الآية ٩ من سورة الجمعة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 62 الجمعة > الآية ٩ من سورة الجمعة

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوٰةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْا۟ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ وَذَرُوا۟ ٱلْبَيْعَ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌۭ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ٩

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 199 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٩ من سورة الجمعة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٩ من سورة الجمعة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

إنما سميت الجمعة جمعة ; لأنها مشتقة من الجمع ، فإن أهل الإسلام يجتمعون فيه في كل أسبوع مرة بالمعابد الكبار وفيه كمل جميع الخلائق ، فإنه اليوم السادس من الستة التي خلق الله فيها السماوات والأرض .

وفيه خلق آدم وفيه أدخل الجنة ، وفيه أخرج منها .

وفيه تقوم الساعة .

وفيه ساعة لا يوافقها عبد مؤمن يسأل الله فيها خيرا إلا أعطاه إياه كما ثبتت بذلك الأحاديث الصحاح وقال ابن أبي حاتم : حدثنا الحسن بن عرفة ، حدثنا عبيدة بن حميد ، عن منصور ، عن أبي معشر ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عن قرثع الضبي ، حدثنا سلمان قال : قال أبو القاسم - صلى الله عليه وسلم - : " يا سلمان ما يوم الجمعة ؟

" .

قلت : الله ورسوله أعلم .

فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " يوم جمع فيه أبواك - أو أبوكم " وقد روي عن أبي هريرة من كلامه ، نحو هذا ، فالله أعلم .

وقد كان يقال له في اللغة القديمة يوم العروبة .

وثبت أن الأمم قبلنا أمروا به فضلوا عنه ، واختار اليهود يوم السبت الذي لم يقع فيه خلق واختار النصارى يوم الأحد الذي ابتدئ فيه الخلق ، واختار الله لهذه الأمة يوم الجمعة الذي أكمل الله فيه الخليقة ، كما أخرجه البخاري ، ومسلم من حديث عبد الرزاق ، عن معمر ، عن همام بن منبه قال : هذا ما حدثنا أبو هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " نحن الآخرون السابقون يوم القيامة ، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا .

ثم هذا يومهم الذي فرض الله عليهم ، فاختلفوا فيه ، فهدانا الله له ، فالناس لنا فيه تبع اليهود غدا ، والنصارى بعد غد " لفظ البخاري .

وفي لفظ لمسلم : " أضل الله من كان قبلنا فكان لليهود يوم السبت ، وكان للنصارى يوم الأحد .

فجاء الله بنا فهدانا الله ليوم الجمعة ، فجعل الجمعة والسبت والأحد ، وكذلك هم تبع لنا يوم القيامة ، نحن الآخرون من أهل الدنيا ، والأولون يوم القيامة ، المقضي بينهم قبل الخلائق " .

وقد أمر الله المؤمنين بالاجتماع لعبادته يوم الجمعة ، فقال : ( يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله ) أي : اقصدوا واعمدوا واهتموا في مسيركم إليها ، وليس المراد بالسعي ها هنا المشي السريع ، وإنما هو الاهتمام بها ، كقوله تعالى : ( ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن ) [ الإسراء : 19 ] وكان عمر بن الخطاب وابن مسعود رضي الله عنهما يقرآنها : " فامضوا إلى ذكر الله " .

فأما المشي السريع إلى الصلاة فقد نهي عنه ، لما أخرجاه في الصحيحين ، عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة ، وعليكم السكينة والوقار ، ولا تسرعوا ، فما أدركتم فصلوا ، وما فاتكم فأتموا " .

لفظ البخاري وعن أبي قتادة قال : بينما نحن نصلي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ سمع جلبة رجال ، فلما صلى قال : " ما شأنكم ؟

" .

قالوا : استعجلنا إلى الصلاة .

قال : " فلا تفعلوا ، إذا أتيتم الصلاة فامشوا وعليكم بالسكينة فما أدركتم فصلوا ، وما فاتكم فأتموا " .

أخرجاه وقال عبد الرزاق : أخبرنا معمر ، عن الزهري ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون ، ولكن ائتوها تمشون ، وعليكم السكينة والوقار ، فما أدركتم فصلوا ، وما فاتكم فأتموا " .

رواه الترمذي من حديث عبد الرزاق كذلك ، وأخرجه من طريق يزيد بن زريع ، عن معمر ، عن الزهري ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة بمثله قال الحسن أما والله ما هو بالسعي على الأقدام ، ولقد نهوا أن يأتوا الصلاة إلا وعليهم السكينة والوقار ، ولكن بالقلوب والنية والخشوع .

وقال قتادة في قوله : ( فاسعوا إلى ذكر الله ) يعني : أن تسعى بقلبك وعملك ، وهو المشي إليها ، وكان يتأول قوله تعالى : ( فلما بلغ معه السعي ) [ الصافات : 102 ] أي : المشي معه .

روي عن محمد بن كعب ، وزيد بن أسلم وغيرهما نحو ذلك .

ويستحب لمن جاء الجمعة أن يغتسل قبل مجيئه إليها ، لما ثبت في الصحيحين عن عبد الله بن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل " ولهما عن أبي سعيد رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم " وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " حق لله على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام ، يغسل رأسه وجسده " .

رواه مسلم وعن جابر رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " على كل رجل مسلم في كل سبعة أيام غسل يوم ، وهو يوم الجمعة " .

رواه أحمد ، والنسائي ، وابن حبان وقال الإمام أحمد : حدثنا يحيى بن آدم ، حدثنا ابن المبارك ، عن الأوزاعي ، عن حسان بن عطية ، عن أبي الأشعث الصنعاني ، عن أوس بن أوس الثقفي قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " من غسل واغتسل يوم الجمعة ، وبكر وابتكر ، ومشى ولم يركب ، ودنا من الإمام واستمع ولم يلغ كان له بكل خطوة أجر سنة ، أجر صيامها وقيامها " .

وهذا الحديث له طرق وألفاظ ، وقد أخرجه أهل السنن الأربعة وحسنه الترمذي وعن أبي هريرة رضي الله عنه ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ، ثم راح فكأنما قرب بدنة ، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة ، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا أقرن ، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة ، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة ، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر " أخرجاه ويستحب له أن يلبس أحسن ثيابه ، ويتطيب ويتسوك ، ويتنظف ويتطهر .

وفي حديث أبي سعيد المتقدم : " غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم ، والسواك ، وأن يمس من طيب أهله " .

وقال الإمام أحمد : حدثنا يعقوب ، حدثنا أبي ، عن محمد بن إسحاق ، حدثني محمد بن إبراهيم التيمي ، عن عمران بن أبي يحيى ، عن عبد الله بن كعب بن مالك ، عن أبي أيوب الأنصاري : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " من اغتسل يوم الجمعة ومس من طيب أهله - إن كان عنده - ولبس من أحسن ثيابه ، ثم خرج حتى يأتي المسجد فيركع - إن بدا له - ولم يؤذ أحدا ، ثم أنصت إذا خرج إمامه حتى يصلي ، كانت كفارة لما بينها وبين الجمعة الأخرى " وفي سنن أبي داود ، وابن ماجه عن عبد الله بن سلام رضي الله عنه ، أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول على المنبر : " ما على أحدكم لو اشترى ثوبين ليوم الجمعة سوى ثوبي مهنته " وعن عائشة رضي الله عنها : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطب الناس يوم الجمعة ، فرأى عليهم ثياب النمار ، فقال : " ما على أحدكم إن وجد سعة أن يتخذ ثوبين لجمعته ، سوى ثوبي مهنته " .

رواه ابن ماجه وقوله تعالى : ( إذا نودي للصلاة ) المراد بهذا النداء هو النداء الثاني الذي كان يفعل بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا خرج فجلس على المنبر ، فإنه كان حينئذ يؤذن بين يديه ، فهذا هو المراد ، فأما النداء الأول الذي زاده أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه ، فإنما كان هذا لكثرة الناس ، كما رواه البخاري رحمه الله حيث قال : حدثنا آدم - هو ابن أبي إياس - حدثنا ابن أبي ذئب ، عن الزهري ، عن السائب بن يزيد قال : كان النداء يوم الجمعة أوله إذا جلس الإمام على المنبر على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وأبي بكر ، وعمر فلما كان عثمان بعد زمن وكثر الناس ، زاد النداء الثاني على الزوراء يعني : يؤذن به على الدار التي تسمى بالزوراء ، وكانت أرفع دار بالمدينة بقرب المسجد .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا أبو نعيم ، حدثنا محمد بن راشد المكحولي ، عن مكحول : أن النداء كان في يوم الجمعة مؤذن واحد حين يخرج الإمام ، ثم تقام الصلاة ، وذلك النداء الذي يحرم عنده البيع والشراء إذا نودي به ، فأمر عثمان رضي الله عنه ، أن ينادى قبل خروج الإمام حتى يجتمع الناس .

وإنما يؤمر بحضور الجمعة الرجال الأحرار دون النساء ، والعبيد ، والصبيان ويعذر المسافر ، والمريض ، وقيم المريض ، وما أشبه ذلك من الأعذار ، كما هو مقرر في كتب الفروع .

وقوله : ( وذروا البيع ) أي : اسعوا إلى ذكر الله واتركوا البيع إذا نودي للصلاة : ولهذا اتفق العلماء رضي الله عنهم على تحريم البيع بعد النداء الثاني .

واختلفوا : هل يصح إذا تعاطاه متعاط أم لا ؟

على قولين ، وظاهر الآية عدم الصحة كما هو مقرر في موضعه ، والله أعلم .

وقوله : ( ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون ) أي : ترككم البيع وإقبالكم إلى ذكر الله وإلى الصلاة خير لكم ، أي : في الدنيا والآخرة إن كنتم تعلمون .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره للمؤمنين به من عباده: يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله ( إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ ) وذلك هو النداء، ينادي بالدعاء إلى صلاة الجمعة عند قعود الإمام على المنبر للخطبة ؛ ومعنى الكلام: إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة ( فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ) يقول: فامضوا إلى ذكر الله، واعملوا له؛ وأصل السعي في هذا الموضع العمل، وقد ذكرنا الشواهد على ذلك فيما مضى قبل.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك : حدثنا الحسن بن عرفة، قال: ثنا إسماعيل بن عياش، عن شُرحبيل بن مسلم الخَوْلانّي، في قول الله: ( فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ) قال: فاسعوا في العمل، وليس السعي في المشي.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ) والسعي يا ابن آدم أن تسعى بقلبك وعملك، وهو المضيّ إليها.

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أَبي عديّ، عن شعبة، قال: أخبرني مغيرة، عن إبراهيم أنه قيل لعمر رضي الله عنه: إن أبيًّا يقرؤها( فَاسْعَوْا ) قال: أما إنه أقرؤنا وأعلمنا بالمنسوخ وإنما هي فامضوا.

حدثنا عبد الحميد بن بيان السكري ، قال: أخبرنا سفيان، عن الزهريّ، عن سالم، عن أبيه، قال: ما سمعت عمر يقرؤها قطّ إلا فامضوا.

حدثنا أبو كُرَيْب، قال: ثنا ابن يمان، قال: ثنا حنظلة، عن سالم بن عبد الله، قال: كان عمر رضي الله عنه يقرؤها: ( فَامْضُوا إلَى ذِكْرِ اللهِ ).

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن حنظلة، عن سالم بن عبد الله أن عمر بن الخطاب قرأها: فامضوا.

حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثنا حنظلة بن أَبي سفيان الجمحّي، أنه سمع سالم بن عبد الله يحدّث عن أبيه، أنه سمع عمر بن الخطاب يقرأ ( إذَا نُودِيَ لِلْصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الجُمْعَةِ فَامْضُوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ ).

قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال: أخبرني سالم بن عبد الله بن عمر، أن عبد الله قال: لقد توفى الله عمر رضي الله عنه، وما يقرأ هذه الآية التي ذكر الله فيها الجمعة: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ ) إلا فامضوا إلى ذكر الله.

حدثني أَبو السائب، قال: ثنا معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، قال: كان عبد الله يقرؤها " فامضوا إلى ذكر الله " ويقول: لو قرأتها فاسعوا ، لسعيت حتى يسقط ردائي.

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أَبي عدي، عن شعبة، عن سليمان، عن إبراهيم، قال: قال عبد الله: لو كان السعي لسعيت حتى يسقط ردائي، قال: ولكنها(فَامْضُوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ ) قال: هكذا كان يقرؤها.

حدثني عليّ بن الحسين الأزدي، قال: ثنا يحيى بن يمان الأزدي، عن أَبي جعفر الرازي، عن الربيع عن أَبي العالية أنه يقرؤها( فَامْضُوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ ).

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن يمان، قال: ثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أَبي العالية، أنه قرأها( فَامْضُوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ ).

حدثنا أبو كُرَيْب، قال: ثنا ابن يمان، عن سفيان، ابن جُرَيج، عن عطاء، قال: هي للأحرار.

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن يمان، عن سفيان، عن منصور عن رجل، عن مسروق، قال: عند الوقت.

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن منصور، عن رجل، عن مسروق ( إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ ) قال: عند الوقت.

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن يمان، عن سفيان، عن جابر، عن مجاهد، قال: هو عند العزمة عند الخطبة، عند الذكر.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعًا، عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: ( إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ ) قال: النداء عند الذكر عزيمة.

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن جابر، عن مجاهد ( إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ ) قال: العزمة عند الذكر عند الخطبة.

قال: ثنا مهران، عن سفيان عن المُغيرة والأعمش، عن إبراهيم، عن ابن مسعود، قال: لو قرأتها( فَاسْعَوْا ) لسعيت حتى يسقط ردائي، وكان يقرؤها(فَامْضُوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ ).

قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن عطاء بن السائب، عن الشعبيّ، عن ابن مسعود قال: قرأها( فامضوا ) حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن أَبي حيان، عن عكرِمة ( فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ) قال: السعي: العمل.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: وسألته عن قول الله: ( إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ) قال: إذا سمعتم الداعي الأوّل، فأجيبوا إلى ذلك وأسرعوا ولا تبطئوا؛ قال: ولم يكن في زمان النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم أذان إلا أذانان: أذان حين يجلس على المنبر ، وأذان حين يُقام الصلاة؛ قال: وهذا الآخر شيء أحدثه الناس بعد؛ قال: لا يحلّ له البيع إذا سمع النداء الذي يكون بين يدي الإمام إذا قعد على المنبر وقرأ ( فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ) قال : ولم يأمرهم يذرون شيئًا غيره، حرم البيع ثم أذن لهم فيه إذا فرغوا من الصلاة، قال: والسعي أن يُسرع إليها، أن يُقبِل إليها.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة: إن في حرف ابن مسعود ( إذَا نُودِيَ لِلْصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الجُمْعَةِ فَامْضُوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ ).

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ) السعي: هو العمل، قال الله: إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى .

وقوله: ( وَذَرُوا الْبَيْعَ ) يقول: ودعوا البيع والشراء إذا نودي للصلاة عند الخطبة.

وكان الضحاك يقول في ذلك ما حدثنا أَبو كُرَيب، قال: ثنا ابن يمان، عن سفيان، عن جُوَيبر، عن الضحاك، قال: إذا زالت الشمس حرم البيع والشراء.

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن جُوَيبر، عن الضحاك ( إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ ) قال: إذا زالت الشمس حرم البيع والشراء.

حدثنا مهران، عن سفيان ، عن إسماعيل السديّ، عن أَبي مالك، قال: كان قوم يجلسون في بقيع الزبير، فيشترون ويبيعون إذا نودي للصلاة يوم الجمعة، ولا يقومون ، فنـزلت: ( إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ ) وأما الذكر الذي أمر الله تبارك وتعالى بالسعي إليه عباده المؤمنين، فإنه موعظة الإمام في خطبته فيما قيل.

* ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حُمَيْد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن جابر، عن مجاهد ( إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ ) قال: العزمة عند الذكر عند الخطبة.

حدثنا عبد الله بن محمد الحنفي، قال: ثنا عبدان، قال : أخبرنا عبد الله، قال: أخبرنا منصور رجل من أهل الكوفة، عن موسى بن أَبي كثير، أنه سمع سعيد بن المسيب يقول : ( إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ) فهي موعظة الإمام فإذا قضيت الصلاة بعد.

وقوله: ( ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) يقول: سعيكم إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة إلى ذكر الله، وترك البيع خير لكم من البيع والشراء في ذلك الوقت، إن كنتم تعلمون مصالح أنفسكم ومضارّها.

واختلفت القرّاء في قراءة قوله: ( مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ ) فقرأت ذلك عامة قرّاء الأمصار: ( الْجُمُعَةِ ) بضم الميم والجيم، خلا الأعمش فإنه قرأها بتخفيف الميم.

* والصواب من القراءة في ذلك عندنا ما عليه قرّاء الأمصار لإجماع الحجة من القرّاء عليه.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون .فيه ثلاث عشرة مسألة :الأولى : قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم قرأ عبد الله بن الزبير والأعمش وغيرهما " الجمعة " بإسكان الميم على التخفيف .

وهما لغتان .

وجمعهما جمع وجمعات .

قال الفراء : يقال الجمعة ( بسكون الميم ) والجمعة ( بضم الميم ) والجمعة ( بفتح الميم ) فيكون صفة اليوم ; أي تجمع الناس .

كما يقال : ضحكة للذي يضحك .

وقال ابن عباس : نزل القرآن بالتثقيل والتفخيم فاقرءوها جمعة ; يعني بضم الميم .

وقال الفراء وأبو عبيد : والتخفيف أقيس وأحسن ; نحو غرفة وغرف ، وطرفة وطرف ، وحجرة وحجر .

وفتح الميم لغة بني عقيل .

وقيل : إنها لغة النبي صلى الله عليه وسلم .

وعن سلمان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : [ ص: 88 ] " إنما سميت جمعة لأن الله جمع فيها خلق آدم " .

وقيل : لأن الله تعالى فرغ فيها من خلق كل شيء فاجتمعت فيها المخلوقات .

وقيل : لتجتمع الجماعات فيها .

وقيل : لاجتماع الناس فيها للصلاة .

و " من " بمعنى في ; أي في يوم ; كقوله تعالى : أروني ماذا خلقوا من الأرض أي في الأرض .الثانية : قال أبو سلمة : أول من قال : " أما بعد " كعب بن لؤي ، وكان أول من سمى الجمعة جمعة .

وكان يقال ليوم الجمعة : العروبة .

وقيل : أول من سماها جمعة الأنصار .

قال ابن سيرين : جمع أهل المدينة من قبل أن يقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة ، وقبل أن تنزل الجمعة ; وهم الذين سموها الجمعة ; وذلك أنهم قالوا : إن لليهود يوما يجتمعون فيه ، في كل سبعة أيام يوم وهو السبت .

وللنصارى يوم مثل ذلك وهو الأحد فتعالوا فلنجتمع حتى نجعل يوما لنا نذكر الله ونصلي فيه - ونستذكر - أو كما قالوا - فقالوا : يوم السبت لليهود ، ويوم الأحد للنصارى ; فاجعلوه يوم العروبة .

فاجتمعوا إلى أسعد بن زرارة ( أبو أمامة رضي الله عنه ) فصلى بهم يومئذ ركعتين وذكرهم ، فسموه يوم الجمعة حين اجتمعوا .

فذبح لهم أسعد شاة فتعشوا وتغدوا منها لقلتهم .

فهذه أول جمعة في الإسلام .قلت : وروي أنهم كانوا اثني عشر رجلا على ما يأتي .

وجاء في هذه الرواية أن الذي جمع بهم وصلى أسعد بن زرارة ، وكذا في حديث عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه كعب على ما يأتي .

وقال البيهقي : وروينا عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب الزهري أن مصعب بن عمير كان أول من جمع الجمعة بالمدينة للمسلمين قبل أن يقدمها رسول الله صلى الله عليه وسلم .

قال البيهقي : يحتمل أن يكون مصعب جمع بهم بمعونة أسعد بن زرارة فأضافه كعب إليه .

والله أعلم .[ ص: 89 ] وأما أول جمعة جمعها النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه ; فقال أهل السير والتواريخ : قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مهاجرا حتى نزل بقباء على بني عمرو بن عوف يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول حين اشتد الضحى .

ومن تلك السنة يعد التاريخ .

فأقام بقباء إلى يوم الخميس وأسس مسجدهم .

ثم خرج يوم الجمعة إلى المدينة ; فأدركته الجمعة في بني سالم بن عوف في بطن واد لهم قد اتخذ القوم في ذلك الموضع مسجدا ; فجمع بهم وخطب .

وهي أول خطبة خطبها بالمدينة ، وقال فيها : " الحمد لله .

أحمده وأستعينه وأستغفره وأستهديه ، وأومن به ولا أكفره ، وأعادي من يكفر به .

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له .

وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، أرسله بالهدى ودين الحق ، والنور والموعظة والحكمة على فترة من الرسل ، وقلة من العلم ، وضلالة من الناس ، وانقطاع من الزمان ، ودنو من الساعة ، وقرب من الأجل .

من يطع الله ورسوله فقد رشد .

ومن يعص الله ورسوله فقد غوى وفرط وضل ضلالا بعيدا .

أوصيكم بتقوى الله ، فإنه خير ما أوصى به المسلم المسلم أن يحضه على الآخرة ، وأن يأمره بتقوى الله .

واحذروا ما حذركم الله من نفسه ; فإن تقوى الله لمن عمل به على وجل ومخافة من ربه عون صدق على ما تبغون من أمر الآخرة .

ومن يصلح الذي بينه وبين ربه من أمره في السر والعلانية ، لا ينوي به إلا وجه الله يكن له ذكرا في عاجل أمره ، وذخرا فيما بعد الموت ، حين يفتقر المرء إلى ما قدم .

وما كان مما سوى ذلك يود لو أن بينه وبينه أمدا بعيدا .

ويحذركم الله نفسه والله رءوف بالعباد .

هو الذي صدق قوله ، وأنجز وعده ، لا خلف لذلك ; فإنه يقول تعالى : ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد .

فاتقوا الله في عاجل أمركم وآجله في السر والعلانية ; فإنه من يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا .

ومن يتق الله فقد فاز فوزا عظيما .

وإن تقوى الله توقي مقته وتوقي عقوبته وتوقي سخطه .

وإن تقوى الله تبيض الوجوه ، وترضي الرب ، وترفع الدرجة .

فخذوا بحظكم ولا تفرطوا في جنب الله ، فقد علمكم كتابه ، ونهج لكم سبيله ; ليعلم الذين صدقوا ويعلم الكاذبين .

فأحسنوا كما أحسن الله إليكم ، وعادوا أعداءه ، وجاهدوا في الله حق جهاده ; هو اجتباكم وسماكم المسلمين .

ليهلك من هلك عن بينة ، ويحيا من حي عن بينة .

ولا حول ولا قوة إلا بالله .

فأكثروا ذكر الله تعالى ، واعملوا لما بعد الموت ; فإنه من يصلح ما بينه وبين الله يكفه الله ما بينه وبين الناس .

ذلك بأن الله يقضي على الناس ولا يقضون عليه ، ويملك من الناس ولا يملكون منه .

الله أكبر ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم " .[ ص: 90 ] وأول جمعة جمعت بعدها جمعة بقرية يقال لها : " جواثي " من قرى البحرين .

وقيل : إن أول من سماها الجمعة كعب بن لؤي بن غالب لاجتماع قريش فيه إلى كعب ; كما تقدم .

والله أعلم .الثالثة : خاطب الله المؤمنين بالجمعة دون الكافرين تشريفا لهم وتكريما فقال : يا أيها الذين آمنوا ، ثم خصه بالنداء ، وإن كان قد دخل في عموم قوله تعالى : وإذا ناديتم إلى الصلاة ليدل على وجوبه وتأكيد فرضه .

وقال بعض العلماء : كون الصلاة الجمعة هاهنا معلوم بالإجماع لا من نفس اللفظ .

قال ابن العربي : وعندي أنه معلوم من نفس اللفظ بنكتة وهي قول : " من يوم الجمعة " وذلك يفيده ; لأن النداء الذي يختص بذلك اليوم هو نداء تلك الصلاة .

فأما غيرها فهو عام في سائر الأيام .

ولو لم يكن المراد به نداء الجمعة لما كان لتخصيصه بها وإضافته إليها معنى ولا فائدة .‎ الرابعة : فقد تقدم حكم الأذان في سورة " المائدة " مستوفى .

وقد كان الأذان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في سائر الصلوات ; يؤذن واحد إذا جلس النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر .

وكذلك كان يفعل أبو بكر وعمر وعلي بالكوفة .

ثم زاد عثمان على المنبر أذانا ثالثا على داره التي تسمى " الزوراء " حين كثر الناس بالمدينة .

فإذا سمعوا أقبلوا ; حتى إذا جلس عثمان على المنبر أذن مؤذن النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم يخطب عثمان .

خرجه ابن ماجه في سننه من حديث محمد بن إسحاق عن الزهري عن السائب بن يزيد قال : ما كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلا مؤذن واحد ; إذا خرج أذن وإذا نزل أقام .

وأبو بكر وعمر كذلك .

فلما كان عثمان وكثر الناس زاد النداء الثالث على دار في السوق يقال لها " الزوراء " ; فإذا خرج أذن وإذا نزل أقام .

خرجه [ ص: 91 ] البخاري من طرق بمعناه .

وفي بعضها : أن الأذان الثاني يوم الجمعة أمر به عثمان بن عفان حين كثر أهل المسجد ، وكان التأذين يوم الجمعة حين يجلس الإمام .

وقال الماوردي : فأما الأذان الأول فمحدث ، فعله عثمان بن عفان ليتأهب الناس لحضور الخطبة عند اتساع المدينة وكثرة أهلها .

وقد كان عمر رضي الله عنه أمر أن يؤذن في السوق قبل المسجد ليقوم الناس عن بيوعهم ، فإذا اجتمعوا أذن في المسجد ، فجعله عثمان رضي الله عنه أذانين في المسجد .

قاله ابن العربي .

وفي الحديث الصحيح : أن الأذان كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم واحدا ، فلما كان زمن عثمان زاد الأذان الثالث على الزوراء ، وسماه في الحديث ثالثا لأنه أضافه إلى الإقامة ، كما قال عليه الصلاة والسلام : " بين كل أذانين صلاة لمن شاء " يعني الأذان والإقامة .

ويتوهم الناس أنه أذان أصلي فجعلوا المؤذنين ثلاثة فكان وهما ، ثم جمعوهم في وقت واحد فكان وهما على وهم .

ورأيتهم يؤذنون بمدينة السلام بعد أذان المنار بين يدي الإمام تحت المنبر في جماعة ، كما كانوا يفعلون عندنا في الدول الماضية .

وكل ذلك محدث .الخامسة : قوله تعالى : فاسعوا إلى ذكر الله اختلف في معنى السعي هاهنا على ثلاثة أقوال : أولها : القصد .

قال الحسن : والله ما هو بسعي على الأقدام ولكنه سعي بالقلوب والنية .

الثاني : أنه العمل ، كقوله تعالى : ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن ، وقوله : إن سعيكم لشتى ، وقوله : وأن ليس للإنسان إلا ما سعى .

وهذا قول الجمهور .

وقال زهير : سعى بعدهم قوم لكي يدركوهم [ ص: 92 ] وقال أيضا :سعى ساعيا غيظ بن مرة بعدما تبزل ما بين العشيرة بالدمأي فاعملوا على المضي إلى ذكر الله ، واشتغلوا بأسبابه من الغسل والتطهير والتوجه إليه .

الثالث : أن المراد به السعي على الأقدام .

وذلك فضل وليس بشرط .

ففي البخاري : أن أبا عبس بن جبر - واسمه عبد الرحمن وكان من كبار الصحابة - مشى إلى الجمعة راجلا وقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار .

ويحتمل ظاهره .

رابعا : وهو الجري والاشتداد .

قال ابن العربي : وهو الذي أنكره الصحابة الأعلمون والفقهاء الأقدمون .

وقرأها عمر : " فامضوا إلى ذكر الله " فرارا عن طريق الجري والاشتداد الذي يدل على الظاهر .

وقرأ ابن مسعود كذلك وقال : لو قرأت " فاسعوا " لسعيت حتى يسقط ردائي .

وقرأ ابن شهاب : " فامضوا إلى ذكر الله سالكا تلك السبيل " .

وهو كله تفسير منهم ; لا قراءة قرآن منزل .

وجائز قراءة القرآن بالتفسير في معرض التفسير .

قال أبو بكر الأنباري : وقد احتج من خالف المصحف بقراءة عمر وابن مسعود ، وأن خرشة بن الحر قال : رآني عمر رضي الله عنه ومعي قطعة فيها : فاسعوا إلى ذكر الله فقال لي عمر : من أقرأك هذا ؟

قلت : أبي .

فقال : إن أبيا أقرؤنا للمنسوخ .

ثم قرأ عمر " فامضوا إلى ذكر الله " .

حدثنا إدريس قال : حدثنا خلف قال : حدثنا هشيم عن المغيرة عن إبراهيم عن خرشة ; فذكره .

وحدثنا محمد بن يحيى أخبرنا محمد وهو ابن سعدان قال : حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن سالم عن أبيه قال : ما سمعت عمر يقرأ قط إلا " فامضوا إلى ذكر الله " .

وأخبرنا إدريس قال : حدثنا خلف قال : حدثنا هشيم عن المغيرة عن إبراهيم أن عبد الله بن مسعود قرأ " فامضوا إلى ذكر الله " وقال : لو كانت " فاسعوا " لسعيت حتى يسقط ردائي .

قال أبو بكر : فاحتج عليه بأن الأمة أجمعت على فاسعوا برواية ذلك عن الله رب العالمين ورسوله صلى الله عليه وسلم .

فأما عبد الله بن مسعود فما صح عنه " فامضوا " لأن السند غير متصل ; إذ إبراهيم النخعي لم يسمع عن عبد الله بن مسعود شيئا ، وإنما ورد " فامضوا " عن عمر رضي الله عنه .

فإذا انفرد أحد بما [ ص: 93 ] يخالف الآية والجماعة كان ذلك نسيانا منه .

والعرب مجمعة على أن السعي يأتي بمعنى المضي ; غير أنه لا يخلو من الجد والانكماش .

قال زهير :سعى ساعيا غيظ بن مرة بعدما تبزل ما بين العشيرة بالدمأراد بالسعي المضي بجد وانكماش ، ولم يقصد للعدو والإسراع في الخطو .

وقال الفراء وأبو عبيدة : معنى السعي في الآية المضي .

واحتج الفراء بقولهم : هو يسعى في البلاد يطلب فضل الله ; معناه هو يمضي بجد واجتهاد .

واحتج أبو عبيدة بقول الشاعر :أسعى على جل بني مالك كل امرئ في شأنه ساعيفهل يحتمل السعي في هذا البيت إلا مذهب المضي بالانكماش ; ومحال أن يخفى هذا المعنى على ابن مسعود على فصاحته وإتقان عربيته .قلت : ومما يدل على أنه ليس المراد هاهنا العدو قوله عليه الصلاة والسلام : " إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون ، ولكن ائتوها وعليكم السكينة " .

قال الحسن : أما والله ما هو بالسعي على الأقدام ، ولقد نهوا أن يأتوا الصلاة إلا وعليهم السكينة والوقار ; ولكن بالقلوب والنية والخشوع .

وقال قتادة : السعي أن تسعى بقلبك وعملك .

وهذا حسن ، فإنه جمع الأقوال الثلاثة .

وقد جاء في الاغتسال للجمعة والتطيب والتزين باللباس أحاديث مذكورة في كتب الحديث .السادسة : قوله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا " خطاب للمكلفين بإجماع .

ويخرج منه المرضى والزمنى والمسافرون والعبيد والنساء بالدليل ، والعميان والشيخ الذي لا يمشي إلا بقائد عند أبي حنيفة .

روى أبو الزبير عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فعليه الجمعة يوم الجمعة إلا مريض أو مسافر أو امرأة أو صبي أو مملوك ، فمن استغنى بلهو أو تجارة استغنى الله عنه والله غني حميد " خرجه الدارقطني وقال علماؤنا رحمهم الله : ولا يتخلف أحد عن الجمعة ممن عليه إتيانها إلا بعذر لا يمكنه منه الإتيان إليها ; مثل المرض الحابس ، أو خوف الزيادة في المرض ، أو خوف جور السلطان عليه في مال أو بدن دون [ ص: 94 ] القضاء عليه بحق .

والمطر الوابل مع الوحل عذر إن لم ينقطع .

ولم يره مالك عذرا له ; حكاه المهدوي .

ولو تخلف عنها متخلف على ولي حميم له قد حضرته الوفاة ، ولم يكن عنده من يقوم بأمره رجا أن يكون في سعة .

وقد فعل ذلك ابن عمر .

ومن تخلف عنها لغير عذر فصلى قبل الإمام أعاد ، ولا يجزيه أن يصلي قبله .

وهو في تخلفه عنها مع إمكانه لذلك عاص لله بفعله .السابعة : قوله تعالى : إذا نودي للصلاة يختص بوجوب الجمعة على القريب الذي يسمع النداء ، فأما البعيد الدار الذي لا يسمع النداء فلا يدخل تحت الخطاب .

واختلف فيمن يأتي الجمعة من الداني والقاصي ، فقال ابن عمر وأبو هريرة وأنس : تجب الجمعة على من في المصر على ستة أميال .

وقال ربيعة : أربعة أميال .

وقال مالك والليث : ثلاثة أميال .

وقال الشافعي : اعتبار سماع الأذان أن يكون المؤذن صيتا ، والأصوات هادئة ، والريح ساكنة وموقف المؤذن عند سور البلد .

وفي الصحيح عن عائشة : أن الناس كانوا ينتابون الجمعة من منازلهم ومن العوالي فيأتون في الغبار ويصيبهم الغبار فتخرج منهم الريح ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لو اغتسلتم ليومكم هذا " .

قال علماؤنا : والصوت إذا كان منيعا والناس في هدوء وسكون فأقصى سماع الصوت ثلاثة أميال .

والعوالي من المدينة أقربها على ثلاثة أميال .

وقال أحمد بن حنبل وإسحاق : تجب الجمعة على من سمع النداء .

وروى الدارقطني من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إنما الجمعة على من سمع النداء " .

وقال أبو حنيفة وأصحابه : تجب على من في المصر ، سمع النداء أو لم يسمعه ، ولا تجب على من هو خارج المصر وإن سمع النداء .

حتى سئل : وهل تجب الجمعة على أهل زبارة - بينها وبين الكوفة مجرى نهر - ؟

فقال : لا .

