نزلت ردّاً عليه، أي أن في الآية ما هو ردّ عليه لا أنّها نزلت لإبطال قوله لأنّ هذه الآيات متّصل بعضها ببعض، وفي قوله: ﴿ وما نرى معكم شفعاءكم ﴾ بيان أيضاً وتقرير لقوله: ﴿ فرادى ﴾ .
وقوله: ﴿ وما نرى معكم شفعاءكم ﴾ تهكّم بهم لأنّهم لا شفعاء لهم فسيق الخطاب إليهم مساق كلام من يترقّب، أي يرى شيئاً فلم يره على نحو قوله في الآية الأخرى ﴿ ويقول أين شركائي الّذين كنتم تُشَاقُّوننِ فيهم ﴾ [النحل: 27]، بناء على أنّ نفي الوصف عن شيء يدلّ غالباً على وجود ذلك الشّيء، فكان في هذا القول إيهام أنّ شفعاءهم موجودون سوى أنّهم لم يحضروا، ولذلك جيء بالفعل المنفي بصيغة المضارع الدالّ على الحال دون الماضي ليشير إلى أنّ انتفاء رؤية الشّفعاء حاصل إلى الآن، ففيه إيهام أنّ رؤيتهم محتملة الحصول بعد في المستقبل، وذلك زيادة في التهكّم.
وأضيف الشّفعاء إلى ضمير المخاطبين لأنّه أريد شفعاء معهودون، وهم الآلهة الّتي عبدوها وقالوا: ﴿ ما نعبدهم إلاّ ليقرّبونا إلى الله زلفى ﴾ [الزمر: 3] ﴿ ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله ﴾ [يونس: 18].
وقد زيد تقرير هذا المعنى بوصفهم بقوله: ﴿ الّذين زعمتم أنّهم فيكم شركاء ﴾ .
والزّعم: القول الباطل سواء كان عن تعمّد للباطل كما في قوله تعالى: ﴿ ألم تر إلى الّذين يزعمون أنّهم آمنوا بما أنزل إليك ﴾ [النساء: 60] أم كان عن سوء اعتقاد كما هنا، وقوله: ﴿ ويوم نحشرهم جميعاً ثمّ نقول للّذين أشركوا أين شركاؤكم الّذين كنتم تزعمون ﴾ [الأنعام: 22]، وقد تقدّم ذلك في هاتين الآيتين في سورة النساء وفي هذه السورة.
وتقديم المجرور في قوله: ﴿ فيكم شركاء ﴾ للاهتمام الّذي وجهُه التَعجيب من هذا المزعوم إذ جعلوا الأصنام شركاء لله في أنفسهم وقد علموا أنّ الخالق هو الله تعالى فهو المستحقّ للعبادة وحده فمن أين كانت شركة الأصنام لله في استحقاق العبادة، يعني لو ادّعوا للأصنام شيئاً مغيباً لا يُعرف أصل تكوينه لكان العجب أقلّ، لكن العجب كلّ العجب من ادّعائهم لهم الشركة في أنفسهم، لأنّهم لمّا عبدوا الأصنام وكانت العبادة حقّاً لأجل الخالقيّة، كان قد لزمهم من العبادة أن يزعموا أنّ الأصنام شركاء لله في أنْفُس خلقه، أي في خلقهم، فلذلك عُلِّقت النّفوس بالوصف الدالّ على الشركة.
وتقدّم معنى الشّفاعة عند قوله تعالى: ﴿ ولا يُقبل منها شفاعة ﴾ في سورة [البقرة: 48].
وجملة: لقد تقطّع بينَكم } استئناف بياني لجملة: ﴿ وما نرى معكم شفعاءكم ﴾ لأنّ المشركين حين يسمعون قوله: ﴿ ما نَرى معكم شفعاءكم ﴾ يعتادهم الطّمع في لقاء شفعائهم فيتشوّفون لأن يعلموا سبيلهم، فقيل لهم: لقدْ تقطَّع بينكم تأييساً لهم بعد الإطماع التهكمي، والضّمير المضاف إليه عائد إلى المخاطبين وشفعائهم.
وقرأ نافع، والكسائي، وحفص عن عاصم بفتح نون ﴿ بينَكم ﴾ .
ف (بينَ) على هذه القراءة ظرف مكان دالّ على مكان الاجتماع والاتّصال فيما يضاف هُو إليه.
وقرأ البقيّة بضمّ نون ﴿ بينكم ﴾ على إخراج (بين) عن الظّرفية فصار اسماً متصرّفاً وأسند إليه التقطّع على طريقة المجاز العقلي.
وحذف فاعل تقطّع على قراءة الفتح لأنّ المقصود حصول التقطّع، ففاعله اسم مُبهم ممّا يصلح للتقطّع وهو الاتّصال.
فيقدّر: لقد تقطّع الحَبْل أو نحوُه.
قال تعالى: ﴿ وتقطَّعت بهم الأسباب ﴾ [البقرة: 166].
وقد صار هذا التّركيب كالمثَل بهذا الإيجاز.
وقد شاع في كلام العرب ذكر التقطّع مستعاراً للبعد وبطلان الاتّصال تبعاً لاستعارة الحبل للاتّصال، كما قال امرؤ القيس: تَقَطَّعَ أسبابُ اللُّبانةِ والهوى *** عَشِيَّة جاوزنا حَمَاةَ وشَيْزَرا فمن ثمّ حسن حذف الفاعل في الآية على هذه القراءة لدلالة المقام عليه فصَار كالمثل.
وقدّر الزمخشري المصدر المأخوذ من ﴿ تقطّع ﴾ فاعلاً، أي على إسناد الفعل إلى مصدره بهذا التّأويل، أي وقع التقطّع بينَكم.
وقال التفتزاني: «الأوْلى أنّه أسند إلى ضمير الأمْر لتقرّره في النّفوس، أي تقطّع الأمْر بينكم».
وقريب من هذا ما يقال: إنّ ﴿ بينكم ﴾ صفة أقيمت مقام الموصوف الّذي هو المسند إليه، أي أمر بينكم، وعلى هذا يكون الاستعمال من قبيل الضّمير الّذي لم يذكر مَعاده لكونه معلوماً من الفعل كقوله: ﴿ حتّى توارت بالحجاب ﴾ [ص: 32]، لكن هذا لا يعهد في الضّمير المستتر لأنّ الضّمير المستتر ليس بموجود في الكلام وإنّما دعا إلى تقديره وجود مَعاده الدّال عليه.
فأمّا والكلام خليّ عن معاد وعن لفظ الضّمير فالمتعيّن أن نجعله من حذف الفاعل كما قرّرته لك ابتداء، ولا يقال: إنّ ﴿ توارت بالحجاب ﴾ ليس فيه لفظ ضمير إذ التّاء علامة لإسناد الفعل إلى مؤنّث لأنَّا نقول: التّحقيق أنّ التّاء في الفعل المسند إلى الضّمير هي الفاعل.
وعلى قراءة الرّفع جعل ﴿ بينكم ﴾ فاعلاً، أي أخرج عن الظّرفية وجعل اسماً للمكان الّذي يجتمع فيه ماصْدق الضمير المضاف إليه اسم المكان، أي انفصل المكان الّذي كان محلّ اتّصالكم فيكون كناية عن انفصال أصحاب المكان الّذي كان محلّ اجتماع.
والمكانية هنا مجازيّة مثل ﴿ لا تقدّموا بين يدي الله ورسوله ﴾ [الحجرات: 1] وقوله: ﴿ وضلّ عنكم ﴾ عطف على ﴿ تقطّع بينكم ﴾ وهو من تمام التهكّم والتأييس.
ومعنى ضلّ: ضدّ اهتدى، أي جهل شفعاؤكم مكانكم لمّا تقطّع بينكم فلم يهتدوا إليكم ليشفعوا لكم.
و(ما) موصولة ماصْدقها الشفعاء لاتّحاد صلتها وصلة ﴿ الّذين زعمتم أنّهم فيكم شركاء ﴾ ، أي الّذين كنتم تزعمونهم شركاء، فحذف مفعولا الزّعم لدلالة نظيره عليهما في قوله: ﴿ زعمتم أنّهم فيكم شركاء ﴾ ، وعُبّر عن الآلهة ب (ما) الغالبة في غير العاقل لظهور عدم جدواها، وفسّر ابن عطيّة وغيره ضَلّ بمعنى غاب وتلف وذهب، وجعلوا (ما) مصدريّة، أي ذهب زعمكم أنّها تشفع لكم.
وما ذكرناه في تفسير الآية أبلغ وأوقع.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ قالَ أُوحِيَ إلَيَّ ولَمْ يُوحَ إلَيْهِ شَيْءٌ ﴾ فِيمَن نَزَلَ فِيهِ ذَلِكَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مُسَيْلِمَةُ الكَذّابُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
والثّانِي: مُسَيْلِمَةُ والعَنْسِيُّ، قالَهُ قَتادَةُ.
وَقَدْ رَوى مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ أنَّ النَّبِيَّ قالَ: «بَيْنا أنا نائِمٌ كَأنَّ فِي يَدَيَّ سُوارَيْنِ مِن ذَهَبٍ، فَكَبُرَ عَلَيَّ، فَأُوحِيَ إلَيَّ أنْ أنْفُخَهُما فَنَفَخْتُهُما فَطارا، فَأوَّلْتُ ذَلِكَ كَذّابَ اليَمامَةِ وكَذّابَ صَنْعاءَ العَنَسِيَّ» .
﴿ وَمَن قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أنْزَلَ اللَّهُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِن مُدَّعِي الوَحْيِ والنُّبُوَّةِ.
والثّانِي: أنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أبِي سَرْحٍ، قالَهُ السُّدِّيُّ، قالَ الفَرّاءُ: «كانَ يَكْتُبُ لِلنَّبِيِّ فَإذا قالَ النَّبِيُّ: ﴿ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ كَتَبَ ﴿ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ و ﴿ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ فَيَقُولُ لَهُ النَّبِيُّ : (هُما سَواءٌ حَتّى أمْلى عَلَيْهِ ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ خَلْقًا آخَرَ ﴾ فَقالَ ابْنُ أبِي السَّرْحِ: ﴿ فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ ﴾ تَعَجُّبًا مِن تَفْصِيلِ خَلْقِ الإنْسانِ، فَقالَ النَّبِيُّ : (هَكَذا نَزَلَتْ فَشَكَّ وارْتَدَّ).» والثّالِثُ: ما حَكاهُ الحَكَمُ عَنْ عِكْرِمَةَ: أنَّها نَزَلَتْ في النَّضِرِ بْنِ الحارِثِ، لِأنَّهُ عارَضَ القُرْآنَ، لِأنَّهُ قالَ: والطّاحِناتِ طَحْنًا، والعاجِناتِ عَجْنًا، والخابِزاتِ خَبْزًا، فاللّاقِماتِ لَقْمًا.
وَفي قَوْلِهِ: ﴿ والمَلائِكَةُ باسِطُو أيْدِيهِمْ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: باسِطُو أيْدِيهِمْ بِالعَذابِ، قالَهُ الحَسَنُ، والضَّحّاكُ.
والثّانِي: باسِطُو أيْدِيهِمْ لِقَبْضِ الأرْواحِ مِنَ الأجْسادِ، قالَهُ الفَرّاءُ.
وَيُحْتَمَلُ ثالِثًا: باسِطُو أيْدِيهِمْ بِصَحائِفِ الأعْمالِ.
﴿ أخْرِجُوا أنْفُسَكُمُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مِن أجْسادِكم عِنْدَ مُعايَنَةِ المَوْتِ إرْهاقًا لَهم وتَغْلِيظًا عَلَيْهِمْ، وإنْ كانَ إخْراجُها مِن فِعْلِ غَيْرِهِمْ.
والثّانِي: أخْرِجُوا أنْفُسَكم مِنَ العَذابِ إنْ قَدَرْتُمْ، تَقْرِيعًا لَهم وتَوْبِيخًا بِظُلْمِ أنْفُسِهِمْ، قالَهُ الحَسَنُ.
وَيُحْتَمَلُ ثالِثًا: أنْ يَكُونَ مَعْناهُ خَلِّصُوا أنْفُسَكم بِالِاحْتِجاجِ عَنْها فِيما فَعَلْتُمْ.
﴿ اليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الهُونِ ﴾ والهُونِ بِالضَّمِّ الهُوانِ، قالَهُ ذُو الأُصْبُعِ العُدْوانِيُّ أذْهَبُ إلَيْكِ أُمِّي بِراعِيَةٍ تَرْعى المَخاضَ ولا أُغْضِي عَلى الهُونِ وَأمّا الهَوْنُ بِالفَتْحِ فَهو الرِّفْقُ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا ﴾ يَعْنِي بِرِفْقٍ وسَكِينَةٍ، قالَ الرّاجِزُ هَوْنُكُما لا يَرُدُّ الدَّهْرُ ما فاتا ∗∗∗ لا تَهْلَكْنَ أسى في أثَرِ مَن ماتا قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ الفُرادى الوِحْدانِ، ويَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: فُرادى مِنَ الأعْوانِ.
والثّانِي: فُرادى مِنَ الأمْوالِ.
﴿ وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكم وراءَ ظُهُورِكُمْ ﴾ يَعْنِي ما مَلَّكْناكم مِنَ الأمْوالِ، والتَّخْوِيلُ تَمْلِيكُ المالِ، قالَ أبُو النَّجْمِ: أعْطى فَلَمْ يَبْخَلْ ولَمْ يَبْخَلْ ∗∗∗ كَوْمُ الذُّرى مَن خَوَّلَ المُخَوَّلْ ﴿ وَما نَرى مَعَكم شُفَعاءَكُمُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: آلِهَتُهُمُ الَّتِي كانُوا يَعْبُدُونَها، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
والثّانِي: المَلائِكَةُ الَّذِينَ كانُوا يَعْتَقِدُونَ شَفاعَتَهم، قالَهُ مُقاتِلٌ.
﴿ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أنَّهم فِيكم شُرَكاءُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي شُفَعاءَ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
والثّانِي: أيْ مُتَحَمِّلِينَ عَنْكم تَحَمُّلَ الشُّرَكاءِ عَنِ الشُّرَكاءِ.
﴿ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: تَفَرَّقَ جَمْعُكم في الآخِرَةِ.
والثّانِي: ذَهَبَ تَواصُلُكم في الدُّنْيا، قالَهُ مُجاهِدٌ.
وَمَن قَرَأ ﴿ بَيْنَكُمْ ﴾ بِالفَتْحِ، فَمَعْناهُ تَقَطَّعَ الأمْرُ بَيْنَكم.
﴿ وَضَلَّ عَنْكم ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مِن عَدَمِ البَعْثِ والجَزاءِ.
والثّانِي: مِن شُفَعائِكم عِنْدَ اللَّهِ.
فَإنْ قِيلَ: فَقَوْلُهُ: ﴿ وَلَقَدْ جِئْتُمُونا ﴾ خَبَرٌ عَنْ ماضٍ، والمَقْصُودُ مِنهُ الِاسْتِقْبالُ؟
فَعَنْ ذَلِكَ جَوابانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ يُقالُ لَهم ذَلِكَ في الآخِرَةِ فَهو عَلى الظّاهِرِ إخْبارٌ.
