الإسلام > القرآن > تفسير > البسيط > سورة 8 الأنفال > الآية ٤٢
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 10 دقيقة قراءةقوله تعالى: ﴿ إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا ﴾ يجوز أن تتعلق (إذ) بمضمر معناه: واذكروا إذ أنتم، كما قال تعالى: ﴿ وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ ﴾ ، فأضمر هاهنا، ويجوز أن تتعلق بالمصدر الذي هو (الفرقان) في قوله: ﴿ يَوْمَ الْفُرْقَانِ ﴾ المعنى: يوم فرق الله بين الحق والباطل إذ أنتم بهذا الموضع.
وأما العدوة: فقال ابن السكيت: عِدوة الوادي وعُدوته: جانبه والجمع عِدىً وعُدَى (١) (٢) وقرئ باللغتين جميعًا (٣) قال الأخفش: الكسر كلام العرب، لم يسمع منهم غير ذلك (٤) (٥) و ﴿ الدُّنْيَا ﴾ : تأنيث الأدنى، وضده القصوى، وهو تأنيث الأقصى، وكل شيء تنحى عن شيء فقد قصى يقصو (٦) وأما الكلام في اختلاف (الدنيا) و (القصوى) بالياء والواو وهما من باب واحد، فقال الحراني عن ابن السكيت: ما كان من النعوت مثل العليا والدنيا فإنه يأتي بضم أوله وبالياء؛ لأنهم يستثقلون الواو مع ضمة أوله، وليس (٧) (٨) (٩) (١٠) (١١) قال المفسرون جميعًا: إذ أنتم نزولٌ بشفير (١٢) (١٣) وكان الجمعان قد نزلا الوادي الذي ببدر على هذه الصفة قد اكتنفا شفيريه.
قال أهل المعاني: معنى (١٤) (١٥) (١٦) وقوله تعالى: ﴿ وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ ﴾ ، قال ابن السكيت: الركب أصحاب الإبل، وهم العشرة فما فوقها (١٧) ويقال: سفل يسفل سفاله وسفلًا فهو سافل، نقيض علا يعلو، قال المفسرون: يعني أبا سفيان وأصحابه وهم العير التي خرجوا ليأخذوها، كانت في موضع أسفل منكم إلى ساحل البحر (١٨) قال أبو إسحاق: الوجه أن تنصب (أسفل) -وعليه القراءة- أراد: مكانًا أسفل، ويجوز الرفع على أن تريد: والركب (١٩) (٢٠) (٢١) وقوله تعالى: ﴿ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ ﴾ ، قال ابن إسحاق: أقبل أبو سفيان في الركب من الشام، وخرج رسول الله وأصحابه ليأخذوها، وخرجت قريش تمنعه، فالتقوا ببدر ولم يشعروا (٢٢) ﴿ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ ﴾ لكثرتهم وقلتكم، يعني: لو تواعدتم ثم بلغكم كثرة عددهم مع قلة عددكم لتأخرتم وفنقضتم الميعاد، هذا معنى قول المفسرين (٢٣) وقيل: لو تواعدتم من غير لطف الله لكم لاختلفتم بالعوائق والقواطع (٢٤) وقوله تعالى: ﴿ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا ﴾ في الكلام حذف واختصار يدل عليه الفحوى، تقديره: ولكن جمعكم الله من غير ميعاد: ﴿ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا ﴾ وإن شئت أخرت المقدر فقلت: ﴿ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا ﴾ جمعكم من غير ميعاد، قال ابن عباس: يريد: ليتم الله لنبيه وللمؤمنين موعده؛ ليقر عين نبيه وأعين المؤمنين (٢٥) (٢٦) (٢٧) قوله تعالى: ﴿ لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ ﴾ فهذه اللام مكررة على اللام في قوله: ﴿ لِيَقْضِيَ ﴾ المعنى: ولكن فعل ذلك ليهلك، وأكثر أهل العلم على أن المراد بالهلاك هاهنا: الكفر والضلال، وبالحياة: الاهتداء والإسلام (٢٨) قال محمد بن إسحاق: ليكفر من كفر بعد حجة قامت عليه وقطعت عذره، ويؤمن من آمن على مثل ذلك (٢٩) (٣٠) (٣١) (٣٢) وذهب آخرون إلى أن معنى الهلاك هاهنا: الموت (٣٣) (٣٤) ﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ ﴾ قرئ بيائين، وقرئ بياء واحدة مشددة (حيّ) (٣٥) (٣٦) (٣٧) (٣٨) (٣٩) ﴿ كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ ﴾ فلم تحذف كما حذفت الياء من قوله: ﴿ الْكَبِيرُ الْمُتَعَال ﴾ وهذا يدلك على أنها بالحركة قد صارت في حكم الصحيح، وإذا صار كذلك جاز الإدغام فيها كما جاز في الصحيح، وعلى هذا جاء ما أنشد من قوله (٤٠) عَيُّوا بأمرهم كما ...
عيّت ببيضتها الحمامه وقال المتلبس (٤١) فهذا أوان العرض حي ذبابة ...
