الإسلام > القرآن > تفسير > البسيط > سورة 62 الجمعة > الآية ٩
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 8 دقيقة قراءةقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ ﴾ قال مقاتل: يعني النداء إذا جلس الإمام على المنبر يوم الجمعة، وهو كما قال، لأنه لم يكن على عهد رسول الله - - نداء سواه كان إذا جلس على المنبر أذن بلال على باب المسجد، وكذا كان على عهد أبي بكر، وعمر ما (١) وقوله: ﴿ الْجُمُعَةِ ﴾ يعني لوقت الصلاة (٢) ﴿ مِنْ يَوْمِ ﴾ والصلاة لا تكون من اليوم وإما يكون وقتها من اليوم، وأما الجمعة فقال الليث: الجمعة يوم خُصَّ به لاجتماع الناس في ذلك اليوم ويجمع على الجُمعان والجُمَع، والفعل جمَّع الناسُ: أي شهدوا الجمعة (٣) وروي عن سلمان قال: قال رسول الله - -: "سميت الجمعة لأن آدم جمع خلقه" (٤) وقال بعضهم: سميت بهذا الاسم؛ لأن الله تعالى فرغ فيه من خلق الأشياء فاجتمعت فيه المخلوقات (٥) قال الفراء: وفيها ثلاث لغات (٦) (٧) (٨) (٩) (١٠) قوله تعالى: ﴿ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ﴾ قال ابن عباس: فامضوا (١١) وقال مقاتل: فامشوا (١٢) (١٣) وقال ابن جريج: قلت لعطاء ﴿ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ﴾ قال: الذهاب والمشي (١٤) وقال الزجاج: معناه: فاقصدوا، وليس معناه العدو (١٥) (١٦) (١٧) وحمل قوم السعي هاهنا على العمل، قال محمد بن كعب: السعي العمل (١٨) ﴿ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ ﴾ ، وقوله: ﴿ إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ﴾ قال: فليس السعي الذي ذكر الله في كتابه بالسعي على الأقدام ولا بالاشتداد وإنما ذلك الفعل والعمل.
أخبرنا أحمد بن الحسن الحرشي (١٩) (٢٠) ﴿ إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ﴾ ﴿ وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى ﴾ .
ويكون المعنى على هذا: فاعملوا على المضي إلى ذكر الله من التفرغ له، والاشتغال بأسبابه من الطهارة والغسل والتوجه إليه بالقصد والنية.
وذهب قوم إلى السعي الذي هو سرعة المشي، وروي ذلك عن عبد الله بن الصامت (٢١) ﴿ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ﴾ (٢٢) وروى عمران بن الخياط (٢٣) - قال: "إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، ولكن آتوها وعليكم السكينة" (٢٤) -.
غير أنه يحتمل أن يقال: صلاة الجمعة مخصوصة بجواز السعي إليها للآية، وغيرها من الصلاة تؤتى بالسكينة (٢٥) (٢٦) وروى أبو العباس عن ابن الأعرابي: سعى إذا مشى، وسعى إذا غدا، وسعى إذا عمل، وسعى إذا قصد.
قال: وقول الله تعالى: ﴿ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ﴾ أي اقصدوا (٢٧) ومعنى ﴿ ذِكْرِ اللَّهِ ﴾ هاهنا الصلاة المفروضة في قول أكثر المفسرين (٢٨) قوله تعالى: ﴿ وَذَرُوا الْبَيْعَ ﴾ قال الحسن: إذا أذن المؤذن يوم الجمعة لم يحل البيع والشراء (٢٩) قال أصحابنا: إذا جلس الإمام على المنبر يترك البيع لقوله: ﴿ وَذَرُوا الْبَيْعَ ﴾ فمن باع في تلك الساعة فقد خالف الأمر وبيعه منعقد، لأن النهي عن البيع تنزيه لقوله: ﴿ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ فدل ذلك على الترغيب في ترك البيع في ذلك الوقت (٣٠) ﴿ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ أي ما هو خير لكم وأصلح.
(١) روى البخاري في كتاب: الجمعة، باب: المؤذن الواحد يوم الجمعة 2/ 10، == عن السائب بن يزيد: كان النداء إذا صعد الإمام على المنبر على عهد رسول الله - - وأبي بكر، وعمر، فلما كان عثمان كثر الناس فزاد النداء الثالث على الزوراء.
(٢) انظر: "معاني الأخفش" 2/ 708.
(٣) "تهذيب اللغة" 1/ 398.
(٤) أخرجه سعيد بن منصور، وأحمد، والنسائي، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه، عن سلمان.
قال: قال رسول الله - - أتدري ما يوم الجمعة؟
قال الله ورسوله أعلم، قالها ثلاث مرات.
ثم قال في الثالثة: هو اليوم الذي جُمع فيه أبوكم آدم ..
الحديث.
ولم يحلل تسميتها الجمعة بهذه العلة التي ذكرها المؤلف.
وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 2/ 174، رواه الطبراني في "الكبير"، وإسناده حسن، قال: وروى النسائي بعضه.
(٥) قال ابن كثير: إنما سميت الجمعة جمعة لأنها مشتقة من الجمع فإن أهل الإسلام يجتمعون فيه في كل أسبوع مرة بالمعابد الكبار، وفيه كمل جميع الخلائق، فإنه اليوم السادس من السنة التي خلق الله فيها السموات والأرض وفيه خلق آدم وفيه أدخل الجنة.
"تفسير القرآن العظيم" 4/ 365، وانظر: "اللسان" 1/ 500 (جمع).
(٦) (لغات) ساقطة من (ك).
(٧) قرأ الجمهور (الجمعة) بضم الجيم والميم، وقرأ الأعمش، والسلمي، والزهري، وغيرهم (الجمعة) بضم الجيم وإسكان الميم.
انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 156، و"إعراب القرآن" للنحاس 3/ 429، و"البحر المحيط" 8/ 267.
(٨) بنو عقيل.
(٩) لغة بني عقيل: (الجُمَعة) بفتح الميم.
انظر: معاني الفراء 3/ 156، و"إعراب القرآن" للنحاس 3/ 156، و"الكشف" 13/ 118 ب، 119 أ.
(١٠) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 156، و"الكشاف" 4/ 97.
(١١) "تنوير المقباس" 6/ 71.
(١٢) لم أجده عن مقاتل، وإنما ذكره المفسرون لبيان المعنى دون نسبة لقائل، والذي في "تفسير مقاتل" 155 أ، قال: (يقول فامضوا إلى الصلاة).
وانظر: "التفسير الكبير" 3/ 8.
(١٣) انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 291، و"جامع البيان" 28/ 65، و"مجمع الزوائد" 7/ 124، و"أحكام القرآن" للجصاص 3/ 442، قال أبو حيان: وقرأ كبراء من الصحابة والتابعين (فامضوا) بدل ﴿ فَاسْعَوْا ﴾ وينبغي أن يحمل على التفسير من حيث أنه لا يراد بالسعي هنا الإسراع في المشي، ففسروه بالمضي، ولا يكون قرآنًا لمخالفته سواد ما أجمع عليه المسلمون.
"البحر المحيط" 8/ 268.
(١٤) أخرجه عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر.
"الدر" 6/ 219.
(١٥) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 171.
(١٦) انظر: "الكشف والبيان" 13/ 121 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 341، و"الدر" 6/ 219.
(١٧) أخرجه عبد بن حميد، والبيهقي في شعب الإيمان.
"الدر" 6/ 219، وانظر: "الكشف والبيان" 13/ 121 ب.
(١٨) انظر: "الدر" 6/ 219، ونسب تخريجه لابن المنذر وابن أبي شيبة.
انظر: "المصنف" لابن أبي شيبة.
(١٩) هو أحمد بن الحسن الحرشي.
كان رئيسًا محتشمًا.
انتهى إليه علم الإسناد، فروى عن أبي الميداني، والأصم وطبقتهما، ولي قضاء نيسابور، وقد صم بآخره، حتى بقي إلا يسمع شيئًا، ووافق شيخه الأصم في الأصول والحديث.
توفي سنة (421 هـ) وله ست وتسعون سنة.
انطر: "شذرات الذهب" 3/ 217، و"الكامل في التاريح" 7/ 352، و"العبر" 2/ 243.
(٢٠) هو أبو العباس الأصم.
(٢١) هو عبد الله بن الصامت الغفاري البصري، ثقة وهو ابن أخي أبي ذر، ويكنى أبا نصر.
انظر: "المعارف" ص 253، و"التقريب" 1/ 423.
(٢٢) أخرجه البيهقي في "سننه" وفيه: (خرجت إلى المسجد يوم الجمعة فلقيت أبا ذر ...
فجذبني جذبة فقال: أولسنا في سعي) "الدر" 6/ 219، واقتصر المؤلف -رحمه الله- على ما ذكر لبيان من فسر السعي بالسرعة وإن عارضه غيره.
والله أعلم.
(٢٣) هو عمران بن حطان بن ظبيان، يكنى أبا شهاب، تابعي مشهور، وكان من رؤوس الخوارج من الصفرية، ولما طال عمره وضعف عن الحرب اقتصر على التحريض والدعوة بشعره وبيانه، وكان شاعرًا مغلقًا مكثرًا.
مات سنة (84 هـ).
انظر: "الإصابة" 3/ 178، و"ميزان الاعتدال" 3/ 235، و"الأعلام" 5/ 70.
(٢٤) الحديث رواه البخاري في الأذان، باب لا يسعى إلى الصلاة وليأت بالسكينة والوقار 1/ 164، ومسلم في المساجد، باب استحباب إتيان الصلاة بوقار وسكينة 1/ 239 (603)، وأحمد 2/ 532.
(٢٥) انظر: "روح المعاني" 28/ 102.
(٢٦) انظر: "أحكام القرآن" للجصاص 3/ 445، وقال بعد ذكره للحديث المتقدم: (ولم يفرق بين الجمعة وغيرها، واتفق فقهاء الأمصار على أنه يمشي إلى الجمعة على هينته).
(٢٧) انظر: "تهذيب اللغة" 3/ 91 (سعى).
(٢٨) ومراد المؤلف -رحمه الله- أن الذكر يشمل الصلاة والخطبة معًا، إذ خص بعض العلماء الذكر بالصلاة، والأكثرون فسروه بالخطبة فقط فجمع المؤلف بين القولين.
انظر: "جامع البيان" 28/ 65، و"الكشف والبيان" 13/ 121 ب، و"زاد المسير" 8/ 265، و"المغني" 3/ 171/ 175، و"أحكام القرآن" للجصاص 3/ 446.
(٢٩) انظر: "التفسير الكبير" 30/ 8، وهذا هو قول مجاهد، والزهري، وأحمد.
انظر: "المغني" 3/ 163، و"أحكام القرآن" للجصاص 3/ 448.
(٣٠) انظر: "الأم" 1/ 173، و"زاد المحتاج بشرح المنهاج" 1/ 337 - 338، و"المجموع" 4/ 500، ويرى مالك أن يفسخ البيع، و"المدونة" 1/ 143.
<div class="verse-tafsir"