الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ٩٣ من سورة الأنعام
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 171 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٩٣ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول تعالى : ( ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا ) أي : لا أحد أظلم ممن كذب على الله ، فجعل له شريكا أو ولدا ، أو ادعى أن الله أرسله إلى الناس ولم يكن أرسله; ولهذا قال تعالى : ( أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ) قال عكرمة وقتادة : نزلت في مسيلمة الكذاب لعنه الله .
( ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله ) يعني : ومن ادعى أنه يعارض ما جاء من عند الله من الوحي مما يفتريه من القول ، كما قال تعالى : ( وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا إلا أساطير الأولين ) [ الأنفال : 31 ] ، قال الله : ( ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت ) أي : في سكراته وغمراته وكرباته ، ( والملائكة باسطو أيديهم ) أي : بالضرب كما قال : ( لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك ) الآية [ المائدة : 28 ] ، وقال : ( ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء ) الآية [ الممتحنة : 2 ] .
وقال الضحاك ، وأبو صالح : ( باسطو أيديهم ) أي : بالعذاب .
وكما قال تعالى ( ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم ) [ الأنفال : 50 ] ; ولهذا قال : ( والملائكة باسطو أيديهم ) أي : بالضرب لهم حتى تخرج أنفسهم من أجسادهم; ولهذا يقولون لهم : ( أخرجوا أنفسكم ) وذلك أن الكافر إذا احتضر بشرته الملائكة بالعذاب والنكال ، والأغلال والسلاسل ، والجحيم والحميم ، وغضب الرحمن الرحيم ، فتتفرق روحه في جسده ، وتعصى وتأبى الخروج ، فتضربهم الملائكة حتى تخرج أرواحهم من أجسادهم ، قائلين لهم : ( أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون ) أي : اليوم تهانون غاية الإهانة ، كما كنتم تكذبون على الله ، وتستكبرون عن اتباع آياته ، والانقياد لرسله .
وقد وردت أحاديث متواترة في كيفية احتضار المؤمن والكافر ، وهي مقررة عند قوله تعالى : ( يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ) [ إبراهيم : 27 ] .
وقد ذكر ابن مردويه هاهنا حديثا مطولا جدا من طريق غريبة ، عن الضحاك ، عن ابن عباس مرفوعا ، فالله أعلم .
القول في تأويل قوله : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قال أبو جعفر: يعني جل ذكره بقوله: " ومن أظلم ممن افترى على الله كذبًا "، ومن أخطأ قولا وأجهل فعلا =" ممن افترى على الله كذبًا ", يعني: ممن اختلق على الله كذبًا, (30) فادعى عليه أنه بعثه نبيًّا وأرسله نذيرًا, وهو في دعواه مبطل، وفي قيله كاذب.
* * * وهذا تسفيهٌ من الله لمشركي العرب، وتجهيلٌ منه لهم، في معارضة عبد الله بن سعد بن أبي سرح، والحنفيِّ مسيلمة، لنبي الله صلى الله عليه وسلم، بدعوى أحدهما النبوّة، ودعوى الآخر أنه قد جاء بمثل ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم = ونفْيٌ منه عن نبيه محمد صلى الله عليه وسلم اختلاقَ الكذب عليه ودعوى الباطل.
* * * وقد اختلف أهل التأويل في ذلك.
فقال بعضهم فيه نحو الذي قلنا فيه.
* ذكر من قال ذلك: 13555 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين, قال حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن عكرمة قوله: " ومن أظلم ممن افترى على الله كذبًا أو قال أوحي إليّ ولم يوح إليه شيء "، قال: نـزلت في مسيلمة أخي بني عدي بن حنيفة، فيما كان يسجع ويتكهن به =" ومن قال سأنـزل مثل ما أنـزل الله "، نـزلت في عبد الله بن سعد بن أبي سرح, أخي بني عامر بن لؤي, كان كتب للنبي صلى الله عليه وسلم, (31) وكان فيما يملي" عَزِيزٌ حَكِيمٌ", فيكتب " غَفُورٌ رَحِيمٌ", فيغيره, ثم يقرأ عليه " كذا وكذا "، لما حوَّل, فيقول: " نعم، سواءٌ".
فرجع عن الإسلام ولحق بقريش وقال لهم: لقد كان ينـزل عليه " عَزِيزٌ حَكِيمٌ" فأحوِّله، ثم أقرأ ما كتبت, (32) فيقول: " نعم سواء " !
ثم رجع إلى الإسلام قبل فتح مكة, إذ نـزل النبي صلى الله عليه وسلم بمرّ.
(33) * * * وقال بعضهم: بل نـزل ذلك في عبد الله بن سعد خاصة .
* ذكر من قال ذلك: 13556 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال: حدثنا أسباط, عن السدي: " ومن أظلم ممن افترى على الله كذبًا أو قال أوحي إليّ ولم يوحَ إليه شيء " إلى قوله: تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ .
قال: نـزلت في عبد الله بن سعد بن أبي سرح، أسلم, وكان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم, فكان إذا أملى عليه: " سميعًا عليمًا ", كتب هو: " عليمًا حكيمًا "، وإذا قال: " عليمًا حكيمًا " كتب: " سميعًا عليمًا "، فشكّ وكفر, وقال: إن كان محمد يوحى إليه فقد أوحي إليّ, وإن كان الله ينـزله فقد أنـزلت مثل ما أنـزل الله !
قال محمد: " سميعًا عليمًا " فقلت أنا: " عليمًا حكيمًا " !
فلحق بالمشركين, ووشى بعمار وجبير عند ابن الحضرمي، أو لبني عبد الدار.
فأخذوهم فعُذِّبوا حتى كفروا، وجُدِعت أذن عمار يومئذ.
(34) فانطلق عمار إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بما لقي، والذي أعطاهم من الكفر, فأبى النبي صلى الله عليه وسلم أن يتولاه, فأنـزل الله في شأن ابن أبي سرح وعمار وأصحابه: مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا [سورة النحل :106] ، فالذي أكره: عمار وأصحابه = والذي شرح بالكفر صدرًا، فهو ابن أبي سرح.
(35) * * * وقال آخرون: بل القائل: " أوحي إلي ولم يوح إليه شيء "، مسيلمة الكذاب.
* ذكر من قال ذلك: 13557 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: " أو قال أوحي إليّ ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنـزل مثل ما أنـزل الله "، ذكر لنا أن هذه الآية نـزلت في مسيلمة.
ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: رأيت فيما يرى النائم كأنّ في يديّ سوارين من ذهب, فكبرا عليّ وأهمّاني, (36) فأوحى إليّ: أن انفخهما, فنفختهما فطارا, فأوَّلتهما في منامي الكذَّابين اللذين أنا بينهما، كذّاب اليمامةِ مُسيلمة, وكذّاب صنعاء العنسي.
وكان يقال له: " الأسود ".
(37) 13558 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة قال: " أوحي إليّ ولم يوح إليه شيء "، قال: نـزلت في مسيلمة.
13559- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة = وزاد فيه: وأخبرني الزهري: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " بينا أنا نائم رأيتُ في يديّ سوارين من ذهب, فكبر ذلك عليّ, فأوحي إلي أن انفخهما, فنفخهما فطارا, فأوّلت ذلك كذاب اليمامة وكذاب صنعاء العنسي.
(38) * * * قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب أن يقال: إن الله قال: " ومن أظلم ممن افترى على الله كذبًا أو قال أوحي إليّ ولم يوح إليه شيء "، ولا تمانُع بين علماء الأمة أن ابن أبي سرح كان ممن قال: " إني قد قلت مثل ما قال محمد ", وأنه ارتدّ عن إسلامه ولحق بالمشركين، فكان لا شك بذلك من قيله مفتريًا كذبًا.
وكذلك لا خلاف بين الجميع أن مسيلمة والعنسيّ الكذابين، ادّعيا على الله كذبًا.
أنه بعثهما نبيين, وقال كل واحد منهما إنّ الله أوحى إليه، وهو كاذب في قيله.
فإذ كان ذلك كذلك, فقد دخل في هذه الآية كل من كان مختلقًا على الله كذبًا، وقائلا في ذلك الزمان وفي غيره: " أوحى الله إلي", وهو في قيله كاذب، لم يوح الله إليه شيئًا.
فأما التنـزيل، فإنه جائز أن يكون نـزل بسبب بعضهم = وجائز أن يكون نـزل بسبب جميعهم = وجائز أن يكون عني به جميعُ المشركين من العرب = إذ كان قائلو ذلك منهم، فلم يغيّروه.
فعيّرهم الله بذلك، وتوعّدهم بالعقوبة على تركهم نكيرَ ذلك، ومع تركهم نكيرَه هم بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم مكذبون, ولنبوّته جاحدون, ولآيات كتاب الله وتنـزيله دافعون, فقال لهم جل ثناؤه: " ومن أظلم ممن ادّعى عليّ النبوّة كاذبًا "، وقال: " أوحي إلي"، ولم يوح إليه شيء، ومع ذلك يقول: مَا أَنْـزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ ، فينقض قولَه بقوله, ويكذب بالذي تحققه, وينفي ما يثبته.
وذلك إذا تدبره العاقلُ الأريب علم أن فاعله من عقله عديم .
* * * وقد روي عن ابن عباس أنه كان يقول في قوله: " ومن قال سأنـزل مثل ما أنـزل الله "، ما:- 3560 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه, عن ابن عباس قوله: " ومن قال سأنـزل مثل ما أنـزل الله "، قال: زعم أنه لو شاء قال مثله = يعني الشعر .
* * * فكأنّ ابن عباس في تأويله هذا على ما تأوّله، يوجِّه معنى قول قائل: " سأنـزل مثل ما أنـزل الله ", إلي: سأنـزل مثل ما قال الله من الشعر.
وكذلك تأوّله السدي.
وقد ذكرنا الرواية عنه قبل فيما مضى.
(39) * * * القول في تأويل قوله : وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ولو ترى، يا محمد، حين يغمر الموت بسكراته هؤلاء الظالمين العادلين بربهم الآلهة والأنداد, والقائلين: مَا أَنْـزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ , والمفترين على الله كذبًا، الزاعمين أنّ الله أوحى إليه ولم يوحَ إليه شيء, والقائلين: سَأُنْـزِلُ مِثْلَ مَا أَنْـزَلَ اللَّهُ ، (40) فتعاينهم وقد غشيتهم سكرات الموت, ونـزل بهم أمر الله, وحان فناء آجالهم, والملائكة باسطو أيديهم يضربون وجوههم وأدبارهم, كما قال جل ثناؤه: فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ [سورة محمد : 27 ، 28] .
يقولون لهم: أخرجوا أنفسكم.
و " الغمرات " جمع " غمرة ", و " غمرة كل شيء "، كثرته ومعظمه, وأصله الشيء الذي يغمر الأشياء فيغطيها, ومنه قول الشاعر: (41) وَهَــلْ يُنْجِــي مِـنَ الْغَمَـرَاتِ إلا بُرَاكَـــاءُ القِتَـــالِ أوِ الفِــرَارُ (42) * * * وروي عن ابن عباس في ذلك, ما:- 13561 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قال، قال ابن عباس: قوله: " ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت "، قال: سكرات الموت.
13562 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: " في غمرات الموت "، يعني سكرات الموت.
* * * وأما " بسط الملائكة أيديها "، (43) فإنه مدُّها.
(44) * * * ثم اختلف أهل التأويل في سبب بسطها أيديها عند ذلك.
فقال بعضهم بنحو الذي قلنا في ذلك.
* ذكر من قال ذلك: 13563 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: " ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطو أيديهم "، قال: هذا عند الموت،" والبسط"، الضرب، يضربون وجوههم وأدبارهم .
13564 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي, قال حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: " ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطو أيديهم "، يقول: " الملائكة باسطو أيديهم "، يضربون وجوههم وأدبارهم = والظالمون في غمرات الموت, وملك الموت يتوفّاهم.
13565 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " والملائكة باسطو أيديهم "، يضربونهم .
* * * وقال آخرون: بل بسطها أيديها بالعذاب.
* ذكر من قال ذلك : 13566 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو خالد الأحمر, عن جويبر, عن الضحاك: " والملائكة باسطو أيديهم "، قال : بالعذاب.
13567 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن الزبير, عن ابن عيينة, عن إسماعيل بن أبي خالد, عن أبي صالح: " والملائكة باسطو أيديهم "، بالعذاب.
* * * وكان بعض نحويي الكوفيين يتأوّل ذلك بمعنى: باسطو أيديهم بإخراج أنفسهم.
(45) * * * فإن قال قائل: ما وجه قوله: " أخرجوا أنفسكم "، ونفوس بني آدم إنما يخرجها من أبدان أهلها رب العالمين؟
فكيف خوطب هؤلاء الكفار, وأمروا في حال الموت بإخراج أنفسهم؟
فإن كان ذلك كذلك، فقد وجب أن يكون بنو آدم هم يقبضون أنفس أجسامهم!
قيل: إن معنى ذلك بخلاف الذي [إليه] ذهبت (46) وإنما ذلك أمرٌ من الله على ألسن رُسله الذين يقبضون أرواحَ هؤلاء القوم من أجسامهم, بأداء ما أسكنها ربها من الأرواح إليه، وتسليمها إلى رسله الذين يتوفَّونها.
* * * القول في تأويل قوله : الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (93) قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله جل ثناؤه عما تقولُ رسل الله التي تقبض أرواحَ هؤلاء الكفار لها, (47) يخبر عنها أنها تقول لأجسامها ولأصحابها: أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ ، إلى سخط الله ولعنته, فإنكم اليوم تُثابون على كفركم بالله, (48) وقيلكم عليه الباطل, وزعمكم أن الله أوحى إليكم ولم يوحَ إليكم شيئًا, وإنكاركم أن يكون الله أنـزل على بشر شيئًا, (49) واستكباركم عن الخضوع لأمر الله وأمر رسوله، والانقياد لطاعته =" عذابَ الهون "، وهو عذاب جهنم الذي يُهينُهم فيذلّهم, حتى يعرفوا صَغَار أنفسهم وذِلَّتَها، كما:- 13568 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: أما " عذاب الهون "، فالذي يهينهم.
13569 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج: " اليوم تجزون عذاب الهون "، قال: عذاب الهون، في الآخرة = بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ .
* * * والعرب إذا أرادت ب " الْهُونِ" معنى " الهوان "، ضمت " الهاء ", وإذا أرادت به الرفق والدَّعَة وخفة المؤونة، فتحت " الهاء ", (50) فقالوا: هو " قليل هَوْن المؤونة "، ومنه قول الله: الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا [سورة الفرقان : 63] ، يعني: بالرفق والسكينة والوقار، ومنه قول جندل بن المثنَّى الطُّهويّ: (51) وَنَقْــضَ أَيْــامٍ نَقَضْــنَ أَسْــرَهُ هَوْنًــا وَأَلْقَــى كُـلُّ شَـيْخٍ فَخـرَهُ (52) ومنه قول الآخر: (53) هَوْنَكُمَــا لا يَـرُدُّ الدَّهْـرُ مـا فَاتَـا لا تَهْلِكَـا أَسَـفًا فِـي إِثْـرِ مَـنْ مَاتَا (54) يريد: أرْوِدا.
(55) وقد حكي فتح " الهاء " في ذلك بمعنى " الهوان "، واستشهدوا على ذلك ببيت عامر بن جُوَين: (56) يُهِيـنُ النفُــوسَ, وَهَــوْنُ النُّفُــو سِ عِنْـدَ الكَرِيهَـــةِ أَغْلَى لَهَــا (57) والمعروف من كلامهم، ضمُّ" الهاء " منه، إذا كان بمعنى الهوان والذل, كما قال ذو الإصبع العدواني: اذْهَــبْ إلَيْـكَ فَمَـا أُمِّـي بِرَاعِيَـةٍ تَرْعَى الْمَخَاضَ وَلا أُغْضِي عَلَى الهُونِ (58) يعني: على الهوان = وإذا كان بمعنى الرفق، ففتْحُها.
-------------------------------- الهوامش : (30) انظر تفسير"الافتراء" فيما سلف ص: 296 ، تعليق: 2 ، والمراجع هناك.
(31) في المطبوعة: "كان يكتب للنبي .
.
." ، والصواب الجيد ما في المخطوطة.
(32) في المطبوعة: "ثم أقول لما أكتب" ، وفي المخطوطة: "ثم أقول أكتب" ، وفوق الكلام حرف (ط) من الناسخ ، دلالة على الخطأ ، وأنه خطأ قديم في النسخة التي نقل عنها.
ورجحت قراءتها كما أثبت ، وهو سياق الكلام.
(33) "مر" ، هي"مر الظهران".
(34) "جدعت أذنه" ، قطعت ، وكان يقال له"الأجدع" ، انظر ابن سعد 3: 181.
وكان في المطبوعة والمخطوطة: "وجدع أذن عمار" ، ذهب إلى تذكير"الأذن" ، والصواب تأنيثها ، لم يذكروا فيها تذكيرًا فيما أعلم.
وهذا خبر غريب وقد روى ابن سعد في الطبقات 3: 181 عن ابن عمر: "رأيت عمار بن ياسر يوم اليمامة ، على صخرة قد أشرف يصيح: يا معشر المسلمين!
أمن الجنة تفرون؟
أنا عمار بن ياسر ، هلموا إلي!
= وأنا أنظر إلى أذنه قد قطعت ، فهي تذبذب ، وهو يقاتل أشد القتال".
ثم قال: "قال: شعبة: لم ندر أنها أصيبت باليمامة".
فهذا خبر آخر ، والمشهور من خبره أنها أصيبت مع النبي صلى الله عليه وسلم.
كأن ذلك كان في بعض الغزوات.
(35) الأثر: 13556 - كان حق هذا الخبر أن يذكر في تفسير آية"سورة النحل" ، لبيان أنها نزلت أيضًا في"عبد الله بن سعد بن أبي سرح" ، ولكن أبا جعفر لم يفعل ، وذلك دلالة أخرى قاطعة على اختصاره تفسيره.
(36) في المخطوطة: "فأهمني" ، وعلى الكلمة حرف (ط) دلالة على الخطأ ، والصواب ما في المطبوعة ، موافقًا لرواية البخاري ومسلم.
(37) الأثر: 13557 - خبر الرؤيا ، رواه البخاري (الفتح 8: 69 ، 70) ، ومسلم في صحيحه: 15: 34.
(38) الأثر: 13559 - انظر التعليق على رقم: 13557.
(39) لم يذكر"الشعر" في خبر السدي السالف رقم: 13556 ، ولعل أبا جعفر نسي أن يكتبه ، أو لعله أراد أن ذلك مروي في خبر السدي السالف وإن كان لم يذكره هناك.
(40) هكذا جاء على الجمع في المخطوطة أيضًا"والمفترين .
.
.
الزاعمين .
.
.
والقائلين" ، والسياق يقتضي الإفراد ، ولكني تركته على حاله ، لظهور معناه ، وإن كنت أرجح أن الصواب: "والمفتري على الله كذبًا الزاعم أن الله أوحى إليه ولم يوح إليه شيء ، والقائل: سأنزل مثل ما أنزل الله".
(41) هو بشر بن أبي حازم.
(42) شرح المفضليات: 677 ، النقائض: 423 ، الأغاني 13: 137 ، ديوان الخنساء: 216 ، واللسان (برك) ، وغيرها.
وهذا البيت آخر قصيدة في المفضليات ، وروايته: "ولا ينجي".
و"البراكاء" (بفتح الباء وضمها): الثبات في ساحة الحرب ، والجد في القتال ، وهو من"البروك" ، يبرك المقاتل في مكانه ، أي: يثبت.
وكان في المطبوعة: "تراك للقتال" ، وهو خطأ صرف.
وفي المخطوطة: "براكا للقتال" ، وهو أيضًا خطأ.
(43) في المطبوعة: "أيديهم" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو صواب محض.
(44) انظر تفسير"بسط الأيدي" فيما سلف 10: 100 ، 213.
(45) هو الفراء في معاني القرآن 1: 345.
(46) الزيادة بين القوسين يقتضيها السياق.
(47) قوله: "لها" ، أي للكفار.
(48) انظر تفسير"الجزاء" فيما سلف من فهارس اللغة (جزي).
(49) في المطبوعة والمخطوطة: "وإنذاركم أن يكون الله أنزل على بشر شيئًا" ، وهو لا معنى له ، وإنما هو تحريف من الناسخ ، والصواب ما أثبت.
(50) انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 200.
(51) في المطبوعة والمخطوطة: "المثني بن جندل الطهوي" وهو خطأ صرف ، وإنما هو"جندل بن المثني الطهوي" ، وهو شاعر إسلامي راجز ، كان يهاجي الراعي.
انظر سمط اللآلى ص: 644 ، وغيره.
(52) لم أعثر على الرجز ، وإن كنت أذكره.
و"الأسر" : القوة.
وقوله: "ألقى كل شيخ فخره" ، كناية عن عجز الشيخ إذا بلغ السن.
(53) هو ذو جدن الحميري ، ويقال هو: "علقمة بن شراحيل بن مرثد الحميري".
(54) سيرة ابن هشام 1: 39 ، تاريخ الطبري 2: 107 ، الأغاني 16: 70 ، معجم ما استعجم: 1398 ، ومعجم البلدان (بينون) و(سلحون) واللسان (هون) ، وبعد البيت: أبَعْــدَ بَيْنُــونَ لاَ عَيْــنٌ وَلاَ أثَـرٌ وَبَعْـدَ سَـلْحُونَ يَبْنِي النَّـاس أبْيَاتَـا وَبَعْــدَ حِــمْيَرَ إذْ شَـالَتْ نعَـامَتُهُمْ حَــتَّهُمُ غَيْـبُ هَـذَا الدَّهْـرِ حتَّاتَـا و"بينون" ، و"سلحون" ، و"غمدان" من حصون اليمن التي هدمها أرياط الحبشي ، في غزوة اليمن ، فذكرها ذو جدن ، يأسى على ما دخل أهل حمير من الذل والهوان.
(55) في المطبوعة: "رودا" ، وهو خطأ ، صوابه من المخطوطة.
و"الإرواد" ، الإمهال والرفق ، والتأني ، ومنه قيل: "رويدك" ، أي: أمهل ، وتأن ، وترفق.
(56) هكذا قال أبو جعفر ، والمشهور أنه للخنساء ، وهو في شعرها ، وبعض أبيات قصيدة الخنساء ، تروى لعامر بن جوين الطائي ، فلعل هذا مما يروى له من شعرها.
أو لعله من شعر عامر بن جوين ، وروى للخنساء.
(57) ديوان الخنساء: 215 ، والأغاني 13: 136 ، والنقائض: 423 ، واللسان (هون).
وروايتهم جميعًا"يوم الكريهة أبقى لها".
وفي المطبوعة: "أعلى" ، والصواب من المخطوطة.
(58) شرح المفضليات: 323 ، وما بعدها ، والأمالي 1: 256 ، واللسان (هون) ، وغيرها كثير.
وقد جاء أبو جعفر برواية لم تذكر إلا في اللسان ، عن ابن بري ، وأما رواية الرواة ، فهي: عَنِّــي إلَيْــكَ فَمَـا أُمِّـي بِرَاعِيَـةٍ تَـرْعَى المَخَـاضَ، وَلا رأيـي بمَغْبُونِ إِنِّــــي أَبِـــيٌّ ذُو مُحَافَظَـــةٍ وَابــنُ أَبِــيٍّ أَبِــيٍّ مِـنْ أَبِيِّيـنِ لا يُخْـرِجُ القَسْـرُ مِنِّـي غَـيْرَ مَا بِيَةٍ وَلا أَلِيــنُ لِمَــنْ لا يَبْتَغِـي لِينِـي عَـفٌّ نَـدُودٌ، إذَا مَـا خِـفْتُ مِـنْ بَلَدٍ هُونًـا، فَلَسْـتُ بوَقَّـافٍ عَـلَى الهُونِ فالشاهد في البيت الأخير
قوله : ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطو أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرونقوله تعالى ومن أظلم ابتداء وخبر ; أي لا أحد أظلم ممن افترى أي اختلق .أو قال أوحي إلي فزعم أنه نبيولم يوح إليه شيء نزلت في رحمان اليمامة والأسود العنسي وسجاح زوج مسيلمة ; كلهم تنبأ وزعم أن الله قد أوحى إليه .
قال قتادة : بلغنا أن الله أنزل هذا في مسيلمة ; وقاله ابن عباس .
قلت : ومن هذا النمط من أعرض عن الفقه والسنن وما كان عليه السلف من السنن فيقول : وقع في خاطري كذا ، أو أخبرني قلبي بكذا ; فيحكمون بما يقع في قلوبهم ويغلب عليهم من خواطرهم ، ويزعمون أن ذلك لصفائها من الأكدار وخلوها من الأغيار ، فتتجلى لهم العلوم الإلهية والحقائق الربانية ، فيقفون على أسرار الكليات ويعلمون أحكام الجزئيات فيستغنون بها عن أحكام الشرائع الكليات ، ويقولون : هذه الأحكام الشرعية العامة ، إنما يحكم بها على الأغبياء والعامة ، وأما الأولياء وأهل الخصوص ، فلا يحتاجون لتلك النصوص .
وقد جاء فيما ينقلون : استفت قلبك وإن أفتاك المفتون ; ويستدلون على هذا بالخضر ; وأنه [ ص: 37 ] استغنى بما تجلى له من تلك العلوم ، عما كان عند موسى من تلك الفهوم .
وهذا القول زندقة وكفر ، يقتل قائله ولا يستتاب ، ولا يحتاج معه إلى سؤال ولا جواب ; فإنه يلزم منه هد الأحكام وإثبات أنبياء بعد نبينا صلى الله عليه وسلم .
وسيأتي لهذا المعنى في " الكهف " مزيد بيان إن شاء الله تعالى .قوله تعالى : ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله " من " في موضع خفض ; أي ومن أظلم ممن قال سأنزل ، والمراد عبد الله بن أبي سرح الذي كان يكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم ارتد ولحق بالمشركين .
وسبب ذلك فيما ذكر المفسرون أنه لما نزلت الآية التي في " المؤمنون " : ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين دعاه النبي صلى الله عليه وسلم فأملاها عليه ; فلما انتهى إلى قوله ثم أنشأناه خلقا آخر عجب عبد الله في تفصيل خلق الإنسان فقال : فتبارك الله أحسن الخالقين .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وهكذا أنزلت علي فشك عبد الله حينئذ وقال : لئن كان محمد صادقا لقد أوحي إلي كما أوحي إليه ، ولئن كان كاذبا لقد قلت كما قال .
فارتد عن الإسلام ولحق بالمشركين ، فذلك قوله : ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله رواه الكلبي عن ابن عباس .
وذكره محمد بن إسحاق قال حدثني شرحبيل قال : نزلت في عبد الله بن سعد بن أبي سرح ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله ارتد عن الإسلام ، فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة أمر بقتله وقتل عبد الله بن خطل ومقيس بن صبابة ولو وجدوا تحت أستار الكعبة ، ففر عبد الله بن أبي سرح إلى عثمان رضي الله عنه ، وكان أخاه من الرضاعة ، أرضعت أمه عثمان ، فغيبه عثمان حتى أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ما اطمأن أهل مكة فاستأمنه له ; فصمت رسول الله صلى الله عليه وسلم طويلا ثم قال : نعم .
فلما انصرف عثمان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما صمت إلا ليقوم إليه بعضكم فيضرب عنقه .
فقال رجل من الأنصار : فهلا أومأت إلي يا رسول الله ؟
فقال : إن النبي لا ينبغي أن تكون له خائنة الأعين .
قال أبو عمر : وأسلم [ ص: 38 ] عبد الله بن سعد بن أبي سرح أيام الفتح فحسن إسلامه ، ولم يظهر منه ما ينكر عليه بعد ذلك .
وهو أحد النجباء العقلاء الكرماء منقريش ، وفارس بني عامر بن لؤي المعدود فيهم ، ثم ولاه عثمان بعد ذلك مصر سنة خمس وعشرين .
وفتح على يديه إفريقية سنة سبع وعشرين ، وغزا منها الأساود من أرض النوبة سنة إحدى وثلاثين ، وهو هادنهم الهدنة الباقية إلى اليوم .
وغزا الصواري من أرض الروم سنة أربع وثلاثين ; فلما رجع من وفاداته منعه ابن أبي حذيفة من دخول الفسطاط ، فمضى إلى عسقلان ، فأقام فيها حتى قتل عثمان رضي الله عنه .
وقيل : بل أقام بالرملة حتى مات فارا من الفتنة .
ودعا ربه فقال : اللهم اجعل خاتمة عملي صلاة الصبح ; فتوضأ ثم صلى فقرأ في الركعة الأولى بأم القرآن والعاديات ، وفي الثانية بأم القرآن وسورة ، ثم سلم عن يمينه ، ثم ذهب يسلم عن يساره فقبض الله روحه .
ذكر ذلك كله يزيد بن أبي حبيب وغيره .
ولم يبايع لعلي ولا لمعاوية رضي الله عنهما .
وكانت وفاته قبل اجتماع الناس على معاوية .
وقيل : إنه توفي بإفريقية .
والصحيح أنه توفي بعسقلان سنة ست أو سبع وثلاثين .
وقيل : سنة ست وثلاثين .
وروى حفص بن عمر عن الحكم بن أبان عن عكرمة أن هذه الآية نزلت في النضر بن الحارث ; لأنه عارض القرآن فقال : والطاحنات طحنا .
والعاجنات عجنا .
فالخابزات خبزا .
فاللاقمات لقما .قوله تعالى ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت أي شدائده وسكراته .
والغمرة الشدة ; وأصلها الشيء الذي يغمر الأشياء فيغطيها .
ومنه غمره الماء .
ثم وضعت في معنى الشدائد والمكاره .
ومنه غمرات الحرب .
قال الجوهري : والغمرة الشدة ، والجمع غمر مثل نوبة ونوب .
قال القطامي يصف سفينة نوح عليه السلام :وحان لتالك الغمر انحساروغمرات الموت شدائده .والملائكة باسطو أيديهم ابتداء وخبر .
والأصل [ ص: 39 ] باسطون .
قيل : بالعذاب ومطارق الحديد ; عن الحسن والضحاك .
وقيل : لقبض أرواحهم ; وفي التنزيل : ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم فجمعت هذه الآية القولين .
يقال : بسط إليه يده بالمكروه .أخرجوا أنفسكم أي خلصوها من العذاب إن أمكنكم ، وهو توبيخ .
