الإسلام > القرآن > تفسير > التسهيل > تفسير سورة الجمعة
تفسيرُ سورةِ الجمعة كاملةً من التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) (ابن جزي الكلبي).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 10 دقيقة قراءة﴿ القدوس ﴾ ذكر في [الحشر: 24] ﴿ هُوَ الذي بَعَثَ فِي الأميين رَسُولاً مِّنْهُمْ ﴾ يعني سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم، والأميين: هم العرب، وقد ذكر معنى الأمي في [الأعراف: 157] ﴿ وَآخَرِينَ مِنْهُمْ ﴾ عطفاً على الأميين، وأراد بهؤلاء فارس «وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: من هؤلاء الآخرون فأخذ بيد سليمان الفارسي، وقال: لو كان العلم بالثريا لناله رجال من هؤلاء» يعني فارس، وقيل: هم الروم، و ﴿ مِنْهُمْ ﴾ على هذين القولين، يريد به في البشرية وفي الدين، لا في النسب.
وقيل؛ هم أهل اليمن وقيل: التابعون، وقيل: هم سائر المسلمين، والأول أرجح لوروده في الحديث الصحيح ﴿ لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ ﴾ أي لما يلحقوا بهم بالنفي وسيلحقون، وذلك أن ﴿ لَمَّا ﴾ لذكر الماضي القريب من الحال ﴿ ذَلِكَ فَضْلُ الله ﴾ إشارة إلى نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وهداية الناس به.
<div class="verse-tafsir"
﴿ مَثَلُ الذين حُمِّلُواْ التوراة ﴾ يعني اليهود ومعنى حملوا التوراة كلفوا العمل بها والقيام بأوامرها ونواهيها ﴿ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا ﴾ لم يطيعوا أمرها ولم يعملوا بها، شبههم الله بالحمار الذي يحمل الأسفار على ظهره، ولم يدر ما فيها ﴿ بِئْسَ مَثَلُ القوم الذين كَذَّبُواْ بِآيَاتِ الله ﴾ يعني اليهود الذين كذبوا سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم وهم الذين حملوا التوراة ولم يحملوها؛ لأن التوراة تنطق بنبوته صلى الله عليه وسلم، فكل من قرأها ولم يؤمن به فقد خالف التوراة ﴿ فَتَمَنَّوُاْ الموت ﴾ ذكر في [البقرة: 94].
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ الجمعة فاسعوا إلى ذِكْرِ الله ﴾ النداء للصلاة هو الأذان لها، ومن في قوله: ﴿ مِن يَوْمِ الجمعة ﴾ لبيان إذا، وتفسير له، وذكر الله: يراد به الخطبة والصلاة، ويتعلق بهذه الآية ثمان مسائل: الأولى اختلف في الأذان للجمعة هل هو سنة كالأذان لسائر الصلوات؟
أو واجب لظاهر الآية لأنه شرط في السعي لها أن يكون عند الأذان، والسعي واجب فالأذان واجب.
الثانية كان الأذان للجمعة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم على جدار المسجد وقيل: على باب المسجد وقيل: كان بين يديه صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر، وقد كان بنو أمية يأخذون بهذا، وبقي بقرطبة زماناً وهو باق في المشرق إلى الآن.
قال أبو محمد بن الفرس: قال مالك في المجموعة إن هشام بن عبد الملك هو الذي أحدث الأذان بين يديه قال: وهذا دليل على أن الحديث في ذلك ضعيف.
الثالث كان الأذان للجمعة واحداً ثم زاد عثمان رضي الله عنه النداء على الزوراء ليسمع الناس.
واختلف الفقهاء هل المستحب أن يؤذن فيها اثنان أو ثلاثة: الرابعة: السعي في الآية بمعنى المشي لا بمعنى الجري، وقرأ عمر بن الخطاب: فامضوا إلى ذكر الله وهذا تفسير للسعي، فهو بخلاف السعي في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا نودي للصلاة فلا تأتونها وأنتم تسعون.
الخامسة: حضور الجمعة واجب، لحمل الأمر الذي في الآية على الوجوب باتفاق، إلا أنها لا تجب على المرأة ولا على الصبي ولا على المريض باتفاق، ولا على العبد والمسافر عند مالك والجمهور؛ خلافاً للظاهرية.
وتعلقوا بعموم الآية وحجة الجمهور قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: الجمعة واجبة على كل مسلم في جماعة إلا أربعة عبد مملوك أو امرأة أو صبي أو مريض وحجتهم في المسافر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يقيم الجمعة في السفر، واختلف هل تسقط الجمعة بسب المطر أم لا؟
وهل يجوز للعروس التخلف عنها أم لا، والمشهور أنها لا تتتسقط عنه لعموم الآية، السادسة: اختلف متى يتعين الإقبال إلى الصلاة؟
فقيل: إذا زالت الشمس، وقيل: إذا أذن المؤذن وهو ظاهر الآية، السابعة: اختلف في الموضع الذي يجب منه السعي إلى الجمعة.
فقيل: ثلاثة أميال وهو مذهب مالك، وقيل: ستة أميال وقيل: على من كان داخل المصر، وقيل: على من سمع النداء، وقيل: على من آواه الليل إلى أهله، الثامنة: اختلف في الوالي هل هو من شرط الجمعة أم لا؟
على قولين، والمشهور سقوطه لأن الله لم يشترطه في الآية.
