الإسلام > القرآن > تفسير > الماوردي > تفسير سورة ق
تفسيرُ سورةِ ق كاملةً من تفسير الماوردي (النكت والعيون) (أبو الحسن الماوردي).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 37 دقيقة قراءةسُورَةُ ق مَكِّيَّةٌ كُلُّها في قَوْلِ الحَسَنِ وعِكْرِمَةَ وعَطاءٍ وجابِرٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: إلّا آيَةً وهي قَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما ﴾ الآيَةَ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ق ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى أقْسَمَ بِها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ القُرْآنِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: أنَّ مَعْناهُ قَضى واللَّهِ، كَما قِيلَ في حم: حم واللَّهِ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ مُجاهِدٍ.
الرّابِعُ: أنَّهُ اسْمُ الجَبَلِ المُحِيطِ بِالدُّنْيا، قالَهُ الضَّحّاكُ.
قالَ مُقاتِلٌ: وعُرُوقُ الجِبالِ كُلُّها مِنهُ.
وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: أنْ يَكُونَ مَعْناهُ قِفْ; كَما قالَ الشّاعِرُ: قُلْتُ لَها قِفِي فَقالَتْ قافْ أيْ وقَفْتُ.
وَيَحْتَمِلُ ما أُرِيدَ بِوَقْفِهِ عَلَيْهِ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: قِفْ عَلى إبْلاغِ الرِّسالَةِ لِئَلّا تَضْجَرَ بِالتَّكْذِيبِ.
الثّانِي: قِفْ عَلى العَمَلِ بِما يُوحى إلَيْكَ لِئَلّا تَعْجَلَ عَلى ما لَمْ تُؤْمَرْ بِهِ.
﴿ والقُرْآنِ المَجِيدِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ الكَرِيمُ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن كَثْرَةِ القُدْرَةِ والمَنزِلَةِ، لا مِن كَثْرَةِ العَدَدِ مِن قَوْلِهِمْ فُلانٌ كَثِيرٌ في النُّفُوسِ، ومِنهُ قَوْلُ العَرَبِ في المَثَلِ السّائِرِ: لَها في كُلِّ الشَّجَرِ نارٌ، واسْتَجْمَدَ المَرْخُ والعَفارُ، أيِ اسْتَكْثَرَ هَذانِ النَّوْعانِ مِنَ النّارِ وزادَ عَلى سائِرِ الشَّجَرِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
الثّالِثُ: أنَّهُ العَظِيمُ، مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ قَدْ مَجَدَتِ الإبِلُ إذا أُعْظِمَتْ بُطُونُها مِن كَلَأِ الرَّبِيعِ.
﴿ والقُرْآنِ المَجِيدِ ﴾ قَسَمٌ أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ تَشْرِيفًا لَهُ وتَعْظِيمًا لِخَطَرِهِ لِأنَّ عادَةً جارِيَةً في القَسَمِ ألّا يَكُونَ إلّا بِالمُعَظَّمِ.
وَجَوابُ القَسَمِ مَحْذُوفٌ ويَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: هو أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ بَلْ عَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهُمْ ﴾ الثّانِي: أنَّكم مَبْعُوثُونَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﴿ أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا ﴾ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ بَلْ عَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهُمْ ﴾ يَعْنِي مُحَمَّدًا .
﴿ فَقالَ الكافِرُونَ هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهم عَجِبُوا أنْ دُعُوا إلى إلَهٍ واحِدٍ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: عَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهم، مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى.
الثّالِثُ: أنَّهم عَجِبُوا مِن إنْذارِهِمْ بِالبَعْثِ والنُّشُورِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنهُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَن يَمُوتُ مِنهُمْ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: يَعْنِي ما تَأْكُلُهُ الأرْضُ مِن لُحُومِهِمْ وتُبْلِيهِ مِن عِظامِهِمْ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
﴿ وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ ﴾ يَعْنِي اللَّوْحَ المَحْفُوظَ.
وَفي حَفِيظٍ وجْهانِ: أحَدُهُما: حَفِيظٌ لِأعْمالِهِمْ.
الثّانِي: لِما يَأْكُلُهُ التُّرابُ مِن لُحُومِهِمْ وأبْدانِهِمْ وهو الَّذِي تَنْقُصُهُ الأرْضُ مِنهم.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ بَلْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ لَمّا جاءَهُمْ ﴾ الآيَةَ.
الحَقُّ يَعْنِي القُرْآنَ في قَوْلِ الجَمِيعِ.
﴿ مَرِيجٍ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ المَرِيجَ المُخْتَلَطُ.
قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّانِي: المُخْتَلَفُ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: المُلْتَبِسُ، قالَهُ الحَسَنُ.
الرّابِعُ: الفاسِدُ، قالَهُ أبُو هُرَيْرَةَ.
وَمِنهُ قَوْلُ أبِي دَؤادٍ ؎ مَرِجَ الدِّينُ فَأعْدَدْتُ لَهُ ∗∗∗ مُشْرِفَ الحارِكِ مَحْبُوكَ الكَتَدْ <div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَما لَها مِن فُرُوجٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مِن شُقُوقٍ.
الثّانِي: مِن فُتُوقٍ، قالَهُ ابْنُ عِيسى إلّا أنَّ المَلِكَ تُفْتَحُ لَهُ أبْوابُ السَّماءِ عِنْدَ العُرُوجِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ والأرْضَ مَدَدْناها ﴾ أيْ بَسَطْناها.
﴿ وَألْقَيْنا فِيها رَواسِيَ ﴾ يَعْنِي الجِبالَ الرَّواسِيَ الثَّوابِتَ، واحِدُها راسِيَةٌ قالَ الشّاعِرُ رَسا أصْلُهُ تَحْتَ الثَّرى وسَما بِهِ إلى النَّجْمِ فَرْعٌ لا يُنالُ طَوِيلٌ ﴿ مِن كُلِّ زَوْجٍ ﴾ أيْ مِن كُلِّ نَوْعٍ.
﴿ بَهِيجٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: حَسَنٌ، مَأْخُوذٌ مِنَ البَهْجَةِ وهي الحُسْنِ.