وروي عن ربيعة أيضا : أنها تجب على من إذا سمع النداء وخرج من بيته ماشيا أدرك الصلاة .

وقد روي عن الزهري : أنها تجب عليه إذا سمع الأذان .الثامنة : قوله تعالى : إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله دليل على أن الجمعة لا تجب إلا بالنداء ، والنداء لا يكون إلا بدخول الوقت ، بدليل قوله عليه [ ص: 95 ] الصلاة والسلام : " إذا حضرت الصلاة فأذنا ثم أقيما وليؤمكما أكبركما " قاله لمالك بن الحويرث وصاحبه .

وفي البخاري عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي الجمعة حين تميل الشمس .

وقد روي عن أبي الصديق وأحمد بن حنبل أنها تصلى قبل الزوال .

وتمسك أحمد في ذلك بحديث سلمة بن الأكوع : كنا نصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم ننصرف وليس للحيطان ظل .

وبحديث ابن عمر : ما كنا نقيل ولا نتغدى إلا بعد الجمعة .

ومثله عن سهل .

خرجه مسلم .

وحديث سلمة محمول على التبكير .

رواه هشام بن عبد الملك عن يعلى بن الحارث عن إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه .

وروى وكيع عن يعلى عن إياس عن أبيه قال : كنا نجمع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا زالت الشمس ثم نرجع نتتبع الفيء .

وهذا مذهب الجمهور من الخلف والسلف ، وقياسا على صلاة الظهر .

وحديث ابن عمر وسهل ، دليل على أنهم كانوا يبكرون إلى الجمعة تبكيرا كثيرا عند الغداة أو قبلها ، فلا يتناولون ذلك إلا بعد انقضاء الصلاة .

وقد رأى مالك أن التبكير بالجمعة إنما يكون قرب الزوال بيسير .

وتأول قول النبي صلى الله عليه وسلم : " من راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة .

.

.

" الحديث بكماله - أنه كان في ساعة واحدة .

وحمله سائر العلماء على ساعات النهار الزمانية الاثنتي عشرة ساعة المستوية أو المختلفة بحسب زيادة النهار ونقصانه .

ابن العربي : وهو أصح ; لحديث ابن عمر رضي الله عنهما : ما كانوا يقيلون ولا يتغدون إلا بعد الجمعة لكثرة البكور إليها .[ ص: 96 ] التاسعة : فرض الله تعالى الجمعة على كل مسلم ; ردا على من يقول : إنها فرض على الكفاية ; ونقل عن بعض الشافعية .

ونقل عن مالك من لم يحقق أنها سنة .

وجمهور الأمة والأئمة أنها فرض على الأعيان ; لقول الله تعالى : إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع .

وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين " .

وهذا حجة واضحة في وجوب الجمعة وفرضيتها .

وفي سنن ابن ماجه عن أبي الجعد الضمري - وكانت له صحبة - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من ترك الجمعة ثلاث مرات تهاونا بها طبع الله على قلبه " .

إسناده صحيح .

وحديث جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من ترك الجمعة ثلاثا من غير ضرورة طبع الله على قلبه " .

ابن العربي : وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " الرواح إلى الجمعة واجب على كل مسلم " .العاشرة : أوجب الله السعي إلى الجمعة مطلقا من غير شرط .

وثبت شرط الوضوء بالقرآن والسنة في جميع الصلوات ; لقوله عز وجل : إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم الآية .

وقال النبي صلى الله عليه وسلم : " لا يقبل الله صلاة بغير طهور " .

وأغربت طائفة فقالت : إن غسل الجمعة فرض .

ابن العربي : وهذا باطل ; لما روى النسائي وأبو داود في سننهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت .

ومن اغتسل فالغسل أفضل " .

وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من توضأ يوم الجمعة [ ص: 97 ] فأحسن الوضوء ثم راح إلى الجمعة فاستمع وأنصت غفر الله له ما بين الجمعة إلى الجمعة وزيادة ثلاثة أيام .

ومن مس الحصى فقد لغا " وهذا نص .

وفي الموطأ : أن رجلا دخل يوم الجمعة وعمر بن الخطاب يخطب .

.

.

- الحديث ، إلى أن قال : - ما زدت على أن توضأت ، فقال عمر : والوضوء أيضا ؟

وقد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر بالغسل .

فأمر عمر بالغسل ولم يأمره بالرجوع ، فدل على أنه محمول على الاستحباب .

فلم يمكن وقد تلبس بالفرض - وهو الحضور والإنصات للخطبة - أن يرجع عنه إلى السنة ، وذلك بمحضر فحول الصحابة وكبار المهاجرين حوالي عمر ، وفي مسجد النبي صلى الله عليه وسلم .الحادية عشرة : لا تسقط الجمعة لكونها في يوم عيد ، خلافا لأحمد بن حنبل فإنه قال : إذا اجتمع عيد وجمعة سقط فرض الجمعة ; لتقدم العيد عليها واشتغال الناس به عنها .

وتعلق في ذلك بما روي أن عثمان أذن في يوم عيد لأهل العوالي أن يتخلفوا عن الجمعة .

وقول الواحد من الصحابة ليس بحجة إذا خولف فيه ولم يجمع معه عليه .

والأمر بالسعي متوجه يوم العيد كتوجهه في سائر الأيام .

وفي صحيح مسلم عن النعمان بن بشير قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في العيدين وفي الجمعة : ب سبح اسم ربك الأعلى و هل أتاك حديث الغاشية قال : وإذا اجتمع العيد والجمعة في يوم واحد يقرأ بهما أيضا في الصلاتين .

أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه .الثانية عشرة : قوله تعالى : إلى ذكر الله أي الصلاة .

وقيل الخطبة والمواعظ ; قاله [ ص: 98 ] سعيد بن جبير .

ابن العربي : والصحيح أنه واجب في الجميع ; وأوله الخطبة .

وبه قال علماؤنا ; إلا عبد الملك بن الماجشون فإنه رآها سنة .

والدليل على وجوبها أنها تحرم البيع ولولا وجوبها ما حرمته ; لأن المستحب لا يحرم المباح .

وإذا قلنا : إن المراد بالذكر الصلاة فالخطبة من الصلاة .

والعبد يكون ذاكرا لله بفعله كما يكون مسبحا لله بفعله .

الزمخشري : فإن قلت : كيف يفسر ذكر الله بالخطبة وفيها غير ذلك ؟

!

قلت : ما كان من ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم والثناء عليه وعلى خلفائه الراشدين وأتقياء المؤمنين والموعظة والتذكير فهو في حكم ذكر الله .

فأما ما عدا ذلك من ذكر الظلمة وألقابهم والثناء عليهم والدعاء لهم ، وهم أحقاء بعكس ذلك ; فهو من ذكر الشيطان ، وهو من ذكر الله على مراحل .الثالثة عشرة : قوله تعالى : وذروا البيع منع الله عز وجل منه عند صلاة الجمعة ، وحرمه في وقتها على من كان مخاطبا بفرضها .

والبيع لا يخلو عن شراء فاكتفى بذكر أحدهما ، كقوله تعالى : سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم .

وخص البيع لأنه أكثر ما يشتغل به أصحاب الأسواق .

ومن لا يجب عليه حضور الجمعة فلا ينهى عن البيع والشراء .

وفي وقت التحريم قولان : إنه من بعد الزوال إلى الفراغ منها ، قاله الضحاك والحسن وعطاء .

الثاني : من وقت أذان الخطبة إلى وقت الصلاة ، قاله الشافعي .

ومذهب مالك أن يترك البيع إذا نودي للصلاة ، ويفسخ عنده ما وقع من ذلك من البيع في ذلك الوقت .

ولا يفسخ العتق والنكاح والطلاق وغيره ، إذ ليس من عادة الناس الاشتغال به كاشتغالهم بالبيع .

قالوا : وكذلك الشركة والهبة والصدقة نادر لا يفسخ .

ابن العربي : والصحيح فسخ الجميع ، لأن البيع إنما منع منه للاشتغال به .

فكل أمر يشغل عن الجمعة من العقود كلها فهو حرام شرعا مفسوخ ردعا .

المهدوي : ورأى بعض العلماء البيع في الوقت المذكور جائزا ، وتأول النهي عنه ندبا ، واستدل بقوله تعالى : ذلكم خير لكم .قلت : وهذا مذهب الشافعي ; فإن البيع ينعقد عنده ولا يفسخ .

وقال الزمخشري في تفسيره : إن عامة العلماء على أن ذلك لا يؤدي فساد البيع .

قالوا : لأن البيع لم يحرم لعينه ، ولكن لما فيه من الذهول عن الواجب ; فهو كالصلاة في الأرض المغصوبة والثوب المغصوب ، والوضوء بماء مغصوب .

وعن بعض الناس أنه فاسد .[ ص: 99 ] قلت : والصحيح فساده وفسخه ; لقوله عليه الصلاة والسلام : " كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد " .

أي مردود .

والله أعلم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يأمر تعالى عباده المؤمنين بالحضور لصلاة الجمعة والمبادرة إليها، من حين ينادى لها والسعي إليها، والمراد بالسعي هنا: المبادرة إليها والاهتمام لها، وجعلها أهم الأشغال، لا العدو الذي قد نهي عنه عند المضي إلى الصلاة، وقوله: { وَذَرُوا الْبَيْعَ } أي: اتركوا البيع، إذا نودي للصلاة، وامضوا إليها.فإن { ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ } من اشتغالكم بالبيع، وتفويتكم الصلاة الفريضة، التي هي من آكد الفروض.{ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ } أن ما عند الله خير وأبقى، وأن من آثر الدنيا على الدين، فقد خسر الخسارة الحقيقية، من حيث ظن أنه يربح، وهذا الأمر بترك البيع مؤقت مدة الصلاة.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله - عز وجل - : ( ياأيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة ) أي في يوم الجمعة كقوله : " أروني ماذا خلقوا من الأرض أي في الأرض " [ أي في الأرض ] وأراد بهذا النداء الأذان عند قعود الإمام على المنبر للخطبة .

أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا آدم ، حدثنا ابن أبي ذئب ، عن الزهري عن السائب بن يزيد قال : كان النداء يوم الجمعة أوله إذا جلس الإمام على المنبر على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر ، فلما كان عثمان وكثر الناس زاد النداء الثاني على الزوراء قرأ الأعمش : " من يوم الجمعة " بسكون الميم ، وقرأ العامة بضمها .

واختلفوا في تسمية هذا اليوم جمعة ، منهم من قال : لأن الله تعالى جمع فيه خلق آدم عليه السلام .

وقيل : لأن الله تعالى فرغ من خلق الأشياء فاجتمعت فيه المخلوقات .

وقيل : لاجتماع الجماعات فيه .

وقيل : لاجتماع الناس فيها للصلاة .

وقيل : أول من سماها جمعة كعب بن لؤي قال أبو سلمة : أول من قال " أما بعد " كعب بن لؤي وكان أول من سمى الجمعة جمعة ، وكان يقال له يوم العروبة .

وعن ابن سيرين قال : جمع أهل المدينة قبل أن يقدم النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينة .

وقبل أن ينزل الجمعة وهم الذين سموها الجمعة .

وقالوا : لليهود يوم يجتمعون فيه كل سبعة أيام ، وللنصارى يوم ، فهلم فلنجعل يوما نجتمع فيه ، فنذكر الله ونصلي فيه ، فقالوا : يوم السبت لليهود ، ويوم الأحد للنصارى ، فاجعلوه يوم العروبة ، فاجتمعوا إلى أسعد بن زرارة فصلى بهم ركعتين وذكرهم فسموه يوم الجمعة ، ثم أنزل الله - عز وجل - في ذلك بعد .

وروي عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه كعب ، أنه كان إذا سمع النداء يوم الجمعة ترحم لأسعد بن زرارة ، فقلت له : إذا سمعت النداء ترحمت لأسعد بن زرارة ؟

قال : لأنه أول من جمع بنا في هزم النبيت من حرة بني بياضة في بقيع يقال له بقيع الخضمات ، قلت له : كم كنتم يومئذ ؟

قال : أربعون وأول جمعة جمعها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأصحابه على ما ذكر أهل السير : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما قدم المدينة مهاجرا نزل قباء على بني عمرو بن عوف ، وذلك يوم الاثنين لثنتي عشرة [ ليلة ] خلت من شهر ربيع الأول حين امتد الضحى ، فأقام بقباء يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء ويوم الخميس ، وأسس مسجدهم ، ثم خرج من بين أظهرهم يوم الجمعة عامدا المدينة ، فأدركته صلاة الجمعة في بني سالم بن عوف في بطن واد لهم ، وقد اتخذ اليوم في ذلك الموضع مسجدا ، فجمع هناك وخطب قوله - عز وجل - : ( فاسعوا إلى ذكر الله ) أي : فامضوا إليه واعملوا له ، وليس المراد من السعي الإسراع ، إنما المراد منها العمل والفعل ، كما قال : " وإذا تولى سعى في الأرض " ( البقرة - 205 ) وقال : " إن سعيكم لشتى " ( الليل - 4 ) .

وكان عمر بن الخطاب يقرأ : فامضوا إلى ذكر الله ، وكذلك هي في قراءة عبد الله بن مسعود .

وقال الحسن : أما والله ما هو بالسعي على الأقدام ، ولقد نهوا أن يأتوا الصلاة إلا وعليهم السكينة والوقار ، ولكن بالقلوب والنية والخشوع وقال قتادة في هذه الآية : " فاسعوا إلى ذكر الله " قال : فالسعي أن تسعى بقلبك وعملك وهو المشي إليها وكان يتأول قوله : " فلما بلغ معه السعي " ( الصافات - 102 ) يقول فلما مشى معه .

أخبرنا الإمام أبو [ علي ] الحسين بن محمد القاضي ، أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري ، أخبرنا محمد بن أحمد بن معقل الميداني ، حدثنا محمد بن يحيى ، حدثنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر ، عن الزهري عن ابن المسيب ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون ، ولكن ائتوها تمشون وعليكم السكينة [ والوقار ] فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموها " قوله ( إلى ذكر الله ) أي إلى الصلاة ، وقال سعيد بن المسيب : " فاسعوا إلى ذكر الله " قال هو موعظة الإمام ( وذروا البيع ) يعني البيع والشراء لأن اسم البيع يتناولهما جميعا .

وإنما يحرم البيع والشراء عند الأذان الثاني وقال الزهري : عند خروج الإمام .

وقال الضحاك : إذا زالت الشمس حرم البيع والشراء ( ذلكم ) الذي ذكرت من حضور الجمعة وترك البيع ، ( خير لكم ) من المبايعة ( إن كنتم تعلمون ) مصالح أنفسكم .

واعلم أن صلاة الجمعة من فروض الأعيان ، فتجب على كل من جمع العقل ، والبلوغ ، والحرية والذكورة والإقامة إذا لم يكن له عذر .

ومن تركها استحق الوعيد .

وأما الصبي والمجنون فلا جمعة عليهما ، لأنهما ليسا من أهل أن يلزمهما فرض الأبدان لنقصان أبدانهما ، ولا جمعة على النساء بالاتفاق : أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب ، أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال ، أخبرنا أبو العباس الأصم ، أخبرنا الربيع ، أخبرنا الشافعي ، أخبرنا إبراهيم بن محمد ، حدثني سلمة بن عبد الله الخطمي عن محمد بن كعب أنه سمع رجلا من بني وائل يقول : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " تجب الجمعة على كل مسلم إلا امرأة أو صبيا أو مملوكا " وذهب أكثرهم إلى أنه لا جمعة على العبيد .

وقال الحسن وقتادة والأوزاعي : تجب على العبد المخارج ، ولا تجب على المسافر عند الأكثرين .

وقال النخعي والزهري : تجب على المسافر إذا سمع النداء ، وكل من له عذر من مرض أو تعهد مريض أو خوف ، جاز له ترك الجمعة ، وكذلك له تركها بعذر المطر والوحل .

أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل [ حدثنا مسدد حدثنا إسماعيل ] أخبرني عبد الحميد صاحب الزيادي ، حدثنا عبد الله بن الحارث بن عمر ، حدثنا محمد بن سيرين قال ابن عباس لمؤذنه في يوم مطير : إذا قلت : أشهد أن محمدا رسول الله ، فلا تقل : حي على الصلاة .

قل : صلوا في بيوتكم .

فكأن الناس استنكروا فقال : فعله من هو خير مني إن الجمعة عزمة ، وإني كرهت أن أخرجكم فتمشوا في الطين والدحض .

وكل من لا يجب عليه حضور الجمعة ، فإذا حضر وصلى مع الإمام [ الجمعة ] سقط عنه فرض الظهر ، ولكن لا يكمل به عدد الجمعة إلا صاحب العذر ، فإنه إذا حضر يكمل به العدد .

أخبرنا الإمام أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد الداودي ، أخبرنا أبو محمد عبد الله بن أحمد بن حمويه السرخسي في سنة إحدى وثمانين وثلثمائة ، أخبرنا عيسى بن عمر بن العباس السمرقندي ، حدثنا أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي السمرقندي ، أخبرنا يحيى بن حسان حدثنا معاوية بن سلام ، أخبرني زيد بن سلام أنه سمع أبا سلام يقول حدثني الحكم بن مينا أن ابن عمر حدثه وأبا هريرة أنهما سمعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو على أعواد منبره : " لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين " أخبرنا أبو عثمان الضبي ، أخبرنا أبو محمد الجراحي ، حدثنا أبو العباس المحبوبي ، حدثنا أبو عيسى الترمذي ، حدثنا علي بن خشرم ، أخبرنا عيسى بن يونس ، عن محمد بن عمرو عن عبيدة بن سفيان ، عن أبي الجعد يعني الضميري قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " من ترك الجمعة ثلاث مرات تهاونا بها طبع الله على قلبه " واختلف أهل العلم في موضع إقامة الجمعة ، وفي العدد الذي تنعقد به الجمعة ، وفي المسافة التي يجب أن يؤتى منها : أما الموضع : فذهب قوم إلى أن كل قرية اجتمع فيها أربعون رجلا من أهل الكمال ، بأن يكونوا أحرارا عاقلين [ بالغين ] مقيمين لا يظعنون عنها شتاء ولا صيفا إلا ظعن حاجة ، تجب عليهم إقامة الجمعة فيها .

وهو قول عبيد الله بن عبد الله ، وعمر بن عبد العزيز وبه قال الشافعي وأحمد وإسحاق .

وقالوا : لا تنعقد الجمعة بأقل من أربعين رجلا على هذه الصفة ، وشرط عمر بن عبد العزيز مع عدد الأربعين أن يكون فيهم وال ، والوالي غير شرط عند الشافعي .

وقال علي : لا جمعة إلا في مصر جامع وهو قول أصحاب الرأي .

ثم عند أبي حنيفة ، رضي الله عنه تنعقد بأربعة ، والوالي شرط وقال الأوزاعي وأبو يوسف : تنعقد بثلاثة إذا كان فيهم وال .

وقال الحسن وأبو ثور : تنعقد باثنين كسائر الصلوات .

وقال ربيعة : تنعقد باثني عشر رجلا .

والدليل على جواز إقامتها في القرى ما : أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا محمد بن المثنى ، أخبرنا أبو عامر العقدي ، حدثنا إبراهيم بن طهمان ، عن أبي حمزة الضبعي عن ابن عباس قال : إن أول جمعة جمعت بعد جمعة في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مسجد عبد القيس بجواثى من البحرين وإذا كان الرجل مقيما في قرية لا تقام فيها الجمعة ، أو كان مقيما في برية ، فذهب قوم إلى أنه إن كان يبلغهم النداء من موضع الجمعة يلزمهم حضور الجمعة ، وإن كان لا يبلغهم النداء فلا جمعة عليهم .

وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق .

والشرط أن يبلغهم نداء مؤذن جهوري الصوت يؤذن في وقت تكون الأصوات فيه هادئة والرياح ساكنة ، وكل قرية تكون في موضع الجمعة في القرب على هذا القدر يجب على أهلها حضور الجمعة .

وقال سعيد بن المسيب : تجب على كل من آواه المبيت .

وقال الزهري : تجب على من كان على ستة أميال .

وقال ربيعة : على أربعة أميال .

وقال مالك والليث : على ثلاثة أميال .

وقال أبو حنيفة رضي الله عنه : لا جمعة على أهل السواد قريبة كانت القرية أو بعيدة .

وكل من تلزمه صلاة الجمعة لا يجوز له أن يسافر يوم الجمعة بعد الزوال قبل أن يصلي الجمعة ، وجوز أصحاب الرأي أن يسافر بعد الزوال إذا كان يفارق البلد قبل خروج الوقت .

أما إذا سافر قبل الزوال بعد طلوع الفجر فيجوز ، غير أنه يكره إلا أن يكون سفره سفر طاعة من حج أو غزو ، وذهب بعضهم إلى أنه إذا أصبح يوم الجمعة مقيما فلا يسافر حتى يصلي الجمعة ، والدليل على جوازه ما : أخبرنا أبو عثمان الضبي ، أخبرنا أبو محمد الجراحي ، أخبرنا أبو العباس المحبوبي ، أخبرنا أبو عيسى ، حدثنا أحمد بن منيع ، حدثنا أبو معاوية عن الحجاج عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس قال : بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - عبد الله بن رواحة في سرية فوافق ذلك يوم الجمعة ، فغدا أصحابه ، وقال : أتخلف فأصلي مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم ألحقهم ، فلما صلى مع النبي - صلى الله عليه وسلم - رآه فقال : ما منعك أن تغدو مع أصحابك ؟

قال : أردت أن أصلي معك ثم ألحقهم ، فقال : " لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما أدركت فضل غدوتهم " وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سمع رجلا عليه هيئة السفر يقول : لولا أن اليوم يوم الجمعة لخرجت ، فقال عمر : اخرج فإن الجمعة لا تحبس عن سفر وقد ورد أخبار في سنن يوم الجمعة وفضله منها : ما أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد السرخسي ، أخبرنا زاهر بن أحمد الفقيه ، أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي ، أخبرنا أبو مصعب ، عن مالك عن يزيد بن عبد الله بن الهاد ، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة أنه قال : خرجت إلى [ الطور ] فلقيت كعب الأحبار ، فجلست معه فحدثني عن التوراة ، وحدثته عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فكان فيما حدثته أن قلت له : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة فيه خلق آدم ، وفيه أهبط وفيه تيب عليه ، وفيه مات وفيه تقوم الساعة وما من دابة إلا وهي مصيخة يوم الجمعة من حين تصبح حين تطلع الشمس شفقا من الساعة إلا الجن والإنس وفيه ساعة لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي يسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه " قال كعب : ذلك في كل سنة يوم ، فقلت : بل في كل جمعة ، قال : فقرأ كعب التوراة فقال : صدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

قال أبو هريرة : ثم لقيت عبد الله بن سلام فحدثته بمجلسي مع كعب الأحبار وما حدثته في يوم الجمعة ، فقال عبد الله بن سلام : قد علمت أية ساعة هي ، هي آخر ساعة في يوم الجمعة ، قال أبو هريرة : وكيف تكون آخر ساعة في يوم الجمعة !

وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي " وتلك ساعة لا يصلى فيها ؟

فقال عبد الله بن سلام : ألم يقل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من جلس مجلسا ينتظر الصلاة فهو في صلاة حتى يصليها ؟

قال أبو هريرة : بلى ، قال : فهو ذاك .

أخبرنا أبو الحسن السرخسي ، أخبرنا زاهر بن أحمد ، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي ، أخبرنا أبو مصعب عن مالك ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل " أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، حدثنا محمد بن يوسف ، أخبرنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا آدم ، حدثنا ابن أبي ذئب ، عن سعيد المقبري ، أخبرني أبي عن عبد الله بن وديعة عن سلمان الفارسي قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر ما استطاع من طهر ، ويدهن من دهنه ، أو يمس من طيب بيته ، ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين ، ثم يصلي ما كتب له ، ثم ينصت إذا تكلم الإمام إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى " .

أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان ، حدثنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني ، حدثنا حميد بن زنجويه ، حدثنا أحمد بن خالد ، حدثنا محمد بن إسحاق ، عن محمد بن إبراهيم ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وعن أبي أمامة يعني سهل بن حنيف حدثاه عن أبي سعيد وعن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " من اغتسل يوم الجمعة واستن ومس من طيب إن كان عنده ولبس من أحسن ثيابه ثم خرج حتى يأتي المسجد ، فلم يتخط رقاب الناس ثم ركع ما شاء الله أن يركع ، وأنصت إذا خرج الإمام كانت كفارة ما بينها وبين الجمعة التي كانت قبلها " قال أبو هريرة : وزيادة ثلاثة أيام لأن الله تعالى يقول : " من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها " ( الأنعام - 160 ) .

أخبرنا أبو طاهر عمر بن عبد العزيز القاشاني ، أخبرنا أبو القاسم بن جعفر الهاشمي ، أخبرنا أبو علي محمد بن أحمد بن عمر اللؤلؤي ، حدثنا أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني ، حدثنا محمد بن حاتم الجرجرائي ، حدثنا ابن المبارك عن الأوزاعي ، حدثني حسان بن عطية ، حدثني أبو الأشعث الصنعاني ، حدثني أوس بن أوس الثقفي قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " من غسل يوم الجمعة واغتسل ثم بكر وابتكر ومشى ولم يركب ، ودنا من الإمام واستمع ، ولم يلغ كان له بكل خطوة عمل سنة أجر صيامها وقيامها " أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب ، أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال ، حدثنا أبو العباس الأصم ، أخبرنا الربيع ، أخبرنا الشافعي ، أخبرنا سفيان ، عن الزهري عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إذا كان يوم الجمعة كان على كل باب من أبواب المسجد ملائكة يكتبون الناس على منازلهم الأول فالأول فإذا خرج الإمام طويت الصحف واستمعوا الخطبة والمهجر إلى الصلاة كالمهدي بدنة ، ثم الذي يليه كالمهدي بقرة ، ثم الذي يليه كالمهدي شاة ثم الذي يليه كالمهدي كبشا حتى ذكر الدجاجة والبيضة " .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من» بمعني في «يوم الجمعة فاسعوْا» فامضوا «إلى ذكر الله» للصلاة «وذروا البيع» اتركوا عقده «ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون» أنه خير فافعلوه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه، إذا نادى المؤذن للصلاة في يوم الجمعة، فامضوا إلى سماع الخطبة وأداء الصلاة، واتركوا البيع، وكذلك الشراء وجميع ما يَشْغَلُكم عنها، ذلك الذي أُمرتم به خير لكم؛ لما فيه من غفران ذنوبكم ومثوبة الله لكم، إن كنتم تعلمون مصالح أنفسكم فافعلوا ذلك.

وفي الآية دليل على وجوب حضور الجمعة واستماع الخطبة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد هذا التوبيخ والتحدى لليهود الذين زعموا أنهم أولياء لله من دون الناس .

.

.

وجه - سبحانه - للمؤمنين نداء أمرهم فيه بالمسارعة إلى أداء فرائضه ونهاهم عن أن تشغلهم دنياهم عن ذكره وطاعته ، فقال - تعالى - : ( ياأيها الذين آمنوا .

.

.

) .المقصود بالنداء فى قوله - سبحانه - : ( ياأيها الذين آمنوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ .

.

.

) جميع المكلفين بها ، الذين يجب عليهم أداؤها .

.وناداهم - سبحانه - بصفة الإيمان ، لتحريك حرارة الإيمان فى قلوبهم ، ولتحريضهم على المسارعة إليها ، إذ من شأن المؤمن القوى ، أن يكون مطيعا لما يأمره خالقه به .والمراد بالنداء : الأذان والإعلام بوقت حلولها .والمقصود بالصلاة المنادى لها هنا : صلاة الجمعة ، بدليل قوله - تعالى - : ( مِن يَوْمِ الجمعة ) .واللام فى قوله ( لِلصَّلاَةِ ) للتعليل ، و ( مِن ) بمعنى فى ، أو للبيان ، أو للتبعيض ، لأن يوم الجمعة زمان ، تقع فيه أعمال ، منها الصلاة المعهودة فيه وهى صلاة الجمعة لأن الأمر بترك البيع خاص بها ، لوجود الخطبة فيها .وقوله : ( فاسعوا .

.

.

) جواب الشرط ، من السعى ، وهو المشى السريع .والمراد به هنا : المشى المتوسط بوقار وسكينة ، وحسن تهيؤ لصلاة الجمعة .

.

.قال الآلوسى ما ملخصه : قوله : ( فاسعوا إلى ذِكْرِ الله ) أى : امشوا إليه بدون إفراط فى السرعة .

.

.فقد أخرج الستة فى كتبهم عن أبى سلمة من حديث أبى هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون ، وأتوها وأنتم تمشون ، وعليكم السكينة ، فما أدركتم فصلوا ، وما فاتكم فأتموا " .والمراد بذكر الله : الخطبة والصلاة جميعا ، لاشتمالهما عليه ، واستظهر بعضهم أن المراد به الصلاة ، وقصره بعضهم على الخطبة .

.وإنما عبر - سبحانه - بالسعى لتضمنه معنى زائدا على المشى ، وهو الجد والحرص على التبكير ، وعلى توقى التأخير .والمعنى : يامن آمنتم بالله حق الإيمان ، إذا نادى المنادى لأجل الصلاة فى يوم الجمعة ، فامضوا إليها بجد ، وإخلاص نية ، وحرص على الانتفاع بما تسمعونه من خطبة الجمعة ، التى هى لون من ألوان ذكر الله - تعالى - وطاعته .والأمر فى قوله - سبحانه - : ( فاسعوا إلى ذِكْرِ الله وَذَرُواْ البيع .

.

) الظاهر أنه للوجوب ، لأن الأمر يقتضى الوجوب ، ما لم يوجد له صارف عن ذلك ، ولا صارف له هنا .والمراد من البيع هنا : المعاملة بجميع أنواعها ، فهو يعم البيع والشراء وسائر أنواع المعاملات .أى : إذا نودى للصلاة من يوم الجمعة ، فاخرجوا إليها بحرص وسكينة ووقار .

واتركوا المعاملات الدنيوية من بيع ، وشراء ، وإجارة ، وغيرها .وإنما قال - سبحانه - : ( وَذَرُواْ البيع .

.

) لأنه أهم أنواع المعاملات ، فهو من باب التعبير عن الشىء بأهم أجزائه .واسم الإشارة فى قوله - سبحانه - : ( ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ) يعود إلى ما سبق ذكره من الأمر بالسعى إلى ذكر الله ، متى نودى للصلاة ، وترك الاشتغال بالبيع وما يشبهه .أى : ذلك الذى أمرتكم به من السعى إلى ذكر الله عند النداء للصلاة من يوم الجمعة ، ومن ترك أعمالكم الدنيوية ..

.

خير لكم مما يحصل لكم من رزق فى هذه الأوقات ، عن طريق البيع أو الشراء أو غيرهما .فالمفضل عليه محذوف ، لدلالة الكلام عليه ، والمفضل هو السعى إلى ذكر الله - تعالى - .وهذا التفضيل باعتبار أن منافع السعى إلى ذكر الله - تعالى - باقية دائمة ، أما المنافع الدنيوة فهى زائلة فانية .وجواب الشرط فى قوله ( إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ) محذوف : أى : إن كنتم تعلمون ما هو خير لكم ، فاسعوا إلى ذكر الله عند النداء للصلاة ، واتركوا البيع والشراء .أو إن كنتم من أهل العلم والفقه السليم للأمور ، عرفتم أن امتثال أمر الله - تعلى - بأن تسعوا ، إلى ذكره عند النداء لصلاة الجمعة ، خير لكم من الاشتغال فى هذا الوقت بالبيع والشراء .إذ فى هذا الامتثال سعادتكم ونجاتكم من خزى الدنيا وعذاب الآخرة .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وجه التعلق بما قبلها هو أن الذين هادوا يفرون من الموت لمتاع الدنيا وطيباتها والذين آمنوا يبيعون ويشرون لمتاع الدنيا وطيباتها كذلك، فنبههم الله تعالى بقوله: ﴿ فاسعوا إلى ذِكْرِ الله ﴾ أي إلى ما ينفعكم في الآخرة، وهو حضور الجمعة، لأن الدنيا ومتاعها فانية والآخرة وما فيها باقية، قال تعالى: ﴿ والآخرة خَيْرٌ وأبقى  ﴾ ووجه آخر في التعلق، قال بعضهم: قد أبطل الله قول اليهود في ثلاث، افتخروا بأنهم أولياء الله واحباؤه، فكذبهم بقوله: ﴿ فَتَمَنَّوُاْ الموت إِن كُنْتُمْ صادقين  ﴾ وبأنهم أهل الكتاب، والعرب لا كتاب لهم، فشبههم بالحمار يحمل أسفاراً، وبالسبت وليس للمسلمين مثله فشرع الله تعالى لهم الجمعة، وقوله تعالى: ﴿ إِذَا نُودِىَ ﴾ يعني النداء إذا جلس الإمام على المنبر يوم الجمعة وهو قول مقاتل، وأنه كما قال لأنه لم يكن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم نداء سواء كان إذا جلس عليه الصلاة والسلام على المنبر أذن بلال على باب المسجد، وكذا على عهد أبي بكر وعمر، وقوله تعالى: ﴿ للصلاة ﴾ أي لوقت الصلاة يدل عليه قوله: ﴿ مِن يَوْمِ الجمعة ﴾ ولا تكون الصلاة من اليوم، وإنما يكون وقتها من اليوم، قال الليث: الجمعة يوم خص به لاجتماع الناس في ذلك اليوم، ويجمع على الجمعات والجمع، وعن سلمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سميت الجمعة جمعة لأن آدم جمع فيه خلقه» وقيل: لما أنه تعالى فرغ فيها من خلق الأشياء، فاجتمعت فيها المخلوقات.

قال الفراء: وفيها ثلاث لغات التخفيف، وهي قراءة الأعمش والتثقيل، وهي قراءة العامة، ولغة لبني عقيل، وقوله تعالى: ﴿ فاسعوا إلى ذِكْرِ الله ﴾ أي فامضوا، وقيل: فامشوا وعلى هذا معنى، السعي: المشي لا العدو، وقال الفراء: المضي والسعي والذهاب في معنى واحد، وعن عمر أنه سمع رجلاً يقرأ: ﴿ فاسعوا ﴾ قال من أقرأك هذا، قال: أبي، قال: لا يزال يقرأ بالمنسوخ، لو كانت فاسعوا لسعيت حتى يسقط ردائي، وقيل: المراد بالسعي القصد دون العدو، والسعي التصرف في كل عمل، ومنه قوله تعالى: ﴿ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السعي ﴾ قال الحسن: والله ما هو سعي على الأقدام ولكنه سعي بالقلوب، وسعي بالنية، وسعي بالرغبة، ونحو هذا، والسعي هاهنا هو العمل عند قوم، وهو مذهب مالك والشافعي، إذ السعي في كتاب الله العمل، قال تعالى: ﴿ وَإِذَا تولى سعى فِي الأرض  ﴾ ﴿ وَأَنْ سَعْيَكُمْ لشتى  ﴾ أي العمل، وروي عنه صلى الله عليه وسلم: «إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، ولكن ائتوها وعليكم السكينة» واتفق الفقهاء على: أن النبي صلى الله عليه وسلم (كان) متى أتى الجمعة أتى على هينة وقوله: ﴿ إلى ذِكْرِ الله ﴾ الذكر هو الخطبة عند الأكثر من أهل التفسير، وقيل: هو الصلاة، وأما الأحكام المتعلقة بهذه الآية فإنها تعرف من الكتب الفقهية، وقوله تعالى: ﴿ وَذَرُواْ البيع ﴾ قال الحسن: إذا أذن المؤذن يوم الجمعة لم يحل الشراء والبيع، وقال عطاء: إذا زالت الشمس حرم البيع والشراء، وقال الفراء إنما حرم البيع والشراء إذا نودي للصلاة لمكان الاجتماع ولندرك له كافة الحسنات، وقوله تعالى: ﴿ ذلكم خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ أي في الآخرة ﴿ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ ما هو خير لكم وأصلح، وقوله تعالى: ﴿ فَإِذَا قُضِيَتِ الصلاة ﴾ أي إذا صليتم الفريضة يوم الجمعة ﴿ فانتشروا فِي الأرض ﴾ هذا صيغة الأمر بمعنى الإباحة لما أن إباحة الانتشار زائلة بفرضية أداء الصلاة، فإذا زال ذلك عادت الإباحة فيباح لهم أن يتفرقوا في الأرض ويبتغوا من فضل الله، وهو الرزق، ونظيره: ﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مّن رَّبّكُمْ  ﴾ ، وقال ابن عباس: إذا فرغت من الصلاة فإن شئت فاخرج، وإن شئت فصل إلى العصر، وإن شئت فاقعد، كذلك قوله: ﴿ وابتغوا مِن فَضْلِ الله ﴾ فإنه صيغة أمر بمعنى الإباحة أيضاً لجلب الرزق بالتجارة بعد المنع، بقوله تعالى: ﴿ وَذَرُواْ البيع ﴾ وعن مقاتل: أحل لهم ابتغاء الرزق بعد الصلاة، فمن شاء خرج.

ومن شاء لم يخرج، وقال مجاهد: إن شاء فعل، وإن شاء لم يفعل، وقال الضحاك، هو إذن من الله تعالى إذا فرغ، فإن شاء خرج، وإن شاء قعد، والأفضل في الابتغاء من فضل الله أن يطلب الرزق، أو الولد الصالح أو العلم النافع وغير ذلك من الأمور الحسنة، والظاهر هو الأول، وعن عراك بن مالك أنه كان إذا صلى الجمعة انصرف فوقف على باب المسجد (و) قال: اللهم أجبت دعوتك، وصليت فريضتك، وانتشرت كما أمرتني، فارزقني من فضلك وأنت خير الرازقين، وقوله تعالى: ﴿ واذكروا الله كَثِيراً ﴾ قال مقاتل: باللسان، وقال سعيد بن جبير: بالطاعة، وقال مجاهد: لا يكون من الذاكرين كثيراً حتى يذكره قائماً وقاعداً ومضطجعاً، والمعنى إذا رجعتم إلى التجارة وانصرفتم إلى البيع والشراء مرة أخرى فاذكروا الله كثيراً، قال تعالى: ﴿ رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تجارة وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ الله ﴾ .

وعن عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا أتيتم السوق فقولوا لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، فإن من قالها كتب الله له ألف ألف حسنة وحط عنه ألف ألف خطيئة ورفع له ألف ألف درجة».

وقوله تعالى: ﴿ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ من جملة ما قد مر مراراً، وفي الآية مباحث: البحث الأول: ما الحكمة في أن شرع الله تعالى في يوم الجمعة هذا التكليف؟

فنقول: قال القفال: هي أن الله عز وجل خلق الخلق فأخرجهم من العدم إلى الوجود وجعل منهم جماداً ونامياً وحيواناً، فكان ما سوى الجماد أصنافاً، منها بهائم وملائكة وجن وإنس، ثم هي مختلفة المساكن من العلو والسفل فكان أشرف العالم السفلي هم الناس لعجيب تركيبهم، ولما كرمهم الله تعالى به من النطق، وركب فيهم من العقول والطباع التي بها غاية التعبد بالشرائع، ولم يخف موضع عظم المنة وجلالة قدر الموهبة لهم فأمروا بالشكر على هذه الكرامة في يوم من الأيام السبعة التي فيها أنشئت الخلائق وتم وجودها، ليكون في اجتماعهم في ذلك اليوم تنبيه على عظم ماأنعم الله تعالى به عليهم، وإذا كان شأنهم لم يخل من حين ابتدئوا من نعمة تتخللهم، وإن منة الله مثبتة عليهم قبل استحقاقهم لها، ولكل أهل ملة من الملل المعروفة يوم منها معظم، فلليهود يوم السبت وللنصارى يوم الأحد، وللمسلمين يوم الجمعة، روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يوم الجمعة هذا اليوم الذي اختلفوا فيه فهدانا الله له فلليهود غداً وللنصارى بعد غد» ولما جعل يوم الجمعة يوم شكر وإظهار سرور وتعظيم نعمة احتيج فيه إلى الاجتماع الذي به تقع شهرته فجمعت الجماعات له كالسنة في الأعياد، واحتيج فيه إلى الخطبة تذكيراً بالنعمة وحثاً على استدامتها بإقامة ما يعود بآلاء الشكر، ولما كان مدار التعظيم، إنما هو على الصلاة جعلت الصلاة لهذا اليوم وسط النهار ليتم الاجتماع ولم تجز هذه الصلاة إلا في مسجد واحد ليكون أدعى إلى الاجتماع، والله أعلم.

الثاني: كيف خص ذكر الله بالخطبة، وفيها ذكر الله وغير الله؟

نقول: المراد من ذكر الله الخطبة والصلاة لأن كل واحدة منهما مشتملة على ذكر الله، وأما ما عدا ذلك من ذكر الظلمة والثناء عليهم والدعاء لهم فذلك ذكر الشيطان.

الثالث: قوله: ﴿ وَذَرُواْ البيع ﴾ لم خص البيع من جميع الأفعال؟

نقول: لأنه من أهم ما يشتغل به المرء في النهار من أسباب المعاش، وفيه إشارة إلى ترك التجارة، ولأن البيع والشراء في الأسواق غالباً، والغفلة على أهل السوق أغلب، فقوله: ﴿ وَذَرُواْ البيع ﴾ تنبيه للغافلين، فالبيع أولى بالذكر ولم يحرم لعينه، ولكن لما فيه من الذهول عن الواجب فهو كالصلاة في الأرض المغصوبة.

الرابع: ما الفرق بين ذكر الله أولاً وذكر الله ثانياً؟

فنقول: الأول من جملة مالا يجتمع مع التجارة أصلاً إذ المراد منه الخطبة والصلاة كما مر، والثاني من جملة ما يجتمع كما في قوله تعالى: ﴿ رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تجارة وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ الله  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ يوم الجمعة ﴾ يوم الفوج المجموع، كقولهم: ضحكة، للمضحوك منه.

و ﴿ يوم الجمعة ﴾ ، بفتح الميم: يوم الوقت الجامع، كقولهم: ضحكة، ولعنة، ولعبة؛ ويوم الجمعة تثقيل للجمعة، كما قيل: عسرة في عسر.

وقرئ: بهن جميعاً.

فإن قلت: من في قوله: ﴿ مِن يَوْمِ الجمعة ﴾ ما هي؟

قلت: هي بيان لإذا وتفسير له.

والنداء: الأذان.

وقالوا: المراد به الأذان عند قعود الإمام على المنبر، وقد: كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم مؤذن واحد، فكان إذا جلس على المنبر أذن على باب المسجد؛ فإذا نزل أقام للصلاة، ثم كان أبو بكر وعمر رضي الله عنهما على ذلك؛ حتى إذا كان عثمان وكثر الناس وتباعدت المنازل زاد مؤذناً آخر، فأمر بالتأذين الأوّل على داره التي تسمى زوراء، فإذا جلس على المنبر: أذن المؤذن الثاني، فإذا نزل أقام للصلاة، فلم يعب ذلك عليه.

وقيل: أول من سماها ﴿ جمعة ﴾ كعب بن لؤي، وكان يقال لها: العروبة.

وقيل: إنّ الأنصار قالوا: لليهود يوم يجتمعون فيه كل سبعة أيام، وللنصارى مثل ذلك؛ فهلموا نجعل لنا يوم نجتمع فيه فنذكر الله فيه ونصلى.

فقالوا: يوم السبت لليهود، ويوم الأحد للنصارى، فاجعلوا يوم العروبة فاجتمعوا إلى سعد بن زرارة فصلى بهم يومئذٍ ركعتين وذكرهم، فسموه يوم الجمعة لاجتماعهم فيه، فأنزل الله آية الجمعة، فهي أوّل جمعة، كانت في الإسلام وأما أوّل جمعة جمعها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهي: أنه لما قدم المدينة مهاجراً نزل قباء على بني عمرو بن عوف، وأقام بها يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس، وأسس مسجدهم، ثم خرج يوم الجمعة عامداً المدينة فأدركته صلاة الجمعة في بني سالم بن عوف في بطن واد لهم، فخطب وصلى الجمعة.

وعن بعضهم: قد أبطل الله قول اليهود في ثلاث: افتخروا بأنهم أولياء الله وأحباؤه، فكذبهم في قوله: ﴿ فَتَمَنَّوُاْ الموت إِن كُنْتُمْ صادقين ﴾ وبأنهم أهل الكتاب والعرب لا كتاب لهم فشبههم بالحمار يحمل أسفاراً؛ وبالسبت وأنه ليس للمسلمين مثله فشرع الله لهم الجمعة.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أهبط إلى الأرض، وفيه تقوم الساعة، وهو عند الله يوم المزيد» وعنه عليه السلام: «أتاني جبريل وفي كفه مرآة بيضاء وقال: هذه الجمعة يعرضها عليك ربك لتكون لك عيداً ولأمتك من بعدك، وهو سيد الأيام عندنا، ونحن ندعوه إلى الآخرة يوم المزيد» وعنه صلى الله عليه وسلم: «إنّ لله تعالى في كل جمعة ستمائة ألف عتيق من النار» وعن كعب: إنّ الله فضل من البلدان: مكة، ومن الشهور: رمضان، ومن الأيام: الجمعة.

وقال عليه الصلاة والسلام: «من مات يوم الجمعة كتب الله له أجر شهيد، ووقي فتنة القبر» وفي الحديث: «إذا كان يوم الجمعة قعدت الملائكة على أبواب المسجد بأيديهم صحف من فضة وأقلام من ذهب، يكتبون الأوِّل فالأوَّل على مراتبهم» وكانت الطرقات في أيام السلف وقت السحر وبعد الفجر مغتصة بالمبكرين إلى الجمعة يمشون بالسرج.

وقيل: أوّل بدعة أحدثت في الإسلام: ترك البكور إلى الجمعة.

وعن ابن مسعود: أنه بكر فرأى ثلاثة نفر سبقوه، فاغتم وأخذ يعاتب نفسه يقول: أراك رابع أربعة وما رابع أربعة بسعيد.

ولا تقام الجمعة عند أبي حنيفة رضي الله عنه إلا في مصر جامع، لقوله عليه السلام: «لا جمعة ولا تشريق ولا فطر ولا أضحى إلا في مصر جامع» والمصر الجامع: ما أقيمت فيه الحدود ونفذت فيه الأحكام، ومن شروطها الإمام أو من يقوم مقامه، لقوله عليه السلام: «فمن تركها وله إمام عادل أو جائر...

الحديث» وقوله صلى الله عليه وسلم: «أربع إلى الولاة: الفيء، والصدقات، والحدود، والجمعات» فإن أمّ رجل بغير إذن الإمام أو من ولاه من قاض أو صاحب شرطة: لم يجز؛ فإن لم يكن الاستئذان فاجتمعوا على واحد فصلى بهم: جاز، وهي تنعقد بثلاثة سوى الإمام.

وعند الشافعي بأربعين.

ولا جمعة على المسافرين والعبيد والنساء والمرضى والزمنى، ولا على الأعمى عند أبي حنيفة، ولا على الشيخ الذي لا يمشي إلا بقائد.

وقرأ عمر وابن عباس وابن مسعود وغيرهم: ﴿ فامضوا ﴾ .

وعن عمر رضي الله عنه أنه سمع رجلاً يقرأ: ﴿ فاسعوا ﴾ .

فقال: من أقرأك هذا؟

قال أبيّ بن كعب، فقال: لا يزال يقرأ بالمنسوخ، لو كانت ﴿ فاسعوا ﴾ لسعيت حتى يسقط ردائي.

وقيل: المراد بالسعي القصد دون العدو، والسعي: التصرف في كل عمل.

ومنه قوله تعالى: ﴿ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السعى ﴾ [الصافات: 102] ، ﴿ وأن لَّيْسَ للإنسان إِلاَّ مَا سعى ﴾ [النجم: 39] وعن الحسن: ليس السعي على الأقدام، ولكنه على النيات والقلوب.

وذكر محمد بن الحسن رحمه الله في موطئه: أن عمر سمع الإقامة وهو بالبقيع فأسرع المشي.

قال محمد: وهذا لا بأس به ما لم يجهد نفسه ﴿ إلى ذِكْرِ الله ﴾ إلى الخطبة والصلاة، ولتسمية الله الخطبة ذكراً له قال أبو حنيفة رحمه الله: إن اقتصر الخطيب على مقدار يسمى ذكر الله كقوله: الحمد لله، سبحان الله: جاز.

وعن عثمان أنه صعد المنبر فقال: الحمد لله وأرتج عليه، فقال: إن أبا بكر وعمر كانا يعدّان لهذا المقام مقالاً، وإنكم إلى إمام فعال أحوج منكم إلى إمام قوّال، وستأتيكم الخطب، ثم نزل، وكان ذلك بحضرة الصحابة ولم ينكر عليه أحد.

وعند صاحبيه والشافعي: لابد من كلام يسمى خطبة.

فإن قلت: كيف يفسر ذكر الله بالخطبة وفيها ذكر غير الله؟

قلت: ما كان من ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم والثناء عليه وعلى خلفائه الراشدين وأتقياء المؤمنين والموعظة والتذكير فهو في حكم ذكر الله، فأمّا ما عدا ذلك من ذكر الظلمة وألقابهم والثناء عليهم والدعاء لهم، وهم أحقاء بعكس ذلك؛ فمن ذكر الشيطان وهو من ذكر الله على مراحل، وإذا قال المنصت للخطبة لصاحبه (صه) فقد لغا، أفلا يكون الخطيب الغالي في ذلك لاغياً، نعوذ بالله من غربة الإسلام ونكد الأيام.

أراد الأمر بترك ما يذهل عن ذكر الله من شواغل الدنيا، وإنما خص البيع من بينها لأن يوم الجمعة يوم يهبط الناس فيه من قراهم وبواديهم، وينصبون إلى المصر من كل أوب ووقت هبوطهم واجتماعهم واغتصاص الأسواق بهم إذا انتفخ النهار وتعالى الضحى ودنا وقت الظهيرة، وحينئذٍ تحرّ التجارة ويتكاثر البيع والشراء، فلما كان ذلك الوقت مظنة الذهول بالبيع عن ذكر الله والمضي إلى المسجد، قيل لهم: بادروا تجارة الآخرة، واتركوا تجارة الدنيا، واسعوا إلى ذكر الله الذي لا شيء أنفع منه وأربح ﴿ وَذَرُواْ البيع ﴾ الذي نفعه يسير وربحه مقارب.

فإن قلت: فإذا كان البيع في هذا الوقت مأموراً بتركه محرماً، فهل هو فاسد؟

قلت: عامّة العلماء على أن ذلك لا يوجب فساد البيع.

قالوا: لأنّ البيع لم يحرم لعينه، ولكن لما فيه من الذهول عن الواجب، فهو كالصلاة في الأرض المغصوبة والثوب المغصوب، والوضوء بماء مغصوب، وعن بعض الناس: أنه فاسد.

ثم أطلق لهم ما حظر عليهم بعد قضاء الصلاة من الانتشار وابتغاء الربح، مع التوصية بإكثار الذكر، وأن لا يلهيهم شيء من تجارة ولا غيرها عنه، وأن تكون هممهم في جميع أحوالهم وأوقاتهم موكلة به لا ينفضون عنه، لأنّ فلاحهم فيه وفوزهم منوط به، وعن ابن عباس: لم يؤمروا بطلب شيء من الدنيا، إنما هو عيادة المرضى وحضور الجنائز وزيارة أخ في الله: وعن الحسن وسعيد بن المسيب: طلب العلم، وقيل: صلاة التطوّع: وعن بعض السلف أنه كان يشغل نفسه بعد الجمعة بشيء من أمور الدنيا نظراً في هذه الآية.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ ﴾ أيْ إذا أُذِّنَ لَها.

﴿ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ ﴾ بَيانٌ لِ إذا وإنَّما سُمِّيَ جُمُعَةً لِاجْتِماعِ النّاسِ فِيهِ لِلصَّلاةِ، وكانَتِ العَرَبُ تُسَمِّيهِ العَرُوبَةَ.

وقِيلَ: سَمّاهُ كَعْبُ بْنُ لُؤَيٍّ لِاجْتِماعِ النّاسِ فِيهِ إلَيْهِ، وأوَّلُ جُمُعَةٍ جَمَعَها رَسُولُ اللَّهِ  أنَّهُ لَمّا قَدِمَ المَدِينَةَ نَزَلَ قُباءَ فَأقامَ بِها إلى الجُمُعَةِ، ثُمَّ دَخَلَ المَدِينَةَ وصَلّى الجُمُعَةَ في وادٍ لِبَنِي سالِمِ بْنِ عَوْفٍ.

﴿ فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ ﴾ فامْضُوا إلَيْهِ مُسْرِعِينَ قَصْدًا فَإنَّ السَّعْيَ دُونَ العَدْوِ، وال ( ذِكْرِ ) الخُطْبَةِ، وقِيلَ: الصَّلاةُ والأمْرُ بِالسَّعْيِ إلَيْها يَدُلُّ عَلى وُجُوبِها.

﴿ وَذَرُوا البَيْعَ ﴾ واتْرُكُوا المُعامَلَةَ.

﴿ ذَلِكُمْ ﴾ أيِ السَّعْيُ إلى ذِكْرِ اللَّهِ.

﴿ خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ مِنَ المُعامَلَةِ فَإنَّ نَفَعَ الآخِرَةِ خَيْرٌ وأبْقى.

﴿ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ الخَيْرَ والشَّرَّ الحَقِيقِيَّيْنِ، أوْ إنْ كُنْتُمْ مِن أهْلِ العِلْمِ.

﴿ فَإذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ ﴾ أُدِّيَتْ وفُرِغَ مِنها.

﴿ فانْتَشِرُوا في الأرْضِ وابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ ﴾ إطْلاقٌ لِما حَظَرَ عَلَيْهِمْ، واحْتَجَّ بِهِ مَن جَعَلَ الأمْرَ بَعْدَ الحَظْرِ لِلْإباحَةِ.

وَفِي الحَدِيثِ: «ابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ لَيْسَ بِطَلَبِ الدُّنْيا وإنَّما هو عِيادَةُ مَرِيضٍ وحُضُورُ جِنازَةٍ وزِيارَةُ أخٍ في اللَّهِ».» ﴿ واذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ واذْكُرُوهُ في مَجامِعِ أحْوالِكم ولا تَخُصُّوا ذِكْرَهُ بِالصَّلاةِ.

﴿ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ ﴾ بِخَيْرِ الدّارَيْنِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩)

{يا أيها الذين آمنوا إِذَا نُودِىَ للصلاة مِن يَوْمِ الجمعة} النداء الآذان ومن بيان لا ذا وتفسير له ويوم الجمعة سيد الأيام وفي الحديث من مات يوم الجمعة كتب اللهله أجر شهيد ووقى فتنة القبر {فاسعوا} فامضوا وقرئ بها وقال الفراء السعي والمضي والذهاب واحد وليس المراد به السرعة في المشي {إلى ذِكْرِ الله} أي إلى الخطبة عند الجمهور وبه استدل أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه على أن الخطيب إذا اقتصر على الحمد لله جاز {وَذَرُواْ البيع} أراد الأمر بترك ما يذهل عن ذكر الله من شواغل الدنيا وإنما خص البيع من بينها لأن يوم الجمعة يتكاثر فيه البيع بترك ما يذهب عن ذكر الله من شواغل الدنيا وإنما خص البيع من بينها لأن يوم الجمعة يتكار ذكر الله الذي لا شيء أنفع منه وأربح ذورا البيع الذب نفعه يسير {ذلكم} أي السعي إلى ذكر الله {خَيْرٌ لَّكُمْ} من البيع والشراء {إِن كنتم تعلمون}

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ ﴾ أيْ فُعِلَ النِّداءُ لَها أيِ الأذانُ، والمُرادُ بِهِ عَلى ما حَكاهُ في الكَشّافِ الأذانُ عِنْدَ قُعُودِ الإمامِ عَلى المِنبَرِ.

وقَدْ كانَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مُؤَذِّنٌ واحِدٌ فَكانَ إذا جَلَسَ عَلى المِنبَرِ أذَّنَ عَلى بابِ المَسْجِدِ فَإذا نَزَلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أقامَ الصَّلاةَ، ثُمَّ كانَ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ عَلى ذَلِكَ حَتّى إذا كانَ عُثْمانُ وكَثُرَ النّاسُ وتَباعَدَتِ المَنازِلُ زادَ مُؤَذِّنًا آخَرَ فَأمَرَ بِالتَّأْذِينِ الأوَّلِ عَلى دارِهِ الَّتِي تُسَمّى زَوْراءَ فَإذا جَلَسَ عَلى المِنبَرِ أذَّنَ المُؤَذِّنُ الثّانِي فَإذا نَزَلَ أقامَ الصَّلاةَ فَلَمْ يُعَبْ ذَلِكَ عَلَيْهِ.

وفِي حَدِيثِ الجَماعَةِ - إلّا مُسْلِمًا - فَلَمّا كانَ عُثْمانُ وكَثُرَ النّاسُ زادَ النِّداءَ الثّالِثَ عَلى الزَّوْراءِ، وفي رِوايَةٍ لِلْبُخارِيِّ ومُسْلِمٍ زادَ النِّداءَ الثّانِيَ، والكُلُّ بِمَعْنى، وتَسْمِيَةُ ما يُفْعَلُ مِنَ الأذانِ أوَّلًا ثانِيًا بِاعْتِبارِ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وإنَّما كانَ بَعْدُ، وتَسْمِيَتُهُ ثالِثًا لِأنَّ الإقامَةَ تُسَمّى أذانًا كَما في الحَدِيثِ ««بَيْنَ كُلِّ أذانَيْنِ صَلاةٌ»» وقالَ مُفْتِي الحَنَفِيَّةِ في دارِ السَّلْطَنَةِ السَّنِيَّةِ الفاضِلُ سَعْدُ اللَّهِ جَلَبِيٌّ: المُعْتَبَرُ في تَعَلُّقِ الأمْرِ يَعْنِي قَوْلَهُ تَعالى الآتِيَ: ﴿ فاسْعَوْا ﴾ هو الأذانُ الأوَّلُ في الأصَحِّ عِنْدَنا لِأنَّ حُصُولَ الإعْلامِ بِهِ لا الأذانُ بَيْنَ يَدَيِ المِنبَرِ، ورُدَّ بِأنَّ الأوَّلَ لَمْ يَكُنْ عَلى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَما سَمِعْتَ فَكَيْفَ يُقالُ: المُرادُ الأوَّلُ في الأصَحِّ، وأمّا كَوْنُ الثّانِي لا إعْلامَ فِيهِ فَلا يَضُرُّ لِأنَّ وقْتَهُ مَعْلُومٌ تَخْمِينًا ولَوْ أُرِيدَ ما ذُكِرَ وجَبَ بِالأوَّلِ السَّعْيُ وحَرُمَ البَيْعُ ولَيْسَ كَذَلِكَ.

وفِي كِتابِ الأحْكامِ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ والحَسَنِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إذا نُودِيَ ﴾ إلَخْ قالَ: إذا خَرَجَ الإمامُ وأذَّنَ المُؤَذِّنُ فَقَدْ نُودِيَ لِلصَّلاةِ.

انْتَهى، وهو التَّفْسِيرُ المَأْثُورُ فَلا عِبْرَةَ بِغَيْرِهِ كَذا قالَ الخَفاجِيُّ.

وفِي كُتُبِ الحَنَفِيَّةِ خِلافُهُ فَفي الكَنْزِ وشَرْحِهِ: ويَجِبُ السَّعْيُ وتَرْكُ البَيْعِ بِالأذانِ الأوَّلِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ ﴾ الآيَةَ وإنَّما اعْتُبِرَ لِحُصُولِ الإعْلامِ بِهِ، وهَذا القَوْلُ هو الصَّحِيحُ في المَذْهَبِ، وقِيلَ: العِبْرَةُ لِلْأذانِ الثّانِي الَّذِي يَكُونُ بَيْنَ يَدَيِ المِنبَرِ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ في زَمَنِهِ إلّا هو - وهو ضَعِيفٌ - لِأنَّهُ لَوِ اعْتُبِرَ في وُجُوبِ السَّعْيِ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنَ السُّنَّةِ القَبْلِيَّةِ ومِنَ الِاسْتِماعِ بَلْ رُبَّما يُخْشى عَلَيْهِ فَواتُ الجُمُعَةِ.

انْتَهى، ونَحْوُهُ كَثِيرٌ لَكِنَّ الِاعْتِراضَ عَلَيْهِ قَوِيٌّ فَتَدَبَّرْ ﴿ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ ﴾ أيْ فِيهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ  ﴾ أيْ فِيها، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أيْضًا كَوْنَ ”مِن“ لِلتَّبْعِيضِ، وفي الكَشّافِ هي بَيانٌ - لِإذا - وتَفْسِيرٌ لَهُ، والظّاهِرُ أنَّهُ أرادَ البَيانَ المَشْهُورَ فَأوْرَدَ عَلَيْهِ أنَّ شَرْطَ ”مِنَ“ البَيانِيَّةِ أنْ يَصِحَّ حَمْلُ ما بَعْدَها عَلى المُبَيَّنِ قَبْلَها وهو مُنْتَفٍ هُنا لِأنَّ الكُلَّ لا يُحْمَلُ عَلى الجُزْءِ واليَوْمَ لا يَصِحَّ أنْ يُرادَ بِهِ هَنا مُطْلَقُ الوَقْتِ لِأنَّ يَوْمَ الجُمُعَةِ عَلَمٌ لِلْيَوْمِ المَعْرُوفِ لا يُطْلَقُ عَلى غَيْرِهِ في العُرْفِ ولا قَرِينَةَ عَلَيْهِ هُنا وقِيلَ: أرادَ البَيانَ اللُّغَوِيَّ أيْ لِبَيانِ أنَّ ذَلِكَ الوَقْتَ في أيِّ يَوْمٍ مِنَ الأيّامِ إذا فِيهِ إبْهامٌ فَيُجامَعُ كَوْنُها بِمَعْنى في، وكَوْنُها لِلتَّبْعِيضِ وهو كَما تَرى.

والجُمُعَةُ بِضَمِّ المِيمِ وهو الأفْصَحُ، والأكْثَرُ الشّائِعُ، وبِهِ قَرَأ الجُمْهُورُ وقَرَأ ابْنُ الزُّبَيْرِ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ والأعْمَشُ بِسُكُونِها، ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو -وهِيَ لُغَةُ تَمِيمٍ - وجاءَ فَتْحُها ولَمْ يُقْرَأْ بِهِ، ونَقَلَ بَعْضُهُمُ الكَسْرَ أيْضًا، وذَكَرُوا أنَّ الجُمُعَةَ بِالضَّمِّ مِثْلُ الجُمُعَةِ بِالإسْكانِ.

ومَعْناهُ المَجْمُوعُ أيْ يَوْمَ الفَوْجِ المَجْمُوعِ كَقَوْلِهِمْ: ضِحْكَةٌ لِلْمَضْحُوكِ مِنهُ، وأمّا الجُمُعَةُ: بِالفَتْحِ فَمَعْناهُ الجامِعُ أيْ يَوْمَ الوَقْتِ الجامِعِ كَقَوْلِهِمْ: ضِحْكَةٌ لِكَثِيرِ الضَّحِكِ، وقالَ أبُو البَقاءِ: الجُمُعَةُ بِضَمَّتَيْنِ وبِإسْكانِ المِيمِ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الِاجْتِماعِ.

وقِيلَ: في المَسْكَنِ هو بِمَعْنى المُجْتَمَعُ فِيهِ كَرَجُلٍ ضُحْكَةٍ أيْ كَثِيرُ الضَّحِكِ مِنهُ.

انْتَهى، وقَدْ صارَ يَوْمُ الجُمُعَةِ عَلَمًا عَلى اليَوْمِ المَعْرُوفِ مِن أيّامِ الأُسْبُوعِ، وظاهِرُ عِبارَةِ أكْثَرِ اللُّغَوِيِّينَ أنَّ الجُمُعَةَ وحْدَها مِن غَيْرِ يَوْمٍ صارَتْ عَلَمًا لَهُ ولا مانِعَ مِنهُ، وإضافَةُ العامِّ المُطْلَقِ إلى الخاصِّ جائِزَةٌ مُسْتَحْسَنَةٌ فِيما إذا خَفِيَ الثّانِي كَما هُنا لِأنَّ التَّسْمِيَةَ حادِثَةٌ كَما سَتَعْلَمُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى فَلَيْسَتْ قَبِيحَةً كالإضافَةِ في إنْسانٍ زَيْدٍ، وكانَتِ العَرَبُ - عَلى ما قالَ غَيْرُ واحِدٍ - تُسَمِّي يَوْمَ الجُمُعَةِ عَرُوبَةَ، قِيلَ: وهو عَلَمُ جِنْسٍ يُسْتَعْمَلُ بِألْ وبِدُونِها وقِيلَ: ألْ لازِمَةٌ، قالَ الخَفاجِيُّ: والأوَّلُ أصَحُّ.

وفِي النِّهايَةِ لِابْنِ الأثِيرِ عَرُوبَةُ اسْمٌ قَدِيمٌ لِلْجُمُعَةِ، وكَأنَّهُ لَيْسَ بِعَرَبِيٍّ يُقالُ: يَوْمُ عَرُوبَةَ، ويَوْمُ العَرُوبَةِ، والأفْصَحُ أنْ لا يَدْخُلَها الألِفُ واللّامُ.

انْتَهى، وما ظَنَّهُ مِن أنَّهُ لَيْسَ بِعَرَبِيٍّ جَزَمَ بِهِ مُخْتَصَرُ كِتابِ التَّذْيِيلِ والتَّكْمِيلِ مِمّا اسْتُعْمِلَ مِنَ اللَّفْظِ الدَّخِيلِ لِجَمالِ الدِّينِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أحْمَدَ الشَّهِيرِ بِالشِّيشِيِّ فَقالَ: عَرُوبَةُ مُنَكَّرًا ومُعَرَّفًا هو يَوْمُ الجُمُعَةِ اسْمٌ سُرْيانِيٌّ مُعَرَّبٌ، ثُمَّ قالَ: قالَ السُّهَيْلِيُّ: ومَعْنى العَرُوبَةِ الرَّحْمَةُ فِيما بَلَغَنا عَنْ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ انْتَهى وهو غَرِيبٌ فَلْيُحْفَظْ.

وأوَّلُ مَن سَمّاهُ جُمُعَةً قِيلَ: كَعْبُ بْنُ لُؤَيٍّ، وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قالَ: جَمَعَ أهْلُ المَدِينَةِ قَبْلَ أنْ يَقْدَمَ النَّبِيُّ  وقَبْلَ أنْ تَنْزِلَ الجُمُعَةُ قالَتِ الأنْصارُ: لِلْيَهُودِ يَوْمٌ يَجْتَمِعُونَ فِيهِ بِكُلِّ سَبْعَةِ أيّامٍ ولِلنَّصارى مِثْلُ ذَلِكَ فَهَلُمَّ فَلْنَجْعَلْ لَنا يَوْمًا نَجْتَمِعَ فِيهِ فَنَذْكُرَ اللَّهَ تَعالى ونَشْكُرَهُ، فَقالُوا: يَوْمُ السَّبْتِ لِلْيَهُودِ، ويَوْمُ الأحَدِ لِلنَّصارى فاجْعَلُوهُ يَوْمَ العَرُوبَةِ، وكانُوا يُسَمُّونَ يَوْمَ الجُمُعَةِ بِذَلِكَ فاجْتَمَعُوا إلى أسْعَدِ بْنِ زُرارَةَ فَصَلّى بِهِمْ يَوْمَئِذٍ رَكْعَتَيْنِ وذَكَّرَهم فَسَمَّوْهُ الجُمُعَةَ حِينَ اجْتَمَعُوا إلَيْهِ فَذَبَحَ لَهم شاةً فَتَغَذَّوْا وتَعَشَّوْا مِنها وذَلِكَ لِعامَّتِهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى في ذَلِكَ بَعْدُ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ ﴾ الآيَةَ، وكَوْنُ أسْعَدَ هَذا أوَّلَ مَن جَمَعَ مَرْوِيٌّ عَنْ غَيْرِ ابْنِ سِيرِينَ أيْضًا، أخْرَجَ أبُو داوُدَ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ حِبّانَ والبَيْهَقِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبٍ أنَّ أباهُ كانَ إذا سَمِعَ النِّداءَ يَوْمَ الجُمُعَةِ تَرَحَّمَ عَلى أسْعَدِ بْنِ زُرارَةَ فَقُلْتُ: يا أبَتاهُ أرَأيْتَ اسْتِغْفارَكَ لِأسْعَدِ بْنِ زُرارَةَ كُلَّما سَمِعْتَ الأذانَ لِلْجُمُعَةِ ما هو ؟

قالَ: لِأنَّهُ أوَّلُ مَن جَمَعَ بِنا في نَقِيعِ الخُضُمّاتِ مِن حَرَّةِ بَنِي بَيّاضَةَ قُلْتُ: كَمْ كُنْتُمْ يَوْمَئِذٍ ؟

قالَ: أرْبَعُونَ رَجُلًا، وظاهِرُ قَوْلِهِ ابْنُ سِيرِينَ: فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى في ذَلِكَ بَعْدُ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ إلَخْ أنَّ أسْعَدَ أقامَ الجُمُعَةَ قَبْلَ أنْ تُفْرَضَ، وكَذا قَوْلُهُ: جَمَعَ أهْلُ المَدِينَةِ قَبْلَ أنْ يَقْدَمَ النَّبِيُّ  وقَبْلَ أنْ تَنْزِلَ الجُمُعَةُ، في فَتْحِ القَدِيرِ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ، وقالَ العَلّامَةُ ابْنُ حَجَرٍ في تُحْفَةِ المُحْتاجِ: فُرِضَتْ - يَعْنِي صَلاةَ الجُمُعَةِ - بِمَكَّةَ ولَمْ نَقُمْ بِها لِفَقْدِ العَدَدِ، أوْ لِأنَّ شِعارَها الإظْهارُ، وكانَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِها مُسْتَخْفِيًا، وأوَّلُ مَن أقامَها بِالمَدِينَةِ قَبْلَ الهِجْرَةِ أسْعَدُ بْنُ زُرارَةَ بِقَرْيَةٍ عَلى مِيلٍ مِنَ المَدِينَةِ.

انْتَهى، فَلَعَلَّها فُرِضَتْ ثُمَّ نَزَلَتِ الآيَةُ كالوُضُوءِ لِلصَّلاةِ فَإنَّهُ فُرِضَ أوَّلًا بِمَكَّةَ مَعَ الصَّلاةِ ثُمَّ نَزَلَتْ آيَتُهُ لَكِنْ يُعَكِّرُ عَلى هَذا ما أخْرَجَهُ ابْنُ ماجَهْ عَنْ جابِرٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ خَطَبَ فَقالَ: ««إنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْكُمُ الجُمُعَةَ في مَقامِي هَذا في يَوْمِي هَذا في شَهْرِي هَذا في عامِي هَذا إلى يَوْمِ القِيامَةِ فَمَن تَرَكَها اسْتِخْفافًا بِها أوْ جُحُودًا بِها فَلا جَمَعَ اللَّهُ شَمَلَهُ ولا بارَكَ لَهُ في أمْرِهِ ألا ولا صَلاةَ لَهُ ولا زَكاةَ لَهُ ولا حَجَّ لَهُ ولا صَوْمَ لَهُ ولا بِرَّ لَهُ حَتّى يَتُوبَ فَمَن تابَ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِ»» فَإنَّ الظّاهِرَ أنَّ هَذِهِ الخُطْبَةَ كانَتْ في المَدِينَةِ بَلْ ظاهِرُ الخَبَرِ أنَّها بَعْدَ الهِجْرَةِ بِكَثِيرٍ إذْ ظاهِرُ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فِيهِ: ««لا حَجَّ لَهُ»» أنَّ الحَجَّ كانَ مَفْرُوضًا إذْ ذاكَ، وهو وإنِ اخْتُلِفَ في وقْتِ فَرْضِهِ فَقِيلَ: فُرِضَ قَبْلَ الهِجْرَةِ، وقِيلَ: أوَّلَ سِنِيها، وقِيلَ: ثانِيها، وهَكَذا إلى العاشِرَةِ لَكِنْ قالُوا: إنَّ الأصَحَّ أنَّهُ فُرِضَ في السَّنَةِ السّادِسَةِ فَإمّا أنْ يَقْدَحَ في صِحَّةِ الحَدِيثِ، وإمّا أنْ يُقالَ: مَفادُهُ افْتِراضُ الجُمُعَةِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ أيْ بِهَذا القَيْدِ، ويُقالُ: إنَّ الحاصِلَ قَبْلَ افْتِراضِها غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِهَذا القَيْدِ ثُمَّ ما تَقَدَّمَ مِن كَوْنِ أسْعَدَ أوَّلَ مَن جَمَعَ بِالمَدِينَةِ يُخالِفُهُ ما أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ مِن أبِي مَسْعُودٍ الأنْصارِيِّ قالَ: أوَّلُ مَن قَدِمَ مِنَ المُهاجِرِينَ المَدِينَةَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، وهو أوَّلُ مَن جَمَعَ بِها يَوْمَ الجُمُعَةِ جَمَعَ بِهِمْ قَبْلَ أنْ يَقْدَمَ رَسُولُ اللَّهِ  وهُمُ اثْنا عَشَرَ رَجُلًا.

وأخْرَجَ البُخارِيُّ عَلى ما نَقَلَهُ السُّيُوطِيُّ نَحْوَهُ وكانَ ذَلِكَ بِأمْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَقَدْ أخْرَجَ الدّارَقُطْنِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «أذِنَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالجُمُعَةِ قَبْلَ أنْ يُهاجِرَ ولَمْ يَسْتَطِعْ أنْ يَجْمَعَ بِمَكَّةَ فَكَتَبَ إلى مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ: أمّا بَعْدُ فانْظُرْ اليَوْمَ الَّذِي تَجْهَرُ فِيهِ اليَهُودُ بِالزَّبُورِ فاجْمَعُوا نِساءَكم وأبْناءَكم فَإذا مالَ النَّهارُ عَنْ شَطْرِهِ عِنْدَ الزَّوالِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فَتَقَرَّبُوا إلى اللَّهِ تَعالى بِرَكْعَتَيْنِ» قالَ: فَهو أوَّلُ مَن جَمَعَ حَتّى قَدِمَ النَّبِيُّ  المَدِينَةَ فَجَمَعَ عِنْدَ الزَّوالِ مِنَ الظُّهْرِ وأظْهَرَ ذَلِكَ فَلَعَلَّ ما يَدُلُّ عَلى كَوْنِ أسْعَدَ أوَّلَ مَن جَمَعَ أثْبَتُ مِن هَذِهِ الأخْبارِ أوْ يُجْمَعُ بِأنَّ أسْعَدَ أوَّلُ مَن أقامَها بِغَيْرِ أمْرٍ مِنهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ خَبَرُ ابْنِ سِيرِينَ، وصَرَّحَ بِهِ ابْنُ الهُمامِ ومُصْعَبًا أوَّلُ مَن أقامَها بِأمْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، أوْ بِأنَّ مُصْعَبًا أوَّلُ مَن أقامَها في المَدِينَةِ نَفْسِها وأسْعَدَ أوَّلُ مَن أقامَها في قَرْيَةٍ قُرْبَ المَدِينَةِ، وقَوْلُهم: في المَدِينَةِ تَسامُحٌ، وقالَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: يُجْمَعُ بَيْنَ الحَدِيثَيْنِ بِأنَّ أسْعَدَ كانَ أمِيرًا، ومُصْعَبًا كانَ إمامًا وهو كَما تَرى، ولَمْ يُصَرَّحْ في شَيْءٍ مِنَ الأخْبارِ الَّتِي وقَفْتُ عَلَيْها فِيمَن أقامَها قَبْلَ الهِجْرَةِ بِالمَدِينَةِ بِالخُطْبَةِ الَّتِي هي أحَدُ شُرُوطِها، وكانَ في خَبَرِ ابْنِ سِيرِينَ رَمْزًا إلَيْها بِقَوْلِهِ: وذَكَّرَهم، وقَدْ يُقالُ: إنَّ صَلاةَ الجُمُعَةِ حَقِيقَةٌ شَرْعِيَّةٌ في الصَّلاةِ المُسْتَوْفِيَةِ لِلشُّرُوطِ، فَمَتى قِيلَ: إنَّ فُلانًا أوَّلُ مَن صَلّى الجُمُعَةَ كانَ مُتَضَمَّنًا لِتَحَقُّقِ الشُّرُوطِ لَكِنْ يَبْعُدُ كُلَّ البُعْدِ كَوْنُ ما وقَعَ مِن أسْعَدَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ إنْ كانَ قَبْلَ فَرْضِيَّتِها مُسْتَوْفِيًا لِما هو مَعْرُوفٌ اليَوْمَ مِنَ الشُّرُوطِ، ثُمَّ إنِّي لا أدْرِي هَلْ صَلّى أسْعَدُ الظُّهْرَ ذَلِكَ اليَوْمَ أمِ اكْتَفى بِالرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ صَلّاهُما عَنْها ؟

وعَلى تَقْدِيرِ الِاكْتِفاءِ كَيْفَ ساغَ لَهُ ذَلِكَ بِدُونِ أمْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ؟

!

وقُصارى ما يُظَنُّ أنَّ الأنْصارَ عَلِمُوا فَرْضِيَّةَ الجُمُعَةِ بِمَكَّةَ وعَلِمُوا شُرُوطَها وإغْناءَها عَنْ صَلاةِ الظُّهْرِ فَأرادُوا أنْ يَفْعَلُوها قَبْلَ أنْ يُؤْمَرُوا بِخُصُوصِهِمْ فَرَغِبَ خَواصُّهم عَوامَّهم عَلى أحْسَنِ وجْهٍ وجاؤُوا إلى أسْعَدَ فَصَلّى بِهِمْ وهو خِلافُ الظّاهِرِ جِدًّا فَتَدَبَّرْ واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ.

وأمّا ما كانَ مِن صِلاتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إيّاها فَقَدْ رُوِيَ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا قَدِمَ المَدِينَةَ مُهاجِرًا نَزَلَ قُبا عَلى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ وأقامَ بِها يَوْمَ الِاثْنَيْنِ والثُّلاثاءِ والأرْبِعاءِ والخَمِيسِ، وأسَّسَ مَسْجِدَهم ثُمَّ خَرَجَ يَوْمَ الجُمُعَةِ إلى المَدِينَةِ فَأدْرَكَتْهُ صَلاةُ الجُمُعَةِ في بَنِي سالِمِ بْنِ عَوْفٍ في بَطْنِ وادٍ لَهم فَخَطَبَ وصَلّى الجُمُعَةَ وهو أوَّلُ جُمُعَةٍ صَلّاها عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ»، وقالَ بَعْضُهم: إنَّما سُمِّيَ هَذا اليَوْمُ يَوْمَ الجُمُعَةِ لِأنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ اجْتَمَعَ فِيهِ مَعَ حَوّاءَ في الأرْضِ، وقِيلَ: لِأنَّ خَلْقَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ جُمِعَ فِيهِ وهو نَحْوُ ما أخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قُلْتُ: ««يا نَبِيَّ اللَّهِ لِأيِّ شَيْءٍ سُمِّيَ يَوْمُ الجُمُعَةِ ؟

فَقالَ: لِأنَّ فِيها جُمِعَتْ طِينَةُ أبِيكم آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ»» الخَبَرَ، ويُشْعِرُ ذَلِكَ بِأنَّ التَّسْمِيَةَ كانَتْ قَبْلَ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ ويُسَمِّيهِ المَلائِكَةُ يَوْمَ القِيامَةِ يَوْمَ المَزِيدِ لِما أنَّ اللَّهَ تَعالى يَتَجَلّى فِيهِ لِأهْلِ الجَنَّةِ فَيُعْطِيهِمْ ما لَمْ تَرَ عَيْنٌ ولَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ ولَمْ يَخْطُرْ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ كَما في حَدِيثٍ رَواهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا وهو مِن أفْضَلِ الأيّامِ.

وفِي خَبَرٍ رَواهُ كَثِيرُونَ مِنهُمُ الإمامُ أحْمَدُ وابْنُ ماجَهْ عَنْ أبِي لُبابَةَ بْنِ عَبْدِ المُنْذِرِ مَرْفُوعًا ««يَوْمُ الجُمُعَةِ سَيِّدُ الأيّامِ وأعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى مِن يَوْمِ الفِطْرِ ويَوْمِ الأضْحى»» وفِيهِ أنَّ فِيهِ خُلِقَ آدَمُ وإهْباطَهُ إلى الأرْضِ ومَوْتَهُ وساعَةَ الإجابَةِ - أيْ لِلدُّعاءِ - ما لَمْ يَكُنْ سُؤالَ حَرامٍ وقِيامَ السّاعَةِ، وفي خَبَرِ الطَّبَرانِيِّ ««وفِيهِ دَخَلَ الجَنَّةَ وفِيهِ خَرَجَ»» .

وصَحَّحَ ابْنُ حِبّانَ خَبَرَ ««لا تَطْلُعُ الشَّمْسُ ولا تَغْرُبُ عَلى يَوْمٍ أفْضَلَ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ»» وفي خَبَرِ مُسْلِمٍ ««فِيهِ خُلِقَ آدَمُ وفِيهِ أُدْخِلَ الجَنَّةَ وفِيهِ أُخْرِجَ مِنها وفِيهِ تَقُومُ السّاعَةُ وأنَّهُ خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ»» وصَحَّ خَبَرُ ««وفِيهِ تِيبَ عَلَيْهِ وفِيهِ ماتَ»» .

وأخَذَ أحْمَدُ مِن خَبَرَيْ مُسْلِمٍ وابْنِ حِبّانَ أنَّهُ أفْضَلُ حَتّى مِن يَوْمِ عَرَفَةَ، وفَضَّلَ كَثِيرٌ مِنَ الحَنابِلَةِ لَيْلَتَهُ عَلى لَيْلَةِ القَدْرِ، قِيلَ: ويَرُدُّهُما أنَّ لَذَيْنَكِ دَلائِلَ خاصَّةً فَقُدِّمَتْ، واخْتُلِفَ في تَعْيِينِ ساعَةِ الإجابَةِ فِيهِ، فَعَنْ أبِي بَرْدَةَ: هي حِينَ يَقُومُ الإمامُ في الصَّلاةِ حَتّى يَنْصَرِفَ عَنْها، وعَنِ الحَسَنِ: هي عِنْدَ زَوالِ الشَّمْسِ، وعَنِ الشَّعْبِيِّ: هي ما بَيْنَ أنْ يَحْرُمَ البَيْعُ إلى أنْ يَحِلَّ، وعَنْ عائِشَةَ: هي حِينَ يُنادِي المُنادِي بِالصَّلاةِ، وفي حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ المُزَنِيِّ: هي حِينَ تُقامُ الصَّلاةُ إلى الِانْصِرافِ مِنها، وعَنْ أبِي أُمامَةَ إنِّي لَأرْجُو أنْ تَكُونَ السّاعَةُ الَّتِي في الجُمُعَةِ إحْدى هَذِهِ السّاعاتِ: إذا أذَّنَ المُؤَذِّنُ أوْ جَلَسَ الإمامُ عَلى المِنبَرِ، أوْ عِنْدَ الإقامَةِ، وعَنْ طاوُسٍ ومُجاهِدٍ: هي بَعْدَ العَصْرِ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ، ولَمْ يَصِحَّ تَعْيِينُ الأكْثَرِينَ، وقَدْ أخْفاها اللَّهُ تَعالى كَما أخْفى سُبْحانَهُ الِاسْمَ الأعْظَمَ ولَيْلَةَ القَدْرِ وغَيْرَها لِحِكْمَةٍ لا تَخْفى.

﴿ فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ ﴾ أيِ امْشُوا إلَيْهِ بِدُونِ إفْراطٍ في السُّرْعَةِ، وجاءَ في الحَدِيثِ مُقابَلَةُ السَّعْيِ بِالمَشْيِ، وجَعَلَ ذَلِكَ في خَصائِصِ الجُمُعَةِ، فَقَدْ أخْرَجَ السِّتَّةُ في كُتُبِهِمْ عَنْ أبِي سَلَمَةَ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««إذا أُقِيمَتِ الصَّلاةُ فَلا تَأْتُوها وأنْتُمْ تَسْعُونَ وأْتُوها وأنْتُمْ تَمْشُونَ وعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ فَما أدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وما فاتَكم فَأتِمُّوا»» والمُرادُ بِذِكْرِ اللَّهِ الخُطْبَةُ والصَّلاةُ، واسْتَظْهَرَ أنَّ المُرادَ بِهِ الصَّلاةُ، وجُوِّزَ كَوْنُ المُرادِ بِهِ الخُطْبَةُ - وهو عَلى ما قِيلَ - مَجازٌ مِن إطْلاقِ البَعْضِ عَلى الكُلِّ كَإطْلاقِهِ عَلى الصَّلاةِ، أوْ لِأنَّها كالمَحَلِّ لَهُ، وقِيلَ: الذِّكْرُ عامٌّ يَشْمَلُ الخُطْبَةَ المَعْرُوفَةَ ونَحْوَ التَّسْبِيحَةِ، واسْتَدَلُّوا بِالآيَةِ لِأبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَلى أنَّهُ يَكْفِي في خُطْبَةِ الجُمُعَةِ الَّتِي هي شَرْطٌ لِصِحَّتِها الذِّكْرُ مُطْلَقًا ولا يُشْتَرَطُ الطَّوِيلُ وأقَلُّهُ قَدْرُ التَّشَهُّدِ كَما اشْتَرَطَهُ صاحِباهُ، وبَيَّنُوا ذَلِكَ بِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ الذِّكْرَ مِن غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ كَوْنِهِ ذِكْرًا طَوِيلًا يُسَمّى خُطْبَةً أوْ ذِكْرًا لا يُسَمّى خُطْبَةً فَكانَ الشَّرْطُ هو الذِّكْرُ الأعَمُّ بِالقاطِعِ غَيْرَ أنَّ المَأْثُورَ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ اخْتِيارُ أحَدِ الفَرْدَيْنِ وهو الذِّكْرُ المُسَمّى بِالخُطْبَةِ والمُواظَبَةِ عَلَيْهِ فَكانَ ذَلِكَ واجِبًا أوْ سُنَّةً لا أنَّهُ الشَّرْطُ الَّذِي لا يُجْزِئُ غَيْرُهُ إذْ لا يَكُونُ بَيانًا لِعَدَمِ الإجْمالِ في لَفْظِ الذِّكْرِ، والشّافِعِيَّةُ يَشْتَرِطُونَ خُطْبَتَيْنِ: ولَهُما أرْكانٌ عِنْدَهم، واسْتَدَلُّوا عَلى ذَلِكَ بِالآثارِ، وأيًّا ما كانَ فالأمْرُ بِالسَّعْيِ لِلْوُجُوبِ.

واسْتُدِلَّ بِذَلِكَ عَلى فَرْضِيَّةِ الجُمُعَةِ حَيْثُ رُتِّبَ فِيها الأمْرُ بِالسَّعْيِ لِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى عَلى النِّداءِ لِلصَّلاةِ فَإنْ أُرِيدَ بِهِ الصَّلاةُ أوْ هي والخُطْبَةُ فَظاهِرٌ، وكَذَلِكَ إنْ أُرِيدَ بِهِ الخُطْبَةُ لِأنَّ افْتِراضَ السَّعْيِ إلى الشَّرْطِ - وهو المَقْصُودُ لِغَيْرِهِ - فَرَّعَ افْتِراضَ ذَلِكَ الغَيْرُ، ألا تَرى أنَّ مَن لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ الصَّلاةُ لا يَجِبُ عَلَيْهِ السَّعْيُ إلى الجُمُعَةِ بِالإجْماعِ ؟

وكَذا ثَبَتَتْ فَرْضِيَّتُها بِالسُّنَّةِ والإجْماعِ، وقَدْ صَرَّحَ بَعْضُ الحَنَفِيَّةِ بِأنَّها آكَدُ فَرْضِيَّةٍ مِنَ الظُّهْرِ وبِإكْفارِ جاحِدِها وهي فَرْضُ عَيْنٍ، وقِيلَ: كِفايَةٌ وهو شاذٌّ، وفي حَدِيثٍ رَواهُ أبُو داوُدَ وقالَ النَّوَوِيُّ: عَلى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ ««الجُمُعَةُ حَقٌّ واجِبٌ عَلى كُلِّ مُسْلِمٍ في جَماعَةٍ إلّا أرْبَعَةً: مَمْلُوكٌ أوِ امْرَأةٌ أوْ صَبِيٌّ أوْ مَرِيضٌ»» .

وأجْمَعُوا عَلى اشْتِراطِ العَدَدِ فِيها لِهَذا الخَبَرِ وغَيْرِهِ، وقَوْلُ القاشانِيِّ: تَصِحُّ بِواحِدٍ لا يُعْتَدُّ بِهِ كَما في شَرْحِ المُهَذَّبِ لَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في مِقْدارِهِ عَلى أقْوالٍ: أحَدُها أنَّهُ اثْنانِ أحَدُهُما الإمامُ - وهو قَوْلُ النَّخَعِيِّ والحَسَنِ بْنِ صالِحٍ وداوُدَ -الثّانِي: ثَلاثَةٌ أحَدُهُمُ الإمامُ - وحُكِيَ عَنِ الأوْزاعِيِّ وأبِي ثَوْرٍ وعَنْ أبِي يُوسُفَ ومُحَمَّدٍ وحَكاهُ الرّافِعِيُّ وغَيْرُهُ عَنْ قَوْلِ الشّافِعِيِّ القَدِيمِ -الثّالِثُ: أرْبَعَةٌ أحَدُهُمُ الإمامُ - وبِهِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ والثَّوْرِيُّ واللَّيْثُ وحَكاهُ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الأوْزاعِيِّ وأبِي ثَوْرٍ واخْتارَهُ، وحَكاهُ في شَرْحِ المُهَذَّبِ عَنْ مُحَمَّدٍ، وحَكاهُ صاحِبُ التَّلْخِيصِ قَوْلًا لِلشّافِعِيِّ في القَدِيمِ -الرّابِعُ: سَبْعَةٌ - حُكِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ -الخامِسُ: تِسْعَةٌ - حُكِيَ عَنْ رَبِيعَةَ -السّادِسُ: اثْنَيْ عَشَرَ - وفي رِوايَةٍ عَنْ رَبِيعَةَ.

وحَكاهُ الماوَرْدِيُّ عَنْ مُحَمَّدٍ والزُّهْرِيِّ والأوْزاعِيِّ -السّابِعُ: ثَلاثَةَ عَشَرَ أحَدُهُمُ الإمامُ - حُكِيَ عَنْ إسْحاقَ بْنِ راهَوَيْهِ -الثّامِنُ: عِشْرُونَ - رَواهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مالِكٍ -التّاسِعُ: ثَلاثُونَ - في رِوايَةٍ عَنْ مالِكٍ -العاشِرُ: أرْبَعُونَ أحَدُهُمُ الإمامُ - وبِهِ قالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ والإمامُ الشّافِعِيُّ في الجَدِيدِ، وهو المَشْهُورُ عَنِ الإمامِ أحْمَدَ، وأحَدُ القَوْلَيْنِ المَرْوِيَّيْنِ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ -الحادِي عَشَرَ: خَمْسُونَ - في الرِّوايَةِ الأُخْرى عَنْهُ -الثّانِي عَشَرَ: ثَمانُونَ - حَكاهُ المازِرِيُّ -الثّالِثَ عَشَرَ: جَمْعٌ كَثِيرٌ بِغَيْرِ قَيْدٍ - وهو مَذْهَبُ مالِكٍ - فَقَدِ اشْتُهِرَ أنَّهُ قالَ: لا يُشْتَرَطُ عَدَدٌ مُعَيَّنٌ بَلْ يُشْتَرَطُ جَماعَةٌ تَسْكُنُ بِهِمْ قَرْيَةٌ ويَقَعُ بَيْنَهُمُ البَيْعُ، ولا تَنْعَقِدُ بِالثَّلاثَةِ والأرْبَعَةِ ونَحْوِهِمْ.

قالَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ في شَرْحِ البُخارِيِّ: ولَعَلَّ هَذا المَذْهَبَ أرْجَحُ المَذاهِبِ مِن حَيْثُ الدَّلِيلِ، وأنا أقُولُ أرْجَحُها مَذْهَبُ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ، وقَدْ رَجَّحَهُ المُزَنِيُّ - وهو مِن كِبارِ الآخِذِينَ عَنِ الشّافِعِيِّ - وهو اخْتِيارُ الجَلالِ السُّيُوطِيِّ، ووَجْهُ اخْتِيارِهِ مَعَ ذِكْرِ أدِلَّةِ أكْثَرِ الأقْوالِ بِما لَها وعَلَيْها مَذْكُورٌ في رِسالَةٍ لَهُ سَمّاها ضَوْءَ الشَّمْعَةِ في عَدَدِ الجُمُعَةِ، ولَوْلا مَزِيدُ التَّطْوِيلِ لَذَكَرْنا خُلاصَتَها.

ومَن أرادَ ذَلِكَ فَلْيَرْجِعْ إلَيْها لِيَظْهَرَ لَهُ بِنُورِها حَقِيقَةُ الحالِ.

وقَرَأ كَثِيرٌ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ - فامْضُوا - وحُمِلَتْ عَلى التَّفْسِيرِ بِناءً عَلى أنَّهُ لا يُرادُ بِالسَّعْيِ الإسْراعُ في المَشْيِ ولَمْ تُجْعَلْ قُرْآنًا لِمُخالَفَتِها سَوادَ المُصْحَفِ المُجْمَعِ عَلَيْهِ ﴿ وذَرُوا البَيْعَ ﴾ أيْ واتْرُكُوا المُعامَلَةَ عَلى أنَّ البَيْعَ مَجازٌ عَنْ ذَلِكَ فَيَعُمُّ البَيْعَ والشِّراءَ والإجارَةَ وغَيْرَها مِنَ المُعامَلاتِ، أوْ هو دالٌّ عَلى ما عَداهُ بِدَلالَةِ النَّصِّ ولَعَلَّهُ الأوْلى، والأمْرُ لِلْوُجُوبِ فَيَحْرُمُ كُلُّ ذَلِكَ بَلْ رُوِيَ عَنْ عَطاءٍ حُرْمَةُ اللَّهْوِ المُباحِ وأنْ يَأْتِيَ الرَّجُلُ أهْلَهُ وأنْ يَكْتُبَ كِتابًا أيْضًا.

وعَبَّرَ بَعْضُهم بِالكَراهَةِ وحُمِلَتْ عَلى كَراهَةِ التَّحْرِيمِ، وقَوْلُ الأكْمَلِ في شَرْحِ المَنارِ: إنَّ الكَراهَةَ تَنْزِيهِيَّةٌ مَرْدُودٌ وكَأنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن زَعْمِ القاضِي الإسْبِيجانِيِّ أنَّ الأمْرَ في الآيَةِ لِلنَّدْبِ وهو زَعْمٌ باطِلٌ عِنْدَ أكْثَرِ الأئِمَّةِ، وعامَّةُ العُلَماءِ عَلى صِحَّةِ البَيْعِ، وإنْ حَرُمَ نَظِيرَ ما قالُوا في الصَّلاةِ بِالثَّوْبِ المَغْصُوبِ أوْ في الأرْضِ المَغْصُوبَةِ.

وقالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: هو فاسِدٌ، وعَبَّرَ مُجاهِدٌ بِقَوْلِهِ: مَرْدُودٌ ويَسْتَمِرُّ زَمَنُ الحُرْمَةِ إلى فَراغِ الإمامِ مِنَ الصَّلاةِ، وأوَّلُهُ إمّا وقْتُ أذانِ الخُطْبَةِ - ورُوِيَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، وقالَ بِهِ جَمْعٌ - وإمّا أوَّلُ وقْتِ الزَّوالِ - ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطاءٍ والضَّحّاكِ والحَسَنِ - والظّاهِرُ أنَّ المَأْمُورِينَ بِتَرْكِ البَيْعِ هُمُ المَأْمُورُونَ بِالسَّعْيِ إلى الصَّلاةِ.

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القاسِمِ أنَّ القاسِمَ دَخَلَ عَلى أهْلِهِ يَوْمَ الجُمُعَةِ وعِنْدَهم عَطّارٌ يُبايِعُونَهُ فاشْتَرَوْا مِنهُ وخَرَجَ القاسِمُ إلى الجُمُعَةِ فَوَجَدَ الإمامَ وقَدْ خَرَجَ فَلَمّا رَجَعَ أمَرَهم أنْ يُناقِضُوهُ البَيْعَ، وظاهِرُهُ حُرْمَةُ البَيْعِ إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ عَلى غَيْرِ مَن تَجِبُ عَلَيْهِ أيْضًا، والظّاهِرُ حُرْمَةُ البَيْعِ والشِّراءِ حالَةَ السَّعْيِ.

وصَرَّحَ في السِّراجِ الوَهّاجِ بِعَدَمِها إذا لَمْ يَشْغَلْهُ ﴿ ذَلِكُمْ ﴾ أيِ المَذْكُورُ مِنَ السَّعْيِ إلى ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى وتَرْكِ البَيْعِ ﴿ خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ أنْفَعُ مِن مُباشَرَةِ البَيْعِ فَإنَّ نَفْعَ الآخِرَةِ أجَلُّ وأبْقى، وقِيلَ: أنْفَعُ مِن ذَلِكَ ومِن تَرْكِ السَّعْيِ، وثُبُوتُ أصْلِ النَّفْعِ لِلْمُفَضَّلِ عَلَيْهِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ نَفْعٌ دُنْيَوِيٌّ لا يَدُلُّ عَلى كَوْنِ الأمْرِ لِلنَّدْبِ والِاسْتِحْبابِ دُونَ الحَتْمِ والإيجابِ كَما لا يَخْفى ﴿ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ الخَيْرَ والشَّرَّ الحَقِيقِيَّيْنِ، أوْ إنْ كُنْتُمْ مِن أهْلِ العِلْمِ عَلى تَنْزِيلِ الفِعْلِ مَنزِلَةَ اللّازِمِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ يعني: إذا أذن للصلاة مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ يعني: امضوا إلى الصلاة فصلوها.

ويقال: إِلى ذِكْرِ اللَّهِ يعني: الخطبة فاستمعوها.

وروى الأعمش، عن إبراهيم قال: كان ابن مسعود يقرأ: (فامضوا إلى ذكر الله) ويقول: لو قرأتها فاسعوا، لسعيت حتى يسقط ردائي.

وقال: القتبي: السعي على وجه الإسراع في المشي كقوله تعالى: وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى [القصص: 20] والسعي: العمل كقوله تعالى: وَسَعى لَها سَعْيَها [الإسراء: 19] وقال: إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (4) [الليل: 4] ، والسعي: المشي، كقوله تعالى: يَأْتِينَكَ سَعْياً [البقرة: 260] وكقوله تعالى: فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ [الجمعة: 9] وقال الحسن في قوله تعالى: فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ قال: ليس السعي بالأقدام، ولكن سعي بالنية، وسعي بالقلب، وسعي بالرغبة.

ثم قال: وَذَرُوا الْبَيْعَ، ولم يذكر الشراء، لأنه لما ذكر البيع، فقد دل على الشراء.

ومعناه: اتركوا البيع والشراء.

وقال جماعة من العلماء: لو باع بعد الأذان يوم الجمعة، لم يجز البيع.

وقال الزهري: يحرم البيع يوم الجمعة عند خروج الإمام.

وروى جويبر، عن الضحاك أنه قال: إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ يَوْمَ الجُمُعَةِ، حَرُمَ الشِّرَاءُ وَالْبَيْع، وَلَوْ كُنْت قَاضِيّاً لَرَدَدْتُهُ.

وروى معمر، عن الزهري قال: الأَذَان الَّذِي يُحرمُ نِيَّةَ الْبَيْعِ عِنْدَ خُروجِ الإمَامِ وَقْتَ الخُطْبَةِ، وقال الحسن: إذَا زَالَتِ الشَّمْسِ، فَلا تَشْتَرِ وَلا تَبِعْ.

وقال محمد: يُحْرَمُ البَيْعُ عِنْدَ النِّداءِ يَوْمَ الجُمُعَةِ عِنْدِ الصَّلاةِ.

وروى عكرمة، عن ابن عباس قال: لا يَصحُّ البَيْعُ وَالشِّراءُ يَوْمَ الجُمُعَةِ حِينَ يُنَادَى بِالصَّلاةِ حَتَّى تَنْقَضِي.

وقال عامة أهل الفتوى من الفقهاء: إنَّ البَيْعَ جَائِزٌ فِي الحُكْمِ لأنَّ النَّهْيَ لأَجْلِ الصَّلاةِ وَلَيْسَ بِمَانِعٍ لِمَعْنًى فِي الْبَيْعِ.

ثم قال: ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ يعني: السعي إلى الصلاة، وترك الشراء والبيع.

والاستماع إلى الخطبة، خير لكم من الشراء والبيع.

إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ يعني: فاعلموا ذلك.

وكل ما في القرآن إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ إن كنتم مؤمنين، فهو بمعنى التقرير والأمر.

ثم قال عز وجل: فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ يعني: فرغتم من الصلاة، فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ يعني: اطلبوا الرزق من الله تعالى بالتجارة والكسب.

اللفظ لفظ الأمر، والمراد به الرخصة، كقوله: وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا [المائدة: 2] ، وهي رخصة بعد النهي.

وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً يعني: واذكروا الله باللسان، لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ يعني: لكي تنجوا.

ثم قال عز وجل: وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً، قال مجاهد: اللهو هو الضرب بالطبل، فنزلت الآية حين قدم دحية بن خليفة الكلبي.

وروى سالم، عن جابر قال: أقبلت عير ونحن مع رسول الله  ، ونحن نصلي الجمعة، فانفض الناس إليهم، فما بقي غير اثني عشر رجلاً، فنزلت الآية وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً.

انْفَضُّوا إِلَيْها وَتَرَكُوكَ قائِماً.

وروى معمر، عن الحسن: أن أهل المدينة أصابهم جوع وغلاء سعر، فقدمت عير والنبي  قائم، يخطب يوم الجمعة، فسمعوا بها فخرجوا إليه، والنبي  قائم.

قال الله تعالى: وتركوك قائماً، فقال النبي  : «وَلَوْ اتَّبَعَ آخِرُهُمْ أَوَّلَهُمْ لالْتَهَبَ الْوَادِي عَلَيْهِمْ نَاراً» .

قال معمر، عن قتادة قال: لم يبق يومئذ معه إلا اثنا عشر رجلاً وامرأة، ويقال: إن أهل المدينة كانوا إذا قدمت عير، ضربوا بالطبل وخرج الناس، فنزل وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها والمعنى خرجوا إليها، يعني: إلى التجارة، ويقال: إِلَيْها يعني: جملة ما رأوا من اللهو والتجارة.

وتركوك قائماً على المنبر.

قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ يعني: ثواب الله تعالى خير من اللهو وَمِنَ التِّجارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ وخير المعطين والله أعلم بالصواب، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم.

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

تنطقُ بنبوتهِ، فكان كلُّ حَبْرٍ لم ينتَفِعْ بما حُمِّلَ كَمَثَلِ حِمَارٍ عليه أسفارٌ، وفي مصحف ابن مسعود «١» «كَمَثَلِ حِمَارٍ» بِغَيْرِ تعريفٍ، والسِّفْرُ الكتَابُ المجتمعُ الأوراقِ منضدة.

وقوله: بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ التقدير: بِئْسَ المثلُ مثلُ القومِ الذين كذبوا بآياتِ اللَّه، - ص-: وَرُدَّ بأَنَّ فيه حذف الفاعلِ ولا يجوزُ، والظاهرُ أنَّ مَثَلُ الْقَوْمِ فاعل بِئْسَ، والَّذِينَ كَذَّبُوا هو المخصوصُ بالذَّمِّ على حذف مضافٍ أي: مثل الذين كذّبوا، انتهى.

وقوله سبحانه: قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ ...

الآية، رُوِيَ أنها نزلتْ بسبب أنَّ يهودَ المدينةِ لَمَّا ظَهَرَ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، خَاطَبُوا يهودَ خيبرَ في أمره، وذكرُوا لهم نبوَّتَه، وقالوا إن رأيتم اتَّبَاعَهُ أطَعْنَاكُمْ وإنْ رأيتم خِلاَفَه خَالَفْنَاه معكم، فجاءهَم جوابُ أهْلِ خيبرَ يقولونَ: نحن أبناءُ إبراهيمَ خليلِ الرحمن وأبناءُ عزيرِ بنُ اللَّهِ ومنا الأنبياءُ، ومتى كَانَتْ النبوةُ في العرب؟، نحن أحقُّ بالنبوةِ من محمدِ، ولا سبيلَ إلى اتباعهِ، فنزلتِ الآيةَ بمعنى:

أنكم إذا كنتم منَ اللَّهِ بهذه المنزلةِ فَقُرْبُهُ وفراقُ هذه الحياةِ الخسيسةِ أحبُّ إليكم، فَتَمَنَّوْا الموتَ إن كنتم تَعْتَقِدُون في أنفسِكم هذه المنزلة، ثم أخبر تعالى أنهم لا يتمنونه أبداً لعلمِهم بسوءِ حالِهم، ورَوَى كثيرٌ من المفسرينَ أن اللَّه- جَلَّتْ قُدْرَتُه- جَعَلَ هذه الآيةَ معجزةً لمحمدٍ نبيِّه صلّى الله عليه وسلّم فِيهم، فَهِيَ آيةٌ باهرةٌ وأعلَمَه أنه إن تمنى أحدٌ منهمُ الموتَ في أيام معدوداتٍ مات وفارق الدنيا، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم تَمَنّوُا الموتَ، على جهةِ التعجيزِ وإظهار الآيةِ، فما تَمَنَّاهُ أحد منهم خَوْفاً/ من الموتِ وثقة بصدق نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم.

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩) فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠) وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها وَتَرَكُوكَ قائِماً قُلْ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١)

وقوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ الآية، النداء: الأذانُ، وكان على الجِدَارِ في مسجدِ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وفي «مصنف أبي داودَ» : كَانَ بَيْنَ يَدَي النبيّ صلّى الله عليه وسلّم

وهو عَلى المنبر أذَانُ، ثم زادَ عثمانُ النداءَ عَلَى الزوراء ليسمعَ الناسُ.

ت: وفي البخاريّ والترمذيِّ وصححه عن السائبِ بن يزيد قَالَ: كَانَ النداءُ يومَ الجمعةِ أوَّلُه إذا جَلَسَ الإمام على المنبر على عهد النبي صلّى الله عليه وسلّم وأبي بكرٍ وعمرَ، فلما تَوَلَّى عثمانُ وكثرَ الناسُ، زَادَ الأذَانَ الثالثَ فأَذَّنَ به على الزَّورَاءِ «١» ، فَثَبَتَ الأَمْرُ على ذلك «٢» ، قِيل: فقوله «الثالثَ» يَقْتَضِي أنَّهمُ كَانُوا ثلاثةً، وفي طريقٍ آخرَ «الثاني» بدَلَ «الثالث» وهو يَقْتَضِي أَنَّهُمَا اثنانِ، انتهى، وخرَّجَ مسلم عن أبي هريرةَ عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «من اغتسل، ثمَّ أَتَى الجُمُعَةَ، فصلى مَا قُدِّرَ لَهُ، ثم أَنْصَتَ لِلإمَامِ حتى يَفْرُغَ مِنْ خُطْبَتِهِ، ثُمَّ يُصَلِّي مَعَهُ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجُمُعَةِ الأخرى، وَفَضَلُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ» «٣» انتهى، وخرَّجَهُ البخاريُّ من طريقِ سُلَيْمَان.

وقوله: مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ قال ابن هشام: «من» مرادفةِ «في» ، انتهى.

وقوله تعالى: فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ ...

الآية، السعِيُ في الآيةِ لاَ يُرَادُ به الإسْرَاعُ في المشي، وإنما هو بمعنى قوله: وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا مَا سَعى [النجم: ٣٩] فالسَّعْيُ هو بالنِّيةِ والإرَادَةِ والعَمَلِ مِنْ وُضُوءٍ، وغُسْلٍ، وَمَشْيٍ، ولُبْسِ ثوبٍ كُلُّ ذلكَ سَعْيٌ، وَقَدْ قَالَ مالكٌ وغيره: إنما تُؤْتَى الصلاةُ بالسَّكِينَةِ، ت: وهو نصُّ الحديثِ الصحيحِ، وهو قوله صلّى الله عليه وسلّم في الصلاة: / «فَلاَ تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ وَأْتُوهَا [و] عَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ» ، ت:

والظاهرُ أنَّ المرادَ بالسعيِ هُنا المُضِيُّ إلى الجمعةِ، كما فسَّره الثعلبيُّ، ويدلُّ على ذلكَ إطلاقُ العلماءِ لفظَ الوجوبِ عَلَيْهِ، فيقولونَ السَّعْيُ إلَى الجمعةِ واجبٌ، ويدلُّ عَلَى ذلك قراءةُ عمرَ وعليٍّ وابنِ مسعودٍ وابن عمر وابنِ عباس وابن الزبير وجماعة من التابعين «٤» :

«فَامْضُوا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ» وقال ابن مسعود: لَوْ قَرَأْتُ: فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ لأَسْرَعْتُ حَتَّى يَقَع رِدَائي، وقال العِرَاقِيُّ: فَاسْعَوْا معناه بَادِروا، انتهى، وقوله: إِلى ذِكْرِ اللَّهِ هو وعظُ الخطبةِ قاله ابن المسيب، ويؤيدُه قوله صلّى الله عليه وسلّم في الحديث الصحيح: «إذَا كَانَ يومُ الجمعةِ، كَانَ على كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ المَسْجِدِ ملائكة يكتبون الأوّل فالأوّل، فإذا جلس [الإما] م طَوُوُا الصُّحُفَ، وجَاؤُوا يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ» الحديثُ خَرَّجَهُ البخاريُّ ومسلم، واللفظُ لمسلمٍ، والخُطْبَةُ عِنْدَ الجمهورِ شَرْطٌ في انعقادِ الجمعةِ» «١» ، وعن أبي موسى الأشعري أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «إنَّ اللَّهَ- عزَّ وجلَّ- يَبْعَثُ الأيَّامَ يومَ القيامةِ على هَيْئَتِهَا، وَيْبَعَثُ الجُمُعَةَ زَهْرَاءَ مُنِيرَةً، أَهْلُهَا مُحِفُّونَ بِهَا كالْعَرُوسِ تهدى إلَى كرِيمَها، تُضِيءُ لهم يَمْشُونَ في ضَوْئِهَا أَلْوَانُهُمْ كالثَّلْجِ بَيَاضاً، وَرِيحُهُمْ يَسْطَعُ كَالْمِسْكِ، يَخُوضُونَ في جِبَالِ الكَافُورِ، يَنْظُرُ إلَيْهِمُ الثَّقَلاَنِ، مَا يَطْرِفُونَ تَعَجُّباً، يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ لاَ يُخَالِطُهُمْ إلاَّ المُؤَذِّنُونَ المُحْتَسِبُونَ» خَرَّجَهُ القاضِي الشريفُ أبو الحسنِ علي بن عبد اللَّهِ بن إبراهيمَ الهاشميّ، قال صاحبُ «التذكرة» «٢» : وإسنادهُ صحيح، انتهى.

وقوله سبحانه: ذلِكُمْ إشارةٌ إلى السعي وتَرْكِ/ البَيْعِ.

وقوله: فَانْتَشِرُوا أجمعَ الناسُ على أنَّ مُقْتَضَى هذا الأمْرِ الإباحةُ، وكذلك قوله:

«وابتَغُوا من فضل اللَّه» أنَّه الإبَاحَة في طلب المعاش، مثلَ قوله تعالى: وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا [المائدة: ٢] إلا ما روي عن أنس عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «ذلكَ الفضْلُ المُبْتَغى هو عيادةُ مريضٍ، أو صِلَةُ صديقٍ، أو اتِّباعُ جنازةٍ» ، قال ع «٣» : وفي هذا ينبغي أنْ يكونَ المرءُ بقيةَ يومِ الجمعةِ، ونحوه عن جعفر بن محمد، وقال مكحول: الفضلُ المبْتَغَى: العلمُ فينبغي أن يطلب إثر الجمعة.

وقوله تعالى: وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً ...

الآية، قال معاذ بن جبل: مَا شَيْءٌ أنجى مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ «١» : رواه الترمذيُّ واللفظُ له، وابنُ ماجه، والحاكمُ في «المستدرك» وقال صحيح الإسناد، انتهى من «السلاح» .

وقوله سبحانه: وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً ...

الآية، نزلت بسبب أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كانَ قائِماً على المنبرِ يَخْطُبُ يومَ الجمعةِ، فأقبلت عِيرٌ مِنَ الشَامِ تحملُ مِيرةً، وصاحبُ أمْرِهَا دِحْيَةُ بن خليفةَ الكلبي، قال مجاهد: وكانَ مِن عُرْفِهِمْ أن تَدْخُلَ عِيرُ المدينةِ بالطَّبْلِ والمعازفِ، والصياحِ سروراً بها، فدخلتْ العيرُ بمثلِ ذلكَ، فانْفَضَّ أهْلُ المسجدِ إلى رؤيةِ ذلك وسماعه وتركوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قائماً عَلَى المنبرِ، ولم يَبْقَ معه غَيْر اثنَيْ عَشَرَ رَجُلاً «٢» ، قال جابر بن عبد اللَّه: أنا أحَدُهُم، قال ع «٣» : ولم تَمُرَّ بِي تَسْمِيتُهم في ديوانٍ فيما أذْكُرُ الآنَ، إلا أنِّي سمعتُ أبي- رحمه اللَّه- يقولُ: همُ العشرةُ المشهودُ لهم بالجنةِ، واخْتُلِفَ في الحادِيَ عَشَرَ، فقيل: عمارُ بن ياسر، وقيل: ابن مسعودٍ، ت: وفي تقييد أبي الحسنِ الصغير: والاثْنَا عَشَر الباقون «٤» همُ الصحابةُ العَشَرَةُ، والحادِيَ عَشَرَ: بلالٌ، واخْتُلِفَ في الثاني عشر، فقيل: عمار بن ياسر، وقيل:

ابن مسعود، انتهى، قال السهيلي: وجَاءَتْ تسميةُ الاثْنَي عَشَرَ في حديثِ مُرْسَلٍ رواه أسد بن عمرو والدُ موسى بن أسد، وفيه: أنَّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لَمْ يَبْقَ معه إلا أبو بكرٍ وعُمَرُ وعثمانُ حتى العشرةِ، وقَال: وبلالٌ وابن مسعود، وفي روايةٍ: عمارُ بَدلَ ابنِ مسعودٍ، وفي «مَرَاسِيلِ أبي داودَ» ذكر السببَ الذي من أجله تَرَخَّصُوا، فقال: إن الخطبةَ يوم الجمعةِ كَانَتْ بعدَ الصلاةِ فَتَأَوَّلُوا- رضي اللَّه عنهم- أنهم قَدْ قَضَوْا مَا عَلَيْهِمْ، فَحوِّلَتْ الخطبةُ بعد

ذلك قبلَ الصلاةِ، فهذا الحديثُ وإن كانَ مرسلا فالظن الجميل بأصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم يُوجِبُ أنْ يكونَ صحيحاً، واللَّه أعلم انتهى، وروي أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَال: «لَوْلاَ هؤلاءِ لَقَدْ كَانَتِ الحِجَارَةُ سُوِّمَتْ على المُنَفضِّينَ من السماءِ» ، وفي حديثٍ آخر: «والَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْ تَتَابَعْتُمْ حتى لاَ يبقى أَحَدٌ لسَالَ بِكُمُ الوَادِي نَاراً «١» ، قَالَ البخاريُّ: انْفَضُّوا معناه تَفَرَّقُوا، انتهى، وقرأ ابن مسعود «٢» : «وَمِنَ التِّجَارَةِ لِلَّذِينَ اتقوا وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ» وإنما أعاد الضميرَ في قوله: إِلَيْها على التجارةِ وَحْدَهَا لأنَّهَا أهَمُّ، وهي كَانَتْ سَبَبَ اللَّهوِ، - ص-: وقرىء «٣» «إلَيْهِمَا» بالتثنيةِ.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ ﴾ وهَذا هو النِّداءُ الَّذِي يُنادى بِهِ إذا جَلَسَ الإمامَ عَلى المِنبَرِ، ولَمْ يَكُنْ في عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ نِداءٌ سِواهُ، «كانَ إذا جَلَسَ عَلى المِنبَرِ أذَّنَ بِلالٌ عَلى بابِ المَسْجِدِ، وكَذَلِكَ كانَ عَلى عَهْدِ أبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ، فَلَمّا كَثُرَ النّاسُ عَلى عَهْدِ عُثْمانَ أمَرَ بِالتَّأْذِينِ عَلى دارٍ لَهُ بِالسُّوقِ، يُقالُ لَها: "الزَّوْراءُ" وكانَ إذا جَلَسَ أذَّنَ أيْضًا.» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِلصَّلاةِ ﴾ أيْ: لِوَقْتِ الصَّلاةِ.

وفي "الجُمُعَةِ" ثَلاثُ لُغاتٍ.

ضَمُّ الجِيمِ والمِيمِ، وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ.

وضَمُّ الجِيمِ مَعَ إسْكانِ المِيمِ، وبِها قَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، وأبُو رَجاءٍ، وعِكْرِمَةُ، والزُّهْرِيُّ، وابْنُ أبِي لَيْلى، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، والأعْمَشُ.

وبِضَمِّ الجِيمِ، مَعَ فَتْحِ المِيمِ، وبِها قَرَأ أبُو مِجْلَزٍ، وأبُو العالِيَةِ، والنَّخَعِيُّ، وعَدِيُّ بْنُ الفَضْلِ عَنْ أبِي عَمْرٍو.

قالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ بِتَسْكِينِ المِيمِ، فَهو تَخْفِيفُ الجُمْعَةِ لِثِقَلِ الضَّمَّتَيْنِ.

وأمّا فَتْحُ المِيمِ، فَمَعْناها: الَّذِي يَجْمَعُ النّاسَ، كَما تَقُولُ: رَجُلٌ لُعَنَةٌ: يُكْثِرُ لَعْنَةَ النّاسِ، وضُحَكَةٌ: يُكْثِرُ الضَّحِكَ.

وَفِي تَسْمِيَةِ هَذا اليَوْمِ بِيَوْمِ الجُمْعَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: لِأنَّ فِيهِ جُمِعَ آدَمُ.

رَوى سَلْمانُ قالَ: «قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ  : "أتَدْرِي ما الجُمُعَةُ؟" قُلْتُ: لا.

قالَ: "فِيهِ جُمِعَ أبُوكَ"، يَعْنِي: تَمامُ خَلْقِهِ في يَوْمٍ.» والثّانِي: لِاجْتِماعِ النّاسِ فِيهِ لِلصَّلاةِ.

والثّالِثُ: لِاجْتِماعِ المَخْلُوقاتِ فِيهِ، لِأنَّهُ اليَوْمُ الَّذِي مِنهُ فُرِغَ مِن خَلْقِ الأشْياءِ.

وَفِي أوَّلِ مَن سَمّاها بِالجُمُعَةِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ كَعْبُ بْنُ لُؤَيٍّ سَمّاها بِذَلِكَ، وكانَ يُقالُ لِيَوْمِ الجُمْعَةِ: العَرُوبَةُ، قالَهُ أبُو سَلَمَةَ.

وقِيلَ: إنَّما سَمّاها بِذَلِكَ لِاجْتِماعِ قُرَيْشٍ فِيهِ.

والثّانِي: أوَّلُ مَن سَمّاها بِذَلِكَ الأنْصارُ، قالَهُ ابْنُ سِيرِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ ﴾ وفي هَذا السَّعْيِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ المَشْيُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

وكانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَقْرَؤُها "فامْضُوا" ويَقُولُ: لَوْ قَرَأْتُها "فاسْعَوْا" لَسَعَيْتُ حَتّى يَسْقُطَ رِدائِي.

وقالَ عَطاءٌ: هو الذَّهابُ والمَشْيُ إلى الصَّلاةِ.

والثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالسَّعْيِ: العَمَلُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، والقُرَظِيُّ، والضَّحّاكُ، فَيَكُونُ المَعْنى: فاعْمَلُوا عَلى المُضِيِّ إلى ذِكْرِ اللَّهِ بِالتَّفَرُّغِ لَهُ، والِاشْتِغالِ بِالطَّهارَةِ ونَحْوِها.

والثّالِثُ: أنَّهُ النِّيَّةُ بِالقَلْبِ، قالَهُ الحَسَنُ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو المُبادَرَةُ بِالنِّيَّةِ والجِدِّ.

وَفِي المُرادِ بِـ (ذِكْرِ اللَّهِ ) قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ الصَّلاةُ، قالَهُ الأكْثَرُونَ.

والثّانِي: مَوْعِظَةُ الإمامِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَذَرُوا البَيْعَ ﴾ أيْ: دَعُوا التِّجارَةَ في ذَلِكَ الوَقْتِ.

وعِنْدَنا: أنَّهُ لا يَجُوزُ البَيْعُ في وقْتِ النِّداءِ، ويَقَعُ البَيْعُ باطِلًا في حَقِّ مَن يَلْزَمُهُ فَرْضُ الجُمْعَةِ، وبِهِ قالَ مالِكٌ خِلافًا لِلْأكْثَرِينَ.

* فَصْلٌ تَجِبُ الجُمْعَةُ عَلى مَن سَمِعَ النِّداءَ مِنَ المِصْرِ، إذا كانَ المُؤَذِّنُ صَيِّتًا، والرِّيحُ ساكِنَةً.

وقَدْ حَدَّهُ مالِكٌ بِفَرْسَخٍ، ولَمْ يَحُدَّهُ الشّافِعِيُّ.

وعَنْ أحْمَدَ في التَّحْدِيدِ نَحْوُهُما.

وتَجِبُ الجُمْعَةُ عَلى أهْلِ القُرى.

وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: لا تَجِبُ إلّا عَلى أهْلِ الأمْصارِ.

ويَجُوزُ لِأهْلِ المِصْرِ أنْ يُقِيمُوا الجُمْعَةَ في الصَّحْراءِ القَرِيبَةِ مِنَ المِصْرِ خِلافًا لِلشّافِعِيِّ.

ولا تَنْعَقِدُ الجُمْعَةُ بِأقَلَّ مِن أرْبَعِينَ.

وعَنْ أحْمَدَ: أقَلُّهُ خَمْسُونَ.

وعَنْهُ: أقَلُّهُ ثَلاثَةٌ.

وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: تَنْعَقِدُ بِثَلاثَةٍ والإمامٍ، والعَدَدُ شَرْطٌ في الجُمْعَةِ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ في إحْدى الرِّوايَتَيْنِ: يَصِحُّ أنْ يَخْطُبَ مُنْفَرِدًا.

وهَلْ تَجِبُ الجُمْعَةُ عَلى العَبِيدِ؟

فِيهِ عَنْ أحْمَدَ رِوايَتانِ.

وعِنْدَنا: تَجِبُ عَلى الأعْمى إذا وجَدَ قائِدًا، خِلافًا لِأبِي حَنِيفَةَ.

ولا تَنْعَقِدُ الجُمْعَةُ بِالعَبِيدِ والمُسافِرِينَ، خِلافًا لِأبِي حَنِيفَةَ.

وهَلْ تَجِبُ الجُمْعَةُ والعِيدانِ مِن غَيْرِ إذْنِ سُلْطانٍ؟

فِيهِ عَنْ أحْمَدَ رِوايَتانِ.

وتَجُوزُ الجُمْعَةُ في مَوْضِعَيْنِ في البَلَدِ مَعَ الحاجَةِ.

وقالَ مالِكٌ، والشّافِعِيُّ، وأبُو يُوسُفَ: لا تَجُوزُ إلّا في مَوْضِعٍ واحِدٍ.

وتَجُوزُ إقامَةُ الجُمْعَةِ قَبْلَ الزَّوالِ خِلافًا لِأكْثَرِهِمْ، وإذا وقَعَ العِيدُ يَوْمَ الجُمْعَةِ أجَزَأ حُضُورُهُ عَنْ يَوْمِ الجُمْعَةِ، وبِهِ قالَ الشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِيُّ، خِلافًا لِلْأكْثَرِينَ.

والمُسْتَحَبُّ لِأهْلِ الأعْذارِ أنْ يُصَلُّوا الظُّهْرَ في جَماعَةٍ.

وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: يُكْرَهُ.

ولا يَجُوزُ السَّفَرُ يَوْمَ الجُمْعَةِ بَعْدَ الزَّوالِ.

وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ.

وهَلْ يَجُوزُ السَّفَرُ بَعْدَ طُلُوعِ الفَجْرِ؟

فِيهِ عَنْ أحْمَدَ رِوايَتانِ.

ونُقِلَ عَنْ أحْمَدَ: أنَّهُ لا يَجُوزُ الخُرُوجُ في الجُمْعَةِ إلّا لِلْجِهادِ.

وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ لِكُلِّ سَفَرٍ.

وقالَ الشّافِعِيُّ لا يَجُوزُ أصْلًا.

والخُطْبَةُ شَرْطٌ في الجُمْعَةِ.

وقالَ داوُدُ: هي مُسْتَحَبَّةٌ.

والطَّهارَةُ لا تُشْتَرَطُ في الخُطْبَةِ، خِلافًا لِلشّافِعِيِّ في أحَدِ قَوْلَيْهِ.

والقِيامُ لَيْسَ بِشَرْطٍ في الخُطْبَةِ، خِلافًا لِلشّافِعِيِّ.

ولا تَجِبُ القَعْدَةُ بَيْنَ الخُطْبَتَيْنِ، خِلافًا لَهُ أيْضًا.

وَمِن شَرْطِ الخُطْبَةِ: التَّحْمِيدُ، والصَّلاةُ عَلى النَّبِيِّ  ، وقِراءَةُ آيَةٍ، والمَوْعِظَةُ.

وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ أنْ يَخْطُبَ بِتَسْبِيحَةٍ.

والخُطْبَتانِ واجِبَتانِ.

وأمّا القِراءَةُ في الخُطْبَةِ الثّانِيَةِ، فَهي شَرْطٌ، خِلافًا لِلشّافِعِيِّ.

والسُّنَّةُ لِلْإمامِ إذا صَعِدَ المِنبَرَ، واسْتَقْبَلَ النّاسَ: أنْ يُسَلِّمَ، خِلافًا لِأبِي حَنِيفَةَ، ومالِكٍ.

وهَلْ يَحْرُمُ الكَلامُ في حالِ سَماعِ الخُطْبَةِ؟

فِيهِ عَنْ أحْمَدَ رِوايَتانِ.

ويَحْرُمُ عَلى المُسْتَمِعِ دُونَ الخاطِبِ، خِلافًا لِلْأكْثَرِينَ.

ولا يُكْرَهُ الكَلامُ قَبْلَ الِابْتِداءِ بِالخُطْبَةِ، وبَعْدَ الفَراغِ مِنها، خِلافًا لِأبِي حَنِيفَةَ.

وَيُسْتَحَبُّ لَهُ أنْ يُصَلِّيَ تَحِيَّةَ المَسْجِدِ والإمامُ يَخْطُبُ، خِلافًا لِأبِي حَنِيفَةَ، ومالِكٍ.

وَهَلْ يَجُوزُ أنْ يَخْطُبَ واحِدٌ، ويُصَلِّيَ آخَرُ، فِيهِ عَنْ أحْمَدَ رِوايَتانِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ أيْ: إنْ كانَ لَكم عِلْمٌ بِالأصْلَحِ ﴿ فَإذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ ﴾ أيْ: فَرَغْتُمْ مِنها ﴿ فانْتَشِرُوا في الأرْضِ ﴾ هَذا أمْرُ إباحَةٍ ﴿ وابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ ﴾ إباحَةٌ لِطَلَبِ الرِّزْقِ بِالتِّجارَةِ بَعْدَ المَنعِ مِنها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَذَرُوا البَيْعَ ﴾ وقالَ الحَسَنُ، وابْنُ جُبَيْرٍ: هو طَلَبُ العِلْمِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللهِ وذَرُوا البَيْعَ ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ فَإذا قُضِيَتِ الصَلاةُ فانْتَشِرُوا في الأرْضِ وابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللهِ واذْكُرُوا اللهِ كَثِيرًا لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ ﴾ ﴿ وَإذا رَأوا تِجارَةً أو لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها وتَرَكُوكَ قائِمًا قُلْ ما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ مِنَ اللهْوِ ومِنَ التِجارَةِ واللهُ خَيْرٌ الرازِقِينَ ﴾ النِداءُ بِالجُمْعَةِ هو في ناحِيَةٍ مِنَ المَسْجِدِ، وكانَ عَلى الجِدارِ في مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِ  ، وقالَ السائِبُ بْنُ يَزِيدَ: كانَ لِلنَّبِيِّ  مُؤَذِّنٌ واحِدٌ عَلى بابِ المَسْجِدِ، وفي مُصْحَفِ أبِي داوُدَ: كانَ بَيْنَ يَدَيْهِ وهو عَلى مِنبَرِ أذانٍ، وهو الَّذِي اسْتَعْمَلَ بَنُو أُمِّيَّةَ، وبَقِيَ بِقُرْطُبَةَ إلى الآنَ، ثُمَّ زادَ عُثْمانُ النِداءَ عَلى الزَوْراءِ لِيُسْمِعَ الناسَ، فَقَوْمٌ عَبَّرُوا عن زِيادَةِ عُثْمانَ بِالثانِي كَأنَّهم لَمْ يَعْتَدُّوا الَّذِي كانَ بَيْنَ يَدَيِ النَبِيِّ  ، وقَوْمٌ عَبَّرُوا عنهُ بِالثالِثِ.

وقَرَأ ابْنُ الزُبَيْرِ والأعْمَشُ: "الجُمْعَةُ" بِإسْكانِ المِيمِ، وهي لُغَةٌ.

والمَأْمُورُ بِالسَعْي هو المُؤْمِنُ الصَحِيحُ البالِغُ الحُرُّ الذَكَرُ، ولا جُمْعَةَ عَلى مُسافِرٍ في طاعَةٍ، فَإنْ حَضَرَها أحْسَنَ وأجْزَأتْهُ، واخْتَلَفَ الناسُ في الحَدِّ الَّذِي يَلْزَمُ مِنهُ السَعْيُ، فَقالَ مالِكٌ: ثَلاثَةُ أمْيالٍ مِن مَنزِلِ الساعِي إلى المُنادِي، وقالَ فَرِيقٌ: مِن مَنزِلِ الساعِي إلى أوَّلِ المَدِينَةِ الَّتِي فِيها النِداءُ، وقالَ أصْحابُ الرَأْيِ: يَلْزَمُ أهْلَ المَدِينَةِ كُلِّها السَعْيُ مَن سَمِعَ النِداءَ ومَن لَمْ يَسْمَعْ وإنْ كانَتْ أقْطارُها فَوْقَ ثَلاثَةِ أمْيالٍ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: ولا يَلْزَمُ مِن مَنزِلِهِ خارِجَ المَدِينَةِ كَزُرارَةَ مِنَ الكُوفَةِ، وإنَّما بَيْنُهُما مَجْرى نَهْرٍ، ولا تَجُوزُ لَهم إقامَتُها لِأنَّ مِن شُرُوطِها الجامِعُ والسُلْطانُ القاهِرُ والسُوقُ القائِمَةُ، وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: السَعْيُ مِن خَمْسَةِ أمْيالٍ، وقالَ الزَهْرِيُّ: مِن سِتَّةِ أمْيالٍ، وقالَ أيْضًا: مِن أرْبَعَةِ أمْيالٍ، وقالَهُ ابْنُ المُنْكَدِرِ، وقالَ ابْنُ عُمَرَ، وابْنُ المُسَيِّبِ، وابْنُ حَنْبَلٍ: إنَّما يَلْزَمُ السَعْيُ مَن سَمِعَ النِداءَ، وفي هَذا نَظَرٌ.

والسَعْيُ في الآيَةِ لَيْسَ الإسْراعُ في المَشْيِ كالسَعْيِ بَيْنَ الصَفا والمَرْوَةَ، وإنَّما هو بِمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ وَأنْ لَيْسَ لِلإنْسانِ إلا ما سَعى  ﴾ ، فالقِيامُ والوُضُوءُ ولُبْسُ الثَوْبِ والمَشْيُ سَعْيٌ كُلُّهُ إلى ذِكْرِ اللهِ تَعالى، قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، ومالِكٌ، وغَيْرُهُمْ: إنَّما تُؤْتى الصَلاةُ بِالسَكِينَةِ، فالسَعْيُ هو بِالنِيَّةِ والإرادَةِ والعَمَلِ، و"الذِكْرُ" هو وعْظُ الخُطْبَةِ، قالَهُ ابْنُ المُسَيِّبِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُ النَبِيِّ  : « "إنَّ المَلائِكَةَ عَلى أبْوابِ المَسْجِدِ يَوْمَ الجُمْعَةَ، يَكْتُبُونَ الأوَّلَ فالأوَّلَ، إذا خَرَجَ الإمامُ طُوِيَتِ الصُحُفُ وجَلَسَتِ المَلائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِكْرَ"،» والخُطْبَةُ عِنْدَ جُمْهُورِ العُلَماءِ شَرْطٌ في انْعِقادِ الجُمْعَةِ، وقالَ الحَسَنُ: وهي مُسْتَحَبَّةٌ، وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وعَلِيٌّ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ عُمَرَ، وابْنُ الزُبَيْرِ، وجَماعَةٌ مِنَ التابِعِينَ رِضْوانُ اللهِ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ: "فامْضُوا إلى ذِكْرِ اللهِ"، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَوْ قَرَأْتَ: "فاسْعَوْا" لَأسْرَعْتُ حَتّى يَقَعَ رِدائِي.

واخْتَلَفَ الناسُ فِي: البَيْعِ في الوَقْتِ المَنهِيِّ عنهُ إذا وقَعَ: ما الحُكْمُ فِيهِ؟

بَعْدَ إجْماعِهِمْ عَلى وُجُوبِ امْتِناعِهِ بَدْءًا، فَقالَ الشافِعِيُّ: يَمْضِي، وقالَ مُرَّةُ: يُفْسَخُ ما لَمْ يَفُتْ، فَإنْ فاتَ مَضى.

وقالَ مالِكٌ: يُفْسَخُ ما لَمْ يَفُتْ، فَإنْ فاتَ أصْلَحَ بِالقِيمَةِ، واخْتُلِفَ في وقْتِ التَقْوِيمِ، فَقِيلَ: وقْتُ القَبْضِ، وقِيلَ: وقْتُ الحُكْمِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "ذَلِكُمْ" إشارَةٌ إلى السَعْيِ وتَرْكِ البَيْعِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: "فانْتَشِرُوا" أجْمَعَ الناسُ عَلى أنَّ مُقْتَضى هَذا الأمْرِ الإباحَةُ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللهِ ﴾ أنَّهُ لِلْإباحَةِ في طَلَبِ المَعاشِ، وأنَّ ذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإذا حَلَلْتُمْ فاصْطادُوا  ﴾ ، إلّا ما رُوِيَ عن أنَسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ عَنِ النَبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « "ذَلِكَ الفَضْلُ المُبْتَغى هو عِيادَةُ مَرِيضٍ أو صِلَةُ صَدِيقٍ أوِ اتِّباعُ جَنازَةٍ"».

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ المَرْءُ بَقِيَّةَ يَوْمِ الجُمْعَةَ، ويَكُونُ تَخَيُّرُهُ صُبْحَ يَوْمِ السَبْتَ، قالَهُ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصادِقُ، وقالَ مَكْحُولٌ: الفَضْلُ المُبْتَغى العِلْمُ، فَيَنْبَغِي أنْ يَطْلُبَ إثْرَ الجُمْعَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا رَأوا تِجارَةً أو لَهْوًا ﴾ ، الآيَةُ نَزَلَتْ بِسَبَبِ أنَّ رَسُولَ اللهِ  كانَ قائِمًا عَلى المِنبَرِ يَخْطُبُ يَوْمَ الجُمْعَةِ، فَأقْبَلَتْ عِيرٌ مِنَ الشامِ تَحْمِلُ مِيرَةً، وصاحِبُ أمْرِها دِحْيَةُ بْنُ خَلِيفَةَ الكَلْبِيُّ، قالَ مُجاهِدٌ: وكانَ مِن عُرْفِهِمْ أنَّ تَدْخُلَ العِيرُ المَدِينَةَ بِالطَبْلِ والمَعازِفِ والصِياحُ مِن ورائِها، فَدَخَلَتِ العِيرُ بِمِثْلِ ذَلِكَ، فانْفَضَّ أهْلُ المَسْجِدِ إلى رُؤْيَةِ ذَلِكَ وسَماعِهِ، وتَرَكُوا رَسُولَ اللهِ  قائِمًا عَلى المِنبَرِ، ولَمْ يَبْقَ مَعَهُ غَيْرُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا، قالَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: أنا أحَدُهم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَمْ تَمُرَّ بِي تَسْمِيَتُهم في دِيوانٍ فِيما أذْكُرُهُ، إلّا إنِّي سَمِعْتُ أبِي رَحِمَهُ اللهُ تَعالى يَقُولُ: هُمُ العَشْرَةُ المَشْهُودُ لَهم بِالجَنَّةِ، واخْتُلِفَ في الحادِي عَشَرَ، فَقِيلَ: عَمّارُ بْنُ ياسِرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وقِيلَ: عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في كِتابِ الثَعْلَبِيِّ: بَقِيَ مَعَهُ ثَمانِيَةُ نَفَرٍ، ورُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللهِ  قالَ: « "لَوْلا هَؤُلاءِ لَقَدْ كانَتِ الحِجارَةُ سُوِّمَتْ عَلى المُنْفَضِّينَ مِنَ السَماءِ"»، وفي حَدِيثٍ آخَرَ « "والَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، ولَوْ تَتابَعْتُمْ حَتّى لا يَبْقى مِنكم أحَدٌ لَسالَ عَلَيْكُمُ الوادِي نارًا"،» وقالَ قَتادَةُ: بَلَغَنا أنَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ ثَلاثَ مَرّاتٍ؛ لِأنَّ قُدُومَ العِيرِ كانَ يُوافِقُ يَوْمَ الجُمْعَةَ، بِسَبَبِ أنَّ المَراحِلَ كانَتْ تُعْطِي ذَلِكَ، وقالَ تَعالى: "إلَيْها" ولَمْ يَقُلْ: "إلَيْهِما" تَقْدِيمًا لِلْأهَمِّ، إذْ كانَتْ هي سَبَبُ اللهْوِ ولَمْ يَكُنِ اللهْوُ سَبَبَها، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "وَمِنَ التِجارَةِ لِلَّذِينِ اتَّقَوْا واللهُ خَيْرُ الرازِقِينَ".

