الإسلام > القرآن > تفسير > الكشاف > تفسير سورة الحاقة
تفسيرُ سورةِ الحاقة كاملةً من تفسير الكشاف (الزمخشري) (جار الله الزمخشري).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 18 دقيقة قراءة﴿ الحاقة ﴾ الساعة الواجبة الوقوع الثابتة المجيء، التي هي آتية لا ريب فيها.
أو التي فيها حواق الأمور من الحساب والثواب والعقاب.
أو التي تحق فيها الأمور، أي: تعرف على الحقيقة، من قولك لا أحق هذا، أي: لا أعرف حقيقته.
جعل الفعل لها وهو لأهلها وارتفاعها على الابتداء وخبرها ﴿ مَا الحآقة (2) ﴾ والأصل: الحاقة ما هي، أي أيّ شيء هي تفخيماً لشأنها وتعظيماً لهولها، فوضع الظاهر موضع المضمر؛ لأنه أهول لها ﴿ وَمَآ أَدْرَاكَ ﴾ وأيّ شيء أعلمك ما الحاقة، يعني: أنك لا علم لك بكنهها ومدى عظمها، عى أنه من العظم والشدة بحيث لا يبلغه دراية أحد ولا وهمه، وكيفما قدرت حالها فهي أعظم من ذلك، و(ما) في موضع الرفع على الابتداء.
و ﴿ أَدْرَاكَ ﴾ معلق عنه لتضمنه معنى الاستفهام.
(القارعة) التي تقرع الناس بالأفزاع والأهوال، والسماء بالانشقاق والإنفطار، والأرض والجبال بالدك والنسف، والنجوم بالطمس والانكدار.
ووضعت موضع الضمير لتدل على معنى القرع.
في الحاقة: زيادة في وصف شدتها؛ ولما ذكرها وفخمها أتبع ذكر من كذب بها وما حل بهم بسبب التكذيب، تذكيراً لأهل مكة وتخويفاً لهم من عاقبة تكذيبهم ﴿ بالطاغية ﴾ بالواقعة المجاوزة للحد في الشدة.
واختلف فيها، فقيل: الرجفة.
وعن ابن عباس: الصاعقة.
وعن قتادة: بعث الله عليهم صيحة فأهمدتهم.
وقيل: الطاغية مصدر كالعافية، أي: بطغيانهم؛ وليس بذاك لعدم الطباق بينها وبين قوله ﴿ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ ﴾ والصرصر: الشديدة الصوت لها صرصرة.
وقيل: الباردة من الصر، كأنها التي كرر فيها البرد وكثر: فهي تحرق لشدة بردها ﴿ عَاتِيَةٍ ﴾ شديدة العصف والعتو استعارة.
أو عتت على عاد، فما قدروا على ردّها بحيلة، من استتار ببناء، أو لياذ بجبل، أو اختفاء في حفرة؛ فإنها كانت تنزعهم من مكامنهم وتهلكهم.
وقيل: عتت على خزانها، فخرجت بلا كيل ولا وزن: وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أرسل الله سفينة من ريح إلا بمكيال ولا قطرة من مطر إلا بمكيال إلا يوم عاد ويوم نوح، فإنّ الماء يوم نوح طغى على الخزان فلم يكن لهم عليه السبيل» ، ثم قرأ: ﴿ إِنَّا لَمَّا طَغَا الماء حملناكم فِي الجارية ﴾ [الحاقة: 11] «وإن الريح يوم عاد عتت على الخزان فلم يكن لهم عليها سبيل» ثم قرأ ﴿ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ ﴾ ولعلها عبارة عن الشدة والإفراط فيها.
الحسوم: لا يخلو من أن يكون جمع حاسم كشهود وقعود.
أو مصدراً كالشكور والكفور؛ فإن كان جمعاً فمعنى قوله: ﴿ حُسُوماً ﴾ نحسات حسمت كل خير واستأصلت كل بركة.
أو متتابعة هبوب الرياح: ماخفتت ساعة حتى أتت عليهم تمثيلاً لتتابعها بتتابع فعل الحاسم في إعادة الكي على الداء، مرة بعد أخرى حتى ينحسم.