الثّانِي: سارٌّ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ قَدْ أبْهَجَنِي هَذا الأمْرُ أيْ سَرَّنِي، لِأنَّ السُّرُورَ يُحْدِثُ في الوَجْهِ مِنَ الإسْفارِ والحُمْرَةِ ما يَصِيرُ بِهِ حَسَنًا.
قالَ الشَّعْبِيُّ: النّاسُ نَباتُ الأرْضِ فَمَن دَخَلَ الجَنَّةَ فَهو كَرِيمٌ، ومَن دَخَلَ النّارَ فَهو لَئِيمٌ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ تَبْصِرَةً ﴾ فِيها ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي بَصِيرَةً لِلْإنْسانِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: نِعَمًا بَصَّرَ اللَّهُ بِها عِبادَهُ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: يَعْنِي دِلالَةً وبُرْهانًا.
﴿ وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ المُنِيبَ المُخْلَصُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: أنَّهُ التّائِبُ إلى رَبِّهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: أنَّهُ الرّاجِعُ المُتَذَكِّرُ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
وَقَدْ عَمَّ اللَّهُ بِهَذِهِ التَّبْصِرَةِ والذِّكْرى وإنْ خَصَّ بِالخِطابِ كُلَّ عَبْدٍ مُنِيبٍ لِانْتِفاعِهِ بِها واهْتِدائِهِ إلَيْها.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكًا ﴾ يَعْنِي المَطَرَ، لِأنَّهُ بِهِ يَحْيا النَّباتُ والحَيَوانُ.
﴿ فَأنْبَتْنا بِهِ جَنّاتٍ ﴾ فِيها هُنا وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها البَساتِينُ، قالَهُ الجُمْهُورُ.
الثّانِي: الشَّجَرُ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
﴿ وَحَبَّ الحَصِيدِ ﴾ يَعْنِي البُرَّ والشَّعِيرَ، وكُلَّ ما يُحْصَدُ مِنَ الحُبُوبِ، إذا تَكامَلَ واسْتَحْصَدَ سُمِّيَ حَصِيدًا، قالَ الأعْشى: لَسْنا كَما إيادِ دارِها ∗∗∗ تَكْرِيثٌ يُنْظَرُ حَبُّهُ أنْ يُحْصَدا قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ والنَّخْلَ باسِقاتٍ ﴾ فِيها وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها الطُّوالُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ.
قالَهُ الشّاعِرُ يا ابْنَ الَّذِينَ بِفَضْلِهِمْ ∗∗∗ بَسَقَتْ عَلى قَيْسٍ فَزارَهُ أيْ طالَتْ عَلَيْهِمْ.
الثّانِي أنَّها الَّتِي قَدْ ثَقُلَتْ مِنَ الحِمْلِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
وَقالَ الشّاعِرُ فَلَمّا تَرَكْنا الدّارَ ظَلَّتْ مَنيِفَّةً ∗∗∗ بِقِرانٍ فِيهِ الباسِقاتُ المَواقِرُ ﴿ نَضِيدٌ ﴾ أيْ مَنضُودٌ، فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ النَّضِيدَ المُتَراكِمَ المُتَراكِبَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ عِكْرِمَةَ عَنْهُ.
الثّانِي: أنَّهُ المَنظُومُ، وهَذا يُرْوى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.
الثّالِثُ: أنَّهُ القائِمُ المُعْتَدِلُ، قالَهُ ابْنُ الهادِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ رِزْقًا لِلْعِبادِ ﴾ يَعْنِي ما أنْزَلَهُ مِنَ السَّماءِ مِن ماءٍ مُبارَكٍ، وما أخْرَجَهُ مِنَ الأرْضِ بِالماءِ مِن نَباتٍ وحَبِّ الحَصِيدِ وطَلْعٍ نَضِيدٍ.
﴿ وَأحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الخُرُوجُ ﴾ جَعَلَ هَذا كُلَّهُ دَلِيلًا عَلى البَعْثِ والنُّشُورِ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ النَّشْأةَ الأُولى إذا خَلَقَها مِن غَيْرِ أصْلٍ كانَتِ النَّشْأةُ الثّانِيَةُ بِإعادَةِ ما لَهُ أصْلٌ أهْوَنُ.
الثّانِي: أنَّهُ لَمّا شُوهِدَ مِن قُدْرَتِهِ، إعادَةُ ما ماتَ مِن زَرْعٍ ونَباتٍ كانَ إعادَةُ مَن ماتَ مِنَ العِبادِ أوْلى لِلتَّكْلِيفِ المُوجِبِ لِلْجَزاءِ.
<div class="verse-tafsir"
أحَدُهُما: أنَّهُ كُلُّ حُفْرَةٍ في الأرْضِ مِن بِئْرٍ وقَبْرٍ.
الثّانِي: أنَّها البِئْرُ الَّتِي لَمْ تُطْوَ بِحَجَرٍ ولا غَيْرِهِ.
وَأمّا أصْحابُ الرَّسِّ فَفِيهِمْ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها بِئْرٌ قُتِلَ فِيها صاحِبُ ياسِينَ ورَسُوهُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّانِي: أنَّهم أهْلُ بِئْرٍ بِأذْرِبِيجانَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّالِثُ: أنَّهم قَوْمٌ بِاليَمامَةِ كانَ لَهم آبارٌ، قالَهُ قَتادَةُ.
قالَ الزُّهَيْرُ بَكَرْنَ بُكُورًا واسْتَحَرْنَ بِسَحْرَةٍ فَهُنَّ ووادِي الرَّسِّ كاليَدِ في الفَمِ الرّابِعُ: أنَّهم أصْحابُ الأُخْدُودِ.
﴿ وَثَمُودُ ﴾ وهم قَوْمُ صالِحٍ، وكانُوا عَرَبًا بِوادِي القُرى وما حَوْلَها.
وَثَمُودٌ مَأْخُوذٌ مِنَ الثَّمَدِ وهو الماءِ القَلِيلِ الكَدِرِ، قالَ النّابِغَةُ واحْكم بِحُكْمِ فَتاةِ الحَيِّ إذْ نَظَرَتْ ∗∗∗ إلى حَمامٍ سِراعٍ وارِدِ الثَّمَدِ ﴿ وَعادٌ ﴾ وهو اسْمُ رَجُلٍ كانَ مِنَ العَمالِيقِ كَثُرَ ولَدُهُ، فَصارُوا قَبائِلَ وكانُوا بِاليَمَنِ بِالأحْقافِ، والأحْقافُ الرِّمالُ، وهم قَوْمُ هُودٍ.