وقيل : أخرجوها كرها ; لأن روح المؤمن تنشط للخروج للقاء ربه ، وروح الكافر تنتزع انتزاعا شديدا ، ويقال : أيتها النفس الخبيثة اخرجي ساخطة مسخوطا عليك إلى عذاب الله وهوانه ; كذا جاء في حديث أبي هريرة وغيره .
وقد أتينا عليه في كتاب " التذكرة " والحمد لله .
وقيل : هو بمنزلة قول القائل لمن يعذبه : لأذيقنك العذاب ولأخرجن نفسك ; وذلك لأنهم لا يخرجون أنفسهم بل يقبضها ملك الموت وأعوانه .
وقيل : يقال هذا للكفار وهم في النار .
والجواب محذوف لعظم الأمر ; أي ولو رأيت الظالمين في هذه الحال لرأيت عذابا عظيما .
والهون والهوان سواء .تستكبرون أي تتعظمون وتأنفون عن قبول آياته .
يقول تعالى: لا أحد أعظم ظلما، ولا أكبر جرما، ممن كذب على الله.بأن نسب إلى الله قولا أو حكما وهو تعالى بريء منه، وإنما كان هذا أظلم الخلق، لأن فيه من الكذب، وتغيير الأديان أصولها، وفروعها، ونسبة ذلك إلى الله -ما هو من أكبر المفاسد.
ويدخل في ذلك، ادعاء النبوة، وأن الله يوحي إليه، وهو كاذب في ذلك، فإنه - مع كذبه على الله، وجرأته على عظمته وسلطانه- يوجب على الخلق أن يتبعوه، ويجاهدهم على ذلك، ويستحل دماء من خالفه وأموالهم.
ويدخل في هذه الآية، كل من ادعى النبوة، كمسيلمة الكذاب والأسود العنسي والمختار، وغيرهم ممن اتصف بهذا الوصف.
{ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ ْ} أي: ومن أظلم ممن زعم.
أنه يقدر على ما يقدر الله عليه ويجاري الله في أحكامه، ويشرع من الشرائع، كما شرعه الله.
ويدخل في هذا، كل من يزعم أنه يقدر على معارضة القرآن، وأنه في إمكانه أن يأتي بمثله.
وأي: ظلم أعظم من دعوى الفقير العاجز بالذات، الناقص من كل وجه، مشاركةَ القوي الغني، الذي له الكمال المطلق، من جميع الوجوه، في ذاته وأسمائه وصفاته؟" ولما ذم الظالمين، ذكر ما أعد لهم من العقوبة في حال الاحتضار، ويوم القيامة فقال: { وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ ْ} أي: شدائده وأهواله الفظيعة، وكُرَبه الشنيعة -لرأيت أمرا هائلا، وحالة لا يقدر الواصف أن يصفها.
{ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ ْ} إلى أولئك الظالمين المحتضرين بالضرب والعذاب، يقولون لهم عند منازعة أرواحهم وقلقها، وتعصيها للخروج من الأبدان: { أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ ْ} أي: العذاب الشديد، الذي يهينكم ويذلكم والجزاء من جنس العمل، فإن هذا العذاب { بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ْ} من كذبكم عليه، وردكم للحق، الذي جاءت به الرسل.
{ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ ْ} أي: تَرَفَّعون عن الانقياد لها، والاستسلام لأحكامها.
وفي هذا دليل على عذاب البرزخ ونعيمه، فإن هذا الخطاب، والعذاب الموجه إليهم، إنما هو عند الاحتضار وقبيل الموت وبعده.
وفيه دليل، على أن الروح جسم، يدخل ويخرج، ويخاطب، ويساكن الجسد، ويفارقه، فهذه حالهم في البرزخ.
قوله عز وجل : ( ومن أظلم ممن افترى ) أي : اختلق ( على الله كذبا ) فزعم أن الله تعالى بعثه نبيا ، ( أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ) قال قتادة : نزلت في مسيلمة الكذاب الحنفي ، وكان يسجع ويتكهن ، فادعى النبوة وزعم أن الله أوحى إليه ، وكان قد أرسل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رسولين ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لهما : أتشهدان أن مسيلمة نبي؟
قالا : نعم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما " .
أخبرنا حسان بن سعيد المنيعي أنا أبو طاهر الزيادي أنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان أنا أحمد بن يوسف السلمي أنا عبد الرزاق أنا معمر عن همام بن منبه أنا أبو هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " بينا أنا نائم إذ أتيت خزائن الأرض فوضع في يدي سواران من ذهب ، فكبرا علي وأهماني فأوحي إلي أن انفخهما ، فنفختهما فذهبا ، فأولتهما الكذابين اللذين أنا بينهما : صاحب صنعاء وصاحب اليمامة " أراد بصاحب صنعاء الأسود العنسي وبصاحب اليمامة مسيلمة الكذاب .
.
قوله تعالى : ( ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله ) قيل : نزلت في عبد الله بن سعد بن أبي سرح وكان قد أسلم وكان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم وكان إذ أملى عليه : سميعا بصيرا ، كتب عليما حكيما ، وإذا قال : عليما حكيما ، كتب : غفورا رحيما ، فلما نزلت : " ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين " ( المؤمنون ، 12 ) أملاها عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فعجب عبد الله من تفصيل خلق الإنسان ، فقال : تبارك الله أحسن الخالقين ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : اكتبها فهكذا نزلت ، فشك عبد الله ، وقال : لئن كان محمد صادقا فقد أوحي إلي كما أوحي إليه ، فارتد عن الإسلام ولحق بالمشركين ، ثم رجع عبد الله إلى الإسلام قبل فتح مكة إذ نزل النبي صلى الله عليه وسلم بمر الظهران .
وقال ابن عباس : قوله ( ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله ) يريد المستهزئين ، وهو جواب لقولهم : ( لو نشاء لقلنا مثل هذا ) قوله عز وجل : ( ولو ترى ) يا محمد ، ( إذ الظالمون في غمرات الموت ) سكراته وهي جمع غمرة ، وغمرة كل شيء : معظمه ، وأصلها : الشيء الذي [ يعم ] الأشياء فيغطيها ، ثم وضعت في موضع الشدائد والمكاره ، ( والملائكة باسطو أيديهم ) بالعذاب والضرب ، يضربون وجوههم وأدبارهم ، وقيل بقبض الأرواح ، ( أخرجوا ) أي : يقولون أخرجوا ، ( أنفسكم ) أي : أرواحكم كرها ، لأن نفس المؤمن تنشط للقاء ربها ، والجواب محذوف ، يعني : لو تراهم في هذه الحال لرأيت عجبا ، ( اليوم تجزون عذاب الهون ) أي : الهوان ، ( بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون ) تتعظمون عن الإيمان بالقرآن ولا تصدقونه .
«ومن» أي لا أحد «أظلم ممن افترى على الله كذبا» بادعاء النبوة ولم ينبأ «أو قال أُوحي إليَّ ولم يوح إليه شيء» نزلت في مسيلمة «ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله» وهم المستهزئون قالوا لو نشاء لقلنا مثل هذا «ولو ترى» يا محمد «إذ الظالمون» المذكورون «في غمرات» سكرات «الموت والملائكةُ باسطوا أيديهم» إليهم بالضرب والتعذيب يقولون لهم تعنيفا «أخرجوا أنفسكم» إلينا لنقبضها «اليوم تجزون عذاب الهون» الهوان «بما كنتم تقولون على الله غير الحق» يدعون النبوة والإيحاء كذب «وكنتم عن آياته تستكبرون» تتكبرون عن الإيمان بها وجواب لو رأيت أمرا فظيعا.
ومَن أشدُّ ظلمَّا ممَّن اختلق على الله تعالى قولا كذبًا، فادعى أنه لم يبعث رسولا من البشر، أو ادعى كذبًا أن الله أوحى إليه ولم يُوحِ إليه شيئًا، أو ادَّعى أنه قادر على أن يُنْزل مثل ما أنزل الله من القرآن؟
ولو أنك أبصرت -أيها الرسول- هؤلاء المتجاوزين الحدَّ وهم في أهوال الموت لرأيت أمرًا هائلا والملائكة الذين يقبضون أرواحهم باسطو أيديهم بالعذاب قائلين لهم: أخرجوا أنفسكم، اليوم تهانون غاية الإهانة، كما كنتم تكذبون على الله، وتستكبرون عن اتباع آياته والانقياد لرسله.
{ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِباً أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ } .والمعنى لا أحد أشد ظلما ممن اختلق الكذب على الله فجعل له شركاء من خلقه ، وأنكر ما جاء به النبى صلى الله عليه وسلم من هدايات ، وحلل وحرم بهواه ما لم يأذن به الله .والاستفهام إنكارى فهو فى معنى النفى .
و { مَنْ } اسم موصول والمراد به الجنس .
أى : كل من افترى على الله كذبا ، وليس المراد فردا معينا .{ أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ } أى : قال بأن الله أوحى إلى بالرسالة أو النبوة مع أنه كاذب فى دعواه ، فإن الله ما أوحى إليه شيئا ، وهذا يصدق على ما ادعاه مسيلمة الكذاب والأسود العنسى من أنهما نبيان يوحى إليهما .ويصدق - أيضاً - على كل مدع للوحى والنبوة فى كل زمان ومكان .وهذه الجملة الكريمة معطوفة على صلة { مَنْ } من عطف الخاص على العام ، لأن هذا القول هو نوع من أنواع افتراء الكذب .{ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَآ أَنَزلَ الله } أى : ولا أحد أظلم - أيضاً - ممن قال بأنى قادر على أن أنزل قرآنا مثل الذى أنزله الله كالذين حكى القرآن عنهم قوله : { وَإِذَا تتلى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هذا إِنْ هاذآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأولين } وبذلك نرى أن الآية الكريمة قد توعدت بأشد ألوان الوعيد كل مفتر على الله الكذب ، وكل مدع أنه يوحى إليه شىء وكل من زعم أنه فى قدرته أن يأتى بقرآن مثل هذا القرآن كما حدث من النضر بن الحارث وعبد الله بن سعد بن أبى سرح .ثم بين - سبحانه - مصير كل ظالم أثيم فقال : { وَلَوْ ترى إِذِ الظالمون فِي غَمَرَاتِ الموت } أى : ولو ترى أيها الرسول الكريم أو أيها العاقل حالة أولئك الظالمين وهم فى غمران الموت أى : فى شدائده وكرباته وسكراته لرأيت شيئا فظيعا هائلا ترتعد منه الأبدان ، فجواب الشرط محذوف .والغمرات : جمع غمرة وهى الشدة .
وأصلها الشىء الذى يغمر الأشياء فيغطيها ، يقال غمره الماء إذا علاه وستره ثم استعمل فى الشدائد والمكاره .وتفييد الرؤية بهذا الوقت لإفادة أنه ليس المراد مجرد الرؤية ، بل المراد رؤيتهم على حال فظيعة عند كل ناظر .وقوله { والملائكة باسطوا أَيْدِيهِمْ أخرجوا أَنْفُسَكُمُ } أى والملائكة الموكلون بقبض أرواحهم باسطوا أيديهم إليهم بالإماتة والعذاب قائلين لهم على سبيل التوبيخ والزجر : أخرجوا إلينا أرواحكم من أجسادكم .والأمر هنا للتعجيز أى : أخرجوا أنفسكم من هذا العذاب إن استطعتم إلى ذلك سبيلا .قال الآلوسى : وذهب بعضهم إلى أن هذا تمثيل لفعل الملائكة فى قبض أرواح الظلمة بفعل الغريم الملح يبسط يده إلى من عليه الحق ويعنف عليه فى المطالبة ولا يمهله ويقول له : أخرج مالى عليك الساعة ولا أبرح مكانى حتى انتزعه منك .
وفى الكشاف : أنه كناية عن العنف فى السياق والإلحاح والتشديد فى الإزهاق من غير تنفيس وإمهال ولا بسط ولا قول حقيقة هناك واستظهر ابن المنير أنهم يفعلون معهم هذه الأمور حقيقة على الصور المحكية وإذا أمكن البقاء على الحقيقة فلا معدل عنها " .ولعل مما يؤيد قول ابن المنير فى تعليقه على ما قال صاحب الكشاف ما جاء فى آية أخرى وهى قوله - تعالى - { وَلَوْ ترى إِذْ يَتَوَفَّى الذين كَفَرُواْ الملائكة يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ } وقوله : { اليوم تُجْزَوْنَ عَذَابَ الهون بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى الله غَيْرَ الحق وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ } هذا القول من تتمة ما تقوله الملائكة لأولئك الظالمين .أى : تقول لهم أخرجوا أنفسكم ، اليوم تلقون عذاب الذل والهوان لا بظلم من الرحمن ، وإنما بسبب أنكم كنتم فى ديناكم تفترون على الله الكذب ، وبسبب أنكم كنتم معرضين عن آياته ، مستكبرين عنها ولا تتأملون فيها ، ولا تعتبرون بها .والمراد باليوم مطلق الزمن لا اليوم المتعرف عليه ، وهو إما حين الموت أو ما يشمله وما بعده .والهون معناه : الهوان والذل ، وفسره صاحب الكشاف ، بالهوان الشديد وقال : " وإضافة العذاب إليه كقولك ، رجل سوء يريد العراقة فى الهوان والتمكن فيه " .
اعلم أنه تعالى لما شرح كون القرآن كتاباً نازلاً من عند الله وبين ما فيه من صفات الجلالة والشرف والرفعة، ذكر عقيبه ما يدل على وعيد من ادعى النبوة والرسالة على سبيل الكذب والافتراء فقال: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِباً ﴾ وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى عظم وعيد من ذكر أحد الأشياء الثلاثة: فأولها: أن يفتري على الله كذباً.
قال المفسرون: نزل هذا في مسيلمة الكذاب صاحب اليمامة، وفي الأسود العنسي صاحب صنعاء، فإنهما كانا يدعيان النبوة والرسالة من عند الله على سبيل الكذب والافتراء، وكان مسيلمة يقول: محمد رسول قريش، وأنا رسول بني حنيفة.
قال القاضي: الذي يفتري على الله الكذب يدخل فيه من يدعي الرسالة كذباً، ولكن لا يقتصر عليه، لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
فكل من نسب إلى الله تعالى ما هو برئ منه، إما في الذات، وإما في الصفات وإما في الأفعال كان داخلاً تحت هذا الوعيد.
قال: والافتراء على الله في صفاته، كالمجسمة، وفي عدله كالمجبرة، لأن هؤلاء قد ظلموا أعظم أنواع الظلم بأن افتروا على الله الكذب، وأقول: أما قوله: المجسمة قد افتروا على الله الكذب، فهو حق.
وأما قوله: إن هذا افتراء على الله في صفاته، فليس بصحيح.
لأن كون الذات جسماً ومتحيزاً ليس بصفة، بل هو نفس الذات المخصوصة، فمن زعم أن إله العالم ليس بجسم، كان معناه أنه يقول: جميع الأجسام والمتحيزات محدثة، ولها بأسرها خالق هو موجود ليس بمتحيز، والمجسم ينفي هذه الذات، فكان الخلاف بين الموحد والمجسم ليس في الصفة بل في نفس الذات، لأن الموحد يثبت هذه الذات والمجسم ينفيها، فثبت أن هذا الخلاف لم يقع في الصفة، بل في الذات.
وأما قوله: المجبرة قد افتروا على الله تعالى في صفاته، فليس بصحيح، لأنه يقال له المجبرة ما زادوا على قولهم الممكن لابد له من مرجح، فإن كذبوا في هذه القضية، فكيف يمكنهم أن يعرفوا وجود الإله؟
وإن صدقوا في ذلك لزمهم الإقرار بتوقيف صدور الفعل على حصول الداعي بتخليق الله تعالى، وذلك عين ما نسميه بالجبر، فثبت أن الذي وصفه بكونه افتراء على الله باطل، بل المفتري على الله من يقول الممكن لا يتوقف رجحان أحد طرفيه على الآخر على حصول المرجح.
فإن من قال هذا الكلام لزمه نفي الصانع بالكلية، بل يلزمه نفي الآثار والمؤثرات بالكلية.
والنوع الثاني: من الأشياء التي وصفها الله تعالى بكونها افتراء قوله: ﴿ أَوْ قَالَ أُوْحِىَ إِلَىَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيء ﴾ والفرق بين هذا القول وبين ما قبله، أن في الأول كان يدعي أنه أوحي إليه وما كان يكذب بنزول الوحي على محمد صلى الله عليه وسلم، وأما في هذا القول، فقد أثبت الوحي لنفسه ونفاه عن محمد عليه الصلاة والسلام، وكان هذا جمعاً بين نوعين عظيمين من الكذب، وهو إثبات ما ليس بموجود ونفي ما هو موجود.
والنوع الثالث: قوله: ﴿ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنَزلَ الله ﴾ قال المفسرون: المراد ما قاله النضر بن الحرث وهو قوله: ﴿ لَوْ نَشَاء لَقُلْنَا مِثْلَ هذا ﴾ وقوله في القرآن: إنه من أساطير الأولين، وكل أحد يمكنه الإتيان بمثله، وحاصله: أن هذا القائل يدعي معارضة القرآن.
وروي أيضاً أن عبد الله بن سعد بن أبي سرح كان يكتب الوحي للرسول عليه الصلاة والسلام، فلما نزل قوله: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن سلالة مّن طِينٍ ﴾ أملاء الرسول عليه السلام، فلما انتهى إلى قوله: ﴿ ثُمَّ أنشأناه خلقاً آخر ﴾ عجب عبد الله منه فقال: فتبارك الله أحسن الخالقين!
فقال الرسول: «هكذا أنزلت الآية»، فسكت عبد الله وقال: إن كان محمد صادقاً، فقد أوحي إليّ، وإن كان كاذباً فقد عارضته، فهذا هو المراد من قوله: ﴿ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنَزلَ ﴾ .
أما قوله تعالى: ﴿ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظالمون فِي غَمَرَاتِ الموت ﴾ فاعلم أن أول الآية وهو قوله: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِباً ﴾ يفيد التخويف العظيم على سبيل الإجمال وقوله بعد ذلك: ﴿ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظالمون فِي غَمَرَاتِ الموت ﴾ كالتفصيل لذلك المجمل، والمراد بالظالمين الذين ذكرهم، وغمرات الموت جمع غمرة وهي شدة الموت، وغمرة كل شيء كثرته ومعظمه، ومنه غمرة الماء، وغمرة الحرب، ويقال غمره الشيء إذا علاه وغطاه.
وقال الزجاج: يقال لكل من كان في شيء كثير قد غمره ذلك.
وغمره الدين إذا كثر عليه هذا هو الأصل، ثم يقال للشدائد والمكاره: الغمرات، وجواب لو محذوف، أي لرأيت أمراً عظيماً، والملائكة باسطو أيديهم قال ابن عباس: ملائكة العذاب باسطو أيديهم يضربونهم ويعذبونهم، كما يقال بسط إليه يده بالمكروه أخرجوا أنفسكم.
هاهنا محذوف، والتقدير: يقولون أخرجوا أنفسكم، وفيه مسألتان: المسألة الأولى: في الآية سؤال: وهو أنه لا قدرة لهم على إخراج أرواحهم من أجسادهم فما الفائدة في هذا الكلام؟
فنقول: في تفسير هذه الكلمة وجوه: الوجه الأول: ولو ترى الظالمين إذا صاروا إلى غمرات الموت في الآخرة فأدخلوا جهنم فغمرات الموت عبارة عما يصيبهم هناك من أنواع الشدائد والتعذيبات، والملائكة باسطو أيديهم عليهم بالعذاب يبكتونهم، ويقولون لهم أخرجوا أنفسكم من هذا العذاب الشديد إن قدرتم.
الوجه الثاني: أن يكون المعنى: ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت عند نزول الموت بهم في الدنيا والملائكة باسطو أيديهم لقبض أرواحهم يقولون لهم أخرجوا أنفسكم من هذه الشدائد وخلصوها من هذه الآفات والآلام.
والوجه الثالث: أن قوله: ﴿ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ ﴾ أي أخرجوها إلينا من أجسادكم وهذه عبارة عن العنف والتشديد في إزهاق الروح من غير تنفيس وإمهال وأنهم يفعلون بهم فعل الغريم الملازم الملح يبسط يده إلى من عليه الحق ويعنف عليه في المطالبة ولا يمهله، ويقول له: أخرج إلي ما لي عليك الساعة ولا أبرح من مكاني حتى أنزعه من أحداقك.
والوجه الرابع: أن هذه اللفظة كناية عن شدة حالهم وأنهم بلغوا في البلاء والشدة إلى حيث تولى بنفسه إزهاق روحه.
والوجه الخامس: أن قوله: ﴿ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ ﴾ ليس بأمر، بل هو وعيد وتقريع، كقول القائل: امض الآن لترى ما يحل بك.
قال المفسرون: إن نفس المؤمن تنشط في الخروج للقاء ربه ونفس الكافر تكره ذلك فيشق عليها الخروج، لأنها تصير إلى أشد العذاب، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أراد لقاء الله أراد الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه» وذلك عند نزع الروح، فهؤلاء الكفار تكرههم الملائكة على نزع الروح: المسألة الثانية: الذين قالوا إن النفس الإنسانية شيء غير هذا الهيكل وغير هذا الجسد احتجوا عليه بهذه الآية، وقالوا: لا شك أن قوله: ﴿ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ ﴾ معناه: أخرجوا أنفسكم عن أجسادكم، وهذا يدل على أن النفس مغايرة للأجساد إلا أنا لو حملنا الآية على الوجهين الأولين من التأويلات الخمسة المذكورة، لم يتم هذا الاستدلال.
ثم قال تعالى: ﴿ اليوم تُجْزَوْنَ عَذَابَ الهون ﴾ قال الزجاج: عذاب الهون أي العذاب الذي يقع به الهوان الشديد.
قال تعالى: ﴿ أَيُمْسِكُهُ على هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التراب ﴾ والمراد منه أنه تعالى جمع هناك بين الإيلام وبين الإهانة، فإن الثواب شرطه أن يكون منفعة مقرونة بالتعظيم، فكذلك العقاب شرطه أن يكون مضرة مقرونة بالإهانة.
قال بعضهم: الهون هو الهوان، والهون هو الرفق والدعة.
قال تعالى: ﴿ وَعِبَادُ الرحمن الذين يَمْشُونَ على الأرض هَوْناً ﴾ وقوله: ﴿ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى الله غَيْرَ الحق وَكُنتُمْ عَنْ ءاياته تَسْتَكْبِرُونَ ﴾ وذلك يدل أن هذا العذاب الشديد إنما حصل بسبب مجموع الأمرين الافتراء على الله، والتكبر على آيات الله.
وأقول: هذان النوعان من الآفات والبلاء ترى أكثر المتوسمين بالعلم متوغلين فيه مواظبين عليه نعوذ بالله منه ومن آثاره ونتائجه.
وذكر الواحدي: أن المراد بقوله: ﴿ وَكُنتُمْ عَنْ ءاياته تَسْتَكْبِرُونَ ﴾ أي لا تصلون له قال عليه السلام: «من سجد لله سجدة بنية صادقة فقد برئ من الكبر».
<div class="verse-tafsir"
﴿ افترى عَلَى الله كَذِبًا ﴾ فزعم أن الله بعثه نبياً ﴿ أَوْ قَالَ أُوْحِى إِلَىَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْء ﴾ وهو مسيلمة الحنفي الكذاب.
أو كذاب صنعاء الأسود العنسي.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «رأيت فيما يرى النائم كأنّ في يديّ سوارين من ذهب فكبرا عليّ وأهماني فأوحى الله إليّ أن أنفخهما، فنفختهما فطارا عني، فأولتهما الكذابين الذين أنا بينهما: كذاب اليمامة مسيلمة.
وكذاب صنعاء الأسود العنسي» ﴿ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنَزلَ الله ﴾ هو عبد الله بن سعد بن أبي سرح القرشي كان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان إذا أملى عليه سميعاً عليماً، كتب هو: عليماً حكيماً.
وإذا قال: عليماً حكيماً، كتب غفوراً رحيماً.
فلما نزلت: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن سلالة مّن طِينٍ ﴾ [المؤمنون: 12] إلى آخر الآية، عجب عبد الله من تفصيل خلق الإنسان: فقال: تبارك الله أحسن الخالقين.
فقال عليه الصلاة والسلام اكتبها: فكذلك نزلت، فشك عبد الله وقال: لئن كان محمداً صادقاً لقد أوحي إليّ مثل ما أُوحي إليه.
ولئن كان كاذباً فلقد قلت كما قال: فارتدّ عن الإسلام ولحق بمكة، ثم رجع مسلماً قبل فتح مكة.
وقيل: هو النضر بن الحرث والمستهزؤن ﴿ وَلَوْ تَرَى ﴾ جوابه محذوف.
أي: رأيت أمراً عظيماً ﴿ إِذِ الظالمون ﴾ يريد الذين ذكرهم من اليهود والمتنبئة، فتكون اللام للعهد.
ويجوز أن تكون للجنس فيدخل فيه هؤلاء لاشتماله.
و ﴿ غَمَرَاتِ الموت ﴾ شدائده وسكراته، وأصل الغمرة: ما يغمر من الماء فاستعيرت للشدّة الغالبة ﴿ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ ﴾ يبسطون إليهم أيديهم يقولون: هاتوا أرواحكم أخرجوها إلينا من أجسادكم.
وهذه عبارة عن العنف في السياق، والإلحاح، والتشديد في الإزهاق، من غير تنفيس وإمهال، وإنهم يفعلون بهم فعل الغريم المسلط يبسط يده إلى من عليه الحق، ويعنف عليه في المطالبة ولا يمهله، ويقول له: أخرج إليّ ما لي عليك الساعة، ولا أريم مكاني، حتى أنزعه من أحداقك.
وقيل: معناه باسطو أيديهم عليهم بالعذاب ﴿ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ ﴾ خلصوها من أيدينا، أي لا تقدرون على الخلاص ﴿ اليوم تُجْزَوْنَ ﴾ يجوز أن يريدوا وقت الإماتة وما يعذبون به من شدة النزع، وأن يريدوا الوقت الممتدّ المتطاول الذي يلحقهم فيه العذاب في البرزخ والقيامة.
والهون الشديد، وإضافة العذاب إليه كقولك: رجل سوء يريد العراقة في الهوان والتمكن فيه ﴿ عَنْ ءاياته تَسْتَكْبِرُونَ ﴾ فلا تؤمنون بها.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا ﴾ فَزَعَمَ أنَّهُ بَعَثَهُ نَبِيًّا كَمُسَيْلِمَةَ والأسْوَدِ العَنْسِيِّ، أوِ اخْتَلَقَ عَلَيْهِ أحْكامًا كَعَمْرِو بْنِ لُحَيٍّ ومُتابِعِيهِ.
﴿ أوْ قالَ أُوحِيَ إلَيَّ ولَمْ يُوحَ إلَيْهِ شَيْءٌ ﴾ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أبِي سَرْحٍ « (كانَ يَكْتُبُ لِرَسُولِ اللَّهِ فَلَمّا نَزَلَتْ ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ ﴾ فَلَمّا بَلَغَ قَوْلَهُ: ﴿ ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ ﴾ قالَ عَبْدُ اللَّهِ ﴿ فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ ﴾ تَعَجُّبًا مِن تَفْصِيلِ خَلْقِ الإنْسانِ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: اكْتُبْها فَكَذَلِكَ نَزَلَتْ، فَشَكَّ عَبْدُ اللَّهِ وقالَ لَئِنْ كانَ مُحَمَّدٌ صادِقًا لَقَدْ أُوحِيَ إلَيَّ كَما أُوحِيَ إلَيْهِ ولَئِنْ كانَ كاذِبًا لَقَدْ قُلْتُ كَما قالَ» .
﴿ وَمَن قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أنْزَلَ اللَّهُ ﴾ كالَّذِينَ قالُوا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا.
﴿ وَلَوْ تَرى إذِ الظّالِمُونَ ﴾ حَذَفَ مَفْعُولَهُ لِدَلالَةِ الظَّرْفِ عَلَيْهِ أيْ ولَوْ تَرى الظّالِمِينَ.
﴿ فِي غَمَراتِ المَوْتِ ﴾ شَدائِدِهِ مِن غَمَرَهُ الماءُ إذا غَشِيَهُ.
﴿ والمَلائِكَةُ باسِطُو أيْدِيهِمْ ﴾ يَقْبِضُ أرْواحَهم كالمُتَقاضِي المُلِظِّ أوْ بِالعَذابِ.
﴿ أخْرِجُوا أنْفُسَكُمُ ﴾ أيْ يَقُولُونَ لَهم أخْرِجُوها إلَيْنا مِن أجْسادِكم تَغْلِيظًا وتَعْنِيفًا عَلَيْهِمْ، أوْ أخْرِجُوها مِنَ العَذابِ وخَلِّصُوها مِن أيْدِينا.
﴿ اليَوْمَ ﴾ يُرِيدُونَ وقْتَ الإماتَةِ، أوِ الوَقْتَ المُمْتَدَّ مِنَ الإماتَةِ إلى ما لا نِهايَةَ لَهُ.
﴿ تُجْزَوْنَ عَذابَ الهُونِ ﴾ أيِ الهَوانِ يُرِيدُونَ العَذابَ المُتَضَمِّنَ لِشِدَّةٍ وإهانَةٍ، فَإضافَتُهُ إلى الهَوْنِ لِعَراقَتِهِ وتَمَكُّنِهِ فِيهِ.
﴿ بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلى اللَّهِ غَيْرَ الحَقِّ ﴾ كادِّعاءِ الوَلَدِ والشَّرِيكِ لَهُ ودَعْوى النُّبُوَّةِ والوَحْيِ كاذِبًا.
﴿ وَكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ ﴾ فَلا تَتَأمَّلُونَ فِيها ولا تُؤْمِنُونَ.
