الإسلام > القرآن > تفسير > الكشاف > تفسير سورة القلم
تفسيرُ سورةِ القلم كاملةً من تفسير الكشاف (الزمخشري) (جار الله الزمخشري).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 25 دقيقة قراءةقرئ: ﴿ ن والقلم ﴾ بالبيان والإدغام، وبسكون النون وفتحها وكسرها، كما في ص.
والمراد هذا الحرف من حروف المعجم: وأمّا قولهم: هو الدواة فما أدري أهو وضع لغوي أم شرعي؟
ولا يخلو إذا كان اسماً للدواة من أن يكون جنساً أو علماً، فإن كان جنساً فأين الإعراب والتنوين، وإنّ كان علماً فأين الإعراب، وأيهما كان فلا بد له من موقف في تأليف الكلام.
فإن قلت: هو مقسم به وجب إن كان جنساً أن تجرّه وتنوّنه، ويكون القسم بدواة منكرة مجهولة، كأنه قيل: ودواة والقلم، وإن كان علماً أن تصرفه وتجرّه، أو لا تصرفه وتفتحه للعلمية والتأنيث، وكذلك التفسير بالحوت: إما أن يراد نون من النينان، أو يجعل علماً للبهموت الذي يزعمون، والتفسير باللوح من نور أو ذهب، والنهر في الجنة نحو ذلك، وأقسم بالقلم: تعظيماً له، لما في خلقه وتسويته من الدلالة على الحكمة العظيمة، ولما فيه من المنافع والفوائد التي لا يحيط بها الوصف ﴿ وَمَا يَسْطُرُونَ ﴾ وما يكتب من كتب وقيل ما يسطره الحفظة وما موصولة أو مصدرية ويجوز أن يراد بالقلم أصحابه فيكون الضمير في ﴿ يَسْطُرُونَ ﴾ لهم كأنه قيل: وأصحاب القلم ومسطوراتهم.
أو وسطورهم، ويراد بهم كل ما يسطر، أو الحفظة.
<div class="verse-tafsir"
فإن قلت: بم يتعلق الباء في ﴿ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ ﴾ وما محله؟
قلت: يتعلق بمجنون منفياً، كما يتعلق بعاقل مثبتاً في قولك: أنت بنعمة الله عاقل، مستوياً في ذلك الإثبات والنفي استواءهما في قولك: ضرب زيد عمراً، وما ضرب زيد عمراً: تعمل الفعل مثبتاً ومنفياً إعمالاً واحداً؛ ومحله النصب على الحال، كأنه قال: ما أنت بمجنون منعماً عليك بذلك؛ ولم تمنع الباء أن يعمل مجنون فيما قبله، لأنها زائدة لتأكيد النفي.
والمعنى؛ استبعاد ما كان ينسبه إليه كفار مكة عداوة وحسداً، وأنه من إنعام الله عليه بحصافة العقل والشهامة التي يقتضيها التأهيل للنبوّة، بمنزلة ﴿ وَإِنَّ لَكَ ﴾ على احتمال ذلك وإساغة الغصة فيه والصبر عليه ﴿ لأجْرًا ﴾ لثواباً ﴿ غَيْرَ مَمْنُونٍ ﴾ غير مقطوع كقوله: ﴿ عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ ﴾ [هود: 108] أو غير ممنون عليك به، لأنّه ثواب تستوجبه على عملك، وليس بتفضل ابتداء؛ وإنما تمنّ الفواضل لا الأجور على الأعمال.
<div class="verse-tafsir"
استعظم خلقه لفرط احتماله الممضات من قومه وحسن مخالقته ومداراته لهم.
وقيل: هو الخلق الذي أمره الله تعالى به في قوله تعالى: ﴿ خُذِ العفو وَأْمُرْ بالعرف وَأَعْرِض عَنِ الجاهلين ﴾ [الأعراف: 199] وعن عائشة رضي الله عنها: أن سعيد بن هشام سألها عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: كان خلقه القرآن، ألست تقرأ القرآن: قد أفلح المؤمنون.
<div class="verse-tafsir"
﴿ المفتون ﴾ المجنون، لأنه فتن: أي محن بالجنون.
أو لأن العرب يزعمون أنه من تخبيل الجن، وهم الفتان للفتاك منهم، والباء مزيدة.