زنابيره والأزرق المتلمس (٤٢) (٤٣) ﴿ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى ﴾ ، فلا يجوز فيه الإدغام؛ لأن حركة النصب غير لازمة، ألا ترى أنها تزول في الرفع وتذهب في الجزم مع الرفع، وإذا لم تلزم لم يجز الاعتداد بها، كأشياء (٤٤) (٤٥) (٤٦) (٤٧) وأما من أظهر فقال: (حيي) ولم يدغم فلأن حركة اللام في (حيي) تزول لاتصالها بالضمير إذا قلت: حَيِيت، فصار زوال الحركة عن اللام في هذا البناء بمنزلة زوال حركة النصب عن المعرب لحدوث إعراب آخر فيه، ويقوي البيان في هذا ما حكاه يونس عن العرب: أحيياء، وأحييه وفي جمع حي، فبينوا، مع أن الحركة غير مفارقة، فإذا لم يدغموا ما لم تفارقه الحركة فلأن لا يدغموا ما تفارقه الحركة كان (٤٨) (٤٩) وقوله تعالى: ﴿ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ ، قال ابن عباس: يريد: سميع لدعائكم وابتهالكم وتضرعكم، عليم بنياتكم وحبكم لربكم ونصرتكم لنبيكم وطاعتكم لله (٥٠) (١) "تهذيب إصلاح المنطق" ص 295، و"تهذيب اللغة" (عدا) 3/ 2348.
(٢) "تهذيب اللغة" (عدا) 3/ 2348، والنص في كتاب "العين" (عدو) 2/ 216.
(٣) قرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب بكسر العين، والباقون بضمها.
انظر: كتاب "السبعة" ص 306، و"تحبير التيسير" ص 118.
(٤) "الحجة" 4/ 129، و"تفسير ابن الجوزي" 3/ 361، والفخر الرازي 15/ 167، وأبي حيان 4/ 499، وهو مخالف لقوله في "معاني القرآن" 1/ 350، فقد ذكر اللغتين ورجح القراءة بالضم.
(٥) انظر: "زاد المسير" 3/ 361، ولم أجده في "فصيح ثعلب".
(٦) في (ح): (يقصى)، والصواب ما أثبته، إذ في كتب اللغة: كل شيء تنحى عن شيء فقد قصى يقصو قصوًا.
انظر: كتاب "العين" (قصو) 5/ 187، و"تهذيب اللغة" (قصا) 3/ 2969، و"لسان العرب" (قصا) 6/ 3657، أما الفعل (يقصى) فهو مضارع (قصي) بالكسر يقال: قصي فلان عن جوارنا يقصى قصًا، أي: بعد، انظر: "لسان العرب" (قص) 6/ 3608.
(٧) في "تهذيب اللغة": فليس.
(٨) "تهذيب اللغة" (قصا) 3/ 2969.
وانظر: "تهذيب إصلاح المنطق" ص 346.
(٩) يعني: ذوات، كما في "اللسان" 6/ 3657، مادة (قصا).
(١٠) في كتاب "العين": الفتيا لغة في الفتوى.
(١١) كتاب "العين" (قصو) 5/ 187، وقد تصرف الواحدي بعبارة الخليل بالحذف والزيادة.
(١٢) أي: حده وحرفه، انظر: "مقاييس اللغة" (شفر) 3/ 200.
(١٣) انظر: "تفسير ابن جرير" 10/ 10، والثعلبي 6/ 63 أ، و"الدر المنثور" 3/ 341.
(١٤) ساقط من (ح).
(١٥) ساقط من (ح).
(١٦) لم أقف عليه.
(١٧) "المشوف المعلم في ترتيب الإصلاح" (رك ب) 1/ 309، والنص باختصار في "تهذيب إصلاح المنطق" ص 114.
(١٨) انظر: "تفسير ابن جرير" 10/ 10، والثعلبي 6/ 63 أ، والبغوي 3/ 363.
(١٩) ساقط من (ح).
(٢٠) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 417 مع التقديم والتأخير والحذف.
(٢١) انظر: "معاني القرآن" 1/ 411.
(٢٢) في "السيرة النبوية" 2/ 319، كلام يشبه هذا من حيث المعنى، ثم تبين لي أن ابن إسحاق هذا ليس صاحب السيرة بل هو عمير بن إسحاق أبو محمد مولى بني هاشم، تابعي متكلم فيه، لينه ابن معين، وقال الحافظ ابن حجر: مقبول.
انظر: "الكاشف" 2/ 96 (4282)، و"التقريب" ص 431 (5179)، وأثره هذا رواه ابن جرير 7/ 11 بلفظ مقارب.
(٢٣) انظر: "تفسير ابن جرير" 10/ 11، والثعلبي 6/ 63 ب، والبغوي 3/ 363، وابن الجوزي 3/ 362.
(٢٤) هذا قول أحمد بن عمار المهدوي المفسر، انظر.
"المحرر الوجيز" 6/ 319 ، وقد ذكر هذا القول أيضًا الماوردي 2/ 322 دون نسبة.
(٢٥) "تنوير المقباس" ص 182 بمعناه.