<div class="verse-tafsir"
{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِباً} هو مالك بن الصيف {أَوْ قَالَ أُوْحِي
إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ} هو مسيلمة الكذاب {وَمَن قَالَ} في موضع جر عطف على مَنِ افترى أي وممن قال {سَأُنزِلُ مِثْلَ مَآ أَنَزلَ الله} أي سأقول وأملي هو عبد الله بن سعد بن أبي سرح كاتب الوحي وقد أملى النبي عليه السلام عليه ولقد خلقنا الإنسان إلى حلق آخر فجرى على لسانه فَتَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الخالقين فقال عليه السلام اكتبها فكذلك نزلت فشك وقال إن كان محمدا صادقاً فقد أوحي إلي كما أوحي إليه وإن كان كاذباً فقد قلت كما قال فارتد ولحق بمكة أو النضر بن الحرث كان يقول والطاحنات طحناً فالعاجنات عجناً فالخابزات خبزاً كأنه يعارض {وَلَوْ تَرَى} جوابه محذوف أي لرأيت أمراً عظيماً {إِذِ الظالمون} يريد الذين ذكرهم من اليهود والمتنبئة فتكون اللام للعهد ويجوز أن تكون للجنس فيدخل فيه هؤلاء لاشماله {فِي غَمْرَاتِ الموت} شدائده وسكراته {والملائكة بَاسِطُوآ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ} أي يبسطون إليهم أيديهم يقولون هاتوا أرواحكم أخرجوها إلينا من أجسادكم وهذه عبارة عن التشديد في الإزهاق من غير تنفيس وإمهال {اليوم تُجْزَوْنَ عَذَابَ الهون} أرادوا وقت الإماتة وما يعذبون به من شدة النزع والهون والهوان الشديد وإضافة العذاب إليه كقولك رحل سوء يريد العراقة في الهوان والتمكن فيه {بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى الله غَيْرَ الحق} من أن له شريكا وصاحبة وولدا وغير الحق مفعول تَقُولُونَ أو وصف لمصدر محذوف أى قولا غير الحق {وكنتم عن آياته تستكبرون} فلا يؤمنون بها
﴿ ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا ﴾ كالَّذِينِ قالُوا ﴿ ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ ﴾ ﴿ أوْ قالَ أُوحِيَ إلَيَّ ﴾ مِن جِهَتِهِ تَعالى ﴿ ولَمْ يُوحَ إلَيْهِ ﴾ أيْ والحالُ أنَّهُ لَمْ يُوحَ إلَيْهِ شَيْءٌ كَمُسَيْلِمَةَ والأسْوَدِ العَنْسِيِّ ﴿ ومَن قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أنْزَلَ اللَّهُ ﴾ أيْ أنا قادِرٌ عَلى مِثْلِ ذَلِكَ النَّظْمِ كالَّذِينِ قالُوا: ﴿ لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا ﴾ وتَفْسِيرُ الأوَّلِ بِما ذَكَرْناهُ لَمْ نَقِفْ عَلَيْهِ لِغَيْرِنا وتَفْسِيرُ الثّانِي ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ، وتَفْسِيرُ الثّالِثِ ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّجّاجُ ومَن وافَقَهُ وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ قالَ أُوحِيَ إلَيَّ ولَمْ يُوحَ إلَيْهِ شَيْءٌ ﴾ نَزَلَتْ في مُسَيْلِمَةَ الكَذّابِ، والأخِيرُ نَزَلَ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أبِي سَرْحٍ، وجَعَلَ بَعْضُهم عَلى هَذا عَطْفَ (أوْ قالَ) الأوَّلِ عَلى (افْتَرى) إلَخْ مِن عَطْفِ التَّفْسِيرِ وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا يَكُونُ بِـ (أوْ) واسْتُحْسِنَ أنَّهُ مِن عَطْفِ المُغايِرِ بِاعْتِبارِ العُنْوانِ و(أوْ) لِلتَّنْوِيعِ يَعْنِي أنَّهُ تارَةً ادَّعى أنَّ اللَّهَ تَعالى بَعَثَهُ نَبِيًّا وأُخْرى أنَّ اللَّهَ تَعالى أوْحى إلَيْهِ وإنْ كانَ يَلْزَمُ النُّبُوَّةُ في نَفْسِ الأمْرِ الإيحاءَ ويَلْزَمُ الإيحاءُ النُّبُوَّةَ، ويُفْهَمُ مِن صَنِيعِ بَعْضِهِمْ أنَّ (أوْ) بِمَعْنى الواوِ.
وأمّا ابْنُ أبِي سَرْحٍ فَلَمْ يَدَّعِ صَرِيحًا القُدْرَةَ ولَكِنْ قَدْ يَقْتَضِيها كَلامُهُ عَلى ما يُفْهَمُ مِن بَعْضِ الرِّواياتِ.
وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الثّانِي بِعَبْدِ اللَّهِ ودَعَواهُ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّرْدِيدِ، فَقَدْ رُوِيَ «أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ كانَ قَدْ تَكَلَّمَ بِالإسْلامِ فَدَعاهُ رَسُولُ اللَّهِ ذاتَ يَوْمٍ فَكَتَبَ لَهُ شَيْئًا فَلَمّا نَزَلَتِ الآيَةُ في المُؤْمِنِينَ: ﴿ ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ ﴾ أمْلاها عَلَيْهِ فَلَمّا انْتَهى إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ ﴾ عَجِبَ عَبْدُ اللَّهِ مِن تَفْصِيلِ خَلْقِ الإنْسانِ فَقالَ تَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ: هَكَذا أُنْزِلَتْ عَلَيَّ فَشَكَّ حِينَئِذٍ وقالَ: لَئِنْ كانَ مُحَمَّدٌ صادِقًا لَقَدْ أُوحِيَ إلَيَّ ولَئِنْ كانَ كاذِبًا لَقَدْ قُلْتُ كَما قالَ،» وجَعْلُ الشِّقِّ الثّانِي في مَعْنى دَعْوى القُدْرَةِ عَلى المِثْلِ فَيَصِحُّ تَفْسِيرُ الثّانِي والثّالِثِ بِهِ لا يَصِحُّ إلّا إذا اعْتُبِرَ عُنْوانُ الصِّلَةِ في الأخِيرِ مِن بابِ المُماشاةِ مَثَلًا كَما لا يَخْفى.
واعْتَبَرَ الإمامُ عُمُومَ افْتِراءِ الكَذِبِ عَلى اللَّهِ تَعالى وجَعَلَ المَعْطُوفَ عَلَيْهِ نَوْعًا مِنَ الأشْياءِ الَّتِي وُصِفَتْ بِكَوْنِها افْتِراءً ثُمَّ قالَ: والفَرْقُ بَيْنَ هَذا القَوْلِ وما قَبْلَهُ أنَّ في الأوَّلِ كانَ يَدَّعِي أنَّهُ أُوحِيَ إلَيْهِ فِيما يَكْذِبُ بِهِ ولَمْ يُنْكِرْ نُزُولَ الوَحْيِ عَلى النَّبِيِّ ؛ وفي الثّانِي أثْبَتَ الوَحْيَ لِنَفْسِهِ ونَفاهُ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَكانَ جَمْعًا بَيْنَ أمْرَيْنِ عَظِيمَيْنِ مِنَ الكَذِبِ: إثْباتُ ما لَيْسَ بِمَوْجُودٍ، ونَفْيُ ما هو مَوْجُودٌ، انْتَهى.
وفِيهِ عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ حَيْثُ جَعَلَ ضَمِيرَ (إلَيْهِ) راجِعًا لِلنَّبِيِّ والواوَ في ﴿ ولَمْ يُوحَ ﴾ لِلْعَطْفِ والمُتَعاطِفانِ مَقُولُ القَوْلِ؛ والمُنْساقُ لِلذِّهْنِ جَعْلُ الضَّمِيرِ لِـ (مَن) والواوِ لِلْحالِ وما بَعْدَها مِن كَلامِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى؛ ورُبَّما يُقالُ لَوْ قُطِعَ النَّظَرُ عَنْ سَبَبِ النُّزُولِ: إنَّ المُرادَ بِمَنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا مَن أشْرَكَ بِاللَّهِ تَعالى أحَدًا بِحَمْلِ افْتِراءِ الكَذِبِ عَلى أعِظَمِ أفْرادِهِ وهو الشِّرْكُ، وكَثِيرٌ مِنَ الآياتِ يَصْدَحُ بِهَذا المَعْنى، وبِمَن قالَ: ﴿ أُوحِيَ إلَيَّ ﴾ والحالُ لَمْ يُوحَ إلَيْهِ مُدَّعِي النُّبُوَّةِ كاذِبًا وبِمَن قالَ ﴿ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أنْزَلَ اللَّهُ ﴾ الطّاعِنُ في نُبُوَّةِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَكَأنَّهُ قِيلَ: مَن أظْلَمُ مِمَّنْ أشْرَكَ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ أوِ ادَّعى النُّبُوَّةَ كاذِبًا أوْ طَعَنَ في نُبُوَّةِ النَّبِيِّ ؟
وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ فَتَذَكَّرْ وتَدَبَّرْ ﴿ ولَوْ تَرى ﴾ أيْ تُبْصِرُ.
ومَفْعُولُهُ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ الظَّرْفِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إذِ الظّالِمُونَ ﴾ عَلَيْهِ ثُمَّ لَمّا حُذِفَ أُقِيمَ الظَّرْفُ مَقامَهُ؛ والأصْلُ: لَوْ تَرى الظّالِمِينَ إذْ هُمْ، و(إذْ) ظَرْفُ لِـ (تَرى) و الظّالِمُونَ مُبْتَدَأٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي غَمَراتِ المَوْتِ ﴾ خَبَرُهُ، وإذْ ظَرْفٌ لِـ (تَرى) .
وتَقْيِيدُ الرُّؤْيَةِ بِهَذا الوَقْتِ لِيُفِيدَ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مُجَرَّدَ رُؤْيَتِهِمْ بَلْ رُؤْيَتُهم عَلى حالٍ فَظِيعَةٍ عِنْدَ كُلِّ ناظِرٍ، وقِيلَ: المَفْعُولُ (إذْ) والمَقْصُودُ تَهْوِيلُ هَذا الوَقْتِ لِفَظاعَةِ ما فِيهِ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ أيْ لَرَأيْتَ أمْرًا فَظِيعًا هائِلًا، والمُرادُ بِالظّالِمِينَ ما يَشْمَلُ الأنْواعَ الثَّلاثَةَ مِنَ الِافْتِراءِ والقَوْلَيْنِ الأخِيرَيْنِ والغَمْرَةِ -كَما قالَ الشِّهابُ في الأصْلِ-: المَرَّةُ مِن غَمَرَ الماءُ ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِلشِّدَّةِ وشاعَ فِيها حَتّى صارَ كالحَقِيقَةِ، ومِنهُ قَوْلُ المُتَنَبِّي: وتُسْعِدُنِي في غَمْرَةٍ بَعْدَ غَمْرَةٍ سَبُوحٌ لَها مِنها عَلَيْها شَواهِدُ والمُرادُ هُنا سَكَراتُ المَوْتِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ﴿ والمَلائِكَةُ ﴾ الَّذِينَ يَقْبِضُونَ أرْواحَهم وهم أعْوانُ مَلَكِ المَوْتِ ﴿ باسِطُو أيْدِيهِمْ ﴾ أيْ بِالعَذابِ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهم يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأدْبارَهم قائِلِينَ لَهم ﴿ أخْرِجُوا أنْفُسَكُمُ ﴾ أيْ خَلِّصُوها مِمّا أنْتُمْ فِيهِ مِنَ العَذابِ، والأمْرُ لِلتَّوْبِيخِ والتَّعْجِيزِ، وذَهَبَ بَعْضُهم أنَّ هَذا تَمْثِيلٌ لِفِعْلِ المَلائِكَةِ في قَبْضِ أرْواحِ الظَّلَمَةِ بِفِعْلِ الغَرِيمِ المُلِحِّ يَبْسُطُ يَدَهُ إلى مَن عَلَيْهِ الحَقُّ ويُعَنِّفُ عَلَيْهِ في المُطالَبَةِ ولا يُمْهِلُهُ ويَقُولُ لَهُ: أخْرِجْ ما لِي عَلَيْكَ السّاعَةَ ولا أرِيمُ مَكانِي حَتّى أنْزِعَهُ مِن أحْداقِكَ، وفي الكَشْفِ أنَّهُ كِنايَةٌ عَنِ العُنْفِ في السِّياقِ والإلْحاحِ والتَّشْدِيدِ في الإزْهاقِ مِن غَيْرِ تَنْفِيسٍ وإمْهالٍ ولا بَسْطٍ ولا قَوْلَ حَقِيقَةً هُناكَ، واسْتَظْهَرَ ابْنُ المُنِيرِ أنَّهم يَفْعَلُونَ مَعَهم هَذِهِ الأُمُورَ حَقِيقَةً عَلى الصُّوَرِ المَحْكِيَّةِ، وإذا أمْكَنَ البَقاءُ عَلى الحَقِيقَةِ فَلا مَعْدِلَ عَنْها ﴿ اليَوْمَ ﴾ المُرادُ بِهِ مُطْلَقُ الزَّمانِ لا المُتَعارَفُ عَلَيْهِ، وهو إمّا حِينَ المَوْتِ أوْ ما يَشْمَلُهُ وما بَعْدَهُ ﴿ تُجْزَوْنَ عَذابَ الهُونِ ﴾ أيِ المُشْتَمِلِ عَلى الهَوانِ والشِّدَّةِ.
والإضافَةُ كَما في رَجُلِ سُوءٍ تُفِيدُ أنَّهُ مُتَمَكِّنٌ في ذَلِكَ لِأنَّ الِاخْتِصاصَ الَّذِي تُفِيدُهُ الإضافَةُ أقْوى مِنَ اخْتِصاصِ التَّوْصِيفِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الإضافَةُ عَلى ظاهِرِها لِأنَّ العَذابَ قَدْ يَكُونُ لِلتَّأْدِيبِ لا لِلْهَوانِ والخِزْيِ.
ومِنَ النّاسِ مَن فَسَّرَ غَمَراتِ المَوْتِ بِشَدائِدَ العَذابِ في النّارِ فَإنَّها وإنْ كانَتْ أشَدَّ مِن سَكَراتِ المَوْتِ في الحَقِيقَةِ إلّا أنَّها اسْتُعْمِلَتْ فِيها تَقْرِيبًا لِلْإفْهامِ، وبَسْطِ المَلائِكَةِ أيْدِيَهم بِضَرْبِهِمْ لِلظّالِمِينَ في النّارِ بِمَقامِعَ مِن حَدِيدٍ، والإخْراجَ بِالإخْراجِ مِنَ النّارِ وعَذابِها، واليَوْمَ بِاليَوْمِ المَعْلُومِ ﴿ بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ ﴾ مُفْتَرِينَ ﴿ عَلى اللَّهِ غَيْرَ الحَقِّ ﴾ مِن نَفْيِ إنْزالِهِ عَلى بَشَرٍ شَيْئًا وادِّعاءِ الوَحْيِ أوْ مِن نِسْبَةِ الشِّرْكِ إلَيْهِ ودَعْوى النُّبُوَّةِ كَذِبًا ونَفْيِها عَمَّنِ اتَّصَفَ بِها حَقِيقَةً أوْ نَحْوَ ذَلِكَ.
وفي التَّعْبِيرِ بِـ (غَيْرَ الحَقِّ) عَنِ الباطِلِ ما لا يَخْفى وهو مَفْعُولُ ﴿ تَقُولُونَ ﴾ ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ قَوْلًا غَيْرَ الحَقِّ ﴿ وكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ ﴾ 93 - أيْ تُعْرِضُونَ فَلا تَتَأمَّلُونَ فِيها ولا تُؤْمِنُونَ <div class="verse-tafsir"
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ نزلت في مسيلمة الكذاب زعم أن الله تعالى أوحى إليه وهو قوله وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ يعني: عبد الله بن أبي سرح كان كاتب الوحي فكان النبيّ إذا أملى عليه سَمِيعاً عَلِيماً يكتب عليماً حكيماً.
وإذا أملى عليه عليماً حكيماً، كتب هو سميعاً بصيراً وشكّ وقال: إن كان محمد يوحى إليه فقد أوحي إليّ، وإن كان ينزل إليه فقد أنزل إليّ مثل ما أنزل إليه فلحق بالمشركين وكفر.
وقال الضحاك: هو مسيلمة الكذاب كان يقول: بعث محمد إلى جسيم الأمور، وبعثت إلى محقرات الأمور.
ويقال هذا جواب لقولهم: لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا [الأنفال: 31] .
ثم قال: وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ يعني: ولو تعلم إذ الكافرون فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ أي: في نزعات الموت وسكراته.
فحذف الجواب لأن في الكلام دليلاً عليه.
ومعناه: لو رأيتهم في عذاب شديد.
ثم قال: وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ بالضرب.
ويقولون: أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ يعني: أرواحكم الخبيثة قال الفقيه أبو جعفر.
قال: حدّثنا أبو القاسم أحمد بن حسين.
قال: حدثنا محمد بن سلمة.
قال: حدّثنا أبو أيوب عن القاسم بن الفضل الحداني عن قتادة عن أسامة بن زهير عن أبي هريرة قال.
قال رسول الله : «إنَّ المُؤْمِنَ إذا حَضَرَهُ المَوْتُ أتَتْهُ المَلائِكَةُ بحَرِيرَةٍ فيها مسك، ومن ضبائر الرَّيْحَانِ، وَتُسَلُّ رُوحُهُ كَمَا تُسَلُّ الشَّعْرَةُ مِنَ العَجِينِ، ويقالُ لها: يا أيَّتُهَا النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ اخْرُجِي رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً وَمَرْضِيّاً عَنْكِ إلَى رُوحِ الله وَكَرَامَتِهِ، فإذا خَرَجَتْ رُوحُهُ وُضِعَتْ عَلَى ذلك المِسْكِ والرَّيْحَانِ وَطُوِيَتْ عَلَيْهِ الحَرِيرَةُ وَبُعِثَ بِهَا إلى علِّيِّينَ وَإِنَّ الكافِرَ إذَا حُضِرَ أتَتْهُ المَلائِكَةُ بِمِسْحٍ فِيهِ جَمْرَةٌ، فَتُنْتَزَعُ رُوحُهُ انْتِزَاعاً شَدِيداً.
ويقالُ لَهَا: أيَّتُها النَّفْسُ الخَبِيثَةُ اخْرُجِي سَاخِطَةً وَمَسْخُوطَةً إلَى هَوَانِ الله وَعَذَابِهِ، فإذا خَرَجَتْ رُوحُهُ وُضِعَتْ عَلَى تِلْكَ الجَمْرَةِ وإنَّ لَهَا نَشِيجاً وَيُطْوَى عَلَيْهَا المِسْحُ، وَيُذْهَبُ بِهَا إلى سِجِّين» .
ثم قال الله تعالى: الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ يعني إذا بعثوا يوم القيامة يقال لهم: اليوم تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ يعني: الهوان أي الشديد بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ في الدنيا غَيْرَ الْحَقِّ بأن معه شريكاً وَكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ يعني: عن الإيمان بمحمد وبالقرآن، ولم تقرّوا به.
قوله تعالى: وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى يعني: في الآخرة فُرادى لا ولد لكم ولا مال.
الفرادى جمع فرد، يعني: ليس معكم من دنياكم شيء.
كَما خَلَقْناكُمْ يعني: أعطيناكم من المال والولد وَتَرَكْتُمْ مَّا خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ في الدنيا.
وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ يعني: آلهتكم الَّذِينَ زَعَمْتُمْ في الدنيا أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ يعني: قلتم لي شريك ولكم شفعاء عند الله.
لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ قرأ نافع والكسائي وعاصم في رواية حفص بَيْنَكُمْ بالنصب وقرأ الباقون بَيْنَكُمْ بالضم فمن قرأ بالضم جعل البَيْن اسماً، يعني: تقطع وصْلُكم ومودتكم.
ومن قرأ بالنصب فمعناه لقد تقطع ما كنتم فيه من الشركة بينكم، فيصير نصباً بالظرف كما تقول: أصبحت بينكم أي فيما بينكم.
وَضَلَّ عَنْكُمْ مَّا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ يعني: اشتغل عنكم ما كنتم تعبدون وتزعمون أنها شفعاؤكم.
وقوله تعالى: <div class="verse-tafsir"
المَسَاجِدِ بِالنُّورِ التَّامِّ يَوْمَ القِيَامَةِ» «١» ، وروى أبو داود أيضاً بسنده، عن سعيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، قال: حضر رجلاً من الأنصار المَوْتُ، فقال: إني محدِّثكم حديثاً ما أحدثكموه إلا احتسابا، سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يَقُولُ: إذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ، فَأَحْسَنَ الوُضُوءَ، ثُمَّ خَرَجَ إلَى الصَّلاَةِ، لَمْ يَرْفَعْ قَدَمَهُ اليمنى إلاَّ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ حَسَنَةً، وَلَمْ يَضَعْ قَدَمَهُ اليسرى إلاَّ حَطَّ اللَّهُ عَنْهُ سَيِّئَةً، فَلْيَقْرُبْ أَوْ لِيُبْعِدْ، فَإنْ أَتَى المَسْجِدِ، فصلى فِي جَمَاعَةٍ، غُفِرَ لَهُ، فَإنْ أَتَى المَسْجِدَ، وَقَدْ صَلَّوْا بَعْضاً، وَبَقِيَ بَعْضٌ، صلى مَا أَدْرَكَ وَأَتَمَّ مَا بَقِيَ- كَانَ كَذَلِكَ فَإنْ أَتَى المَسْجِدَ، وَقَدْ صَلَّوْا، فَأَتَمَّ الصَّلاَةَ، كَانَ كَذَلِكَ» «٢» ، وأخرج أبو داودَ، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ، ثُمَّ رَاحَ فَوَجَدَ النَّاسَ قَدْ صَلَّوْا، أَعْطَاهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ مِثْلَ أَجْرِ مَنْ صَلاَّهَا أَوْ حَضَرَهَا، لاَ ينقص ذلك من أجورهم» «٣» انتهى.
وقوله سبحانه: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ
شَيْءٌ وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ، هذه ألفاظٌ عامَّة، فكل مَنْ واقَعَ شيئاً مما يدخُلُ تحت هذه الألفاظ، فهو داخلٌ في الظُّلْم الذي قد عَظَّمه اللَّه تعالى، وقال قتادةُ «١» وغيره:
المرادُ بهذه الآياتِ مُسَيْلِمَةُ «٢» ، والأسودُ العَنْسِيُّ «٣» .
قال عكرمة «٤» : أوَّلها في مُسَيْلِمَة، والآخر في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ «٥» ، وقيل:
نزلَتْ في النَّضْرِ بنِ الحارِثِ، وبالجملة فالآيةُ تتناولُ مَنْ تعرَّض شيئاً من معانيها إلى يوم القيامةِ كَطُلَيْحَةَ الأَسَدِيِّ «٦» ، والمُخْتَارِ بن أبي عبيد وسواهما.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ قالَ أُوحِيَ إلَيَّ ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ أوَّلَها، إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَلَمْ يُوحَ إلَيْهِ شَيْءٌ ﴾ نَزَلَ في مُسَيْلِمَةَ الكَذّابِ.
وَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أنْزَلَ اللَّهُ ﴾ نَزَلَ في «عَبْدِ اللهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أبِي سَرْحٍ، كانَ قَدْ تَكَلَّمَ بِالإسْلامِ، وكانَ يَكْتُبُ لَرَسُولِ اللَّهِ في بَعْضِ الأحايِينِ؛ فَإذا أُمْلِيَ عَلَيْهِ: "عَزِيزٌ حَكِيمٌ" كَتَبَ: "غَفُورٌ رَحِيمٌ" فَيَقُولُ لَرَسُولِ اللَّهِ : هَذا وذاكَ سَواءٌ.
فَلَمّا نَزَلَتْ: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ ﴾ أمْلاها عَلَيْهِ، فَلَمّا انْتَهى إلى قَوْلِهِ: ﴿ خَلْقًا آخَرَ ﴾ عَجِبَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَعْدٍ، فَقالَ: ( تَبارَكَ الله أحْسَن الخالِقِينَ ) [المُؤْمِنُونَ:١٢-١٤] فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ : "كَذا أُنْزِلَتْ عَلَيَّ، فاكْتُبْها" فَشَكَّ حِينَئِذٍ، وقالَ: لَئِنْ كانَ مُحَمَّدٌ صادِقًا: لَقَدْ أُوحِيَ إلَيَّ كَما أُوحِيَ إلَيْهِ، ولَئِنْ كانَ كاذِبًا، لَقَدْ قُلْتُ كَما قالَ،» رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
قالَ عِكْرِمَةُ: ثُمَّ رَجَعَ إلى الإسْلامِ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ جَمِيعَ الآَيَةِ في عَبْدِ اللهِ بْنِ سَعْدٍ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ في مُسَيْلِمَةَ، والأسْوَدِ العَنْسِيِّ، قالَهُ قَتادَةُ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ أفْرَدَ قَوْلَهُ: ﴿ أوْ قالَ أُوحِيَ إلَيَّ ﴾ مِن قَوْلِهُ: ﴿ وَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى ﴾ وذاكَ مُفْتَرٍ أيْضًا؟
فَعَنْهُ جَوابانِ.
أحَدُهُما: أنَّ الوَصْفَيْنِ لَرَجُلٍ واحِدٍ، وصْفٍ بِأمْرٍ بَعْدَ أمْرٍ لَيَدُلَّ عَلى جُرْأتِهِ.
والثّانِي: أنَّهُ خَصَّ بِقَوْلِهِ: ﴿ أوْ قالَ أُوحِيَ إلَيَّ ﴾ بَعْدَ أنَّ عَمَّ بِقَوْلِهِ: ﴿ افْتَرى عَلى اللَّهِ ﴾ لِأنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مُفْتَرٍ عَلى اللَّهِ يَدَّعِي أنَّهُ يُوحى إلَيْهِ، ذَكَرَهُما ابْنُ الأنْبارِيِّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أنْزَلَ اللَّهُ ﴾ أيْ: سَأقُولُ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنُونَ الشِّعْرَ، وهُمُ المُسْتَهْزِؤُونَ.
وقِيلَ: هو قَوْلُ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أبِي سَرْحٍ.
قالَ الزَّجّاجُ: وهَذا جَوابٌ لَقَوْلِهِمْ: "لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا" .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ تَرى إذِ الظّالِمُونَ ﴾ فِيهِمْ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهم قَوْمٌ كانُوا مُسْلِمِينَ بِمَكَّةَ، فَأخْرَجَهُمُ الكَفّارُ مَعَهم إلى قِتالِ بِدْرٍ، فَلَمّا أبْصَرُوا قِلَّةَ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ رَجَعُوا عَنِ الإيمانِ، فَنَزَلَ فِيهِمْ هَذا، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُمُ الَّذِينَ قالُوا: "ما أنْزَلَ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ" قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ.
والثّالِثُ: المَوْصُوفُونَ في هَذِهِ الآَيَةِ، وهُمُ المُفْتَرُونَ والمُدَّعُونَ الوَحْيَ إلَيْهِمْ، ومُماثَلَةُ كَلامِ اللَّهِ.
قالَ الزَّجّاجُ: وجَوابُ "لَوْ" مَحْذُوفٌ؛ والمَعْنى: لَوْ تَراهم في غَمَراتِ المَوْتِ لَرَأيْتَ عَذابًا عَظِيمًا.
ويُقالُ لَكُلِّ مَن كانَ في شَيْءٍ كَبِيرٍ: قَدْ غَمَرَ فَلانًا ذَلِكَ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: غَمَراتُ المَوْتِ: سَكَراتُهُ.
قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ: قالَ اللُّغَوِيُّونَ: سُمِّيَتْ غَمَراتٍ، لِأنَّ أهْوالَها يَغْمُرْنَ مَن يَقَعْنَ بِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والمَلائِكَةُ باسِطُو أيْدِيهِمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: بِالضَّرْبِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: بِالعَذابِ، قالَهُ الحَسَنُ، والضَّحّاكُ.
والثّالِثُ: باسِطُوها لَقَبْضِ الأرْواحِ مِنَ الأجْسادِ، قالَهُ الفَرّاءُ.
وفي الوَقْتِ الَّذِي يَكُونُ هَذا فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: عِنْدَ المَوْتِ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذا عِنْدَ المَوْتِ، المَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم، وأدْبارَهم ومَلَكُ المَوْتِ يَتَوَفّاهم.
والثّانِي: يَوْمُ القِيامَةِ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: في النّارِ، قالَهُ الحَسَنُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أخْرِجُوا أنْفُسَكُمُ ﴾ فِيهِ إضْمارٌ "يَقُولُونَ" وفي مَعْناهُ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: اسْتَسْلِمُوا لَإخْراجِ أنْفُسِكم.
والثّانِي: أخْرِجُوا أنْفُسَكم مِنَ العَذابِ إنْ قَدِرْتُمْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تُجْزَوْنَ عَذابَ الهُونِ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الهَوْنُ: مَضْمُونٌ، وهو الهَوانُ؛ وإذا فَتَحُوا أوَّلَهُ، فَهو الرِّفْقُ والدَّعَةُ.
قالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: تُجْزَوْنَ العَذابَ؛ الَّذِي يَقْعُدُ بِهِ الهَوانُ الشَّدِيدُ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللهِ كَذِبًا أو قالَ أُوحِيَ إلَيَّ ولَمْ يُوحَ إلَيْهِ شَيْءٌ ومَن قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أنْزَلَ اللهِ ولَوْ تَرى إذِ الظالِمُونَ في غَمَراتِ المَوْتِ والمَلائِكَةُ باسِطُو أيْدِيهِمْ أخْرِجُوا أنْفُسَكُمُ اليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الهُونِ بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلى اللهِ غَيْرَ الحَقِّ وكُنْتُمْ عن آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ ﴾ هَذِهِ ألْفاظٌ عامَّةٌ؛ فَكُلُّ مَن واقَعَ شَيْئًا مِمّا يَدْخُلُ تَحْتَ هَذِهِ الألْفاظِ فَهو داخِلٌ في الظُلْمِ الَّذِي قَدْ عَظَّمَهُ اللهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: "وَمَن أظْلَمُ"؛ أيْ: "لا أحَدَ أظْلَمُ..."؛ وقالَ قَتادَةُ ؛ وغَيْرُهُ: اَلْمُرادُ بِهَذِهِ الآياتِ مُسَيْلِمَةُ؛ والأسْوَدُ العنسِيُّ ؛ وذَكَرُوا رُؤْيَةَ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِلسُّوارَيْنِ؛ وقالَ السُدِّيُّ: اَلْمُرادُ بِها «عَبْدُ اللهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أبِي سَرْحٍ العامِرِيِّ؛ وكانَ يَكْتُبُ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - الوَحْيَ؛ وكانَ أخا عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - مِنَ الرَضاعَةِ؛ فَلَمّا نَزَلَتْ ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ ﴾ ﴿ ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً في قَرارٍ مَكِينٍ ﴾ ﴿ ثُمَّ خَلَقْنا النُطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنا العَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنا المُضْغَةَ عِظامًا فَكَسَوْنا العِظامَ لَحْمًا ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ ﴾ ؛ فَقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَعْدٍ - مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ -: ﴿ فَتَبارَكَ اللهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ ﴾ فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: "اُكْتُبْها؛ فَهَكَذا أُنْزِلَتْ"؛ فَتَوَهَّمَ عَبْدُ اللهِ ؛ ولَحِقَ بِمَكَّةَ مُرْتَدًّا؛ وقالَ: أنا أُنْزِلُ مِثْلَ ما أنْزَلَ اللهُ؛» ورُوِيَ عنهُ أيْضًا «أنَّ النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - رُبَّما أمْلى عَلَيْهِ: "واللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ"؛ فَبَدَّلَها هُوَ: "واللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ"؛ فَقالَ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: "ذَلِكَ سَواءٌ"؛» ونَحْوُ هَذا.
وَقالَ عِكْرِمَةُ: أوَّلُها في مُسَيْلِمَةَ؛ والآخِرُ في عَبْدِ اللهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أبِي سَرْحٍ ؛ وذَكَرَ الزَهْراوِيُّ ؛ والمَهْدَوِيُّ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في النَضْرِ بْنِ الحارِثِ ؛ لِأنَّهُ عارَضَ القُرْآنَ بِقَوْلِهِ: "والزارِعاتِ زَرْعًا؛ والخابِزاتِ خَبْزًا"؛ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ السَخافاتِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فَخَصَّصَ المُتَأوِّلُونَ في هَذِهِ الآياتِ ذِكْرَ قَوْمٍ قَدْ يُمْكِنُ أنْ كانُوا أسْبابَ نُزُولِها؛ ثُمَّ هي إلى يَوْمِ القِيامَةِ تَتَناوَلُ مَن تَعَرَّضَ شَيْئًا مِن مَعانِيها؛ كَطُلَيْحَةَ الأسَدِيِّ؛ والمُخْتارِ بْنِ أبِي عُبَيْدٍ ؛ وسِواهُما؛ وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أنْزَلَ ﴾ ؛ بِتَخْفِيفٍ؛ وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "سَأُنَزِّلُ"؛ بِفَتْحِ النُونِ؛ وتَشْدِيدِ الزايِ.
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَلَوْ تَرى إذِ الظالِمُونَ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ جَوابُ "وَلَوْ"؛ مَحْذُوفٌ؛ تَقْدِيرُهُ: لَرَأيْتَ عَجَبًا؛ أو هَوْلًا؛ ونَحْوَ هَذا؛ وحَذْفُ هَذا الجَوابِ أبْلَغُ مِن نَصِّهِ؛ لِأنَّ السامِعَ إذا لَمْ يُنَصَّ لَهُ الجَوابُ يُتْرَكُ مَعَ غايَةِ تَخَيُّلِهِ؛ و"اَلظّالِمُونَ"؛ لَفْظٌ عامٌّ لِمَن واقَعَ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ؛ وغَيْرَ ذَلِكَ مِن أنْواعِ الظُلْمِ الَّذِي هو كُفْرٌ؛ والغَمَراتُ: جَمْعُ "غَمْرَةٌ"؛ وهي المُصِيبَةُ المُبْهَمَةُ المُذْهِلَةُ؛ وهي مُشَبَّهَةٌ بِغَمْرَةِ الماءِ؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ولا يُنْجِي مِنَ الغَمَراتِ إلّا ∗∗∗ بَراكاءُ القِتالِ أوِ الفِرارُ "والمَلائِكَةُ"؛ مَلائِكَةُ قَبْضِ الرُوحِ؛ و ﴿ باسِطُو أيْدِيهِمْ ﴾ ؛ كِنايَةٌ عن مَدِّها بِالمَكْرُوهِ؛ كَما قالَ تَعالى - حِكايَةً عَنِ ابْنَيْ آدَمَ -: ﴿ لَئِنْ بَسَطْتَ إلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ﴾ ؛ وهَذا المَكْرُوهُ هو - لا مَحالَةَ - أوائِلُ عَذابٍ؛ وأماراتُهُ؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأدْبارَهُمْ؛ وأمّا البَسْطُ لِمُجَرَّدِ قَبْضِ النَفْسِ فَإنَّهُ يَشْتَرِكُ فِيهِ الصالِحُونَ؛ والكَفَرَةُ؛ وقِيلَ: إنَّ المُرادَ بَسْطُ الأيْدِي في جَهَنَّمَ؛ والغَمَراتِ كَذَلِكَ؛ لَكِنَّهم لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ أخْرِجُوا أنْفُسَكُمُ ﴾ ؛ حِكايَةٌ لِما تَقُولُهُ المَلائِكَةُ؛ والتَقْدِيرُ: "يَقُولُونَ أخْرِجُوا أنْفُسَكُمْ"؛ ويَحْتَمِلُ قَوْلُ المَلائِكَةِ ذَلِكَ أنْ يُرِيدُوا: "فَأخْرِجُوا أنْفُسَكم مِن هَذِهِ المَصائِبِ؛ والمِحَنِ؛ وخَلِّصُوها؛ إنْ كانَ ما زَعَمْتُمُوهُ حَقًّا في الدُنْيا"؛ وفي ذَلِكَ تَوْبِيخٌ؛ وتَوْقِيفٌ عَلى سالِفِ فِعْلِهِمُ القَبِيحِ؛ قالَ الحَسَنُ: هَذا التَوْبِيخُ - عَلى هَذا الوَجْهِ - هو في جَهَنَّمَ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلى مَعْنى الزَجْرِ؛ والإهانَةِ؛ كَما يَقُولُ الرَجُلُ لِمَن يَقْهَرُهُ بِنَفْسِهِ عَلى أمْرٍ ما: "اِفْعَلْ كَذا"؛ لِذَلِكَ الأمْرِ الَّذِي هو يَتَناوَلُهُ بِنَفْسِهِ مِنهُ عَلى جِهَةِ الإهانَةِ؛ وإدْخالِ الرُعْبِ عَلَيْهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ اليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الهُونِ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ هَذِهِ حِكايَةٌ عن قَوْلِ المَلائِكَةِ لِلْكَفَرَةِ عِنْدَ قَبْضِ أرْواحِهِمْ؛ و"اَلْهُونُ": اَلْهَوانُ؛ ومِنهُ قَوْلُ ذِي الإصْبَعِ: إلَيْكَ عَنِّي فَما أُمِّي بِراعِيَةٍ ∗∗∗ ∗∗∗ تَرْعى المَخاضَ ولا أُغْضِي عَلى الهُونِ وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ ؛ وعِكْرِمَةُ: "عَذابَ الهَوانِ"؛ بِالألِفِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ تَقُولُونَ عَلى اللهِ غَيْرَ الحَقِّ ﴾ ؛ لَفْظٌ جامِعٌ لِكُلِّ نَوْعٍ مِنَ الكُفْرِ؛ ولَكِنَّهُ يَظْهَرُ مِنهُ؛ ومِن قَوْلِهِ: ﴿ وَكُنْتُمْ عن آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ ﴾ ؛ اَلْإنْحاءُ عَلى مَن قَرُبَ ذِكْرُهُ مِن هَؤُلاءِ الَّذِينَ ادَّعَوُا الوَحْيَ؛ وأنْ يُنْزِلُوا مِثْلَ ما أنْزَلَ اللهُ تَعالى ؛ فَإنَّها أفْعالٌ بَيِّنٌ فِيها قَوْلُ غَيْرِ الحَقِّ عَلى اللهِ تَعالى ؛ وبَيِّنٌ فِيها الِاسْتِكْبارُ.
<div class="verse-tafsir"
لمّا تقضّى إبطال ما زعموه من نفي الإرسال والإنزال والوحي، النّاشيءُ عن مقالهم الباطل، إذ قالوا ﴿ ما أنزل الله على بشر من شيء ﴾ [الأنعام: 91]، وعقّب ذلك بإثبات ما لأجله جحدوا إرسال الرّسل وإنزال الوحي على بشر، وهو إثبات أنّ هذا الكتاب منزّل من الله، عُقّب بعد ذلك بإبطال ما اختلقه المشركون من الشّرائع الضّالة في أحوالهم الّتي شرعها لهم عَمْرو بن لُحَيّ من عبادة الأصنام، وزعمهم أنّهم شفعاءُ لهم عند الله، وما يستتبع ذلك من البحيرة، والسّائبة، وما لم يذكر اسم الله عليه من الذبائح، وغير ذلك.
فهم ينفون الرّسالة تارة في حين أنّهم يزعمون أنّ الله أمرهم بأشياء فكيف بلَغهم ما أمرهم الله به في زعمهم، وهم قد قالوا: ﴿ ما أنزل الله على بشر من شيء ﴾ [الأنعام: 91].
فلزمهم أنّهم قد كذَبوا على الله فيما زعموا أنّ الله أمرهم به لأنّهم عطّلوا طريق وصول مراد الله إلى خلقه وهو طريق الرّسالة فجاءوا بأعجب مقالة.
وذكر من استخفّوا بالقرآن فقال بعضهم: أنا أوحيَ إليّ، وقال بعضهم: أنا أقول مثلَ قول القرآن، فيكون المراد بقوله: ﴿ ومن أظلم ممَّن افترى على الله كذباً ﴾ تسفيه عقائد أهل الشّرك والضّلالة منهم على اختلافها واضطرابها.
ويجوز أن يكون المراد مع ذلك تنزيه النّبيء صلى الله عليه وسلم عمّا رموه به من الكذب على الله حين قالوا: ﴿ ما أنزل الله على بشر من شيء ﴾ [الأنعام: 91] لأنّ الّذي يعلم أنّه لا ظلم أعظم من الافتراء على الله وادّعاءِ الوحي باطلاً لا يُقدم على ذلك، فيكون من ناحية قول هرقل لأبي سفيان «وسألتُك هل كنتم تتّهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال فذكَرْتَ أنّ لا، فقد أعرِفُ أنّه لم يكن ليَذَر الكذب على النّاس ويكذب على الله».
والاستفهام إنكاري فهو في معنى النّفي، أي لا أحد أظلم من هؤلاء أصحاب هذه الصّلات.
ومساقه هنا مساق التّعريض بأنّهم الكاذبون إبطالاً لتكذيبهم إنزال الكتاب، وهو تكذيب دلّ عليه مفهوم قوله: ﴿ والّذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به ﴾ [الأنعام: 92] لاقتضائه أنّ الّذين لا يؤمنون بالآخرة وهم المشركون يكذّبون به؛ ومنهم الذّي قال: أوحي إليّ؛ ومنهم الّذي قال: سأنزل مثل ما أنزل الله؛ ومنهم من افترى على الله كذباً فيما زعموا أنّ الله أمرهم بخصال جاهليتهم.
ومثل هذا التّعريض قوله تعالى في سورة [العقود: 60] ﴿ قل هل أنبّئكم بشرّ من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه ﴾ الآية عقب قوله: ﴿ يأيّها الّذين آمنُوا لاَ تَتَّخذُوا الَّذين اتَّخذوا دِينكم هُزؤاً ولعباً من الَّذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفّار أولياء ﴾ [المائدة: 57] الآية.
وتقدّم القول في ﴿ ومَنْ أظلم ﴾ عند قوله تعالى: ﴿ ومن أظلم ممّن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه ﴾ في سورة البقرة: 114].
وافتراء: الاختلاق، وتقدّم في قوله تعالى: ﴿ ولكن الّذين كفروا يفترون على الله الكذب ﴾ في سورة [العقود: 103].
ومَن} موصولة مراد به الجنس، أي كلّ من افترى أو قال، وليس المراد فرداً معيّناً، فالّذين افتروا على الله كذباً هم المشركون لأنهم حلّلوا وحرّموا بهواهم وزعموا أنّ الله أمرهم بذلك، وأثبتوا لله شفعاء عنده كذباً.
و ﴿ أوْ قال أوحي إليّ ﴾ عطف على صلة ﴿ مَن ﴾ ، أي كلّ من ادّعى النّبوءة كذباً، ولم يزل الرّسل يحذّرون النّاس من الّذين يدّعون النّبوءة كذباً كما قدّمته.
روي أنّ المقصود بهذا مسيلمة متنبّئ أهل اليمامة، قاله ابن عبّاس وقتادة وعكرمة.
وهذا يقتضي أن يكون مسيلمة قد ادّعى النّبوءة قبل هجرة النّبيء صلى الله عليه وسلم إلى المدينة لأنّ السّورة مكّية.
والصّواب أنّ مسيلمة لم يدع النّبوءة إلاّ بعد أن وفد على النّبيء صلى الله عليه وسلم في قومه بني حنيفة بالمدينة سنة تسع طامعاً في أن يجعل له رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمرَ بعده فلمّا رجع خائباً ادّعى النّبوءة في قومه.
وفي «تفسير» ابن عطيّة أنّ المراد بهذه الآية مع مسيلمة الأسودُ العَنْسِي المتنبّئ بصنعاء.
وهذا لم يقله غير ابن عطيّة.
وإنّما ذكرَ الطّبري الأسود تنظيراً مع مسيلمة فإنّ الأسود العنْسي ما ادّعى النّبوءة إلاّ في آخر حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم والوجه أنّ المقصود العموم ولا يضرّه انحصار ذلك في فرد أو فردين في وقت مَّا وانطباق الآية عليه.
وأمّا ﴿ من قال سأنزل مثل ما أنزل الله ﴾ ، فقال الواحدي في «أسباب النّزول»، عن ابن عبّاس وعكرمة: أنّها نزلت في عبد الله بن سعد بن أبي سرح العامري وكان قد أسلم بمكّة، وكان يكتب الوحي للنّبيء صلى الله عليه وسلم ثمّ ارتدّ وقال: أنا أقول مثل ما أنزل الله، استهزاء، وهذا أيضاً لا ينثلج له الصّدر لأنّ عبد الله بن أبي سرح ارتدّ بعد الهجرة ولحق بمكّة وهذه السّورة مكّية.
وذكر القرطبي عن عكرمة، وابنُ عطيّة عن الزّهراوي والمهدوي أنّها: نزلت في النضر بن الحارث كان يقول: أنا أعارض القرآن.
وحفظوا له أقوالاً، وذلك على سبيل الاستهزاء.
وقد رووا أنّ أحداً من المشركين قال: إنّما هو قول شاعر وإنّي سأنزل مثله؛ وكان هذا قد تكرّر من المشركين كما أشار إليه القرآن، فالوجه أنّ المراد بالموصول العموم ليشمل كلّ من صدر منه هذا القول ومن يتابعهم عليه في المستقبل.
وقولهم: ﴿ مثلَ ما أنزل الله إمّا أن يكونوا قالوا هذه العبارة سخرية كما قالوا: يأيّها الّذي نُزّلَ عليه الذّكْر إنّك لمجنون ﴾ [الحجر: 6]، وإمّا أن يكون حكاية من الله تعالى بالمعنى، أي قال سأنزل مثل هذا الكلام، فعبَّر الله عنه بقوله: ﴿ ما أنزل الله ﴾ كقوله: ﴿ وقولِهم إنَّا قتلْنا المسيحَ عيسى ابن مريم رسولَ الله ﴾ [النساء: 157].
﴿ وَلَوْ ترى إِذِ الظالمون فِى غَمَرَاتِ الموت والملائكة باسطوا أَيْدِيهِمْ أخرجوا أَنفُسَكُمُ اليوم تُجْزَوْنَ عَذَابَ الهون بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى الله غَيْرَ الحق وَكُنتُمْ عَنْ ءاياته تَسْتَكْبِرُونَ ﴾ .
عُطِفت جملة: ﴿ ولو ترى إذ الظّالمون في غمرات الموت ﴾ على جملة: ﴿ ومن أظلم ممّن افترى على الله كذباً ﴾ لأنّ هذه وعيد بعقاب لأولئك الظّالمين المفترين على الله والقائلين «أوحي إلينا» والقائلين ﴿ سأنزل مثل ما أنزل الله ﴾ .
ف ﴿ الظّالمون ﴾ في قوله: ﴿ ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت ﴾ يشمل أولئك ويشمل جميع الظّالمين المشركين، ولذلك فالتّعريف في ﴿ الظّالمون ﴾ تعريفُ الجنس المفيد للاستغراق.
والخطاب في ﴿ تَرى ﴾ للرّسول صلى الله عليه وسلم أو كلّ من تتأتَّى منه الرّؤية فلا يختصّ به مخاطب.
ثمّ الرّؤية المفروضة يجوز أن يُراد بها رؤية البصر إذا كان الحال المحكي من أحوال يوم القيامة، وأن تكون عِلميّة إذا كانت الحالة المحكيّة من أحوال النّزع وقبض أرواحهم عند الموت.
ومفعول ﴿ ترى ﴾ محذوف دلّ عليه الظّرف المضاف.
والتّقدير: ولو ترى الظّالمين إذ هم في غمرات الموت، أي وقْتهم في غمرات الموت، ويجوز جعل (إذْ) اسماً مجرّداً عن الظرفيّة فيكون هو المفعول كما في قوله تعالى: ﴿ واذكروا إذْ كنتم قليلاً ﴾ [الأعراف: 86] فيكون التّقدير، ولو ترى زمَنَ الظّالمون في غمرات الموت.
ويتعيّن على هذا الاعتبار جعل الرّؤية عِلميّة لأنّ الزّمن لا يُرى.
والمقصود من هذا الشّرط تهويل هذا الحال، ولذلك حذف جواب (لو) كما هو الشّأن في مقام التّهويل.
ونظائرُه كثيرة في القرآن.
والتّقدير: لرأيت أمراً عظيماً.
والغمرة بفتح الغين ما يغمُر، أي يَغُمّ من الماء فلا يترك للمغمور مخلصاً.
وشاعت استعارتها للشدّة تشبيهاً بالشدّة الحاصلة للغريق حين يغمره الوادي أو السّيل حتّى صارت الغمرة حقيقة عرفيّة في الشدّة الشّديدة.
وجَمْع الغمرات يجوز أن يكون لتعدّد الغمرات بعدد الظّالمين فتكون صيغة الجمع مستعملة في حقيقتها.
ويجوز أن يكون لقصد المبالغة في تهويل ما يصيبهم بأنّه أصناف من الشّدائد هي لتعدّد أشكالها وأحوالها لا يعبّر عنها باسم مفرد.
فيجوز أن يكون هذا وعيداً بعذاب يلقونه في الدّنيا في وقت النّزع.
ولمّا كان للموت سكرات جعلت غمرةُ الموت غمَرات.
و (في) للظرفيّة المجازيّة للدّلالة على شدّة ملابسة الغمرات لهم حتّى كأنّها ظرف يحويهم ويحيط بهم.
فالموت على هذا الوجه مستعمل في معناه الحقيقي وغمراتُه هي آلام النّزع.
وتكون جملة: ﴿ أخرجوا أنفسكم ﴾ حكاية قول الملائكة لهم عند قبض أرواحهم.
فيكون إطلاقُ الغمرات مجازاً مفرداً ويكون الموت حقيقة.
ومعنى بسط اليد تمثيلاً للشدّة في انتزاع أرواحهم ولا بسط ولا أيديَ.
والأنفس بمعنى الأرْواح، أي أخرجوا أرْواحكم من أجسادكم، أي هاتوا أرواحكم، والأمر للإهانة والإرْهاق إغلاظاً في قبض أرواحهم ولا يتركون لهم راحة ولا يعاملونهم بلين، وفيه إشارة إلى أنّهم يجْزعون فلا يلفظون أرواحهم وهو على هذا الوجه وعيد بالآلام عند النّزع جزاءاً في الدّنيا على شركهم، وقد كان المشركون في شكّ من البعث فتُوعِّدُوا بما لا شكّ فيه، وهو حال قبض الأرواح بأنّ الله يسلّط عليهم ملائكة تقبض أرواحهم بشدّة وعنف وتذيقهم عذاباً في ذلك.
وذلك الوعيد يقع في نفوسهم موقعاً عظيماً لأنّهم كانوا يخافون شدائد النّزع وهو كقوله تعالى: ﴿ ولو ترى إذ يتوفّى الَّذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم ﴾ [الأنفال: 50] الآية، وقول ﴿ أخرجوا أنفسكم ﴾ على هذا صادر من الملائكة.
ويجوز أن يكون هذا وعيداً بما يلاقيه المشركون من شدائد العذاب يوم القيامة لمناسبة قوله بعد ﴿ ولقد جئتمونا فُرادى ﴾ [الأنعام: 94]؛ فغمرات الموت تمثيل لحالهم يوم الحشر في منازعة الشّدائد وأهوال القيامة بحال منهم في غمرات الموت وشدائد النّزع فالموت تمثيل وليس بحقيقة.
والمقصود من التّمثيل تقريب الحالة وإلاّ فإنّ أهوالهم يومئذٍ أشدّ من غمرات الموت ولكن لا يوجد في المتعارف ما هو أقصى من هذا التّمثيل دلالة على هول الألم.
وهذا كما يقال: وجدت ألَم الموت، وقول أبي قتادة في وقعة حُنَين: «فَضمَّنِي ضَمَّة وَجَدْتُ منها ريحَ الموت»، وقول الحارث بن هشام المخزومي: وشَمِمْتُ ريحَ المَوْت من تِلْقائِهم *** في مَأزِققٍ والخيلُ لَمْ تَتَبَدّدِ وجملة: ﴿ والملائكةُ باسطوا أيديهم ﴾ حال، أي والملائكة مَادّونَ أيديهم إلى المشركين ليقبضوا عليهم ويدفعوهم إلى الحساب على الوجه الثّاني، أو ليقبضوا أرواحهم على الوجه الأوّل، فيكون بسط الأيدي حقيقة بأن تتشكّل الملائكة لهم في أشكال في صورة الآدميين.
ويجوز أن يكون بسط الأيدي كناية عن المَسّ والإيلام، كقوله: ﴿ لئن بسطتَ إليّ يدَك لتقتلني ﴾ [المائدة: 28].
وجملة: ﴿ أخرجوا أنفسكم ﴾ مقول لقوللٍ محذوف.
وحذف القول في مثله شائع، والقول على هذا من جانب الله تعالى.
والتّقدير: نقول لهم: أخرجوا أنفسكم والأنفس بمعنى الذوات.
والأمر للتعجيز، أي أخرجوا أنفسكم من هذا العذاب إن استطعتم، والإخراج مجاز في الإنقاذ والإنجاء لأنّ هذا الحال قبلَ دخولهم النّار.
ويجوز إبْقاء الإخراج على حقيقته إن كان هذا الحال واقعاً في حين دخولهم النّار.
والتّعريف في ﴿ اليوم ﴾ للعهد وهو يوم القيامة الّذي فيه هذا القول، وإطلاق اليوم عليه مشهور، فإنْ حُمل الغمرات على النّزع عند الموت فاليوم مستعمل في الوقت، أي وقت قبض أرواحهم.
وجملة: ﴿ اليوم تجزون ﴾ إلخ استئنافُ وعيد، فُصلت للاستقلال والاهتمام، وهي من قول الملائكة.
و ﴿ تُجْزَوْن ﴾ تعْطَوْن جزاء، والجزاء هو عِوض العمل وما يقابَل به من أجر أو عقوبة.
قال تعالى: ﴿ جَزاء وفاقاً ﴾ [النبأ: 26]، وفي المثل: المرء مَجْزِيّ بما صَنَع إنْ خيراً فخير وإنْ شرّاً فشرّ.
يقال: جزَاه يجزيه فهو جاز.
وهو يتعدّى بنفسه إلى الشّيء المعطَى جزاء، ويتعدّى بالباء إلى الشّيء المكافَأ عنه، كما في هذه الآية.
ولذلك كانت الباء في قوله تعالى في سورة [يونس: 27] ﴿ والَّذين كسبوا السيّئات جزاء سيّئة بمثلها ﴾ مُتؤوّلاً على معنى الإضافة البيانيّة.
أي جزاء هو سيّئة، وأنّ مجرور الباء هو السيّئة المجزى عنها، كما اختاره ابن جني.
وقال الأخفش: الباء فيه زائدة لقوله تعالى: ﴿ وجزاء سيئة سيّئة مثلها ﴾ [الشورى: 40].
ويقال: جازى بصيغة المفاعلة.
قال الرّاغب: ولم يجيء في القرآن: جَازى.
والهُون: الهَوَان، وهو الذّلّ.
وفسّره الزّجاج بالهوان الشّديد، وتبعه صاحب «الكشاف»، ولم يقله غيرهما من علماء اللّغة.
وكلام أهل اللّغة يقتضي أنّ الهُون مرادف الهوان، وقد قرأ ابن مسعود ﴿ اليوم تجزون عذاب الهَوَان ﴾ .
وإضافة العذاب إلى الهون لإفادة ما تقتضيه الإضافة من معنى الاختصاص والمِلك، أي العذاب المتمكّن في الهُون المُلازم له.
والباء في قوله: ﴿ بما كنتم تقولون ﴾ باء العوض لتعديّة فعل ﴿ تُجزون ﴾ إلى المجزي عنه.
ويجوز جَعل الباء للسببيّة، أي تجزون عذاب الهون بسبب قولكم، ويعلم أنّ الجزاء على ذلك، و(ما) مصدريّة.
ثمّ إن كان هذا القول صادراً من جانب الله تعالى فذكر اسم الجلالة من الإظهار في مقام الإضمار لقصد التّهويل.
والأصل بما كنتم تقولون عليّ.
وضُمّن ﴿ تقولون ﴾ معنى تَكْذِبون، فعُلّق به قوله: ﴿ على الله ﴾ ، فعلم أنّ هذا القول كذب على الله كقوله تعالى: ﴿ ولو تَقوّل علينا بعض الأقاويل ﴾ [الحاقة: 44] الآية، وبذلك يصحّ تنزيل فعل ﴿ تقولون ﴾ منزلة اللازم فلا يقدّر له مفعول لأنّ المراد به أنّهم يكذبون، ويصحّ جعل غير الحقّ مفعولاً ل ﴿ تقولون ﴾ ، وغير الحقّ هو الباطل، ولا تكون نسبته إلى الله إلاّ كذباً.
وشمل ﴿ ما كنتم تقولون ﴾ الأقوالَ الثّلاثة المتقدّمة في قوله ﴿ ومن أظلم ممّن افترى على الله كذباً إلى قوله مثلَ ما أنزل الله ﴾ وغيرَها.
و ﴿ غير الحقّ ﴾ حال من (ما) الموصولة أو صفة لمفعول مطلق أو هو المفعول به ل ﴿ تقولون ﴾ .
وقوله: ﴿ وكنتم عن آياته ﴾ عطف على ﴿ كنتم تقولون ﴾ ، أي وباستكباركم عن آياته.
والاستكبار: الإعراض في قلّة اكتراث، فبهذا المعنى يتعدّى إلى الآيات، أو أريد من الآيات التأمّل فيها فيكون الاستكبار على حقيقته، أي تستكبرون عن التدبّر في الآيات وترون أنفسكم أعظم من صاحب تلك الآيات.
وجواب (لو) محذوف لقصد التّهويل.
والمعنى: لرأيتَ أمراً مُفْظعاً.
وحَذْفُ جواب (لو) في مثل هذا المقام شائع في القرآن.
وتقدّم عند قوله تعالى: ﴿ ولو ترى الّذين ظلموا إذ يرون العذاب ﴾ في سورة [البقرة: 165].
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ قالَ أُوحِيَ إلَيَّ ولَمْ يُوحَ إلَيْهِ شَيْءٌ ﴾ فِيمَن نَزَلَ فِيهِ ذَلِكَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مُسَيْلِمَةُ الكَذّابُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
والثّانِي: مُسَيْلِمَةُ والعَنْسِيُّ، قالَهُ قَتادَةُ.
وَقَدْ رَوى مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ أنَّ النَّبِيَّ قالَ: «بَيْنا أنا نائِمٌ كَأنَّ فِي يَدَيَّ سُوارَيْنِ مِن ذَهَبٍ، فَكَبُرَ عَلَيَّ، فَأُوحِيَ إلَيَّ أنْ أنْفُخَهُما فَنَفَخْتُهُما فَطارا، فَأوَّلْتُ ذَلِكَ كَذّابَ اليَمامَةِ وكَذّابَ صَنْعاءَ العَنَسِيَّ» .
﴿ وَمَن قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أنْزَلَ اللَّهُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِن مُدَّعِي الوَحْيِ والنُّبُوَّةِ.
والثّانِي: أنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أبِي سَرْحٍ، قالَهُ السُّدِّيُّ، قالَ الفَرّاءُ: «كانَ يَكْتُبُ لِلنَّبِيِّ فَإذا قالَ النَّبِيُّ: ﴿ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ كَتَبَ ﴿ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ و ﴿ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ فَيَقُولُ لَهُ النَّبِيُّ : (هُما سَواءٌ حَتّى أمْلى عَلَيْهِ ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ خَلْقًا آخَرَ ﴾ فَقالَ ابْنُ أبِي السَّرْحِ: ﴿ فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ ﴾ تَعَجُّبًا مِن تَفْصِيلِ خَلْقِ الإنْسانِ، فَقالَ النَّبِيُّ : (هَكَذا نَزَلَتْ فَشَكَّ وارْتَدَّ).» والثّالِثُ: ما حَكاهُ الحَكَمُ عَنْ عِكْرِمَةَ: أنَّها نَزَلَتْ في النَّضِرِ بْنِ الحارِثِ، لِأنَّهُ عارَضَ القُرْآنَ، لِأنَّهُ قالَ: والطّاحِناتِ طَحْنًا، والعاجِناتِ عَجْنًا، والخابِزاتِ خَبْزًا، فاللّاقِماتِ لَقْمًا.
وَفي قَوْلِهِ: ﴿ والمَلائِكَةُ باسِطُو أيْدِيهِمْ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: باسِطُو أيْدِيهِمْ بِالعَذابِ، قالَهُ الحَسَنُ، والضَّحّاكُ.
والثّانِي: باسِطُو أيْدِيهِمْ لِقَبْضِ الأرْواحِ مِنَ الأجْسادِ، قالَهُ الفَرّاءُ.
وَيُحْتَمَلُ ثالِثًا: باسِطُو أيْدِيهِمْ بِصَحائِفِ الأعْمالِ.
﴿ أخْرِجُوا أنْفُسَكُمُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مِن أجْسادِكم عِنْدَ مُعايَنَةِ المَوْتِ إرْهاقًا لَهم وتَغْلِيظًا عَلَيْهِمْ، وإنْ كانَ إخْراجُها مِن فِعْلِ غَيْرِهِمْ.
والثّانِي: أخْرِجُوا أنْفُسَكم مِنَ العَذابِ إنْ قَدَرْتُمْ، تَقْرِيعًا لَهم وتَوْبِيخًا بِظُلْمِ أنْفُسِهِمْ، قالَهُ الحَسَنُ.
وَيُحْتَمَلُ ثالِثًا: أنْ يَكُونَ مَعْناهُ خَلِّصُوا أنْفُسَكم بِالِاحْتِجاجِ عَنْها فِيما فَعَلْتُمْ.
﴿ اليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الهُونِ ﴾ والهُونِ بِالضَّمِّ الهُوانِ، قالَهُ ذُو الأُصْبُعِ العُدْوانِيُّ أذْهَبُ إلَيْكِ أُمِّي بِراعِيَةٍ تَرْعى المَخاضَ ولا أُغْضِي عَلى الهُونِ وَأمّا الهَوْنُ بِالفَتْحِ فَهو الرِّفْقُ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا ﴾ يَعْنِي بِرِفْقٍ وسَكِينَةٍ، قالَ الرّاجِزُ هَوْنُكُما لا يَرُدُّ الدَّهْرُ ما فاتا ∗∗∗ لا تَهْلَكْنَ أسى في أثَرِ مَن ماتا قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ الفُرادى الوِحْدانِ، ويَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: فُرادى مِنَ الأعْوانِ.
والثّانِي: فُرادى مِنَ الأمْوالِ.
﴿ وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكم وراءَ ظُهُورِكُمْ ﴾ يَعْنِي ما مَلَّكْناكم مِنَ الأمْوالِ، والتَّخْوِيلُ تَمْلِيكُ المالِ، قالَ أبُو النَّجْمِ: أعْطى فَلَمْ يَبْخَلْ ولَمْ يَبْخَلْ ∗∗∗ كَوْمُ الذُّرى مَن خَوَّلَ المُخَوَّلْ ﴿ وَما نَرى مَعَكم شُفَعاءَكُمُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: آلِهَتُهُمُ الَّتِي كانُوا يَعْبُدُونَها، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
والثّانِي: المَلائِكَةُ الَّذِينَ كانُوا يَعْتَقِدُونَ شَفاعَتَهم، قالَهُ مُقاتِلٌ.
﴿ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أنَّهم فِيكم شُرَكاءُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي شُفَعاءَ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
والثّانِي: أيْ مُتَحَمِّلِينَ عَنْكم تَحَمُّلَ الشُّرَكاءِ عَنِ الشُّرَكاءِ.
﴿ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: تَفَرَّقَ جَمْعُكم في الآخِرَةِ.
والثّانِي: ذَهَبَ تَواصُلُكم في الدُّنْيا، قالَهُ مُجاهِدٌ.
وَمَن قَرَأ ﴿ بَيْنَكُمْ ﴾ بِالفَتْحِ، فَمَعْناهُ تَقَطَّعَ الأمْرُ بَيْنَكم.
﴿ وَضَلَّ عَنْكم ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مِن عَدَمِ البَعْثِ والجَزاءِ.
والثّانِي: مِن شُفَعائِكم عِنْدَ اللَّهِ.
فَإنْ قِيلَ: فَقَوْلُهُ: ﴿ وَلَقَدْ جِئْتُمُونا ﴾ خَبَرٌ عَنْ ماضٍ، والمَقْصُودُ مِنهُ الِاسْتِقْبالُ؟
فَعَنْ ذَلِكَ جَوابانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ يُقالُ لَهم ذَلِكَ في الآخِرَةِ فَهو عَلى الظّاهِرِ إخْبارٌ.
والثّانِي: أنَّهُ لِتَحَقُّقِهِ بِمَنزِلَةِ ما كانَ، فَجازَ، وإنْ كانَ مُسْتَقْبَلًا أنْ يُعَبَّرَ عَنْهُ بِالماضِي.
<div class="verse-tafsir"
أخرج الحاكم في المستدرك عن شرحبيل بن سعد قال: نزلت في عبد الله بن أبي سرح ﴿ ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو قال أوحيَ إلي ولم يوح إليه شيء...
﴾ الآية.
فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة فر إلى عثمان أخيه من الرضاعة، فغيبه عنده حتى اطمأن أهل مكة، ثم استأمن له.
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي خلف الأعمى قال: كان ابن أبي سرح يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم الوحي، فأتى أهل مكة فقالوا: يا ابن أبي سرح كيف كتبت لابن أبي كبشة القرآن؟
قال: كنت أكتب كيف شئت، فأنزل الله: ﴿ ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو قال أوحيَ إلي ولم يوح إليه شيء ﴾ قال: نزلت في عبد الله بن سعد بن أبي سرح القرشي، أسلم وكان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم، فكان إذا أملى عليه ﴿ سميعاً عليماً ﴾ كتب ﴿ عليماً حكيماً ﴾ وإذا قال ﴿ عليماً حكيماً ﴾ كتب ﴿ سميعاً عليماً ﴾ فشك وكفر وقال: إن كان محمد يوحى إليه فقد أوحى إليّ.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو قال أوحيَ إلي ولم يوح إليه شيء ﴾ قال: نزلت في مسيلمة الكذاب ونحوه ممن دعا إلى مثل ما دعا إليه، ومن قال: ﴿ سأنزل مثل ما أنزل الله ﴾ قال: نزلت في عبد الله بن سعد بن أبي سرح.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ ومن أظلم...
﴾ الآية.
قال: ذكر لنا أن هذه الآية نزلت في مسيلمة.
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ ومن أظلم...
﴾ الآية.
قال: ذكر لنا أن هذه الآية نزلت في مسيلمة.
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن عكرمة في قوله: ﴿ ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو قال أوحيَ إلي ولم يوح إليه شيء ﴾ قال: نزلت في مسيلمة فيما كان يسجع ويتكهن به، ومن ﴿ قال: سأنزل مثل ما أنزل الله ﴾ قال: نزلت في عبد الله بن سعد ابن أبي سرح، كان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم فكان فيما يملى ﴿ عزيز حكيم ﴾ فيكتب ﴿ غفور رحيم ﴾ فيغيره، ثم يقرأ عليه كذا وكذا لما حوّل فيقول: نعم سواء، فرجع عن الإسلام ولحق بقريش.
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة قال: لما نزلت ﴿ والمرسلات عرفاً فالعاصفات عصفاً ﴾ [ المرسلات: 12] قال النضر وهو من بني عبد الدار: والطاحنات طحناً والعاجنات عجنا.
وقولاً كثيراً، فأنزل الله: ﴿ ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو قال أوحيَ إلي ولم يوح إليه شيء...
﴾ الآية.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال: ما من القرآن شيء إلا قد عمل به من كان قبلكم وسيعمل به من بعدكم، حتى كنت لأمر بهذه الآية ﴿ ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ﴾ ولم يعمل هذا أهل هذه القبلة حتى كان المختار بن أبي عبيدة.
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: آيتان يبشر بهما الكافر عند موته ﴿ ولو ترى إذ الظالمون ﴾ إلى قوله: ﴿ تستكبرون ﴾ .
وأخرج ابن مردويه بسند ضعيف عن ابن عباس قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم قاعداً، وتلا هذه الآية ﴿ ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون ﴾ ثم قال: «والذي نفس محمد بيده ما من نفس تفارق الدنيا حتى ترى مقعدها من الجنة والنار» ، ثم قال: «إذا كان عند ذلك صف سماطان من الملائكة نظموا ما بين الخافقين كأن وجوههم الشمس فينظر إليهم ما يرى غيرهم، وإن كنتم ترون أنه ينظر إليكم مع كل ملك منهم أكفان وحنوط، فإذا كان مؤمناً بشروه بالجنة، وقالوا: اخرجي أيتها النفس الطيبة إلى رضوان الله وجنته فقد أعد الله لك من الكرامة ما هو خير لك من الدنيا وما فيها، فما يزالون يبشرونه ويحفون به فهم ألطف وأرأف من الوالدة بولدها، ويسلون روحه من تحت كل ظفر ومفصل، ويموت الأول فالأول، ويبرد كل عضو الأول فالأول، ويهون عليه وان كنتم ترونه شديداً حتى تبلغ ذقنه، فلهو أشد كرامة للخروج حينئذ من الولد حين يخرج من الرحم، فيبتدرها كل ملك منهم أيهم يقبضها، فيتولى قبضها ملك الموت، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون ﴾ [ السجدة: 11] قال: فيتلقاها باكفان بيض ثم يحتضنها إليه فهو أشد لها لزوماً من المرأة لولدها، ثم يفوح لها فيهم ريح أطيب من المسك، يتباشرون بها ويقولون: مرحبا بالريح الطيبة والروح الطب، اللهم صل عليه روحاً وصل عليه جسداً خرجت منه فيصعدون بها، ولله خلق في الهواء لا يعلم عدتهم إلا هو، فيفوح لها فيهم ريح أطيب من المسك، فيصلون عليها ويتباشرون بها ويفتح لها أبواب السماء، ويصلي عليها كل ملك من كل سماء تمر به حتى توقف بين يدي الملك الجبار، فيقول الجبار عز وجل: مرحباً بالنفس الطبية وبجسد خرجت منه، وإذا قال الرب عز وجل للشيء: مرحبا.
رحب له كل شيء وذهب عنه كل ضيق، ثم يقول: اذهبوا بهذه النفس الطيبة فادخلوها الجنة، وأروها مقعدها، واعرضوا عليها ما أعد لها من النعيم والكرامة، ثم اهبطوا بها إلى الأرض فإني قضيت أني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى، فوالذي نفس محمد بيده هي أشد كراهة للخروج منها حين كانت تخرج من الجسد، وتقول: اين تذهبون بي إلى ذلك الجسد الذي كنت فيه؟
فيقولون: إنّا مأمورون بهذا فلا بد لك منه.
فيهبطون به على قدر فراغهم من غسله وأكفانه، فيدخلون ذلك الروح بين الجسد وأكفانه، فما خلق الله تعالى كلمة تكلم بها حميم ولا غير حميم إلا وهو يسمعها، إلا أنه لا يؤذن له في المراجعة، فلو سمع أشد الناس له حباً ومن أعزهم كان عليه يقول: على رسلكم ما يعجلكم وأذن له في الكلام للعنه، وإنه يسمع خفق نعالهم ونفض أيديهم إذا ولوا عنه.
ثم يأتيه عند ذلك ملكان فظان غليظان يسميان منكراً ونكيراً ومعهما عصا من حديد لو اجتمع عليها الجن والانس ما أقلوها وهي عليهما يسير، فيقولان له: أقعد بإذن الله، فإذا هو مستو قاعداً فينظر عند ذلك إلى خلق كريه فظيع ينسبه ما كان رأى عند موته...
!
فيقولان له من ربك؟
فيقول: الله.
فيقولون: فما دينك؟
فيقول الإِسلام، ثم ينتهرانه عند ذلك انتهارة شديدة، ثم يقولان: فمن نبيك؟
فيقول: محمد صلى الله عليه وسلم ويعرق عند ذلك عرقاً يبتل ما تحته من التراب، ويصير ذلك العرق أطيب من ريح المسك، وينادي عند ذلك من السماء نداء خفياً صدق عبدي فلينفعه صدقه، ثم يفسح له في قبره مد بصره، ويبتذله فيه الريحان، ويستر بالحرير، فإن كان معه من القرآن شيء كفاه نوره، وإن لم يكن معه جعل له نور مثل نور الشمس في قبره، ويفتح له أبواب وكوى إلى الجنة فينظر إلى مقعده منها مما كان عاين حين صعد به، ثم يقال: نم قرير العين، فما نومه ذلك إلى يوم يقوم إلا كنومة ينامها أحدكم شهية لم يرو منها، يقوم وهو يمسح عينيه، فكذلك نومه فيه إلى يوم القيامة.
وإن كان غير ذلك إذا نزل به ملك الموت صف له سماطان من الملائكة نظموا ما بين الخافقين، فيخطف بصره إليهم ما يرى غيرهم، وإن كنتم ترون أنه ينظر إليكم ويشدد عليه، وإن كنتم ترون أنه يهون عليه فيلعنونه، ويقولون: أخرجي أيتها النفس الخبيثة فقد أعد الله لك من النكال والنقمة والعذاب كذا وكذا ساء ما قدمت لنفسك، ولا يزالون يسلونها في غضب وتعب وغلظ وشدة من كل ظفر وعضو، ويموت الأول فالأول، وتنشط نفسه كما يصنع السفود ذو الشعب بالصوف حتى تقع الروح في ذقنه، فلهي أشد كراهية للخروج من الولد حين يخرج من الرحم مع ما يبشرونه بأنواع النكال والعذاب حتى تبلغ ذقنه، فليس منهم ملك إلا وهو يتحاماه كراهية له، فيتولى قبضها ملك الموت الذي وكل بها فيتلقاها، أحسبه قال: بقطعه من بجاد أنتن ما خلق الله وأخشنه، فيلقى فيها ويفوح لها ريح أنتن ما خلق الله ويسد ملك الموت منخريه ويسدون آنافهم ويقولون: اللهم العنها من روح والعنه جسداً خرجت منه، فإذا صعد بها غلقت أبواب السماء دونها، فيرسلها ملك الموت في الهواء حتى إذا دنت من الأرض انحدر مسرعاً في أثرها، فيقبضها بحديدة معه يفعل بها ذلك ثلاث مرات، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق ﴾ [ الحج: 31] والسحيق البعيد.
ثم ينتهي بها فتوقف بين يدي الملك الجبار فيقول: لا مرحباً بالنفس الخبيثة ولا بجسد خرجت منه، ثم يقول: انطلقوا بها إلى جهنم فأروها مقعدها منها واعرضوا عليها ما أعددت لها من العذاب والنقمة والنكال.
ثم يقول الرب: اهبطوا بها إلى الأرض فإني قضيت أني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى.
فيهبطون بها على قدر فراغهم منها، فيدخلون ذلك الروح بين جسده وأكفانه، فما خلق الله حميماً ولا غير حميم من كلمة يتكلم بها لا وهو يسمعها إلا أنه لا يؤذن له في المراجعة، فلو سمع أعز الناس عليه وأحبهم إليه يقول: أخرجوا به وعجلوا وأذن له في المراجعة للعنه.
وود أنه ترك كما هو لا يبلغ به حفوته إلى يوم القيامة.
فإذا دخل قبره جاءه ملكان أسودان أرزقان فظان غليظان، ومعهما مرزبة من حديد وسلاسل وأغلال ومقامع الحديد، فيقولان له: اقعد بإدن الله.
فإذا هو مستوٍ قاعد سقطت عنه أكفانه، ويرى عند ذلك خلفاً فظيعاً ينسى به ما رأى قبل ذلك فيقولان له: من ربك؟
فيقول: أنت.
فيفزعان عند ذلك فزعة.
ويقبضان ويضربانه ضربة بمطرقة الحديد فلا يبقى منه عضو إلا وقع على حدة، فيصيح عند ذلك صيحة فما خلق الله من شيء ملك أو غيره إلا يسمعها إلا الجن والإِنس، فيلعنونه عند ذلك لعنة واحدة وهو قوله: ﴿ أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون ﴾ [ البقرة: 159] والذي نفس محمد بيده لو اجتمع على مطرقتهما الجن والإِنس ما أقلوها وهي عليهما يسير، ثم يقولان عد بإذن الله، فإذا هو مستو قاعداً فيقولان: من ربك؟
فيقول: لا أدري.
فيقولان: فمن نبيك؟
فيقول: سمعت الناس يقولون محمد.
فيقولان: فما تقول أنت؟
فيقول: لا أدري.
فيقولان: لا دريت.
ويعرق عند ذلك عرقاً يبتل ما تحته من التراب، فلهو أنتن من الجيفة فيكم، ويضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه فيقولان له: نم نومة المسهر.
فلا يزال حيات وعقارب أمثال أنياب البخت من النار ينهشنه، ثم يفتح له باب فيرى مقعده من النار، وتهب عليه أرواحها وسمومها، وتلفح وجهه النار غدوّاً وعشياً إلى يوم القيامة» .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ غمرات الموت ﴾ قال: سكرات الموت.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ والملائكة باسطوا أيديهم ﴾ قال: هذا عند الموت.
والبسط!
الضرب.
يضربون وجوههم وأدبارهم.
وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس ﴿ والملائكة باسطوا أيديهم ﴾ قال: ملك الموت عليه السلام.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله: ﴿ والملائكة باسطوا أيديهم ﴾ قال: بالعذاب.
وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن قيس قال: إن لملك الموت أعواناً من الملائكة، ثم تلاث هذه الآية ﴿ ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن وهب قال: إن الملائكة الذين يقرنون بالناس هم الذين يتوفونهم ويكتبون لهم آجالهم، فإذا كان يوم كذا وكذا توفته، ثم نزع ﴿ ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم ﴾ فقيل لوهب: أليس قد قال الله: ﴿ قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ﴾ [ السجدة: 11] قال: نعم، إن الملائكة إذا توفوا نفساً دفعوها إلى ملك الموت وهو كالعاقب يعني العشار الذي يؤدي إليه من تحته.
وأخرج الطستي وابن الأنباري في الوقف والابتداء عن ابن عباس رضي الله عنهما.
أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: ﴿ عذاب الهون ﴾ قال: الهوان الدائم الشديد.
قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال نعم، أما سمعت الشاعر وهو يقول: أنا وجدنا بلاد الله واسعه ** تنجى من الذل والمخزات والهون وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ عذاب الهون ﴾ قال: الهوان.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ عذاب الهون ﴾ قال: الذي يهينهم.
<div class="verse-tafsir"
قوله (١) ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا ﴾ الآية معنى ألفاظ هذه الحروف، وهذا الاستفهام ذكرناه في رأس العشرين من هذه السورة.
قال ابن عباس، والمفسرون: (نزلت في مسيلمة (٢) (٣) (٤) وقوله تعالى: ﴿ أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ ﴾ قال أبو بكر بن الأنباري: (خص بعد أن عمّ؛ لأنه ليس كل من يكذب على الله يدعي أن الله عز وجل أوحى إليه وحيًا، قال: ويجوز أن يكون الأمران من صفة مدعي النبوة وصفه الله عز وجل بأمرٍ بعد أمرٍ ليدل على لعنته وجرأته على الله) (٥) وقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ ﴾ (من): عطف على (من) في قوله: ﴿ مِمَّنِ ﴾ (٦) (٧) ﴿ لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا ﴾ ) (٨) وقال عامة أهل التفسير (٩) (١٠) فأملَى عليه قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ ﴾ إلى قوله: ﴿ ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ ﴾ ، فقال ابن أبي سرح: ﴿ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾ تعجبًا من تفضيل خلق الإنسان، فقال النبي : "هكذا أنزلت" فشك وارتد، وقال: لئن كان محمد صادقًا لقد أوحي إليّ كما أوحي إليه، ولئن كان (١١) (١٢) وقوله تعالى: ﴿ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ ﴾ يعني: الذين ذكرهم (١٣) ﴿ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ ﴾ : جمع غَمْرَةٍ (١٤) قال الزجاج: (يقال: لكل من كان في شيء كثير قد غَمَره ذلك، وغَمره الدَّينُ: إذا كثر عليه) (١٥) (١٦) وقوله تعالى: ﴿ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ ﴾ قال ابن عباس: (يريد: ملائكة العذاب ﴿ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ ﴾ بمقامع من الحديد) (١٧) (١٨) ﴿ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ ﴾ بالعذاب).
قال الضحاك: ( ﴿ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ ﴾ : يضربونهم ويعذبونهم، كما يقال: بسط إليه يده بالمكروه) (١٩) ﴿ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ ﴾ بالضرب يضربون وجوههم وأدبارهم) (٢٠) ﴿ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ ﴾ لإخراج أنفس الكفار) (٢١) وقوله تعالى: ﴿ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ ﴾ قال الفراء والزجاج: (أي: يقولون: ﴿ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ ﴾ ) (٢٢) (٢٣) ﴿ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ ﴾ على هذا المعنى) (٢٤) (٢٥) ﴿ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ ﴾ معناه: ذوقوا العذاب، وليس المراد من هذا أمرهم بإخراج أنفسهم؛ لأن أرواحهم ليسوا [هم] (٢٦) (٢٧) (٢٨) وأما أهل التفسير فإنهم يقولون في هذا: (إن نفس المؤمن [تنشط] (٢٩) (٣٠) (٣١) (٣٢) : "من أراد لقاء الله أراد الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه" (٣٣) (٣٤) والوجه الثاني الذي ذكره أبو إسحاق قال: (وجائز أن يكون المعنى: خلصوا أنفسكم، أي: لستم تقدرون على الخلاص) (٣٥) (٣٦) (٣٧) ﴿ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ ﴾ من هذا العذاب (٣٨) (٣٩) وقوله تعالى: ﴿ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ ﴾ ، الْهُونِ (٤٠) ﴿ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ ﴾ وقال ذو الإصبع (٤١) أَذْهبْ إلَيْكَ فَمَا أُمِّي بِرَاعِيَةٍ ...
تَرْعَى المَخَاضَ وَلاَ أُغْضِي عَلَى الهُونِ (٤٢) وقالت الخنساء: تُهينُ (٤٣) (٤٤) ﴿ عَذَابَ الْهُونِ ﴾ أي: العذاب الذي يقع به الهوان الشديد) (٤٥) (٤٦) ﴿ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ﴾ قال: (يريد: تزعمون أن الملائكة بناته: ﴿ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ ﴾ يريد: عن فرائضه والسجود له لا تصلون (٤٧) : "من سجد لله سجدة بنية صادقة فقد برئ من الكبر" (٤٨) (١) جاء في (أ): تكرار لفظ (قوله).
(٢) مسيلمة بن حبيب الحنفي، أبو ثمامة الكذاب، مشعوذ جبار متنبئ معمر، قتله وحشي في موقعة اليمامة سنة 12 هـ.
انظر: "سيرة ابن هشام" 2/ 74، و"جوامع السيرة" ص 259، 340، و"التعريف" للسهيلي ص 56، و"الأعلام" 7/ 226.
(٣) الأسود بن كعب بن عوف العَنْسي، يعرف بعيهلة، مشعوذ متنبئ جبار، من أهل اليمن أسلم ثم ارتد وادعى النبوة، وقتله فيروز الفارسي قبل موت النبي بقليل، انظر: "جوامع السيرة" ص 10، 339، و"التعريف والإعلام" ص 55 - 56، و"الأعلام" 5/ 111.
(٤) "تنوير المقباس" 2/ 43، وذكره النحاس في "معانيه" 2/ 458، والقرطبي 7/ 39، وأخرجه عبد الرزاق 1/ 2/ 13، وابن أبي حاتم 4/ 1346 بسند جيد عن قتادة، وأخرجه الطبري 7/ 272، عن قتادة وعكرمة، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 56، عن ابن جريج، وهو قول أكثرهم.
انظر: "معاني الفراء" 1/ 344، والزجاج 2/ 271، والسمرقندي 1/ 501، والثعلبي 181 أ، و"غرائب الكرماني" 1/ 371.
(٥) ذكره ابن الجوزي 3/ 86.
(٦) انظر: "التبيان" 1/ 348، و"الدر المصون" 5/ 40.
(٧) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 82، والبغوي 3/ 169، وابن الجوزي 3/ 86، ورجح السهيلي في "التعريف" ص 56 أنها نزلت في النضر بن الحارث من المستهزئين.
(٨) "معاني القرآن" 2/ 272.
(٩) انظر: "تفسير الطبري" 7/ 273، فقد أخرجه عن عكرمة والسدي، وأخرجه الحاكم في "المستدرك" 1/ 45 - 46، عن شرحيل بن سعد المدني، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 56: (عن موسى بن خلف البصري وابن جريج).
(١٠) عبد الله بن سعد بن أبي سرح العامري أبو يحيى القرشي، إمام فاضل فارس صحابي جليل أخو عثمان بن عفان من الرضاع، أسلم قبل فتح مكة، وهاجر، وكتب الوحي للنبي ، ثم ارتد، ثم أسلم يوم الفتح، وحسن إسلامه، وشارك في الفتوح، وتوفي سنة 36 هـ.
انظر: "طبقات ابن سعد" 7/ 496، و"الجرح والتعديل" 5/ 63، و"تهذيب الأسماء واللغات" 1/ 296، و"سير أعلام النبلاء" 3/ 33، و"الإصابة" 2/ 316، و"الأعلام" 4/ 88.
(١١) جاء في (ش): تكرار (كان).
(١٢) ذكره الواحدي في "أسباب النزول" ص 223، والقرطبي 7/ 40 من رواية الكلبي عن ابن عباس، وذكره أكثرهم بلا نسبة.
انظر: "معاني الفراء" 1/ 344، والثعلبي 181 أ، والبغوي 3/ 169، والرازي 13/ 84، والظاهر أن الآية عامة يدخل تحتها كل ما ذكر قاله ابن عطية 5/ 286، وانظر: "الفتاوى" 4/ 86، 12/ 25، 15/ 156، و"الكافي الشاف" ص 60.
(١٣) انظر: "زاد المسير" 3/ 87 (١٤) انظر: "العين" 4/ 416، و"الجمهرة" 2/ 781، و"البارع" ص 317، و"تهذيب اللغة" 3/ 2693، و"الصحاح" 2/ 772، و"مقاييس اللغة" 4/ 392، و"المفردات" ص 614، و"اللسان" 6/ 3294 (غمر).
(١٥) "معاني الزجاج" 2/ 272.
(١٦) قال الزجاج في "معانيه" 2/ 272: (الجواب محذوف، أي: ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت لرأيت عذابًا عظيمًا) اهـ.
وانظر "الدر المصون" 5/ 41.
(١٧) لم أقف عليه بهذا اللفظ، وأخرج الطبري في "تفسيره" 7/ 275، وابن أبي حاتم 4/ 1348 بسند جيد عن ابن عباس، قال: (البسط: الضرب، يضربون وجوههم وأدبارهم) اهـ، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 85.
(١٨) ذكره الماوردي في "تفسيره" 1/ 545، وابن الجوزي 3/ 87، وأبو حيان في "البحر" 4/ 181.
(١٩) أخرجه الطبري في "تفسيره" 7/ 275، وابن أبي حاتم 4/ 1348 بسند ضعيف عن الضحاك نحوه، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 85.
(٢٠) لم أقف عليه عن مجاهد.
(٢١) "معاني الفراء" 1/ 345، وقال ابن عطية 5/ 288 في تفسير الآية: ( ﴿ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ ﴾ كناية عن مدها بالمكروه، وهو لا محالة أوائل العذاب وأماراته.
وأما البسط لمجرد قبض النفس فإنه يشترك فيه الصالحون والكفرة) ا.
هـ.
بتصرف (٢٢) لا يوجد هذا التقدير عن الفراء في "معانيه"، ولعله مفهوم من كلامه، وانظر: "معاني الأخفش" 2/ 282.
(٢٣) "معاني الفراء" 1/ 345.
(٢٤) "معاني الزجاج" 2/ 272.
(٢٥) لفظ: (يقول) ساقط من (ش).
(٢٦) لفظ: (هم) ساقط من (أ).
(٢٧) في (ش): (مخرجيها).
(٢٨) انظر: "تفسير الماوردي" 2/ 144، وابن الجوزي 3/ 87 - 88، والرازي 13/ 85.
(٢٩) في (ش): (ينشط) بالياء.
(٣٠) في (ش): (يكره) بالياء.
(٣١) في (ش): (يصير) بالياء.
(٣٢) انظر: "تفسير السمرقندي" 1/ 501، والبغوي 3/ 169.
(٣٣) حديث متفق عليه أخرجه البخاري في "صحيحه" (6507)، ومسلم (6508)، (2683 - 2686)، البخاري في كتاب الرقاق، ومسلم في كتاب الذكر والدعاء، كلاهما في باب: من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه، من عدة طرق عن عبادة بن الصامت وعائشة وأبي موسى الأشعري م عن النبي قال: "من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه" اهـ.
(٣٤) في (أ): (يكرههم) بالياء.
(٣٥) "معاني الزجاج" 2/ 272.
(٣٦) ذكره هود الهواري في "تفسيره" 1/ 545، والماوردي 2/ 145، وابن الجوزي 3/ 87.
(٣٧) في (أ): تكرار لفظ (قد).
(٣٨) هذا قول الحسن البصري كما ذكرنا في المصادر السابقة، وانظر: "تفسير ابن عطية" 5/ 288.
(٣٩) أعاد المؤلف رحمه الله تعالى ذكره مرة أخرى فقد سبق بيانه في ص 333، وقال == ابن عطية في "تفسيره" 6/ 109: (جواب لو محذوف تقديره: لرأيت عجبًا أو هولًا، ونحو هذا، وحذف هذا الجواب أبلغ من نصه؛ لأن السامع إذا لم ينص له الجواب يترك مع غاية تخيله) اهـ.
وانظر: "كتاب الشعر" 2/ 391.
(٤٠) الهون: بضم الهاء.
انظر: "العين" 4/ 92، و"الجمهرة" 2/ 996، و"البارع" ص 127، و"الصحاح" 6/ 2218، و"المقاييس" 6/ 21، و"المجمل" 3/ 895، و"المفردات" ص 848 (هون).
(٤١) ذو الإصْبَع: حُرْثان بن الحارث بن محرث العَدْواني، شاعر جاهلي حكيم شجاع له وقائع مشهورة، لقب بذي الإصبع؛ لأن حية نهشت إصبع رجله فقطعها، وهو معمر ترك ثروة شعرية كبيرة فيها العظة والحكم والفخر.
انظر: "الشعر والشعراء" ص 473، و"الإكمال" لابن ماكولا 1/ 96، و"نزهة الألباب" 1/ 278 ، و"الأعلام" 2/ 173، و"معجم الشعراء في لسان العرب" ص 143.
(٤٢) البيت في "تفسير الطبري" 7/ 277، والماوردي 2/ 145، وابن عطية 5/ 288، و"اللسان" 8/ 4725 (هون)، و"الدر المصون" 5/ 43.
والمخاض: النوق الحوامل، وأصله الطلق عند الولادة.