أو المفتون مصدر كالمعقول والمجلود، أي: بأيكم الجنون، أو بأي الفريقين منكم الجنون، أبفريق المؤمنين أم بفريق الكافرين؟
أي: في أيهما يوجد من يستحق هذا الاسم: وهو تعريض بأبي جهل بن هشام والوليد بن المغيرة وأضرابهما، وهذا كقوله تعالى: ﴿ سَيَعْلَمُونَ غَداً مَّنِ الكذاب الأشر ﴾ [القمر: 26] .
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِنَّ رَّبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ ﴾ بالمجانين على الحقيقة، وهم الذين ضلوا عن سبيله ﴿ وَهُوَ أَعْلَمُ ﴾ بالعقلاء وهم المهتدون.
أو يكون وعيداً ووعداً، وأنه أعلم بجزاء الفريقين ﴿ فَلاَ تُطِعِ المكذبين ﴾ تهييج وإلهاب للتصميم على معاصاتهم، وكانوا قد أرادوه على أن يعبد الله مدة، وآلهتهم مدة، ويكفوا عنه غوائلهم ﴿ لَوْ تُدْهِنُ ﴾ لو تلين وتصانع ﴿ فَيُدْهِنُونَ ﴾ فإن قلت: لم رفع ﴿ فَيُدْهِنُونَ ﴾ ولم ينصب بإضمار (أن) وهو جواب التمني؟
قلت: قد عدل به إلى طريق آخر: وهو أن جعل خبر مبتدأ محذوف، أي: فهم يدهنون، كقوله تعالى: ﴿ فَمَن يُؤْمِن بِرَبّهِ فَلاَ يَخَافُ ﴾ [الجن: 13] على معنى: ودوا لو تدهن فهم يدهنون حينئذٍ.
أو ودوا إدهانك فهم الآن يدهنون؛ لطمعهم في إدهانك.
قال سيبويه: وزعم هرون أنها في بعض المصاحف ودوا لو تدهن فيدهنوا.
<div class="verse-tafsir"
﴿ حَلاَّفٍ ﴾ كثير الحلف في الحق والباطل، وكفى به مزجرة لمن اعتاد الحلف.
ومثله قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَجْعَلُواْ الله عرضةلأيمانكم ﴾ [البقرة: 224] .
﴿ مُّهِينٍ ﴾ من المهانة وهي القلة والحقارة، يريد القلة في الرأي والتمييز.
أو أراد الكذاب لأنه حقير عند الناس ﴿ هَمَّازٍ ﴾ عياب طعان.
وعن الحسن.
يلوى شدقيه في أقفية الناس ﴿ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ ﴾ مضرب نقال للحديث من قوم إلى قوم على وجه السعاية والإفساد بينهم.
والنميم والنميمة: السعاية، وأنشدني بعض العرب: تَشَبَّبِي تَشَبُّبَ النَّمِيمَهْ ** تَمْشِي بِهَا زَهْرَا إِلَى تَمِيمَهْ ﴿ مَّنَّاعٍ لّلْخَيْرِ ﴾ بخيل.
والخير: المال.
أو مناع أهه الخير وهو الإسلام، فذكر الممنوع منه دون الممنوع، كأنه قال: مناع من الخير.
قيل: هو الوليد بن المغيرة المخزومي: كان موسراً، وكان له عشرة من البنين، فكان يقول لهم وللحمته: من أسلم منكم منعته رفدي عن ابن عباس.
وعنه: أنه أبو جهل.
وعن مجاهد: الأسود بن عبد يغوث.
وعن السدي: الأخنس بن شريق، أصله في ثقيف وعداده في زهرة، ولذلك قيل: زنيم ﴿ مُعْتَدٍ ﴾ مجاوز في الظلم حده ﴿ أَثِيمٍ ﴾ كثير الآثام ﴿ عُتُلٍّ ﴾ غليظ جاف، من عتله: إذا قاده بعنف وغلظة ﴿ بَعْدَ ذَلِكَ ﴾ بعدما عدّ له من المثالب والنقائص ﴿ زَنِيمٍ ﴾ دعي.
قال حسان: وَأنْتَ زَنِيمٌ نِيطَ فِي ءَالِ هَاشِم ** كَمَا نِيطَ خَلْفَ الرَّاكِبِ الْقَدَحُ الْفَرْدُ وكان الوليد دعيا في قريش ليس من سنخهم، ادعاه أبوه بعد ثمان عشرة من مولده.
وقيل: بغت أمّه ولم يعرف حتى نزلت هذه الآية، جعل جفاءه ودعوته أشد معايبه، لأنه إذا جفا وغلظ طبعه قسا قلبه واجترأ على كل معصية، ولأن الغالب أن النطفة إذا خبثت خبث الناشئ منها.
ومن ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل الجنة ولد الزنا ولا ولده ولا ولد ولده» و ﴿ بَعْدَ ذَلِكَ ﴾ نظير (ثم) في قوله: ﴿ ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين ءامَنُواْ ﴾ [البلد: 17] وقرأ الحسن: ﴿ عتل ﴾ رفعاً على الذم وهذه القراءة تقوية لما يدل عليه بعد ذلك.
والزنيم: من الزنمة وهي الهنة من جلد الماعزة تقطع فتخلى معلقة في حلقها، لأنه زيادة معلقة بغير أهله ﴿ أَن كَانَ ذَا مَالٍ ﴾ متعلق بقوله: ﴿ وَلاَ تُطِعْ ﴾ يعني ولا تطعه مع هذه المثالب، لأن كل ذا مال.
أي: ليساره وحظه من الدنيا.
ويجوز أن يتعلق بما بعده على معنى: لكونه متمولاً مستظهراً بالبنين كذب آياتنا ولا يعمل فيه ﴿ قَالَ ﴾ الذي هو جواب إذا، لأن ما بعد الشرط لا يعمل فيما قبله، ولكن ما دلت عليه الجملة من معنى التكذيب.
وقرئ: ﴿ أأن كان ﴾ ؟
على الاستفهام على: إلا لأن كان ذا مال وبنين، كذب.
أو أتطيعه لأن كان ذا مال.
وروى الزبيري عن نافع: إن كان، بالكسر والشرط للمخاطب، أي: لا تطع كل حلاف شارطاً يساره، لأنه إذا أطاع الكافر لغناه فكأنه اشترط في الطاعة الغنى، ونحو صرف الشرط إلى المخاطب صرف الترجي إليه في قوله تعالى: ﴿ لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ ﴾ [طه: 44] الوجه: أكرم موضع في الجسد، والأنف أكرم موضع من الوجه لتقدمه له، ولذلك جعلوه مكان العز والحمية، واشتقوا منه الأنفة.
وقالوا الأنف في الأنف، وحمى أنفه، وفلان شامخ العرنين.
وقالوا في الذليل: جدع أنفه، ورغم أنفه، فعبر بالوسم على الخرطوم عن غاية الإذلال والإهانة، لأن السمة على الوجه شين وإذالة، فكيف بها على أكرم موضع منه، ولقد: وسم العباس أباعره في وجوهها، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أكرموا الوجوه» فوسمها في جواعرها وفي لفظ ﴿ الخرطوم ﴾ استخفاف به واستهانة.
وقيل معناه: سنعلمه يوم القيامة بعلامة مشوهة يبين بها عن سائر الكفرة، كما عادى رسول الله صلى الله عليه وسلم عداوة بأن بها عنهم.
وقيل: خطم يوم بدر بالسيف فبقيت سمة على خرطومه.
وقيل: سنشهره بهذه الشتيمة في الدارين جميعاً، فلا تخفى، كما لا تخفى السمة على الخرطوم.
وعن النضر بن شميل: أن الخرطوم الخمر، وأن معناه: سنحده على شربها وهو تعسف.
وقيل للخمر: الخرطوم، كما قيل لها: السلافة.
وهي ما سلف من عصير العنب.
أو لأنها تطير في الخياشيم.
<div class="verse-tafsir"
إنا بلونا أهل مكة بالقحط والجوع بدعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم ﴿ كَمَا بلونا أصحاب الجنة ﴾ وهم قوم من أهل الصلاة كانت لأبيهم هذه الجنة دون صنعاء بفرسخين، فكان يأخذ منها قوت سنته ويتصدق بالباقي، وكان يترك للمساكين ما أخطأه المنجل، وما في أسفل الأكداس وما أخطأه القطاف من العنب، وما بقي على البساط الذي يبسط تحت النخلة إذا صرمت، فكان يجتمع لهم شيء كثير، فلما مات قال بنوه: إن فعلنا ما كان يفعل أبونا ضاق علينا الأمر ونحن أولو عيال، فحلفوا ليصرمنها مصبحين في السدف خفية عن المساكين، ولم يستثنوا في يمينهم، فأحرق الله جنتهم.
وقيل: كانوا من بني إسرائيل ﴿ مُصْبِحِينَ ﴾ داخلين في الصبح مبكرين ﴿ وَلاَ يَسْتَثْنُونَ (18) ﴾ ولا يقولون إن شاء الله.
فإن قلت: لم سمي استثناء، وإنما هو شرط؟
قلت: لأنه يؤدي مؤدى الاستثناء، من حيث إن معنى قولك: لأخرجنّ إن شاء الله، ولا أخرج إلا أن يشاء الله.
واحد ﴿ فَطَافَ عَلَيْهَا ﴾ بلاء أو هلاك ﴿ طَآئِفٌ ﴾ كقوله تعالى: ﴿ وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ ﴾ [الكهف: 42] وقرئ: ﴿ طيف ﴾ ﴿ فَأَصْبَحَتْ كالصريم (20) ﴾ كالمصرومة لهلاك ثمرها.
وقيل: الصريم الليل، أي.
احترقت فاسودت.
وقيل: النهار أي: يبست وذهبت خضرتها.
أو لم يبق شيء فيها، من قولهم: بيض الإناء، إذا فرغه.
وقيل الصريم الرمال ﴿ صارمين ﴾ حاصدين.
فإن قلت: هلا قيل: اغدوا إلى حرثكم؛ وما معنى (على)؟
قلت: لما كان الغدوّ إليه ليصرموه ويقطعوه: كان غدوّا عليه، كما تقول: غداً عليهم العدوّ.
ويجوز أن يضمن الغدوّ معنى الإقبال، كقولهم: يفدى عليه بالجفنة ويراح، أي: فأقبلوا على حرثكم باكرين ﴿ يتخافتون ﴾ يتسارّون فيما بينهم.
وخفى، وخفت، وخفد: ثلاثتها في معنى الكتم؛ ومنه الخفدود للخفاش ﴿ أَن لاَّ يَدْخُلَنَّهَا ﴾ أن مفسرة.
وقرأ ابن مسعود بطرحها بإضمار القول، أي يتخافتون يقولون لا يدخلنها؛ والنهي عن الدخول للمسكين نهي لهم عن تمكينه منه، أي: لا تمكنوه من الدخول حتى يدخل كقولك: لا أرينك ههنا.
الحرد: من حردت السنة إذا منعت خيرها؛ وحردت الإبل إذا منعت درّها.
والمعنىّ: وغدوا قادرين على نكد، لا غير عاجزين عن النفع، يعني أنهم عزموا أن يتنكدوا على المساكين ويحرموهم وهم قادرون على نفعهم، فغدوا بحال فقر وذهاب مال لا يقدرون فيها إلا على النكد والحرمان، وذلك أنهم طلبوا حرمان المساكين فتعجلوا الحرمان والمسكنة.
أو وغدوا على محاردة جنتهم وذهاب خيرها قادرين، بدل كونهم قادرين على إصابة خيرها ومنافعها، أي: غدوا حاصلين على الحرمان مكان الانتفاع، أو لما قالوا اغدوا على حرثكم وقد خبثت نيتهم: عاقبهم الله بأن حاردت جنتهم وحرموا خيرها، فلم يغدوا على حرث وإنما غدوا على حرد.
و ﴿ قادرين ﴾ من عكس الكلام للتهكم، أي: قادرين على ما عزموا عليه من الصرام وحرمان المساكين، وعلى حرد ليس بصلة قادرين، وقيل: الحرد بمعنى الحرد.
وقرئ: ﴿ على حرد ﴾ ، أي لم يقدروا إلا على حنق وغضب بعضهم على بعض، كقوله تعالى: ﴿ يتلاومون ﴾ [القلم: 30] وقيل: الحرد القصد والسرعة؛ يقال: حردت حردك.
وقال: أقْبَلَ سَيْلٌ جَاءَ مِنْ أمرِ اللَّهْ ** يَحْرُدُ حَرْدَ الْجَنَّةِ اْلمُغْلَّةْ وقطا حراد: سراع، يعني: وغدوا قاصدين إلى جنتهم بسرعة ونشاط، قادرين عند أنفسهم، يقولون: نحن نقدر على صرامها وزيّ منفعتها عن المساكين.
وقيل: ﴿ حَرْدٍ ﴾ علم للجنة، أي غدواً على تلك الجنة قادرين على صرامها عند أنفسهم.
أو مقدرين أن يتم لهم مرادهم من الصرام والحرمان ﴿ قَالُواْ ﴾ في بديهة وصولهم ﴿ إِنَّا لَضَالُّونَ ﴾ أي ضللنا جنتنا، وما هي بها لما رأوا من هلاكها؛ فلما تأملوا وعرفوا أنها هي قالوا: ﴿ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ ﴾ حرمنا خيرها لجنايتنا على أنفسنا ﴿ أَوْسَطُهُمْ ﴾ أعدلهم وخيرهم، من قولهم: هو من سطة قومه، وأعطني من سطات مالك.
ومنه قوله تعالى: ﴿ أُمَّةً وَسَطًا ﴾ [البقرة: 143] .
﴿ لَوْلاَ تُسَبِّحُونَ ﴾ لولا تذكرون الله وتتوبون إليه من خبث نيتكم، كأن أوسطهم قال لهم حين عزموا على ذلك: اذكروا الله وانتقامه من المجرمين، وتوبوا عن هذه العزيمة الخبيثة من فوركم، وسارعواإلى حسم شرها قبل حلول النقمة، فعصوه فعيرهم.
والدليل عليه قولهم: ﴿ سبحان رَبِّنَآ إِنَّا كُنَّا ظالمين ﴾ فتكلموا بما كان يدعوهم إلى التكلم به على أثر مقارفة الخطيئة، ولكن بعد خراب البصرة.
وقيل: المراد بالتسبيح.
الاستثناء لالتقائهما في معنى التعظيم لله، لأنّ الاستثناء تفويض إليه، والتسبيح تنزيه له؛ وكل واحد من التفويض والتنزيه تعظيم.
وعن الحسن: هو الصلاة، كأنهم كانوا يتوانون في الصلاة؛ وإلاّ لنهتهم عن الفحشاء والمنكر، ولكانت لهم لطفاً في أن يستثنوا ولا يحرموا ﴿ سُبْحَانَ رَبِّنَآ ﴾ سبحوا الله ونزهوه عن الظلم وعن كل قبيح، ثم اعترفوا بظلمهم في منع المعروف وترك الاستثناء ﴿ يتلاومون ﴾ يلوم بعضهم بعضاً؛ لأنّ منهم من زين، ومنهم من قبل، ومنهم من أمر بالكف وعذر ومنهم من عصى الأمر، ومنهم من سكت وهو راض ﴿ أَن يُبْدِلَنَا ﴾ قرئ بالتشديد والتخفيف ﴿ إلى رَبّنَا راغبون ﴾ طالبون منه الخير راجون لعفوه ﴿ كَذَلِكَ العذاب ﴾ مثل ذلك العذاب الذي بلونا به أهل مكة وأصحاب الجنة عذاب الدنيا ﴿ وَلَعَذَابُ الأخرة ﴾ أشد وأعظم منه، وسئل قتادة عن أصحاب الجنة: أهم من أهل الجنة أم من أهل النار؟
فقال: لقد كلفتني تعباً.
وعن مجاهد: تابوا فأبدلوا خيراً منها.
وروي عن ابن مسعود رضي الله عنه: بلغني أنهم أخلصوا وعرف الله منهم الصدق فأبدلهم بها جنة يقال لها الحيوان: فيها عنب يحمل البغل منه عنقوداً.
<div class="verse-tafsir"
﴿ عِندَ رَبِّهِمْ ﴾ أي في الآخرة ﴿ جنات النعيم ﴾ ليس فيها إلا التنعم الخالص، لا يشوبه ما ينغصه كما يشوب جنان الدنيا.
<div class="verse-tafsir"
كان صناديد قريش يرون وفور حظهم من الدنيا وقلة حظوظ المسلمين منها، فإذا سمعوا بحديث الآخرة وما وعد الله المسلمين قالوا: إن صح أنا نبعث كما يزعم محمد ومن معه لم تكن حالهم وحالنا إلا مثل ما هي في الدنيا، وإلا لم يزيدوا علينا ولم يفضلونا، وأقصى أمرهم أن يساوونا، فقيل: أنحيف في الحكم فنجعل المسلمين كالكافرين.
ثم قيل لهم على طريقة الالتفات ﴿ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (36) ﴾ هذا الحكم الأعوج؟
كأنّ أمر الجزاء مفوّض إليكم حتى تحكموا فيه بما شئتم ﴿ أَمْ لَكُمْ كتاب ﴾ من السماء ﴿ تَدْرُسُونَ ﴾ في ذلك الكتاب أنّ ما تختارونه وتشتهونه لكم، كقوله تعالى: ﴿ أَمْ لَكُمْ سلطان مُّبِينٌ (156) ﴾ فأتوا بكتابكم والأصل تدرسون أنّ لكم ما تخيرون، بفتح أنّ؛ لأنه مدروس؛ فلما جاءت اللام كسرت.
ويجوز أن تكون حكاية للدروس، كما هو، كقوله: ﴿ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الأخرين (78) سلام على نُوحٍ فِي العالمين (79) ﴾ [الصافات: 78- 79].
وتخير الشيء واختاره: أخذ خيره، ونحوه: تنخله وانتخله: إذا أخذ منخوله.
لفلان عليّ يمين بكذا: إذا ضمنته منه وحلفت له على الوفاء به، يعني: أم ضمنا منكم وأقسمنا لكم بأيمان مغلظة متناهية في التوكيد فإن قلت: بم يتعلق ﴿ إلى يَوْمِ القيامة ﴾ ؟
قلت: بالقدر في الظرف، أي: هي ثابتة لكم علينا إلى يوم القيامة لا تخرج عن عهدتها إلا يومئذٍ إذا حكمناكم وأعطيناكم ما تحكمون.
ويجوز أن يتعلق ببالغة، على أنها تبلغ ذلكم اليوم وتنتهي إليه وافرة لم تبطل منها يمين إلى أن يحصل المقسم عليه من التحكيم.
وقرأ الحسن ﴿ بالغة ﴾ بالنصب على الحال من الضمير في الظرف ﴿ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ ﴾ جواب القسم؛ لأنّ معنى ﴿ أَمْ لَكُمْ أيمان عَلَيْنَا ﴾ أم أقسمنا لكم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَيُّهُم بذلك ﴾ الحكم ﴿ زَعِيمٌ ﴾ أي قائم به وبالاحتجاج لصحته، كما يقوم الزعيم المتكلم عن القوم المتكفل بأمورهم ﴿ أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ ﴾ أي ناس يشاركونهم في هذا القول ويوافقونهم عليه ويذهبون مذهبهم فيه ﴿ فَلْيَأْتُواْ ﴾ بهم ﴿ إِن كَانُواْ صادقين ﴾ في دعواهم، يعني: أنّ أحداً لا يسلم لهم هذا ولا يساعدهم عليه، كما أنه لا كتاب لهم ينطق به، ولا عهد لهم به عند الله، ولا زعيم لهم يقوم به.
<div class="verse-tafsir"
الكشف عن الساق والإبداء عن الخدام: مثل في شدة الأمر وصعوبة الخطب، وأصله في الروع والهزيمة وتشمير المخدرات عن سوقهنّ في الهرب، وإبداء خدامهن عند ذلك.
قال حاتم: أَخُو الْحَرْبِ إنْ غَضَّتْ بِهِ الْحَرْبُ عَضَّهَا ** وَإنْ شَمَّرَتْ عَنْ سَاقِهَا الْحَرْبُ شَمَّرَا وقال ابن الرقيات: تُذْهِلُ الشَّيْخَ عَنْ بَنِيهِ وَتُبْدِي ** عَنْ خِدَامِ الْعَقِيلَةِ الْعَذْرَاءِ فمعنى ﴿ يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ ﴾ في معنى: يوم يشتدّ الأمر ويتفاقم، ولا كشف ثم ولا ساق، كماتقول للأقطع الشحيح: يده مغلولة، ولا يد ثم ولا غل؛ وإنما هو مثل في البخل.
وأما من شبه فلضيق عطنه وقلة نظره في علم البيان، والذي غرّه منه حديث ابن مسعود رضي الله عنه: «يكشف الرحمن عن ساقه؛ فأمّا المؤمنون فيخرّون سجداً، وأما المنافقون فتكون ظهورهم طبقاً طبقاً كأنّ فيها سفافيد» ومعناه: يشتد أمر الرحمن ويتفاقم هوله، وهو الفزع الأكبر يوم القيامة، ثم كان من حق الساق أن تعرف على ما ذهب إليه المشبه، لأنها ساق مخصوصة معهودة عنده وهي ساق الرحمن.
فإن قلت: فلم جاءت منكرة في التمثيل؟
قلت: للدلالة على أنه أمر مبهم في الشدة منكر خارج عن المألوف، كقوله: ﴿ يَوْمَ يَدْعُو الداع إلى شَيْء نُّكُرٍ ﴾ [القمر: 6] كأنه قيل: يوم يقع أمر فظيع هائل؛ ويحكى هذا التشبيه عن مقاتل: وعن أبي عبيدة: خرج من خراسان رجلان، أحدهما: شبه حتى مثل، وهو مقاتل بن سليمان، والآخر نفي حتى عطل وهو جهم بن صفوان؛ ومن أحس بعظم مضارّ فقد هذا العلم علم مقدار عظم منافعه.
وقرئ: ﴿ يوم نكشف ﴾ بالنون.
وتكشف بالتاء على البناء للفاعل والمفعول جميعاً، والفعل للساعة أو للحال، أي: يوم تشتدّ الحال أو الساعة، كما تقول: كشفت الحرب عن ساقها، على المجاز.
وقرئ: ﴿ تكشف ﴾ بالتاء المضمومة وكسر الشين، من أكشف: إذا دخل في الكشف.
ومنه.
أكشف الرجل فهو مكشف، إذا انقلبت شفته العليا.
وناصب الظرف: فليأتوا.
أو إضمار (اذكر) أو يوم يكشف عن ساق كان كيت وكيت، فحذف للتهويل البليغ.
وإن ثم من الكوائن ما لا يوصف لعظمه.
عن ابن مسعود رضي الله عنه: تعقم أصلابهم واحداً، أي ترد عظاماً بلا مفاصل لا تنثني عند الرفع والخفض.
وفي الحديث: وتبقى أصلابهم طبقا واحدا، أيّ، فقارة واحدة.
فإن قلت: لم يدعون إلى السجود ولا تكليف؟
قلت: لا يدعون إليه تعبداً وتكليفاً، ولكن توبيخاً وتعنيفاً على تركهم السجود في الدنيا، مع إعقام أصلابهم والحيلولة بينهم وبين الاستطاعة تحسيراً لهم وتنديماً على ما فرّطوا فيه حين دعوا إلى السجود، وهم سالمون الأصلاب والمفاصل يمكنون مزاحو العلل فيما تعبدوا به.
<div class="verse-tafsir"
يقال: ذرني وإياه، يريدون كله إليّ، فإني أكفيكه، كأنه يقول: حسبك إيقاعاً به أن تكل أمره إليّ وتخلي بيني وبينه، فإني عالم بما يجب أن يفعل به مطيق له، والمراد: حسبي مجازياً لمن يكذب بالقرآن، فلا تشغل قلبك بشأنه وتوكل عليّ في الانتقام منه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وتهديداً للمكذبين.
استدرجه إلى كذا: إذا استنزله إليه درجة فدرجة، حتى يورّطه فيه.
واستدراج الله العصاة أن يرزقهم الصحة والنعمة، فيجعلوا رزق الله ذريعة ومتسلقاً إلى ازدياد الكفر والمعاصي ﴿ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ أي: من الجهة التي لا يشعرون أنه استدراج وهو الإنعام عليهم، لأنهم يحسبونه إيثاراً لهم وتفضيلاً على المؤمنين، وهو سبب لهلاكهم ﴿ وَأُمْلِى لَهُمْ ﴾ وأمهلهم، كقوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمَاً ﴾ [آل عمران: 178] والصحة والرزق والمدّ في العمر: إحسان من الله وإفضال يوجب عليهم الشكر والطاعة، ولكنهم يجعلونه سبباً في الكفر باختيارهم، فلما تدرّجوا به إلى الهلاك وصف المنعم بالاستدراج.
وقيل: كم من مستدرج بالإحسان إليه، وكم من مفتون بالثناء عليه، وكم من مغرور بالستر عليه.
وسمي إحسانه وتمكينه كيداً كما سماه استدراجاً، لكونه في صورة الكيد حيث كان سبباً للتورّط في الهلكة، ووصفه بالمتانة لقوّة أثر إحسانه في التسبب للهلاك.
<div class="verse-tafsir"
المغرم: الغرامة، أي لم تطلب منهم على الهداية والتعليم أجراً، فيثقل عليهم حمل الغرامات في أموالهم، فيثبطهم ذلك عن الإيمان ﴿ أَمْ عِندَهُمُ الغيب ﴾ أي اللوح ﴿ فَهُمْ يَكْتُبُونَ ﴾ منه ما يحكمون به.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لِحُكْمِ رَبِّكَ ﴾ وهو إمهالهم وتأخير نصرتك عليهم ﴿ وَلاَ تَكُن كصاحب الحوت ﴾ يعني: يونس عليه السلام ﴿ إِذْ نادى ﴾ في بطن الحوت ﴿ وَهُوَ مَكْظُومٌ ﴾ مملوء غيظاً، من كظم السقاء إذا ملأه، والمعنى: لا يوجد منك ما وجد منه من الضجر والمغاضبة، فتبتلى ببلائه، حسن تذكير الفعل لفصل الضمير في تداركه.
وقرأ ابن عباس وابن مسعود: ﴿ تداركته ﴾ .
وقرأ الحسن: ﴿ تداركه ﴾ ، أي تتداركه على حكاية الحال الماضية، بمعنى: لو أن كان يقال فيه تتداركه، كما يقال: كان زيد سيقوم فمنعه فلان، أي كان يقال فيه سيقوم.
والمعنى: كان متوقعاً منه القيام.
ونعمة ربه: أن أنعم عليه بالتوفيق للتوبة وتاب عليه.
وقد اعتمد في جواب ﴿ لولا ﴾ على الحال، أعني قوله: ﴿ وَهُوَ مَذْمُومٌ ﴾ يعني أنّ حاله كانت على خلاف الذمّ حين نبذ بالعراء، ولولا توبته لكانت حاله على الذمّ.
روى أنها نزلت بأحد حين حل برسول الله صلى الله عليه وسلم ما حل به، فأراد أن يدعو على الذين انهزموا.
وقيل: حين أراد أن يدعو على ثقيف.
وقرئ: ﴿ رحمة من ربه ﴾ ﴿ فاجتباه رَبُّهُ ﴾ فجمعه إليه، وقربه بالتوبة عليه، كما قال: ﴿ ثُمَّ اجتباه رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وهدى ﴾ [طه: 122] ﴿ فَجَعَلَهُ مِنَ الصالحين ﴾ أي من الأنبياء.
وعن ابن عباس: ردّ الله إليه الوحي وشفعه في نفسه وقومه.
<div class="verse-tafsir"
إن مخففة من الثقيلة واللام علمها.
وقرأ ﴿ ليزلقونك ﴾ بضم الياء وفتحها.
وزلقه وأزلقه بمعنى: ويقال: زلق الرأس وأزلقه: حلقه، وقرأ ﴿ ليزهقونك ﴾ من زهقت نفسه وأزهقها، يعني: أنهم من شدة تحديقهم ونظرهم إليك شزرا بعيون العداوة والبغضاء، يكادون يزلون قدمك أويهلكونك، من قولهم نظر إلى نظرا يكاد يصرعني، ويكاد يأكلني، أي: لو أمكنه بنظره الصراع أو الأكل لفعله، قال: يتقارضون إذا التقوا في مَوْطِنٍ ** نظرا يزّل مواطئ الأقدامْ وقيل كانت العين في بنى أسد، فكان الرجل منهم يتجوّع ثلاثة أيام فلا يمر به شيء فيقول فيه: لم أر كاليوم مثله إلا عانه، فأريد بعض العيانين على أن يقول فى رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ذلك، فقال: لم أر كاليوم رجلا فعصمه لله.
وعن الحسن: دواء الإصابة بالعين أن تقرأ هذه الآية ﴿ لما سمعوا الذكر ﴾ أي القرآن لم يملكوا أنفسهم حسدا على ما أوتيت من النبوة ﴿ ويقولون إنه لمجنون ﴾ حيرة فى أمره وتنفيرا عنه؛ وإلا فقد علموا أنه أعقلهم.
والمعنى: أنهم جننوه لأجل القرآن ﴿ وماهو إلا ذكر ﴾ وموعظة ﴿ للعالمين ﴾ فكيف يجنن من جاء بمثله.
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «من قرأ سورة القلم أعطاه الله ثواب الذين حسن الله أخلاقهم»