والثّانِي: أنَّهُ لِتَحَقُّقِهِ بِمَنزِلَةِ ما كانَ، فَجازَ، وإنْ كانَ مُسْتَقْبَلًا أنْ يُعَبَّرَ عَنْهُ بِالماضِي.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عكرمة قال: قال النضر بن الحارث: سوف تشفع لي اللات والعزى، فنزلت ﴿ ولقد جئتمونا فرادى ﴾ الآية كلها.
وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن عائشة.
أنها قرأت قول الله: ﴿ ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة ﴾ فقالت عائشة رضي الله عنها: يا رسول الله واسوأتاه...
!
إن الرجال والنساء سيحشرون جميعاً ينظر بعضهم إلى سوأة بعض؟!
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه، لا ينظر الرجال إلى النساء ولا النساء إلى الرجال، شغل بعضهم عن بعض» .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة ﴾ قال: كيوم ولد، يرد كل شيء نقص منه من يوم ولد.
وأخرج ابن أبي حاتم عن جابر بن عبدالله رضي الله عنه «سمعت رسول الله صلى عليه وسلم يقول: إذا كان يوم القيامة حشر الناس حفاة عراة غرلاً» .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ وتركتم ما خوّلناكم ﴾ قال: من المال والخدم ﴿ وراء ظهوركم ﴾ قال: في الدنيا.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه قال: يؤتى بابن آدم يوم القيامة كأنه بذخ فيقول له تبارك وتعالى: أين ما جمعت؟
فيقول له يا رب جمعته وتركته أوفر ما كان فيقول: فأين ما قدمت لنفسك؟
فلا يراه قدم شيئاً، وتلا هذه الآية ﴿ ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خوّلناكم وراء ظهوركم ﴾ .
وأخرج الحاكم وصححه عن عبد الله بن بريدة رضي الله عنه قال: كان عند ابن زياد أبو الأسود الديلمي وجبير بن حية الثقفي، فذكروا هذا الحرف ﴿ لقد تقطع بينكم ﴾ فقال أحدهما: بيني وبينك أول من يدخل علينا، فدخل يحيى بن يعمر، فسألوه فقال: بينكم بالرفع.
وأخرج أبو الشيخ عن الأعرج أنه قرأ ﴿ لقد تقطع بينكم ﴾ بالرفع يعني وصلكم.
وأخرج أبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه أنه قرأ ﴿ لقد تقطع بينكم ﴾ بالنصب أي ما بينكم من المواصلة التي كانت بينكم في الدنيا.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه ﴿ لقد تقطع بينكم ﴾ قال: ما كان بينهم من الوصل.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن عكرمة قال: لما تزوج عمر رضي الله عنه أم كلثوم رضي الله عنها بنت علي اجتمع عليه أصحابه فباركوا له دعوا له، فقال: لقد تزوجتها وما بي حاجة إلى النساء، ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن كل نسب وسبب ينقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي، فاحببت أن يكون بيني وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم نسب» .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون ﴾ يعني الأرحام والمنازل.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ لقد تقطع بينكم ﴾ قال: تواصلكم في الدنيا.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى ﴾ الآية.
قال أهل المعاني: (هذا يكون على وجهين أحدهما: أنه على الحكاية أن يقال لهم في الآخرة هذا كما دلت الآية الأولى على الحكاية، والثاني: أن المعنى على الاستقبال كأنه: تجيئوننا فرادى إلا أنه جاء على لفظ الماضي؛ لأنه بمنزلة ما قد كان لتحقيق الخبر به) (١) وأما ﴿ فُرَادَى ﴾ (٢) ﴿ فُرَادَى ﴾ جمع، قال: والعرب تقول: قوم فرادى، وفراديا هذا، فلا يجرونها (٣) (٤) وقال الليث: (الفَرْد: ما كان وحده، يقال: فَرَد يَفْرد، وأفردته: جعلته واحداً، ويقال: جاء القوم فُرادى (٥) (٦) (٧) وقال ابن قتيبة: (فرادى جمع فردان مثل: سكران وسكارى وكسلان وكسالى) (٨) (٩) وأما التفسير فقال ابن عباس: (يريد: بلا أهل ولا مال ولا ولد ولا شيء قدمتموه) (١٠) (١١) (١٢) (١٣) (١٤) وقوله تعالى: ﴿ كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ قال ابن عباس: (يريد: حفاة عُرَاة كما خرجتم من بطون أمهاتكم) (١٥) (١٦) وقوله تعالى: ﴿ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ ﴾ أي: ملكناكم، يقال: خوّله الشيء، أي: مَلَّكه إياه، والخَوَل (١٧) (١٨) كُومَ الذُّرَى مِنْ خَوَلِ المُخَوَّلِ (١٩) ﴿ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ ﴾ : (يريد: من النعيم والمال والعبيد والرباع (٢٠) (٢١) ﴿ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ ﴾ قال ابن عباس: (يريد: شركاء لي) (٢٢) ﴿ شُفَعَاءَكُمُ ﴾ ، قال المفسرون (٢٣) وقوله تعالى: ﴿ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ ﴾ قال الزجاج (٢٤) (٢٥) (٢٦) (٢٧) قال أبو علي: (هذا الاسم يستعمل على ضربين: أحدهما: أن يكون اسمًا متصرفًا كالافتراق، والآخر: أن يكون ظرفًا، والمرفوع في قراءة من قرأ ﴿ بَيْنَكُمْ ﴾ الذي كان ظرفاً ثم استعمل اسمًا، والدليل على جواز كونه اسمًا قوله تعالى: ﴿ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ ﴾ ، و ﴿ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ ﴾ ، وقال (٢٨) (٢٩) كَأَنَّ رِمَاحَهُمْ أَشْطَانُ بِئْرٍ ...
بِعيدٍ بَيْنُ جَالَيْهَا جَرُورِ (٣٠) فلما استعمل اسمًا في هذه المواضع جاز أن يسند إليه الفعل الذي هو (تقطع) في قول من رفع.
قال: ويدل على أن هذا المرفوع هو الذي استعمل ظرفًا؛ لأنه لا يخلو من أن يكون الذي هو ظرف اتسع فيه، أو يكون الذي هو مصدر، فلا يجوز أن يكون هذا القسم؛ لأن التقدير يصير: لقد تقطع افتراقكم، وهذا خلاف القصد والمعنى [المراد] (٣١) (٣٢) ﴿ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ ﴾ بمعنى: لقد تقطع وصلكم، وحكى سيبويه: (هو أحمر بين العينين) (٣٣) فأما من قرأ: ﴿ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ ﴾ بالنصب ففيه مذهبان أحدهما: أنه أضمر الفاعل في الفعل، ودل عليه ما تقدم من قوله: ﴿ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ ﴾ ، ألا ترى أن هذا الكلام فيه دلالة على التقاطع والتهاجر، فكأنه قيل: لقد تقطع وصلكم بينكم.
وقد حكى سيبويه أنهم قالوا: (إذا كان غدًا فأتني) (٣٤) (٣٥) (٣٦) (٣٧) ﴿ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ ﴾ أنه على معنى الرفع، وكذلك يقول في قوله تعالى: ﴿ وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ ﴾ فدون: في موضع رفع عنده) (٣٨) (٣٩) (٤٠) ما بين عَوْفٍ وإبراهيمَ من نَسَبٍ ...
إلا قرابةُ بين الزنج والرومِ (٤١) أراد: إلا قرابة ما بين الزنج والروم، وقال آخر: يُدِيرُونَنِي عَنْ سَالِمٍ وأُدِيرُهُمْ ...
وَجِلْدَةُ بَيْن العَيْنِ وَالأنْفِ سالِمُ (٤٢) (٤٣) (٤٤) (٤٥) وأجاز الفراء هذا الوجه أيضًا فقال: (إذا جعل الفعل لبين ترك نصبًا كما قالوا: أتاني دونك من الرجال فترك نصبًا وهو في موضع رفع) (٤٦) وأما التفسير فقال ابن عباس: ﴿ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ ﴾ (يريد: وصلكم ومودتكم) (٤٧) ﴿ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ ﴾ (يعني: ما تواصلتم بينكم) (٤٨) (٤٩) (٥٠) وقوله تعالى: ﴿ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ﴾ ، قال ابن عباس: (ذهب عنكم ما كنتم تكذبون في الدنيا) (٥١) (١) انظر: "تفسير الطبري" 7/ 277، والماوردي 2/ 145، وابن عطية 5/ 290، وابن الجوزي 3/ 88، والرازي 13/ 86، وابن كثير 2/ 186.
(٢) انظر: "العين" 8/ 24، و"الجمهرة" 2/ 634 - 635، و"الصحاح" 2/ 518، و"مقاييس اللغة" 4/ 500، و"المجمل" 3/ 720 (فرد).
(٣) قوله: فلا يجرونها، أي: يصرفونها.
(٤) "معاني الفراء" 1/ 345، وفيه: (وفرادى واحدها فَرْد وفِرد وفريد، وفراد للجمع، ولا يجوز فرد في هذا المعنى) اهـ ، وأشار المحقق في الهامش إلى ورود لفظ فردان في بعض النسخ، كذلك جاء في "تهذيب اللغة" 3/ 2761، و"اللسان" 6/ 3373 (فرد) ، عن الفراء لفظ (فردان).
(٥) النص في "تهذيب اللغة" 3/ 2761، وفيه (جاء القوم فُرادًا)، بضم الفاء وفتح الراء مع التنوين.
وجاء في "اللسان" 6/ 3374، عن الليث أنه قال: (ويقال: جاء القوم فرادًا وفرادى، منونًا وغير منون، أي: واحداً واحداً) اهـ.
(٦) في (ش): (وغدت).
(٧) في (أ): (الدرهم).
(٨) "تفسير غريب القرآن" ص 168، وفيه: (فرادى فَرْد، وكأنه جمع فردان، كما قيل ...) اهـ.
(٩) انظر: "تفسير الطبري" 7/ 277 - 278، و"المفردات" ص 629، و"الدر المصون" 5/ 44.
(١٠) "تنوير المقباس" 2/ 44، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 84، وابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 88، وأبو حيان في "البحر" 4/ 182.
(١١) ذكره الثعلبي في "الكشف" ص 181 أ، وابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 88، وأبو حيان في "البحر" 4/ 182.
(١٢) ابن كيسان محمد بن أحمد بن كيسان، تقدمت ترجمته.
(١٣) ذكره الثعلبي في "الكشف" 181 أ، والواحدي في "الوسيط" 1/ 84، وابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 88، وأبو حيان في "البحر" 4/ 82.
(١٤) "معاني الزجاج" 2/ 273، وقوله: (وشقيقه) غير واضحة في الأصل وكأنها: وشفيعه.
(١٥) لم أقف عليه، وأخرجه البخاري (6524) كتاب الرقاق، باب: كيف الحشر، ومسلم (2860)، عن ابن عباس ما أنه سمع النبي يقول: "إنكم ملاقو الله مشاة حُفاة عراة غُرْلًا"، والمقصود أنهم يحشرون كما خلقوا لا شيء معهم ولا يفقد منهم شيء حتى الغرلة، وهي القلفة التي تقطع عند الختان تكون معهم.
وانظر: "شرح مسلم" للنووي 17/ 280 - 283، و"فتح الباري" 11/ 377 - 388.
(١٦) "معاني الزجاج" 2/ 273، وانظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 566.
(١٧) الخول: بفتح الخاء والواو.
انظر: "الجمهرة" 1/ 621، و"الصحاح" 4/ 1690، و"المجمل" 2/ 307، و"مقاييس اللغة" 2/ 230، و"المفردات" ص 304.
(١٨) أبو النَّجم: الفضْل بن قدامة بن عبيد العِجْلي الكوفي، تقدم.
(١٩) "ديوانه" ص 175، وهو من لاميته المشهورة في هشام بن عبد الملك، ومطلعها: الحمدُ للهِ الوْهُوبِ المْجْزِل ...
أَعْطَى فَلَمْ يَبْخَلْ وَلَم يُبَخَّل كُومَ الذُّرى منْ خَولِ المخول ...
تبَقَّلَتْ مِنْ أَوّلِ التَّبْقُّلِ= انظر: "طبقات فحول الشعراء" 2/ 478، وكوم جمع كوماء، وهي الناقة عظيمة السنام، والذرى جمع ذروة السنام وأعلى كل شيء، والخول: ما أعطى من النعم، والمخول بتشديد الواو وكسرها: الله سبحانه وتعالى خولهم النعم.
والشاهد في: "العين" 4/ 305، والطبري 7/ 278، و"تهذيب اللغة" 1/ 968، و"اللسان" 3/ 1293 (خول).
(٢٠) الرِّباع: بالكسر جمع الرَّبْع بفتح الراء المشددة وسكون الباء، وهو المنزل، والدار بعينها، والوطن، والموضع يرتعون فيه في الربيع.
انظر: "اللسان" 3/ 1563، و"القاموس" ص 718 (ربع).
(٢١) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 84.
(٢٢) في "تنوير المقباس" 2/ 44 نحوه، وذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 89.
(٢٣) أخرج الطبري في "تفسيره" 7/ 279، وابن أبي حاتم 4/ 1350 بسند جيد، عن عكرمة والسدي نحوه، وانظر: السمرقندي 1/ 502.
(٢٤) في (ش): تكرر (قال الزجاج: الرفع أجود ومعناه تقطع بينكم ...).
(٢٥) قرأ نافع والكسائي وعاصم في رواية (لقد تقطع بينكم) بنصب النون، وقرأ الباقون بالرفع.
انظر: "السبعة" ص 263، و"المبسوط" ص 172، و"الغاية" ص 245، و"التذكرة" 2/ 405، و"التيسير" ص 105، و"النشر" 2/ 260.
(٢٦) لفظ: (الواو) ساقط من (أ).
(٢٧) "معاني الزجاج" 2/ 273.
(٢٨) هذا الشاهد لا يوجد في "الحجة" لأبي علي.
(٢٩) مُهَلْهِل بن ربيعة التغلبي: أبو ليلى، من نجد شاعر جاهلي، تقدمت ترجمته.
(٣٠) ليس في "ديوانه"، وهو في: "مجاز القرآن" 1/ 201، و"الكامل" للمبرد 1/ 376، والطبري 7/ 280، و"الدر المصون" 5/ 53، وبلا نسبة في "مجالس الزجاجي" ص 110، و"أمالي القالي" 2/ 132، و"إعراب القراءات" 1/ 165، و"الحجة" لابن خالويه ص 145، و"المحتسب" 2/ 190، و"اللسان" 1/ 403 (بين)، والأشطان جمع شطن بالتحريك: الحبال الطويلة الشديدة الفتل، والجال: الجانب، والناحية، والجرور: بعيدة القعر.
والشاهد: بين ظرف في الأصل، فصيره اسمًا ورفعه.
(٣١) لفظ: (المراد) ساقط من (أ).
(٣٢) هو من الأضداد، يكون البَيْنُ الفراق ويكون الوصال.
انظر: كتاب "الأضداد" لقطرب ص 138، وللأصمعي ص 52، ولابن السكيت ص 204، ولابن الأنباري ص 75، و"شرح القصائد" لابن الأنباري ص 433.
(٣٣) "الكتاب" 1/ 195.
(٣٤) "الكتاب" 1/ 224.
(٣٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ش).
(٣٦) أبو الحسن هو سعيد بن مسعدة المجاشعي البصري الأخفش الأوسط، تقدمت ترجمته.
(٣٧) في النسخ: (ويوم)، وهو تحريف.
(٣٨) انظر: "معاني الأخفش" 1/ 237، و"الحجة" لأبي علي 1/ 250 - 251، 3/ 262، 5/ 429، 6/ 285، و"كتاب الشعر" 1/ 306، و"المحتسب" 2/ 190، وفيها كلام الأخفش وشرحه.
(٣٩) في (أ): (منا الطالحون ومنا الطالحون)، وهو تحريف.
(٤٠) "الحجة" لأبي علي 3/ 357 - 361 بتصرف واختصار، وانظر: "معاني القراءات" 1/ 371، و"إعراب القراءات" 1/ 164، و"الحجة" لابن خالويه ص 145، ولابن زنجلة ص 261، و"الكشف" 1/ 440.
(٤١) لم أقف على قائله، وهو في "الدر المصون" 5/ 51.
(٤٢) البيت لأبي الأسود الدؤلي في "ديوانه" ص 250، و"الدر المصون" 5/ 51، ولزهير في "ديوانه" ص 121، و"شرحه لثعلب" ص 250، وبلا نسبة في "أمالي القالي" 1/ 51، ونسب في "العقد الفريد" 2/ 273، 6/ 137 إلى عبد الله بن عمر بن الخطاب ما؛ وقال البغدادي في "الخزانة" 5/ 272 - 273: (هذا خطأ، والصواب أنَّه تمثَّل به لا أنه قاله، والبيت لزهير، وهو ثابت في ديوانه) اهـ.
(٤٣) لفظ: (بين) ساقط من (ش)، وانظر: "التبيان" 1/ 349، و"الفريد" 2/ 194.
(٤٤) لفظ: (وبين الثوبين) الثانية ساقط من (ش).
(٤٥) ذكره الواحدي 1/ 85، وابن الجوزي 3/ 89، والرازي 13/ 87 - 88 مختصرًا.
(٤٦) "معاني الفراء" 1/ 345، قال: (هو في موضع رفع لأنه صفة ...)، وانظر: "إعراب النحاس" 1/ 566، و"المشكل" 1/ 262، و"البيان" 1/ 332.
(٤٧) "تنوير المقباس" 2/ 44، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 85، وأخرج الطبري في "تفسيره" 7/ 279، وابن أبي حاتم 4/ 1350 بسند جيد عن ابن عباس في الآية قال: (يعني: الأرحام والمنازل) ا.
هـ، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 60.
(٤٨) "تفسير مقاتل" 1/ 579، وفيه قال: (لقط تقطع بينكم وبين شركائكم، يعني: من الملائكة من المودة والتواصل) ا.
هـ.
(٤٩) ذكره هود الهواري في "تفسيره" 1/ 546، والواحدي في "الوسيط" 1/ 85، والسيوطي في "الدر" 3/ 60.
(٥٠) أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 1/ 214، والطبري 7/ 279، بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 60.
(٥١) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 85، بدون نسبة.
وانظر: "تنوير المقباس" 2/ 44.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فرادى ﴾ منفردين عن أموالكم وأولادكم أو عن شركائكم، والأول يترجح لقوله: ﴿ وَتَرَكْتُمْ مَّا خولناكم ﴾ أي ما أعطيناكم من الأموال والأولاد، ويترجح الثاني بقوله: ﴿ وَمَا نرى مَعَكُمْ شُفَعَآءَكُمُ ﴾ ﴿ تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ ﴾ تفرق شملكم ومن قرأه بالرفع أسند الفعل إلى الظرف واستعمله استعمال الأسماء، ويكون البين بمعنى الفرقة، إو بمعنى الوصل، ومن قرأه بالنصب: فالفاعل مصدر الفعل، أو محذوف تقديره تقطع الاتصال بينكم.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ يجعلونه ﴾ ﴿ يبدونها ﴾ و ﴿ يخفون ﴾ بياآت الغيبة: أبو عمرو وابن كثير، الباقون: على الخطاب ﴿ ولينذر ﴾ بياء الغيبة: أبو بكر وحماد.
الباقون: بتاء الخطاب ﴿ بينكم ﴾ بفتح النون: أبو جعفر ونافع وعلي وحفص والمفضل.
الباقون: بالرفع ﴿ وجعل الليل ﴾ على لفظ المضي ونصب الليل عاصم وحمزة وعلي وخلف الباقون ﴿ وجاعل الليل ﴾ على لفظ اسم الفاعل وبالإضافة ﴿ وجنات ﴾ بالرفع: الأعشى والبرجمي الباقون: بالنصب ﴿ فمسستقر ﴾ بكسر القاف: أبو عمرو وابن كثير وسهل ويعقوب.
الباقون: بالفتح ﴿ ثمره ﴾ بضمتين: حمزة وعلي وخلف وكذلك في آخر السورة ويس.
الباقون: بفتحتين ﴿ وخرقوا ﴾ بالتشديد: أبو جعفر ونافع.
الباقون: بالتخفيف.
الوقوف: ﴿ من شيء ﴾ ط ﴿ كثيراً ﴾ ط لمن قرأ ﴿ يجعلونه ﴾ بياء الغيبة.
ومن قرأ بالتاء فوقفه حائز لانتهاء الاستفهام مع اتفاق الخطاب على تقدير وقد علمتم ﴿ آباؤكم ﴾ ط ﴿ قل الله ﴾ ط لأن قوله ذرهم} معطوف على ﴿ قل ﴾ ﴿ يلعبون ﴾ ه ﴿ ومن حولها ﴾ ط ﴿ يحافظون ﴾ ه ﴿ أنزل الله ﴾ ط ﴿ أيديهم ﴾ ج لاتساق الكلام معنى مع تقدير حذف أي يقولون أخرجوا ﴿ أنفسكم ﴾ ط لأن المراد من اليوم يوم القيامة ﴿ تستكبرون ﴾ ه ﴿ ظهوركم ﴾ ج لاتحاد القول.
والوقف أوضح لابتداء النفي وانقطاع النظم ﴿ شركاء ﴾ ط ﴿ تزعمون ﴾ ه ﴿ والنوى ﴾ ط ﴿ من الحي ﴾ ط ﴿ تؤفكون ﴾ ه ﴿ فالق الإصباح ﴾ ج لمن قرأ ﴿ وجعل ﴾ لانقطاع النظم واتصال المعنى على تقدير فلق وجعل، أو وقد جعل وعامل الحال معنى الفعل في فالق ﴿ حسباناً ﴾ ط ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ والبحر ﴾ ط ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ ومستودع ﴾ ط ﴿ يفقهون ﴾ ه ﴿ ماء ﴾ ج للعدول مع اتحاد المقصود ﴿ متراكباً ﴾ ط ومن قرأ ﴿ وجنات ﴾ بالرفع فللعطف على ﴿ قنوان ﴾ لفظاً فيلزمه وقفه على ﴿ دانية ﴾ وإلا فليعطف ويفهم أن ﴿ جنات ﴾ من جملة النخل، ومن خفض فوقفه على ﴿ متراكباً ﴾ جائز للعطف على قوله ﴿ خضراً ﴾ مع وقوع العارض ﴿ وغير متشابه ﴾ ط ﴿ وينعه ﴾ ط ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ بغير علم ﴾ ط ﴿ يصفون ﴾ ه.
التفسير: اعلم أن مدار القرآن على إثبات التوحيد والنبوة والمعاد.
فبعد ذكر دليل التوحيد وإبطال الشرك شرع في تقرير أمر النبوة فقال ﴿ وما قدروا الله حق قدره ﴾ قال ابن عباس: أي ما عظموا الله حق تعظيمه حيث أنكروا النبوة والرسالة.
وقال أيضاً في رواية: ما آمنوا بأن الله على كل شيء قدير.
وقال أبو العالية: ما وصفوه حق صفته.
وقال الأخفش: ما عرفوه حق معرفته أي في اللطف بأوليائه أو في القهر لأعدائه.
وقال الجوهري: قدر الشيء مبلغه وقدرت الشيء أقدره وأقدره قدراً من التقدير أي حرره وعرف مقداره.
ثم بيّن سبب عدم عرفانه بقوله ﴿ إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء ﴾ وإنما كان منكر البعث والرسالة غير عارف بالله ، لأنه إما أن يدعي أنه ما كلف أحداً من الخلائق تكليفاً أصلاً وهو باطل لأنه فتح باب المنكرات والقبائح بأسرها، وإما أن يسلم أنه كلف الخلق بالأوامر والنواهي ولكن لا على ألسنة الرسل وهذا أيضاً جهل.
فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون العقل كافياً في إيجاب الواجبات وحظر المنكرات؟
فالجواب هب أن الأمر كذلك إلا أنه لا يمتنع تأكيد التصريف العقلي بل يجب تفصيل ذلك المجمل بالتعريفات المشروحة على ألسنة الرسل، لأن أكثر العقول قاصرة عن إدراك مدارك الأحكام الشرعية كما أن نور البصر قاصر عن إدراك المبصرات إلا إذا أعين بنور من خارج كنور الشمس أو السراج.
وأيضاً تفويض مصالح العباد إلى مقتضى عقولهم يؤدي إلى التنازع والتشاجر لتصادم الأهواء وتناقض الآراء فلا بد من أن يتفقوا على واحد يصدرون عن رأيه، وتعيين ذلك الواحد من الخلق ترجيح بلا مرجح وإشراف على الضلال لإحتمال الخطأ في اجتهادهم، فلعل الخير في نظرهم يكون شراً في نفس الأمر فلزم أن يكون التعيين من الله بكونه أعرف بالبواطن كقوله ﴿ الله أعلم حيث يجعل رسالته ﴾ وإنما يعرف ذلك المعين بظهور المعجزة على وفق دعواه تصديقاً له، ومن أنكر ذلك ولم يجوّز خرق العادة فقد وصف الله بالعجز ونقصان القدرة.
وقد طعن بعض الملحدة في الآية بأن هؤلاء القائلين إن كانوا كفار قريش أو البراهمة فهم ينكرون رسالة كل الأنبياء كما ينكرون رسالة محمد فكيف يمكن إبطال قولهم بقوله ﴿ قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى ﴾ على أن قوله ﴿ تجعلونه قراطيس ﴾ بتاء الخطاب إنما يليق باليهود وإن كانوا أهل الكتاب فهم لا يقولون ما أنزل الله على بشر من شيء، بل يقرّون بنزول التوراة على موسى والإنجيل على عيسى.
وأيضاً الأكثرون اتفقوا على أن السورة مكية وأنها نزلت دفعة واحدة ومناظرات اليهود مع رسول الله وآله كانت مدنية، فكيف يمكن حمل الآية على تلك المناظرة؟
والجواب أنهم إن كانوا كفار قريش فإنهم كانوا مختلطين باليهود والنصارى وكانوا قد سمعوا من الفريقين على سبيل التواتر ظهور المعجزات على يد موسى كالعصا وفلق البحر وإظلال الجبل وغيرها وكان جارياً مجرى ما يوجب عليهم الاعتراف بنبوة موسى.
وعلى هذا لا يبعد إيراد نبوة موسى إلزاماً لهم في قولهم ﴿ ما أنزل الله على بشر من شيء ﴾ ولما كان كفار قريش مع اليهود والنصارى متشاركين في إنكار نبوة محمد وآله لم يبعد أن يكون الكلام الواحد خطأ بالكفار قريش أوّلاً ولأهل الكتاب آخراً وأما إن كانوا أهل الكتاب - وهو المشهور عند الجمهور - فالوجه ما روي عن ابن عباس أن مالك بن الصيف من أحبار اليهود ورؤسائهم وكان رجلاً سميناً دخل على رسول الله وآله فقال له رسول الله وآله: " أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى هل تجد فيها أن الله يبغض الحبر السمين؟
فأنت الحبر السمين قد سمنت من مالك الذي يطعمك اليهود" .
فضحك القوم فغضب ثم التفت إلى عمر فقال: ما أنزل الله على بشر من شيء.
فقال له قومه: ما هذا الذي بلغنا عنك؟
فقال: إنه أغضبني: ثم إن اليهود لأجل هذا الكلام عزلوه وجعلوا مكانه كعب بن الأشرف.
فلعل مالك بن الصيف لما تأذى من الكلام المذكور طعن في نبوة الرسول وإنه ما أنزل عليه من شيء البتة فأمر بأن يقول في جوابه ﴿ من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى ﴾ أي لما سلمت أن الله أنزل الوحي والتنزيل على بشر وهو موسى فكيف يمكنك أن تقطع بأنه ما أنزل عليّ شيئاً غاية ما في الباب أن تطالبني بالمعجز.
والحاصل أنهم قالوا ذلك مبالغة في إنكار إنزال القرآن على رسول الله فألزموا ما لا بد لهم من الإقرار به من إنزال التوراة على موسى، وأدرج تحت الإلزام توبيخهم بالتحريف وإبداء بعض وإخفاء بعض.
وقيل: اللفظ وإن كان مطلقاً بحسب اللغة إلا أنه مقيد بحسب العرف بتلك الواقعة، فكأنه قال: ما أنزل الله على بشر من شيء في أنه يبغض الحبر السمين، وهذا كما إذا أرادت المرأة أن تخرج من الدار فغضب الزوج وقال: إن خرجت من الدار فأنت طالق، فإن كثيراً من الفقهاء قالوا: التعليق مقيد بتلك المرة حتى لو خرجت مرة أخرى لم تطلق.
ويرد على هذا التوجيه أن قوله ﴿ من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى ﴾ لا يكون مبطلاً لكلام الخصم.
أما قوله "إن السورة مكية والمناظرات مدينة" فأجيب عنه بأن السورة مكية إلا هذه الآية فإنه نزلت بالمدينة في هذه الواقعة والله أعلم.
ومن الأحكام المستنبطة من الآية أن قوله ﴿ وما قدروا الله حق قدره ﴾ يفيد أن عقول الخلق قاصرة عن كنه معرفة الله وإن كانوا مقرين بالنبوة والرسالة لإطلاق قوله في موضع آخر ﴿ وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعاً قبضته ﴾ ومنها أن النكرة في سياق النفي تعم وإلا لم يكن قوله ﴿ من أنزل ﴾ مبطلاً لقوله ﴿ ما أنزل الله على بشر من شيء ﴾ ومنها أن النقض يقدح في صحة الكلام وإلا لم يكن في قوله ﴿ من أنزل ﴾ حجة.
ويعلم منه أن قول من يقول إبداء الفارق بين الصورتين يمنع من كون النقض مبطلاً ضعيف وإلا بطلت حجة الله في هذه الآية، فإن لليهود حينئذ أن تقول: معجزات موسى كانت أظهر وأبهر من معجزاتك فلا يلزم نبوتك.
ومنها أن الغزالي رحمه الله تكلف وقال: حاصل الآية يرجع إلى أن موسى أنزل الله عليه شيئاً، وأحد من البر ما أنزل الله عليه شيئاً فينتج من الشكل الثاني أن موسى ما كان من البشر وهذا خلف محال، وليس هذه الاستحالة بحسب شكل القياس ولا بحسب صحة المقدمة الأولى فلم يبق إلا أنه لزم من فرض صحة المقدمة الثانية وهي قولهم ﴿ ما أنزل الله على بشر من شيء ﴾ فوجب القول بكونها كاذبة فثبت أن دلالة هذه الآية على المطلوب إنما تصح عند الاعتراف بصحة الشكل الثاني، وعند الاعتراف بصحة قياس الخلف.
