الإسلام > القرآن > تفسير > البسيط > سورة 8 الأنفال > الآية ٣٤
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 9 دقيقة قراءةوقوله تعالى: ﴿ وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ ﴾ الآية، معنى (ما) هاهنا: إيجاب (١) (٢) قال ابن عباس في رواية عطاء في قوله: ﴿ وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ ﴾ يريد المقيمين على الشرك حتى ماتوا أو قتلوا ببدر (٣) (٤) (٥) (٦) (٧) ﴿ وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ ﴾ يعني: المشركين خاصة بعد خروج من عنى بقوله: (وهم يستغفرون) من بينهم.
واختلفوا في هذا العذاب، فقيل: لحقهم هذا العذاب المتوعد به يوم بدر (٨) (٩) (١٠) (١١) وقوله تعالى: ﴿ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ﴾ [قال أبو إسحاق: مفعول الصد محذوف، المعنى: وهم يصدون عن المسجد الحرام أولياءه (١٢) (١٣) وأصحابه أن يطوفوا، قال ابن إسحاق: أي: إياك ومن آمن بك (١٤) وقوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ ﴾ قال الحسن: إن المشركين قالوا: نحن أولياء المسجد الحرام؛ فرد الله عليهم (١٥) (١٦) (١٧) ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾ : أي: عذاب الاستئصال؛ لأن أمم الأنبياء إذا أُهلكوا (١٨) ﴿ وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ ﴾ ، وقال: ﴿ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ ﴾ ، الآية، ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ أي: ومؤمنوهم يستغفرون ويصلون، ﴿ وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ ﴾ أي: بالسيف في (١٩) (٢٠) (٢١) ﴿ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ ﴾ وهذا العذاب غير الأول، وإنما هو عذاب بالسيف، وليس بانتقام عام شامل كالأول.
وقال عطاء عن ابن عباس: وما كانوا للنبي بأولياء (٢٢) ﴿ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ ﴾ يريد: المهاجرين والأنصار، ﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ يريد: غيب علمي، وما سبق في قضائي وقدرتي (٢٣) وقول من قال: إن هذه الآية ناسخة للآية التي قبلها، ليس بشيء، وهذا يروى عن الحسن وعكرمة (٢٤) (٢٥) وذكر أبو إسحاق الزجاج معنى آخر لهذه الآية هو أليق بما قبلها وهو أنه قال في قوله: ﴿ وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ ﴾ : المعنى: وأي شيء لهم في ترك العذاب، أي في دفعه عنهم ﴿ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ﴾ (٢٦) ومعنى هذا الكلام: وأي شيء لهم في ترك عذابهم، أي: إنا وإن تركنا عذابهم يكفيهم من الخسارة في حالتهم أنهم يصدون عن المسجد الحرام، وأنهم حرموا موالاة محمد ولو أراد الله بهم خيرًا ما فعلوا ذلك (٢٧) وشرح صاحب النظم المذهبين في قوله: ﴿ وَمَا لَهُمْ ﴾ شرحًا شافيًا فقال: قوله (٢٨) ﴿ وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ ﴾ أصحاب العربية اختلفوا في معنى هذه الكلمة وفي قولهم: ما لزيد قائمًا؟
فزعم بعضهم أن قولك: مالك وما لزيد؟
استفهام عن حال أنكرتها، فإذا قلت: ما لزيد قائمًا؟
فكأنك قلت: ما له في القيام؟
أي: أي شيء [له فيه من نفع أو غيره؟
وهذا وجه قول الزجاج (٢٩) (٣٠) ﴿ عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ ﴾ ، و ﴿ فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا ﴾ ، و ﴿ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴾ .
ثم إنهم قدموا (ما) وأخروا اللام، واللام (٣١) (٣٢) ﴿ وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا ﴾ بمعنى: لم لا نرى رجالًا؟
فإذا أضفت اللام إلى المستفهم عنه لم يحتج إلى فعل لدلالة النعت بانتصابه على الفعل مثل قولك: مالك قائمًا؟
وإذا أضفت اللام إلى نفسك وأنت مستفهم فلابد من إظهار فعل يدل على الاستفهام مثل قولك: مالي أراك قائمًا؟، كما قال تعالى: ﴿ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ ﴾ ، ولا يجوز: مالي قائمًا؟
وأنت تريد أن تستفهم عن غيرك، فإن أنت (٣٣) ﴿ وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ ﴾ يكون معناه على ما رتبنا: لم لا يعذبهم الله؟
إلا أن اللام منقولة عن موضعها إلى غيره (٣٤) ﴿ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ ﴾ زيادة مقحمة (٣٥) ﴿ فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ بلا (أن)، وقال: ﴿ وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ ﴾ ، فزاد (أن)، ومنه قول الشاعر (٣٦) مالك لا تذكر أم عمرو ...
إلا لعينيك غروب تجري ولو قال: مالك أن لا تذكر كان (أن) زيادة.
(١) في (ح): (لإيجاب).
(٢) قال أبو حيان في "البحر المحيط" 4/ 490: الظاهر أن (ما) استفهامية، أي: أي شيء لهم في انتفاء العذاب، وهو استفهام معناه التقرير، أي: كيف لا يعذبهم وهم يتصفون بهذه الحالة، وقيل (ما) للنفي، فيكون إخبارًا، أي: وليس لهم أن لا يعذبهم الله، أي ليس ينتفي العذاب عنهم مع تلبسهم بهذه الحال.
(٣) رواه بنحوه ابن أبي حاتم 5/ 1693، وانظر: "تفسير ابن كثير" 2/ 339.
(٤) رواه عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 3/ 328.
(٥) رواه ابن جرير 9/ 234 - 235، والنحاس في "الناسخ والمنسوخ" 2/ 383.
(٦) لم أقف عليه.
(٧) انظر: "تفسير ابن جرير" 9/ 234 - 235 (٨) رواه ابن جرير 9/ 237، وابن أبي حاتم 5/ 1693، والنحاس في "الناسخ والمنسوخ" 2/ 381، عن ابن عباس.
(٩) هو: سعيد بن عبد الرحمن.
تقدمت ترجمته.
(١٠) رواه ابن جرير 9/ 234 ، وابن أبى حاتم 5/ 1693.
(١١) رواه ابن جرير 9/ 235.
(١٢) "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 2/ 412، ولم يذكر أبو إسحاق الزجاج أن المفعول محذوف، بل ذكر المعنى مباشرة، فلعل الواحدي عبر عما فهمه من عبارة الزجاج، أو أن هناك سقطًا في بعض النسخ، ويرجح الأول أن ابن الجوزي نقل قول الزجاج في "زاد المسير" 3/ 352، ولم يذكر ما ذكره الواحدي.
(١٣) ما بين المعقوفين ساقط من (س).
(١٤) "السيرة النبوية" 2/ 366، ونص قول ابن إسحاق: أي من آمن بالله وعبده، أي أنت ومن اتبعك.
(١٥) رواه البغوي 3/ 354، وانظر: "زاد المسير" 3/ 352، و"الوسيط" 2/ 458.
(١٦) ساقط من (م).
(١٧) رواه الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص 181، عن الكلبي، عن ابن عباس، وهو في "تفسير السمرقندي" 2/ 16 مختصرًا.
(١٨) في (م) و (س): (هلكوا).
وما أثبته موافق لما في "الحجة".
(١٩) ساقط من (ح).
(٢٠) في (س): (عليهم)، وكذلك هو في "الحجة"، وأثبت ما في (ح) و (م) لأنه أصح في المعنى ولأن به يستقيم معنى قول الواحدي: وهذا معنى قوله (وما كانوا أولياءه).
(٢١) اهـ.
كلام أبي علي، انظر: "الحجة للقراء السبعة" 4/ 348.
(٢٢) سبق بيان وهاء هذه الرواية، وهذا القول لا يدل عليه السياق إذ ليس للنبي ذكر في هذه الآيات بضمير الغائب، وللمفسرين في عود هاء الكناية في هذه الكلمة قولان: 1 - أنها ترجع إلى المسجد، وهو الراجح لأنه أقرب مذكور، وقد نسب ابن الجوزي 3/ 352 هذا القول إلى الجمهور، واختاره الثعلبي 6/ 58/ ب، والبغوي 3/ 354، والزمخشري 2/ 156، وابن كثير 2/ 339.