وإن كان مصدراً: فإما أن ينتصب بفعله مضمراً، أي: تحسم حسوماً، بمعنى تستأصل استئصالاً.
أو يكون صفة كقولك: ذات حسوم.
أو يكون مفعولاً له، أي: سخرها للاستئصال.
وقال عبد العزيز ابن زرارة الكلابي: فَفَرَّقَ بَيْنَ بَيْنِهِمُ زَمَان ** تَتَابَعَ فِيهِ أَعْوَامٌ حُسُوم وقرأ السدى ﴿ حسوماً ﴾ ، بالفتح حالاً من الريح، أي: سخرها عليهم مستأصلة.
وقيل: هي أيام العجوز؛ وذلك أن عجوزاً من عاد توارت في سرب، فانتزعتها الريح في اليوم الثامن فأهلكتها.
وقيل: هي أيام العجز، وهي آخر الشتاء: وأسماؤها: الصن والصنبر، والوبر.
والآمر، والمؤتمر، والمعلل، ومطفئ الجمر.
وقيل: مكفيء الظعن ومعنى ﴿ سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ ﴾ سلطها عليهم كما شاء ﴿ فِيهَا ﴾ في مهابها.
أو في الليالي والأيام.
وقرئ: ﴿ أعجاز نخيل ﴾ ﴿ مِّن بَاقِيَةٍ ﴾ من بقية أو من نفس باقية.
أو من بقاء، كالطاغية: بمعنى الطغيان.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَمِن قَبْلِهِ ﴾ يريد: ومن عنده من تباعه.
وقرئ: ﴿ ومن قبله ﴾ ، أي: ومن تقدمه.
وتعضد الأولى قراءة عبد الله وأبي ﴿ ومن معه ﴾ وقراءة أبي موسى: ﴿ ومن تلقاءه ﴾ ﴿ والمؤتفكات ﴾ قرى قوم لوط ﴿ بِالْخَاطِئَةِ ﴾ بالخطأ.
أو بالفعلة، أو الأفعال ذات الخطأ العظيم ﴿ رَّابِيَةً ﴾ شديدة زائدة في الشدة، كما زادت قبائحهم في القبح.
يقال: ربا الشيء يربو: إذا زاد ﴿ لّيَرْبُوَاْ فِي أَمْوَالِ الناس ﴾ [الروم: 39] .
<div class="verse-tafsir"
﴿ حملناكم ﴾ حملنا آباءكم ﴿ فِى الجارية ﴾ في سفينة؛ لأنهم إذا كانوا من نسل المحمولين الناجين، كان حمل آبائهم منة عليهم، وكأنهم هم المحمولون، لأن نجاتهم سبب ولادتهم ﴿ لِنَجْعَلَهَا ﴾ الضمير للفعلة: وهي نجاة المؤمنين وإغراق الكفرة ﴿ تَذْكِرَةً ﴾ عظة وعبرة ﴿ أُذُنٌ واعية ﴾ من شأنها أن تعي وتحفظ ما سمعت به ولا تضيعه بترك العمل، وكل ما حفظته في نفسك فقد وعيته وما حفظته في غير نفسك فقد أوعيته كقولك: وعيت الشيء في الظرف.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لعليّ رضي اللَّه عنه عند نزول هذه الآية: «سألت اللَّه أن يجعلها أذنك يا عليّ» قال عليّ رضي اللَّه عنه: فما نسيت شيئاً بعد وما كان لي أن أنسى.
فإن قلت: لم قيل: أذن واعية، على التوحيد والتنكير؟
قلت: للإيذان بأن الوعاة فيهم قلة، ولتوبيخ الناس بقلة من يعي منهم؛ وللدلالة على أن الأذن الواحدة إذا وعت وعقلت عن اللَّه فهي السواد الأعظم عند اللَّه، وأن ما سواها لا يبالي بهم بالة وإن ملئوا ما بين الخافقين.
وقرئ: ﴿ وتعيها ﴾ بسكون العين للتخفيف: شبه تعي بكبد.
<div class="verse-tafsir"
أسند الفعل إلى المصدر، وحسن تذكيره للفصل.
وقرأ أبو السمال ﴿ نفخة واحدة ﴾ بالنصب مسنداً للفعل إلى الجار والمجرور.
فإن قلت: هما نفختان، فلم قيل: واحدة؟
قلت معناه أنها لا تثني في وقتها.
فإن قلت: فأي النفختين هي؟
قلت الأولى لأن عندها فساد العالم، وهكذا الرواية عن ابن عباس.
وقد روى عنه أنها الثانية.
فإن قلت: أما قال بعد، ﴿ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ ﴾ والعرض إنما هو عند النفخة الثانية؟
قلت: جعل اليوم إسماً للحين الواسع الذي تقع فيه النفختان والصعقة والنشور والوقوف والحساب، فلذلك قيل: ﴿ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ ﴾ كما تقول: جئته عام كذا؛ وإنما كان مجيئك في وقت واحد من أوقاته ﴿ وَحُمِلَتِ ﴾ ورفعت من جهاتها بريح بلغت من قوّة عصفها أنها تحمل الأرض والجبال.
أو بخلق من الملائكة.
أو بقدرة اللَّه من غير سبب.
وقرئ: ﴿ وحملت ﴾ بحذف المحمل وهو أحد الثلاثة ﴿ فَدُكَّتَا ﴾ فدكت الجملتان: جملة الأرضين وجملة الجبال، فضرب بعضها ببعض حتى تندقّ وترجع كثيباً مهيلا وهباء منبثاً والدك أبلغ من الدق.
وقيل: فبسطتا بسطة واحدة، فصارتا أرضاً لا ترى فيها عوجاً ولا أمتا، من قولك: اندكّ السنام إذا انفرش وبعير أدك وناقة دكاء.
ومنه: الدكان ﴿ فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الواقعة (15) ﴾ فحينئذٍ نزلت النازلة وهي القيامة ﴿ وَاهِيَةٌ ﴾ مسترخية ساقطة القوّة جدّا بعد ما كانت محكمة مستمسكة.
يريد: والخلق الذي يقال له الملك، وردّ إليه الضمير مجموعاً في قوله: ﴿ فَوْقَهُمُ ﴾ على المعنى: فإن قلت: ما الفرق بين قوله: ﴿ والملك ﴾ ، وبين أن يقال (والملائكة)؟
قلت: الملك أعمّ من الملائكة، ألا ترى أن قولك: ما من ملك إلا وهو شاهد، أعم من قولك: ما من ملائكة ﴿ على أَرْجَآئِهَا ﴾ على جوانبها: الواحد رجا مقصور، يعني: أنها تنشق، وهي مسكن الملائكة، فينضوون إلى أطرافها وما حولها من حافاتها ﴿ ثمانية ﴾ أي: ثمانية منهم.
وعن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: «هم اليوم أربعة، فإذا كان يوم القيامة أيدهم الله بأربعة آخرين فيكونون ثمانية» وروي: ثمانية أملاك: أرجلهم في تخوم الأرض السابعة، والعرش فوق رؤوسهم، وهم مطرقون مسبحون.
وقيل: بعضهم على صورة الإنسان، وبعضهم على صورة الأسد، وبعضهم على صورة الثور، وبعضهم على صورة النسر.
وروي: ثمانية أملاك في خلق الأوعال، ما بين أظلافها إلى ركبها: مسيرة سبعين عاماً.
وعن شهر بن حوشب: أربعة منهم يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد على عفوك بعد قدرتك؛ وأربعة يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك، لك الحمد على حلمك بعد علمك وعن الحسن: الله أعلم كم هم، أثمانية أم ثمانية آلاف؟
وعن الضحاك: ثمانية صفوف لا يعلم عددهم إلا الله.
ويجوز أن تكون الثمانية من الروح، أو من خلق آخر، فهو القادر على كل خلق، ﴿ سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون ﴾ [يس: 36] .
العرض: عبارة عن المحاسبة والمساءلة.
شبه ذلك بعرض السلطان العسكر لتعرف أحواله.