﴿ وَذَرُواْ البيع ﴾ أمر بترك البيع يوم الجمعة إذا أخذ المؤذنون في الأذان، وذلك على الوجوب، فيقتضي تحريم البيع، واختلف في البيع الذي يعقد في ذلك الوقت هل يفسخ أم لا؟
واختلف في بيع من لا تلزهم الجمعة من النساء والعبد هل يجوز في ذلك الوقت أم لا؟
والأظهر جوازه؛ لأنه إنما منع منه من يدعى إلى الجمعة ﴿ فانتشروا فِي الأرض ﴾ هذا الأمر للإباحة باتفاق، وحكى الإجماع على ذلك ابن عطية وابن الفرس ﴿ وابتغوا مِن فَضْلِ الله واذكروا الله كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ قيل: معناه طلب المعاش، فالأمر على هذا للإباحة، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الفضل المبتغى عيادة مريض أو صلة صديق أو اتباع جنازة» وقيل: هو طلب العلم.
وإن صح الحديث لم يعدل إلى سواه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفضوا إِلَيْهَا ﴾ «سبب الآية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قائماً على المنبر يخطب يوم الجمعة، فأقبلت عير من الشام بطعام، وصاحب أمرها دحية بن خليفة الكلبي، وكانت عادتهم أن تدخل العير المدينة بالطبل والصياح سروراً بها، فلما دخلت العير كذلك انفض أهل المسجد إليها، وتركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائماً على المنبر، ولم يبق معه إلا اثنا عشر رجلاً.
قال جابر بن عبد الله: أنا أحدهم» وذكر بعضهم أن منهم العشرة المشهود لهم بالجنة، واختلف في الثاني عشر، فقيل: عبد الله بن مسعود، وقيل: عمار بن ياسر، وقيل: إنما بقي معه صلى الله عليه وسلم ثمانية وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال لهؤلاء: لقد كانت الحجارة سُوِّمت في السماء على المنفضين.
وظاهر الآية يقتضي أن الجماعة شرط من الجمعة وهو مذهب مالك والجمهور، إلا أنهم اختلفوا في مقدار الجماعة الذي تنعقد بهم الجمعة؟
فقال مالك: ليس في ذلك عدد محدود، وإنما هم جماعة تقوم بهم قرية.
وروى ابن الماجشون عن مالك ثلاثون.
وقال الشافعي: أربعون.
وقال أبو حنيفة: ثلاثة مع الإمام وقيل: اثنا عشر عدد الذي بقوا مع النبي صلى الله عليه وسلم.
فإن قيل: لم قال انفضوا إليها بضمير المفرد وقد ذكر التجارة واللهو؟
فالجواب من وجهين: أحدهما أنه أراد انفضوا إلى اللهو وانفضوا إلى التجارة، ثم حذف أحدهما لدلالة الآخرة عليه.
قاله الزمخشري.
والآخر أنه قال ذلك مهتماً بالتجارة إذ كانت أهم، وكانت هي سبب اللهو، ولم يكن اللهو سببها، قاله ابن عطية.
﴿ وَتَرَكُوكَ قَآئِماً ﴾ اختلفوا في القيام في الخطبة هل هو وجب أم لا؟
وإذ قلنا بوجوبه فهل هو شرط فيها أم لا؟
فمن أوجبه واشترطه أخذ بظاهر الآية من ذكر القيام.
ومن لم يوجبه رأى أن ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك لم يكن على الوجوب.
ومذهب مالك أن من سنة الخطبة الجلوس قبلها والجلوس بين الخطبتين، وقال أبو حنيفة: لا يجلس بين الخطبيتن لظاهر الآية وذكر القيام فيها دون الجلوس، وحجة مالك فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ قُلْ مَا عِندَ الله خَيْرٌ مِّنَ اللهو وَمِنَ التجارة ﴾ إن قيل: لم قدم اللهو هنا على التجارة وقدم التجارة قبل هذا على اللهو؟
فالجواب: أن كل واحد من الموضعين جاء على ما ينبغي فيه؛ وذلك أن العرب تارة يبتدئون بالأكثر ثم ينزلون إلى الأقل كقولك: فلان يخون في الكثير والقليل فبدأت بالكثير ثم أردفت عليه الخيانة فيما دونه، وتارة يبتدئون بالأقل ثم يرتقون إلى الأكثر كقولك: فلان أمين على القليل والكثير فبدأت بالقليل ثم أردفت عليه الأمانة فيما هو أكثر منه، ولو عكست في كل واحد من المثالين لم يكن حسناً؛ فإنك لو قدمت في الخيانة القليل لعلم أنه يخون في الكثير.
من باب أولى وأحرى، ولو قدمت في الأمانة ذكر الكثير لعلم أنه أمين في القليل من باب أولى وأحرى، فلم يكن لذكره بعد ذلك فائدة وكذلك قوله: ﴿ وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفضوا إِلَيْهَا ﴾ .
قدم التجارة هنا ليبين أنهم ينفضون إليها، وأنهم مع ذلك ينفضون إلى اللهو الذي هو دونها وقوله: ﴿ خَيْرٌ مِّنَ اللهو وَمِنَ التجارة ﴾ قدم اللهو ليبين أن ما عند الله خير من اللهو، وأنه أيضاً خير من التجارة التي هي أعظم منه، ولو عكس كل واحد من الموضعين لم يحسن.