﴿ وَفِرْعَوْنُ ﴾ وقَدِ اخْتُلِفَ في أصْلِهِ فَحُكِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ كانَ فارِسِيًّا مِن أهْلِ إصْطَخْرَ.
وَقالَ ابْنُ لَهِيعَةَ: كانَ مِن أهْلِ مِصْرَ وحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ عاشَ ثَلاثَمِائَةِ سَنَةٍ مِنها مِائَتانِ وعِشْرُونَ سَنَةً لا يُرى ما يَقْذِي عَيْنَهُ، فَدَعاهُ مُوسى ثَمانِينَ سَنَةً.
وَحَكى غَيْرُهُ أنَّهُ عاشَ أرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ.
واخْتُلِفَ في نَسَبِهِ فَقالَ بَعْضُهم هو مِن لَخْمٍ، وقالَ آخَرُونَ هو مِن تُبَّعٍ.
﴿ وَإخْوانُ لُوطٍ ﴾ يَعْنِي قَوْمَهُ وأتْباعَهُ، قالَ مُجاهِدٌ: كانُوا أرْبَعَمِائَةِ ألْفِ بَيْتٍ، في كُلِّ بَيْتٍ عَشَرَةُ مَرَدَةٍ، فَكانُوا أرْبَعَةَ آلافِ ألْفٍ.
وَقالَ عَطاءٌ: ما مِن أحَدٍ مِنَ الأنْبِياءِ إلّا وقَدْ يَقُومُ مَعَهُ قَوْمٌ إلّا لُوطٍ فَإنَّهُ يَقُومُ وحْدَهُ.
﴿ وَأصْحابُ الأيْكَةِ ﴾ والأيْكَةُ الغَيْضَةُ ذاتُ الشَّجَرِ المُلْتَفِّ كَما قالَ أبُو داوُدَ الإيادِيُّ كَأنَّ عَرِينَ أيْكَتِهِ تَلاقى ∗∗∗ بِها جَمْعانُ مِن نِبْطٍ ورُومِ قالَ قَتادَةُ: وكانَ عامَّةُ شَجَرِها الدُّومَ، وكانَ رَسُولُهم شُعَيْبًا، وأرْسَلَ إلَيْهِمْ، وإلى أهْلِ مَدْيَنَ، أُرْسِلَ إلى أُمَّتَيْنِ مِنَ النّاسِ، وعُذِّبَتا بِعَذابَيْنِ، أمّا أهْلُ مَدْيَنَ فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ، وأمّا أصْحابُ الأيْكَةِ فَكانُوا أهْلَ شَجَرٍ مُتَكاوِسٍ.
﴿ وَقَوْمُ تُبَّعٍ ﴾ وتُبَّعٌ كانَ رَجُلًا مِن مُلُوكِ العَرَبِ مِن حِمْيَرَ، سُمِّيَ تُبَّعًا لِكَثْرَةِ مَن تَبِعَهُ.
قالَ وهْبٌ: إنَّ تُبَّعًا أسْلَمَ وكَفَرَ قَوْمُهُ، فَلِذَلِكَ ذُكِرَ قَوْمُهُ، ولَمْ يُذْكَرْ تُبَّعٌ.
قالَ قَتادَةُ وهو الَّذِي حَيَّرَ الحِيرَةَ وفَتَحَ سَمَرْقَنْدَ حَتّى أخْرَبَها، وكانَ يَكْتُبُ إذا كَتَبَ: بِسْمِ اللَّهِ الَّذِي تَسَمّى ومَلَكَ بَرًّا وبَحْرًا وضُحًى ورِيحًا.
﴿ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وعِيدِ ﴾ يَعْنِي أنَّ كُلَّ هَؤُلاءِ كَذَّبُوا مَن أُرْسِلَ إلَيْهِمْ، فَحَقَّ عَلَيْهِمْ وعِيدُ اللَّهِ وعَذابُهُ.
فَذَكَرَ اللَّهُ قَصَصَ هَؤُلاءِ لِهَذِهِ الأُمَّةِ، لِيَعْلَمَ المُكَذِّبُونَ مِنهم بِالنَّبِيِّ أنَّهم كَغَيْرِهِمْ مِن مُكَذِّبِي الرُّسُلَ إنْ أقامُوا عَلى التَّكْذِيبِ فَلَمْ يَأْمَنُوا، حَتّى أرْشَدَ اللَّهُ مِنهم مَن أرْشَدَ وتَبِعَهم رَغَبًا ورَهَبًا مَن تَبِعَ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أفَعَيِينا بِالخَلْقِ الأوَّلِ بَلْ هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ أمّا اللَّبْسُ فَهو اكْتِسابُ الشَّكِّ، ومِنهُ قَوْلُ الخَنْساءِ صَدِّقْ مَقالَتَهُ واحْذَرْ عَداوَتَهُ ∗∗∗ والبَسْ عَلَيْهِ بِشَكٍّ مِثْلَ ما لَبِسا والخَلْقُ الجَدِيدُ هو إعادَةُ خَلْقٍ ثانٍ بَعْدَ الخَلْقِ الأوَّلِ.
وَفي مَعْنى الكَلامِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أفَعَجِزْنا عَنْ إهْلاكِ الخَلْقِ الأوَّلِ، يَعْنِي مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ حِينَ كَذَّبُوا رُسُلِي مَعَ قُوَّتِهِمْ، حَتّى تَشُكُّوا في إهْلاكِنا لَكم مَعَ ضَعْفِكم إنْ كَذَّبْتُمْ، فَيَكُونُ هَذا خارِجًا مِنهُ مَخْرَجَ الوَعِيدِ.
الثّانِي: مَعْناهُ أنَّنا لَمْ نَعْجِزْ عَنْ إنْشاءِ الخَلْقِ الأوَّلِ، فَكَيْفَ تَشُكُّونَ في إنْشاءِ خَلْقٍ جَدِيدٍ، يَعْنِي بِالبَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ، فَيَكُونُ هَذا خارِجًا مَخْرَجَ البُرْهانِ والدَّلِيلِ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ ونَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ﴾ الوَسْوَسَةُ كَثْرَةُ حَدِيثِ النَّفْسِ بِما لا يَتَحَصَّلُ في خَفاءٍ وإسْرارٍ، ومِنهُ قَوْلُ رُؤْبَةَ وسْوَسَ يَدْعُو مُخْلِصًا رَبَّ الفَلَقِ.
..
...
...
﴿ وَنَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ حَبْلٌ مُعَلَّقٌ بِهِ القَلْبُ، قالَهُ الحَسَنُ.
والأصَمُّ وهو الوَتِينُ.
الثّانِي: أنَّهُ عِرْقٌ في الحَلْقِ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
الثّالِثُ: ما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، عِرْقُ العُنُقِ ويُسَمّى حَبْلُ العاتِقِ، وهُما ورِيدانِ عَنْ يَمِينٍ وشِمالٍ، وسُمِّيَ ورِيدًا، لِأنَّهُ العِرْقُ الَّذِي يُنْصَبُ إلَيْهِ ما يُرَدُّ مِنَ الرَّأْسِ.
وَفِي قَوْلِهِ ﴿ وَنَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ ورِيدِهِ الَّذِي هو مِنهُ.
الثّانِي: ونَحْنُ أمْلَكُ بِهِ مِن حَبْلِ ورِيدِهِ، مَعَ اسْتِيلائِهِ عَلَيْهِ.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: ونَحْنُ أعْلَمُ بِما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ مِن حَبْلِ ورِيدِهِ، الَّذِي هو مِن نَفْسِهِ، لِأنَّهُ عِرْقٌ يِخالِطُ القَلْبَ، فَعِلْمُ الرَّبِّ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن عِلْمِ القَلْبِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إذْ يَتَلَقّى المُتَلَقِّيانِ ﴾ الآيَةَ.
قالَ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ: المُتَلَقِّيانِ مَلَكانِ يَتَلَقَّيانِ عَمَلَكَ، أحَدُهُما عَنْ يَمِينِكَ، يَكْتُبُ حَسَناتِكَ، والآخَرُ عَنْ شِمالِكَ يَكْتُبُ سَيِّئاتِكَ.
قالَ الحَسَنُ: حَتّى إذا مُتَّ طُوِيَتْ صَحِيفَةُ عَمَلِكَ وقِيلَ لَكَ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿ اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا ﴾ عَدَلَ واللَّهِ عَلَيْكَ مَن جَعَلَكَ حَسِيبَ نَفْسِكَ.
وَفي ﴿ قَعِيدٌ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ القاعِدَةُ، قالَهُ المُفَضَّلُ.
الثّانِي: المُرْصِدُ الحافِظُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
وَهو مَأْخُوذٌ مِنَ القُعُودِ.
قالَ الحَسَنُ: الحَفَظَةُ أرْبَعَةٌ: مَلَكانِ بِالنَّهارِ ومَلَكانِ بِاللَّيْلِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ ﴾ أيْ ما يُتَكَلَّمُ بِشَيْءٍ، مَأْخُوذٌ مِن لَفَظَ الطَّعامَ، وهو إخْراجُهُ مِنَ الفَمِ.
﴿ إلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ المُتَتَبِّعُ لِلْأُمُورِ.
الثّانِي: أنَّهُ الحافِظُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّالِثُ: أنَّهُ الشّاهِدُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
وَفِي ﴿ عَتِيدٌ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الحاضِرُ الَّذِي لا يَغِيبُ.
الثّانِي: أنَّهُ الحافِظُ المُعَدُّ إمّا لِلْحِفْظِ وإمّا لِلشَّهادَةِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَجاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ بِالحَقِّ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: ما يَراهُ عِنْدَ المُعايَنَةِ مِن ظُهُورِ الحَقِّ فِيما كانَ اَللَّهُ قَدْ أوْعَدَهُ.
الثّانِي: أنْ يَكُونَ الحَقُّ هو المَوْتَ، سُمِّيَ حَقًّا، إمّا لِاسْتِحْقاقِهِ، وإمّا لِانْتِقالِهِ إلى دارِ الحَقِّ.
فَعَلى هَذا يَكُونُ في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ.
وَتَقْدِيرُهُ: وجاءَتْ سَكْرَةُ الحَقِّ بِالمَوْتِ، ووَجَدْتُها في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ كَذَلِكَ.
﴿ ذَلِكَ ما كُنْتَ مِنهُ تَحِيدُ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كانَ يَحِيدُ مِنَ المَوْتِ، فَجاءَهُ المَوْتُ.
الثّانِي: أنَّهُ يَحِيدُ مِنَ الحَقِّ، فَجاءَهُ الحَقُّ عِنْدَ المُعايَنَةِ.
وَفِي مَعْنى التَّحَيُّدِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الفِرارُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
(الثّانِي): العُدُولُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
وَمِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ ولَقَدْ قُلْتُ حِينَ لَمْ يَكُ عَنْهُ ∗∗∗ لِي ولا لِلرِّجالِ عَنْهُ مَحِيدٌ.
فَرَوى عاصِمُ بْنُ أبِي بَهْدَلَةَ، عَنْ أبِي وائِلٍ، أنَّ عائِشَةَ قالَتْ عِنْدَ أبِيها وهو يَقْضِي لَعَمْرُكَ ما يُغْنِي الثَّراءُ عَنِ الفَتى ∗∗∗ إذا حَشْرَجَتْ يَوْمًا، وضاقَ بِها الصَّدْرُ فَقالَ أبُو بَكْرٍ: [هَلّا قُلْتِ كَما قالَ اللَّهُ] ﴿ وَجاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ بِالحَقِّ ذَلِكَ ما كُنْتَ مِنهُ تَحِيدُ ﴾ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ ﴾ أمّا السّائِقُ فَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَلَكٌ يَسُوقُهُ إلى المَحْشَرِ، قالَهُ أبُو هُرَيْرَةَ وابْنُ زَيْدٍ.