وروى أنّ في يوم القيامة ثلاثة عرضات.
فأما عرضتان فاعتذار واحتجاج وتوبيخ، وأما الثالثة ففيها تنشر الكتب فيأخذ الفائز كتابه بيمينه والهالك كتابه بشماله ﴿ خَافِيَةٌ ﴾ سريرة وحال كانت تخفي في الدنيا بستر اللَّه عليكم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَأَمَّا ﴾ تفصيل للعرض: ها: صوت يصوّت به فيفهم منه معنى (خذ) كأفّ وحس، وما أشبه ذلك.
و ﴿ كتابيه ﴾ منصوب بهاؤم عند الكوفيين، وعند البصريين باقرؤا، لأنه أقرب العاملين.
وأصله: هاؤم كتابي اقرؤا كتابي، فحذف الأوّل لدلالة الثاني عليه.
ونظيره ﴿ اتُونِى أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً ﴾ [الكهف: 96] ، قالوا: ولو كان العامل الأوّل لقيل: اقرؤه وأفرغه، والهاء في ﴿ كتابيه ﴾ للسكت، وكذلك في ﴿ حِسَابِيَهْ ﴾ و ﴿ مَالِيَهْ ﴾ و ﴿ سلطانيه ﴾ وحق هذه الهآت أن تثبت في الوقف وتسقط في الوصل، وقد استحب إيثار الوقف إيثاراً لثباتها في المصحف.
وقيل: لا بأس بالوصل والإسقاط.
وقرأ ابن محيصن بإسكان الياء بغير هاء.
وقرأ جماعة بإثبات الهاء في الوصل والوقف جميعاً لاتباع المصحف ﴿ ظَنَنتُ ﴾ علمت.
وإنما أجري الظن مجرى العلم، لأن الظن الغالب يقام مقام العلم في العادات والأحكام.
ويقال: أظن ظناً كاليقين أنّ الأمر كيت وكيت ﴿ رَّاضِيَةٍ ﴾ منسوبة إلى الرضا؛ كالدارع والنابل.
والنسبة نسبتان: نسبة بالحرف، ونسبة بالصيغة.
أو جعل الفعل لها مجازاً وهو لصاحبها ﴿ عَالِيَةٍ ﴾ مرتفعة المكان في السماء.
أو رفيعة الدرجات.
أو رفيعة المباني والقصور والأشجار ﴿ دَانِيَةٌ ﴾ ينالها القاعد والنائم.
يقال لهم ﴿ كُلُواْ واشربوا هَنِيئَاً ﴾ أكلا وشرباً هنيئاً.
أو هنيتم هنيئاً على المصدر ﴿ بِمَا أَسْلَفْتُمْ ﴾ بما قدمتم من الأعمال الصالحة ﴿ فِى الأيام الخالية ﴾ الماضية من أيام الدنيا.
وعن مجاهد: أيام الصيام، أي: كلوا واشربوا بدل ما أمسكتم عن الأكل والشرب لوجه الله.
وروى يقول الله عز وجل: يا أوليائي طالما نظرت إليكم في الدنيا وقد قلصت شفاهكم عن الأشربة؛ وغارت أعينكم، وخمصت بطونكم، فكونوا اليوم في نعيمكم، وكلوا وأشربوا هنيئاً بما أسلفتم في الأيام الخالية.
<div class="verse-tafsir"
الضمير في ﴿ ياليتها ﴾ للموتة: يقول: يا ليت الموتة التي متها ﴿ كَانَتِ القاضية ﴾ أي القاطعة لأمري، فلم أبعث بعدها؛ ولم ألق ما ألقى.
أو للحالة، أي: ليت هذه الحالة كانت الموتة التي قضت عليّ، لأنه رأى تلك الحالة أبشع وأمرّ مما ذاقه من مرارة الموت وشدته؛ فتمناه عندها ﴿ مَآ أغنى ﴾ نفي أو استفهام على وجه الإنكار، أي: أيّ شيء أغنى عني ما كان لي من اليسار ﴿ هَلَكَ عَنّى سلطانيه (29) ﴾ ملكي وتسلطي على الناس، وبقيت فقيراً ذليلاً.
وعن ابن عباس: أنها نزلت في الأسود بن عبد الأشد.
وعن فناخسرو الملقب بالعضد، أنه لما قال: عَضُدُ الدَّوْلَةِ وَابْنُ رُكْنِهَا ** مَلِكُ الأمْلاَكِ غَلاَّبُ الْقَدَرْ لم يفلح بعده وجنّ فكان لا ينطق لسانه إلا بهذه الآية.
وقال ابن عباس: ضلت عني حجتي.
ومعناه: بطلت حجتي التي كنت أحتج بها في الدنيا.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ثُمَّ الجحيم صَلُّوهُ (31) ﴾ ثم لا تصلوه إلا الجحيم، وهي النار العظمى، لأنه كان سلطاناً يتعظم على الناس.
يقال: صلى النار وصلاه النار.
سلكه في السلسلة: أن تلوى على جسده حتى تلتف عليه أثناؤها؛ وهو فيما بينها مرهق مضيق عليه لا يقدر على حركة؛ وجعلها سبعين ذراعاً إرادة الوصف بالطول.
كما قال: ﴿ إن تستغفر لهم سبعين مرة ﴾ [التوبة: 80] ، يريد: مرات كثيرة، لأنها إذا طالت كان الإرهاق أشد.
والمعنى في تقديم السلسلة على السلك: مثله في تقديم الجحيم على التصلية.
أي: لا تسلكوه إلا في هذه السلسلة، كأنها أفظع من سائر مواضع الإرهاق في الجحيم.
ومعنى ﴿ ثُمَّ ﴾ الدلالة على تفاوت ما بين الغل والتصلية بالجحيم، وما بينها وبين السلك في السلسلة، لا على تراخي المدة (إنه) تعليل على طريق الاستئناف، وهو أبلغ؛ كأنه قيل: ما له يعذب هذا العذاب الشديد؟
فأجيب بذلك.
وفي قوله: ﴿ وَلاَ يَحُضُّ على طَعَامِ المسكين (34) ﴾ دليلان قويان على عظم الجرم في حرمان المسكين، أحدهما: عطفه على الكفر، وجعله قرينة له.
والثاني: ذكر الحض دون الفعل، ليعلم أنّ تارك الحض بهذه المنزلة، فكيف بتارك الفعل، وما أحسن قول القائل: إذَا نَزَلَ الأضْيَافُ كَانَ عَذَوَّرا ** عَلَى الْحَىِّ حَتَّى تَسْتَقِلَّ مَرَاجِلُهْ يريد حضهم على القرى واستعجلهم وتشاكس عليهم.
وعن أبي الدرداء أنه كان يحض امرأته على تكثير المرق لأجل المساكين، وكان يقول: خلعنا نصف السلسلة بالإيمان، أفلا نخلع نصفها الآخر؟
وقيل: هو منع الكفار.
وقولهم: ﴿ أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَاء الله أَطْعَمَهُ ﴾ [يس: 47] والمعنى على بذل طعام المسكين ﴿ حَمِيمٌ ﴾ قريب يدفع عنه ويحزن عليه، لأنهم يتحامونه ويفرون منه، كقوله: ﴿ وَلاَ يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً ﴾ [المعارج: 10] ، والغسلين: غسالة أهل النار وما يسيل من أبدانهم من الصديد والدم؛ فعلين من الغسل ﴿ الخاطئون ﴾ الآثمون أصحاب الخطايا.
وخطئ الرجل: إذا تعمد الذنب، وهم المشركون: عن ابن عباس: وقرئ: (الخاطيون) بإبدال الهمزة ياء، والخاطون بطرحها.
وعن ابن عباس: ما الخاطون؟
كلنا نخطو، وروى عنه أبو الأسود الدؤلي: ما الخاطون؟
إنما هو الخاطئون؛ ما الصابون؟
إنما هو الصابئون: ويجوز أن يراد: الذين يتخطون الحق إلى الباطل، ويتعدوّن حدود اللَّه.
<div class="verse-tafsir"
هو إقسام بالأشياء كلها على الشمول والإحاطة، لأنها لا تخرج من قسمين: مبصر وغير مبصر.
وقيل: الدنيا والآخرة، والأجسام والأرواح، والإنس والجنّ، والخلق والخالق، والنعم الظاهرة والباطنة، إن هذا القرآن ﴿ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ﴾ أي يقوله ويتكلم به على وجه الرسالة من عند اللَّه ﴿ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ ﴾ ولا كاهن كما تدعون والقلة في معنى العدم.
أي: لا تؤمنون ولا تذكرون ألبتة.
والمعنى: ما أكفركم وما أغفلكم ﴿ تَنزِيلٌ ﴾ أي: هو تنزيل.
بياناً لأنه قول رسول نزل عليه ﴿ مِن رَّبِّ العالمين ﴾ وقرأ أبو السمال: تنزيلاً، أي نزل تنزيلاً.
وقيل الرسول الكريم جبريل عليه السلام.
وقوله: ﴿ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ ﴾ دليل على أنه محمد صلى الله عليه وسلم: لأنّ المعنى على إثبات أنه رسول، لا شاعر ولا كاهن.
<div class="verse-tafsir"
التقوّل: افتعال القول، لأن فيه تكلفاً من المفتعل، وسمى الأقوال المتقولة (أقاويل) تصغيراً بها وتحقيراً، كقولك: الأعاجيب والأضاحيك، كأنها جمع أفعولة من القول والمعنى: ولو ادعى علينا شيئاً لم نقله لقتلناه صبراً، كما يفعل الملوك بمن يتكذب عليهم معاجلة بالسخط والانتقام، فصوّر قتل الصبر بصورته ليكون أهول: وهو أن يؤخذ بيده وتضرب رقبته.
وخص اليمين عن اليسار لأن القتال إذا أراد أن يوقع الضرب في قفاه أخذ بيساره، وإذا أراد أن يوقعه في جيده وأن يكفحه بالسيف، وهو أشد على المصبور لنظره إلى السيف أخذ بيمينه ومعنى ﴿ لأَخَذْنَا مِنْهُ باليمين (45) ﴾ لأخذنا بيمينه، كما أن قوله ﴿ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الوتين ﴾ لقطعنا وتينه، وهذا بيّن، والوتين: نياط القلب وهو حبل الوريد: إذا قطع مات صاحبه.
وقرئ: ﴿ ولو تقوّل ﴾ على البناء للمفعول قيل ﴿ حاجزين ﴾ في وصف أحد؛ لأنه في معنى الجماعة، وهو اسم يقع في النفي العام مستوياً فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث.
ومنه قوله تعالى: ﴿ اَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّن رُّسُلِهِ ﴾ [البقرة: 285] ، ﴿ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مّنَ النساء ﴾ [الأحزاب: 32] ، والضمير في عنه للقتل، أي: لا يقدر أحد منكم أن يحجزه عن ذلك ويدفعه عنه.
أو لرسول الله، أي: لا تقدرون أن تحجزوا عنه القاتل وتحولوا بينه وبينه؛ والخطاب للناس، وكذلك في قوله تعالى: ﴿ وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنكُم مُّكَذّبِينَ ﴾ وهو إيعاد على التكذيب.
وقيل الخطاب للمسلمين.
والمعنى: أن منهم ناساً سيكفرون بالقرآن ﴿ وَإِنَّهُ ﴾ الضمير للقرآن ﴿ لَحَسْرَةٌ ﴾ على الكافرين به المكذبين له إذا رأوا ثواب المصدقين به.
أو للتكذيب، وأن القرآن اليقين حق اليقين، كقولك: هو العالم حق العالم، وجدّ العالم.
والمعنى: لعين اليقين، ومحض اليقين ﴿ فَسَبِّحْ ﴾ اللَّه بذكر اسمه العظيم وهو قوله: سبحان اللَّه؛ وأعبده شكراً على ما أهلك له من إيحائه إليك.
عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة الحاقة حاسبه الله حساباً يسيراً» .