ثم اعلم أنه وصف كتاب موسى بكونه نوراً وهدى للناس والعطف يقتضي المغايرة.
فالمراد بالنور ظهوره في نفسه.
وبالهدى كونه سبباً لظهور غيره كقوله في وصف القرآن ﴿ ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا ﴾ قال أبو علي الفارسي ﴿ يجعلونه قراطيس ﴾ أي ذات قراطيس أي يودعونه إياها.
فإن قيل: إذا كان جميع الكتب كذلك فلم ذكر في معرض الذم؟
قلنا: لأنهم جعلوه قراطيس مفرقة مبعضة ليتوسلوا بذلك إلى إبداء بعض وإخفاء بعض مما فيه نعت محمد ، أو شيء من الأحكام التي لا توافق هواهم كالرجم وغيره ﴿ وعلمتم ﴾ أيها اليهود على لسان محمد ﴿ ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم ﴾ الأقدمون الذين كانوا أعلم منكم أن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون، وقيل: كانوا يقرؤن الآيات المشتملة على نعت محمد وما كانوا يفقهون معانيها إلى أن بعث الله محمداً، فظهر أن المراد منها هو البشارة بمقدمه، وقيل: الخطاب لمن آمن من قريش كقوله ﴿ لتنذر قوماً ما أنذر آباؤهم ﴾ ﴿ قل الله ﴾ أي أنزله الله فإنهم لا يقدرون على أن ينكروا ذلك فإن العقل السليم والطبع المستقيم يشهد بأن الكتاب الموصوف المؤيد قول صاحبه بالمعجزات الباهرة لا يكون إلا من الله .
ونظره ﴿ قل أي شيء أكبر شهادة قل الله ﴾ والمقصود أنه بلغت هذه الدلالة إلى حيث يجب على كل عاقل أن يعترف بها، فسواء أقر الخصم به أولم يقر فالغرض حاصل.
﴿ ثم ذرهم في خوضهم يلعبون ﴾ يقال لمن كان في عمل لا يجدي عليه إنما أنت لاعب و ﴿ يلعبون ﴾ حال من ﴿ ذرهم ﴾ أو من ﴿ خوضهم ﴾ ويحتمل أن يكون ﴿ في خوضهم ﴾ حالاً من ﴿ يلعبون ﴾ وأن يكون صلة له أو لـ ﴿ ذرهم ﴾ .
والمعنى أنك إذا أقمت الحجة عليهم وبلغت في الأعذار والإنذار هذا المبلغ العظيم فقد قضيت ما عليك كقوله ﴿ إن عليك إلا البلاغ ﴾ قيل: إنها منسوخة بآية السيف وفيه نظر لأنه مذكور لأجل التهديد فلم يكن نزول آية القتال رافعاً لشيء من مدلولات هذه الآية.
ثم لما ذكر حال التوراة أعقبه بذكر القرآن فقال ﴿ وهذا كتاب أنزلناه ﴾ وفائدة هذا الوصف أنه كان من الممكن أن يظن أن محمداً مخصوص من الله بعلوم كثيرة يتمكن بسببها من تركيب القرآن على هذا النسق من الفصاحة، فنفى ذلك الوهم وبين أن الله هو الذي تولى إنزاله بالوحي على لسان جبريل ﴿ مبارك ﴾ كثير خيره دائم نفعه باعث على الخيرات زاجر عن المنكرات لما فيه من أصول العلوم النظرية والعملية.
وقد جرت سنة الله بأن الباحث عنه والمتمسك به يفوز بعز في الدنيا وسعادة في الآخرة وقد جرب فوجد كذلك.
﴿ مصدق الذي بين يديه ﴾ أي موافق لما قبله من الكتب الإلهية.
أما في الأصول فلأنه يمتنع وقوع التفاوت فيها بحسب الأزمنة والأمكنة.
وأما في الفروع فلأنها مشتملة على التبشير بمقدم محمد .
ويحصل منه أن التكاليف الموجودة فيها إنما تبقى إلى وقت ظهوره ثم تصير منسوخة ﴿ ولتنذر ﴾ من قرأ بتاء الخطاب فظاهر، ومن قرأ على الغيبة فلأنه أسند الإنذار إلى الكتاب مجازاً لأنه سبب الإنذار ﴿ إنما أنذركم بالوحي ﴾ وهو معطوف على ما دل عليه سائر الأوصاف كأنه قيل: أنزلناه للبركة ولتصديق ما تقدمه من الكتب وللإنذار، قال ابن عباس: سميت مكة أم القرى لأن الأراضين دحيت من تحتها.
وقال أبو بكر الأصم: لأنها قبلة أهل الدنيا فصارت هي كالأصل وسائر البلاد تبعاً، وأيضاً الناس يجتمعون إليها للحج وللتجارة كما يجتمع الأولاد إلى الأم.
وقيل: لأن الكعبة أول بيت وضع للناس.
وقيل: إن مكة أول بلدة في الأرض ولا بد من تقدير مضاف محذوف أي أهل أم القرى ومن حولها.
قيل: المراد أهل جزيرة العرب فاستدل اليهود بذلك على أنه مبعوث إلى العرب فقط.
وأجيب بأن تخصيص هذه المواضع بالذكر لا يدل على نفي ما عداها لا سيما وقد ثبت بالتواتر أنه كان يدعي أنه رسول إلى العالمين.
ويحتمل أن يقال: ما حوالي مكة يتناول جميع البلاد ﴿ والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به ﴾ أي بهذا الكتاب لأن أصل الدين خوف العاقبة فمن خالفها لم يزل به الخوف حتى يؤمن.
وليس لأحد من الأنبياء مبالغة في تقرير قاعدة البعث والقيامة مثل محمد ، وفيه أن كفار مكة يبعد منهم قبول هذا الدين لأنهم كانوا لا يعتقدون البعث والحشر ﴿ وهم على صلاتهم يحافظون ﴾ يعني أن الإيمان بالآخرة كما أنه يحمل المكلف على الإيمان بالنبي وبالكتاب كذلك يحمله على محافظة الصلوات.
وخص الصلاة بالذكر لأنها عماد الدين وسنام الطاعات كاد المحافظ عليها أن يأتي بأخواتها كلها ويجتنب المنكرات بأسرها.
ثم ذكر ما يدل على وعيد من ادّعى النبوّة وإنزال الكتاب عليه فرية وافتراء فقال ﴿ ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً ﴾ قال المفسرون: نزلت في الكذابين مسيلمة الحنفي والأسود العنسي.
عن النبي "رأيت فيما يرى النائم كأن في يدي سوارين من ذهب فكبرا علي وأهماني.
فأوحى الله إلي أن انفخهما فنفختهما فطارا عني فأوّلتهما الكذابين اللذين أنا بينهما كذاب اليمامة مسيلمة وكذاب صنعاء الأسود العنسي" .
﴿ أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ﴾ كان مسيلمة يقول: محمد وآله رسول الله في بني قريش، وأنا رسول الله في بني حنيفة.
واعلم أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فكل من نسب إلى الله ما هو بريء منه إما في الذات وإما في الصفات وإما في الأفعال كان داخلاً تحت هذا الوعيد ﴿ ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله ﴾ قال المفسرون: هو النضر بن الحرث كان يدعي معارضة القرآن وهو قوله ﴿ لو نشاء لقلنا مثل هذا ﴾ وروي أن عبد الله بن سعد أبي سرح القرشي كان يكتب الوحي لرسول الله ، وكان إذا تلا عليه "سميعاً عليماً" كتب هو "عليماً حكيماً" وإذا قال "عليماً حكيماً" كتب "غفوراً رحيماً" فلما نزل ﴿ ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ﴾ \[المؤمنون: 12\] أملاه الرسول .
فلما وصل إلى قوله ﴿ أنشأناه خلقاً آخر ﴾ عجب عبد الله من تفصيل خلق الإنسان فقال: تبارك الله أحسن الخالقين فقال النبي اكتبها فكذلك نزلت، فشك عبد الله وقال: لئن كان محمد صادقاً لقد أوحي إلي كما أوحي إليه، وإن كان كاذباً لقد قلت كما قال فارتد عن الإسلام ولحق بمكة.
فلما دخل رسول الله مكة فر إلى عثمان - وكان أخاه من الرضاعة - فغيبه عنده حتى اطمأن أهل مكة، ثم أتى به رسول الله فاستأمن له.
ثم فصل ما أجمل من الوعيد فقال ﴿ ولو ترى ﴾ الآية.
وجوابه محذوف أي لرأي يا إنسان أمراً عظيماً ﴿ إذ الظالمون ﴾ يعني الذين ذكرهم من اليهود والمتنبئة.
فاللام للعهد، ويحتمل أن تكون للجنس فيندرج هؤلاء فيه.
وغمرات الموت شدائده وسكراته.
وأصل الغمرة ما يغمر من الماء فاستعيرت للشدة الغالبة ﴿ والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم ﴾ قيل: إنه لا قدرة لهم على إخراج أرواحهم من أجسادهم فما الفائدة في هذا الخطاب؟
وأجيب بوجوه منها: أن المراد ولو ترى الظالمين إذا صاروا إلى غمرات الموت في الآخرة إذا ما دخلوا جهنم، وغمرات الموت عبارة عما يصيبهم هناك من أنواع الشدائد والتعذيبات ﴿ والملائكة باسطوا أيديهم ﴾ بالعذاب يكلمونهم يقولون لهم ﴿ أخرجوا أنفسكم ﴾ من هذا العذاب الشديد إن قدرتم.
ومنها ﴿ ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت ﴾ عند نزول الموت بهم في الدنيا ﴿ والملائكة باسطوا أيديهم ﴾ لقبض أرواحهم يقولون لهم ﴿ أخرجوا أنفسكم ﴾ من هذه الشدائد وخلصوها من هذه الآفات والآلام، ومنها هاتوا أرواحكم وأخرجوها إلينا من أجسادكم وهذه عبارة عن العنف والتشديد في إزهاق الروح من غير تنفيس وإمهال، وأنهم يفعلون بهم فعل الغريم الملازم الملح يبسط يده إلى من عليه الحق ويقول: أخرج إليّ مالي عليك ولا أريم مكاني حتى أنزعه من أحداقك.
ومنها أنه ليس بأمر وإنما هو وعيد وتقريع كقوله القائل: امض الآن لترى ما يحل بك، والتحقيق أن نفس المؤمن حال النزع تنبسط في الخروج إلى لقاء ربه، ونفس الكافر تكره ذلك ويشق عليها الخروج، وقطع التعلق لأنها تصير إلى العذاب وإليه الإشارة في الحديث " من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه" فهؤلاء الكفار يكرههم الملائكة على نزع الروح وعلى فراق المألوف.
وفي الآية دلالة على أن النفس الإنسانية شيء غير هذا الهيكل المحسوس، لأن المخرج يجب أن يكون مغايراً للمخرج منه ﴿ اليوم ﴾ يريد وقت الإماتة أو الوقت الممتد الذي يلحقهم فيه العذاب في البرزخ والقيامة ﴿ تجزون عذاب الهون ﴾ كقولك "رجل سوء" بالإضافة لأن العقاب شرطه أن يكون مضرة مقرونة بالإهانة كما أن الثواب شرطه أن يكون منفعة مقرونة بالتعظيم، والتركيب يدور على قلة المبالاة بالشيء ومنه بالفتح السكينة والوقار، وهان عليه الشيء أي حقر، وأهانه استخف به، والاسم الهون بالضم والهوان والمهانة.
والحاصل أنه جمع لهم بين الأمرين الإيلام والإهانة ﴿ بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون ﴾ يعني أن هذا العذاب الشديد إنما حصل بمجموع الأمرين: الافتراء على الله والتكبر على آيات الله وهو عدم الإيمان بها.
قال الواحدي ﴿ وكنتم عن آياته تستكبرون ﴾ أي لا تصلون له لقوله "من سجد لله سجدة واحدة بنية صادقة فقد برىء من الكبر" ﴿ ولقد جئتمونا ﴾ يحتمل أن يكون معطوفاً على قول الملائكة ﴿ أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون ﴾ ثم الملائكة إما الملائكة الموكلون بقبض أرواحهم، وإما الملائكة الموكلون بعذابهم، ويحتمل أن يكون القائل هو الله إن جوزنا أنه يتكلم مع الكفار ﴿ فرادى ﴾ جمع ينون ولا ينوّن واحده.
قيل: فرد على غير قياس: فردان كسكارى وسكران قاله ابن قتيبة.
وقيل: فريد كرديف وردا في وهم الحداة والأعوان لأنه إذا أعيا أحدهم خلفه الآخر ﴿ كما خلقناكم ﴾ أي على الهيئة التي ولدتم عليها في الانفراد، أو مجيئاً مثل خلقنا لكم.
﴿ أوّل مرة ﴾ والمراد التوبيخ والتقريع لأنهم بذلوا جهدهم وصرفوا كدهم في الدنيا إلى تحصيل أمرين: أحدهما المال والجاه، والثاني أنهم عبدوا الأصنام وجعلوها شركاء لله فيهم فقلبوا القضية وتركوا الحقيقة، وذلك أن النفس الإنسانية إنما تعلقت بالجسد ليكون البدن آلة لها في اكتساب المعارف الحقة والأخلاق الفاضلة، فإذا فارقت البدن ولم يحصل لها هذان المطلبان عظم خسرانها وطال حرمانها فاستحق التوبيخ بقوله ﴿ ولقد جئتمونا فرادى ﴾ أي منفردين عما يجب من الأعمال والعقائد.
ثم إنها مع ذلك اكتسبت أشياء قد علق الرجاء بها لأنه أفنى العمر في تحصيلها وأنها ليست مما يبقى معها فلا جرم استحق التقريع بقوله ﴿ وتركتم ما خوّلناكم ﴾ أي أعطينا وتفضلنا به عليكم ﴿ وراء ظهوركم ﴾ يعني أنها كالشيء الذيي يبقى وراء ظهر الإنسان فلن يمكنه الانتفاع به وربما بقي معوج الرأس بسبب التفاته إليه ﴿ وما نرى معكم شفعاءكم ﴾ أي ليسوا معكم حتى يروا، أو ليسوا معكم بالشفاعة والنصرة كما زعمتم بدليل قوله ﴿ لقد تقطع بينكم ﴾ الآية.
من قرأ بالنصب على الظرف فمعناه وقع التقطع بينكم كقوله ﴿ وتقطعت بهم الأسباب ﴾ يقال: جمع بين الشيئين أي وقع الجمع بينهما على إسناد الفعل إلى مصدره.
وقيل: المراد لقد تقطع وصلكم بينكم كقولهم إذا كان غداً فأتني أي إذا كان الرجاء أو البلاء غداً فأتني فأضمر لدلالة الحال، ومن قرأ بالرفع فلأنه أسند الفعل إلى الظرف اتساعاً كما تقول: قوتل خلفكم وأمامكم، أو لأن المراد بالبين الوصل وإنما حسن استعماله في معنى الوصلة مع أن أصله الافتراق والتباين لأنه يستعمل في الشيئين اللذين بينهما مشاركة ومواصلة من بعض الوجوه كقولهم: بيني وبينه مشاركة وبيني وبينه رحم.