وتَأمَّلْ إنْ قُدِّمَتِ التِجارَةُ مَعَ الرُؤْيَةِ لِأنَّها أهَمُّ، وأُخِّرَتْ مَعَ التَفْضِيلِ لِتَقَعَ النَفْسُ أوَّلًا عَلى الأبْيَنِ.

وفِي هَذِهِ الآيَةِ قِيامُ الخَطِيبِ، وأوَّلُ مَنِ اسْتَراحَ في الخُطْبَةِ عُثْمانُ رَضِيَ اللهُ عنهُ:، وأوَّلُ مَن خَطَبَ جالِسًا مُعاوِيَةُ رَضِيَ اللهُ عنهُ.

و"الرازِقُ" صِفَةُ فِعْلٍ، وقَدْ يَتَّصِفُ بِها بَعْضُ البَشَرِ تَجَوُّزًا إذا كانَ سَبَبَ رِزْقِ الحَيَوانِ، واللهُ تَعالى خَيْرُ الرازِقِينَ.

كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ الجُمْعَةِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هذه الآيات هي المقصود من السورة وما قبلها مقدمات وتوطئات لها كما ذكرناه آنفاً.

وقد تقدم ما حكاه «الكشاف» من أن اليهود افتخروا على المسلمين بالسبت فشرع الله للمسلمين الجمعة.

فهذا وجه اتصال هذه الآية بالآيات الأربع التي قبلها فكن لهذه الآية تمهيداً وتوطئة.

اللام في قوله: ﴿ للصلاة ﴾ لام التعليل، أي نادى مناد لأجل الصلاة من يوم الجمعة، فعلم أن النداء هنا هو أذان الصلاة.

والجمعة بضم الجيم وضم الميم في لغة جمهور العرب وهو لغة أهل الحجاز.

وبنُو عُقَيْل بسكون الميم.

والتعريف في ﴿ الصلاة ﴾ تعريف العهد وهي الصلاة المعروفة الخاصة بيوم الجمعة.

وقد ثبتت شرعاً بالتواتر ثم تقررت بهذه الآية فصار دليل وجوبها في الكتاب والسنة المتواترة وإجماع الأمة.

وكانت صلاةُ الجمعة مشروعة من أول أيام الهجرة.

رُوي عن ابن سيرين أن الأنصار جمَّعوا الجمعة قبل أن يقدمَ النبي صلى الله عليه وسلم المدينة قالوا: إن لليهود يوماً يجتمعون فيه وللنصارى يوم مثل ذلك فتعالَوا فلنجتمع حتى نجعل يوماً لنا نذكر الله ونصلي فيه.

وقالوا: إن لليهود السبت وللنصارى الأحد فاجعلوه يوم العَروبة.

فاجتمعَوا إلى أسعدَ بننِ زُرَارةَ فصلى بهم يومئذٍ ركعتين وذكَّرهم.

وروى البيهقي عن الزهري أن مُصْعَب بن عُمير كان أول من جَمَّع الجمعة بالمدينة قبل أن يقدمها رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتعين أن يكون ذلك قد عَلم به النبي صلى الله عليه وسلم ولعلهم بلغهم عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثُ فضل يوم الجمعة وأنه يوم المسلمين.

فمشروعية صلاة الجمعة والتجميع فيه إجابة من الله تعالى رغبة المسلمين مثل إجابته رغبة النبي صلى الله عليه وسلم استقبال الكعبة المذكورة في قوله تعالى: ﴿ قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فولّ وجهك شطر المسجد الحرام ﴾ [البقرة: 144].

وأما أول جمعة جمَّعها النبي صلى الله عليه وسلم فقال أهل السِيرَ: كانت في اليوم الخامس للهجرة لأن رسول الله قدم المدينة يومَ الاثنين لاثنتيْ عشرةَ ليلةً خلتْ من ربيع الأول فأقام بِقُبَاء ثم خرج يوم الجمعة إلى المدينة فأدركه وقتُ الجُمعة في بطن واد لبني سَالم بننِ عوف كان لهم فيه مسجد، فجمَّع بهم في ذلك المسجد، وخطب فيه أول خطبة خطبها بالمدينة وهي طويلة ذكر نصها القرطبي في «تفسيره».

وقولهم: «فأدركه وقت الجمعة»، يدل على أن صلاة الجمعة كانت مشروعة يومئذٍ وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان عازماً أن يصليها بالمدينة فضاق عليه الوقت فأداها في مسجد بني سالم، ثم صلّى الجمعة القابلة في مسجده بالمدينة وكانت جمعة المسجد النبوي بالمدينة الثانيةَ بالأخبار الصحيحة.

وأول جُمعة جُمِّعت في مسجد من مساجد بلاد الإِسلام بعدَ المدينة كانت في مسجد جُؤَاثاء من بلاد البحرين وهي مدينة الخَطّ قرية لعبد القيس.

ولما ارتدت العرب بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ثبت أهل جُؤَاثاء على الإِسلام.

وتقرر أن يوم الجمعة اليوم السابع من أيام الأسبوع في الإِسلام وهو الذي كان يسمّى في الجاهلية عَروبَة.

قال بعض الأيمة: ولا تدخل عليه اللام.

قال السهيلي: معنى العَروبة الراحة فيما بلغني عن بعض أهل العلم اه.

قلت وذلك مروي عن ثعلب، وهو قبل يوم السبت وقد كان يوم السبت عيدَ الأسبوع عند اليهود وهو آخر أيام الأسبوع.

وقد فرضت عليهم الراحة فيه عن الشغل بنص التوراة فكانوا يبتدئون عدد أيام الأسبوع من يوم الأحد وهو الموالي للسبت وتبعهم العرب في ذلك لأسباب غير معروفة ولذلك سمّى العرب القدماءُ يوم الأحد أولَ.

فأيام الأسبوع عند العرب في القديم هي: أوَّلُ، أَهونُ جُبَار، (كغُراب وكِتاب)، دُبار (كذلك)، مُؤيِس (مهموزاً)، عَروبة، شِيار (بشين معجمة مكسورة بعدها تحتية مخففة).

ثم أحدثوا أسماءَ لهذه الأيام هي: الأحد، الإثنين، الثُّلاثاء بفتح المثلثة الأولى وبضمها، الإِرْبِعاء بكسر الهمزة وكسر الموحدة، الخميس، عَروبة أو الجمعة في قول بعضهم السَّبْت.

وأصل السبت: القطع، سمي سبتاً عند الإِسرائيليين لأنهم يقطعون فيه العمل، وشاع ذلك الاسم عند العرب.

وسمّوا الأيام الأربعة بعدهُ بأسماء مشتقة عن أسماء العدد على ترتيبها وليس في التوراة ذكر أسماء للأيام.

وفي سفر التكوين منها «ذُكرت أيامُ بدء الخلق بأعدادها أولُ وثانٍ» الخ، وأن الله لم يخلق شيئاً في اليوم الذي بعد اليوم السادس.

وسمتْه التوراة سَبْتاً، قال السهيلي: قيل أول من سَمى يوم عَروبة الجمعةَ كَعبُ بن لُؤَي جدُّ أبي قُصي.

وكان قريش يجتمعون فيه إلى كعب قال: وفي قول بعضهم.

لم يسم يوم عروبة يوم الجمعة إلا مذ جاء الإِسلام.

جعل الله يوم الجمعة للمسلمين عيدَ الأُسبوع فشرع لهم اجتماع أهل البلد في المسجد وسماعَ الخطبة ليعلَّموا ما يهمهم في إقامة شؤون دينهم وإصلاحهم.

قال القفّال: ما جعل الله الناس أشرف العالم السفلي لم يُخْففِ عظم المنة وجلالة قدر موهبتِه لهم فأمرهم بالشكر على هذه الكرامة في يوم من الأيام السبعة ليكون في اجتماعهم في ذلك اليوم تنبيه على عظم ما أنعم الله به عليهم.

ولكل أهل ملةٍ معروفة يومٌ من الأسبوع معظم، فلليهود يوم السبت وللنصارى الأحد وللمسلمين يوم الجمعة.

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم " نحن الآخِرون "، أي آخر الدنيا السابقون يوم القيامة (يوم القيامة يتعلق ب«السابقون»).

بيدَ أنهم (أي اليهود والنصارى) أوتوا الكتاب من قبلنا ثم كان هذا اليومَ الذي اختلفوا فيه فهدَانَا الله إليه، فالناس لنا فيه تبع اليهود غداً والنصارى بعد غد.

ولما جُعل يوم الجمعة يوم شكر وتعظيم نعمة احتيج فيه إلى الاجتماع الذي تقع به شهرته فجُمِّعت الجماعات لذلك، واحتيج فيه إلى الخطبة تذكيراً بالنعمة وحثّاً على استدامتها.

ولما كان مدار التعظيم إنما هو على الصلاة جعلت الصلاة لهذا اليوم وسط النهار ليتم الاجتماع ولم تُجْز هذه الصلاة إلا في مسجد واحد ليكون أدعى الاجتماع اه.

كلام القفال.

وقول النبي صلى الله عليه وسلم «والنصارى بعد غد»، إشارة إلى ما عمله النصارى بعد المسيح وبعدَ الحواريين من تعويض يوم السبت بيوم الأحد لأنهم زعموا أن يومَ الأحد فيه قام عيسى من قبره.

فعوضوا الأحد عن يوم السبت بأمر من قُسطنطين سلطاننِ الروم في سنة 321 المسيحي.

وصار دِيناً لهم بأمر أحبارهم.

وصلاة الجمعة هي صلاة ظُهرِ يوم الجمعة، وليست صلاةً زائدة على الصلوات الخمس فأُسقط من صلاة الظهر ركعتان لأجْل الخطبتين.

روي عن عمر بن الخطاب أنه قال: وإنما قُصِّرت الجمعة لأجل الخطبة.

وأحسب أن ذلك تخفيف على الناس إذ وجبت عليهم خطبتان مع الصلاة فكانت كل خطبة بمنزلة ركعةٍ وهذا سبب الجلوس بين الخطبتين للإِيماء إلى أنهما قائمتان مقام الركعتين ولذلك كان الجلوس خفيفاً.

غير أن الخطبتين لم تعطيَا أحكام الركعتين فلا يضر فوات إحداهما أو فواتهما معاً ولا يجب على المسبوق تعويضهما ولا سجودٌ لنقصهما عند جمهور فقهاء الأمصار، روي عن عطاء ومجاهد وطاووس: أن من فاتته الخطبة يوم الجمعة صلى أربعاً صلاة الظهر.

وعن عطاء: أن من أدرك ركعة من صلاة الجمعة أضاف إليها ثلاث ركعات وهو أراد إن فاتته الخطبة وركعة من صلاة الجمعة.

وجعلت القراءة في الصلاة جهراً مع أن شأن صلوات النهار إسرار القراءة لفائدة إسماع الناس سُوراً من القرآن كما أسمِعوا الخطبة فكانت صلاةَ إرشاد لأهل البلد في يوم من كل أسبوع.

والإِجماع على أن صلاة الجمعة قائمة مقام صلاة الظهر في يوم الجمعة فمن صلاها لا يصلي معها ظهراً فأما من لم يصلِها لعذر أو لغيره فيجب عليه أن يصلي الظهر.

ورأيت في الجامع الأموي في دمشق قَام إمام يصلي بجماعة ظُهراً بعد الفراغ من صلاة الجمعة وذلك بدعة.

وإنما اختلف الأيمة في أصل الفرض في وقت الظهر يوم الجمعة فقال مالك والشافعي في آخر قوليه وأحمد وزُفَر من أصحاب أبي حنيفة: صلاة الجمعة المعروفة فرضُ وقت الزوال في يوم الجمعة وصلاة الظهر في ذلك اليوم لا تكون إلا بَدلاً عن صلاة الجمعة، أي لمن لم يصل الجمعة لعذر ونحوه.

وقال أبو حنيفة والشافعي في أول قوليه (المرجوع عنه) وأبو يوسف ومحمدٌ في رواية: الفرضُ بالأصل هو الظهر وصلاة الجمعة بَدل عن الظهر، وهو الذي صححه فقهاء الحنفية.

وقال محمد في رواية عنه: الفرض إحدى الصلاتين من غير تعيين والتعيينُ للمكلف فأشبه الواجبَ المخير (لأن الواجب المخير لا يأثم فيه فاعل أحد الأمرين وتارك الجمعة بدون عذر آثم).

قالوا: تظهر فائدة الخلاف في حُرَ مقيم صلّى الظهر في أول الوقت؛ فقال أبو حنيفة وأصحابه: له صلاة الظهر مطلقاً حتى لو خرج بعد أن صلّى الظهرَ أو لم يخرج لم يبطل فرضُه، لكن عند أبي حنيفة يبطل ظُهره بمجرد السعي مطلقاً وعند صاحبيه لا يبطل ظُهره إلا إذا أدرك الجمعة.

وقال مالك والشافعي: لا يجوز أن يصلّي الظهر يوم الجمعة سواء أدرك الجمعةَ أم لا، خرج إليها أم لا (يعني فإن أدرك الجمعة فالأمرُ ظاهر وإن لم يدركها وجب عليه أن يصلي ظهراً آخر).

والنداء للصلاة: الأذان المعروف وهو أذان الظهر ورد في «الصحيح» عن السائب بن يزيد قال: كان النداء يوم الجمعة إذا جلس الإِمام على المنبر على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعُمر.

قال السائب بن يزيد: فلما كان عثمان وكثُر الناس بالمدينة زاد أذاناً على الزوراء (الزوراء موضع بسوق المدينة).

وربما وصف في بعض الرّوايات بالأذان الثاني.

ومعنى كونه ثانياً أنه أذانٌ مكرِّر للأذان الأصلي فهو ثان في المشروعية ولا يريد أنه يؤذن به بعد الفراغ من الأذان الذي يؤذن به وقت جلوس الإِمام على المنبر، أي يؤذن به في باب المسجد، إذْ لم يكن للناس يومئذٍ صومعة، وربما وقع في بعض الروايات وصفه بالنداء الثالث وإنما يُعنَى بذلك أنه ثالث بضميمه الأذان الأول.

ولا يراد أن الناس يؤذنون أذانين في المسجد وإنما زاده عثمان ليُسمعَ النداءُ من في أطراف المدينة، وربما سموه الأذان الأول.

والذي يظهر من تحقيق الروايات أن هذا الأذان الثاني يؤذّن به عقب الأذان الأول، لأن المقصود حضور الناس للصلاة في وقت واحد ووقع في بعض عبارات الروايات والرواة أنه كان يؤذن بأذان الزوراء أولاً ثم يخرج الإِمام فيؤذن بالأذان بَين يديه.

قال ابن العربي في «العارضة»: «لما كثر الناس في زمن عثمان زاد النداءَ على الزوراء ليشعر الناس بالوقت فيأخذوا بالإِقبال إلى الجمعة ثم يخرج عثمان فإذا جلس على المنبر أُذِّن الثاني الذي كان أولاً على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يخطب.

ثم يؤذَّن الثالث يعني به الإِقامة» اه.

وقال في «الأحكام»: «وسمّاه في الحديث (أي حديثثِ السائب بن يزيد) ثالثاً لأنه أضافه إلى الإِقامة فجعله ثالثَ الإِقامة، (أي لأنه أحدث بعد أن كانت الإِقامة مشروعة وسمّى الإِقامة أذاناً مشاكلة أو لأنها إيذان بالدخول في الصلاة) كما قال النبي صلى الله عليه وسلم " بينَ كل أذانَيْن صلاةٌ لمن شاء " يعني بين الأذان والإِقامة، فتوهم الناس أنه أذانٌ أصْليّ فجعلوا الأذانات ثلاثة فكان وهَماً.

ثم جمعوهم في وقت واحد فكان وهَماً على وهَم اه.

فتوهم كثير من أهل الأمصار أن الأذان لصلاة الجمعة ثلاث مرات لهذا تراهم يؤذنون في جوامع تونس ثلاثة أذانات وهو بدعة.

قال ابن العربي في «العارضة»: فأما بالمَغْرب (أي بلاد المغرب) فيؤذن ثلاثة من المؤذنين لجهل المفتين قال في «الرسالة»: «وهذا الأذان الثاني أحدثه بنو أمية» فوصفه بالثاني وهو التحقيق، ولكنه نسبه إلى بني أمية لعدم ثبوت أن الذي زاده عثمان، ورواه البخاري وأهل السنن عن السائب بن يزيد ولم يروه مسلم ولا مالك في «الموطأ».

والسبب في نسبته إلى بني أمية: أن علي بن أبي طالب لما كان بالكوفة لم يُؤذّن للجمعة إلا أذاناً واحداً كما كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وألغى الأذان الذي جعله عثمان بالمدينة.

فلعل الذي أرجع الأذان الثاني بعضُ خلفاء بني أمية قال مالك في «المجموعة»: إن هشام بن عبد الملك أحدث أذاناً ثانياً بين يَدَيه في المسجد.

واعلم أن النداء الذي نيط به الأمر بالسعي في هذه الآية هو النداء الأول، وما كان النداء الثاني إلا تبليغاً للأذان لمن كان بعيداً فيجب على من سمعه السعي إلى الجمعة للعلم بأنه قد نُودي للجمعة.

والسعي: أصله الاشتداد في المشي.

وأطلق هنا على المشي بحرص وتوقي التأخر مجازاً.

و ﴿ ذِكر الله ﴾ فُسر بالصلاة وفُسر بالخطبة، بهذا فسره سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير.

قال أبو بكر بن العربي «والصحيح أنه الجميع أوله الخطبة».

قلت: وإيثار ﴿ ذكر الله ﴾ هنا دون أن يقول: إلى الصلاة، كما قال: ﴿ فإذا قضيت الصلاة ﴾ لتتأتى إرادة الأمرين الخطبة والصلاة.

وفيه دليل على وجوب الخطبة في صلاة الجمعة وشرطيته على الجملة.

وتفصيل أحكام التخلف عن الخطبة ليست مساوية للتخلف عن الصلاة إلاّ في أصل حرمة التخلف عن حضور الخطبة بغير عذر.

وفي حديث «الموطأ» «فإذا خرج الإِمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر» ولا شك أن الإِمام إذا خرج ابتدأ بالخطبة فكانت الخطبة من الذكر وفي ذلك تفسير للفظ الذكر في هذه الآية.

وإنما نهوا عن البيع لأنه الذي يشغلهم ولأن سبب نزول الآية كان لترك فريق منهم الجمعة إقبالاً على عِير تجارة وردت كما سيأتي في قوله تعالى: ﴿ وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها ﴾ [الجمعة: 11].

ومثل البيع كل ما يشغل عن السعي إلى الجمعة، وبعد كون البيع وما قيس عليه منهياً عنه فقد اختُلف في فسخ العقود التي انعقدت وقت الجمعة.

وهو مبني على الخلاف في اقتضاء النهي فساد المنهي عنه، ومذهب مالك أن النهي يقتضي الفساد إلا لِدليل.

وقول مالك في «المدونة»: إن البيع الواقع في وقت صلاة الجمعة بين من تجب عليهم الجمعة يفسخ.

وقال الشافعي: لا يفسخ.

وجعله كالصلاة في الأرض المغصوبة وهو قول أبي حنيفة أيضاً.

وأما النكاح المعقود في وقت الجمعة: ففي «العتيبة» عن ابن القاسم: لا يفسخ.

ولعله اقتصر على ما ورد النهي عنه في القرآن ولم ير القياس موجباً لفسخ المقيس.

وكذلك قال أيمة المالكية: لا تفسخ الشركة والهبة والصدقة الواقعة في وقت الجمعة وعللوا ذلك بندرة وقوع أمثالها بخلاف البيع.

وخطاب الآية جميعَ المؤمنين فدل على أن الجمعة واجبة على الأعيان.

وشذ قوم قالوا: إنها واجبة على الكفاية قال ابن الفرس: ونسب إلى بعض الشافعية وخطاب القرآن الذين آمنوا عام خصصته السنة بعدم وجوب الجمعة على النساء والعبيد والمسافر إذا حل بقرية الجمعة ومن لا يستطيع السعي إليها.

و ﴿ مِن ﴾ في قوله: ﴿ من يوم الجمعة ﴾ تبعيضية فإن يوم الجمعة زمان تقع فيه أعمال منها الصلاة المعهودة فيه، فنزّل ما يقع في الزمان بمنزلة أجزاء الشيء.

ويجوز كون ﴿ مِن ﴾ للظرفية مثل التي في قوله تعالى: ﴿ أروني ماذا خلقوا من الأرض ﴾ [فاطر: 40]، أي فيها من المخلوقات الأرضية.

والإِشارة ب ﴿ ذلكم ﴾ إلى المذكور، أي ما ذُكر من أمر بالسعي إليها، وأمر بترك البيع حينئذٍ، أي ذلك خير لكم مما يحصل لكم من البيوعات.

فلفظ ﴿ خير ﴾ اسم تفضيل أصله: أخير، حذفت همزته لكثرة الاستعمال.

والمفضل عليه محذوف لدلالة الكلام عليه.

والمفضل: الصلاة، أي ثوابها.

والمفضل عليه: منافع البيع للبائع والمشتري.

وإنما أعقب بقوله تعالى: ﴿ فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله ﴾ تنبيهاً على أن لهم سعة من النهار يجعلونها للبيع ونحوه من ابتغاء أسباب المعاش فلا يأخذوا ذلك من وقت الصلاة، وذكر الله.

والأمر في ﴿ فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله ﴾ للإباحة.

والمراد ب ﴿ فضل الله ﴾ : اكتساب المال والرزق.

وأما قوله: ﴿ واذكروا الله كثيراً ﴾ فهو احتراس من الانصباب في أشغال الدنيا انصباباً ينسي ذكر الله، أو يشغل عن الصلوات فإن الفلاح في الإِقبال على مرضاة الله تعالى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ ﴾ في السَّعْيِ إلَيْها أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: النِّيَّةُ بِالقُلُوبِ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّانِي: أنَّهُ العَمَلُ لَها، كَما قالَ تَعالى: ﴿ إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى ﴾ قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّالِثُ: أنَّهُ إجابَةُ الدّاعِي، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الرّابِعُ: المَشْيُ عَلى القَدَمِ مِن غَيْرِ إسْراعٍ، وذُكِرَ أنَّ عُمَرَ وابْنَ مَسْعُودٍ كانا يَقْرَآنِ فامْضُوا إلى ذِكْرِ اللَّهِ وفي ذِكْرِ اللَّهِ ها هُنا ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها مَوْعِظَةُ الإمامِ في الخُطْبَةِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ.

الثّانِي: أنَّها الوَقْتُ، حَكاهُ السُّدِّيُّ.

الثّالِثُ: أنَّهُ الصَّلاةُ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.

وَكانَ اسْمُ يَوْمِ الجُمُعَةِ في الجاهِلِيَّةِ العُرُوبَةَ، لِأنَّ أسْماءَ الأيّامِ في الجاهِلِيَّةِ كانَتْ غَيْرَ هَذِهِ الأسْماءِ، فَكانُوا يُسَمُّونَ يَوْمَ الأحَدِ أوَّلُ، والِاثْنَيْنَ أهْوَنُ، والثُّلاثاءَ جُبارٌ، والأرْبِعاءَ دَبارٌ، والخَمِيسَ مُؤْنِسٌ، والجُمُعَةَ عُرُوبَةُ، والسَّبْتَ شِيارٌ، وأنْشَدَنِي بَعْضُ أهْلِ الأدَبِ أُؤَمِّلُ أنْ أعِيشَ وإنَّ يَوْمِي بِأوَّلَ أوْ أهْوَنَ أوْ جُبارَ ∗∗∗ أوِ التّالِي دَبارٍ أوْ فَيَوْمِي ∗∗∗ بِمُؤْنِسٍ أوْ عُرُوبَةَ أوْ شِيارِ وَأوَّلُ مَن سَمّاهُ يَوْمَ الجُمُعَةِ كَعْبُ بْنُ لُؤَيِّ بْنِ غالِبٍ لِاجْتِماعِ قُرَيْشٍ فِيهِ إلى كَعْبٍ، وقِيلَ بَلْ سُمِّيَ في الإسْلامِ لِاجْتِماعِ النّاسِ فِيهِ لِلصَّلاةِ.

﴿ وَذَرُوا البَيْعَ ﴾ مَنَعَ اللَّهُ مِنهُ عِنْدَ صَلاةِ الجُمُعَةِ وحَرَّمَهُ في وقْتِها عَلى ما كانَ مَخاطَبًا بِفَرْضِها.

وَفي وقْتِ التَّحْرِيمِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ بَعْدَ الزَّوالِ [إلى ما] بَعْدَ الفَراغِ مِنها، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّانِي: مِن وقْتِ أذانَ الخُطْبَةِ إلى الفَراغِ مِنَ الصَّلاةِ، قالَهُ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فَأمّا الأذانُ الأوَّلُ فَمُحْدَثٌ، فَعَلَهُ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ لِيَتَأهَّبَ النّاسُ بِهِ لِحُضُورِ الخُطْبَةِ عِنْدَ اتِّساعِ المَدِينَةِ وكَثْرَةِ أهْلِها، وقَدْ كانَ عُمَرُ أمَرَ أنْ يُؤَذَّنَ في السُّوقِ قَبْلَ المَسْجِدِ لِيَقُومَ النّاسُ عَنْ بَيُوعِهِمْ، فَإذا اجْتَمَعُوا أُذِّنَ في المَسْجِدِ، فَجَعَلَهُ [عُثْمانُ] أذانَيْنِ في المَسْجِدِ، ولَيْسَ يَحْرُمُ البَيْعُ بَعْدَهُ وقَبْلَ الخُطْبَةِ، فَإنْ عُقِدَ في هَذا الوَقْتِ المُحَرَّمِ بَيْعٌ لَمْ يَبْطُلِ البَيْعُ وإنْ كانَ قَدْ عَصى اللَّهَ، لِأنَّ النَّهْيَ مُخْتَصٌّ بِسَبَبٍ يَعُودُ إلى العاقِدَيْنِ دُونَ العَقْدِ، وأبْطَلَهُ ابْنُ حَنْبَلٍ تَمَسُّكًا بِظاهِرِ النَّهْيِ.

﴿ ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ يَعْنِي أنَّ الصَّلاةَ خَيْرٌ لَكم مِنَ البَيْعِ والشِّراءِ لِأنَّ الصَّلاةَ تَفُوتُ بِخُرُوجِ وقْتِها، والبَيْعَ لا يَفُوتُ.

﴿ فَإذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ ﴾ يَعْنِي أُدِّيَتْ.

﴿ فانْتَشِرُوا في الأرْضِ ﴾ حُكِيَ عَنْ عِراكِ بْنِ مالِكٍ أنَّهُ كانَ إذا صَلّى الجُمُعَةَ انْصَرَفَ فَوَقَفَ عَلى بابِ المَسْجِدِ فَقالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أجَبْتُ دَعْوَتَكَ وصَلَّيْتُ فَرَضِيتُكَ وانْتَشَرْتُ كَما أمَرَتْنِي فارْزُقْنِي مِن فَضْلِكَ وأنْتَ خَيْرُ الرّازِقِينَ.

﴿ وابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: الرِّزْقُ مِنَ البَيْعِ والشِّراءِ، قالَهُ مُقاتِلٌ والضَّحّاكُ.

الثّانِي: العَمَلُ في يَوْمِ السَّبْتِ، قالَهُ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ.

الثّالِثُ: ما رَواهُ أبُو خَلَفٍ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : « (فَإذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فانْتَشَرُوا في الأرْضِ وابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ، قالَ: لَيْسَ بِطَلَبِ الدُّنْيا لَكِنْ مِن عِيادَةِ مَرِيضٍ وحُضُورِ جِنازَةٍ وزِيارَةِ أخٍ في اللَّهِ.

» <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ إن زعمتم أنكم أولياء لله ﴾ قالوا: نحن أبناء الله واحباؤه، وفي قوله: ﴿ ولا يتمنونه أبداً، بما قدمت أيديهم ﴾ قال: عرفوا أن محمداً نبي الله فكتموه، وقالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة ﴿ ولا يتمنونه أبداً بما قدمت أيديهم ﴾ قال: إن سوء العمل يكره الموت شديداً.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن معمر قال: تلا قتادة ﴿ ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة ﴾ قال: إن الله أذل ابن آدم بالموت لا أعلمه إلا رفعه.

قوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة ﴾ الآية.

أخرج سعيد بن منصور وابن مردويه «عن أبي هريرة قال: قلت يا نبي الله لأي شيء سمي يوم الجمعة؟

قال: لأن فيها جمعت طينة أبيكم آدم، وفيها الصعقة والبعثة، وفي آخر ثلاث ساعات منها ساعة من دعا فيها بدعوة استجاب له» .

وأخرج سعيد بن منصور وأحمد والنسائي وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن سلمان قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:أتدري ما يوم الجمعة؟

قال: الله ورسوله أعلم.

قالها ثلاث مرات، ثم قال في الثالثة: هو اليوم الذي جمع فيه أبوكم آدم أفلا أحدثكم عن يوم الجمعة لا يتطهر رجل فيحسن طهوره، ويلبس أحسن ثيابه، ويصيب من طيب أهله، إن كان لهم طيب، وإلا فالماء ثم يأتي المسجد فيجلس وينصت حتى يقضي الإِمام صلاته إلا كانت كفارة ما بين الجمعة ما اجتنيت الكبائر، وذلك الدهر كله» .

وأخرج مسلم والترمذي وابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها، ولا تقوم الساعة إلا يوم الجمعة» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وابن ماجة وأبو الشيخ في العظمة وابن مردويه عن أبي لبابة بن عبد المنذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يوم الجمعة سيد الأيام وأعظمها عند الله، وأعظم عند الله من يوم الفطر ويوم الأضحى، وفيه خمس خصال: خلق الله فيه آدم، وأهبط فيه إلى الأرض، وفيه توفي الله آدم، وفيه ساعة لا يسأل العبد فيها شيئاً إلا أعطاه الله ما لم يسأل حراماً، وفيه تقوم الساعة، ما من ملك ولا أرض ولا سماء ولا رياح ولا جبال ولا بحر إلا وهن يشفقن من يوم الجمعة أن تقوم فيه الساعة» .

وأخرج أحمد وابن مردويه عن سعد بن عبادة «أن رجلاً من الأنصار أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أخبرنا عن يوم الجمعة ماذا فيه من الخير؟

قال: فيه خمس خصال: فيه خلق آدم، وفيه أهبط آدم، وفيه توفى الله آدم، وفيه ساعة لا يسأل الله شيئاً إلا آتاه إياه ما لم يسأل مأثماً أو قطيعة رحم، وفيه تقوم الساعة، ما من ملك مقرب ولا سماء ولا أرض ولا جبل ولا ريح إلا يشفقن من يوم الجمعة» .

وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن أبي هريرة قال: سمعت أبا القاسم صلى الله عليه وسلم يقول: «في سبعة أيام يوم اختاره الله على الأيام كلها يوم الجمعة، فيه خلق الله السموات والأرض، وفيه قضى الله خلقهن، وفيه خلق الله الجنة والنار، وفيه خلق آدم، وفيه أهبطه من الجنة وتاب عليه، وفيه تقوم الساعة ليس شيء من خلق إلا وهو يفزع من ذلك اليوم شفقة أن تقوم الساعة إلا الجن والانس» .

وأخرج ابن مردويه عن كعب الأحبار قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يبعث الأيام يوم القيامة على هيئاتها، ويبعث الجمعة زهراء منيرة لأهلها يحفون بها كالعروس يهدي إلى كريمها تضيء لهم يمشون في ضوئها، ألوانها كالثلج بياضهم، رياحهم تسطع كالمسك، يخوضون في جبال الكافور، ينظر إليهم الثقلان ما يطرفون تعجباً حتى يدخلوا الجنة، لا يخالطهم أحد إلا المؤذنون المحتسبون» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن المسيب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سيد الأيام يوم الجمعة» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة والدارمي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم عن أوس بن أوس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه خلق آدم وفيه النفخة وفيه الصعقة» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن كعب قال: لم تطلع الشمس في يوم هو أعظم من يوم الجمعة إنها إذا طلعت فزع لها كل شيء إلا الثقلان اللذان عليهما الحساب والعذاب.

وأخرج ابن أبي شيبة عن كعب قال: إن يوم الجمعة لتفزع له الخلائق إلا الجن والإِنس وأنه ليضاعف فيه الحسنة والسيئة، وإنه ليوم القيامة.

وأخرج ابن أبي شيبة عن كعب قال: الحسنة تضاعف يوم الجمعة.

وأخرج الخطيب في تاريخه عن ابن عمر قال: «نزل جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وفي يده شبه مرآة فيها نكتة سوداء، فقال يا جبريل: ما هذه؟

قال: هذه الجمعة» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتاني جبريل وفي يده كالمرآة البيضاء فيها كالنكتة السوداء، فقلت يا جبريل: ما هذه؟

قال: هذه الجمعة، قلت: وما الجمعة؟

قال: لكم فيها خير، قلت: وما لنا فيها؟

قال: تكون عيداً لك ولقومك من بعدك، وتكون اليهود والنصارى تبعاً لك.

قلت: وما لنا فيها؟

قال: لكم فيها ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله فيها شيئاً من الدنيا والآخرة هو لكم قسم إلا أعطاه إياه، وليس له قسم إلا ادخر له عنده ما هو أفضل منه، أو يتعوّذ به من شر هو عليه مكتوب إلا صرف عنه من البلاء ما هو أعظم منه، قلت له: وما هذه النكتة فيها؟

قال: هي الساعة، وهي تقوم يوم الجمعة، وهو عندنا سيد الأيام، ونحن ندعوه يوم القيامة، يوم المزيد، قلت: مم ذاك؟

قال: لأن ربك اتخذ في الجنة وادياً من مسك أبيض، فإذا كان يوم القيامة هبط من عليين على كرسيه، ثم حف الكرسي بمنابر من ذهب مكللة بالجوهر، ثم يجيء النبيون حتى يجلسوا عليها، وينزل أهل الغرف حتى يجلسوا على ذلك الكثيب، ثم يتجلى لهم ربهم تبارك وتعالى ثم يقول: سلوني أعطكم، فيسألونه الرضا فيقول: رضاي أحلكم داري وأنا لكم كريم، متى تسألوني أعطكم، فيسألونه الرضا فيشهدهم أني قد رضيت عنهم، فيفتح لهم ما لم تر عين ولم تسمع أذن ولم يخطر على قلب بشر، وذلكم مقدار انصرافكم من يوم الجمعة، ثم يرتفع ويرتفع معه النبيون والصديقون والشهداء، ويرجع أهل الغرف إلى غرفهم، وهي درة بيضاء ليس فيها وصم ولا فصم، أو درة حمراء، أو زبرجدة خضراء فيها غرفها وأبوابها مطروزة، وفيها أنهارها وثمارها متدلية، قال: فليسوا إلى شيء أحوج منهم إلى يوم الجمعة ليزدادوا إلى ربهم نظراً، وليزدادوا منه كرامة» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن في الجمعة لساعة ما دعا الله فيها عبد مسلم بشيء إلا استجاب له» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن كثير بن عبد الله المزني عن أبيه عن جده سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «في الجمعة ساعة من النهار لا يسأل العبد فيها شيئاً إلا أعطي سؤله، قيل: أي ساعة هي؟

قال: هي أن تقام الصلاة إلى الانصراف فيها» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن عائشة رضي الله عنها قالت: إن يوم الجمعة مثل يوم عرفة، تفتح فيه أبواب الرحمة، وفيه ساعة لا يسأل الله العبد شيئاً إلا أعطاه، قيل وأي ساعة؟

قال: إذا أذن المؤذن لصلاة الغداة.

وأخرج ابن أبي شيبة من وجه آخر عن عائشة رضي الله عنها قالت: إن يوم الجمعة مثل يوم عرفة، وإن فيه لساعة تفتح أبواب الرحمة، فقيل: أي ساعة؟

قالت: حين ينادي بالصلاة.

وأخرج ابن أبي شيبة من طريق عطاء عن ابن عباس وأبي هريرة رضي الله عنهم قالا: الساعة التي تذكر في الجمعة، قال: فقلت: هي الساعة اختار الله لها أوفى فيها الصلاة، قال: فمسح رأسي وبرك عليّ وأعجبه ما قلت.

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي أمامة قال: إني لأرجو أن تكون الساعة التي في الجمعة إحدى هذه الساعات إذا أذن المؤذن أو جلس الإِمام على المنبر، أو عند الإِقامة.

وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن رضي الله عنه قال: هي عند زوال الشمس.

وأخرج ابن أبي شيبة عن الشعبي قال: هي ما بين أن يحرم البيع إلى أن يحل.

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي بردة قال: إن الساعة التي يستجاب فيها الدعاء يوم الجمعة حين يقوم الإِمام في الصلاة حتى ينصرف منها.

وأخرج ابن أبي شيبة عن عوف بن حصيرة في الساعة التي ترجى في الجمعة ما بين خروج الإِمام إلى أن تقضى الصلاة.

وأخرج ابن أبي شيبة عن طاووس قال: إن الساعة التي ترجى في الجمعة بعد العصر.

وأخرج ابن أبي شيبة عن هلال بن يسار قال: قال رسول الله: «إن في الجمعة لساعة لا يوافقها رجل مسلم يسأل الله فيها خيراً إلا أعطاه، فقال رجل: يا رسول الله ماذا أسأله؟

قال: سل الله العافية في الدنيا والآخرة» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن سلمان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر بما استطاع من طهوره وادهن من دهنه أو مس طيباً من بيته، ثم راح فلم يفرق بين اثنين، ثم صلى ما كتب الله له، ثم أنصت إذا تكلم الإِمام إلا غفر له ما بينه إلى الجمعة الأخرى» .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه عن السائب بن يزيد قال: كان النداء الذي ذكر الله في القرآن يوم الجمعة في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعامة خلافة عثمان أن ينادي المنادي إذا جلس الإِمام على المنبر، فلما تباعدت المساكن وكثر الناس أحدث النداء الأول، فلم يعب الناس ذلك عليه، وقد عابوا عليه حين أتم الصلاة بمنى، قال: فكنا في زمان عمر نصلي، فإذا خرج عمر وجلس على المنبر قطعنا الصلاة وتحدثنا، فربما أقبل عمر على بعض من يليه فسألهم عن سوقهم وقد أمهم والمؤذن يؤذن، فإذا سكت المؤذن قام عمر فتكلم ولم يتكلم حتى يفرغ من خطبته.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ﴿ إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة ﴾ قال: هو الوقت.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ﴿ إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة ﴾ قال: النداء عند الذكر عزمة.

وأخرج أبو الشيخ في كتاب الأذان عن ابن عباس قال: الأذان نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم مع فرض الصلاة ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله ﴾ .

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن ابن سيرين قال: جمع أهل المدينة قبل أن يقدم النبي صلى الله عليه وسلم وقبل أن تنزل الجمعة، قالت الأنصار: لليهود يوم تجمعون فيه كل سبعة أيام، والنصارى مثل ذلك، فهلم فلنجعل يوماً نجتمع فيه، فنذكر الله ونشكره، فقالوا: يوم السبت لليهود، ويوم الأحد للنصارى، فاجعلوه يوم العروبة، وكانوا يسمون الجمعة يوم العروبة، فاجتمعوا إلى أسعد بن زرارة فصلى بهم يومئذ ركعتين، وذكرهم، فسموه الجمعة حين اجتمعوا إليه فذبح لهم شاة فتغدوا وتعشوا منها، وذلك لقلتهم، فأنزل الله في ذلك بعد ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله ﴾ الآية.

وأخرج الدارقطني عن ابن عباس قال: «أذن النبي صلى الله عليه وسلم الجمعة قبل أن يهاجر، ولم يستطع أن يجمع بمكة، فكتب إلى مصعب بن عمير» أما بعد، فأنظر اليوم الذي تجهر فيه اليهود بالزبور فأجمعوا نسائكم وأبناءكم، فإذا مال النهار عن شطره عند الزوال من يوم الجمعة فتقربوا إلى الله بركعتين «قال: فهو أول من جمع حتى قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة فجمع بعد الزوال من الظهر وأظهر ذلك» .

وأخرج أبو داود وابن ماجة وابن حبان والبيهقي عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك أن أباه كان إذا سمع النداء يوم الجمعة ترحم على أسعد بن زرارة فقلت له يا أبتاه أرأيت استغفارك لأسعد بن زرارة كلما سمعت الآذان للجمعة ما هو؟

قال: إنه أول من جمع بنا في نقيع يقال له نقيع الخضمات من حرة بني بياضة.

قلت: كم كنتم يومئذٍ؟

قال: أربعون رجلاً.

وأخرج الطبراني عن أبي مسعود الأنصاري قال: أول من قدم من المهاجرين المدينة مصعب بن عمير وهو أول من جمع بها يوم الجمعة بهم قبل أن يقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم اثنا عشر رجلاً.

وأخرج الزبير بن بكار في أخبار المدينة عن ابن شهاب قال: ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة من قباء، فمر على بني سالم، فصلى فيهم الجمعة ببني سالم، وهو المسجد الذي في بطن الوادي، وكانت أول جمعة صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأخرج ابن ماجة عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب فقال: «إن الله افترض عليكم الجمعة في مقامي هذا، في يومي هذا، في شهري هذا، في عامي هذا، إلى يوم القيامة، فمن تركها استخفافاً بها أو جحوداً لها فلا جمع الله له شمله، ولا بارك له في أمره، ألا ولا صلاة له، ولا زكاة له، ولا حج له، ولا صوم له، ولا بركة له، حتى يتوب فمن تاب تاب الله عليه» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عمر وابن عباس قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على أعواد المنبر: «لينتهين أقوام عن ترك الجمعة والجماعات، أو ليطمسن الله على قلوبهم وليكتبن من الغافلين» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن سمرة بن جندب مرفوعاً: «من ترك الجمعة من غير عذر طمس على قلبه» .

وأخرج أحمد والحاكم عن أبي قتادة مرفوعاً: «من ترك الجمعة ثلاث مرات من غير ضرورة طبع الله على قلبه» .

وأخرج النسائي وابن ماجة وابن خزيمة من حديث جابر مثله.

وأخرج أحمد وابن حبان عن أبي الجعد الضمري قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من ترك الجمعة ثلاثاً من غير عذر فهو منافق» .

وأخرج أبو يعلى والمروزي في الجمعة من طريق محمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة عن عمه عن النبي صلى الله عليه وسلم «سيد الأيام عند الله يوم الجمعة، أعظم من يوم النحر والفطر، وفيه خمس خلال: خلق آدم فيه، وفيه أهبط من الجنة إلى الأرض، وتوفي فيه آدم، وفيه ساعة لا يسأل العبد فيها ربه إلا أعطاه، ما لم يسأل حراماً، وفيه تقوم الساعة» .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن ميمون بن أبي شعيب قال: أردت الجمعة في زمن الحجاج، فتهيأت للذهاب، ثم قلت: أين أذهب أصلي خلف هذا، فقلت مرة أذهب ومرة لا أذهب، فأجمع رأيي على الذهاب، فناداني منادٍ من جانب البيت ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله ﴾ .

قوله تعالى: ﴿ فاسعوا إلى ذكر الله ﴾ الآية.

أخرج أبو عبيد في فضائله وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن الأنباري في المصاحف عن خرشة بن الحر قال: رأى معي عمر بن الخطاب لوحاً مكتوباً فيه ﴿ إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله ﴾ فقال: من أملى عليك هذا؟

قلت: أبيّ بن كعب.

قال: إن أبياً أقرؤنا للمنسوخ قرأها ﴿ فامضوا إلى ذكر الله ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد عن إبراهيم قال: قيل لعمر: إن أبياً يقرأ ﴿ فاسعوا إلى ذكر الله ﴾ قال عمر: أبيّ أعلمنا بالمنسوخ، وكان يقرأها ﴿ فامضوا إلى ذكر الله ﴾ .

وأخرج الشافعي في الأم وعبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف والبيهقي في سننه عن ابن عمر قال: ما سمعت عمر يقرأها قط إلا ﴿ فامضوا إلى ذكر الله ﴾ .

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف والبيهقي في سننه عن ابن عمر قال: ما سمعت عمر يقرؤها قط إلا ﴿ فامضوا إلى ذكر الله ﴾ .

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن ابن عمر قال: لقد توفي عمر وما يقول هذه الآية التي في سورة الجمعة إلا ﴿ فامضوا إلى ذكر الله ﴾ .

وأخرج عبد الرزاق والفريابي وأبو عبيد وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن الأنباري والطبراني من طرق عن ابن مسعود أنه كان يقرأ ﴿ فامضوا إلى ذكر الله ﴾ قال: ولو كانت فاسعوا لسعيت حتى يسقط ردائي.

وأخرج عبد الرزاق والطبراني عن قتادة قال في حرف ابن مسعود: ﴿ فامضوا إلى ذكر الله ﴾ وهو كقوله: ﴿ إن سعيكم لشتى ﴾ [ الليل: 4] .

وأخرج عبد بن حميد من طريق أبي العالية عن أبيّ بن كعب وابن مسعود أنهما كانا يقرآن ﴿ فامضوا إلى ذكر الله ﴾ .

وأخرج ابن المنذر عن عبد الله بن الزبير أنه كان يقرأها ﴿ فامضوا إلى ذكر الله ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس في قوله: ﴿ فاسعوا إلى ذكر الله ﴾ قال: فامضوا.

وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن أنه سئل عن قوله: ﴿ فاسعوا إلى ذكر الله ﴾ قال: ما هو بالسعي على الأقدام ولقد نهوا أن يأتوا الصلاة إلا وعليهم السكينة والوقار، ولكن بالقلوب والنية والخشوع.

وأخرج عبد بن حميد والبيهقي في شعب الإِيمان عن قتادة في قوله: ﴿ فاسعوا إلى ذكر الله ﴾ قال: السعي أن تسعى بقلبك وعملك، وهو المضي إليها.

قال الله: ﴿ فلما بلغ معه السعي ﴾ [ الصافات: 102] قال: لما مشى مع أبيه.

وأخرج عبد بن حميد عن ثابت قال: كنا مع أنس بن مالك يوم الجمعة فسمع النداء بالصلاة فقال: قم لنسعى إليها.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن عطاء في قوله: ﴿ فاسعوا إلى ذكر الله ﴾ قال: الذهاب والمشي.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن مجاهد في الآية قال: إنما السعي العمل، وليس السعي على الأقدام.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن محمد بن كعب قال: السعي العمل.

وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس وعكرمة مثله.

وأخرج البيهقي في سننه عن عبد الله بن الصامت قال: خرجت إلى المسجد يوم الجمعة فلقيت أبا ذر، فبينا أنا أمشي إذ سمعت النداء، فرفعت في المشي لقول الله: ﴿ إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله ﴾ فجذبني جذبة فقال: أولسنا في سعي.

وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن المسيب في قوله: ﴿ فاسعوا إلى ذكر الله ﴾ قال: موعظة الإِمام.

أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حرمت التجارة يوم الجمعة ما بين الأذان الأول إلى الإِقامة إلى انصراف الإِمام، لأن الله يقول: ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر ﴾ إلى ﴿ وذروا البيع ﴾ » .

وأخرج عبد بن حميد عن محمد بن كعب أن رجلين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانا يختلفان في تجارتهما إلى الشام، فربما قدما يوم الجمعة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم، يخطب فيدعونه ويقومون فيما هم إلا بيعاً حتى تقام الصلاة فأنزل الله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ﴾ قال: فحرم عليهم ما كان قبل ذلك.

وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن الزهري قال: الأذان الذي يحرم فيه البيع هو الأذان الذي عند خروج الإِمام.

قال: وأرى أن يترك البيع الآن عند الأذان الأول.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة قال: إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة حرم الشراء والبيع.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن الضحاك قال: إذا زالت الشمس من يوم الجمعة حرم البيع والتجارة حتى تقضى الصلاة.

وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء والحسن أنهما قالا: ذلك.

وأخرج عبد بن حميد عن أيوب قال: لأهل المدينة ساعة يوم الجمعة ينادون: حرم البيع، وذلك عند خروج الإِمام.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن ميمون بن مهران قال: كان بالمدينة إذا أذن المؤذن من يوم الجمعة ينادون في الأسواق: حرم البيع حرم البيع.

وأخرج عبد بن حميد عن عبد الرحمن بن القاسم أن القاسم دخل على أهله في يوم الجمعة وعندهم عطار يبايعونه، فاشتروا منه، وخرج القاسم إلى الجمعة، فوجد الإِمام قد خرج، فأمرهم أن يناقضوه البيع.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن مجاهد قال: من باع شيئاً بعد الزوال يوم الجمعة فإن بيعه مردود لأن الله تعالى نهى عن البيع إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: هل تعلم من شيء يحرم إذا أذن بالأولى سوى البيع؟

قال عطاء: إذا نودي بالأولى حرم اللهو والبيع، والصناعات كلها هي بمنزلة البيع والرقاد، وأن يأتي الرجل أهله، وأن يكتب كتاباً قلت: إذا نودي بالأولى وجب الرواح حينئذ؟

قال: نعم.

قلت: من أجل قوله إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة؟

قال: نعم، فليدع حينئذ كل شيء وليرح.

أخرج أبو عبيد وابن المنذر والطبراني وابن مردويه عن عبدالله بن بسر الحراني قال: رأيت عبدالله بن بشر المازني صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى الجمعة خرج فدار في السوق ساعة، ثم رجع إلى المسجد، فصلى ما شاء الله أن يصلي، فقيل له: لأي شيء تصنع هذا؟

قال: لأني رأيت سيد المرسلين هكذا يصنع، وتلا هذه الآية ﴿ فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله ﴾ .

وأخرج ابن المنذر عن سعيد بن جبير قال: إذا انصرفت يوم الجمعة فاخرج إلى باب المسجد فساوم بالشيء وإن لم تشتره.

وأخرج ابن المنذر عن الوليد بن رباح أن أبا هريرة كان يصلي بالناس الجمعة، فإذا سلم صاح ﴿ فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله ﴾ فيبتدر الناس الأبواب.

وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد وعطاء ﴿ فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض ﴾ قالا: إن شاء فعل، وإن شاء لم يفعل.

وأخرج ابن أبي شيبة عن الضحاك في قوله: ﴿ فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض ﴾ قال: هو إذن من الله، فإذا فرغ فإن شاء خرج، وإن شاء قعد في المسجد.

وأخرج ابن جرير عن أنس قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله ﴾ قال: ليس لطلب دنيا ولكن عيادة مريض وحضور جنازة وزيارة أخ في الله» .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله ﴾ قال: لم يؤمروا بشيء من طلب الدنيا، إنما هو عيادة مريض وحضور جنازة وزيارة أخ في الله.

وأخرج الطبراني عن أبي أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من صلى الجمعة فصام يومه وعاد مريضاً وشهد جنازة وشهد نكاحاً وجبت له الجنة» .

قوله تعالى: ﴿ وإذا رأوا تجارة ﴾ الآية.

أخرج سعيد بن منصور وابن سعد وابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في سننه من طرق عن جابر بن عبدالله قال: بينما النبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة قائماً إذ قدمت عير المدينة، فابتدرها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لم يبق منهم إلا اثنا عشر رجلاً أنا فيهم وأبو بكر وعمر، فأنزل الله: ﴿ وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها ﴾ إلى آخر السورة.

وأخرج البزار عن ابن عباس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة، فقدم دحية بن خليفة يبيع سلعة له، فما بقي في المسجد أحد إلا نفر، والنبي صلى الله عليه وسلم قائم، فأنزل الله: ﴿ وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها ﴾ الآية.

وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس في قوله: ﴿ وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها وتركوك قائماً ﴾ قال: قدم دحية الكلبي بتجارة، فخرجوا ينظرون إلا سبعة نفر.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها وتركوك قائماً ﴾ قال: «جاءت عير عبد الرحمن بن عوف تحمل الطعام، فخرجوا من الجمعة، بعضهم يريد أن يشتري، وبعضهم يريد أن ينظر إلى دحية، وتركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائماً على المنبر، وبقي في المسجد اثنا عشر رجلاً وسبع نسوة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو خرجوا كلهم لاضطرم المسجد عليهم ناراً» .

وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: قدمت عير المدينة يوم الجمعة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم على المنبر يخطب، فانفض أكثر من كان في المسجد، فأنزل الله في هذه الآية ﴿ وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها ﴾ .

وأخرج أبو داود في مراسيله عن مقاتل بن حيان قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الجمعة قبل الخطبة مثل العيدين، حتى كان يوم الجمعة، والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب، وقد صلى الجمعة، فدخل رجل فقال: إن دحية بن خليفة قد قدم بتجارة، وكان دحية إذا قدم تلقاه أهله بالدفاف، فخرج الناس ولم يظنوا إلا أنه ليس في ترك الخطبة شيء، فأنزل الله: ﴿ وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها ﴾ فقدم النبي صلى الله عليه وسلم الخطبة يوم الجمعة وأخر الصلاة.

وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن مقاتل بن حيان قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة ويقوم قائماً، وإن دحية الكلبي كان رجلاً تاجراً، وكان قبل أن يسلم: قدم بتجارته إلى المدينة خرج الناس ينظرون إلى ما جاء به ويشترون منه، فقدم ذات يوم ووافق الجمعة، والناس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد، وهو قائم يخطب، فاستقبل أهل دحية العير حين دخل المدينة بالطبل واللهو، فذلك اللهو الذي ذكر الله، فسمع الناس في المسجد أن دحية قد نزل بتجارة عند أحجار الزيت، وهو مكان في سوق المدينة، وسمعوا أصواتاً، فخرج عامة الناس إلى دحية ينظرون إلى تجارته وإلى اللهو، وتركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائماً ليس معه كبير عدة أحد، فبلغني والله أعلم أنهم فعلوا ذلك ثلاث مرات، وبلغنا أن العدة التي بقيت في المسجد مع النبي صلى الله عليه وسلم عدة قليلة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم عند ذلك: لولا هؤلاء، يعني الذين بقوا في المسجد؛ عند النبي صلى الله عليه وسلم: لقصدت إليهم الحجارة من السماء» ونزل ﴿ قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن جابر بن عبدالله رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب الناس يوم الجمعة، فإذا كان نكاح لعب أهله وعزفوا ومروا باللهو على المسجد، وإذا نزل بالبطحاء جلب قال: وكانت البطحاء مجلساً بفناء المسجد الذي يلي بقيع الغرقد، وكانت الأعراب إذا جلبوا الخيل والإِبل والغنم وبضائع الأعراب نزلوا البطحاء، فإذا سمع ذلك من يقعد للخطبة قاموا للهو والتجارة وتركوه قائماً، فعاتب الله المؤمنين لنبيه صلى الله عليه وسلم فقال: ﴿ وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها وتركوك قائماً ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله: ﴿ وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها ﴾ قال: رجال يقومون إلى نواضحهم وإلى السفر يقدمون يبتغون التجارة واللهو.

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال: «بينا النبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة، إذ قدمت عير المدينة فانفضوا إليها وتركوا النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يبق معه إلا رهط منهم أبو بكر وعمر، فنزلت هذه الآية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده لو تتابعتم حتى لا يبقى معي أحد منكم لسال بكم الوادي ناراً» .

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قال: «ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قام يوم الجمعة فخطبهم ووعظهم وذكرهم، فقيل: جاءت عير، فجعلوا يقومون حتى بقيت عصابة منهم فقال: كم أنتم فعدوا أنفسكم فإذا اثنا عشر رجلاً وامرأة، ثم قام الجمعة الثانية فخطبهم ووعظهم وذكرهم، فقيل: جاءت عير، فجعلوا يقومون حتى بقيت عصابة منهم، فقال:كم أنتم فعدوا أنفسكم، فإذا اثنا عشر رجلاً وامرأة، فقال: والذي نفس محمد بيده لو أتبع آخركم أولكم لالتهب الوادي عليكم ناراً» وأنزل الله فيها ﴿ وإذا رأوا تجارة ﴾ الآية.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ أو لهواً ﴾ قال: هو الضرب بالطبل.

وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان قال: «بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب الناس يوم الجمعة أقبل شاء وشيء من سمن، فجعل الناس يقومون إليه، حتى لم يبق إلا قليل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو تتابعتم لتأجج الوادي ناراً» .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن ماجة والطبراني وابن مردويه عن ابن مسعود أنه سئل: أكان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب قائماً أو قاعداً؟

قال: أما تقرأ ﴿ وتركوك قائماً ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم وابن مرديه والبيهقي في سننه عن كعب بن عجرة أنه دخل المسجد وعبد الرحمن بن أم الحكم يخطب قاعداً فقال: انظروا إلى هذا الخبيث يخطب قاعداً وقد قال الله: ﴿ وتركوك قائماً ﴾ .

وأخرج أحمد وابن ماجة وابن مردويه عن جابر بن سمرة قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب قائماً.

وأخرج أحمد وابن أبي شيبة ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة عن جابر بن سمرة قال: كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم خطبتان يجلس بينهما، يقرأ القرآن، ويذكر الناس.

وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان يخطب خطبتين يجلس بينهما.

وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب يوم الجمعة قائماً، ثم يقعد، ثم يقوم فيخطب.

وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن سيرين أنه سئل عن خطبة النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة فقرأ ﴿ وتركوك قائماً ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة عن عمرو بن مرة قال: سألت أبا عبيدة رضي الله عنه عن الخطبة يوم الجمعة، فقرأ ﴿ وتركوك قائماً ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة عن طاووس قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم قائماً وأبو بكر وعمر وعثمان، وإن أوّل من جلس على المنبر معاوية بن أبي سفيان.

وأخرج ابن أبي شيبة عن طاووس قال: الجلوس على المنبر يوم الجمعة بدعة.

وأخرج ابن أبي شيبة عن الشعبي قال: إنما خطب معاوية قاعداً حين كثر شحم بطنه ولحمه.

وأخرج ابن أبي شيبة عن الشعبي قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صعد المنبر يوم الجمعة استقبل الناس بوجهه الكريم، فقال: السلام عليكم، ويحمد الله ويثني عليه، ويقرأ سورة ثم يجلس، ثم يقوم فيخطب، ثم ينزل، وكان أبو بكر وعمر يفعلانه.

وأخرج ابن أبي شيبة عن جابر بن سمرة قال: كانت خطبة النبي صلى الله عليه وسلم قصراً وصلاته قصراً.

وأخرج ابن أبي شيبة عن مكحول قال: إنما قصرت صلاة الجمعة من أجل الخطبة.

وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن سيرين أنه سئل عن خطبة النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة فقرأ ﴿ وتركوك قائماً ﴾ .

وأخرج ابن أبي الدنيا في شعب الإِيمان والديلمي «عن الحسن البصري قال: طلبت خطب النبي صلى الله عليه وسلم في الجمعة فأعيتني، فلزمت رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فسألته عن ذلك، فقال: كان يخطب فيقول في خطبته يوم الجمعة: يا أيها الناس إن لكم علماً فانتهوا إلى علمكم، وإن لكم نهاية فانتهوا إلى نهايتكم، فإن المؤمن بين مخافتين بين أجل قد مضى لا يدري كيف صنع الله فيه، وبين أجل قد بقي لا يدري كيف الله بصانع فيه، فليتزوّد المؤمن من نفسه لنفسه، ومن دنياه لآخرته، ومن الشباب قبل الهرم، ومن الصحة قبل السقم، فإنكم خلقتم للآخرة، والدنيا خلقت لكم والذي نفس محمد بيده ما بعد الموت من مستعتب، وما بعد الدنيا دار إلا الجنة والنار، وأستغفر الله لي ولكم» .

وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات عن ابن شهاب قال: بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول إذا خطب: «كل ما هو آت قريب، لا بعد لما هو آت، لا يعجل الله لعجلة أحد، ولا يخف لأمر الناس، ما شاء الله لا ما شاء الناس، يريد الناس أمراً ويريد الله أمراً، وما شاء الله كان، ولو كره الناس، لا مبعد لما قرب الله، ولا مقرب لما بعد الله ولا يكون شيء إلا بإذن الله» .

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ ﴾ قال مقاتل: يعني النداء إذا جلس الإمام على المنبر يوم الجمعة، وهو كما قال، لأنه لم يكن على عهد رسول الله -  - نداء سواه كان إذا جلس على المنبر أذن بلال على باب المسجد، وكذا كان على عهد أبي بكر، وعمر  ما (١) وقوله: ﴿ الْجُمُعَةِ ﴾ يعني لوقت الصلاة (٢) ﴿ مِنْ يَوْمِ ﴾ والصلاة لا تكون من اليوم وإما يكون وقتها من اليوم، وأما الجمعة فقال الليث: الجمعة يوم خُصَّ به لاجتماع الناس في ذلك اليوم ويجمع على الجُمعان والجُمَع، والفعل جمَّع الناسُ: أي شهدوا الجمعة (٣) وروي عن سلمان قال: قال رسول الله -  -: "سميت الجمعة لأن آدم  جمع خلقه" (٤) وقال بعضهم: سميت بهذا الاسم؛ لأن الله تعالى فرغ فيه من خلق الأشياء فاجتمعت فيه المخلوقات (٥) قال الفراء: وفيها ثلاث لغات (٦) (٧) (٨) (٩) (١٠) قوله تعالى: ﴿ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ﴾ قال ابن عباس: فامضوا (١١) وقال مقاتل: فامشوا (١٢) (١٣) وقال ابن جريج: قلت لعطاء ﴿ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ﴾ قال: الذهاب والمشي (١٤) وقال الزجاج: معناه: فاقصدوا، وليس معناه العدو (١٥) (١٦) (١٧) وحمل قوم السعي هاهنا على العمل، قال محمد بن كعب: السعي العمل (١٨) ﴿ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ  ﴾ ، وقوله: ﴿ إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى  ﴾ قال: فليس السعي الذي ذكر الله في كتابه بالسعي على الأقدام ولا بالاشتداد وإنما ذلك الفعل والعمل.

أخبرنا أحمد بن الحسن الحرشي (١٩) (٢٠) ﴿ إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ﴾ ﴿ وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى  ﴾ .

ويكون المعنى على هذا: فاعملوا على المضي إلى ذكر الله من التفرغ له، والاشتغال بأسبابه من الطهارة والغسل والتوجه إليه بالقصد والنية.

وذهب قوم إلى السعي الذي هو سرعة المشي، وروي ذلك عن عبد الله بن الصامت (٢١) ﴿ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ﴾ (٢٢) وروى عمران بن الخياط (٢٣)  - قال: "إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، ولكن آتوها وعليكم السكينة" (٢٤)  -.

غير أنه يحتمل أن يقال: صلاة الجمعة مخصوصة بجواز السعي إليها للآية، وغيرها من الصلاة تؤتى بالسكينة (٢٥) (٢٦) وروى أبو العباس عن ابن الأعرابي: سعى إذا مشى، وسعى إذا غدا، وسعى إذا عمل، وسعى إذا قصد.

قال: وقول الله تعالى: ﴿ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ﴾ أي اقصدوا (٢٧) ومعنى ﴿ ذِكْرِ اللَّهِ ﴾ هاهنا الصلاة المفروضة في قول أكثر المفسرين (٢٨) قوله تعالى: ﴿ وَذَرُوا الْبَيْعَ ﴾ قال الحسن: إذا أذن المؤذن يوم الجمعة لم يحل البيع والشراء (٢٩) قال أصحابنا: إذا جلس الإمام على المنبر يترك البيع لقوله: ﴿ وَذَرُوا الْبَيْعَ ﴾ فمن باع في تلك الساعة فقد خالف الأمر وبيعه منعقد، لأن النهي عن البيع تنزيه لقوله: ﴿ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ فدل ذلك على الترغيب في ترك البيع في ذلك الوقت (٣٠) ﴿ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ أي ما هو خير لكم وأصلح.

(١) روى البخاري في كتاب: الجمعة، باب: المؤذن الواحد يوم الجمعة 2/ 10، == عن السائب بن يزيد: كان النداء إذا صعد الإمام على المنبر على عهد رسول الله -  - وأبي بكر، وعمر، فلما كان عثمان كثر الناس فزاد النداء الثالث على الزوراء.

(٢) انظر: "معاني الأخفش" 2/ 708.

(٣) "تهذيب اللغة" 1/ 398.

(٤) أخرجه سعيد بن منصور، وأحمد، والنسائي، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه، عن سلمان.

قال: قال رسول الله -  - أتدري ما يوم الجمعة؟

قال الله ورسوله أعلم، قالها ثلاث مرات.

ثم قال في الثالثة: هو اليوم الذي جُمع فيه أبوكم آدم ..

الحديث.

ولم يحلل تسميتها الجمعة بهذه العلة التي ذكرها المؤلف.

وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 2/ 174، رواه الطبراني في "الكبير"، وإسناده حسن، قال: وروى النسائي بعضه.

(٥) قال ابن كثير: إنما سميت الجمعة جمعة لأنها مشتقة من الجمع فإن أهل الإسلام يجتمعون فيه في كل أسبوع مرة بالمعابد الكبار، وفيه كمل جميع الخلائق، فإنه اليوم السادس من السنة التي خلق الله فيها السموات والأرض وفيه خلق آدم وفيه أدخل الجنة.

"تفسير القرآن العظيم" 4/ 365، وانظر: "اللسان" 1/ 500 (جمع).

(٦) (لغات) ساقطة من (ك).

(٧) قرأ الجمهور (الجمعة) بضم الجيم والميم، وقرأ الأعمش، والسلمي، والزهري، وغيرهم (الجمعة) بضم الجيم وإسكان الميم.

انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 156، و"إعراب القرآن" للنحاس 3/ 429، و"البحر المحيط" 8/ 267.

(٨) بنو عقيل.

(٩) لغة بني عقيل: (الجُمَعة) بفتح الميم.

انظر: معاني الفراء 3/ 156، و"إعراب القرآن" للنحاس 3/ 156، و"الكشف" 13/ 118 ب، 119 أ.

(١٠) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 156، و"الكشاف" 4/ 97.

(١١) "تنوير المقباس" 6/ 71.

(١٢) لم أجده عن مقاتل، وإنما ذكره المفسرون لبيان المعنى دون نسبة لقائل، والذي في "تفسير مقاتل" 155 أ، قال: (يقول فامضوا إلى الصلاة).

وانظر: "التفسير الكبير" 3/ 8.

(١٣) انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 291، و"جامع البيان" 28/ 65، و"مجمع الزوائد" 7/ 124، و"أحكام القرآن" للجصاص 3/ 442، قال أبو حيان: وقرأ كبراء من الصحابة والتابعين (فامضوا) بدل ﴿ فَاسْعَوْا ﴾ وينبغي أن يحمل على التفسير من حيث أنه لا يراد بالسعي هنا الإسراع في المشي، ففسروه بالمضي، ولا يكون قرآنًا لمخالفته سواد ما أجمع عليه المسلمون.

"البحر المحيط" 8/ 268.

(١٤) أخرجه عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر.

"الدر" 6/ 219.

(١٥) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 171.

(١٦) انظر: "الكشف والبيان" 13/ 121 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 341، و"الدر" 6/ 219.

(١٧) أخرجه عبد بن حميد، والبيهقي في شعب الإيمان.

"الدر" 6/ 219، وانظر: "الكشف والبيان" 13/ 121 ب.

(١٨) انظر: "الدر" 6/ 219، ونسب تخريجه لابن المنذر وابن أبي شيبة.

انظر: "المصنف" لابن أبي شيبة.

(١٩) هو أحمد بن الحسن الحرشي.

كان رئيسًا محتشمًا.

انتهى إليه علم الإسناد، فروى عن أبي الميداني، والأصم وطبقتهما، ولي قضاء نيسابور، وقد صم بآخره، حتى بقي إلا يسمع شيئًا، ووافق شيخه الأصم في الأصول والحديث.

توفي سنة (421 هـ) وله ست وتسعون سنة.

انطر: "شذرات الذهب" 3/ 217، و"الكامل في التاريح" 7/ 352، و"العبر" 2/ 243.

(٢٠) هو أبو العباس الأصم.

(٢١) هو عبد الله بن الصامت الغفاري البصري، ثقة وهو ابن أخي أبي ذر، ويكنى أبا نصر.

انظر: "المعارف" ص 253، و"التقريب" 1/ 423.

(٢٢) أخرجه البيهقي في "سننه" وفيه: (خرجت إلى المسجد يوم الجمعة فلقيت أبا ذر ...

فجذبني جذبة فقال: أولسنا في سعي) "الدر" 6/ 219، واقتصر المؤلف -رحمه الله- على ما ذكر لبيان من فسر السعي بالسرعة وإن عارضه غيره.

والله أعلم.

(٢٣) هو عمران بن حطان بن ظبيان، يكنى أبا شهاب، تابعي مشهور، وكان من رؤوس الخوارج من الصفرية، ولما طال عمره وضعف عن الحرب اقتصر على التحريض والدعوة بشعره وبيانه، وكان شاعرًا مغلقًا مكثرًا.

مات سنة (84 هـ).

انظر: "الإصابة" 3/ 178، و"ميزان الاعتدال" 3/ 235، و"الأعلام" 5/ 70.

(٢٤) الحديث رواه البخاري في الأذان، باب لا يسعى إلى الصلاة وليأت بالسكينة والوقار 1/ 164، ومسلم في المساجد، باب استحباب إتيان الصلاة بوقار وسكينة 1/ 239 (603)، وأحمد 2/ 532.

(٢٥) انظر: "روح المعاني" 28/ 102.

(٢٦) انظر: "أحكام القرآن" للجصاص 3/ 445، وقال بعد ذكره للحديث المتقدم: (ولم يفرق بين الجمعة وغيرها، واتفق فقهاء الأمصار على أنه يمشي إلى الجمعة على هينته).

(٢٧) انظر: "تهذيب اللغة" 3/ 91 (سعى).

(٢٨) ومراد المؤلف -رحمه الله- أن الذكر يشمل الصلاة والخطبة معًا، إذ خص بعض العلماء الذكر بالصلاة، والأكثرون فسروه بالخطبة فقط فجمع المؤلف بين القولين.

انظر: "جامع البيان" 28/ 65، و"الكشف والبيان" 13/ 121 ب، و"زاد المسير" 8/ 265، و"المغني" 3/ 171/ 175، و"أحكام القرآن" للجصاص 3/ 446.

(٢٩) انظر: "التفسير الكبير" 30/ 8، وهذا هو قول مجاهد، والزهري، وأحمد.

انظر: "المغني" 3/ 163، و"أحكام القرآن" للجصاص 3/ 448.

(٣٠) انظر: "الأم" 1/ 173، و"زاد المحتاج بشرح المنهاج" 1/ 337 - 338، و"المجموع" 4/ 500، ويرى مالك أن يفسخ البيع، و"المدونة" 1/ 143.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ الجمعة فاسعوا إلى ذِكْرِ الله ﴾ النداء للصلاة هو الأذان لها، ومن في قوله: ﴿ مِن يَوْمِ الجمعة ﴾ لبيان إذا، وتفسير له، وذكر الله: يراد به الخطبة والصلاة، ويتعلق بهذه الآية ثمان مسائل: الأولى اختلف في الأذان للجمعة هل هو سنة كالأذان لسائر الصلوات؟

أو واجب لظاهر الآية لأنه شرط في السعي لها أن يكون عند الأذان، والسعي واجب فالأذان واجب.

الثانية كان الأذان للجمعة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم على جدار المسجد وقيل: على باب المسجد وقيل: كان بين يديه صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر، وقد كان بنو أمية يأخذون بهذا، وبقي بقرطبة زماناً وهو باق في المشرق إلى الآن.

قال أبو محمد بن الفرس: قال مالك في المجموعة إن هشام بن عبد الملك هو الذي أحدث الأذان بين يديه قال: وهذا دليل على أن الحديث في ذلك ضعيف.

الثالث كان الأذان للجمعة واحداً ثم زاد عثمان رضي الله عنه النداء على الزوراء ليسمع الناس.

واختلف الفقهاء هل المستحب أن يؤذن فيها اثنان أو ثلاثة: الرابعة: السعي في الآية بمعنى المشي لا بمعنى الجري، وقرأ عمر بن الخطاب: فامضوا إلى ذكر الله وهذا تفسير للسعي، فهو بخلاف السعي في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا نودي للصلاة فلا تأتونها وأنتم تسعون.

الخامسة: حضور الجمعة واجب، لحمل الأمر الذي في الآية على الوجوب باتفاق، إلا أنها لا تجب على المرأة ولا على الصبي ولا على المريض باتفاق، ولا على العبد والمسافر عند مالك والجمهور؛ خلافاً للظاهرية.

وتعلقوا بعموم الآية وحجة الجمهور قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: الجمعة واجبة على كل مسلم في جماعة إلا أربعة عبد مملوك أو امرأة أو صبي أو مريض وحجتهم في المسافر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يقيم الجمعة في السفر، واختلف هل تسقط الجمعة بسب المطر أم لا؟

وهل يجوز للعروس التخلف عنها أم لا، والمشهور أنها لا تتتسقط عنه لعموم الآية، السادسة: اختلف متى يتعين الإقبال إلى الصلاة؟

فقيل: إذا زالت الشمس، وقيل: إذا أذن المؤذن وهو ظاهر الآية، السابعة: اختلف في الموضع الذي يجب منه السعي إلى الجمعة.

فقيل: ثلاثة أميال وهو مذهب مالك، وقيل: ستة أميال وقيل: على من كان داخل المصر، وقيل: على من سمع النداء، وقيل: على من آواه الليل إلى أهله، الثامنة: اختلف في الوالي هل هو من شرط الجمعة أم لا؟

على قولين، والمشهور سقوطه لأن الله لم يشترطه في الآية.

﴿ وَذَرُواْ البيع ﴾ أمر بترك البيع يوم الجمعة إذا أخذ المؤذنون في الأذان، وذلك على الوجوب، فيقتضي تحريم البيع، واختلف في البيع الذي يعقد في ذلك الوقت هل يفسخ أم لا؟

واختلف في بيع من لا تلزهم الجمعة من النساء والعبد هل يجوز في ذلك الوقت أم لا؟

والأظهر جوازه؛ لأنه إنما منع منه من يدعى إلى الجمعة ﴿ فانتشروا فِي الأرض ﴾ هذا الأمر للإباحة باتفاق، وحكى الإجماع على ذلك ابن عطية وابن الفرس ﴿ وابتغوا مِن فَضْلِ الله واذكروا الله كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ قيل: معناه طلب المعاش، فالأمر على هذا للإباحة، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الفضل المبتغى عيادة مريض أو صلة صديق أو اتباع جنازة» وقيل: هو طلب العلم.

وإن صح الحديث لم يعدل إلى سواه.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ كمثل الحمار ﴾ و ﴿ التوراة ﴾ بالإمالة قد سبق ذكرهما.

الوقوف ﴿ وما في الأرض ﴾ لا ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه لا للعطف أي وفي آخرين ﴿ بهم ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ أسفاراً ﴾ ط ﴿ بآيات الله ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ أيديهم ﴾ ط ﴿ بالظالمين ﴾ ه ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ البيع ﴾ ط ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ تفلحون ﴾ ه ﴿ قائماً ﴾ ط ﴿ للتجارة ﴾ ط ﴿ الرازقين ﴾ ه.

التفسير: في الأميين منسوب إلى أمة العرب أو إلى أم القرى.

وقد مر سائر الوجوه في " الأعراف " في قوله ﴿ النبيّ الأميّ  ﴾ وباقي الآية مذكورة في " البقرة " و " آل عمران ".

والمراد بآخرين التابعون وحدهم أو مع تبع التابعين إلى يوم القيامة.

ثمّ شبه اليهود الطاعنين في نبوّة محمد  مع أنهم حاملوا التوراة وحفاظها العارفون بما فيها من نعت نبيّ آخر الزمان بالحمار الحامل للأسفار أي الكتب الكبار لأنه لا يدري منها إلا ما مر بجنبيه من الكدّ والتعب.

ومعنى ﴿ حملوا ﴾ كلفوا العمل بما فيها.

ومحل ﴿ يحمل ﴾ جر صفة للحمار كما في قوله " على اللئيم يسبني " وهذا مثل كل من علم علماً يتعلق بعمل صالح ثم لم يعمل به.

ثم قبح مثلهم بقوله ﴿ بئس ﴾ مثلاً ﴿ مثل القوم الذين ﴾ وكانوا يقولون نحن أبناء الله وأحباؤه فقيل لهم: إن كان قولكم حقاً ﴿ فتمنوا الموت ﴾ ليكون وصولكم إلى دار الكرامة أسرع وقد مر مثله في أول " البقرة " إلا أنه قال ههنا ﴿ ولا يتمنونه ﴾ وهناك ولن يتمنوه وذلك أن كليهما للنفي إلا أن " لن" أبلغ في نفي الاستقبال وكانت دعواهم هناك قاطعة بالغة وهي كون الجنة لهم بصفة الخلوص فخص الأبلغ بتلك السورة.

ثم بين أن الموت الذي لا يجترؤن على تمنيه خيفة أن يؤاخذوا بوبال كفرهم فإنه ملاقيهم لا محالة.

قال أهل النظم: قد أبطل الله  قول اليهود في ثلاث: زعموا أنهم أولياء لله فكذبهم بقوله ﴿ فتمنوا الموت ﴾ وافتخروا بأنهم أهل الكتاب والعرب لا كتاب لهم فشبههم بالحمار يحمل أسفاراً، وباهوا بالسبت وأنه ليس للمسلمين مثله فشرع لنا الجمعة.

قال جار الله: يوم الجمعة بالسكون الفوج المجموع كضحكة للمضحوك منه، وضمَّ الميم تثقيل لها كما قيل في عسرة عسرة.

قلت: ومما يدل على أن أصلها الكسون جمعها على جمع كقدرة وقدر.

وفي الكشاف أن ﴿ من يوم الجمعة ﴾ بيان " إذا " وتفسير له.

وأقوال: إن اليوم أعم من وقت النداء والعام.

لإبهامه لا يصير بياناً ظاهراً فالأولى أن تكون " من " للتبعيض.

والنداء الأذان في أول وقت الظهر، وقد كان لرسول الله  مؤذن واحد فكان إذا جلس على المنبر أذن على باب المسجد فإذا نزل أقام للصلاة، ثم كان أبو بكر وعمر على ذلك، حتى إذا كان عثمان وكثر الناس زاد مؤذناً آخر، مؤذن على داره التي تسمى زوراء فإذا جلس على المنبر أذن المؤذن الثاني، فإذا نزل أقام للصلاة.

وعن ابن عباس: إن أول جمعة في الإسلام بعد جمعة رسول الله  لجمعة أجتمعت بجواثى قرية من قرى البحرين من قرى عبد القيس وروي أن الأنصار بالمدينة اجتمعوا إلى أسعد بن زرارة.

وكنيته أبو إمامة وقالوا: هلموا نجعل لنا يوماًنجتمع فيه فنذكر الله ونصلي فإن لليهود السبت وللنصارى الأحد فاجعلوه يوم العروبة، فصلّى بهم يومئذ ركعتين وذكرهم فسموه يوم الجمعة لاجتمعاهم فيه، وأنزل الله  آية الجمعة فهي أول جمعة كانت في الإسلام قبل مقدم النبي  وأول جمعة جمعها رسول الله  أنه لما قدم المدينة مهاجراً نزل قباء على بني عمرو بن عوف وأقام بها يوم الإثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس وأسس مسجدهم، ثم خرج يوم الجمعة عامداً المدينة فأدركته صلاة الجمعة في بني سالم بن عوف في بطن واد لهم فخطب وصلّى الجمعة.

وفضيلة صلاة الجمعة كثيرة منها ما ورد في الصحاح عن أبي هريرة " إذا كان يوم الجمعة وقفت الملائكة على باب المسجد يكتبون الأول فالأول" و " "مثل المبكر كمثل الذي يهدي بدنه ثم كالذي يهدي بقرة ثم كبشاً ثم دجاجة ثم بيضة فإذا خرج الإمام طووا صحفهم ويستمعون الذكر" وعنه  " "من مات يوم الجمعة كتب الله له أجر شهيد ووقى فتنة القبر" وكانت الطرقات في أيام السلف وقت السحر وبعد الفجر غاصة بالمبكرين إلى الجمعة يمشون بالسرج.

وقيل: أول بدعة أحدثت مع الإسلام ترك البكور إلى الجمعة.

ولا تقام الجمعة عند أبي حنيفة إلا في مصر جامع وهو ما أقيمت فيه الحدود ونفذت فيه الأحكام.

وقد يقال: ما يكون فيه نهر جار وسوق قائم وملك قاهر وطبيب حاذق.

وعنده تنعقد بثلاثة سوى الإمام، وعند الشافعي لا تنعقد إلاّ بأربعين متوطنين.

وأعذار الجمعة مشهورة في كتب الفقه.

ومعنى السعي القصد دون العدو ومنه قول الحسن: ليس السعي على الأقدام ولكنه على النيات والقلوب.

وعن ابن عمر أنه سمع الإقامة وهو بالبقيع فأسرع المشي.

قال العلماء: وهذا لا بأس به ما لم يجهد نفسه.

قوله ﴿ إلى ذكر الله ﴾ أي إلى الخطبة والصلاة وهي تسمية الشيء بأشرف أجزائه.

ومذهب أبي حنيفة أنه لو اقتصر على كل ما يسمى ذكراً مثل الحمد لله أو سبحان الله جاز.

وعند صاحبيه والشافعي لا بد من كلام يسمى خطبة.

وعن جابر كان رسول الله  يقول في خطبته: نحمد الله ونثني عليه بما هو أهله ثم يقول: من يهد الله فلا مضل له ومن يضلله فلا هادي له، إن أصدق الحديث كتاب الله وأحسن الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.

وعنه أن النبي  كان صلاته قصداً وخطبته قصداً.

وعن أبي وائل قال: خطبنا عمار فأوجز وأبلغ فلما نزل قال: إني سمعت رسول الله  يقول " إن طول الصلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه فأقصر الخطبة وأطل الصلاة " وإن من البيان لسحراً.

قوله ﴿ وذروا البيع ﴾ خاص ولكنه عام في الحقيقة لكل ما يذهل عن ذكر الله.

وسبب التخصيص أن أهل القرى وقتئذ يجتمعون من كل أوب في السوق وأغلب اجتماعهم على البيع والشراء.

ولا خلاف بين العلماء في تحريم البيع وقت النداء.

وهل يصح ذلك البيع إن وقع الأكثرون؟

نعم لأن المنع غير متوجه نحو خصوص البيع.

وإنما هو متوجه نحو ترك الجمعة حتى لو تركها بسبب آخر فقد ارتكب النهي ولو باع في غير تلك الحالة لم يصادفه نهي.

قوله ﴿ فانتشروا ﴾ وابتغوا إباحة بعد حظر.

وعن بعض السلف أنه كان يشغل نفسه بعد الجمعة بشيء من أمور الدنيا امتثالاً للآية.

وعن ابن عباس: لم يؤمروا بطلب شيء من الدنيا إنما هو عيادة المرضى وحضور الجنائز وزيارة أخ في الله.

وعن الحسن وسعيد بن المسيب: الطلب طلب العلم.

وقيل: صلاة التطوع.

وفي قوله ﴿ واذكروا الله كثيراً ﴾ إشارة إلى أن المرء لا ينبغي أن يغفل عن ذكر ربه في كل حال كما قال ﴿ رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله  ﴾ عن جابر قال: بينا نحن نصلي مع النبي  إذا قيل: عير تحمل طعاماً فالتفتوا إليها حتى ما بقي مع النبي  إلا اثنا عشر رجلاً فنزلت ﴿ وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها ﴾ أي تفرقوا إليها ﴿ وتركوك قائماً ﴾ في الصلاة أو في الخطبة أو في الزاوية، وكانوا إذا أقبلت العير استقبلوها بالطبل والتصفيق فهذا هو المراد باللهو والتقدير إذا رأوا تجارة انفضوا إليها أو لهواً انفضوا إليه، فحذف أحدهما لدلالة المذكور عليه.

يروى أنه  وآله قال: والذي نفس محمد بيده لو خرجوا جميعاً لأضرم الله عليهم الوادي ناراً.

ثم حث على تجارة الآخرة وعلى تيقن أن لا رازق بالحقيقة إلا هو  وقد مر مراراً.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ ﴾ ، هذا السعي يحتمل وجهين: أحدهما: أن أقبلوا على العمل الذي أمرتم به وامضوا فيه.

والثاني: واسعوا في المشي وأسرعوا، لأن السعي في المشي هو السرعة فيه، والسعي في الأعمال هو الإقبال عليها والمبادرة إليها، فإن كان المراد من هذا السعي في المشي فخروج الآية مخرج الترهيب والتضييق؛ ألا ترى إلى قوله: ﴿ وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ ﴾ كيف أمرك بترك البيع وقد يمكن البيع في حال المشي، وإلى قوله: ﴿ فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلاَةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ كيف أمر بالانتشار في الأرض بعد الفراغ من الفريضة دون أن يذكر هنالك شيئاً في أدائها، ولو كان المراد منه الترغيب، لكان يأمره بالعدو إليها؛ فدلت هذه المعاني أن تخرج الآية على الترهيب والتضييق، وإن كان السعي في سائر الصلاة المفروضة غير مندوب إليه؛ على ما روي عن النبي  أنه قال: "إذا أتيتم الصلاة فأتوها وأنتم تمشون، ولا تأتوها وأنتم تسعون، عليكم بالسكينة والوقار، وما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا" فاختص الجمعة به؛ لما ذكرنا من التضييق هاهنا والتوسيع في سائر الصلاة، ولكن الأشبه أن المراد من السعي هو الإقبال على أدائها والتأهب لها والمبادرة إليها، والسعي مستعمل في هذا؛ قال الله  : ﴿ وَمَنْ أَرَادَ ٱلآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ  وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ  ﴾ ، وإنما أراد العمل، وكذلك روي عن عمر وابن مسعود وأبي وابن الزبير -  م - أنهم قرءوا: (فامضوا إلى ذكر) حتى قال عبد الله: "لو كانت القراءة ﴿ فَٱسْعَوْاْ ﴾ لسعيت، ولو سقط ردائي لم ألتفت إليه"؛ خوفا من تضييع حقها؛ فذلك يدل على أن تأويل الأول عندهم على الإقبال والمبادرة إليها دون السرعة والمشي، ولأن هذا موافق لسائر الصلوات في أن العدو غير مستحب، والله أعلم.

والحديث الوارد في السكينة الوقار مطلق ليس فيه فصل بين الجمعة وغيرها، وعليه إجماع الفقهاء أنه يمشي إلى الجمعة على هينته، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ ﴾ قال بعض الناس بأنه إذا باع في وقت الجمعة، لم يجز بيعه؛ لهذه الآية.

وعندنا أن البيع جائز، لكنه مكروه.

والذي يدل على جوازه أن النهي عن البيع في هذه الآية ليس لمكان البيع، ولكن لمكان الجمعة، فالفساد إذا ورد فإنما يرد في الجمعة لا في البيع؛ لأنه إذا باع في الصلاة فالبيع يفسد الصلاة؛ لأن الصلاة تفسد البيع، ولأن الأصل عندنا أن كل عقد نهي لأجل غيره، فالنقصان إذا ورد من النهي فإنما يرد في ذلك الغير لا في العقد، وعلى هذا ما روي عنه -  - أنه قال: "المحرم لا ينكح ولا ينكح" إذ النهي عن النكاح إنما هو لمكان الإحرام ليس لمكان النكاح؛ ولذلك نقول بجواز نكاح المحرم وبفساد الحج إذا جامع بذلك النكاح؛ لأن النهي إذا لم يكن لنفس العقد لم يستقم فساد العقد والنهي ليس من أجله، والله أعلم.

ثم لما قال: ﴿ فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ ﴾ لم يقل: إلى الجمعة، ولا: لها؛ دل أنه قبل الجمعة ذكر يجب الاستماع إليه والسعي إليه؛ فدل هذا على فرضية الخطبة، ولما ثبت أن المعنى من قوله: ﴿ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ ﴾ أن المراد بالذكر الخطبة، ثم أمر بترك البيع للسعي إلى هذا الذكر والاستماع له - ثبت أن الكلام في وقت الخطبة مكروه، وفي وقت خروج الإمام إلى الخطبة مكروه أيضاً؛ لأن البيع في ذلك الوقت مكروه، والبيع كلام؛ فيدل على كراهية كل كلام؛ فيدل على صحة مذهب أبي حنيفة - رحمه الله - في أنه يلزم السكوت إذا خرج الإمام حتى يفرغ من الصلاة، وعلى ذلك ورد الحديث عن النبي  أنه قال: "من أتى الجمعة ثم صلى ما شاء أن يصلي، ثم إذا خرج الإمام سكت إلى أن يفرغ من صلاته - كان ذلك كفارة له من الجمعة إلى الجمعة وزيادة ثلاثة أيام بعده" ، فلما ألزمه السكوت من حين يخرج الإمام إلى أن يفرغ من الصلاة، ثبت أن الكلام في ذلك الوقت مكروه، والله أعلم.

قال: وفي هذه الآية دلالة على كذب من قال: إن الصلاة إنما تفترض في آخر الوقت، وأن من أدى فرضاً في أول وقت فإنما يؤدي تطوعا؛ لأنه أمره بالسعي وفرض عليه إذا نودي، ومعلوم أنه إذا تهيأ للإمام تأخير الصلاة في ذلك الوقت نص عليه مع ذلك؛ فدل هذا على كذب مقالتهم، والله أعلم.

وأقبح من هذا أنهم قالوا: إن الصلوات مفروضات على الكفرة في حال كفرهم وعلى المسلمين تطوع مع أنه يجيء على قولهم: إنه ليس أحد من الأمة أدى فرضا ألبتة؛ لأنه لم يذكر عن أحد منهم أنه فرط في أداء الصلاة حتى خاف خروج وقتها، فهذا قول قبيح يجب أن يستتاب عنه صاحبه وعن أمثاله، والله أعلم.

وفي هذه الآية دلالة على أن الجمعة لا تجب على من بعد من الإمام بفرسخين؛ لأنه أمره بالسعي بعد النداء، ومن بعد فرسخين، قد يخرج وقت الجمعة ولا يدركها؛ فثبت أنه على ما دونه وهو أن يكون في حد الأمصار، والله أعلم.

ثم الوقت الذي نهي عن البيع فيه يوم الجمعة: عن مسروق وجماعة: هو وقت الزوال إلى أن يفرغ الإمام من الجمعة.

وعن مجاهد والزهري: أنه ينهى عن البيع بعد النداء؛ عملا بظاهر الآية: ﴿ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ ﴾ ، والأول أشبه؛ لأنه إنما يجب الحضور إلى الجمعة عند دخول الوقت وهو زوال الشمس وإن تأخر النداء؛ ولأن النداء بعد الزوال غير معتبر فكان وجوده وعدمه سواء.

وقوله -عز وجل-: ﴿ فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلاَةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ ﴾ .

أي: رحمة الله؛ هذا خرج في الظاهر مخرج الأمر، ولكنه في حكم الإباحة عندنا؛ لأن هذا أمر خرج على أثر الحظر، والأصل المجمع عليه عندهم: أن كل أمر خرج على أثر الحظر فهو في حكم الإباحة، وما خرج مخرج الإباحة فإن الحكم فيه يتصرف على تصرف الأحوال، فإن كانت الحالة توجب فرضيته كان فرضاً، وإن كانت توجب واجبا فواجب، وإن أدبا فأدب.

والدليل على أن كل أمر خرج على أثر الحظر، فهو في حق الإباحة - قوله  : ﴿ وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَٱصْطَادُواْ  ﴾ ، وقوله: ﴿ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ  ﴾ ، ولم يكن ذلك محمولا على الفرض والحتم الذي لا يجوز تركه، ولكن على إباحة الاصطياد، أي: اصطادوا [إن] شئتم، وأتوهن إن أردتم، فكذلك يجوز أن يكون المعنى من قوله: ﴿ فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلاَةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ على ذلك الوجه، وإذا كان الأمر على هذا السبيل صار كأنه قال: فإذا قضيت الصلاة التي نودي لها، فانتشروا في الأرض إن أردتم أو إن شئتم، والله المستعان.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ ﴾ .

يعني: التجارة والكسب، قال: البيع؛ كأنه ينتظم ابتغاء فضل الله، لكن قال فيما خرج [مخرج] الإذن والإطلاق: ﴿ وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ ﴾ ، وقال فيما نهى عن ذلك: ﴿ وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ ﴾ ، وإن كان المراد منهما جميعاً البيع؛ لأن كان يقبح أن يقول: وذروا ابتغاء فضل الله؛ ولأن ابتغاء الفضل يتضمن البيع وغيره؛ فلا يستقيم أن يقال: "وذروا ابتغاء فضل الله"، فقال هاهنا ﴿ وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ ﴾ ؛ ليلحقه النهي خاصة، وأما الإطلاق والإذن، فإنه يستقيم في البيع وغيره، فقال: ﴿ وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ ﴾ ، والله المستعان.

وقوله: ﴿ وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً ﴾ ، يحتمل وجهين: أحدهما: اذكروا الله كثيرا بألسنتكم وقلوبكم.

والثاني: اذكروا الله بالإقبال على الطاعات التي فيها تحقق ذكر الله.

وقوله: ﴿ لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ ، له أوجه: أحدها: على رجاء الفلاح.

والثاني: أي: لكي تفلحوا.

والثالث: على قطع وجوب الفلاح إذا فعل ذلك؛ بما قالوا: إن (لعل) و (عسى) من الله  واجب.

وقوله: ﴿ وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً ٱنفَضُّوۤاْ إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَآئِماً ﴾ .

التجارة واللهو لا يريان في الحقيقة، وإنما يرى اللاهي والتاجر، ولكنه ذكر فيه الرؤية؛ لقرب اللهو من اللاهي والتجارة من التاجر، كما قال  : ﴿ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلاَمَ ٱللَّهِ  ﴾ وكما يقال: سمعت كلام فلان، والكلام ليس بمسموع في الحقيقة، وإنما المسموع في ذلك الصوت الذي به يفهم كلامه، ولكن أطلق لفظ السماع في ذلك لتقاربهما، والله أعلم.

وبعد، فإن المعنى من هذا - والله أعلم - ليس نفس الرؤية؛ وإنما المعنى منه عندنا: كأنه قال: (وإذا علموا)؛ وذلك أنهم كانوا لا يرون التجارة، ولكن ينهى إليهم خبرها فيعلمون بها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱنفَضُّوۤاْ إِلَيْهَا ﴾ .

ولم يقل: (إليهما) وقد ذكر شيئين، ولم يلحق ما بعدهما من الكناية بهما، بل بأحدهما، ويجوز مثل ذلك؛ كقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا  ﴾ ، ولم يقل: (ولا ينفقونهما) لرجع الكناية إلى جميع ما سبق ذكره، وكما قال: ﴿ وَٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَٰوةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى ٱلْخَٰشِعِينَ  ﴾ وقد رجعت الكناية إلى أحد المذكورين لا إليهما، وكذلك هذا، وهذا؛ لأن المقصود من خروجهم إنما كان هو التجارة دون اللهو، ولكنهم إنما يعلمون ما يجلب إليهم بذلك اللهو؛ فجاز أن يكون ذكر الله لهذا المعنى، وإنما المقصود من ذلك التجارة، وكذلك قوله: ﴿ وَلاَ يُنفِقُونَهَا  ﴾ فذكر حق الإنفاق فيما كان الإنفاق منه أيسر وأسهل في المتعارف وذلك الفضة، وإن كان الحق واجبا فيهما جميعاً؛ لما أن المقصود [واحد] وهو الصرف إلى الفقراء فعلى ذلك هاهنا، وأما المعنى منه عندنا: إنما خص الصلاة برجوع الكناية إليها؛ لأنها ثقلت على اليهود؛ لأن القبلة كانت أولا إلى بيت المقدس فلما حولت إلى الكعبة ثقلت الصلاة إلى الكعبة على الكفار، فقال: ﴿ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ  ﴾ يعني: الصلاة إلى الكعبة، والله أعلم.

فإن قيل: كيف جاز أن ينفر أصحاب رسول الله  وهو في الخطبة إلى اللهو والتجارة، مع جلال قدرهم وتعظيمهم للنبي  ، وكذلك السؤال عن ضحكهم حين دخل الأعمى المسجد فوقع في بئر؟!

والجواب عن هذا أن القوم كانوا حديثي عهد بالإسلام، وكانوا من سوقة القوم ومن سفلتهم، ولم يكونوا عرفوا حق الخطاب وحق الخطبة عليهم، وكانت تلك تجارة يأملون منها منافع لو لم يبادروا إليها ذهبت عنهم، فإنما خرجوا من المسجد؛ جهلا منهم بحق الخُطْبة والخاطب.

وبعد فإنهم لم يكونوا من أجلة القوم، ولا صَاحَبُوا أجلتهم؛ ليعرفوا حق الخُطْبة والخاطب، فانفلت منهم الزلة، ومن مثلهم هذه، فأما الذين كانوا من أجلة الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - ومن علمائهم، فلم ينفر واحد منهم.

وكذلك الضحك أيضاً يجوز أن يكون من ضحك من أتباع القوم وسفلتهم، ولم يكونوا من الأجلة والنجباء، ولا يستنكر من مثل أولئك هذا الصنيع، والله أعلم.

قال: والمعنى من ترك النبي  نهيهم عن الخروج - وجهان: أحدهما: أن يكون الكلام كان محرماً وقت الخطبة؛ فلم ينههم للنهي عن الكلام في ذلك الوقت.

والثاني: يجوز أن يكونوا أسرعوا الخروج؛ فلم يبلغهم نهيه، أو لم ينههم؛ لما علم أنهم لم يسمعوا، والله أعلم.

وفي الخبر "أنه عد الذين ثبتوا معه بعدما فرغ من الصلاة فوجدهم اثني عشر رجلا، فقال: لو لحق آخركم بأولكم لاضطرم الوادي ناراً" أي: المدينة، ففي هذا دلالة على أن الجمعة تقام بدون الأربعين؛ لأنه -  - جمع باثني عشر رجلا، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَتَرَكُوكَ قَآئِماً ﴾ .

هذا يدل على [أن] الخطبة إنما تكون قائما.

وقوله: ﴿ قُلْ مَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ ٱللَّهْوِ وَمِنَ ٱلتِّجَارَةِ ﴾ .

قال إمام الهدى: ولولا هذا قد كان يعلم أن ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة، ولكن المعنى من ذلك - والله أعلم - أن الدنيا كلها متجر، وأن أهلها فيها تجار: إما تجارة الدنيا، أو تجارة الآخرة؛ لأن الطاعة والعبادة في الاعتبار كأنها تجارة؛ لأنه يكتسب بها منافع الآخرة، وتجارة الدنيا يكتسب بها منافع الدنيا، فقال: التجارة التي عند الله في طاعته واكتساب منافع الآخرة خير من اللهو، ومن التجارة التي يكتسب بها منافع الدنيا، والله أعلم.

وجائز أن يكون معناه كأنه قال: اتقوا الله؛ فإنكم إذا اتقيتموه اكتسبتم به المنافع في الرزق وغيره، والتجارة الدنيوية لا يكتسب بها إلا منافع الدنيا؛ ألا ترى إلى [قوله]: ﴿ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً  وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ  ﴾ ، وقال في موضع آخر: ﴿ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ  ﴾ ، فإذا كانت التقوى يستفاد بها الرزق والبر في الأمور وكفارة الذنوب، والتجارة لا يكتسب بها إلا منافع الدنيا، فرغبهم فيما فيه جملة المنافع وهو التقوى؛ ليمكثوا عند النبي  ، فيقول: رغبتكم فيما يكسبكم جملة المنافع إن اتقيتم ومكثتم عند النبي  خير من اللهو ومن التجارة التي تُكْسِبكم منفعة واحدة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ ﴾ .

ليس يقتضي ذكر هذا أن هناك رازقا آخر؛ ليكون هو خيرهم، ولكن المعنى من هذا [كالمعنى] في قوله: و ﴿ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ ﴾ \[المؤمنون: 14\] و ﴿ أَحْكَمُ ٱلْحَاكِمِينَ  ﴾ ؛ لأنه كان هو خير الرازقين، وأحسن الخالقين، وأحكم الحاكمين؛ لأنه لا يحكم إلا عدلا، ولا يخلق إلا ما فيه حكمة؛ فكذلك قوله: ﴿ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ ﴾ .

وجائز أن يضاف الرزق والخلق والحكم إلى العبيد مجازا، فقال: ﴿ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ ﴾ ممن يرزقكم؛ لأن غيره من الخلق إنما يرزق غيره من رزقه، ويعدل بحكمه، ويفعل بتوفيقه وتسديده، فقال: ﴿ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ ﴾ الذين يرزقون من رزقه، والله أعلم.

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

يا أيها الذين آمنوا بالله وعملوا بما شرعه لهم، إذا نادى المؤذن للصلاة من يوم الجمعة بعد صعود الخطيب على المنبر، فاسعوا إلى المساجد لحضور الخطبة والصلاة، واتركوا البيع؛ لئلا يشغلكم عن الطاعة، ذلك المأمور به من السعي وترك البيع بعد الأذان لصلاة الجمعة خير لكم -أيها المؤمنون- إن كنتم تعلمون ذلك، فامتثلوا ما أمركم الله به.

<div class="verse-tafsir" id="91.o1bND"

مزيد من التفاسير لسورة الجمعة

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.3 / 29.5
الإضاءة 28%
البدر بعد 9 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل