تفسير الكشاف سورة الصف

الإسلام > القرآن > تفسير > الكشاف > تفسير سورة الصف

تفسيرُ سورةِ الصف كاملةً من تفسير الكشاف (الزمخشري) (جار الله الزمخشري).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 12 دقيقة قراءة

تفسير سورة الصف كاملةً (جار الله الزمخشري)

سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۖ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ١ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ ٢ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ ٱللَّهِ أَن تَقُولُوا۟ مَا لَا تَفْعَلُونَ ٣ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلَّذِينَ يُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِهِۦ صَفًّۭا كَأَنَّهُم بُنْيَـٰنٌۭ مَّرْصُوصٌۭ ٤

﴿ لِمَ ﴾ هي لام الإضافة داخلة على ما الاستفهامية كما دخل عليها غيرها من حروف الجر في قولك: بم، وفيم، ومم، وعم، وإلام، وعلام.

وإنما حذفت الألف؛ لأنّ ما والحرف كشيء واحد، ووقع استعمالهما كثيراً في كلام المستفهم؛ وقد جاء استعمال الأصل قليلاً والوقف على زيادة هاء السكت أو الإسكان.

ومن أسكن في الوصل فلإجرائه مجرى الوقف، كما سمع: ثلاثة، أربعة، بالهاء وإلقاء حركة الهمزة عليها محذوفة، وهذا الكلام يتناول الكذب وإخلاف الموعد.

وروي أنّ المؤمنين قالوا قبل أن يؤمروا بالقتال: لو نعلم أحب الأعمال إلى الله تعالى لعملناه ولبذلنا فيه أموالنا وأنفسنا، فدلهم الله تعالى على الجهاد في سبيله، فولوا يوم أحد فعيرهم.

وقيل: لما أخبر الله بثواب شهداء بدر قالوا: لئن لقينا قتالا لنفرغن فيه وسعنا، ففروا يوم أحد ولم يفوا.

وقيل: كان الرجل يقول: قتلت ولم يقتل، وطعنت ولم يطعن، وضربت ولم يضرب، وصبرت ولم يصبر.

وقيل: كان قد أذى المسلمين رجل ونكى فيهم، فقتله صهيب وانتحل قتله آخر، فقال عمر لصهيب: أخبر النبي عليه السلام أنك قتلته، فقال: إنما قتلته لله ولرسوله، فقال عمر: يا رسول الله قتله صهيب، قال: كذلك يا أبا يحيى؟

قال: نعم، فنزلت في المنتحل.

وعن الحسن: نزلت في المنافقين.

ونداؤهم بالإيمان: تهكم بهم وبإيمانهم؛ هذا من أفصح كلام وأبلغه في معناه قصد في ﴿ كَبُرَ ﴾ التعجب من غير لفظه كقوله: غَلَتْ نَابٌ كُلَيْبٌ بَوَاءُهَا ومعنى التعجب: تعظيم الأمر في قلوب السامعين؛ لأن التعجب لا يكون إلا من شيء خارج عن نظائره وأشكاله، وأسند إلى أن تقولوا.

ونصب ﴿ مَقْتاً ﴾ على تفسيره، دلالة على أنّ قولهم ما لا يفعلون مقت خالص لا شوب فيه، لفرط تمكن المقت منه؛ واختير لفظ المقت لأنه أشد البغض وأبلغه.

ومنه قيل: نكاح المقت، للعقد على الرابة، ولم يقتصر على أن جعل البغض كبيراً، حتى جعل أشده وأفحشه.

و ﴿ عَندَ الله ﴾ أبلغ من ذلك، لأنه إذا ثبت كبر مقته عند الله فقد تم كبره وشدته وانزاحت عنه الشكوك.

وعن بعض السلف أنه قيل له: حدّثنا، فسكت ثم قيل له حدثنا؛ فقال: تأمرونني أن أقول ما لا أفعل فأستعجل مقت الله.

في قوله: ﴿ إِنَّ الله يُحِبُّ الذين يقاتلون فِي سَبِيلِهِ ﴾ عقيب ذكر مقت المخلف: دليل على أن المقت قد تعلق بقول الذين وعدوا الثبات في قتال الكفار فلم يفوا.

وقرأ زيد بن علي ﴿ يقاتلون ﴾ بفتح التاء.

وقرئ: ﴿ يقتلون ﴾ ﴿ صَفّاً ﴾ صافين أنفسهم أو مصفوفين ﴿ كَأَنَّهُم ﴾ في تراصهم من غير فرجة ولا خلل ﴿ بنيان ﴾ رص بعضه إلى بعض ورصف.

وقيل: يجوز أن يريد استواء نياتهم في الثبات حتى يكونوا في اجتماع الكلمة كالبنيان المرصوص.

وعن بعضهم: فيه دليل على فضل القتال راجلاً؛ لأنّ الفرسان لا يصطفون على هذه الصفة.

وقوله: ﴿ صَفّاً كَأَنَّهُم بنيان ﴾ حالان متداخلتان.

<div class="verse-tafsir"

وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِۦ يَـٰقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِى وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّى رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ ۖ فَلَمَّا زَاغُوٓا۟ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ ۚ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ ٥

﴿ وَإِذْ ﴾ منصوب بإضمار اذكر.

أو: وحين قال لهم ما قال كان كذا وكذا ﴿ تُؤْذُونَنِى ﴾ كانوا يؤذونه بأنواع الأذى من انتقاصه وعيبه في نفسه، وجحود آياته، وعصيانه فيما تعود إليهم منافعه، وعبادتهم البقر، وطلبهم رؤية الله جهرة، والتكذيب الذي هو تضييع حق الله وحقه ﴿ وَقَد تَّعْلَمُونَ ﴾ في موضع الحال، أي: تؤذونني عالمين علماً يقيناً ﴿ أَنِّى رَسُولُ الله إِلَيْكُمْ ﴾ وقضية علمكم بذلك وموجبه تعظيمي وتوقيري، لا أن تؤذوني وتستهينوا بي؛ لأن من عرف الله وعظمته عظم رسوله، علماً بأن تعظيمه في تعظيم رسوله، ولأنّ من آذاه كان وعيد الله لاحقاً به ﴿ فَلَمَّا زَاغُواْ ﴾ عن الحق ﴿ أَزَاغَ الله قُلُوبَهُمْ ﴾ بأن منع ألطافه عنهم ﴿ والله لاَ يَهْدِى القوم الفاسقين ﴾ لا يلطف بهم لأنهم ليسوا من أهل اللطف.

فإن قلت: ما معنى (قد) في قوله ﴿ قَدْ تَعْلَمُونَ ﴾ ؟

قلت: معناه التوكيد كأنه قال: وتعلمون علماً يقيناً لا شبهة لكم فيه.

<div class="verse-tafsir"

وَإِذْ قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ يَـٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ إِنِّى رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًۭا لِّمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ ٱلتَّوْرَىٰةِ وَمُبَشِّرًۢا بِرَسُولٍۢ يَأْتِى مِنۢ بَعْدِى ٱسْمُهُۥٓ أَحْمَدُ ۖ فَلَمَّا جَآءَهُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ قَالُوا۟ هَـٰذَا سِحْرٌۭ مُّبِينٌۭ ٦

قيل: إنما قال: (يا بني إسرائيل) ولم يقل: يا قوم كما قال موسى؛ لأنه لا نسب له فيهم فيكونوا قومه.

والمعنى: أرسلت إليكم في حال تصديقي ما تقدمني ﴿ مِنَ التوراة ﴾ وفي حال تبشيري ﴿ بِرَسُولٍ يَأْتِى مِن بَعْدِى ﴾ يعني: أن ديني التصديق بكتب الله وأنبيائه جميعاً ممن تقدم وتأخر.

وقرئ: ﴿ من بعدي ﴾ ، بسكون الياء وفتحها، والخليل وسيبويه يختاران الفتح.

وعن كعب: أن الحواريين قالوا لعيسى: يا روح الله، هل بعدنا من أمّة؟

قال: نعم أمّة أحمد حكماء علماء أبرار أتقياء، كأنهم من الفقه أنبياء، يرضون من الله باليسير من الرزق، ويرضى الله منهم باليسير من العمل.

فإن قلت: بم انتصب مصدقاً ومبشراً؟

أبما في الرسول من معنى الإرسال أم بإليكم؟

قلت: بل بمعنى الإرسال؛ لأن ﴿ إِلَيْكُم ﴾ صلة للرسول، فلا يجوز أن تعمل شيئاً لأن حروف الجرّ لا تعمل بأنفسها، ولكن بما فيها من معنى الفعل؛ فإذا وقعت صلات لم تتضمن معنى فعل، فمن أين تعمل؟

وقرئ: ﴿ هذا ساحر مبين ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَىٰٓ إِلَى ٱلْإِسْلَـٰمِ ۚ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ ٧

وأي الناس أشد ظلماً ممن يدعوه ربه على لسان نبيه إلى الإسلام الذي له فيه سعادة الدارين، فيجعل مكان إجابته إليه افتراء الكذب على الله بقوله لكلامه الذي هو دعاء عباده إلى الحق: هذا سحر، لأنّ السحر كذب وتمويه.

وقرأ طلحة بن مصرف: ﴿ وهو يدعي ﴾ ، بمعنى دعاه وادّعاه، نحو: لمسه والتمسه.

وعنه: يدّعي، بمعنى يدعو، وهو الله عز وجل.

<div class="verse-tafsir"

يُرِيدُونَ لِيُطْفِـُٔوا۟ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوَٰهِهِمْ وَٱللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِۦ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَـٰفِرُونَ ٨

أصله (يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ) كما جاء في سورة براءة، وكأن هذه اللام زيدت مع فعل الإرادة تأكيداً له، لما فيها من معنى الإرادة في قولك: جئتك لإكرامك، كما زيدت اللام في: لا أبالك، تأكيداً لمعنى الإضافة في: لا أباك، وإطفاء نور الله بأفواههم: تهكم بهم في إرادتهم إبطال الإسلام بقولهم في القرآن: هذا سحر، مثلت حالهم بحال من ينفخ في نور الشمس بفيه ليطفئه ﴿ والله متمّ نوره ﴾ أي متمّ الحق ومبلغه غايته.

وقرئ: بالإضافة.

<div class="verse-tafsir"

هُوَ ٱلَّذِىٓ أَرْسَلَ رَسُولَهُۥ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُۥ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِۦ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُشْرِكُونَ ٩

﴿ وَدِينِ الحق ﴾ الملة الحنفية ﴿ لِيُظْهِرَهُ ﴾ ليعليه ﴿ عَلَى الدين كُلِّهِ ﴾ على جميع الأديان المخالفة له؛ ولعمري لقد فعل، فما بقي دين من الأديان إلا وهو مغلوب مقهور بدين الإسلام.

وعن مجاهد: إذا نزل عيسى لم يكن في الأرض إلا دين الإسلام.

وقرئ: ﴿ أرسل نبيه ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَـٰرَةٍۢ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍۢ ١٠ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَتُجَـٰهِدُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَٰلِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌۭ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ١١ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّـٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ وَمَسَـٰكِنَ طَيِّبَةًۭ فِى جَنَّـٰتِ عَدْنٍۢ ۚ ذَٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ ١٢ وَأُخْرَىٰ تُحِبُّونَهَا ۖ نَصْرٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَتْحٌۭ قَرِيبٌۭ ۗ وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ١٣

﴿ تُنجِيكُم ﴾ قرئ مخففاً ومثقلاً.

و ﴿ تُؤْمِنُونَ ﴾ استئناف، كأنهم قالوا: كيف: نعمل؟

فقال: تؤمنون، وهو خبر في معنى الأمر؛ ولهذا أجيب بقوله: ﴿ يغفر لكم ﴾ وتدل عليه قراءة ابن مسعود: آمنوا بالله ورسوله وجاهدوا.

فإن قلت: لم جيء به على لفظ الخبر؟

قلت: للإيذان بوجوب الامتثال، وكأنه امتثل فهو يخبر عن إيمان وجهاد موجودين.

ونظيره قول الداعي: غفر الله لك، ويغفر الله لك: جعلت المغفرة لقوّة الرجاء، كأنها كانت ووجدت.

فإن قلت: هل لقول الفراء أنه جواب ﴿ هَلْ أَدُلُّكُمْ ﴾ وجه؟

قلت: وجهه أن متعلق الدلالة هو التجارة، والتجارة مفسرة بالإيمان والجهاد؛ فكأنه قيل: هل تتجرون بالإيمان والجهاد يغفر لكم؟

فإن قلت: فما وجه قراءة زيد بن علي رضي الله عنهما: (تؤمنوا...

وتجاهدوا)؟

قلت: وجهها أن تكون على إضمار لام الأمر، كقوله: مُحَمَّدُ تَفْدِ نَفْسَكَ كُلُّ نَفْسٍ ** إذَا مَا خفت مِنْ أَمْرٍ تَبَالاَ وعن ابن عباس أنهم قالوا: لو نعلم أحب الأعمال إلى الله لعملناه، فنزلت هذه الآية، فمكثوا ما شاء الله يقولون: ليتنا نعلم ما هي، فدلهم الله عليها بقوله: ﴿ تُؤْمِنُونَ ﴾ وهذا دليل على أن ﴿ تُؤْمِنُونَ ﴾ كلام مستأنف، وعلى أنّ الأمر الوارد على النفوس بعد تشوّف وتطلع منها إليه: أوقع فيها وأقرب من قبولها له مما فوجئت به ﴿ ذَلِكُمْ ﴾ يعني ما ذكر من الإيمان والجهاد ﴿ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ من أموالكم وأنفسكم.

فإن قلت: ما معنى قوله: ﴿ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ ؟

قلت: معناه إن كنتم تعلمون أنه خير لكم كان خيراً لكم حينئذٍ؛ لأنكم إذا علمتم ذلك واعتقدتموه أحببتم الإيمان والجهاد فوق ما تحبون أنفسكم وأموالكم، فتخلصون وتفلحون ﴿ وأخرى تُحِبُّونَهَا ﴾ ولكم إلى هذه النعمة المذكورة من المغفرة والثواب في الآجلة نعمة أخرى عاجلة محبوبة إليكم، ثم فسرها بقوله: ﴿ نَصْرٌ مّن الله وَفَتْحٌ قَرِيبٌ ﴾ أي عاجل وهو فتح مكة.

وقال الحسن: فتح فارس والروم.

وفي ﴿ تُحِبُّونَهَا ﴾ شيء من التوبيخ على محبة العاجل.

فإن قلت: علام عطف قوله ﴿ وَبَشِّرِ المؤمنين ﴾ ؟

قلت: على ﴿ تُؤْمِنُونَ ﴾ لأنه في معنى الأمر، كأنه قيل: آمنوا وجاهدوا يثبكم الله وينصركم، وبشر يا رسول الله المؤمنين بذلك.

فإن قلت: لم نصب من قرأ نصراً من الله وفتحاً قريباً؟

قلت: يجوز أن ينصب على الاختصاص.

أو على تنصرون نصراً، ويفتح لكم فتحاً.

أو على: يغفر لكم ويدخلكم جنات، ويؤتكم أخرى نصراً من الله وفتحاً.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُونُوٓا۟ أَنصَارَ ٱللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّـۧنَ مَنْ أَنصَارِىٓ إِلَى ٱللَّهِ ۖ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ ٱللَّهِ ۖ فَـَٔامَنَت طَّآئِفَةٌۭ مِّنۢ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ وَكَفَرَت طَّآئِفَةٌۭ ۖ فَأَيَّدْنَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ عَلَىٰ عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا۟ ظَـٰهِرِينَ ١٤

قرئ: ﴿ كونوا أنصار الله وأنصاراً لله ﴾ .

وقرأ ابن مسعود: ﴿ كونوا أنتم أنصار الله ﴾ .

وفيه زيادة حتم للنصرة عليهم.

فإن قلت: ما وجه صحة التشبيه وظاهره تشبيه كونهم أنصاراً بقول عيسى صلوات الله عليه: ﴿ مَنْ أنصارى إِلَى الله ﴾ ؟

قلت: التشبيه محمول على المعنى، وعليه يصح.

والمراد: كونوا أنصار الله كما الحواريون أنصار عيسى حين قال لهم: ﴿ مَنْ أَنصَارِى إِلَى الله ﴾ .

فإن قلت: ما معنى قوله: ﴿ مَنْ أنصارى إِلَى الله ﴾ ؟

قلت: يجب أن يكون معناه مطابقاً لجواب الحواريين ﴿ نَحْنُ أَنْصَارُ الله ﴾ والذي يطابقه أن يكون المعنى: من جندي متوجهاً إلى نصرة الله، وإضافة ﴿ أنصارى ﴾ خلاف إضافة ﴿ أَنْصَارَ الله ﴾ فإنّ معنى ﴿ نَحْنُ أَنْصَارُ الله ﴾ : نحن الذين ينصرون الله.

ومعنى ﴿ مَنْ أنصارى ﴾ من الأنصار الذين يختصون بي ويكونون معي في نصرة الله؛ ولا يصح أن يكون معناه: من ينصرني مع الله؛ لأنه لا يطابق الجواب.

والدليل عليه: قراءة من قرأ: ﴿ من أنصار الله ﴾ .

والحواريون أصفياؤه وهم أوّل من آمن به وكانوا اثنى عشر رجلاً؛ وحواري الرجل: صفيه وخلصانه من الحوار وهو البياض الخالص.

والموارى: الدرمك.

ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: «الزبير ابن عمتي وحواريي من أمتي» وقيل: كانوا قصارين يحوّرون الثياب يبيضونها.

ونظير الحواري في زنته: الحوالي: الكثير الحيل ﴿ فَئَامَنَت طَّآئِفَةٌ ﴾ منهم بعيسى ﴿ وَكَفَرَت ﴾ به ﴿ طَّائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا ﴾ مؤمنيهم على كفارهم، فظهروا عليهم.

وعن زيد بن علي: كان ظهورهم بالحجة.

عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة الصف كان عيسى مصلياً عليه مستغفراً له ما دام في الدنيا وهو يوم القيامة رفيقه» .

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله