الإسلام > القرآن > تفسير > التسهيل > تفسير سورة الإنسان
تفسيرُ سورةِ الإنسان كاملةً من التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) (ابن جزي الكلبي).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 14 دقيقة قراءة﴿ هَلْ أتى عَلَى الإنسان حِينٌ مِّنَ الدهر لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً ﴾ هل هنا بمعنى التقرير لا لمجرد الاستفهام، وقيل: هل بمعنى قل، والإنسان هنا جنس، والحين الذي أتى عليه حين كان معدوماً قبل أن يخلق، وقيل: الإنسان هنا آدم، والحين الذي أتى عليه حين كان طيناً قبل أن ينفخ فيه الروح وهذا ضعيف لوجهين: أحدهما قوله: ﴿ إِنَّا خَلَقْنَا الإنسان مِن نُّطْفَةٍ ﴾ وهو هنا جنسها باتفاق؛ إذ لا يصح هنا في آدم، والآخر أن مقصد آية تحقير الإنسان ﴿ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ ﴾ أي أخلاط واحدها مشج بفتح الميم والشين وقيل: مشج بوزن عدل، وقال الزمخشري: ليس أمشاج وإنما هو مفرد كقولهم: برمة أعشار، ولذلك أوقع صفة للمفرد واختلف في معنى الأخلاط هنا فقيل: اختلاط ماء الرجل والمرأة، وقيل: معناه ألوان وأطوار، أي يكون نطفة ثم علقة ثم مضغة ﴿ نَّبْتَلِيهِ ﴾ أي نختبره وهذه الجملة في موضع الحال، أي: خلقناه مبتلين له، وقيل: معناه نصرفه في بطن أمه نطفة ثم علقة ﴿ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً ﴾ هذا معطوف على خلقنا الإنسان، ومن جعل نبتليه بمعنى نصرفه في بطن أمه فهذا عطف عليه، وقيل أن نبتليه مؤخر في المعنى أي جعلناه سميعاً بصيراً لنبتليه وهذا تكليف بعيد.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السبيل ﴾ أي سبيل الخير والشر ولذلك قسم الإنسان إلى قسمين شاكراً أو كفرواً وهما حالان من الضمير من هديناه، والهدى هنا بمعنى: بيان الطريقين، وموهبة العقل الذي يمي به بينهما، ويحتمل أن يكون بمعنى الإرشاد، أي هدى المؤمن للإيمان والكافر للكفر.
﴿ قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ الله ﴾ [النساء: 78] ﴿ سَلاَسِلاَ ﴾ من قرأه بغير تنوين فهو الأصل إذ هو لا ينصرف، لأنه جمع لا نظير له في الآحاد.
ومن قرأه بالتنوين فله ثلاث توجيهات: أحدها أنها لغة لبعض العرب يصرفون كل ما لا ينصرف إلا ما كان على وزن أفعل، والآخر: أن النون بدل من حرف الاطلاق، وأجرى الوصل مجرى الوقف، والثالث: أن يكون صاحب هذه القراءة رواية للشعر، قد عوّد لسانه صرف ما لا ينصرف فجرى على ذلك ﴿ الأبرار ﴾ جمع بار أو برّ، ومعناه العاملون بالبر وهو غاية التقوى والعمل الصالح حتى قال بعضهم: الأبرار هم الذين لا يؤذون الذر ﴿ مِن كَأْسٍ ﴾ ذكر في [الصافات: 45] معنى الكاس ومن هنا يحتمل أن تكون للتبعيض أو لابتداء الغاية ﴿ مِزَاجُهَا كَافُوراً ﴾ أي تمزج الخمر بالكافور، وقيل: المعنى أنه كافور في طيب رائحته كما تمدح طعاماً فتقول هذا مسك ﴿ عَيْناً ﴾ بدل من كافوراً على القول بأن الخمر تمزج بالكافور، أو بدل من موضع من كأس على القول الآخر، كأنه قال: يشربون خمراً خمر عين، وقيل: هو مفعول يشربون وقيل منصوب بإضمار فعل ﴿ يَشْرَبُ بِهَا ﴾ قال ابن عطية: الباء زائدة والمعنى يشربها، وهذا ضعيف؛ لأن الباء إنما