والمعنى لقد تقطع وصلكم.
قلت: ويحتمل أن يكون البين بمعنى الافتراق ويفيد المبالغة كقولهم: جد جده.
فإذن العاقل من يكسب الزاد ليوم المعاد حتى لا يوبخ بقوله ﴿ ولقد جئتمونا فرادى ﴾ ويصرف المال في وجوه التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله حتى لا يخاطب بقوله ﴿ وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم ﴾ بل يكون من زمرة ﴿ وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله ﴾ كيلا تطول حسرته يوم ينقطع بين النفس والجسد وصله.
ثم إنه لما فرغ من تقرير التوحيد والنبوّة والمعاد عاد إلى ذكر الدلائل الدالة على وجود الصانع وكمال قدرته لتعلم أن حال المباحث العقلية والنقلية إنما هو معرفة ذات الله وصفاته وأفعاله فقال ﴿ أن الله فالق الحب والنوى ﴾ أي بالنبات والشجر.
وعن مجاهد أراد الشقين اللذين في الحنطة والنواة، والفلق هو الشق.
وعن ابن عباس والضحاك: الفلق هو الخلق.
ووجه بأن العقل يتصور من العدم ظلمة متصلة لا انفراج فيها ولا انشقاق، فإخراج الشيء من العدم إلى الوجود شق لذلك العدم وفلق بحسب التخيل والتعقل.
واعلم أنه إذا وقعت الحبة والنواة في الأرض الرطبة ثم مر بها قدر من المدة أظهر الله في أعلاها شقاً ومن أسفلها شقاً، أما العالي فيخرج منه الشجرة الصاعدة إلى الهواء، وأما السافل فإنه يخرج منه الشجرة الهابطة في الأرض وهي المسماة بعروق الشجرة، وههنا عجائب منها: أن طبيعة الشجرة إن كانت تقتضي الهويّ في الأرض فكيف تولدت منها الشجرة الصاعدة إلى الهواء وبالعكس.
فاتصال الشجرتين على التبادل ليس بمقتضى الطبع والخاصية بل بمقتضى إرادة الموجد المختار.
ومنها أن باطن الأرض جسم صلب كثيف لا تنفذ فيه المسلة ولا السكين، ثم إنا نشاهد أطراف تلك العروق مع غاية نعومتها تقوى على النفوذ والغوص في جرم الأرض، فحصول هذه القوّة الشديدة للجرم الضعيف ليس إلا بتقدير العزيز العليم.
ومنها أنه يتولد من النواة شجرة ويحصل من الشجرة أغصان وأوراق وأزهار وأثمار، وللثمر قشر أعلى وقشر أسفل وفيه اللب، وفي اللب الدهن الذي هو المقصود الأصلي فتولد هذه الأجرام المختلفة في طبائعها وصفاتها وألوانها وطعومها وأشكالها مع تساوي تأثيرات النجوم والطبائع في المادة الواحدة يدل على وجود الفاعل المختار.
ومنها أنك قد تجد الطبائع الأربع حاصلة في الفاكهة الواحدة، فالأترج قشره حار يابس ولحمه بارد رطب، وحماضه بارد يابس وبزره حار يابس، وكذلك العنب قشره وعجمه بارد يابس وماؤه ولحمه حار رطب.
ومنها أنك تجد أحوال الفواكه مختلفة، فبعضها يكون لبه في الداخل وقشره في الخارج كالجوز واللوز، وبعضها يكون فاكهته المطلوبة في الخارج والخشبة في الداخل كالخوخ والمشمش، وبعضها يكون لنواها لب كالخوخ وقد لا يكون كالتمر، وبعض الفواكه يكون كله مطلوباً كالتين.
فهذه الأحوال المختلفة والأشكال المتخالفة.
تتضمن حكماً وفوائد لا يعلمها إلا مبدعها.
ومنها أنك إذا أخذت ورقة واحدة من أوراق الشجرة وجدت في وسطها خطاً واحدا ًمستقيماً يشبه النخاع في بدن الإنسان ولا يزال يستدق حتى يخرج عن إدراك الحس، ثم ينفصل عن ذلك الخط خطوط دقائق أصغر من الأول، فكأنه أوجد ذلك لتقوى به الجاذبة المركوزة في جرم تلك الورقة على جذب الأجزاء اللطيفة الأرضية في تلك المجاري الضيقة.
فإذا وقفت على عناية الخالق في إيجاد تلك الورقة الواحدة علمت أن عنايته في إيجاد جملة تلك الشجرة أكثر، وعلمت أن عنايته بتخليق الحيوان الذي خلق النبات لأجله يكون أكمل، وكذا عنايته بحال الإنسان الذي خلق لأجله النبات والحيوان ويصير ذلك مرقاة لك إلى وجود الصانع الخبير الحكيم القدير.
ثم بين كونه فالق الحب والنوى بقوله ﴿ يخرج الحي من الميت ﴾ لأن فلق الحب والنوى بالنبات والشجر الناميين من جنس إخراج الحي من الميت، لأن النامي في حكم الحيوان ولهذا قال ﴿ يحيي الأرض بعد موتها ﴾ ثم عطف على قوله ﴿ فالق الحب ﴾ قوله ﴿ ومخرج الميت من الحي ﴾ قال ابن عباس: أخرج من النطفة بشراً حياً ثم يخرج من البشر الحي نطفة، أو يخرج من البيض دجاجة ومن الدجاجة بيضاً، أو يخرج المؤمن من الكافر كما في حق إبراهيم، والكافر من المؤمن كنوح وابنه، أو المطيع من العاصي والعاصي من المطيع، أو العالم من الجاهل والجاهل من العالم، أو الكامل من الناقص والناقص من الكامل، وقد يجعل الضار نافعاً وبالعكس.
يحكى أن إنساناً سقى الأفيون في الشراب ليموت فلما تناوله ظن القوم أنه سموت فرفعوه وجعلوه في بيت مظلم فلدغته حية وصارت تلك اللدغة لقوّة حرارة سم الحية سبباً لدفع ضرر برد الأفيون.
ونقل عن عبد القاهر الجرجاني أن قوله ﴿ ومخرج الميت ﴾ معطوف على قوله ﴿ يخرج ﴾ وإنما حسن عطف الاسم على الفعل ههنا، لأن لفظ الفعل يدل على اعتناء الفعل بذلك الفعل في كل وقت بخلاف لفظ الاسم ولهذا قال ﴿ هل من خالق غير الله يرزقكم ﴾ ليفيد أنه يرزقهم حالاً فحالاً وساعة فساعة إذا ثبت هذا فنقول الحي أشرف من الميت، فذكره بلفظ الفعل فيدل على أن الاعتناء بإخراج الحي من الميت أكثر من العكس ﴿ ذلكم الله ﴾ المدبر الخالق النافع الضار المحيي المميت ﴿ فأنى تؤفكون ﴾ فكيف تصرفون عن عبادته إلى عبادة غيره، أم كيف تستبعدون البعث والنشور لأن الإعادة أهون من الإبداء؟
ثم عدل عن الأحوال الأرضية إلى الاستدلال بما فوقها وهي الأحوال الفلكية فقال ﴿ فالق الإصباح ﴾ وهو مصدر سمي بهالصبح، المراد فالق ظلمة الإصباح وهو الغبش في آخر الليل وكأن الأفق كان بحراً مملوءاً من الظلمة.
ثم إنه شق ذلك البحر المظلم بأن أجرى فيه جدولاً من النور.
فالمعنى فالق ظلمة الإصباح بنور الإصباح، وحسن الحذف للعلم به.
أو المراد فالق الإصباح ببياض النهار وإسفاره ومنه قولهم "انشق عمود الفجر وانصدع الفجر" أو المراد مظهر الإصباح بواسطة فلق الظلمة، فذكر السبب وأراد المسبب، أو الفالق بمعنى الخالق كما مر وقد سلف لنا تقرير الصبح في البقرة في تفسير قوله عز من قائل ﴿ إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار ﴾ ثم إن كون الصبح بسبب وقوع ضوء الشمس على ضلع مخروط ظل الأرض في جانبه الشرقي لا ينافي كون الله فالق الإصباح بالحقيقة، كما أن وجود النهار بسبب طلوع جرم الشمس عن الأفق لا ينافي ذلك، والإمام فخر الدين الرازي أراد أن يبين أن ذلك بقدرة الفاعل المختار فنفى كونه بسبب ضوء الشمس بحجج اخترعها من عنده وكلها خلاف المعقول والمنقول من علم الرياضة فلذلك أسقطناها عن درجة الاعتبار.
النوع الثاني من الدلائل الفلكية الدالة على التوحيد قوله ﴿ وجاعل الليل سكناً ﴾ حجة من قرأ باسم الفاعل أن المعطوف عليه اسم فاعل، وحجة من قرأ بصيغة الفعل أن قوله بعد ذلك ﴿ والشمس والقمر ﴾ منصوبان ولا بد من عامل وما ذلك إلا أن يقدر "جاعل" بمعنى "جعل".
والسكن ما يسكن إليه الرجل ويطمئن إليه من زوج أو حبيب ومنه قيل للنار: سكن كما سموها المؤنسة لأنها يستأنس بها، والليل يطمئن إليه التعب بالنهار لاستراحته فيه وجمامه.
ويحتمل أن يراد: وجعل الليل مسكوناً فيه كما قال ﴿ لتسكنوا فيه ﴾ فالليل والنهار من ضروريات مصالح هذا العالم، فهما نعمتان من الله وآيتان على وحدته وقدرته.
النوع الثالث قوله ﴿ والشمس والقمر حسباناً ﴾ أي سببي حسبان لأن حساب الأوقات يعلم بسيرهما ودورهما.
والحسبان بالضم مصدر حسب بالفتح كما أن الحسبان بالكسر مصدر حسب بالكسر.
وقيل: إنه جمع حساب مثل "شهاب" وشهبان".
قال في الكشاف: الشمس والقمر قرئا بالحركات الثلاث.
فالنصب على إضمار فعل دل عليه ﴿ جاعل الليل ﴾ أو يعطفان على محل الليل لأن اسم الفاعل أريد به ههنا الاستمرار كما تقول: الله عالم قادر.
فلا تقصد زماناً دون زمان فتكون الإضافة غير حقيقة ويكون لليل محل.
قلت: وهذا مناقض لما ذكره في ﴿ مالك يوم الدين ﴾ من أنه يجوز أن يراد به زمان مستمر حتى تكون الإضافة حقيقية، ويصح وقوعه صفة للمعرفة.
وأما وجه الجر فظاهر.
ووجه الرفع كونهما مبتدأين محذوفي الخبر أي والشمس والقمر مجعولان أو محسوبان حسباناً ﴿ وذلك ﴾ الجعل ﴿ تقدير العزيز ﴾ الذي قهرهما ﴿ العليم ﴾ الذي دبرهما.
وذلك أن تقدير أجرام الأفلاك بصفاتها المخصوصة وهيآتها المحدودة وأوضاعها المعينة لا يتم إلا بقدرة شاملة لجميع الممكنات وعلم نافذ في الكليات والجزيئات.
النوع الرابع قوله ﴿ وهو الذي جعل لكم النجوم ﴾ عد ههنا من منافع النجوم كونها سبباً للاهتداء إلى الطرق والمسالك ﴿ في ظلمات البر والبحر ﴾ حيث لا يرون شمساً ولا قمراً.
والتقدير في ظلمات الليل بالبر والبحر فأضافها إليهما لملابستها لهما.
وقيل: المراد ظلمات بر التعطيل وبحر التشبيه فإن اختصاص كل من هذه الكواكب بحال وصفة أخرى مع تشاركها في الجسمية دليل ظاهر على مختار قادر.
وأيضاً اتصافها بالأعضاء والأبعاض والحدود والأحياء مع أنها لا تصلح للإلهية بالاتفاق دليل على تنزيه الله من هذه السمات ولهذا قال ﴿ قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون ﴾ فيستدلون بالمحسوس على المعقول وينتقلون من الشاهد إلى الغائب.
ثم عدل عن الآيات الآفاقية إلى آيات الأنفس فقال ﴿ وهو الذي أنشأكم ﴾ أي خلقكم بطريق النشؤ والنماء ﴿ من نفس واحدة ﴾ هي آدم وحوّاء مخلوقة من ضلع من أضلاعه، وكذا عيسى لأنه من مريم وإن كان يتوسط كلمة "كن" أبو بالنفخ وهي من آدم ﴿ فمستقر ﴾ من قرأ بكسر القاف فالتقدير فمنكم مستقر ﴿ و ﴾ منكم ﴿ مستودع ﴾ الأول اسم فاعل والثاني اسممفعول.
ومن قرأ بفتح القاف فالتقدير: فلكم مستقر ولكم مستودع.
فيكون كلاهما اسمي مكان أو مصدراً.
وذلك أن استقر لازم فلا يجيء منه المفعول به بلا واسطة فينبغي تفسير مستودع أيضاً بما يشاكله استحساناً.
وعن ابن عباس: أن المستودع الصلب والمستقر الرحم لقوله ﴿ ونقر في الأرحام ما نشاء ﴾ ولأن اللبث في الرحم أكثر فيكون لفظ القرار بذلك أنسب بخلاف المستودع فإنه في معرض الاسترداد ساعة فساعة، وهذا شأن المني في الأصلاب فإنه بصدد الإراقة في كل حين وأوان.
وقيل: المستقر صلب الأب والمستودع الرحم، لأن النطفة قد حصلت في صلب الأب أوّلاً واستقرت هناك، ثم حصلت في الرحم على سبيل الوديعة، ولأن هذا الترتيب يناسب تقديم المستقر على المستودع.
وعن الحسن: المستقر حاله بعد الموت لأن سعادته وشقاوته تبقى وتستقر على حالة واحدة والمستودع حاله قبل الموت، لأن الكافر قد ينقلب مؤمناً والفاسق صالحاً والوديعة على شرف الزوال والذهاب.
وقال الأصم: المستقر الذي خلق من النفس الأولى وحصل في الوجود والمستودع الذي لم يخلق بعد وسيخلق.
وعنه أيضاً المستقر من في قرار الدنيا، والمستودع من في القبور إلى يوم البعث.
وعن قتادة بالعكس.
وعن أبي مسلم الأصفهاني: المستقر الذكر لأن النطفة إنما تستقر في صلبه، والمستودع الأنثى لأنها تستودع النطفة.
وحاصل الكلام أن الإنسان خلق من نفس واحدة ثم إنه يتقلب في الأطوار ويتردد في الأحوال، وليس هذا بمقتضى الطبع والخاصية وإلا لتساوى الكل في الأخلاق والأمزجة فذلك إذن بتدبير فاعل قدير مختار خبير.
ولهذا قال ﴿ قد فصلنا الآيات ﴾ ميزنا بعضها عن بعض ﴿ لقوم يفقهون ﴾ لأن الفائدة تعود إليهم وإن كان الإرشاد عاماً، ولأن آيات الأنفس أقرب إلى الاعتبار وأهون لدى الاستبصار ختم هذه الآية بالفقه، وخصص خاتمة الآية الأولى بالعلم ليعلم أن الغافل عن هذه لا فطنة له ولا ذكاء أصلاً فضلاً عن العلم.
ثم عدد ما كونه نعمة أبين فيه من كونه آية فقال ﴿ وهو الذي أنزل من السماء ماء ﴾ قيل: أي من جانب السماء وقيل: أي من السحاب لأن العرب تسمي كل ما فوقك سماء كسماء البيت.
وقال أكثر أهل الظاهر: أي من السماء نفسها لأنه فاعل مختار قادر على خلق الأجسام كيف شاء وأراد.
ونحن قد حكينا في أول سورة البقرة مذهب الحكماء في هذا الباب والله أعلم.
قال ابن عباس: يريد بالماء ههنا المطر، ولا تنزل قطرة من السماء إلا ومعها ملك.
والفلاسفة يحملون ذلك على الطبيعة الحالة فيها الموجبة للنزول إلى مركزها.
﴿ فأخرجنا به ﴾ أي بواسطة ذلك الماء وذلك يوجب الطبع والمتكلمون ينكرونه ﴿ نبات كل شيء ﴾ قال الفراء: أي نبات كل شيء له نبات فيخصص بنبت كل صنف من أصناف النامي ويخرج ما عدا ذلك.
وفي الآية التفاتان: الأول من الحكاية إلى الغيبة حيث لم يقل "نحن الذين أنزلنا" والثاني من الغيبة إلى الحكاية وأنت خبير أن نقل الكلام من أسلوب إلى أسلوب باب من أبواب البلاغة، وصيغة الجمع لأجل التعظيم كما هو ديدن الملوك.
ثم لما بين أن السبب وهو الماء واحد والمسببات صنوف كثيرة فصل ذلك بعض التفصيل حسب ما ذكر في قوله ﴿ إن الله فالق الحب والنوى ﴾ فقال ﴿ فأخرجنا منه ﴾ أي من النبات ﴿ خضراً ﴾ شيئاً أخضر طرياً وهو ما تشعب من أصل النبات الخارج من الحبة.
﴿ نخرج منه ﴾ أي من ذلك الخضر ﴿ حباً متراكباً ﴾ بعضه على بعض.
قال ابن عباس: يريد القمح والشعير والسلت والذرة، فأصل ذلك هو العود الأخضر وتكون السنبلة راكبة عليه من فوقه والحبات متراكبة وفوق السنبلة أجسام دقيقة حادة كالإبر.
والمقصود من تخليقها أن تمنع الطيور من التقاط تلك الحبات المتراكبة.
ولما ذكر ما نبت من الحب أتبعه ذكر ما ينبت من النوى فقال ﴿ ومن النخل ﴾ وهو خبر وقوله ﴿ من طلعها ﴾ بدل منه كأنه قيل: وحاصلة من طلع النخل ﴿ قنوان ﴾ أو الخبر محذوف لدلالة أخرجنا عليه.
والتقدير: ومخرجة من طلع النخل قنوان وهو جمع قنو كصنوان وصنو.
والقنو العذق وهو من التمر بمنزلة العنقود من العنب، والطلع أول ما يبدو من غذق النخلة.
قال ابن عباس: يريد العراجين التي قد تدلت من الطلع دانية من تحتها.
وعنه أيضاً أنه أراد عذوق النخلة اللاصقة بالأرض.
قال الزجاج: ولم يقل ومنها قنوان بعيدة لأن أحد القسمين يغني عن الآخر كما قال ﴿ سرابيل تقيكم الحر ﴾ ويحتمل أن يقال: ترك البعيدة لأن النعمة في القريبة أكمل وأتم.
وقيل: أراد بكونها دانية أنها سهلة المجتنى متعرضة للقاطف كالشيء الداني القريب المتناول، وأن النخلة وإن كانت صغيرة ينالها القاعد فإنها بالثمر لا تنتظر الطول ﴿ وجنات من أعناب ﴾ بالنصب عطفاً على ﴿ خضراً ﴾ أي وأخرجنا به جنات من أعناب.
ومن قرأ بالرفع فعلى أنها مبتدأ محذوف الخبر أي وثم جنات من أعناب، أو وجنات من أعناب مخرجة، ولا يجوز أن يكون عطفاً على قنوان وإن جوّزه في الكشاف، إذا يصير المعنى وحاصلة أو مخرجة من النخل من طلعها جنات حصلت من أعناب.
أما قوله ﴿ والزيتون والرمان ﴾ بالنصب فللعطف على منصوبات قبلها أو للاختصاص لفضل هذين الصنفين.
قال الفراء: أراد شجر الزيتون وشجر الرمان فحذف المضاف.
واعلم أنه قدم الزرع على الأشجار لأنه غذاء وثمار الأشجار فواكه والغذاء مقدم على الفواكه، ثم قدم النخل على سائر الفواكه لأن التمر يقوم مقام الغذاء ولا سيما للعرب.
ومن فضائلها أن الحكماء بينوا أن بينه وبين الحيوانات مشابهات كثرة ولهذا قال "أكرموا عمتكم النخلة فإنها خلقت من بقية طينة آدم" ثم ذكر العنب عقيب النخل لأنه أشرف أنواع الفواكه وأنه ينتفع به من أوّل ظهوره إلى آخر حاله.
فأوّله خيوط دقيقة حامضة الطعم لذيذة وقد يمكن اتخاذ الطبائخ منه، ثم يظهر الحصرم وهو طعام شريف للأصحاء وللمرضى من أصحاب الصفراء، ثم يتم العنب فيؤكل كما هو ويدخر ويتخذ منه الزبيب والدبس والخمر والخل ومنافع كل منها لا تحصى، إلا أن الخمر حرمها الشرع لإسكارها.
وأخس ما في العنب عجمه والأطباء يتخذون منه جوارشنات نافعة للمعدة الضعيفة الرطبة.
ويتلو العنب في المنفعة الزيتون لأنه يمكن تناوله كما هو، وينفصل منه الزيت الذي يعظم غناؤه، وأما الرمان فحاله عجيبة جداً لأنه قشر وشحم وعجم وماء.
والثلاثة الأول باردة يابسة أرضية كثيفة قابضة عفصة، وأما ماء الرمان فبالضد من هذه الصفات وأنه ألذ الأشربة وألطفها وأقربها إلى الاعتدال وأشدها مناسبة للطباع المعتدلة، وفيه تقوية للمزاج الضعيف وهو غذاء من وجه ودواء من وجه، وكأنه جمع فيه بين المتضادين فيكون دلالة القدرة والرحمة والحكمة فيه أكمل وأنواع النبات أكثر من أن يفي بشرحها المجلدات فاكتفى بذكر هذه الأنواع الخمسة تنبيهاً على البواقي.
وأما قوله ﴿ مشتبهاً وغير متشابه ﴾ ففي تفسيره وجوه الأوّل أن هذه الفواكه تكون متشابهة في اللون والشكل مع أنها تكون مختلفة في الطعم واللذّة، فإن الأعناب والرمان قد تكون متشابهة في الصورة واللون والشكل ثم إنها تكون مختلفة في الحلاوة والحموضة وبالعكس.
الثاني أن أكثر الفواكه يكون ما فيها من القشر والعجم متشابهاً في الطعم والخاصية، وأما ما فيها من اللحم والرطوبة فإنها تكون مختلفة، ومنهم من يقول: الأشجار متشابهة والثمار مختلفة.
ومنهم من قال: بعض حبات العنقود متشابهة وبعضها غير متشابه وذلك أنك قد تأخذ العنقود من العنب فترى جميع حباته مدركة نضيجة حلوة طيبة إلا حبات مخصوصة فإنها بقيت على أوّل حالها من الخضرة والحموضة والعفوصة، ومعنى اشتبه وتشابه واحد يقال: اشتبه الشيئان وتشابها كقولك: استويا وتساويا.
وإنما قال ﴿ مشتبهاً ﴾ ولم يقل "مشتبهين" إما اكتفاء بوصف أحدهما، أو على تقدير والزيتون مشتبهاً وغير متشابه والرمان كذلك كقوله: رماني بأمر كنت ووالدي *** بريئا ومن أجل الطويّ رماني ﴿ انظروا إلى ثمره ﴾ من قرأ بفتحتين فلأنه جمع ثمرة مثل: بقر وبقرة، وشجر وشجرة.
ومن قرأ بضمتين فعلى أنه جمع ثمرة أيضاً مثل: خشبة وخسب.
قال ﴿ كأنهم خشب مسندة ﴾ أو على أن ثمرة جمعت على ثمار ثم جمع ثمار على ثمر ﴿ إذا أثمر ﴾ إذا أخرج ثمره ﴿ وينعه ﴾ يقال: ينعت الثمرة ينعاً وينعاً بالفتح والضم إذا أدركت ونضجت.
أمر بالنظر في حال ثمر كل شجرة أوّل حدوثها وفي آخر حالها فإنها قد تكون موصوفة بالخضرة والحموضة ثم تصير إلى السواد والحلاوة، وربما كانت أوّل الأمر باردة بحسب الطبيعة ثم تصير حارة الطبع وقد يخرج ضيئلاً ضعيفاً لا يكاد ينتفع به، ثم يؤول إلى كمال اللذة والمنفعة فحصول هذه الانتقالات والتغيرات لا بد له من سبب مستقل في التأثير سوى الطبائع والفصول والأفلاك والنجوم وما ذاك إلا السبب الأوّل ومبدع الكل، ولهذا ختم الآية بقوله ﴿ إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون ﴾ قال القاضي: المراد لمن يطلب بالإيمان بالله لأنه آية لمن آمن ولمن لم يؤمن، ويحتمل أن يقال: خص المؤمنين لأنهم المنتفعون بذلك دون غيرهم، أو المراد أن هذه الدلالة على قوّتها وظهورها دلالة لمن سبق قضاء الله في حقه بالإيمان وإلا فلا ينتفع به ألبتة ويكون من زمرة من قال في حقهم ﴿ وجعلوا الله شركاء الجن ﴾ قال الكلبي: عن ابن عباس نزلت في الزنادقة قالوا إن الله وإبليس أخوان، فالله خالق الناس والدواب والأنعام، وإبليس خالق الحيات والسباع والعقارب.
قال في التفسير الكبير: هذا مذهب المجوس فإنما قال ابن عباس هذا قول الزنادقة لأن المجوس يلقبون بالزنادقة لأن الكتاب الذي زعم زرادشت أنه نزل عليه من عند الله يسمى بالزند والمنسوب إليه زندي، ثم عرّب فقيل زنديق، ثم جمع فقيل زنادقة، ثم إنهم قالوا كل ما في هذا العالم من الخيرات فهو من يزدان، وجميع ما فيه من الشرور فهو من أهرمن وهو المسمى بإبليس في شرعنا، ثم اختلفوا فالأكثرون منهم على أن أهرمن محدث ولهم في كيفية حدوثه أقوال عجيبة كقولهم إنه فكر في مملكة نفسه واستعظمها ففعل نوعاً من العجب فتولد الشيطان من ذلك العجب، وكقولهم شك في قدرة نفسه فتولد من شكه الشيطان.
والأقلون منهم قالوا إنه قديم أزلي والحاصل أنهم يقولون: عسكر الله هم الملائكة، وعسكر إبليس هم الشياطين والملائكة فيهم كثرة عظيمة وهم أرواح طاهرة مقدسة تلهم الأرواح البشرية الطاعات، والشياطين فيهم أيضاً كثرة عظيمة يلقون الوساوس إلى الأرواح البشرية، والله مع عسكره يحاربون إبليس مع عسكره فلهذا السبب حكى الله عنهم أنهم أثبتوا لله شركاء من الجن بلفظ الجمع وإن كان شريكه عندهم بالحقيقة واحداً وهو أهرمن.
وانتصاب ﴿ الجن ﴾ على أنه بدل أو بيان لشركاء أو على أنه مفعول أول لـ ﴿ جعلوا ﴾ و ﴿ شركاء ﴾ ثانيه ويكون ﴿ لله ﴾ طرفاً لغواً.
وفائدة تقديم المفعول الثاني على هذا القول استعظام أن يتخذ لله شريك كائناً من كان، ملكاً أو جنياً أو إنسياً، ولذلك قدم اسم الله على الشركاء.
وقرىء ﴿ الجن ﴾ بالرفع كأنه قيل: من هم؟
فقيل: الجن.
وبالجر على الإضافة التي للتبيين.
وقيل: إن الآية نزلت في الكفار الذين جعلوا الملائكة بنات الله.
وحسن إطلاق الجن على الملائكة لاستتارهم عن العيون.
ومعنى كونهم شركاء أنها مدبرة لأحوال هذا العالم ومعينة لله إعانة الولد للوالد.
وعن الحسن وطائفة من المفسرين: أن المراد أن الجن دعوا الكفار إلى عبادة الأصنام وإلى القول بالشركة فأطاعوهم كما يطاع الله.
أما قوله ﴿ وخلقهم ﴾ فإشارة إلى الدليل القاطع على إبطال الشريك.
والضمير فيه إما أن يعود إلى الجن أو إلى الجاعلين فإن عاد إلى الجن فإن قلنا إن الآية نزلت في المجوس فتقريره أن الأكثرين منهم معترفون بأن إبليس محدث ولو لم يعترفوا بذلك والبرهان العقلي قائم على أن ما سوى الحق الواحد ممكن لذاته، وكل ممكن لذاته فهو محدث، فنقول حينئذ، كل محدث مخلوق وله خالق وما ذاك إلا الله ، وحينئذ يلزمهم نقض قولهم لأنه ثبت أن إله الخير قد فعل أعظم الشرور وهو خلق إبليس الذي هو مادة كل شر.
وإن قلنا.
إنها نزلت في كفار العرب القائلين الملائكة بنات الله، فظاهر لأنهم يسلمون أن الملائكة مخلوقون وأنهم تولدوا منه تولد الولد من الوالد.
وإن عاد الضمير إلى الجاعلين فالمعنى.
وعلموا أن الله خلقهم دون الجن كقوله ﴿ ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله ﴾ ولم يمنعهم علمهم أن يتّخذوا من لا يخلق شريكاً للخالق.
والجملة في موضع الحال أي وقد خلقهم.
وقرىء ﴿ وخلقهم ﴾ بسكون اللام أي اختلاقهم للإفك يعني جعلوا لله خلقهم حيث نسبوا قبائحهم إلى الله في قولهم ﴿ والله أمرنا بها ﴾ ثم حكي عن قوم آخرين نوعاً آخر من الإشراك فقال ﴿ وخرقوا له بنين وبنات ﴾ وذلك قول أهل الكتابين في المسيح وعزير، وقول قريش في الملائكة، ومن هنا يعلم ضعف قول من قال ﴿ وجعلوا لله شركاء الجن ﴾ نزل في كفار قريش لأنه لزم التكرار من غير فائدة ظاهرة، يقال: خرق الإفك وخلقه واخترقه واختلقه بمعنى.
قال الحسن: كلمة عربية كان الرجل، إذا كذب كذبة في نادي القوم يقول له بعضهم: قد خرقها والله أعلم.
ويجوز أن يكون من خرق الثوب إذا شقه أي اشتقوا له بنين وبنات.
أما قوله ﴿ بغير علم ﴾ فكالتنبيه على إبطال قولهم، فإن من عرف الإله حق معرفته استحال أن يثبت له ولداً لأن ذلك الولد إن كان واجب الوجود لذاته كان مستقلاً بنفسه قائماً بذاته لا تعلق له في وجوده بالآخرة تعلق الفرعية، وإن كان ممكن الوجود لذاته كان موجوداً بإيجاد الواجب وكان عبداً له لا ولداً.
وأيضاً الولد إنما يحتاج إليه ليقوم مقام الوالد بعد فنائه ومن تقدس عن الفناء لم يحتج إلى الولد.
وأيضاً الولد جزء من أجزاء الوالد ومن لم يكن مركباً استحال أن ينفصل منه جزء يتولد منه الولد.
ثم نزه نفسه عما لا يليق به فقال { } وهذا على لسان المسبحين ﴿ وتعالى عما يصفون ﴾ وهذا له في نفسه سواء سبحه مسبح أم لا.
والمراد بالتعالي العو بالشرف والرفعة بدليل قوله عما يصفون.
التأويل: ﴿ وما قدروا الله حق قدره ﴾ حين أنكروا إنزال الكتب والبعثة على أنهم لو اعترفوا بذلك أيضاً لم يعرفوه حق معرفته لأن المحاط لا يحيط بالمحيط.
نعم تزداد معرفته بازدياد معرفة أوصافه ﴿ تجعلونه قراطيس ﴾ أي في القراطيس، وما يجعلونه في قلوبهم بالتخلق بأخلاقه ﴿ وعلمتم ﴾ بتعليم محمد ﴿ ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم ﴾ كقوله ﴿ ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون ﴾ ومن الحكمة ما هو سره الذي يكون تعليمه بسر المتابعة سراً بسر وإضماراً بإضمار، والذي علم النبي هو الله وعلى الخواص بأن يهديهم إلى ربهم، وعلى خواص الخواص بأن يوصلهم إلى ربهم ويخلقهم بأخلاقه، وفي كتاب المحبوب شفاء لما في القلوب ﴿ مصدق الذي بين يديه ﴾ لأنه يصدق حقائق جميع ما في الكتب ﴿ ولتنذر أم القرى ﴾ وهي الذرة المودعة في القلب التي هي المخاطب في الميثاق وقد دحيت جميع أرض القلب من تحتها ﴿ ومن حولها ﴾ من الجوارح والأعضاء والسمع والبصر والفؤاد والصفات والأخلاق بأن يتنوّروا بأنواره وينتفعوا بأسراره ويتخلقوا بأخلاقه.
﴿ والذين يؤمنون بالآخرة ﴾ فيستعملون الأدوات والآلات في أمور الدنيا والآخرة لا في الدنيا الفانية وشهوات النفس وهواها ﴿ يؤمنون ﴾ بالقرآن ﴿ وهم على صلاتهم ﴾ بالترقي في صفاتهم إلى التخلق بأخلاق القرآن يداومون، فإن الصلاة معراج المؤمن ﴿ ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً ﴾ بإظهار المواجد والحالات رياء ومراء من غير أن يكون له منها نصيب، ﴿ أو قال أوحي إليّ ﴾ الإشارات ولم يلهم نفسه شيئاً منها، ومن قال متشدّقاً متفيهقاً سأتكلم بمثل كلام الله من الحقائق والأسرار فتظهر مضرة ظلمة وافترائه عند سكرات الموت، وانقطاع تعلق الروح عن البدن، وإخراج النفس عن القالب كرهاً لتعلقها بالشهوات واللذات وطلب الرياسات، ويكون شدة النزع والهوان بحسب التعلقات ﴿ ولقد جئتمونا فرادى ﴾ عن الدنيا وما يتعلق بها، أو فرادى عن تعلقات الكونين ﴿ كما خلقناكم أوّل مرة ﴾ في أوّل خلقة الروح قبل تعلقه بالقالب.
﴿ وتركتم ﴾ بالتجريد عن الدنيا وبالتفريد عن الدنيا والآخرة ﴿ ما خولناكم ﴾ من تعلق الكونين ﴿ وراء ظهوركم وما نرى معكم ﴾ الأعمال والأحوال التي ظننتم أنها توصلكم إلى الله ﴿ لقد تقطع بينكم ﴾ وبينها عند انتهاء سيركم كما انتهى سير جبريل عند سدرة المنتهى، وحينئذ لا يصل إلى الوحدة إلا بجذبة ﴿ ارجعي إلى ربك ﴾ ولو لم تدركه الجذبة المسندة إلى العناية لانقطع عن السير في الله بالله ونفى السدرة وهو يقول ﴿ وما منا إلا له مقام معلوم ﴾ ﴿ إن الله فالق ﴾ حبة الذرة التي أخذ منها الميثاق المودعة في حبة القلب عن نبات المحبة، وفالق النوى ذكر لا إله إلا الله في أرض القلب عن شجرة الإيمان، كلمة طيبة كشجرة طيبة يخرج نبات المحبة التي هي من صفات الحي القيوم من الذرة الميتة الإنسانية، ومخرج الأفعال الطبيعية التي هي من صفات الكفار الموتى من المؤمن الحق في الدارين.
وأيضاً يخرج نخل الإيمان الحق من نوى الحروف الميتة في كلمة لا إله إلا الله، ومخرج ميت النفاق من الكلمة الحية وهي لا إله إلا الله ﴿ فالق الإصباح ﴾ فالق ظلمة الجمادية بصباح العقل والحياة والرشاد، وفالق ظلمة الجهالة بصباح الفهم والإدراك، وفالق ظلمات العالم الجسماني بتخليص النفس القدسية إلى صحبة عالم الأفلاك، وفالق ظلمات الاشتغال بعالم الممكنات بصباح نور الاستغراق في معرفة مدبر المحدثات والمبدعات.
وبالجملة فالق أنوار الروح عن ظلمة ليل البشرية، وجاعل ليل البشرية ستراً عن ضياء شمس الروح ليسكن فيه النفس الحيوانية والأوصاف البشرية ﴿ والشمس والقمر حسباناً ﴾ يعني تجلي شمس الروحانية وطلوع قمر القلب بالحساب لئلا يفسد أمر القلب والقالب.
وأيضاً تجلي شمس الربوبية وطلوع قمر الروحانية لليل البشرية بالحساب لئلا يفسد أمر الدين والدنيا على العبد بالتفريط والإفراط، فإن إفراط طلوع شموس المعارف والشهود آفة "أنا الحق وسبحاني" وفي تفريطه آفة أنا ربكم الأعلى وعبادة الهوى.
﴿ ذلك تقدير العزيز ﴾ الذي لا يهتدى إليه إلا به ﴿ العليم ﴾ بمن يستحق الاهتداء إليه ﴿ وهو الذي جعل لكم النجوم ﴾ نجوم أنوار الغيوب في سموات القلوب ﴿ لتهتدوا بها في ظلمات ﴾ بر البشرية وبحر الروحانية إلى عالم الربوبية.
﴿ وهو الذي أنشأ ﴾ أرواحكم من روح واحد هو روح محمد "أول ما خلق الله روحي كما خلق أجسادكم من جسد واحد هو جسد آدم أبي البشر" فمن الأرواح ما تعلق بالأجساد واستقر وما هو بعد مستودع في عالم الأرواح.
وأيضاً من الأرواح ما هو مستقر فيه نور صفة الإيمان وما هو مستودع فيه جذبات الحق، ومنها ما هو مستقر في أنانيته مع علو رتبته بالبقاء وما هو مستودع أنانيته بالفناء، وما هو مستقر ببقاء الحق باق وما هو مستودع في بقاء البقاء عن الفناء ﴿ قد فصلنا ﴾ دلالات الوصول في الوصال ﴿ لقوم يفقهون ﴾ إشارات القلوب ﴿ وهو الذي أنزل ﴾ من سماء العناية ﴿ ماء ﴾ الهداية ﴿ فأخرجنا به نبات كل شيء ﴾ من أنواع المعارف ﴿ فأخرجنا منه خضراً ﴾ طرياً من المعاني والأسرار ﴿ يخرج به ﴾ من الحقائق ما تركب بعضها فترتب بعضها على بعض ﴿ ومن النخل ﴾ يعني أصحاب الولايات من طلعها} من ثمرات ولايتهم ما هو متدان للطالبين أي منهم من يكون مريئاً فينتفع بثمرات ولايته، ومنهم من يختار العزلة والانقطاع عن المريدين.
﴿ وجنات ﴾ يريد أرباب الزهد والتقوى والفتوّة الذين لم يبلغوا رتبة الولاية من أعناب الاجتهاد وزيتون الأصول ورمان الفروع ﴿ مشتبهاً ﴾ أي متفقاً في الأصول والفروع ﴿ وغير متشابه ﴾ أي مختلفاً فيما بين العلماء ﴿ انظروا ﴾ إلى ثمر الولايات كيف ينتفع به الخواص والعوام ﴿ وينعه ﴾ أي الكامل منها.
﴿ إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون ﴾ بأحوالهم وينتفعون بأموالهم وأحوالهم.
﴿ وجعلوا لله ﴾ إشارة إلى أنه كما يخرج بماء اللطف من أرض القلوب لأربابها أنواع الكمالات كذلك يخرج بماء القهر من أرض النفوس لأصحابها أنواع الضلالات.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ﴾ : قيل: نزلت سورة الأنعام في محاجة أهل الشرك إلا آيات نزلت في محاجة أهل الكتاب، إحداها هذه: ﴿ وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ...
﴾ الآية، وذكر في موضع آخر: ﴿ مَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ﴾ ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾ وقال في آية أخرى: ﴿ وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ﴾ ﴿ وَٱلأَرْضُ جَمِيعـاً...
﴾ الآية.
ثم قال بعض أهل التأويل: ما عرفوا الله حق معرفته.
وقال غيرهم: ما عظموا الله حق عظمته؛ ذكروا أن هؤلاء لم يعظموا الله حق عظمته، ولا عرفوه حق معرفته، ومن يقدر أن يعظم الله حق عظمته، أو أن يعرفه حق معرفته، أو من يقدر أن يعبد الله حق عبادته؟!
وكذلك روي في الخبر: "أن الملائكة يقولون يوم القيامة: يا ربنا ما عبدناك حق عبادتك" ، مع ما أخبر عنهم أنهم: ﴿ لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾ ، وقال: ﴿ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ ﴾ ، فهم مع هذا كله يقولون: "ما عبدناك حق عبادتك"، ومن يقدر أن يعرفه حق معرفته، أو يعظمه حق عظمته؟!
ولكن تأويله - والله أعلم - أي: ما عرفوا الله حق المعرفة التي تعرف بالاستدلال، ولا عظموه حق عظمته التي تعظم بالاستدلال، هذا تأويلهم، وإلا لا أحد [يقدر أن] يعرف الله حق معرفته، ولا يعظمه حق عظمته حقيقة.
وهو يخرج على وجهين: أحدهما: ما قدروا الله حق قدره، ولا اتقوه حق تقواه مما كلفوا به وأطاقوه ومما جرى الأمر بذلك، وإنما تجري الكلفة منه على قدر الطاقة والوسع، وإلا لا يقدر أحد أن يعظم ربه حق عظمته ولا يتقيه حق تقواه، لكن ما ذكرنا مما جرت [به] الكلفة.
والثاني: ما قدروا الله حق قدره ولا حق تقاته على القدر الذي يعملون لأنفسهم، أي: لو اجتهدوا في تقواه وعظمته القدر الذي لو كان ذلك العمل لهم فيجتهدون، ويبلغ جهدهم في [ذلك] ذلك فقد اتقوا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ قَالُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ ﴾ .
لو كان هؤلاء في الحقيقة أهل الكتاب ما أنكروا الرسل ولا الكتب؛ لأن أهل الكتاب يؤمنون ببعض الرسل وببعض الكتب، وإن كانوا يكفرون ببعض، لكن هؤلاء أنكروا الرسل لما كانوا أهل نفاق، ويكون من اليهود أهل نفاق، كما يكون من أهل الإسلام، كانوا يظهرون الموافقة لهم، ويضمرون الخلاف لهم والموالاة لأهل الشرك، ويظاهرون عليهم؛ كما كان يفعل ذلك منافقو أهل الإسلام؛ كانوا يظهرون الموافقة لرسول الله ويضمرون الخلاف له، ويظاهرون المشركين عليه، فأطلع الله رسوله على نفاقهم؛ ليعلم قومهم خلافهم، وأن ما كان من تحريف الأحكام وتغيرها وكتمان نعت محمد وصفته إنما كان من هؤلاء.
وذكر في بعض القصة "أنها نزلت في شأن مالك بن الصيف، وكان من أحبار اليهود، وكان سمينا فدخل على رسول الله يوماً فقال له رسول الله : هل تجد في التوراة أن الله يبغض كل حبر سمين؟
قال: نعم، فقال له النبي : فأنت حبر سمين يبغضك الله، فغضب فقال: ما أنزل الله على بشر من شيء أنكر الرسل والكتب جميعاً، فأكذبه الله ، وأظهر نفاقه عند قومه" ، فقال: ﴿ قُلْ مَنْ أَنزَلَ ٱلْكِتَٰبَ ٱلَّذِي جَآءَ بِهِ مُوسَىٰ نُوراً وَهُدًى لِّلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً ﴾ ، قيل: تجعلونه قراطيس، يعني: صحفاً، أي: كتبتموه في الصحف، ثم تنكرون أنه ما أنزل الله على بشر من شيء، أي: ما الذي كنتم كتبتموه إن لم ينزل الله على بشر من شيء ﴿ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً ﴾ ، يقول: تظهرون من الصحف ما ليس فيه صفة رسول الله ونعته وتخفون ما فيه صفته ونعته وتغيرون.
وقيل: ﴿ تُبْدُونَهَا ﴾ أي: تظهرون قراءتها ﴿ وَتُخْفُونَ كَثِيراً ﴾ مما فيه نعته أو: ما فيه من الأحكام التي لا تطيب بها أنفسهم من أمر الرجم والقصاص وغير ذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ مَنْ أَنزَلَ ٱلْكِتَٰبَ ٱلَّذِي جَآءَ بِهِ مُوسَىٰ نُوراً وَهُدًى لِّلنَّاسِ ﴾ ، سمى عز وجل جميع كتبه نوراً وهدى، وهو نور من الظلمات، أي: يرفع الشبهات، ويجليها، وهدى من الضلالات، أي: بياناً ودليلا من الحيرة والهلاك، وبالله العصمة والنجاة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَعُلِّمْتُمْ مَّا لَمْ تَعْلَمُوۤاْ أَنتُمْ وَلاَ ءَابَآؤُكُمْ ﴾ قال مجاهد: نزلت الآية في المسلمين؛ يقول: عُلِّمُوا ما لم يَعْلَمُوا ولا آباؤهم.
وقال الحسن: الآية في الكفرة، أي: علمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم من تحريف أولئك الكتاب وتغييرهم إياه.
وقيل: وعلمتم ما في التوراة ما لم تعلموا أنتم، ولم يعلمه آباؤكم.
ثم قال: ﴿ ثُمَّ ذَرْهُمْ ﴾ : قال بعضهم: قوله: ﴿ قُلِ ٱللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ ﴾ هو صلة قوله: ﴿ قُلْ مَنْ أَنزَلَ ٱلْكِتَٰبَ ٱلَّذِي جَآءَ بِهِ مُوسَىٰ نُوراً ﴾ \[قل\] يا محمد الله أنزله على موسى.