انظر "اللسان" 7/ 4153 (مخض).
(٤٣) في النسخ: (تهيّن).
وفي "الديوان" بالنون وفي بعض المراجع بالياء.
(٤٤) "ديوانها" ص 84، و"تهذيب اللغة" 4/ 3699، و"اللسان" 8/ 4725 (هون)، و"الدر المصون" 5/ 43، وهو في الطبري 7/ 277، لعامر بن جوين الطائي، == والمشهور أنه للخنساء.
والكريهة الحرب.
وأبقى لها، أي: في الذكر وجميل القول.
انظر "شرح ديوان الخنساء" لثعلب ص 46.
(٤٥) "معاني الزجاج" 2/ 272، وقال أبو عبيدة في "مجاز القرآن" 1/ 200 واليزيدي في "غريب القرآن" ص 139، وابن قتيبة في "تفسير غريب القرآن" ص 168، والنحاس في "إعراب القرآن" 1/ 565: ( ﴿ عَذَابَ الْهُونِ ﴾ أي: الهوان)، وانظر: "تفسير الطبري" 7/ 277.
(٤٦) في "مسائل نافع بن الأزرق" ص 131، قال: (الهوان) وفي "تنوير المقباس" 2/ 43، قال (الشديد)، وفي "الدر المنثور" 3/ 59، عن ابن عباس قال: (الهوان الدائم الشديد) اهـ.
(٤٧) لم أقف عليه، وقال البغوي في تفسير الآية 3/ 169: (أي: تتعظمون عن الإيمان بالقرآن ولا تصدقونه) اهـ، وقال الرازي في "تفسيره" 13/ 86: (ذكر الواحدي أن المراد لا تصلون له، قال : "من سجد لله سجدة بنية صادقة فقد برئ من الكبر") اهـ.
(٤٨) ذكر الحديث صاحب "كنز العمال" 7/ 308 (19017)، وعزاه للديلمي من حديث ابن عباس، ولم أقف عليه في المطبوع من "مسند الديلمي"، وقد ورد نحوه من قول جماعة من العلماء رحمهم الله تعالى، فقد أخرج ابن أبي الدنيا في كتاب "التواضع" (217)، (227)، (231) من طرق جيدة عن يحيى بن أبي جعدة المخزومي، قال: (من وضع وجهه لله عز وجل ساجدًا فقد برئ من الكبر) اهـ، وعن الحسن البصري قال: (السُّجُود يَذْهب بالكبر) اهـ.
وعن يونس بن عبيد العبدي قال: (لا كبر مع السجود) اهـ وأخرج أبو نعيم في "الحلية" 5/ 61 عن حبيب بن == أبي ثابت الأسدي قال: (من وضع جبينه لله تعالى فقد برئ من الكبر).
وقد ورد في فضل السجود أحاديث كثيرة، منها ما أخرجه مسلم (488) عن ثوبان قال: (سألت النبي عن أحب الأعمال إلى الله، وعمل يدخلني الله به الجنة فقال: "عليك بكثرة السجود، فإنك لا تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة وحط عنك بها خطيئة") اهـ.
انظر: "مسند أحمد" 5/ 147، 148، 276، 280، 283، والدارمى (1502) كتاب الصلاة، باب: فضل من سجد لله سجدة، وابن ماجه كتاب إقامة الصلاة، باب ما جاء في كثرة السجود (1422 - 1424).
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ ﴾ هو مسيلمة وغيره من الكذابين الذين ادّعوا النبوّة ﴿ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَآ أَنَزلَ الله ﴾ هو النضر بن الحارث لأنه عارض القرآن، واللفظ عام فيه وفي غيره من المستهزئين ﴿ وَلَوْ ترى ﴾ جوابه محذوف تقديره: لرأيت أمراً عظيماً، والظالمون: من تقدّم ذكره من اليهود والكذابين والمستهزئين، فتكون اللام للعهد، وأعم من ذلك فتكون للجنس ﴿ باسطوا أَيْدِيهِمْ ﴾ أي تبسط الملائكة أيديهم إلى الكفار يقولون لهم: أخرجوا أنفسكم، وهذه عبارة عن التعنيف في السياق والشدَّة في قبض الأرواح ﴿ اليوم تُجْزَوْنَ ﴾ يحتمل أن يريد ذلك الوقت بعينه أو الوقت الممتد من حينئذ إلى الأبد ﴿ الهون ﴾ الذلة.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ يجعلونه ﴾ ﴿ يبدونها ﴾ و ﴿ يخفون ﴾ بياآت الغيبة: أبو عمرو وابن كثير، الباقون: على الخطاب ﴿ ولينذر ﴾ بياء الغيبة: أبو بكر وحماد.
الباقون: بتاء الخطاب ﴿ بينكم ﴾ بفتح النون: أبو جعفر ونافع وعلي وحفص والمفضل.
الباقون: بالرفع ﴿ وجعل الليل ﴾ على لفظ المضي ونصب الليل عاصم وحمزة وعلي وخلف الباقون ﴿ وجاعل الليل ﴾ على لفظ اسم الفاعل وبالإضافة ﴿ وجنات ﴾ بالرفع: الأعشى والبرجمي الباقون: بالنصب ﴿ فمسستقر ﴾ بكسر القاف: أبو عمرو وابن كثير وسهل ويعقوب.
الباقون: بالفتح ﴿ ثمره ﴾ بضمتين: حمزة وعلي وخلف وكذلك في آخر السورة ويس.
الباقون: بفتحتين ﴿ وخرقوا ﴾ بالتشديد: أبو جعفر ونافع.
الباقون: بالتخفيف.
الوقوف: ﴿ من شيء ﴾ ط ﴿ كثيراً ﴾ ط لمن قرأ ﴿ يجعلونه ﴾ بياء الغيبة.
ومن قرأ بالتاء فوقفه حائز لانتهاء الاستفهام مع اتفاق الخطاب على تقدير وقد علمتم ﴿ آباؤكم ﴾ ط ﴿ قل الله ﴾ ط لأن قوله ذرهم} معطوف على ﴿ قل ﴾ ﴿ يلعبون ﴾ ه ﴿ ومن حولها ﴾ ط ﴿ يحافظون ﴾ ه ﴿ أنزل الله ﴾ ط ﴿ أيديهم ﴾ ج لاتساق الكلام معنى مع تقدير حذف أي يقولون أخرجوا ﴿ أنفسكم ﴾ ط لأن المراد من اليوم يوم القيامة ﴿ تستكبرون ﴾ ه ﴿ ظهوركم ﴾ ج لاتحاد القول.
والوقف أوضح لابتداء النفي وانقطاع النظم ﴿ شركاء ﴾ ط ﴿ تزعمون ﴾ ه ﴿ والنوى ﴾ ط ﴿ من الحي ﴾ ط ﴿ تؤفكون ﴾ ه ﴿ فالق الإصباح ﴾ ج لمن قرأ ﴿ وجعل ﴾ لانقطاع النظم واتصال المعنى على تقدير فلق وجعل، أو وقد جعل وعامل الحال معنى الفعل في فالق ﴿ حسباناً ﴾ ط ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ والبحر ﴾ ط ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ ومستودع ﴾ ط ﴿ يفقهون ﴾ ه ﴿ ماء ﴾ ج للعدول مع اتحاد المقصود ﴿ متراكباً ﴾ ط ومن قرأ ﴿ وجنات ﴾ بالرفع فللعطف على ﴿ قنوان ﴾ لفظاً فيلزمه وقفه على ﴿ دانية ﴾ وإلا فليعطف ويفهم أن ﴿ جنات ﴾ من جملة النخل، ومن خفض فوقفه على ﴿ متراكباً ﴾ جائز للعطف على قوله ﴿ خضراً ﴾ مع وقوع العارض ﴿ وغير متشابه ﴾ ط ﴿ وينعه ﴾ ط ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ بغير علم ﴾ ط ﴿ يصفون ﴾ ه.
التفسير: اعلم أن مدار القرآن على إثبات التوحيد والنبوة والمعاد.
فبعد ذكر دليل التوحيد وإبطال الشرك شرع في تقرير أمر النبوة فقال ﴿ وما قدروا الله حق قدره ﴾ قال ابن عباس: أي ما عظموا الله حق تعظيمه حيث أنكروا النبوة والرسالة.
وقال أيضاً في رواية: ما آمنوا بأن الله على كل شيء قدير.
وقال أبو العالية: ما وصفوه حق صفته.
وقال الأخفش: ما عرفوه حق معرفته أي في اللطف بأوليائه أو في القهر لأعدائه.
وقال الجوهري: قدر الشيء مبلغه وقدرت الشيء أقدره وأقدره قدراً من التقدير أي حرره وعرف مقداره.
ثم بيّن سبب عدم عرفانه بقوله ﴿ إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء ﴾ وإنما كان منكر البعث والرسالة غير عارف بالله ، لأنه إما أن يدعي أنه ما كلف أحداً من الخلائق تكليفاً أصلاً وهو باطل لأنه فتح باب المنكرات والقبائح بأسرها، وإما أن يسلم أنه كلف الخلق بالأوامر والنواهي ولكن لا على ألسنة الرسل وهذا أيضاً جهل.
فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون العقل كافياً في إيجاب الواجبات وحظر المنكرات؟
فالجواب هب أن الأمر كذلك إلا أنه لا يمتنع تأكيد التصريف العقلي بل يجب تفصيل ذلك المجمل بالتعريفات المشروحة على ألسنة الرسل، لأن أكثر العقول قاصرة عن إدراك مدارك الأحكام الشرعية كما أن نور البصر قاصر عن إدراك المبصرات إلا إذا أعين بنور من خارج كنور الشمس أو السراج.
وأيضاً تفويض مصالح العباد إلى مقتضى عقولهم يؤدي إلى التنازع والتشاجر لتصادم الأهواء وتناقض الآراء فلا بد من أن يتفقوا على واحد يصدرون عن رأيه، وتعيين ذلك الواحد من الخلق ترجيح بلا مرجح وإشراف على الضلال لإحتمال الخطأ في اجتهادهم، فلعل الخير في نظرهم يكون شراً في نفس الأمر فلزم أن يكون التعيين من الله بكونه أعرف بالبواطن كقوله ﴿ الله أعلم حيث يجعل رسالته ﴾ وإنما يعرف ذلك المعين بظهور المعجزة على وفق دعواه تصديقاً له، ومن أنكر ذلك ولم يجوّز خرق العادة فقد وصف الله بالعجز ونقصان القدرة.
وقد طعن بعض الملحدة في الآية بأن هؤلاء القائلين إن كانوا كفار قريش أو البراهمة فهم ينكرون رسالة كل الأنبياء كما ينكرون رسالة محمد فكيف يمكن إبطال قولهم بقوله ﴿ قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى ﴾ على أن قوله ﴿ تجعلونه قراطيس ﴾ بتاء الخطاب إنما يليق باليهود وإن كانوا أهل الكتاب فهم لا يقولون ما أنزل الله على بشر من شيء، بل يقرّون بنزول التوراة على موسى والإنجيل على عيسى.
وأيضاً الأكثرون اتفقوا على أن السورة مكية وأنها نزلت دفعة واحدة ومناظرات اليهود مع رسول الله وآله كانت مدنية، فكيف يمكن حمل الآية على تلك المناظرة؟
والجواب أنهم إن كانوا كفار قريش فإنهم كانوا مختلطين باليهود والنصارى وكانوا قد سمعوا من الفريقين على سبيل التواتر ظهور المعجزات على يد موسى كالعصا وفلق البحر وإظلال الجبل وغيرها وكان جارياً مجرى ما يوجب عليهم الاعتراف بنبوة موسى.
وعلى هذا لا يبعد إيراد نبوة موسى إلزاماً لهم في قولهم ﴿ ما أنزل الله على بشر من شيء ﴾ ولما كان كفار قريش مع اليهود والنصارى متشاركين في إنكار نبوة محمد وآله لم يبعد أن يكون الكلام الواحد خطأ بالكفار قريش أوّلاً ولأهل الكتاب آخراً وأما إن كانوا أهل الكتاب - وهو المشهور عند الجمهور - فالوجه ما روي عن ابن عباس أن مالك بن الصيف من أحبار اليهود ورؤسائهم وكان رجلاً سميناً دخل على رسول الله وآله فقال له رسول الله وآله: " أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى هل تجد فيها أن الله يبغض الحبر السمين؟
فأنت الحبر السمين قد سمنت من مالك الذي يطعمك اليهود" .
فضحك القوم فغضب ثم التفت إلى عمر فقال: ما أنزل الله على بشر من شيء.
فقال له قومه: ما هذا الذي بلغنا عنك؟
فقال: إنه أغضبني: ثم إن اليهود لأجل هذا الكلام عزلوه وجعلوا مكانه كعب بن الأشرف.
فلعل مالك بن الصيف لما تأذى من الكلام المذكور طعن في نبوة الرسول وإنه ما أنزل عليه من شيء البتة فأمر بأن يقول في جوابه ﴿ من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى ﴾ أي لما سلمت أن الله أنزل الوحي والتنزيل على بشر وهو موسى فكيف يمكنك أن تقطع بأنه ما أنزل عليّ شيئاً غاية ما في الباب أن تطالبني بالمعجز.
والحاصل أنهم قالوا ذلك مبالغة في إنكار إنزال القرآن على رسول الله فألزموا ما لا بد لهم من الإقرار به من إنزال التوراة على موسى، وأدرج تحت الإلزام توبيخهم بالتحريف وإبداء بعض وإخفاء بعض.
وقيل: اللفظ وإن كان مطلقاً بحسب اللغة إلا أنه مقيد بحسب العرف بتلك الواقعة، فكأنه قال: ما أنزل الله على بشر من شيء في أنه يبغض الحبر السمين، وهذا كما إذا أرادت المرأة أن تخرج من الدار فغضب الزوج وقال: إن خرجت من الدار فأنت طالق، فإن كثيراً من الفقهاء قالوا: التعليق مقيد بتلك المرة حتى لو خرجت مرة أخرى لم تطلق.
ويرد على هذا التوجيه أن قوله ﴿ من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى ﴾ لا يكون مبطلاً لكلام الخصم.
أما قوله "إن السورة مكية والمناظرات مدينة" فأجيب عنه بأن السورة مكية إلا هذه الآية فإنه نزلت بالمدينة في هذه الواقعة والله أعلم.
ومن الأحكام المستنبطة من الآية أن قوله ﴿ وما قدروا الله حق قدره ﴾ يفيد أن عقول الخلق قاصرة عن كنه معرفة الله وإن كانوا مقرين بالنبوة والرسالة لإطلاق قوله في موضع آخر ﴿ وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعاً قبضته ﴾ ومنها أن النكرة في سياق النفي تعم وإلا لم يكن قوله ﴿ من أنزل ﴾ مبطلاً لقوله ﴿ ما أنزل الله على بشر من شيء ﴾ ومنها أن النقض يقدح في صحة الكلام وإلا لم يكن في قوله ﴿ من أنزل ﴾ حجة.
ويعلم منه أن قول من يقول إبداء الفارق بين الصورتين يمنع من كون النقض مبطلاً ضعيف وإلا بطلت حجة الله في هذه الآية، فإن لليهود حينئذ أن تقول: معجزات موسى كانت أظهر وأبهر من معجزاتك فلا يلزم نبوتك.
ومنها أن الغزالي رحمه الله تكلف وقال: حاصل الآية يرجع إلى أن موسى أنزل الله عليه شيئاً، وأحد من البر ما أنزل الله عليه شيئاً فينتج من الشكل الثاني أن موسى ما كان من البشر وهذا خلف محال، وليس هذه الاستحالة بحسب شكل القياس ولا بحسب صحة المقدمة الأولى فلم يبق إلا أنه لزم من فرض صحة المقدمة الثانية وهي قولهم ﴿ ما أنزل الله على بشر من شيء ﴾ فوجب القول بكونها كاذبة فثبت أن دلالة هذه الآية على المطلوب إنما تصح عند الاعتراف بصحة الشكل الثاني، وعند الاعتراف بصحة قياس الخلف.
ثم اعلم أنه وصف كتاب موسى بكونه نوراً وهدى للناس والعطف يقتضي المغايرة.
فالمراد بالنور ظهوره في نفسه.
وبالهدى كونه سبباً لظهور غيره كقوله في وصف القرآن ﴿ ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا ﴾ قال أبو علي الفارسي ﴿ يجعلونه قراطيس ﴾ أي ذات قراطيس أي يودعونه إياها.
فإن قيل: إذا كان جميع الكتب كذلك فلم ذكر في معرض الذم؟
قلنا: لأنهم جعلوه قراطيس مفرقة مبعضة ليتوسلوا بذلك إلى إبداء بعض وإخفاء بعض مما فيه نعت محمد ، أو شيء من الأحكام التي لا توافق هواهم كالرجم وغيره ﴿ وعلمتم ﴾ أيها اليهود على لسان محمد ﴿ ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم ﴾ الأقدمون الذين كانوا أعلم منكم أن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون، وقيل: كانوا يقرؤن الآيات المشتملة على نعت محمد وما كانوا يفقهون معانيها إلى أن بعث الله محمداً، فظهر أن المراد منها هو البشارة بمقدمه، وقيل: الخطاب لمن آمن من قريش كقوله ﴿ لتنذر قوماً ما أنذر آباؤهم ﴾ ﴿ قل الله ﴾ أي أنزله الله فإنهم لا يقدرون على أن ينكروا ذلك فإن العقل السليم والطبع المستقيم يشهد بأن الكتاب الموصوف المؤيد قول صاحبه بالمعجزات الباهرة لا يكون إلا من الله .
ونظره ﴿ قل أي شيء أكبر شهادة قل الله ﴾ والمقصود أنه بلغت هذه الدلالة إلى حيث يجب على كل عاقل أن يعترف بها، فسواء أقر الخصم به أولم يقر فالغرض حاصل.
﴿ ثم ذرهم في خوضهم يلعبون ﴾ يقال لمن كان في عمل لا يجدي عليه إنما أنت لاعب و ﴿ يلعبون ﴾ حال من ﴿ ذرهم ﴾ أو من ﴿ خوضهم ﴾ ويحتمل أن يكون ﴿ في خوضهم ﴾ حالاً من ﴿ يلعبون ﴾ وأن يكون صلة له أو لـ ﴿ ذرهم ﴾ .
والمعنى أنك إذا أقمت الحجة عليهم وبلغت في الأعذار والإنذار هذا المبلغ العظيم فقد قضيت ما عليك كقوله ﴿ إن عليك إلا البلاغ ﴾ قيل: إنها منسوخة بآية السيف وفيه نظر لأنه مذكور لأجل التهديد فلم يكن نزول آية القتال رافعاً لشيء من مدلولات هذه الآية.
ثم لما ذكر حال التوراة أعقبه بذكر القرآن فقال ﴿ وهذا كتاب أنزلناه ﴾ وفائدة هذا الوصف أنه كان من الممكن أن يظن أن محمداً مخصوص من الله بعلوم كثيرة يتمكن بسببها من تركيب القرآن على هذا النسق من الفصاحة، فنفى ذلك الوهم وبين أن الله هو الذي تولى إنزاله بالوحي على لسان جبريل ﴿ مبارك ﴾ كثير خيره دائم نفعه باعث على الخيرات زاجر عن المنكرات لما فيه من أصول العلوم النظرية والعملية.
وقد جرت سنة الله بأن الباحث عنه والمتمسك به يفوز بعز في الدنيا وسعادة في الآخرة وقد جرب فوجد كذلك.
﴿ مصدق الذي بين يديه ﴾ أي موافق لما قبله من الكتب الإلهية.
أما في الأصول فلأنه يمتنع وقوع التفاوت فيها بحسب الأزمنة والأمكنة.
وأما في الفروع فلأنها مشتملة على التبشير بمقدم محمد .
ويحصل منه أن التكاليف الموجودة فيها إنما تبقى إلى وقت ظهوره ثم تصير منسوخة ﴿ ولتنذر ﴾ من قرأ بتاء الخطاب فظاهر، ومن قرأ على الغيبة فلأنه أسند الإنذار إلى الكتاب مجازاً لأنه سبب الإنذار ﴿ إنما أنذركم بالوحي ﴾ وهو معطوف على ما دل عليه سائر الأوصاف كأنه قيل: أنزلناه للبركة ولتصديق ما تقدمه من الكتب وللإنذار، قال ابن عباس: سميت مكة أم القرى لأن الأراضين دحيت من تحتها.
وقال أبو بكر الأصم: لأنها قبلة أهل الدنيا فصارت هي كالأصل وسائر البلاد تبعاً، وأيضاً الناس يجتمعون إليها للحج وللتجارة كما يجتمع الأولاد إلى الأم.
وقيل: لأن الكعبة أول بيت وضع للناس.
وقيل: إن مكة أول بلدة في الأرض ولا بد من تقدير مضاف محذوف أي أهل أم القرى ومن حولها.
قيل: المراد أهل جزيرة العرب فاستدل اليهود بذلك على أنه مبعوث إلى العرب فقط.
وأجيب بأن تخصيص هذه المواضع بالذكر لا يدل على نفي ما عداها لا سيما وقد ثبت بالتواتر أنه كان يدعي أنه رسول إلى العالمين.
ويحتمل أن يقال: ما حوالي مكة يتناول جميع البلاد ﴿ والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به ﴾ أي بهذا الكتاب لأن أصل الدين خوف العاقبة فمن خالفها لم يزل به الخوف حتى يؤمن.
وليس لأحد من الأنبياء مبالغة في تقرير قاعدة البعث والقيامة مثل محمد ، وفيه أن كفار مكة يبعد منهم قبول هذا الدين لأنهم كانوا لا يعتقدون البعث والحشر ﴿ وهم على صلاتهم يحافظون ﴾ يعني أن الإيمان بالآخرة كما أنه يحمل المكلف على الإيمان بالنبي وبالكتاب كذلك يحمله على محافظة الصلوات.
وخص الصلاة بالذكر لأنها عماد الدين وسنام الطاعات كاد المحافظ عليها أن يأتي بأخواتها كلها ويجتنب المنكرات بأسرها.
ثم ذكر ما يدل على وعيد من ادّعى النبوّة وإنزال الكتاب عليه فرية وافتراء فقال ﴿ ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً ﴾ قال المفسرون: نزلت في الكذابين مسيلمة الحنفي والأسود العنسي.
عن النبي "رأيت فيما يرى النائم كأن في يدي سوارين من ذهب فكبرا علي وأهماني.
فأوحى الله إلي أن انفخهما فنفختهما فطارا عني فأوّلتهما الكذابين اللذين أنا بينهما كذاب اليمامة مسيلمة وكذاب صنعاء الأسود العنسي" .
﴿ أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ﴾ كان مسيلمة يقول: محمد وآله رسول الله في بني قريش، وأنا رسول الله في بني حنيفة.
واعلم أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فكل من نسب إلى الله ما هو بريء منه إما في الذات وإما في الصفات وإما في الأفعال كان داخلاً تحت هذا الوعيد ﴿ ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله ﴾ قال المفسرون: هو النضر بن الحرث كان يدعي معارضة القرآن وهو قوله ﴿ لو نشاء لقلنا مثل هذا ﴾ وروي أن عبد الله بن سعد أبي سرح القرشي كان يكتب الوحي لرسول الله ، وكان إذا تلا عليه "سميعاً عليماً" كتب هو "عليماً حكيماً" وإذا قال "عليماً حكيماً" كتب "غفوراً رحيماً" فلما نزل ﴿ ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ﴾ \[المؤمنون: 12\] أملاه الرسول .
فلما وصل إلى قوله ﴿ أنشأناه خلقاً آخر ﴾ عجب عبد الله من تفصيل خلق الإنسان فقال: تبارك الله أحسن الخالقين فقال النبي اكتبها فكذلك نزلت، فشك عبد الله وقال: لئن كان محمد صادقاً لقد أوحي إلي كما أوحي إليه، وإن كان كاذباً لقد قلت كما قال فارتد عن الإسلام ولحق بمكة.
فلما دخل رسول الله مكة فر إلى عثمان - وكان أخاه من الرضاعة - فغيبه عنده حتى اطمأن أهل مكة، ثم أتى به رسول الله فاستأمن له.
ثم فصل ما أجمل من الوعيد فقال ﴿ ولو ترى ﴾ الآية.
وجوابه محذوف أي لرأي يا إنسان أمراً عظيماً ﴿ إذ الظالمون ﴾ يعني الذين ذكرهم من اليهود والمتنبئة.
فاللام للعهد، ويحتمل أن تكون للجنس فيندرج هؤلاء فيه.
وغمرات الموت شدائده وسكراته.
وأصل الغمرة ما يغمر من الماء فاستعيرت للشدة الغالبة ﴿ والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم ﴾ قيل: إنه لا قدرة لهم على إخراج أرواحهم من أجسادهم فما الفائدة في هذا الخطاب؟
وأجيب بوجوه منها: أن المراد ولو ترى الظالمين إذا صاروا إلى غمرات الموت في الآخرة إذا ما دخلوا جهنم، وغمرات الموت عبارة عما يصيبهم هناك من أنواع الشدائد والتعذيبات ﴿ والملائكة باسطوا أيديهم ﴾ بالعذاب يكلمونهم يقولون لهم ﴿ أخرجوا أنفسكم ﴾ من هذا العذاب الشديد إن قدرتم.
ومنها ﴿ ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت ﴾ عند نزول الموت بهم في الدنيا ﴿ والملائكة باسطوا أيديهم ﴾ لقبض أرواحهم يقولون لهم ﴿ أخرجوا أنفسكم ﴾ من هذه الشدائد وخلصوها من هذه الآفات والآلام، ومنها هاتوا أرواحكم وأخرجوها إلينا من أجسادكم وهذه عبارة عن العنف والتشديد في إزهاق الروح من غير تنفيس وإمهال، وأنهم يفعلون بهم فعل الغريم الملازم الملح يبسط يده إلى من عليه الحق ويقول: أخرج إليّ مالي عليك ولا أريم مكاني حتى أنزعه من أحداقك.
ومنها أنه ليس بأمر وإنما هو وعيد وتقريع كقوله القائل: امض الآن لترى ما يحل بك، والتحقيق أن نفس المؤمن حال النزع تنبسط في الخروج إلى لقاء ربه، ونفس الكافر تكره ذلك ويشق عليها الخروج، وقطع التعلق لأنها تصير إلى العذاب وإليه الإشارة في الحديث " من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه" فهؤلاء الكفار يكرههم الملائكة على نزع الروح وعلى فراق المألوف.
وفي الآية دلالة على أن النفس الإنسانية شيء غير هذا الهيكل المحسوس، لأن المخرج يجب أن يكون مغايراً للمخرج منه ﴿ اليوم ﴾ يريد وقت الإماتة أو الوقت الممتد الذي يلحقهم فيه العذاب في البرزخ والقيامة ﴿ تجزون عذاب الهون ﴾ كقولك "رجل سوء" بالإضافة لأن العقاب شرطه أن يكون مضرة مقرونة بالإهانة كما أن الثواب شرطه أن يكون منفعة مقرونة بالتعظيم، والتركيب يدور على قلة المبالاة بالشيء ومنه بالفتح السكينة والوقار، وهان عليه الشيء أي حقر، وأهانه استخف به، والاسم الهون بالضم والهوان والمهانة.
والحاصل أنه جمع لهم بين الأمرين الإيلام والإهانة ﴿ بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون ﴾ يعني أن هذا العذاب الشديد إنما حصل بمجموع الأمرين: الافتراء على الله والتكبر على آيات الله وهو عدم الإيمان بها.
قال الواحدي ﴿ وكنتم عن آياته تستكبرون ﴾ أي لا تصلون له لقوله "من سجد لله سجدة واحدة بنية صادقة فقد برىء من الكبر" ﴿ ولقد جئتمونا ﴾ يحتمل أن يكون معطوفاً على قول الملائكة ﴿ أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون ﴾ ثم الملائكة إما الملائكة الموكلون بقبض أرواحهم، وإما الملائكة الموكلون بعذابهم، ويحتمل أن يكون القائل هو الله إن جوزنا أنه يتكلم مع الكفار ﴿ فرادى ﴾ جمع ينون ولا ينوّن واحده.
قيل: فرد على غير قياس: فردان كسكارى وسكران قاله ابن قتيبة.
وقيل: فريد كرديف وردا في وهم الحداة والأعوان لأنه إذا أعيا أحدهم خلفه الآخر ﴿ كما خلقناكم ﴾ أي على الهيئة التي ولدتم عليها في الانفراد، أو مجيئاً مثل خلقنا لكم.
﴿ أوّل مرة ﴾ والمراد التوبيخ والتقريع لأنهم بذلوا جهدهم وصرفوا كدهم في الدنيا إلى تحصيل أمرين: أحدهما المال والجاه، والثاني أنهم عبدوا الأصنام وجعلوها شركاء لله فيهم فقلبوا القضية وتركوا الحقيقة، وذلك أن النفس الإنسانية إنما تعلقت بالجسد ليكون البدن آلة لها في اكتساب المعارف الحقة والأخلاق الفاضلة، فإذا فارقت البدن ولم يحصل لها هذان المطلبان عظم خسرانها وطال حرمانها فاستحق التوبيخ بقوله ﴿ ولقد جئتمونا فرادى ﴾ أي منفردين عما يجب من الأعمال والعقائد.
ثم إنها مع ذلك اكتسبت أشياء قد علق الرجاء بها لأنه أفنى العمر في تحصيلها وأنها ليست مما يبقى معها فلا جرم استحق التقريع بقوله ﴿ وتركتم ما خوّلناكم ﴾ أي أعطينا وتفضلنا به عليكم ﴿ وراء ظهوركم ﴾ يعني أنها كالشيء الذيي يبقى وراء ظهر الإنسان فلن يمكنه الانتفاع به وربما بقي معوج الرأس بسبب التفاته إليه ﴿ وما نرى معكم شفعاءكم ﴾ أي ليسوا معكم حتى يروا، أو ليسوا معكم بالشفاعة والنصرة كما زعمتم بدليل قوله ﴿ لقد تقطع بينكم ﴾ الآية.
من قرأ بالنصب على الظرف فمعناه وقع التقطع بينكم كقوله ﴿ وتقطعت بهم الأسباب ﴾ يقال: جمع بين الشيئين أي وقع الجمع بينهما على إسناد الفعل إلى مصدره.
وقيل: المراد لقد تقطع وصلكم بينكم كقولهم إذا كان غداً فأتني أي إذا كان الرجاء أو البلاء غداً فأتني فأضمر لدلالة الحال، ومن قرأ بالرفع فلأنه أسند الفعل إلى الظرف اتساعاً كما تقول: قوتل خلفكم وأمامكم، أو لأن المراد بالبين الوصل وإنما حسن استعماله في معنى الوصلة مع أن أصله الافتراق والتباين لأنه يستعمل في الشيئين اللذين بينهما مشاركة ومواصلة من بعض الوجوه كقولهم: بيني وبينه مشاركة وبيني وبينه رحم.
والمعنى لقد تقطع وصلكم.
قلت: ويحتمل أن يكون البين بمعنى الافتراق ويفيد المبالغة كقولهم: جد جده.
فإذن العاقل من يكسب الزاد ليوم المعاد حتى لا يوبخ بقوله ﴿ ولقد جئتمونا فرادى ﴾ ويصرف المال في وجوه التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله حتى لا يخاطب بقوله ﴿ وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم ﴾ بل يكون من زمرة ﴿ وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله ﴾ كيلا تطول حسرته يوم ينقطع بين النفس والجسد وصله.
ثم إنه لما فرغ من تقرير التوحيد والنبوّة والمعاد عاد إلى ذكر الدلائل الدالة على وجود الصانع وكمال قدرته لتعلم أن حال المباحث العقلية والنقلية إنما هو معرفة ذات الله وصفاته وأفعاله فقال ﴿ أن الله فالق الحب والنوى ﴾ أي بالنبات والشجر.
وعن مجاهد أراد الشقين اللذين في الحنطة والنواة، والفلق هو الشق.
وعن ابن عباس والضحاك: الفلق هو الخلق.
ووجه بأن العقل يتصور من العدم ظلمة متصلة لا انفراج فيها ولا انشقاق، فإخراج الشيء من العدم إلى الوجود شق لذلك العدم وفلق بحسب التخيل والتعقل.
واعلم أنه إذا وقعت الحبة والنواة في الأرض الرطبة ثم مر بها قدر من المدة أظهر الله في أعلاها شقاً ومن أسفلها شقاً، أما العالي فيخرج منه الشجرة الصاعدة إلى الهواء، وأما السافل فإنه يخرج منه الشجرة الهابطة في الأرض وهي المسماة بعروق الشجرة، وههنا عجائب منها: أن طبيعة الشجرة إن كانت تقتضي الهويّ في الأرض فكيف تولدت منها الشجرة الصاعدة إلى الهواء وبالعكس.
فاتصال الشجرتين على التبادل ليس بمقتضى الطبع والخاصية بل بمقتضى إرادة الموجد المختار.
ومنها أن باطن الأرض جسم صلب كثيف لا تنفذ فيه المسلة ولا السكين، ثم إنا نشاهد أطراف تلك العروق مع غاية نعومتها تقوى على النفوذ والغوص في جرم الأرض، فحصول هذه القوّة الشديدة للجرم الضعيف ليس إلا بتقدير العزيز العليم.
ومنها أنه يتولد من النواة شجرة ويحصل من الشجرة أغصان وأوراق وأزهار وأثمار، وللثمر قشر أعلى وقشر أسفل وفيه اللب، وفي اللب الدهن الذي هو المقصود الأصلي فتولد هذه الأجرام المختلفة في طبائعها وصفاتها وألوانها وطعومها وأشكالها مع تساوي تأثيرات النجوم والطبائع في المادة الواحدة يدل على وجود الفاعل المختار.
ومنها أنك قد تجد الطبائع الأربع حاصلة في الفاكهة الواحدة، فالأترج قشره حار يابس ولحمه بارد رطب، وحماضه بارد يابس وبزره حار يابس، وكذلك العنب قشره وعجمه بارد يابس وماؤه ولحمه حار رطب.
ومنها أنك تجد أحوال الفواكه مختلفة، فبعضها يكون لبه في الداخل وقشره في الخارج كالجوز واللوز، وبعضها يكون فاكهته المطلوبة في الخارج والخشبة في الداخل كالخوخ والمشمش، وبعضها يكون لنواها لب كالخوخ وقد لا يكون كالتمر، وبعض الفواكه يكون كله مطلوباً كالتين.
فهذه الأحوال المختلفة والأشكال المتخالفة.
تتضمن حكماً وفوائد لا يعلمها إلا مبدعها.
ومنها أنك إذا أخذت ورقة واحدة من أوراق الشجرة وجدت في وسطها خطاً واحدا ًمستقيماً يشبه النخاع في بدن الإنسان ولا يزال يستدق حتى يخرج عن إدراك الحس، ثم ينفصل عن ذلك الخط خطوط دقائق أصغر من الأول، فكأنه أوجد ذلك لتقوى به الجاذبة المركوزة في جرم تلك الورقة على جذب الأجزاء اللطيفة الأرضية في تلك المجاري الضيقة.
فإذا وقفت على عناية الخالق في إيجاد تلك الورقة الواحدة علمت أن عنايته في إيجاد جملة تلك الشجرة أكثر، وعلمت أن عنايته بتخليق الحيوان الذي خلق النبات لأجله يكون أكمل، وكذا عنايته بحال الإنسان الذي خلق لأجله النبات والحيوان ويصير ذلك مرقاة لك إلى وجود الصانع الخبير الحكيم القدير.
ثم بين كونه فالق الحب والنوى بقوله ﴿ يخرج الحي من الميت ﴾ لأن فلق الحب والنوى بالنبات والشجر الناميين من جنس إخراج الحي من الميت، لأن النامي في حكم الحيوان ولهذا قال ﴿ يحيي الأرض بعد موتها ﴾ ثم عطف على قوله ﴿ فالق الحب ﴾ قوله ﴿ ومخرج الميت من الحي ﴾ قال ابن عباس: أخرج من النطفة بشراً حياً ثم يخرج من البشر الحي نطفة، أو يخرج من البيض دجاجة ومن الدجاجة بيضاً، أو يخرج المؤمن من الكافر كما في حق إبراهيم، والكافر من المؤمن كنوح وابنه، أو المطيع من العاصي والعاصي من المطيع، أو العالم من الجاهل والجاهل من العالم، أو الكامل من الناقص والناقص من الكامل، وقد يجعل الضار نافعاً وبالعكس.
يحكى أن إنساناً سقى الأفيون في الشراب ليموت فلما تناوله ظن القوم أنه سموت فرفعوه وجعلوه في بيت مظلم فلدغته حية وصارت تلك اللدغة لقوّة حرارة سم الحية سبباً لدفع ضرر برد الأفيون.
ونقل عن عبد القاهر الجرجاني أن قوله ﴿ ومخرج الميت ﴾ معطوف على قوله ﴿ يخرج ﴾ وإنما حسن عطف الاسم على الفعل ههنا، لأن لفظ الفعل يدل على اعتناء الفعل بذلك الفعل في كل وقت بخلاف لفظ الاسم ولهذا قال ﴿ هل من خالق غير الله يرزقكم ﴾ ليفيد أنه يرزقهم حالاً فحالاً وساعة فساعة إذا ثبت هذا فنقول الحي أشرف من الميت، فذكره بلفظ الفعل فيدل على أن الاعتناء بإخراج الحي من الميت أكثر من العكس ﴿ ذلكم الله ﴾ المدبر الخالق النافع الضار المحيي المميت ﴿ فأنى تؤفكون ﴾ فكيف تصرفون عن عبادته إلى عبادة غيره، أم كيف تستبعدون البعث والنشور لأن الإعادة أهون من الإبداء؟
ثم عدل عن الأحوال الأرضية إلى الاستدلال بما فوقها وهي الأحوال الفلكية فقال ﴿ فالق الإصباح ﴾ وهو مصدر سمي بهالصبح، المراد فالق ظلمة الإصباح وهو الغبش في آخر الليل وكأن الأفق كان بحراً مملوءاً من الظلمة.
ثم إنه شق ذلك البحر المظلم بأن أجرى فيه جدولاً من النور.
فالمعنى فالق ظلمة الإصباح بنور الإصباح، وحسن الحذف للعلم به.
أو المراد فالق الإصباح ببياض النهار وإسفاره ومنه قولهم "انشق عمود الفجر وانصدع الفجر" أو المراد مظهر الإصباح بواسطة فلق الظلمة، فذكر السبب وأراد المسبب، أو الفالق بمعنى الخالق كما مر وقد سلف لنا تقرير الصبح في البقرة في تفسير قوله عز من قائل ﴿ إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار ﴾ ثم إن كون الصبح بسبب وقوع ضوء الشمس على ضلع مخروط ظل الأرض في جانبه الشرقي لا ينافي كون الله فالق الإصباح بالحقيقة، كما أن وجود النهار بسبب طلوع جرم الشمس عن الأفق لا ينافي ذلك، والإمام فخر الدين الرازي أراد أن يبين أن ذلك بقدرة الفاعل المختار فنفى كونه بسبب ضوء الشمس بحجج اخترعها من عنده وكلها خلاف المعقول والمنقول من علم الرياضة فلذلك أسقطناها عن درجة الاعتبار.
النوع الثاني من الدلائل الفلكية الدالة على التوحيد قوله ﴿ وجاعل الليل سكناً ﴾ حجة من قرأ باسم الفاعل أن المعطوف عليه اسم فاعل، وحجة من قرأ بصيغة الفعل أن قوله بعد ذلك ﴿ والشمس والقمر ﴾ منصوبان ولا بد من عامل وما ذلك إلا أن يقدر "جاعل" بمعنى "جعل".
والسكن ما يسكن إليه الرجل ويطمئن إليه من زوج أو حبيب ومنه قيل للنار: سكن كما سموها المؤنسة لأنها يستأنس بها، والليل يطمئن إليه التعب بالنهار لاستراحته فيه وجمامه.
ويحتمل أن يراد: وجعل الليل مسكوناً فيه كما قال ﴿ لتسكنوا فيه ﴾ فالليل والنهار من ضروريات مصالح هذا العالم، فهما نعمتان من الله وآيتان على وحدته وقدرته.
النوع الثالث قوله ﴿ والشمس والقمر حسباناً ﴾ أي سببي حسبان لأن حساب الأوقات يعلم بسيرهما ودورهما.
والحسبان بالضم مصدر حسب بالفتح كما أن الحسبان بالكسر مصدر حسب بالكسر.
وقيل: إنه جمع حساب مثل "شهاب" وشهبان".
قال في الكشاف: الشمس والقمر قرئا بالحركات الثلاث.
فالنصب على إضمار فعل دل عليه ﴿ جاعل الليل ﴾ أو يعطفان على محل الليل لأن اسم الفاعل أريد به ههنا الاستمرار كما تقول: الله عالم قادر.
فلا تقصد زماناً دون زمان فتكون الإضافة غير حقيقة ويكون لليل محل.
قلت: وهذا مناقض لما ذكره في ﴿ مالك يوم الدين ﴾ من أنه يجوز أن يراد به زمان مستمر حتى تكون الإضافة حقيقية، ويصح وقوعه صفة للمعرفة.
وأما وجه الجر فظاهر.
ووجه الرفع كونهما مبتدأين محذوفي الخبر أي والشمس والقمر مجعولان أو محسوبان حسباناً ﴿ وذلك ﴾ الجعل ﴿ تقدير العزيز ﴾ الذي قهرهما ﴿ العليم ﴾ الذي دبرهما.
وذلك أن تقدير أجرام الأفلاك بصفاتها المخصوصة وهيآتها المحدودة وأوضاعها المعينة لا يتم إلا بقدرة شاملة لجميع الممكنات وعلم نافذ في الكليات والجزيئات.
النوع الرابع قوله ﴿ وهو الذي جعل لكم النجوم ﴾ عد ههنا من منافع النجوم كونها سبباً للاهتداء إلى الطرق والمسالك ﴿ في ظلمات البر والبحر ﴾ حيث لا يرون شمساً ولا قمراً.
والتقدير في ظلمات الليل بالبر والبحر فأضافها إليهما لملابستها لهما.
وقيل: المراد ظلمات بر التعطيل وبحر التشبيه فإن اختصاص كل من هذه الكواكب بحال وصفة أخرى مع تشاركها في الجسمية دليل ظاهر على مختار قادر.
وأيضاً اتصافها بالأعضاء والأبعاض والحدود والأحياء مع أنها لا تصلح للإلهية بالاتفاق دليل على تنزيه الله من هذه السمات ولهذا قال ﴿ قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون ﴾ فيستدلون بالمحسوس على المعقول وينتقلون من الشاهد إلى الغائب.
ثم عدل عن الآيات الآفاقية إلى آيات الأنفس فقال ﴿ وهو الذي أنشأكم ﴾ أي خلقكم بطريق النشؤ والنماء ﴿ من نفس واحدة ﴾ هي آدم وحوّاء مخلوقة من ضلع من أضلاعه، وكذا عيسى لأنه من مريم وإن كان يتوسط كلمة "كن" أبو بالنفخ وهي من آدم ﴿ فمستقر ﴾ من قرأ بكسر القاف فالتقدير فمنكم مستقر ﴿ و ﴾ منكم ﴿ مستودع ﴾ الأول اسم فاعل والثاني اسممفعول.
ومن قرأ بفتح القاف فالتقدير: فلكم مستقر ولكم مستودع.
فيكون كلاهما اسمي مكان أو مصدراً.
وذلك أن استقر لازم فلا يجيء منه المفعول به بلا واسطة فينبغي تفسير مستودع أيضاً بما يشاكله استحساناً.
وعن ابن عباس: أن المستودع الصلب والمستقر الرحم لقوله ﴿ ونقر في الأرحام ما نشاء ﴾ ولأن اللبث في الرحم أكثر فيكون لفظ القرار بذلك أنسب بخلاف المستودع فإنه في معرض الاسترداد ساعة فساعة، وهذا شأن المني في الأصلاب فإنه بصدد الإراقة في كل حين وأوان.
وقيل: المستقر صلب الأب والمستودع الرحم، لأن النطفة قد حصلت في صلب الأب أوّلاً واستقرت هناك، ثم حصلت في الرحم على سبيل الوديعة، ولأن هذا الترتيب يناسب تقديم المستقر على المستودع.
وعن الحسن: المستقر حاله بعد الموت لأن سعادته وشقاوته تبقى وتستقر على حالة واحدة والمستودع حاله قبل الموت، لأن الكافر قد ينقلب مؤمناً والفاسق صالحاً والوديعة على شرف الزوال والذهاب.
وقال الأصم: المستقر الذي خلق من النفس الأولى وحصل في الوجود والمستودع الذي لم يخلق بعد وسيخلق.
وعنه أيضاً المستقر من في قرار الدنيا، والمستودع من في القبور إلى يوم البعث.
وعن قتادة بالعكس.
وعن أبي مسلم الأصفهاني: المستقر الذكر لأن النطفة إنما تستقر في صلبه، والمستودع الأنثى لأنها تستودع النطفة.
وحاصل الكلام أن الإنسان خلق من نفس واحدة ثم إنه يتقلب في الأطوار ويتردد في الأحوال، وليس هذا بمقتضى الطبع والخاصية وإلا لتساوى الكل في الأخلاق والأمزجة فذلك إذن بتدبير فاعل قدير مختار خبير.
ولهذا قال ﴿ قد فصلنا الآيات ﴾ ميزنا بعضها عن بعض ﴿ لقوم يفقهون ﴾ لأن الفائدة تعود إليهم وإن كان الإرشاد عاماً، ولأن آيات الأنفس أقرب إلى الاعتبار وأهون لدى الاستبصار ختم هذه الآية بالفقه، وخصص خاتمة الآية الأولى بالعلم ليعلم أن الغافل عن هذه لا فطنة له ولا ذكاء أصلاً فضلاً عن العلم.
ثم عدد ما كونه نعمة أبين فيه من كونه آية فقال ﴿ وهو الذي أنزل من السماء ماء ﴾ قيل: أي من جانب السماء وقيل: أي من السحاب لأن العرب تسمي كل ما فوقك سماء كسماء البيت.
وقال أكثر أهل الظاهر: أي من السماء نفسها لأنه فاعل مختار قادر على خلق الأجسام كيف شاء وأراد.
ونحن قد حكينا في أول سورة البقرة مذهب الحكماء في هذا الباب والله أعلم.
قال ابن عباس: يريد بالماء ههنا المطر، ولا تنزل قطرة من السماء إلا ومعها ملك.
والفلاسفة يحملون ذلك على الطبيعة الحالة فيها الموجبة للنزول إلى مركزها.
﴿ فأخرجنا به ﴾ أي بواسطة ذلك الماء وذلك يوجب الطبع والمتكلمون ينكرونه ﴿ نبات كل شيء ﴾ قال الفراء: أي نبات كل شيء له نبات فيخصص بنبت كل صنف من أصناف النامي ويخرج ما عدا ذلك.
وفي الآية التفاتان: الأول من الحكاية إلى الغيبة حيث لم يقل "نحن الذين أنزلنا" والثاني من الغيبة إلى الحكاية وأنت خبير أن نقل الكلام من أسلوب إلى أسلوب باب من أبواب البلاغة، وصيغة الجمع لأجل التعظيم كما هو ديدن الملوك.
ثم لما بين أن السبب وهو الماء واحد والمسببات صنوف كثيرة فصل ذلك بعض التفصيل حسب ما ذكر في قوله ﴿ إن الله فالق الحب والنوى ﴾ فقال ﴿ فأخرجنا منه ﴾ أي من النبات ﴿ خضراً ﴾ شيئاً أخضر طرياً وهو ما تشعب من أصل النبات الخارج من الحبة.
﴿ نخرج منه ﴾ أي من ذلك الخضر ﴿ حباً متراكباً ﴾ بعضه على بعض.
قال ابن عباس: يريد القمح والشعير والسلت والذرة، فأصل ذلك هو العود الأخضر وتكون السنبلة راكبة عليه من فوقه والحبات متراكبة وفوق السنبلة أجسام دقيقة حادة كالإبر.
والمقصود من تخليقها أن تمنع الطيور من التقاط تلك الحبات المتراكبة.
ولما ذكر ما نبت من الحب أتبعه ذكر ما ينبت من النوى فقال ﴿ ومن النخل ﴾ وهو خبر وقوله ﴿ من طلعها ﴾ بدل منه كأنه قيل: وحاصلة من طلع النخل ﴿ قنوان ﴾ أو الخبر محذوف لدلالة أخرجنا عليه.
والتقدير: ومخرجة من طلع النخل قنوان وهو جمع قنو كصنوان وصنو.
والقنو العذق وهو من التمر بمنزلة العنقود من العنب، والطلع أول ما يبدو من غذق النخلة.
قال ابن عباس: يريد العراجين التي قد تدلت من الطلع دانية من تحتها.
وعنه أيضاً أنه أراد عذوق النخلة اللاصقة بالأرض.
قال الزجاج: ولم يقل ومنها قنوان بعيدة لأن أحد القسمين يغني عن الآخر كما قال ﴿ سرابيل تقيكم الحر ﴾ ويحتمل أن يقال: ترك البعيدة لأن النعمة في القريبة أكمل وأتم.
وقيل: أراد بكونها دانية أنها سهلة المجتنى متعرضة للقاطف كالشيء الداني القريب المتناول، وأن النخلة وإن كانت صغيرة ينالها القاعد فإنها بالثمر لا تنتظر الطول ﴿ وجنات من أعناب ﴾ بالنصب عطفاً على ﴿ خضراً ﴾ أي وأخرجنا به جنات من أعناب.
ومن قرأ بالرفع فعلى أنها مبتدأ محذوف الخبر أي وثم جنات من أعناب، أو وجنات من أعناب مخرجة، ولا يجوز أن يكون عطفاً على قنوان وإن جوّزه في الكشاف، إذا يصير المعنى وحاصلة أو مخرجة من النخل من طلعها جنات حصلت من أعناب.
أما قوله ﴿ والزيتون والرمان ﴾ بالنصب فللعطف على منصوبات قبلها أو للاختصاص لفضل هذين الصنفين.
قال الفراء: أراد شجر الزيتون وشجر الرمان فحذف المضاف.
واعلم أنه قدم الزرع على الأشجار لأنه غذاء وثمار الأشجار فواكه والغذاء مقدم على الفواكه، ثم قدم النخل على سائر الفواكه لأن التمر يقوم مقام الغذاء ولا سيما للعرب.
ومن فضائلها أن الحكماء بينوا أن بينه وبين الحيوانات مشابهات كثرة ولهذا قال "أكرموا عمتكم النخلة فإنها خلقت من بقية طينة آدم" ثم ذكر العنب عقيب النخل لأنه أشرف أنواع الفواكه وأنه ينتفع به من أوّل ظهوره إلى آخر حاله.
فأوّله خيوط دقيقة حامضة الطعم لذيذة وقد يمكن اتخاذ الطبائخ منه، ثم يظهر الحصرم وهو طعام شريف للأصحاء وللمرضى من أصحاب الصفراء، ثم يتم العنب فيؤكل كما هو ويدخر ويتخذ منه الزبيب والدبس والخمر والخل ومنافع كل منها لا تحصى، إلا أن الخمر حرمها الشرع لإسكارها.
وأخس ما في العنب عجمه والأطباء يتخذون منه جوارشنات نافعة للمعدة الضعيفة الرطبة.
ويتلو العنب في المنفعة الزيتون لأنه يمكن تناوله كما هو، وينفصل منه الزيت الذي يعظم غناؤه، وأما الرمان فحاله عجيبة جداً لأنه قشر وشحم وعجم وماء.
والثلاثة الأول باردة يابسة أرضية كثيفة قابضة عفصة، وأما ماء الرمان فبالضد من هذه الصفات وأنه ألذ الأشربة وألطفها وأقربها إلى الاعتدال وأشدها مناسبة للطباع المعتدلة، وفيه تقوية للمزاج الضعيف وهو غذاء من وجه ودواء من وجه، وكأنه جمع فيه بين المتضادين فيكون دلالة القدرة والرحمة والحكمة فيه أكمل وأنواع النبات أكثر من أن يفي بشرحها المجلدات فاكتفى بذكر هذه الأنواع الخمسة تنبيهاً على البواقي.
وأما قوله ﴿ مشتبهاً وغير متشابه ﴾ ففي تفسيره وجوه الأوّل أن هذه الفواكه تكون متشابهة في اللون والشكل مع أنها تكون مختلفة في الطعم واللذّة، فإن الأعناب والرمان قد تكون متشابهة في الصورة واللون والشكل ثم إنها تكون مختلفة في الحلاوة والحموضة وبالعكس.
الثاني أن أكثر الفواكه يكون ما فيها من القشر والعجم متشابهاً في الطعم والخاصية، وأما ما فيها من اللحم والرطوبة فإنها تكون مختلفة، ومنهم من يقول: الأشجار متشابهة والثمار مختلفة.
ومنهم من قال: بعض حبات العنقود متشابهة وبعضها غير متشابه وذلك أنك قد تأخذ العنقود من العنب فترى جميع حباته مدركة نضيجة حلوة طيبة إلا حبات مخصوصة فإنها بقيت على أوّل حالها من الخضرة والحموضة والعفوصة، ومعنى اشتبه وتشابه واحد يقال: اشتبه الشيئان وتشابها كقولك: استويا وتساويا.
وإنما قال ﴿ مشتبهاً ﴾ ولم يقل "مشتبهين" إما اكتفاء بوصف أحدهما، أو على تقدير والزيتون مشتبهاً وغير متشابه والرمان كذلك كقوله: رماني بأمر كنت ووالدي *** بريئا ومن أجل الطويّ رماني ﴿ انظروا إلى ثمره ﴾ من قرأ بفتحتين فلأنه جمع ثمرة مثل: بقر وبقرة، وشجر وشجرة.
ومن قرأ بضمتين فعلى أنه جمع ثمرة أيضاً مثل: خشبة وخسب.
قال ﴿ كأنهم خشب مسندة ﴾ أو على أن ثمرة جمعت على ثمار ثم جمع ثمار على ثمر ﴿ إذا أثمر ﴾ إذا أخرج ثمره ﴿ وينعه ﴾ يقال: ينعت الثمرة ينعاً وينعاً بالفتح والضم إذا أدركت ونضجت.
أمر بالنظر في حال ثمر كل شجرة أوّل حدوثها وفي آخر حالها فإنها قد تكون موصوفة بالخضرة والحموضة ثم تصير إلى السواد والحلاوة، وربما كانت أوّل الأمر باردة بحسب الطبيعة ثم تصير حارة الطبع وقد يخرج ضيئلاً ضعيفاً لا يكاد ينتفع به، ثم يؤول إلى كمال اللذة والمنفعة فحصول هذه الانتقالات والتغيرات لا بد له من سبب مستقل في التأثير سوى الطبائع والفصول والأفلاك والنجوم وما ذاك إلا السبب الأوّل ومبدع الكل، ولهذا ختم الآية بقوله ﴿ إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون ﴾ قال القاضي: المراد لمن يطلب بالإيمان بالله لأنه آية لمن آمن ولمن لم يؤمن، ويحتمل أن يقال: خص المؤمنين لأنهم المنتفعون بذلك دون غيرهم، أو المراد أن هذه الدلالة على قوّتها وظهورها دلالة لمن سبق قضاء الله في حقه بالإيمان وإلا فلا ينتفع به ألبتة ويكون من زمرة من قال في حقهم ﴿ وجعلوا الله شركاء الجن ﴾ قال الكلبي: عن ابن عباس نزلت في الزنادقة قالوا إن الله وإبليس أخوان، فالله خالق الناس والدواب والأنعام، وإبليس خالق الحيات والسباع والعقارب.
قال في التفسير الكبير: هذا مذهب المجوس فإنما قال ابن عباس هذا قول الزنادقة لأن المجوس يلقبون بالزنادقة لأن الكتاب الذي زعم زرادشت أنه نزل عليه من عند الله يسمى بالزند والمنسوب إليه زندي، ثم عرّب فقيل زنديق، ثم جمع فقيل زنادقة، ثم إنهم قالوا كل ما في هذا العالم من الخيرات فهو من يزدان، وجميع ما فيه من الشرور فهو من أهرمن وهو المسمى بإبليس في شرعنا، ثم اختلفوا فالأكثرون منهم على أن أهرمن محدث ولهم في كيفية حدوثه أقوال عجيبة كقولهم إنه فكر في مملكة نفسه واستعظمها ففعل نوعاً من العجب فتولد الشيطان من ذلك العجب، وكقولهم شك في قدرة نفسه فتولد من شكه الشيطان.
والأقلون منهم قالوا إنه قديم أزلي والحاصل أنهم يقولون: عسكر الله هم الملائكة، وعسكر إبليس هم الشياطين والملائكة فيهم كثرة عظيمة وهم أرواح طاهرة مقدسة تلهم الأرواح البشرية الطاعات، والشياطين فيهم أيضاً كثرة عظيمة يلقون الوساوس إلى الأرواح البشرية، والله مع عسكره يحاربون إبليس مع عسكره فلهذا السبب حكى الله عنهم أنهم أثبتوا لله شركاء من الجن بلفظ الجمع وإن كان شريكه عندهم بالحقيقة واحداً وهو أهرمن.
وانتصاب ﴿ الجن ﴾ على أنه بدل أو بيان لشركاء أو على أنه مفعول أول لـ ﴿ جعلوا ﴾ و ﴿ شركاء ﴾ ثانيه ويكون ﴿ لله ﴾ طرفاً لغواً.
وفائدة تقديم المفعول الثاني على هذا القول استعظام أن يتخذ لله شريك كائناً من كان، ملكاً أو جنياً أو إنسياً، ولذلك قدم اسم الله على الشركاء.
وقرىء ﴿ الجن ﴾ بالرفع كأنه قيل: من هم؟
فقيل: الجن.
وبالجر على الإضافة التي للتبيين.
وقيل: إن الآية نزلت في الكفار الذين جعلوا الملائكة بنات الله.
وحسن إطلاق الجن على الملائكة لاستتارهم عن العيون.
ومعنى كونهم شركاء أنها مدبرة لأحوال هذا العالم ومعينة لله إعانة الولد للوالد.
وعن الحسن وطائفة من المفسرين: أن المراد أن الجن دعوا الكفار إلى عبادة الأصنام وإلى القول بالشركة فأطاعوهم كما يطاع الله.
أما قوله ﴿ وخلقهم ﴾ فإشارة إلى الدليل القاطع على إبطال الشريك.
والضمير فيه إما أن يعود إلى الجن أو إلى الجاعلين فإن عاد إلى الجن فإن قلنا إن الآية نزلت في المجوس فتقريره أن الأكثرين منهم معترفون بأن إبليس محدث ولو لم يعترفوا بذلك والبرهان العقلي قائم على أن ما سوى الحق الواحد ممكن لذاته، وكل ممكن لذاته فهو محدث، فنقول حينئذ، كل محدث مخلوق وله خالق وما ذاك إلا الله ، وحينئذ يلزمهم نقض قولهم لأنه ثبت أن إله الخير قد فعل أعظم الشرور وهو خلق إبليس الذي هو مادة كل شر.
وإن قلنا.
إنها نزلت في كفار العرب القائلين الملائكة بنات الله، فظاهر لأنهم يسلمون أن الملائكة مخلوقون وأنهم تولدوا منه تولد الولد من الوالد.
وإن عاد الضمير إلى الجاعلين فالمعنى.
وعلموا أن الله خلقهم دون الجن كقوله ﴿ ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله ﴾ ولم يمنعهم علمهم أن يتّخذوا من لا يخلق شريكاً للخالق.
والجملة في موضع الحال أي وقد خلقهم.
وقرىء ﴿ وخلقهم ﴾ بسكون اللام أي اختلاقهم للإفك يعني جعلوا لله خلقهم حيث نسبوا قبائحهم إلى الله في قولهم ﴿ والله أمرنا بها ﴾ ثم حكي عن قوم آخرين نوعاً آخر من الإشراك فقال ﴿ وخرقوا له بنين وبنات ﴾ وذلك قول أهل الكتابين في المسيح وعزير، وقول قريش في الملائكة، ومن هنا يعلم ضعف قول من قال ﴿ وجعلوا لله شركاء الجن ﴾ نزل في كفار قريش لأنه لزم التكرار من غير فائدة ظاهرة، يقال: خرق الإفك وخلقه واخترقه واختلقه بمعنى.
قال الحسن: كلمة عربية كان الرجل، إذا كذب كذبة في نادي القوم يقول له بعضهم: قد خرقها والله أعلم.
ويجوز أن يكون من خرق الثوب إذا شقه أي اشتقوا له بنين وبنات.
أما قوله ﴿ بغير علم ﴾ فكالتنبيه على إبطال قولهم، فإن من عرف الإله حق معرفته استحال أن يثبت له ولداً لأن ذلك الولد إن كان واجب الوجود لذاته كان مستقلاً بنفسه قائماً بذاته لا تعلق له في وجوده بالآخرة تعلق الفرعية، وإن كان ممكن الوجود لذاته كان موجوداً بإيجاد الواجب وكان عبداً له لا ولداً.
وأيضاً الولد إنما يحتاج إليه ليقوم مقام الوالد بعد فنائه ومن تقدس عن الفناء لم يحتج إلى الولد.
وأيضاً الولد جزء من أجزاء الوالد ومن لم يكن مركباً استحال أن ينفصل منه جزء يتولد منه الولد.
ثم نزه نفسه عما لا يليق به فقال { } وهذا على لسان المسبحين ﴿ وتعالى عما يصفون ﴾ وهذا له في نفسه سواء سبحه مسبح أم لا.
والمراد بالتعالي العو بالشرف والرفعة بدليل قوله عما يصفون.
التأويل: ﴿ وما قدروا الله حق قدره ﴾ حين أنكروا إنزال الكتب والبعثة على أنهم لو اعترفوا بذلك أيضاً لم يعرفوه حق معرفته لأن المحاط لا يحيط بالمحيط.
نعم تزداد معرفته بازدياد معرفة أوصافه ﴿ تجعلونه قراطيس ﴾ أي في القراطيس، وما يجعلونه في قلوبهم بالتخلق بأخلاقه ﴿ وعلمتم ﴾ بتعليم محمد ﴿ ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم ﴾ كقوله ﴿ ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون ﴾ ومن الحكمة ما هو سره الذي يكون تعليمه بسر المتابعة سراً بسر وإضماراً بإضمار، والذي علم النبي هو الله وعلى الخواص بأن يهديهم إلى ربهم، وعلى خواص الخواص بأن يوصلهم إلى ربهم ويخلقهم بأخلاقه، وفي كتاب المحبوب شفاء لما في القلوب ﴿ مصدق الذي بين يديه ﴾ لأنه يصدق حقائق جميع ما في الكتب ﴿ ولتنذر أم القرى ﴾ وهي الذرة المودعة في القلب التي هي المخاطب في الميثاق وقد دحيت جميع أرض القلب من تحتها ﴿ ومن حولها ﴾ من الجوارح والأعضاء والسمع والبصر والفؤاد والصفات والأخلاق بأن يتنوّروا بأنواره وينتفعوا بأسراره ويتخلقوا بأخلاقه.
﴿ والذين يؤمنون بالآخرة ﴾ فيستعملون الأدوات والآلات في أمور الدنيا والآخرة لا في الدنيا الفانية وشهوات النفس وهواها ﴿ يؤمنون ﴾ بالقرآن ﴿ وهم على صلاتهم ﴾ بالترقي في صفاتهم إلى التخلق بأخلاق القرآن يداومون، فإن الصلاة معراج المؤمن ﴿ ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً ﴾ بإظهار المواجد والحالات رياء ومراء من غير أن يكون له منها نصيب، ﴿ أو قال أوحي إليّ ﴾ الإشارات ولم يلهم نفسه شيئاً منها، ومن قال متشدّقاً متفيهقاً سأتكلم بمثل كلام الله من الحقائق والأسرار فتظهر مضرة ظلمة وافترائه عند سكرات الموت، وانقطاع تعلق الروح عن البدن، وإخراج النفس عن القالب كرهاً لتعلقها بالشهوات واللذات وطلب الرياسات، ويكون شدة النزع والهوان بحسب التعلقات ﴿ ولقد جئتمونا فرادى ﴾ عن الدنيا وما يتعلق بها، أو فرادى عن تعلقات الكونين ﴿ كما خلقناكم أوّل مرة ﴾ في أوّل خلقة الروح قبل تعلقه بالقالب.
﴿ وتركتم ﴾ بالتجريد عن الدنيا وبالتفريد عن الدنيا والآخرة ﴿ ما خولناكم ﴾ من تعلق الكونين ﴿ وراء ظهوركم وما نرى معكم ﴾ الأعمال والأحوال التي ظننتم أنها توصلكم إلى الله ﴿ لقد تقطع بينكم ﴾ وبينها عند انتهاء سيركم كما انتهى سير جبريل عند سدرة المنتهى، وحينئذ لا يصل إلى الوحدة إلا بجذبة ﴿ ارجعي إلى ربك ﴾ ولو لم تدركه الجذبة المسندة إلى العناية لانقطع عن السير في الله بالله ونفى السدرة وهو يقول ﴿ وما منا إلا له مقام معلوم ﴾ ﴿ إن الله فالق ﴾ حبة الذرة التي أخذ منها الميثاق المودعة في حبة القلب عن نبات المحبة، وفالق النوى ذكر لا إله إلا الله في أرض القلب عن شجرة الإيمان، كلمة طيبة كشجرة طيبة يخرج نبات المحبة التي هي من صفات الحي القيوم من الذرة الميتة الإنسانية، ومخرج الأفعال الطبيعية التي هي من صفات الكفار الموتى من المؤمن الحق في الدارين.
وأيضاً يخرج نخل الإيمان الحق من نوى الحروف الميتة في كلمة لا إله إلا الله، ومخرج ميت النفاق من الكلمة الحية وهي لا إله إلا الله ﴿ فالق الإصباح ﴾ فالق ظلمة الجمادية بصباح العقل والحياة والرشاد، وفالق ظلمة الجهالة بصباح الفهم والإدراك، وفالق ظلمات العالم الجسماني بتخليص النفس القدسية إلى صحبة عالم الأفلاك، وفالق ظلمات الاشتغال بعالم الممكنات بصباح نور الاستغراق في معرفة مدبر المحدثات والمبدعات.
وبالجملة فالق أنوار الروح عن ظلمة ليل البشرية، وجاعل ليل البشرية ستراً عن ضياء شمس الروح ليسكن فيه النفس الحيوانية والأوصاف البشرية ﴿ والشمس والقمر حسباناً ﴾ يعني تجلي شمس الروحانية وطلوع قمر القلب بالحساب لئلا يفسد أمر القلب والقالب.
وأيضاً تجلي شمس الربوبية وطلوع قمر الروحانية لليل البشرية بالحساب لئلا يفسد أمر الدين والدنيا على العبد بالتفريط والإفراط، فإن إفراط طلوع شموس المعارف والشهود آفة "أنا الحق وسبحاني" وفي تفريطه آفة أنا ربكم الأعلى وعبادة الهوى.
﴿ ذلك تقدير العزيز ﴾ الذي لا يهتدى إليه إلا به ﴿ العليم ﴾ بمن يستحق الاهتداء إليه ﴿ وهو الذي جعل لكم النجوم ﴾ نجوم أنوار الغيوب في سموات القلوب ﴿ لتهتدوا بها في ظلمات ﴾ بر البشرية وبحر الروحانية إلى عالم الربوبية.
﴿ وهو الذي أنشأ ﴾ أرواحكم من روح واحد هو روح محمد "أول ما خلق الله روحي كما خلق أجسادكم من جسد واحد هو جسد آدم أبي البشر" فمن الأرواح ما تعلق بالأجساد واستقر وما هو بعد مستودع في عالم الأرواح.
وأيضاً من الأرواح ما هو مستقر فيه نور صفة الإيمان وما هو مستودع فيه جذبات الحق، ومنها ما هو مستقر في أنانيته مع علو رتبته بالبقاء وما هو مستودع أنانيته بالفناء، وما هو مستقر ببقاء الحق باق وما هو مستودع في بقاء البقاء عن الفناء ﴿ قد فصلنا ﴾ دلالات الوصول في الوصال ﴿ لقوم يفقهون ﴾ إشارات القلوب ﴿ وهو الذي أنزل ﴾ من سماء العناية ﴿ ماء ﴾ الهداية ﴿ فأخرجنا به نبات كل شيء ﴾ من أنواع المعارف ﴿ فأخرجنا منه خضراً ﴾ طرياً من المعاني والأسرار ﴿ يخرج به ﴾ من الحقائق ما تركب بعضها فترتب بعضها على بعض ﴿ ومن النخل ﴾ يعني أصحاب الولايات من طلعها} من ثمرات ولايتهم ما هو متدان للطالبين أي منهم من يكون مريئاً فينتفع بثمرات ولايته، ومنهم من يختار العزلة والانقطاع عن المريدين.
﴿ وجنات ﴾ يريد أرباب الزهد والتقوى والفتوّة الذين لم يبلغوا رتبة الولاية من أعناب الاجتهاد وزيتون الأصول ورمان الفروع ﴿ مشتبهاً ﴾ أي متفقاً في الأصول والفروع ﴿ وغير متشابه ﴾ أي مختلفاً فيما بين العلماء ﴿ انظروا ﴾ إلى ثمر الولايات كيف ينتفع به الخواص والعوام ﴿ وينعه ﴾ أي الكامل منها.
﴿ إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون ﴾ بأحوالهم وينتفعون بأموالهم وأحوالهم.
﴿ وجعلوا لله ﴾ إشارة إلى أنه كما يخرج بماء اللطف من أرض القلوب لأربابها أنواع الكمالات كذلك يخرج بماء القهر من أرض النفوس لأصحابها أنواع الضلالات.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ﴾ : قيل: نزلت سورة الأنعام في محاجة أهل الشرك إلا آيات نزلت في محاجة أهل الكتاب، إحداها هذه: ﴿ وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ...
﴾ الآية، وذكر في موضع آخر: ﴿ مَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ﴾ ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾ وقال في آية أخرى: ﴿ وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ﴾ ﴿ وَٱلأَرْضُ جَمِيعـاً...
﴾ الآية.
ثم قال بعض أهل التأويل: ما عرفوا الله حق معرفته.
وقال غيرهم: ما عظموا الله حق عظمته؛ ذكروا أن هؤلاء لم يعظموا الله حق عظمته، ولا عرفوه حق معرفته، ومن يقدر أن يعظم الله حق عظمته، أو أن يعرفه حق معرفته، أو من يقدر أن يعبد الله حق عبادته؟!
وكذلك روي في الخبر: "أن الملائكة يقولون يوم القيامة: يا ربنا ما عبدناك حق عبادتك" ، مع ما أخبر عنهم أنهم: ﴿ لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾ ، وقال: ﴿ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ ﴾ ، فهم مع هذا كله يقولون: "ما عبدناك حق عبادتك"، ومن يقدر أن يعرفه حق معرفته، أو يعظمه حق عظمته؟!
ولكن تأويله - والله أعلم - أي: ما عرفوا الله حق المعرفة التي تعرف بالاستدلال، ولا عظموه حق عظمته التي تعظم بالاستدلال، هذا تأويلهم، وإلا لا أحد [يقدر أن] يعرف الله حق معرفته، ولا يعظمه حق عظمته حقيقة.
وهو يخرج على وجهين: أحدهما: ما قدروا الله حق قدره، ولا اتقوه حق تقواه مما كلفوا به وأطاقوه ومما جرى الأمر بذلك، وإنما تجري الكلفة منه على قدر الطاقة والوسع، وإلا لا يقدر أحد أن يعظم ربه حق عظمته ولا يتقيه حق تقواه، لكن ما ذكرنا مما جرت [به] الكلفة.
والثاني: ما قدروا الله حق قدره ولا حق تقاته على القدر الذي يعملون لأنفسهم، أي: لو اجتهدوا في تقواه وعظمته القدر الذي لو كان ذلك العمل لهم فيجتهدون، ويبلغ جهدهم في [ذلك] ذلك فقد اتقوا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ قَالُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ ﴾ .
لو كان هؤلاء في الحقيقة أهل الكتاب ما أنكروا الرسل ولا الكتب؛ لأن أهل الكتاب يؤمنون ببعض الرسل وببعض الكتب، وإن كانوا يكفرون ببعض، لكن هؤلاء أنكروا الرسل لما كانوا أهل نفاق، ويكون من اليهود أهل نفاق، كما يكون من أهل الإسلام، كانوا يظهرون الموافقة لهم، ويضمرون الخلاف لهم والموالاة لأهل الشرك، ويظاهرون عليهم؛ كما كان يفعل ذلك منافقو أهل الإسلام؛ كانوا يظهرون الموافقة لرسول الله ويضمرون الخلاف له، ويظاهرون المشركين عليه، فأطلع الله رسوله على نفاقهم؛ ليعلم قومهم خلافهم، وأن ما كان من تحريف الأحكام وتغيرها وكتمان نعت محمد وصفته إنما كان من هؤلاء.
وذكر في بعض القصة "أنها نزلت في شأن مالك بن الصيف، وكان من أحبار اليهود، وكان سمينا فدخل على رسول الله يوماً فقال له رسول الله : هل تجد في التوراة أن الله يبغض كل حبر سمين؟
قال: نعم، فقال له النبي : فأنت حبر سمين يبغضك الله، فغضب فقال: ما أنزل الله على بشر من شيء أنكر الرسل والكتب جميعاً، فأكذبه الله ، وأظهر نفاقه عند قومه" ، فقال: ﴿ قُلْ مَنْ أَنزَلَ ٱلْكِتَٰبَ ٱلَّذِي جَآءَ بِهِ مُوسَىٰ نُوراً وَهُدًى لِّلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً ﴾ ، قيل: تجعلونه قراطيس، يعني: صحفاً، أي: كتبتموه في الصحف، ثم تنكرون أنه ما أنزل الله على بشر من شيء، أي: ما الذي كنتم كتبتموه إن لم ينزل الله على بشر من شيء ﴿ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً ﴾ ، يقول: تظهرون من الصحف ما ليس فيه صفة رسول الله ونعته وتخفون ما فيه صفته ونعته وتغيرون.
وقيل: ﴿ تُبْدُونَهَا ﴾ أي: تظهرون قراءتها ﴿ وَتُخْفُونَ كَثِيراً ﴾ مما فيه نعته أو: ما فيه من الأحكام التي لا تطيب بها أنفسهم من أمر الرجم والقصاص وغير ذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ مَنْ أَنزَلَ ٱلْكِتَٰبَ ٱلَّذِي جَآءَ بِهِ مُوسَىٰ نُوراً وَهُدًى لِّلنَّاسِ ﴾ ، سمى عز وجل جميع كتبه نوراً وهدى، وهو نور من الظلمات، أي: يرفع الشبهات، ويجليها، وهدى من الضلالات، أي: بياناً ودليلا من الحيرة والهلاك، وبالله العصمة والنجاة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَعُلِّمْتُمْ مَّا لَمْ تَعْلَمُوۤاْ أَنتُمْ وَلاَ ءَابَآؤُكُمْ ﴾ قال مجاهد: نزلت الآية في المسلمين؛ يقول: عُلِّمُوا ما لم يَعْلَمُوا ولا آباؤهم.
وقال الحسن: الآية في الكفرة، أي: علمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم من تحريف أولئك الكتاب وتغييرهم إياه.
وقيل: وعلمتم ما في التوراة ما لم تعلموا أنتم، ولم يعلمه آباؤكم.
ثم قال: ﴿ ثُمَّ ذَرْهُمْ ﴾ : قال بعضهم: قوله: ﴿ قُلِ ٱللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ ﴾ هو صلة قوله: ﴿ قُلْ مَنْ أَنزَلَ ٱلْكِتَٰبَ ٱلَّذِي جَآءَ بِهِ مُوسَىٰ نُوراً ﴾ \[قل\] يا محمد الله أنزله على موسى.
وقيل: [صلة قوله: ﴿ قُلْ مَنْ أَنزَلَ ٱلْكِتَٰبَ ٱلَّذِي جَآءَ بِهِ مُوسَىٰ نُوراً ﴾ ] [قل يا محمد الله: ﴿ وَعُلِّمْتُمْ مَّا لَمْ تَعْلَمُوۤاْ أَنتُمْ وَلاَ ءَابَآؤُكُمْ ﴾ ]، قال: قل يا محمد الله علمكم.
ويحتمل أن يكون - عز وجل - سخرهم حتى قالوا ذلك، فكان ذلك حجة عليهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ ﴾ .
هذا يحتمل وجهين: [الأول] يحتمل: ذرهم ولا تكافئهم بصنيعهم؛ كقوله: ﴿ فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱصْفَحْ ﴾ .
الثاني: أنه قد أقام عليهم الحجج وظهرت عندهم البراهين، لكنهم كابروا وعاندوا، فأمره أن يذرهم لا يقيم عليهم الآيات والحجج بعد ذلك، ولكن يدعوهم إلى التوحيد لا يذر دعاءهم إلى التوحيد، ولكن يذرهم ولا يقيم عليهم الحجج.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فِي خَوْضِهِمْ ﴾ ؛ أي: في باطلهم وتكذيبهم يعمهون.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهَـٰذَا كِتَٰبٌ أَنزَلْنَٰهُ مُبَارَكٌ ﴾ .
قيل: القرآن أنزلناه مباركاً؛ سماه مرة: مباركاً، ومرة نورا، ومرة هدى ورحمة، ومرة شفاء، ومجيداً وكريماً وحكيماً، وليس يوصف هو في الحقيقة بنور، ولا مبارك، ولا رحمة، ولا هدى، ولا شفاء، ولا مجيد، ولا كريم ولا حكيم؛ لأنه صفة ولا يكون للصفة صفة توصف بها، ولو كان هو في الحقيقة نوراً، ورحمة، وهدى أو ما ذكر [لكان يكون لكل واحد نوراً وما ذكر]، فلما ذكر أنه عمى على بعض، وأخبر أنه يزداد بذلك رجساً إلى رجسهم دل أنه ليس هو في الحقيقة كذلك؛ لأنه لو كان كذلك لكان لكل أحد، لكن سماه بهذه الأسماء: سماه نوراً لما يصير نوراً للمسترشدين، ويصير شفاء ورحمة للمتبعين ليشفوا [من] الداء الذي يحل في الدين.
وسماه روحا لما يحيي به الدين.
وسماه حكيماً لما يصير من عرف بواطنه واتبعه حكيماً.
وكذلك سماه مجيداً كريماً لما يدعو الخلق إلى المجد والكرم، فمن اتبعه تخلق بأخلاق حميدة؛ فيصير مجيداً كريماً.
وسماه مباركاً لما به ينال كل بركة، [والبركة اسم لشيئين: اسم كل بر وخير والثاني:] اسم لكل ما [يثمر وينمو] في الحادث، فمن اتبعه نال به كل بر وخير وكل ثمرة ونماء في الحادث؛ هذا وجه الوصف بما ذكرنا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مُّصَدِّقُ ٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ .
من الكتب؛ لأنه كان يدعو الخلق إلى ما كان يدعو سائر الكتب التي أنزلها على الرسل، من توحيد الله والنهي عن إشراك غيره في الألوهية والربوبية، ويدعو إلى كل عدل وإحسان، وينهى عن كل فاحشة ومنكر؛ وكذلك سائر الكتب دعت الخلق إلى ما دعا هذا، لم يخالف بعضهم بعضا، [بل كانت موافقة بعضها] لبعض؛ لذلك قال: ﴿ مُّصَدِّقُ ٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ ، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا ﴾ .
قيل: أم القرى: مكة، وسميت أم القرى لوجهين: أحدهما: لأنها متقدمة، ومنها: دحيت الأرض على ما ذكر أهل التأويل.
والثاني: سميت: أم القرى؛ لأنها مقصد الخلق في الحج، وفيها تقضى المناسك، وإليها يقصدون ويأمون، وإليها يتوجهون في الصلوات، وهي مقصد أهل القرى.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ ﴾ أي: أهل أم القرى.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلأَخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ .
فإن قيل: أخبر أن من آمن بالبعث يؤمن بهذا الكتاب، وأهل الكتاب يؤمنون بالبعث ولا يؤمنون به، فما معناه؟
قيل: يحتمل هذا وجوهاً: أحدها: أن يكون هذا في قوم مخصوصين إذا آمنوا بالبعث آمنوا به؛ كقوله: ﴿ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤمِنُونَ ﴾ ، هذا في قوم مخصوصين؛ لأنه قد آمن كثير منهم بالإنذار؛ فعلى ذلك الأول.
والثاني: قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلأَخِرَةِ ﴾ بالعلم والحجج آمنوا بالقرآن؛ لأن القرآن جاء في تأييد حجج البعث وتأكيده، فلا يجوز أن يؤمنوا بما يؤيده القرآن ولا يؤمنوا بالقرآن.
والثالث: يحتمل أن يكون إخبارا عن أوائلهم: أنهم كانوا مؤمنين بالبعث بالآيات والحجج راغبين فيه، فلما جاء آمنوا به.
وأمكن أن تكون الآية في المؤمنين، أخبر أنهم آمنوا بالآخرة وآمنوا بالقرآن؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ وَهُمْ عَلَىٰ صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ ﴾ .
ويحتمل [أن] الذين يؤمنون بالآخرة يحق لهم أن يؤمنوا بالقرآن؛ لأنه به يتزود للآخرة.
ويحتمل [غير] ما ذكرنا من الوجوه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً ﴾ .
هذا في الظاهر استفهام وسؤال لم يذكر له جواب، لكن أهل التأويل فسروا فقالوا: لا أحد أظلم ممن افترى على الله كذبا، وهذا جواب له [ليس] هو تفسيره، لكن ترك ذكر الجواب لمعرفة أهل الخطاب [به]، وقد يترك الجواب لمعرفة أهله به.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ ﴾ : أكثرهم قد ظلموا أو كلهم قد ظلموا؛ لكن كأنه قال: لا أحد أفحش ظلماً ممن افترى على الله؛ لأنه يتقلب في نعم الله في ليله ونهاره وأحيانه، فهو أفحش ظلماً وأوحش كذباً.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ ﴾ .
في الآية دلالة أن نافي الرسالة عمن له الرسالة في الافتراء على الله الكذب؛ كمدعي الرسالة لنفسه وليست له الرسالة، سواء، كلاهما مفتر على الله كذبا؛ وكذلك من ادعى أنه ينزل مثل ما أنزل الله، أو من ادعى أنه لم ينزل الله شيئاً، فهو في الافتراء على الله كالذي ادعى أنه ينزل مثل ما أنزل الله النافي والمدعي في ذلك سواء شرعا؛ فعلى ذلك يكون نافي الشيء ومثبته في إقامة الحجة والدليل سواء، والله أعلم.
وذكر أهل التأويل أن قوله: ﴿ أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ ﴾ نزل في مسيلمة الكذاب، ونزل قوله: ﴿ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَآ أَنَزلَ ٱللَّهُ ﴾ في عبد الله بن سعد بن أبي سرح، لكن ليس لنا إلى معرفة هذا حاجة؛ هم وغيرهم ومن ادعى وافترى على الله كذباً سواء في الوعيد.
وقوله: ﴿ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَآ أَنَزلَ ٱللَّهُ ﴾ .
ادعى بعضهم أنهم يقولون مثل ما قال الله إنكارا منهم له؛ كقوله : ﴿ وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَـٰذَا ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ تَرَىۤ إِذِ ٱلظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ ٱلْمَوْتِ وَٱلْمَلاۤئِكَةُ بَاسِطُوۤاْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوۤاْ أَنْفُسَكُمُ ﴾ .
عن ابن عباس - - قال: قوله: ﴿ فِي غَمَرَاتِ ٱلْمَوْتِ ﴾ : نزعات الموت وسكراته وغشيانه ﴿ وَٱلْمَلاۤئِكَةُ بَاسِطُوۤاْ أَيْدِيهِمْ ﴾ : يقول ملك الموت وأعوانه الذين معه من [ملائكة الرحمة و] ملائكة العذاب، ﴿ بَاسِطُوۤاْ أَيْدِيهِمْ ﴾ : يقول: ضاربون بأيديهم أنفسهم يقولون لها: اخرجي، يعني الأرواح، وهو قوله: ﴿ أَخْرِجُوۤاْ أَنْفُسَكُمُ ﴾ وهو عند الموت؛ وكذلك يقول قتادة.
وقال الحسن: ذلك في النار في الآخرة ضرب الوجوه والأدبار.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فِي غَمَرَاتِ ٱلْمَوْتِ ﴾ ، أي: كثرة العذاب وشدته؛ يقال للشيء الكثير: الغمر؛ وهو كقوله: ﴿ وَيَأْتِيهِ ٱلْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ ﴾ أي: أسباب الموت، ولو كان هناك موت يموت لشدة العذاب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ بَاسِطُوۤاْ أَيْدِيهِمْ ﴾ : بضرب الوجوه والأدبار، ﴿ أَخْرِجُوۤاْ أَنْفُسَكُمُ ﴾ : على حقيقة الخروج منها؛ كقوله: ﴿ يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ ٱلنَّارِ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنْهَا ﴾ ، والأول ليس على حقيقة الخروج، ولكن كما يقال عند نزول الشدائد: أخرج نفسك.
وقال مجاهد: هذا في القتال تضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم، يعني: الأستاه، ولكنه يكون - وهو كقول ابن عباس وقتادة -: عند الموت.
قال أبو عوسجة: غمرات الموت: سكراته وشدائده، والغمر: هو الماء الكثير، والغمر: العداوة، والغمر: الذي لم يجرب الأمور، والغمر: الدسم، والغُمر: القدح الصغير من الخشب، وغمرة الحرب: وسطها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ ٱلْهُونِ ﴾ : قيل: عذاب الهون لا رأفة فيه ولا رحمة، أي: الشديد ﴿ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ ﴾ ، بأن معه شريكاً وآلهة، ﴿ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ ﴾ ، أنه لم ينزل شيئاً ولم يوح إليه شيء، وإنما يوحي إليّ، وغير ذلك من الافتراء الذي ذكروا، وبالله العصمة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَٰدَىٰ كَمَا خَلَقْنَٰكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ .
يحتمل هذا - والله أعلم - وجوهاً: [الأول]: أي: أعدناكم وبعثناكم فرادى بلا معين ولا ناصر؛ كما خلقناكم أول مرة بلا معين ولا ناصر.
والثاني: أعيدكم وأبعثكم فرادى بلا أعوان لكم ولا شفعاء يشفعون لكم يعين بعضكم بعضا؛ كما خلقناكم في الابتداء فرادى، لم يكن لكم شفعاء ولا أعوان.
وقيل: يبعثكم ويعيدكم بلا مال ولا شيء من الدنياوية؛ كما خلقكم في الابتداء، ولم يكن لكم مال ولا شيء من الدنياوية.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَٰدَىٰ ﴾ ليس معكم ما تفتخرون به من الخدم والأموال والقرابات التي افتخرتم [بها] في الدنيا؛ [وليس معكم ما تفتخرون به] كما خلقناكم أول مرة.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ كَمَا خَلَقْنَٰكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ منفصلا [عن] قوله: ﴿ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا ﴾ ، لكن جواب سؤال: أن كيف يبعثون؟
فقال: أي تبعثون كما خلقناكم أول مرة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتَرَكْتُمْ مَّا خَوَّلْنَٰكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ ﴾ \[يحتمل وجهين\]: يحتمل تركتموه وراء ظهوركم لا تلتفتون إليه ولا تنظرون؛ كالمنبوذ وراء ظهوركم، إنما نظرتم إلى أعمالكم التي قدمتموها.
والثاني: لم تقدموا ما خولناكم، ولم تنتفعوا منه، بل تركتموه وراء ظهوركم لا تنتفعون به، إنما منفعتكم ما قدمتموه وأنفقتم منه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ خَوَّلْنَٰكُمْ ﴾ .
قيل: أعطيناكم.
وقيل: رزقناكم.
وقيل: مكناكم؛ وهو واحد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا نَرَىٰ مَعَكُمْ شُفَعَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَآءُ ﴾ .
أنهم كانوا يجعلون لله شركاء في عبادته وألوهيته، ويقولون: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ ﴾ و: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ ﴾ ، يقول الله: وما نرى [معكم شفعاءكم] الذين زعمتم أنهم شركاء لله في عبادتكم، وزعمتم أنهم شفعاؤكم عند الله بل شُغِلُوا هُم بأنفسهم؛ يخبر عن سفههم وقلة نظرهم فيهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ ﴾ : قرئ بالرفع والنصب جميعاً.
فمن قرأ بالرفع يقول: لقد تقطع تواصلكم.
ومن قرأ بالنصب يقول: لقد تقطع ما كان بينكم من الوصل.
يخبر عز وجل عن قطع ما كان بينهم من التواصل، وتعاون بعضهم بعضا في هذه الدنيا، أنهم كانوا يتعاونون ويتناصرون بعضهم بعضا - يخبر أن ذلك كله ينقطع في الآخرة، ويصير بعضهم أعداء بعض، ويتبرأ بعضهم من بعض؛ كقوله: ﴿ إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ ﴾ ؛ وكقوله: ﴿ ٱلأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ ﴾ ؛ وكقوله - -: ﴿ وَإِذَا حُشِرَ ٱلنَّاسُ كَانُواْ لَهُمْ أَعْدَآءً ﴾ ؛ وكقوله: ﴿ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ ﴾ الآية؛ يصير المعبودون أعداء للعابدين، والعابدون أعداء للمعبودين، وتصير الوصلة والمودة التي فيما بينهم في هذه الدنيا عداوة، والرحم والقرابة اللتين كانتا بينهم منقطعاً، حتى يفر بعضهم من بعض؛ كقوله - -: ﴿ يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ ﴾ الآيات.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ ﴾ .
أي: ذهب عنكم وبطل ما كنتم تزعمون أنهم شفعاؤكم عند الله، وبالله العصمة والنجاة.
<div class="verse-tafsir"
لا أحد أعظم ظلمًا ممن اختلق على الله كذبًا بأن قال: ما أنزل الله على بشر من شيء, أو قال كذبًا: إن الله أوحى إليه، والله لم يوح إليه شيئًا، أو قال: سأنزل مثل ما أنزل الله من القرآن، ولو ترى -أيها الرسول- حين تصيب هؤلاء الظالمين سكرات الموت، والملائكة باسطو أيديهم إليهم بالتعذيب والضرب، يقولون لهم على سبيل التعنيف: أَخرجوا أنفسكم، فنحن نقبضها، في هذا اليوم تجزون عذابًا يهينكم ويذلكم بسبب ما كنتم تقولون على الله من الكذب بادعاء النبوة والوحي وإنزال مثل ما أنزل الله، وبسبب تكبركم عن الإيمان بآياته، لو ترى ذلك لرأيت أمرًا فظيعًا.
<div class="verse-tafsir" id="91.11pzA"