والمعنى: وما كان المشركون أولياء المسجد الحرام وأهله، وإنما أولياؤه المتقون وهم النبي ومن آمن به.
2 - أنها ترجع إلى الله تعالى، وهذا اختيار ابن جرير 9/ 239.
والمعنى: وما كان المشركون أولياء الله.
(٢٣) لم أجد أحدًا ذهب إلى هذا المعنى، ولا دلالة في الآية عليه، والذي عليه المفسرون أن المعنى: ولكن أكثرهم لا يعلمون أن أولياء الله المتقون، أو لا يعلمون أن أولياء المسجد هم المتقون، انظر: " تفسير ابن جرير" 9/ 239، وابن الجوزي 3/ 352، وأبي السعود 4/ 20، وذهب السمرقندي 2/ 16 إلى أن المعنى: لا يعلمون توحيد الله.
(٢٤) أخرجه عنهما ابن جرير 9/ 238، ورواه عن الحسن جمع من المفسرين منهم النحاس في: "الناسخ والمنسوخ" 2/ 381، والثعلبي 6/ 58 ب، والبغوي 3/ 354.
(٢٥) انظر: "تفسير ابن جرير" 9/ 238، و"الناسخ والمنسوخ" للنحاس 2/ 381، و"المحرر الوجيز" 6/ 286.
(٢٦) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 412.
(٢٧) هذا فهم الواحدي لعبارة الزجاج، والذي أراه أن الزجاج لم يقصد هذا المعنى، وإنما مراده: وأي شيء يدفع عنهم العذاب وهم يصدون عن المسجد الحرام.
ويدل على هذا المعنى كلامه اللاحق، فقد قال بعد تفسير الآية: فأعلم الله النبي أنه لم يكن ليعذبهم بالعذاب الذي وقع بهم من القتل والسبي وهو بين أظهرهم، ولا ليوقع ذل العذاب بمن يؤول أمره إلى الإسلام منهم، وأعلمه أنه يدفع العذاب من جملتهم الذي أوقعه بهم.
"معانى القرآن وإعرابه" 2/ 412، فالجملة الأخيرة تفسير لقوله السابق الذي ذكره الواحدي.
(٢٨) ساقط من (س).
(٢٩) يعني قول الزجاج في تفسير الآية: المعنى: أي شيء لهم في ترك العذاب، و"معاني القرآن وإعرابه" 2/ 412.
(٣٠) ما بين المعقوفين ساقط من (ح) (٣١) ساقط من (س).
(٣٢) ساقط من (ح).
(٣٣) ساقط من (م) و (س).
(٣٤) سبق قول أبي علي الجرجاني: ثم إنهم قدموا (ما) وأخروا اللام واللام لا تقوم بنفسها إلا مضافة إلى شيء اهـ، وهو يعني هنا: أن اللام في قوله تعالى: ﴿ مَا لَهُمْ ﴾ نقلت عن موضعها وأخرت عن (ما) إذا الأصل: لِمَ، ثم أضيفت اللام إلى الاسم المستفهم عنه فصارت الكلمة: مالهم، ثم زيدت (أنَ)، فإذا أعدنا الكلمة إلى أصلها، وحذفنا الزيادة، صارت الجملة: لم لا يعذبهم.
(٣٥) ذهب الأخفش في "معاني القرآن" 1/ 349 أيضًا إلى القول بزيادة (أن) وقد رد عليه النحاس في "إعراب القرآن" 1/ 675 بقوله: لو كان كما قال لرفع (يعذبهم) و (أن) في موضع نصب، والمعنى: وما يمنعهم من أن يعذبوا، فدخلت (أن) لهذا المعنى اهـ.
والجدير بالتنبيه أن قول بعض النحاة عن شيء في كتاب الله: زيادة مقحمة، مما ينافي الأدب مع القرآن إذ العبارة توحي بأن هذا اللفظ مما لا فائدة له، والحق أنه ما من لفظ في كتاب الله إلا جيء به لمعنى، كالتوكيد أو الإشارة إلى معنى خفى.
(٣٦) لم يتبين لي من هو، والرجز بلا نسبة في "تهذيب اللغة" (غرب) 3/ 3643.
و"لسان العرب" (غرب) 6/ 3228.
<div class="verse-tafsir"