وقيل: [صلة قوله: ﴿ قُلْ مَنْ أَنزَلَ ٱلْكِتَٰبَ ٱلَّذِي جَآءَ بِهِ مُوسَىٰ نُوراً ﴾ ] [قل يا محمد الله: ﴿ وَعُلِّمْتُمْ مَّا لَمْ تَعْلَمُوۤاْ أَنتُمْ وَلاَ ءَابَآؤُكُمْ ﴾ ]، قال: قل يا محمد الله علمكم.
ويحتمل أن يكون - عز وجل - سخرهم حتى قالوا ذلك، فكان ذلك حجة عليهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ ﴾ .
هذا يحتمل وجهين: [الأول] يحتمل: ذرهم ولا تكافئهم بصنيعهم؛ كقوله: ﴿ فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱصْفَحْ ﴾ .
الثاني: أنه قد أقام عليهم الحجج وظهرت عندهم البراهين، لكنهم كابروا وعاندوا، فأمره أن يذرهم لا يقيم عليهم الآيات والحجج بعد ذلك، ولكن يدعوهم إلى التوحيد لا يذر دعاءهم إلى التوحيد، ولكن يذرهم ولا يقيم عليهم الحجج.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فِي خَوْضِهِمْ ﴾ ؛ أي: في باطلهم وتكذيبهم يعمهون.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهَـٰذَا كِتَٰبٌ أَنزَلْنَٰهُ مُبَارَكٌ ﴾ .
قيل: القرآن أنزلناه مباركاً؛ سماه مرة: مباركاً، ومرة نورا، ومرة هدى ورحمة، ومرة شفاء، ومجيداً وكريماً وحكيماً، وليس يوصف هو في الحقيقة بنور، ولا مبارك، ولا رحمة، ولا هدى، ولا شفاء، ولا مجيد، ولا كريم ولا حكيم؛ لأنه صفة ولا يكون للصفة صفة توصف بها، ولو كان هو في الحقيقة نوراً، ورحمة، وهدى أو ما ذكر [لكان يكون لكل واحد نوراً وما ذكر]، فلما ذكر أنه عمى على بعض، وأخبر أنه يزداد بذلك رجساً إلى رجسهم دل أنه ليس هو في الحقيقة كذلك؛ لأنه لو كان كذلك لكان لكل أحد، لكن سماه بهذه الأسماء: سماه نوراً لما يصير نوراً للمسترشدين، ويصير شفاء ورحمة للمتبعين ليشفوا [من] الداء الذي يحل في الدين.
وسماه روحا لما يحيي به الدين.
وسماه حكيماً لما يصير من عرف بواطنه واتبعه حكيماً.
وكذلك سماه مجيداً كريماً لما يدعو الخلق إلى المجد والكرم، فمن اتبعه تخلق بأخلاق حميدة؛ فيصير مجيداً كريماً.
وسماه مباركاً لما به ينال كل بركة، [والبركة اسم لشيئين: اسم كل بر وخير والثاني:] اسم لكل ما [يثمر وينمو] في الحادث، فمن اتبعه نال به كل بر وخير وكل ثمرة ونماء في الحادث؛ هذا وجه الوصف بما ذكرنا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مُّصَدِّقُ ٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ .
من الكتب؛ لأنه كان يدعو الخلق إلى ما كان يدعو سائر الكتب التي أنزلها على الرسل، من توحيد الله والنهي عن إشراك غيره في الألوهية والربوبية، ويدعو إلى كل عدل وإحسان، وينهى عن كل فاحشة ومنكر؛ وكذلك سائر الكتب دعت الخلق إلى ما دعا هذا، لم يخالف بعضهم بعضا، [بل كانت موافقة بعضها] لبعض؛ لذلك قال: ﴿ مُّصَدِّقُ ٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ ، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا ﴾ .
قيل: أم القرى: مكة، وسميت أم القرى لوجهين: أحدهما: لأنها متقدمة، ومنها: دحيت الأرض على ما ذكر أهل التأويل.
والثاني: سميت: أم القرى؛ لأنها مقصد الخلق في الحج، وفيها تقضى المناسك، وإليها يقصدون ويأمون، وإليها يتوجهون في الصلوات، وهي مقصد أهل القرى.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ ﴾ أي: أهل أم القرى.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلأَخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ .
فإن قيل: أخبر أن من آمن بالبعث يؤمن بهذا الكتاب، وأهل الكتاب يؤمنون بالبعث ولا يؤمنون به، فما معناه؟
قيل: يحتمل هذا وجوهاً: أحدها: أن يكون هذا في قوم مخصوصين إذا آمنوا بالبعث آمنوا به؛ كقوله: ﴿ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤمِنُونَ ﴾ ، هذا في قوم مخصوصين؛ لأنه قد آمن كثير منهم بالإنذار؛ فعلى ذلك الأول.
والثاني: قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلأَخِرَةِ ﴾ بالعلم والحجج آمنوا بالقرآن؛ لأن القرآن جاء في تأييد حجج البعث وتأكيده، فلا يجوز أن يؤمنوا بما يؤيده القرآن ولا يؤمنوا بالقرآن.
والثالث: يحتمل أن يكون إخبارا عن أوائلهم: أنهم كانوا مؤمنين بالبعث بالآيات والحجج راغبين فيه، فلما جاء آمنوا به.
وأمكن أن تكون الآية في المؤمنين، أخبر أنهم آمنوا بالآخرة وآمنوا بالقرآن؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ وَهُمْ عَلَىٰ صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ ﴾ .
ويحتمل [أن] الذين يؤمنون بالآخرة يحق لهم أن يؤمنوا بالقرآن؛ لأنه به يتزود للآخرة.
ويحتمل [غير] ما ذكرنا من الوجوه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً ﴾ .
هذا في الظاهر استفهام وسؤال لم يذكر له جواب، لكن أهل التأويل فسروا فقالوا: لا أحد أظلم ممن افترى على الله كذبا، وهذا جواب له [ليس] هو تفسيره، لكن ترك ذكر الجواب لمعرفة أهل الخطاب [به]، وقد يترك الجواب لمعرفة أهله به.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ ﴾ : أكثرهم قد ظلموا أو كلهم قد ظلموا؛ لكن كأنه قال: لا أحد أفحش ظلماً ممن افترى على الله؛ لأنه يتقلب في نعم الله في ليله ونهاره وأحيانه، فهو أفحش ظلماً وأوحش كذباً.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ ﴾ .
في الآية دلالة أن نافي الرسالة عمن له الرسالة في الافتراء على الله الكذب؛ كمدعي الرسالة لنفسه وليست له الرسالة، سواء، كلاهما مفتر على الله كذبا؛ وكذلك من ادعى أنه ينزل مثل ما أنزل الله، أو من ادعى أنه لم ينزل الله شيئاً، فهو في الافتراء على الله كالذي ادعى أنه ينزل مثل ما أنزل الله النافي والمدعي في ذلك سواء شرعا؛ فعلى ذلك يكون نافي الشيء ومثبته في إقامة الحجة والدليل سواء، والله أعلم.
وذكر أهل التأويل أن قوله: ﴿ أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ ﴾ نزل في مسيلمة الكذاب، ونزل قوله: ﴿ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَآ أَنَزلَ ٱللَّهُ ﴾ في عبد الله بن سعد بن أبي سرح، لكن ليس لنا إلى معرفة هذا حاجة؛ هم وغيرهم ومن ادعى وافترى على الله كذباً سواء في الوعيد.
وقوله: ﴿ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَآ أَنَزلَ ٱللَّهُ ﴾ .
ادعى بعضهم أنهم يقولون مثل ما قال الله إنكارا منهم له؛ كقوله : ﴿ وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَـٰذَا ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ تَرَىۤ إِذِ ٱلظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ ٱلْمَوْتِ وَٱلْمَلاۤئِكَةُ بَاسِطُوۤاْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوۤاْ أَنْفُسَكُمُ ﴾ .
عن ابن عباس - - قال: قوله: ﴿ فِي غَمَرَاتِ ٱلْمَوْتِ ﴾ : نزعات الموت وسكراته وغشيانه ﴿ وَٱلْمَلاۤئِكَةُ بَاسِطُوۤاْ أَيْدِيهِمْ ﴾ : يقول ملك الموت وأعوانه الذين معه من [ملائكة الرحمة و] ملائكة العذاب، ﴿ بَاسِطُوۤاْ أَيْدِيهِمْ ﴾ : يقول: ضاربون بأيديهم أنفسهم يقولون لها: اخرجي، يعني الأرواح، وهو قوله: ﴿ أَخْرِجُوۤاْ أَنْفُسَكُمُ ﴾ وهو عند الموت؛ وكذلك يقول قتادة.
وقال الحسن: ذلك في النار في الآخرة ضرب الوجوه والأدبار.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فِي غَمَرَاتِ ٱلْمَوْتِ ﴾ ، أي: كثرة العذاب وشدته؛ يقال للشيء الكثير: الغمر؛ وهو كقوله: ﴿ وَيَأْتِيهِ ٱلْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ ﴾ أي: أسباب الموت، ولو كان هناك موت يموت لشدة العذاب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ بَاسِطُوۤاْ أَيْدِيهِمْ ﴾ : بضرب الوجوه والأدبار، ﴿ أَخْرِجُوۤاْ أَنْفُسَكُمُ ﴾ : على حقيقة الخروج منها؛ كقوله: ﴿ يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ ٱلنَّارِ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنْهَا ﴾ ، والأول ليس على حقيقة الخروج، ولكن كما يقال عند نزول الشدائد: أخرج نفسك.
وقال مجاهد: هذا في القتال تضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم، يعني: الأستاه، ولكنه يكون - وهو كقول ابن عباس وقتادة -: عند الموت.
قال أبو عوسجة: غمرات الموت: سكراته وشدائده، والغمر: هو الماء الكثير، والغمر: العداوة، والغمر: الذي لم يجرب الأمور، والغمر: الدسم، والغُمر: القدح الصغير من الخشب، وغمرة الحرب: وسطها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ ٱلْهُونِ ﴾ : قيل: عذاب الهون لا رأفة فيه ولا رحمة، أي: الشديد ﴿ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ ﴾ ، بأن معه شريكاً وآلهة، ﴿ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ ﴾ ، أنه لم ينزل شيئاً ولم يوح إليه شيء، وإنما يوحي إليّ، وغير ذلك من الافتراء الذي ذكروا، وبالله العصمة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَٰدَىٰ كَمَا خَلَقْنَٰكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ .
يحتمل هذا - والله أعلم - وجوهاً: [الأول]: أي: أعدناكم وبعثناكم فرادى بلا معين ولا ناصر؛ كما خلقناكم أول مرة بلا معين ولا ناصر.
والثاني: أعيدكم وأبعثكم فرادى بلا أعوان لكم ولا شفعاء يشفعون لكم يعين بعضكم بعضا؛ كما خلقناكم في الابتداء فرادى، لم يكن لكم شفعاء ولا أعوان.
وقيل: يبعثكم ويعيدكم بلا مال ولا شيء من الدنياوية؛ كما خلقكم في الابتداء، ولم يكن لكم مال ولا شيء من الدنياوية.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَٰدَىٰ ﴾ ليس معكم ما تفتخرون به من الخدم والأموال والقرابات التي افتخرتم [بها] في الدنيا؛ [وليس معكم ما تفتخرون به] كما خلقناكم أول مرة.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ كَمَا خَلَقْنَٰكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ منفصلا [عن] قوله: ﴿ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا ﴾ ، لكن جواب سؤال: أن كيف يبعثون؟
فقال: أي تبعثون كما خلقناكم أول مرة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتَرَكْتُمْ مَّا خَوَّلْنَٰكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ ﴾ \[يحتمل وجهين\]: يحتمل تركتموه وراء ظهوركم لا تلتفتون إليه ولا تنظرون؛ كالمنبوذ وراء ظهوركم، إنما نظرتم إلى أعمالكم التي قدمتموها.
والثاني: لم تقدموا ما خولناكم، ولم تنتفعوا منه، بل تركتموه وراء ظهوركم لا تنتفعون به، إنما منفعتكم ما قدمتموه وأنفقتم منه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ خَوَّلْنَٰكُمْ ﴾ .
قيل: أعطيناكم.
وقيل: رزقناكم.
وقيل: مكناكم؛ وهو واحد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا نَرَىٰ مَعَكُمْ شُفَعَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَآءُ ﴾ .
أنهم كانوا يجعلون لله شركاء في عبادته وألوهيته، ويقولون: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ ﴾ و: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ ﴾ ، يقول الله: وما نرى [معكم شفعاءكم] الذين زعمتم أنهم شركاء لله في عبادتكم، وزعمتم أنهم شفعاؤكم عند الله بل شُغِلُوا هُم بأنفسهم؛ يخبر عن سفههم وقلة نظرهم فيهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ ﴾ : قرئ بالرفع والنصب جميعاً.
فمن قرأ بالرفع يقول: لقد تقطع تواصلكم.
ومن قرأ بالنصب يقول: لقد تقطع ما كان بينكم من الوصل.
يخبر عز وجل عن قطع ما كان بينهم من التواصل، وتعاون بعضهم بعضا في هذه الدنيا، أنهم كانوا يتعاونون ويتناصرون بعضهم بعضا - يخبر أن ذلك كله ينقطع في الآخرة، ويصير بعضهم أعداء بعض، ويتبرأ بعضهم من بعض؛ كقوله: ﴿ إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ ﴾ ؛ وكقوله: ﴿ ٱلأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ ﴾ ؛ وكقوله - -: ﴿ وَإِذَا حُشِرَ ٱلنَّاسُ كَانُواْ لَهُمْ أَعْدَآءً ﴾ ؛ وكقوله: ﴿ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ ﴾ الآية؛ يصير المعبودون أعداء للعابدين، والعابدون أعداء للمعبودين، وتصير الوصلة والمودة التي فيما بينهم في هذه الدنيا عداوة، والرحم والقرابة اللتين كانتا بينهم منقطعاً، حتى يفر بعضهم من بعض؛ كقوله - -: ﴿ يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ ﴾ الآيات.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ ﴾ .
أي: ذهب عنكم وبطل ما كنتم تزعمون أنهم شفعاؤكم عند الله، وبالله العصمة والنجاة.
<div class="verse-tafsir"
ويقال لهم يوم البعث: ولقد أتيتمونا في هذا اليوم أفرادًا، لا مال معكم ولا رئاسة، كما أنشأناكم أول مرة حُفاة عراة غُرْلًا، وتركتم ما أعطيناكم من ذلك خلفكم في الدنيا رغمًا عنكم، وما نرى اليوم معكم آلهتكم الذين زعمتم أنهم وسطاء لكم، وزعمتم أنهم شركاء لله في استحقاق العبادة، لقد تقطع الوِصَال بينكم، وذهب عنكم ما كنتم تزعمون من شفاعتهم، وأنهم شركاء لله.
من فوائد الآيات إنزال الكتب على الأنبياء هو سُنَّة الله في المرسلين، والنبي عليه الصلاة والسلام واحد منهم.
أعظم الناس كذبًا وفرية هو الذي يكذب على الله تعالى، فينسب أو ينفي ويثبت في حق الله تعالى أمرًا ليس عليه دليل صحيح.
كل أحد يبعث يوم القيامة فردًا متجردًا عن المناصب والألقاب، فقيرًا، ويحاسب وحده.
<div class="verse-tafsir" id="91.NL9nr"