الثّانِي: أنَّهُ أمْرٌ مِنَ اللَّهِ يَسُوقُهُ إلى مَوْضِعِ الحِسابِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
وَأمّا الشَّهِيدُ فَفِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ مَلَكٌ يَشْهَدُ عَلَيْهِ بِعَمَلِهِ، وهَذا قَوْلُ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ والحَسَنِ.
الثّانِي: أنَّهُ الإنْسانُ، يَشْهَدُ عَلى نَفْسِهِ بِعَمَلِهِ، رَواهُ أبُو صالِحٍ.
الثّالِثُ: أنَّها الأيْدِي والأرْجُلُ تَشْهَدُ عَلَيْهِ بِعَمَلِهِ بِنَفْسِهِ، قالَهُ أبُو هُرَيْرَةَ.
ثُمَّ في الآيَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها عامَّةٌ في المُسْلِمِ والكافِرِ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.
الثّانِي: أنَّها خاصَّةً في الكافِرِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن هَذا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما أنَّهُ الكافِرُ، كانَ في غَفْلَةٍ مِن عَواقِبِ كُفْرِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّهُ النَّبِيُّ ، كانَ في غَفْلَةٍ عَنِ الرِّسالَةِ مَعَ قُرَيْشٍ في جاهِلِيَّتِهِمْ، قالَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: لَقَدْ كُنْتَ أيُّها الإنْسانُ في غَفْلَةٍ عَنْ أنَّ كُلَّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ لِأنَّ هَذا لا يُعْرَفُ إلّا بِالنُّصُوصِ الإلَهِيَّةِ.
﴿ فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ إذا كانَ في بَطْنِ أُمِّهِ فَوُلِدَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: إذا كانَ في القَبْرِ فَنُشِرَ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ.
الثّالِثُ: أنَّهُ وقْتُ العَرْضِ في القِيامَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الرّابِعُ: أنَّهُ نُزُولُ الوَحْيِ وتَحَمُّلُ الرِّسالَةِ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ ابْنِ زَيْدٍ.
﴿ فَبَصَرُكَ اليَوْمَ حَدِيدٌ ﴾ وفي المُرادِ بِالبَصَرِ هُنا وجْهانِ: أحَدُهُما: بَصِيرَةُ القَلْبِ لِأنَّهُ يُبْصِرُ بِها مِن شَواهِدِ الأفْكارِ، ونَتائِجِ الِاعْتِبارِ ما تُبْصِرُ العَيْنُ ما قابَلَها مِن قِبَلِها مِنَ الأشْخاصِ والأجْسامِ، فَعَلى هَذا في قَوْلِهِ ﴿ حَدِيدٌ ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: سَرِيعٌ كَسُرْعَةِ مَوْرِ الحَدِيدِ.
الثّانِي: صَحِيحٌ كَصِحَّةِ قَطْعِ الحَدِيدِ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِهِ بَصَرُ العَيْنِ وهو الظّاهِرُ، فَعَلى هَذا في قَوْلِهِ: ﴿ حَدِيدٌ ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: شَدِيدٌ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّانِي: بَصِيرٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
وَماذا يُدْرِكُ البَصَرُ؟
فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يُعايِنُ الآخِرَةَ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: لِسانُ المِيزانِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّالِثُ: ما يَصِيرُ إلَيْهِ مِن ثَوابٍ أوْ عِقابٍ، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ.
الرّابِعُ: ما أُمِرَ بِهِ مِن طاعَةٍ وحُذِّرَهُ مِن مَعْصِيَةٍ، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ زَيْدٍ.
الخامِسُ: العَمَلُ الَّذِي كانَ يَعْمَلُهُ في الدُّنْيا، قالَهُ الحَسَنُ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَقالَ قَرِينُهُ هَذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ ﴾ أمّا قَرِينُهُ فَفِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ المَلِكُ الشَّهِيدُ عَلَيْهِ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ.
الثّانِي: أنَّهُ قَرِينُهُ الَّذِي قُيِّضَ لَهُ مِنَ الشَّياطِينِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: أنَّهُ قَرِينُهُ مِنَ الإنْسِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ في رِوايَةِ ابْنِ وهْبٍ عَنْهُ.
وَفي قَوْلِهِ ﴿ هَذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: هَذا الَّذِي وُكِّلْتُ بِهِ أحْضَرْتُهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: هَذا الَّذِي كُنْتُ أُحِبُّهُ ويُحِبُّنِي قَدْ حَضَرَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ألْقِيا في جَهَنَّمَ كُلَّ كَفّارٍ عَنِيدٍ ﴾ في ألْقِيا ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ المَأْمُورَ بِألْقِيا كُلَّ كافِرٍ في النّارِ مَلَكانِ.
الثّانِي: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ واحِدٌ ويُؤْمَرُ بِلَفْظِ الِاثْنَيْنِ كَقَوْلِ الشّاعِرِ فَإنْ تَزْجُرانِي يابْنَ عَفّانَ أنْزَجِرْ وإنْ تَدَعانِي أحِمْ عَرْضًا مُمَنَّعًا الثّالِثُ: أنَّهُ خارِجٌ مَخْرَجَ تَثْنِيَةِ القَوْلِ عَلى مَعْنى قَوْلِكَ ألْقِ ألْقِ، قِفْ قِفْ، تَأْكِيدًا لِلْأمْرِ.
والكَفّارُ [بِفَتْحِ الكافِ] أشَدُّ مُبالَغَةً مِنَ الكافِرِ.
وَيَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الكافِرُ الَّذِي كَفَرَ بِاللَّهِ ولَمْ يُطِعْهُ، وكَفَرَ بِنِعَمِهِ ولَمْ يَشْكُرْهُ.
الثّانِي: أنَّهُ الَّذِي كَفَرَ بِنَفْسِهِ وكَفَرَ غَيْرُهُ بِإغْوائِهِ.
وَأمّا العَنِيدُ فَفِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ المُعانِدُ لِلْحَقِّ، قالَهُ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ.
الثّانِي: أنَّهُ المُنْحَرِفُ عَنِ الطّاعَةِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: أنَّهُ الجاحِدُ المُتَمَرِّدُ، قالَهُ الحَسَنُ.