تزاد في مواضع ليس هذا منها، وإنماهي كقولك: شربت الماء بالعسل لأن العين المذكورة تمزج بها الكأس من الخمر ﴿ عِبَادُ الله ﴾ وصفهم بالعبودية، وفيه معنى التشريف والاختصاص، كقوله: ﴿ وَعِبَادُ الرحمن الذين يَمْشُونَ على الأرض هَوْناً ﴾ [الفرقان: 63] ﴿ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً ﴾ أي يفجرونها حيث شاؤوا من منازلهم تفجيراً سهلاً لا يصعب عليهم، وفي الأثر أن في قصر النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة عيناً تفجر إلى قصور الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والمؤمنين ﴿ مُسْتَطِيراً ﴾ أي منتشراً شائعاً، ومه استطار الفجر: إذا انشق ضوؤه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَيُطْعِمُونَ الطعام ﴾ نزلت هذه الآية وما بعدها في عليّ بن أبي طالب وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم فإنهم كانوا صائمين فلما وضعوا فطورهم ليأكلوه جاء مسكين فرفعوه له، وباتوا طاوين وأصبحوا صائمين، فلما وضعوا فطورهم جاء يتيم فدفعوه له، وباتوا طاوين وأصبحوا صائمين فلما وضعوا فطورهم جاء أسير فدفعه له، وباتوا طاوين، والآية على هذا مدنية لأن علياً إنما تزوج فاطمة بالمدينة، وقيل: إنما هي مكية وليست في علي ﴿ على حُبِّهِ ﴾ الضمير للطعام أي يطعمونه مع حبه والحاجة إليه فهو كقوله: ﴿ لَن تَنَالُواْ البر حتى تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾ [آل عمران: 92] وقوله: ﴿ وَيُؤْثِرُونَ على أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ﴾ [الحشر: 9] ففي قوله على حبه تتميم وهو من أدوات البيان، وقيل: الضمير لله، وقيل: للإطعام المفهوم من يطعمون والأول أرجح وأظهر ﴿ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً ﴾ قد ذكرنا المسكين واليتيم وأما الأسير ففيه خمسة أقوال؛ أحدها أن الأسير الكافر بين المسلمين ففي إطعامه أجر لأنه: «في كل ذي كبد رطبة أجر» وقيل نسخ ذلك بالسيف، والآخر: أنه الأسير المسلم إذا خرج من دار الحرب لطلب الفدية، والثالث أنه المملوك الرابع: أنه المسجون، الخامس: أنه المرأة لقوله صلى الله عليه وسلم: «استوصوا بالنساء خيراً لأنهم عوانٍ عندكم» وهذا بعيد والأول أرجح؛ لأنه روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يؤتى بالأسير المشرك فيدفعه إلى بعض المسلمين ويقول له: أحسن إليه ﴿ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ الله ﴾ عبارة عن الإخلاص لله، ولذلك فسروه وأكدوه بقولهم: ﴿ لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً وَلاَ شُكُوراً ﴾ والشكور مصدر كالشكر ويحتمل أنهم قالوا هذا الكلام بألسنتهم، أو قالوا في نفوسهم، فهو عبارة عن النية والقصد ﴿ يَوْماً عَبُوساً ﴾ وَصْفُ اليوم بالعبوس مجاز على وجهين: أحدهما: أن يوصف اليوم بصفة أهله كقولهم: نهاره صائم وليله قائم.
ورُوي أن الكفار يعبس يومئذ حتى يسيل الدم من عينيه مثل القطران، والآخر يشبَّه في شدّته بالأسد العبوس ﴿ قَمْطَرِيراً ﴾ قال ابن عباس: معناه طويل، وقيل: شديد.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً ﴾ النضرة: التنعم.
وهذا في مقابلة عبوس الكافر.
