الإسلام > القرآن > تفسير > الرازي > تفسير سورة الزلزلة
تفسيرُ سورةِ الزلزلة كاملةً من تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) (فخر الدين الرازي).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 14 دقيقة قراءة﴿ إِذَا زُلْزِلَتِ الأرض زِلْزَالَهَا ﴾ هاهنا مسائل: المسألة الأولى: ذكروا في المناسبة بين أول هذه السورة وآخر السورة المتقدمة وجوهاً أحدها: أنه تعالى لما قال: ﴿ جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ ﴾ فكأن المكلف قال: ومتى يكون ذلك يا رب فقال: ﴿ إِذَا زُلْزِلَتِ الأرض زِلْزَالَهَا ﴾ فالعالمون كلهم يكونون في الخوف، وأنت في ذلك الوقت تنال جزاءك وتكون آمناً فيه، كما قال: ﴿ وَهُمْ مّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ ءامِنُونَ ﴾ .
وثانيها: أنه تعالى لما ذكر في السورة المتقدمة وعيد الكافر ووعد المؤمن أراد أن يزيد في وعيد الكافر، فقال: أجازيه حين يقول الكافر السابق ذكره: ما للأرض تزلزل، نظير قوله: ﴿ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ﴾ ثم ذكر الطائفتين فقال: ﴿ فَأَمَّا الذين اسودت وُجُوهُهُمْ ﴾ ﴿ وَأَمَّا الذين ابيضت وُجُوهُهُمْ ﴾ ثم جمع بينهم في آخر السورة فذكر الذرة من الخير والشر.
المسألة الثانية: في قوله: ﴿ إِذَا ﴾ بحثان أحدهما: أن لقائل أن يقول: ﴿ إِذَا ﴾ للوقت فكيف وجه البداية بها في أول السورة؟
وجوابه: من وجوه: الأول: كانوا يسألونه متى الساعة؟
فقال: ﴿ إِذَا زُلْزِلَتِ الأرض ﴾ كأنه تعالى قال: لا سبيل إلى تعيينه بحسب وقته ولكني أعينه بحسب علاماته.
الثاني: أنه تعالى أراد أن يخبر المكلف أن الأرض تحدث وتشهد يوم القيامة مع أنها في هذه الساعة جماد فكأنه قيل: متى يكون ذلك؟
فقال: ﴿ إِذَا زُلْزِلَتِ الأرض ﴾ .
البحث الثاني: قالوا كلمة: ﴿ إن ﴾ في المجوز، وإذا في المقطوع به، تقول: إن دخلت الدار فأنت طالق لأن الدخول يجوز، أما إذا أردت التعليق بما يوجد قطعاً لا تقول: إن بل تقول: إذا (نحو إذا) جاء غد فأنت طالق لأنه يوجد لا محالة.
هذا هو الأصل، فإن استعمل على خلافه فمجاز، فلما كان الزلزال مقطوعاً به قال: ﴿ إِذَا زُلْزِلَتِ ﴾ .
المسألة الثالثة: قال الفراء: الزلزال بالكسر المصدر والزلزال بالفتح الاسم، وقد قرئ بهما، وكذلك الوسواس هم الاسم أي اسم الشيطان الذي يوسوس إليك، والوسواس بالكسر المصدر، والمعنى: حركت حركة شديدة، كما قال: ﴿ إِذَا رُجَّتِ الأرض رَجّاً ﴾ وقال قوم: ليس المراد من زلزلت حركت، بل المراد: تحركت واضطربت، والدليل عليه أنه تعالى يخبر عنها في جميع السورة كما يخبر عن المختار القادر، ولأن هذا أدخل في التهويل كأنه تعالى يقول: إن الجماد ليضطرب لأوائل القيامة، أما آن لك أن تضطرب وتتيقظ من غفلتك ويقرب منه: ﴿ لَّرَأَيْتَهُ خاشعا مُّتَصَدّعاً مّنْ خَشْيَةِ الله ﴾ واعلم أن زل للحركة المعتادة، وزلزل للحركة الشديدة العظيمة، لما فيه من معنى التكرير، وهو كالصرصر في الريح، ولأجل شدة هذه الحركة وصفها الله تعالى بالعظم فقال: ﴿ إِنَّ زَلْزَلَةَ الساعة شَيء عَظِيمٌ ﴾ .
المسألة الرابعة: قال مجاهد: المراد من الزلزلة المذكورة في هذه الآية النفخة الأولى كقوله: ﴿ يَوْمَ تَرْجُفُ الراجفة تَتْبَعُهَا الرادفة ﴾ أي تزلزل في النفخة الأولى، ثم تزلزل ثانياً فتخرج موتاها وهي الأثقال، وقال آخرون: هذه الزلزلة هي الثانية بدليل أنه تعالى جعل من لوازمها أنها تخرج الأرض أثقالها، وذلك إنما يكون في الزلزلة الثانية.
المسألة الخامسة: في قوله: ﴿ زِلْزَالَهَا ﴾ بالإضافة وجوه: أحدها: القدر اللائق بها في الحكمة، كقولك: أكرم التقي إكرامه وأهن الفاسق إهانته، تريد ما يستوجبانه من الإكرام والإهانة والثاني: أن يكون المعنى زلزالها كله وجميع ما هو ممكن منه، والمعنى أنه وجد من الزلزلة كل ما يحتمله المحل والثالث: زلزالها الموعود أو المكتوب عليها إذا قدرت تقدير الحي، تقريره ماروى أنها تزلزل من شدة صوت إسرافيل لما أنها قدرت تقدير الحي.
<div class="verse-tafsir"
أما قوله: ﴿ وَأَخْرَجَتِ الأرض أَثْقَالَهَا ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: في الأثقال قولان: أحدهما أنه جمع ثقل وهو متاع البيت: ﴿ وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ ﴾ جعل ما في جوفها من الدفائن أثقالاً لها، قال أبو عبيدة والأخفش: إذا كان الميت في بطن الأرض فهو ثقل لها، وإذا كان فوقها فهو ثقل عليها، وقيل: سمي الجن والإنس بالثقلين لأن الأرض تثقل بهم إذا كانوا في بطنها ويثقلون عليها إذا كانوا فوقها، ثم قال: المراد من هذه الزلزلة، الزلزلة الأولى يقول: أخرجت الأرض أثقالها، يعني الكنوز فيمتلئ ظهر الأرض ذهباً ولا أحد يلتفت إليه، كأن الذهب يصيح ويقول: أما كنت تخرب دينك ودنياك لأجلي!
أو تكون الفائدة في إخراجها كما قال تعالى: ﴿ يَوْمٍ يحمى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ ﴾ ومن قال: المراد من هذه الزلزلة الثانية وهي بعد القيامة.
قال: تخرج الأثقال يعني الموتى أحياء كالأم تلده حياً، وقيل: تلفظه الأسرار، ولذلك قال: ﴿ يَوْمَئِذٍ تُحَدّثُ أَخْبَارَهَا ﴾ فتشهد لك أو عليك.
المسألة الثانية: أنه تعالى قال في صفة الأرض: ﴿ أَلَمْ نَجْعَلِ الأرض كِفَاتاً ﴾ ثم صارت بحال ترميك وهو تقرير لقوله: ﴿ تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ ﴾ وقوله: ﴿ يَوْمَ يَفِرُّ المرء ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
أما قوله تعالى: ﴿ وَقَالَ الإنسان ما لها ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: مالها تزلزل هذه الزلزلة الشديدة ولفظت ما في بطنها، وذلك إما عند النفخة الأولى حين تلفظ ما فيها من الكنوز والدفائن، أو عند النفخة الثانية حين تلفظ ما فيها من الأموات.
المسألة الثانية: قيل: هذا قول الكافر وهو كما يقولون: ﴿ مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا ﴾ فأما المؤمن فيقول: ﴿ هَذَا مَا وَعَدَ الرحمن وَصَدَقَ المرسلون ﴾ وقيل: بل هو عام في حق المؤمن والكافر أي الإنسان الذي هو كنود جزوع ظلوم الذي من شأنه الغفلة والجهالة: يقول: مالها وهو ليس بسؤال بل هو للتعجب، لما يرى من العجائب التي لم تسمع بها الآذان.
ولا تطلق بها لسان، ولهذا قال الحسن: إنه للكافر والفاجر معاً.
المسألة الثالثة: إنما قال: ﴿ مالها ﴾ على غير المواجهة لأنه يعاتب بهذا الكلام نفسه، كأنه يقول: يا نفس ما للأرض تفعل ذلك يعني يا نفس أنت السبب فيه فإنه لولا معاصيك لما صارت الأرض كذلك فالكفار يقولون هذا الكلام والمؤمنون يقولون: ﴿ الحمد للَّهِ الذي أَذْهَبَ عَنَّا الحزن ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
أما قوله تعالى: ﴿ يَوْمَئِذٍ تُحَدّثُ أَخْبَارَهَا ﴾ فاعلم أن ابن مسعود قرأ: ﴿ تنبيء أَخْبَارَهَا ﴾ وسعيد بن جبير تنبيء ثم فيه سؤالات: الأول: أين مفعولا ﴿ تحدث ﴾ ؟
الجواب: قد حذف أولهما والثاني أخبارها وأصله تحدث الخلق أخبارها إلا أن المقصود ذكر تحديثها الأخبار لا ذكر الخلق تعظيماً.
السؤال الثاني: ما معنى تحديث الأرض؟
قلنا فيه وجوه: أحدها: وهو قول أبي مسلم يومئذ يتبين لكل أحد جزاء عمله فكأنها حدثت بذلك، كقولك الدار تحدثنا بأنها كانت مسكونة فكذا انتقاض الأرض بسبب الزلزلة تحدث أن الدنيا قد انقضت وأن الآخرة قد أقبلت والثاني: وهو قول الجمهور: أن الله تعالى يجعل الأرض حيواناً عاقلاً ناطقاً ويعرفها جميع ما عمل أهلها فحينئذ تشهد لمن أطاع وعلى من عصي، قال عليه السلام: «إن الأرض لتخبر يوم القيامة بكل عمل عمل عليها» ثم تلا هذه الآية وهذا على مذهبنا غير بعيد لأن البنية عندنا ليست شرطاً لقبول الحياة، فالأرض مع بقائها على شكلها ويبسها وقشفها يخلق الله فيها الحياة والنطق، والمقصود كأن الأرض تشكو من العصاة وتشكر من أطاع الله، فنقول: إن فلاناً صلى وزكى وصام وحج في، وإن فلاناً كفر وزنى وسرق وجار، حتى يود الكافر أن يساق إلى النار، وكان علي عليه السلام: إذا فرغ بيت المال صلى فيه ركعتين ويقول: لتشهدن أني ملأتك بحق وفرغتك بحق والقول الثالث: وهو قول المعتزلة: أن الكلام يجوز خلقه في الجماد، فلا يبعد أن يخلق الله تعالى في الأرض حال كونها جماداً أصواتاً مقطعة مخصوصة فيكون المتكلم والشاهد على هذا التقدير هو الله تعالى.
السؤال الثالث: (إذ) و(يومئذ) ما ناصبهما؟
الجواب: (يومئذ) بدل من إذا وناصبهما ﴿ تحدث ﴾ .
السؤال الرابع: لفظ التحديث يفيد الاستئناس وهناك لا استئناس فما وجه هذا اللفظ الجواب: أن الأرض كأنها تبث شكواها إلى أولياء الله وملائكته.
<div class="verse-tafsir"
أما قوله تعالى: ﴿ بِأَنَّ رَبَّكَ أوحى لَهَا ﴾ ففيه سؤالان: السؤال الأول: بم تعلقت الباء في قوله: ﴿ بِأَنَّ رَبَّكَ ﴾ ؟
الجواب: بتحدث، ومعناه تحدث أخبارها بسبب إيحاء ربك لها.
السؤال الثاني: لم لم يقل أوحى إليها؟
الجواب: فيه وجهان الأول: قال أبو عبيدة: ﴿ أوحى لَهَا ﴾ أي أوحى إليها وأنشد العجاج: أوحى لها القرار فاستقرت *** الثاني: لعله إنما قال لها: أي فعلنا ذلك لأجلها حتى تتوسل الأرض بذلك إلى التشفي من العصاة.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ الناس أَشْتَاتاً لّيُرَوْاْ أعمالهم ﴾ الصدور ضد الورد فالوارد الجائي والصادر والمنصرف وأشتاتاً متفرقين، فيحتمل أن يردوا الأرض، ثم يصدرون عنها الأرض إلى عرصة القيامة، ويحتمل أن يردوا عرصة القيامة للمحاسبة ثم يصدرون عنها إلى موضع الثواب والعقاب، فإن قوله: ﴿ أَشْتَاتاً ﴾ أقرب إلى الوجه الأول ولفظة الصدر أقرب إلى الوجه الثاني، وقوله: ﴿ لّيُرَوْاْ أعمالهم ﴾ أقرب إلى الوجه الأول لأن رؤية أعمالهم مكتوبة في الصحائف أقرب إلى الحقيقة من رؤية جزاء الأعمال، وإن صح أيضاً أن يحمل على رؤية جزاء الأعمال، وقوله: ﴿ أَشْتَاتاً ﴾ فيه وجوه: أحدها: أن بعضهم يذهب إلى الموقف راكباً مع الثياب الحسنة وبياض الوجه والمنادي ينادي بين يديه: هذا ولي الله، وآخرون يذهب بهم سود الوجوه حفاة عراة مع السلاسل والأغلال والمنادي ينادي بين يديه هذا عدو الله.
وثانيها: ﴿ أشتاتاً ﴾ أي كل فريق مع شكله اليهودي مع اليهودي والنصراني مع النصراني.
وثالثها: أشتاتاً من أقطار الأرض من كل ناحية، ثم إنه سبحانه ذكر المقصود وقال: ﴿ لّيُرَوْاْ أعمالهم ﴾ قال بعضهم: ليروا صحائف أعمالهم، لأن الكتابة يوضع بين يدي الرجل فيقول: هذا طلاقك وبيعك هل تراه والمرئي وهو الكتاب وقال آخرون: ليروا جزاء أعمالهم، وهو الجنة أو النار، وإنما أوقع اسم العمل على الجزاء لأنه الجزاء وفاق، فكأنه نفس العمل بل المجاز في ذلك أدخل من الحقيقة، وفي قراءة النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿ لّيُرَوْاْ ﴾ بالفتح.
<div class="verse-tafsir"
ثم قال تعالى: ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: ﴿ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ﴾ أي زنة ذرة قال الكلبي: الذرة أصغر النمل، وقال ابن عباس: إذا وضعت راحتك على الأرض ثم رفعتها فكل واحد مما لزق به من التراب مثقال ذرة فليس من عبد عمل خيراً أو شراً قليلاً أو كثيراً إلا أراه الله تعالى إياه.
المسألة الثانية: في رواية عن عاصم: ﴿ يَرَهُ ﴾ برفع الياء وقرأ الباقون: ﴿ يَرَهُ ﴾ بفتحها وقرأ بعضهم: ﴿ يَرَهُ ﴾ بالجزم.
المسألة الثالثة: في الآية إشكال وهو أن حسنات الكافر محبطة بكفره وسيئات المؤمن مغفورة، إما ابتداء وإما بسبب اجتناب الكبائر، فما معنى الجزاء بمثاقيل الذرة من الخير والشر؟.
واعلم أن المفسرين أجابوا عنه من وجوه: أحدها: قال أحمد بن كعب القرظي: فمن يعمل مثقال ذرة من خير وهو كافر فإنه يرى ثواب ذلك في الدنيا حتى يلقى الآخرة، وليس له فيها شيء، وهذا مروي عن ابن عباس أيضاً، ويدل على صحة هذا التأويل ما روي أنه عليه السلام قال لأبي بكر: يا أبا بكر ما رأيت في الدنيا مما تكره فبمثاقيل ذر الشر ويدخر الله لك مثاقيل الخير حتى توفاها يوم القيامة.
وثانيها: قال ابن عباس: ليس من مؤمن ولا كافر عمل خيراً أو شراً إلا أراه الله إياه، فأما المؤمن فيغفر الله سيئاته ويثيبه بحسناته، وأما الكافر فترد حسناته ويعذب بسيئاته.
وثالثها: أن حسنات الكافر وإن كانت محبطة بكفره ولكن الموازنة معتبرة فتقدر تلك الحسنات انحبطت من عقاب كفره، وكذا القول في الجانب الآخر فلا يكون ذلك قادحاً في عموم الآية.
ورابعها: أن تخصص عموم قوله: ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ ﴾ ونقول: المراد فمن يعمل من السعداء مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل من الأشقياء مثقال ذرة شراً يره.
المسألة الرابعة: لقائل أن يقول: إذا كان الأمر إلى هذا الحد فأين الكرم؟
والجواب: هذا هو الكرم، لأن المعصية وإن قلت ففيها استخفاف، والكريم لا يحتمله وفي الطاعة تعظيم، وإن قل فالكريم لا يضيعه، وكأن الله سبحانه يقول لا تحسب مثقال الذرة من الخير صغيراً، فإنك مع لؤمك وضعفك لم تضيع مني الذرة، بل اعتبرتها ونظرت فيها، واستدللت بها على ذاتي وصفاتي واتخذتها مركباً به وصلت إلي، فإذا لم تضيع ذرتي أفأضيع ذرتك!
ثم التحقيق أن المقصود هو النية والقصد، فإذا كان العمل قليلاً لكن النية خالصة فقد حصل المطلوب، وإن كان العمل كثيراً والنية دائرة فالمقصود فائت، ومن ذلك ما روى عن كعب: لا تحقروا شيئاً من المعروف، فإن رجلاً دخل الجنة بإعارة إبرة في سبيل الله، وإن امرأة أعانت بحبة في بناء بيت المقدس فدخلت الجنة.
وعن عائشة: كانت بين يديها عنب فقدمته إلى نسوة بحضرتها، فجاء سائل فأمرت له بحبة من ذلك العنب فضحك بعض من كان عندها، فقالت: إن فيما ترون مثاقيل الذرة وتلت هذه الآية ولعلها كان غرضها التعليم، وإلا فهي كانت في غاية السخاوة.
روي: أن ابن الزبير بعث إليها بمائة ألف وثمانين ألف درهم في غرارتين، فدعت بطبق وجعلت تقسمه بين الناس، فلما أمست قالت: يا جارية فطوري هلمي فجاءت بخبز وزيت، فقيل لها: أما أمسكت لنا درهماً نشتري به لحماً نفطر عليه، فقالت: لو ذكرتيني لفعلت ذلك وقال مقاتل: نزلت هذه الآية في رجلين كان أحدهما يأتيه السائل فيستقل أن يعطيه التمرة والكسرة والجوزة، ويقول ما هذا بشيء، وإنما نؤجر على ما نعطي!
وكان الآخر يتهاون بالذنب اليسير، ويقول: لا شيء علي من هذا إنما الوعيد بالنار على الكبائر، فنزلت هذه الآية ترغيباً في القليل من الخير فإنه يوشك أن يكثر، وتحذيراً من اليسير من الذنب فإنه يوشك أن يكبر، ولهذا قال عليه السلام: «اتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة» والله سبحانه وتعالى أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.