الرّابِعُ: أنَّهُ المُشاقُّ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الخامِسُ: أنَّهُ المُعْجَبُ بِما عِنْدَهُ المُقِيمُ عَلى العَمَلِ بِهِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
فَأمّا العانِدُ فَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الَّذِي يُعَرَّفُ بِالحَقِّ ثُمَّ يَجْحَدُهُ.
الثّانِي: أنَّهُ الَّذِي يُدْعى إلى الحَقِّ فَيَأْباهُ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ مَنَعَ الزَّكاةَ المَفْرُوضَةَ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: أنَّ الخَيْرَ المالُ كُلَّهُ، ومَنعُهُ حَبْسُهُ عَنِ النَّفَقَةِ في طاعَةِ اللَّهِ، قالَهُ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ.
الثّالِثُ: مَحْمُولٌ عَلى عُمُومِ الخَيْرِ مِن قَوْلٍ وعَمَلٍ.
﴿ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ ﴾ في المُرِيبِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ الشّاكُّ في اللَّهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: أنَّهُ الشّاكُّ في البَعْثِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: أنَّهُ المُتَّهَمُ.
قالَ الشّاعِرُ بُثَيْنَةُ قالَتْ يا جَمِيلُ أرَبْتَنا ∗∗∗ فَقُلْتُ كِلانا يا بُثَيْنُ مُرِيبُ وأرِيبُنا مَن لا يُؤَدِّي أمانَةً ∗∗∗ ولا يَحْفَظُ الأسْرارَ حِينَ يَغِيبُ قالَ الضَّحّاكُ: هَذِهِ الآيَةُ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ المَخْزُومِيِّ حِينَ اسْتَشارَهُ بَنُو أخِيهِ في الدُّخُولِ في الإسْلامِ فَمَنَعَهم.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ اخْتِصامَهم هو اعْتِذارُ كُلِّ واحِدٍ مِنهم فِيما قَدَّمَ مِن مَعاصِيهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّهُ تَخاصُمُ كُلِّ واحِدٍ مَعَ قَرِينِهِ الَّذِي أغْواهُ في الكُفْرِ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.
فَأمّا اخْتِصامُهم في مَظالِمِ الدُّنْيا، فَلا يَجُوزُ أنْ يُضاعَ لِأنَّهُ يَوْمَ التَّناصُفِ.
أحَدُها: أنَّ الوَعِيدَ الرَّسُولُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّهُ القُرْآنُ، قالَهُ جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمانَ.
الثّالِثُ: أنَّهُ الأمْرُ والنَّهْيُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: أنَّهُ الوَعْدُ بِالثَّوابِ والعِقابِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: فِيما أُوَجِّهُ مِن أمْرٍ ونَهْيٍ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ ابْنِ زَيْدٍ.
الثّانِي: فِيما وعَدَ بِهِ مِن طاعَةٍ ومَعْصِيَةٍ، وهو مُحْتَمَلٌ.
الرّابِعُ: في أنَّ بِالحَسَنَةِ عَشْرَ أمْثالِها وبِخَمْسِ الصَّلَواتِ خَمْسِينَ صَلاةً، قالَهُ قَتادَةُ.
﴿ وَما أنا بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ما أنا بِمُعَذِّبٌ مَن لَمْ يُجْرِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: ما أزِيدُ في عِقابِ مُسِيءٍ ولا أنْقُصُ مِن ثَوابِ مُحْسِنٍ، وهو مُحْتَمَلٌ.
<div class="verse-tafsir"
أحَدُها: هَلْ يُزادُ إلى مَن أُلْقِيَ غَيْرُهُمْ؟
فالِاسْتِخْبارِ عَمَّنْ بَقِيَ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
الثّانِي: مَعْناهُ إنِّي قَدِ امْتَلَأْتُ، مِمَّنْ أُلْقِيَ فِيَّ، فَهَلْ أسَعُ غَيْرَهُمْ؟
قالَهُ مُقاتِلٌ.
الثّالِثُ: مَعْناهُ هَلْ يُزادُ في سَعَتِي؟
لِإلْقاءِ غَيْرِ مَن أُلْقِيَ فِيَّ، قالَهُ مُعاذٌ.
وَفِي قَوْلِهِ ﴿ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ زَبانِيَةَ جَهَنَّمَ قالُوا هَذا.
الثّانِي: أنَّ حالَها كالمُناطِقَةِ بِهَذا القَوْلِ، كَما قالَ الشّاعِرُ امْتَلَأ الحَوْضُ وقالَ قِطْنِي مَهْلًا رُوَيْدًا قَدْ مَلَأْتَ بَطْنِي قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ هَذا ما تُوعَدُونَ لِكُلِّ أوّابٍ حَفِيظٍ ﴾ في الأوّابِ الحَفِيظِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ الذّاكِرُ ذَنْبَهُ في الخَلاءِ، قالَهُ الحَكَمُ.
الثّانِي: أنَّهُ الَّذِي إذا ذَكَرَ ذَنْبًا تابَ واسْتَغْفَرَ اللَّهَ مِنهُ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ ومُجاهِدٌ والشَّعْبِيُّ.
الثّالِثُ: أنَّهُ الَّذِي لا يَجْلِسُ مَجْلِسًا فَيَقُومُ حَتّى يَسْتَغْفِرَ اللَّهَ فِيهِ، قالَهُ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ.
وَأمّا الحَفِيظُ هُنا فَفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ المُطِيعُ فِيما أُمِرَ، وهو مَعْنى قَوْلِ السُّدِّيِّ.
الثّانِي: الحافِظُ لِوَصِيَّةِ اللَّهِ بِالقَبُولِ، وهو مَعْنى قَوْلِ الضَّحّاكِ.
الثّالِثُ: أنَّهُ الحافِظُ لِحَقِّ اللَّهِ بِالِاعْتِرافِ ولِنِعَمِهِ بِالشُّكْرِ، وهو مَعْنى قَوْلِ مُجاهِدٍ.
وَرَوى مَكْحُولٌ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ : « (مَن حافَظَ عَلى أرْبَعِ رَكَعاتٍ مِن أوَّلِ النَّهارِ كانَ أوّابًا حَفِيظًا)» .
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ مَن خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالغَيْبِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الَّذِي يَحْفَظُ نَفْسَهُ مِنَ الذُّنُوبِ في السِّرِّ كَما يَحْفَظُها في الجَهْرِ.
الثّانِي: أنَّهُ التّائِبُ في السِّرِّ مِن ذُنُوبِهِ إذا ذَكَرَها، كَما فَعَلَها سِرًّا.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّهُ الَّذِي يَسْتَتِرُ بِطاعَتِهِ لِئَلّا يُداخِلَها في الظّاهِرِ رِياءٌ.
وَوَجَدْتُ فِيهِ لِبَعْضِ المُتَكَلِّمِينَ رابِعًا: أنَّهُ الَّذِي أطاعَ اللَّهَ بِالأدِلَّةِ ولَمْ يَرَهُ.
﴿ وَجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ المُنِيبُ المُخْلَصُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: أنَّهُ المُقْبِلُ عَلى اللَّهِ، قالَهُ سُفْيانُ.
الثّالِثُ: أنَّهُ التّائِبُ، قالَهُ قَتادَةُ.
﴿ لَهم ما يَشاءُونَ ﴾ يَعْنِي ما تَشْتَهِي أنْفُسُهم وتَلَذُّ أعْيُنُهم.
﴿ وَلَدَيْنا مَزِيدٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ المَزِيدَ مَن يُزَوَّجُ بِهِنَّ مِنَ الحُورِ العِينِ، رَواهُ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ مَرْفُوعًا.
الثّانِي: أنَّها الزِّيادَةُ الَّتِي ضاعَفَها اللَّهُ مِن ثَوابِهِ بِالحَسَنَةِ عَشْرُ أمْثالِها.
وَرَوى أنَسٌ عَنِ النَّبِيِّ «أنَّ جِبْرِيلَ أخْبَرَهُ: أنَّ يَوْمَ الجُمُعَةِ يُدْعى في الآخِرَةِ يَوْمَ المَزِيدِ.
» وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِزِيادَةِ ثَوابِ العَمَلِ فِيهِ.
الثّانِي: لِما رُوِيَ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَقْضِي فِيهِ بَيْنَ خَلْقِهِ يَوْمَ القِيامَةِ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَنَقَّبُوا في البِلادِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أثَّرُوا في البِلادِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّهم مَلَكُوا في البِلادِ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّالِثُ: سارُوا في البِلادِ وطافُوا، قالَهُ قَتادَةُ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ وقَدْ نَقَّبْتُ في الآفاقِ حَتّى رَضِيتُ مِنَ الغَنِيمَةِ بِالإيابِ الرّابِعُ: أنَّهُمُ اتَّخَذُوا فِيها طُرُقًا ومَسالِكَ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: أنَّهُ اتِّخاذُ الحُصُونِ والقِلاعِ.
﴿ هَلْ مِن مَحِيصٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: هَلْ مِن مُنْجٍ مِنَ المَوْتِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الثّانِي: هَلْ مِن مَهْرَبٍ، قالَ مَعْمَرٌ عَنْ قَتادَةَ: حاصَ أعْداءُ اللَّهِ فَوَجَدُوا أمْرَ اللَّهِ تَعالى لَهم مُدْرِكًا.
الثّالِثُ: هَلْ مِن مانِعٍ؟
قالَ سَعِيدٌ عَنْ قَتادَةَ: حاصَ الفَجَرَةُ، فَوَجَدُوا أمْرَ اللَّهِ مَنِيعًا.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لِمَن كانَ لَهُ قَلْبٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِمَن كانَ لَهُ عَقْلٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ، لِأنَّ القَلْبَ مَحِلُّ العَقْلِ.
الثّانِي: لِمَن كانَتْ لَهُ حَياةٌ ونَفْسٌ مُمَيَّزَةٌ، فَعَبَّرَ عَنِ النَّفْسِ الحَيَّةِ بِالقَلْبِ لِأنَّهُ وطَنُها ومَعْدِنُ حَياتِها.
كَما قالَ امْرُؤُ القَيْسِ أغَرَّكِ مِنِّي أنَّ حُبَّكِ قاتِلِي ∗∗∗ وأنَّكِ مَهْما تَأْمُرِي القَلْبَ يَفْعَلُ ﴿ أوْ ألْقى السَّمْعَ وهو شَهِيدٌ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: ألْقى السَّمْعَ فِيما غابَ عَنْهُ بِالأخْبارِ، وهو شَهِيدٌ فِيما عايَنَهُ بِالحُضُورِ.
الثّانِي: مَعْناهُ سَمِعَ ما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الكُتُبِ وهو شَهِيدٌ بِصِحَّتِهِ.
الثّالِثُ: سَمِعَ ما أُنْذِرَ بِهِ مِن ثَوابٍ وعِقابٍ، وهو شَهِيدٌ عَلى نَفْسِهِ بِما عَمِلَ مِن طاعَةٍ أوْ مَعْصِيَةٍ.
وَفي الآيَةِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها في جَمِيعِ أهْلِ الكُتُبِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: أنَّها في اليَهُودِ والنَّصارى خاصَّةً، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّالِثُ: أنَّها في أهْلِ القُرْآنِ خاصَّةً، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ وأبُو صالِحٍ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ ﴾ واللُّغُوبُ التَّعَبُ والنَّصَبُ.
قالَ الرّاجِزُ: إذا رَقى الحادِي المَطِيَّ اللُّغُبا ∗∗∗ وانْتَعَلَ الظِّلَ فَصارَ جَوْرَبًا قالَ قَتادَةُ و الكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في يَهُودِ المَدِينَةِ، زَعَمُوا أنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ أوَّلُها يَوْمُ الأحَدِ، وآخِرَها يَوْمُ الجُمُعَةِ، واسْتَراحَ في يَوْمِ السَّبْتِ، ولِذَلِكَ جَعَلُوهُ يَوْمَ راحَةٍ، فَأكْذَبَهُمُ اللَّهُ في ذَلِكَ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ ﴾ هَذا خِطابٌ لِلنَّبِيِّ ، أمَرَ فِيهِ بِالصَّبْرِ عَلى ما يَقُولُهُ المُشْرِكُونَ، إمّا مِن تَكْذِيبٍ أوْ وعِيدٍ.
﴿ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ الغُرُوبِ ﴾ الآيَةَ.
وَهَذا وإنْ كانَ خِطابًا لِلنَّبِيِّ ، فَهو عامٌّ لَهُ ولِأُمَّتِهِ.
وَفي هَذا التَّسْبِيحِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ تَسْبِيحُهُ بِالقَوْلِ تَنْزِيهًا قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ الغُرُوبِ، قالَهُ أبُو الأحْوَصِ.
الثّانِي: أنَّها الصَّلاةُ ومَعْناهَ فَصَلِّ بِأمْرِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، يَعْنِي صَلاةَ الصُّبْحِ، وقَبْلَ الغُرُوبِ، يَعْنِي صَلاةَ العَصْرِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ ورَواهُ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مَرْفُوعًا.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ تَسْبِيحُ اللَّهِ تَعالى قَوْلًا في اللَّيْلِ، قالَهُ أبُو الأحْوَصِ.
الثّانِي: أنَّها صَلاةُ اللَّيْلِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: أنَّها رَكْعَتا الفَجْرِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الرّابِعُ: أنَّها صَلاةُ العِشاءِ الآخِرَةِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
ثُمَّ قالَ ﴿ وَأدْبارَ السُّجُودِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ التَّسْبِيحُ في أدْبارِ الصَّلَواتِ، قالَهُ أبُو الأحْوَصِ.
الثّانِي: أنَّها النَّوافِلُ بَعْدَ المَفْرُوضاتِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الثّالِثُ: أنَّها رَكْعَتانِ بَعْدَ المَغْرِبِ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وأبُو هُرَيْرَةَ.
وَرَوى ابْنُ عَبّاسٍ قالَ: «بِتُّ لَيْلَةً عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ، فَصَلّى رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الفَجْرِ، ثُمَّ خَرَجَ إلى الصَّلاةِ فَقالَ: (يا ابْنَ عَبّاسٍ رَكْعَتانِ قَبْلَ الفَجْرِ أدْبارُ النُّجُومِ، ورَكْعَتانِ بَعْدَ المَغْرِبِ أدْبارُ السُّجُودِ» .
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ واسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ المُنادِ ﴾ هَذِهِ الصَّيْحَةُ الَّتِي يُنادِي بِها المُنادِي مِن مَكانٍ قَرِيبٍ هي النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ الَّتِي لِلْبَعْثِ إلى أرْضِ المَحْشَرِ.
وَيَحْتَمِلُ وجْهًا آخَرَ، أنَّهُ نِداؤُهُ في المَحْشَرِ لِلْعَرْضِ والحِسابِ.
وَفِي قَوْلِهِ ﴿ مِن مَكانٍ قَرِيبٍ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ يَسْمَعُها كُلُّ قَرِيبٍ وبَعِيدٍ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
الثّانِي: أنَّ الصَّيْحَةَ مِن مَكانٍ قَرِيبٍ.
قالَ قَتادَةُ: كُنّا نُحَدِّثُ أنَّهُ يُنادِي مِن بَيْتِ المَقْدِسِ مِنَ الصَّخْرَةِ وهي أوْسَطُ الأرْضِ: يا أيَّتُها العِظامُ البالِيَةُ، قُومِي لِفَصْلِ القَضاءِ وما أُعِدَّ مِنَ الجَزاءِ.
وَحُدِّثْنا أنَّ كَعْبًا قالَ: هي أقْرَبُ الأرْضِ إلى السَّماءِ بِثَمانِيَةِ عَشَرَ مِيلًا.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالحَقِّ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي بِقَوْلِ الحَقِّ.
الثّانِي: بِالبَعْثِ الَّذِي هو حُقٌّ.
﴿ ذَلِكَ يَوْمُ الخُرُوجِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: الخُرُوجُ مِنَ القُبُورِ.
الثّانِي: أنَّ الخُرُوجَ مِن أسْماءِ القِيامَةِ.
قالَ العَجّاجُ ولَيْسَ يَوْمٌ سُمِّيَ الخُرُوجا أعْظَمَ يَوْمٍ رَجَّهُ رُجُوجًا قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَقُولُونَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: نَحْنُ أعْلَمُ بِما يُجِيبُونَكَ مِن تَصْدِيقٍ أوْ تَكْذِيبٍ.
الثّانِي: بِما يُسِرُّونَهُ مِن إيمانٍ أوْ نِفاقٍ.
﴿ وَما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّارٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي بِرَبٍّ، قالَهُ الضَّحّاكُ، لِأنَّ الجَبّارَ هو اللَّهُ تَعالى سُلْطانُهُ.
الثّانِي: مُتَجَبِّرٌ عَلَيْهِمْ مُتَسَلِّطٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
وَلِذَلِكَ قِيلَ لِكُلِّ مُتَسَلِّطٍ جَبّارٌ.
قالَ الشّاعِرُ وكُنّا إذا الجَبّارُ صَعَّرَ خَدَّهُ ∗∗∗ أقَمْنا لَهُ مِن صَعْرِهِ فَتَقَوَّما وَهُوَ مِن صِفاتِ المَخْلُوقِينَ ذَمٌّ.
الثّالِثُ: أنَّكَ لا تُجْبِرْهم عَلى الإسْلامِ مِن قَوْلِهِمْ قَدْ جَبَرْتُهُ عَلى الأمْرِ إذا قَهَرْتَهُ عَلى أمْرٍ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
﴿ فَذَكِّرْ بِالقُرْآنِ مَن يَخافُ وعِيدِ ﴾ الوَعِيدُ العَذابُ، والوَعْدُ الثَّوابُ.
قالَ الشّاعِرُ وإنِّي وإنْ أوْعَدْتُهُ أوْ وعَدْتُهُ ∗∗∗ لَمُخْلِفٌ إيعادِي ومُنْجِزٌ مَوْعِدِي قالَ قَتادَةُ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنا مِمَّنْ يَخافُ وعِيدَكَ ويَرْجُو مَوْعِدَكَ.
وَرُوِيَ أنَّهُ قِيلَ: «يا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ خَوَّفْتَنا فَنَزَلَتْ ﴿ فَذَكِّرْ بِالقُرْآنِ مَن يَخافُ وعِيدِ ﴾ »