وقوله: وقاهم ولقاهم من أدوات البيان ﴿ بِمَا صَبَرُواْ ﴾ أي بصبرهم على الجوع وإيثار غيرهم على أنفسهم، حسبما ذكرنا من قصة علي وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم وقد ذكرنا الأرائك ﴿ لاَ يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً وَلاَ زَمْهَرِيراً ﴾ عبارة عن اعتدال هوائها أي ليس فها حر ولا برد، والزمهرير هو البرد الشديد، وقيل: هو القمر بلغة طيء، والمعنى على هذا أن للجنة ضياء فلا يحتاج فيها إلى الشمس ولا القمر ﴿ وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلاَلُهَا ﴾ معناه أن ظلال الأشجار متدلية عليهم قريبة منهم، وإعراب دانية معطوف على متكئين، وقال الزمخشري: هو معطوف على الجملة التي قبلها وهي: لا يرون فيها شمساً ولا زمهريراً، لأن هذه الجملة في حكم المفرد تقديره: غير رائين فيها شمساً ولا زمهريراً ودانية، ودخلت الواو للدلالة على أن الأمرين يجتمعان لهم، أي جامعين بين البعد عن الحر والبرد وبين دنو الضلال، وقيل: هو صفة لجنة عطف بالواو كقولك: فلان علام وصالح.
وقيل: هو معطوف عليها أي وجنة أخرى دانية عليهم ظلالها ﴿ وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً ﴾ القطوف جمع قطف وهو العنقود من النخل والعنب، وشبه ذلك، وتذليلها هو أن تتدلى إلى الأرض، ورُوي أن أهل الجنة يقطعون الفواكة على أي حال كانوا من قيام أو جلوس أو اضطجاع، لأنها تتدلى لهم كما يريدون، وهذه الجملة في موضع الحال من دانية، أي دانية في حالة تذليل قطوفها أو معطوفة عليها.
<div class="verse-tafsir"
﴿ بِآنِيَةٍ ﴾ هي جمع إناء ووزنها أفعلة وقد ذكرنا الأكواب في الواقعة ﴿ قَوَارِيرَاْ ﴾ القوارير هي الزجاج، فإن قيل: كيف يتفق أنها زجاج مع قوله من فضة؟
فالجواب: أن المراد أنها في أصلها من فضة وهي تشبه الزجاج في صفائها وشفيفها، وقيل: هي من زجاج، وجعلها من فضة على وجه التشبيه لشرف القضة وبياضها، ومن قرأ قواريرَ بغير تنوين فهو عل الأصل ومن نوّنه فعلى ما ذكرنا في سلاسل ﴿ قَدَّرُوهَا تَقْدِيراً ﴾ هذه صفة للقوارير والمعنى قدّروها على قدر الأكف أو على قدر ما يحتاجون من الشراب، قال مجاهد: هي لا تغيض ولا تفيض، وقيل: قدروها على حسب ما يشتهون، والضمير الفاعل في قدّروها يحتمل أن يكون للشاربين بها أو للطائفين بها ﴿ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلاً ﴾ هو كما ذكرنا في مزاجها كافوراً ﴿ سَلْسَبِيلاً ﴾ معناه سلسل منقاد الجرية، وقيل: سهل الانحدار في الحلق، يقال: شراب السلسل وسلسال وسلسبيل بمعنى واحد.