(٢٦) في (ح): (ليقضي).
(٢٧) ذكر معنى هذا القول أبو الليث السمرقندي 3/ 341، وابن عطية 6/ 320، وأبو حيان 4/ 501، ولم أجده عند أهل المعاني.
(٢٨) انظر: "تفسير ابن جرير" 10/ 12، و"معاني القرآن" للنحاس 3/ 159، و"تفسير ابن أبي حاتم" 5/ 1708، والسمرقندي 2/ 19، وابن عطية 6/ 321، وابن كثير 2/ 328، وقد ذهب ابن جرير إلى أن المعنى: ليموت من مات عن حجة ويعيش من عاش عن حجة.
(٢٩) "السيرة النبوية" 2/ 319 مع اختلاف يسير.
(٣٠) في (ح): (يهدى)، وهو كذلك في "تفسير البغوي"، وما أثبته موافق لـ"تفسير الثعلبي" وهو أولى لأن الكلمة تفسير لقوله تعالى: ﴿ يَحْيَى ﴾ ولموافقته لقول قتادة: من اهتدى.
(٣١) رواه الثعلبي 6/ 63 ب، والبغوي 3/ 363.
(٣٢) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 418.
(٣٣) انظر: "تفسير ابن جرير" 10/ 12، والماوردي 2/ 322، وابن الجوزي 3/ 363، والبغوي 3/ 363.
(٣٤) هذا قول الثعلبي، انظر: "تفسيره" 6/ 63 ب.
(٣٥) قرأ نافع وأبو بكر، عن عاصم والبزي، عن ابن كثير بالفك وعدم التشديد، وقرأ باقي السبعة بالإدغام والنطق بياء واحدة مشددة انظر "إرشاد المبتدي" ص 347، و"تحبير التيسير" ص 118، و"الوافي في شرح الشاطبية" ص280.
(٣٦) في "معاني القرآن وإعرابه": عن.
(٣٧) المصدر السابق 2/ 418.
(٣٨) يعني الحرف، ولذا ذكّره وهو كذلك في بعض نسخ "الحجة للقراء السبعة"، وجاء في بعضها: فصارت، بالتأنيث، وكذا في موضعين بعده، ونصه: فصارت بلزوم الحركة لها مشابهة ...
إلخ.
وهذا ما اختاره المحققان للحجة.
(٣٩) ساقط من (ح).
(٤٠) البيت لعبيد بن الأبرص كما في "ديوانه" ص 138، و"أدب الكاتب" ص 54، و"الحيوان" 3/ 189، و"شرح أبيات سيبويه" 2/ 430، و"لسان العرب" (حيا) 2/ 1080.
(٤١) هو: جرير بن عبد العزى -أو عبد المسيح- من بني ضبيعة من ربيعة، شاعر جاهلي من أهل البحرين، وهو خال طرفة بن العبد، صاحب المعلقة وكان ينادم ملك العراق عمرو بن هند ويمدحه ثم هجاه فأراد عمرو قتله ففر إلى الشام، وتوفي نحو سنة 50 ق هـ.
انظر: "الشعر والشعراء" ص 99، و"الأعلام" 2/ 119.
(٤٢) البيت في "ديوانه" ص 123، وانظر: "شرح ديوان الحماسة" للمرزوقي 2/ 622، و"المعاني الكبير" 2/ 406.
قال المرزوقي في الموضع السابق: يروى (جُنّ ذبابه) أي كثر ونشط، والعرض: واد من أودية اليمامة، وكأنه قال: وهذا الذي ذكرت هو في هذا الأوان، وقوله (حيّ ذبابه) أي عاش بالخصب فيه، وزنابيره يرتفع على أنه بدل من الذباب، وذباب الروض قد تسمى زنابير وقوله (والأزرق) إشارة إلى جنس آخر غير الأول، وهو ما كان أخضر ضخمًا، والمتلمس: الطالب اهـ.
باختصار.
(٤٣) ما بين المعقوفين نصه في "الحجة" هكذا: كل موضع يلزم ياء يخشى فيه الحركة، جاز الإدغام في اللام من حيي اهـ، ولم يظهر لي معناه، وقد نقل ابن عطية هذا القول بلفظ مغاير أيضًا ونصه: قال أبو علي: وعبرة هذا أن كل موضع تلزم الحركة فيه ياء مستقبلية فالإدغام في ماضيه جائز.
"المحرر الوجيز" 6/ 323.
(٤٤) في (ح): (شيئًا).
(٤٥) في (س): (ما قبلها).
(٤٦) ساقط من (ح).
(٤٧) ما بين المعقوفين ليس من كلام أبي علي في "الحجة" كالكلام السابق واللاحق له ، بل ذكره أبو علي في كتابه "الإغفال" ص 827، وقد ذكره الواحدي بمعناه.
(٤٨) ساقط من (ح) و (س).
(٤٩) "الحجة للقراء السبعة" 4/ 140 - 143، مع تصرف كثير بالحذف والزيادة والتقديم والتأخير.
(٥٠) رواه الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص 182 مختصراً.
<div class="verse-tafsir"