وزيدت الباء في التركيب للمبالغة في سلاسته، فصارت الكلمة خماسية، وقيل: سل فعل أمر سبيلاً مفعول به وهذا في غاية الضعف ﴿ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ ﴾ ذكر في الواقعة ﴿ لُؤْلُؤاً مَّنثُوراً ﴾ شبههم باللؤلؤ في الحسن والبياض، وبالمنثور منه في كثرتهم وانتشارهم في القصور.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ ﴾ مفعول رأيت محذوف ليكون الكلام على الاطلاق في كل ما يرى فيها، وثم ظرف مكان، وقال الفراء: تقديره إذا رأيت ما ثم فما مفعوله ثم حذفت، قال الزمخشري: وهذا خطاب لأن ثمَّ صلة لما، ولا يجوز حذف الموصول وترك الصلة ﴿ وَمُلْكاً كَبِيراً ﴾ يعني كثرة ما أعطاهم الله، حتى إذا أدنى أهل الجنة منزلة له مثل الدنيا وعشرة أمثاله معه، حسما ورد في الحديث وقيل: أراد أن الملائكة تسلم عليهم، وتستأذن عليهم، فهم بذلك كالملوك ﴿ عَالِيَهُمْ ﴾ بسكون الياء مبتدأ خبره ﴿ ثِيَابُ سُندُسٍ ﴾ أي ما يعلوهم من الثياب ثيابُ سندس، وقُرئ عالِيَهم بالنصب على الحال، من الضمير في يطوف عليهم أو في حسبتهم.
وقال ابن عطية: العامل فيه لقَّاهم أو جزاهم، وقال أيضاً يجوز أن ينتصب على الظرف لأن معناه فوقاهم، وقد ذكرنا معنى السندس والإستبرق وقرئ ﴿ خُضْرٌ ﴾ بالخفض صفة لسندس وبالرفع صفة لثياب ﴿ وَإِسْتَبْرَقٌ ﴾ بالرفع عطف على ثياب، وبالخفض عطف على سندس ﴿ وحلوا ﴾ وزنه فعلوا معناه جعل لهم حلي ﴿ أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ ﴾ ذكرنا الأساور في الكهف، فإن قيل: كيف قال هنا أساور من فضة، وفي موضع أساور من ذهب؟
فالجواب: أن ذلك يختلف باختلاف درجات أهل الجنة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «جنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما» فلعل الذهب للمقربين، والفضة لأهل اليمين، ويتحمل أن يكون أهل الجنة لهم أساور من فضة ومن ذهب معاً ﴿ شَرَاباً طَهُوراً ﴾ أي ليس بنجس كحمر الدنيا.
وقيل معناه: أنه لم تعصره الأقدام، وقيل معناه لا يصير بولاً ﴿ إِنَّ هذا كَانَ لَكُمْ جَزَآءً ﴾ أي يقال لهم هذا يقوله الله تعالى والملائكة ﴿ آثِماً أَوْ كَفُوراً ﴾ أو هنا للتنويع، فالمعنى لا تطع النوعين، فاعلاً للإثم ولا كفوراً، وقيل: هي بمعنى الواو أي جامعاً للوصفين لأن هذه حالة الكفار، ورُوي أنه الآية نزلت في أبي جهل، وقيل: أن الآثم عتبة بن ربيعة، والكفور الوليد بن المغيرة، والأحسن أنها على العموم، لأن لفظها عام، وإن كان سبب نزولها خاصاً ﴿ بُكْرَةً وَأَصِيلاً ﴾ هذا أمر بذكر الله في كل وقت، وقيل: إشارة إلى الصلوات الخمس، فالبكرة صلاة الصبح، والأصيل الظهر والعصر، ومن الليل المغرب والعشاء.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِنَّ هؤلاء يُحِبُّونَ العاجلة ﴾ أي الدنيا والإشارة إلى الكفار واليوم الثقيل يوم القيامة، ووصفه بالثقل عبارة عن هوله وشدته ﴿ وَشَدَدْنَآ أَسْرَهُمْ ﴾ الأسر الخلقة وقيل: المفاصل والأوصال، وقيل: القوة ﴿ بَدَّلْنَآ أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلاً ﴾ أي أهلكناهم وأبدلنا منهم غيرهم.
وقيل: مسخناهم فبدلنا صورهم وهذا تهديد ﴿ إِنَّ هذه تَذْكِرَةٌ ﴾ الإشارة إلى الآية أو السورة أو الشريعة بجملتها ﴿ فَمَن شَآءَ ﴾ تحضيض وترغيب ثم قيَّد مشيئتهم بمشيئة الله ﴿ والظالمين ﴾ منصوب بفعل مضمر تقديره: ويعذب الظالمين.