تفسير سورة النحل الآيات ٧٥-٧٦ عند زاد المسير

الإسلام > القرآن > تفسير > زاد المسير > سورة 16 النحل > الآيات ٧٥-٧٦

۞ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا عَبْدًۭا مَّمْلُوكًۭا لَّا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَىْءٍۢ وَمَن رَّزَقْنَـٰهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًۭا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّۭا وَجَهْرًا ۖ هَلْ يَسْتَوُۥنَ ۚ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ٧٥ وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًۭا رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَآ أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَىْءٍۢ وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوْلَىٰهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ ۖ هَلْ يَسْتَوِى هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ ۙ وَهُوَ عَلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ ٧٦

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 5 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا ﴾ أيْ: بَيَّنَ شَبَهًا فِيهِ بَيانُ المَقْصُودِ، وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَثَلٌ لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ.

فالَّذِي " لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ " هو الكافِرُ، لِأنَّهُ لا خَيْرَ عِنْدَهُ، وصاحِبُ الرِّزْقِ هو المُؤْمِنُ، لِما عِنْدَهُ مِنَ الخَيْرِ، هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ.

والثّانِي: أنَّهُ مَثَلَ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِنَفْسِهِ ولِلْأوْثانِ، لِأنَّهُ مالِكُ كُلِّ شَيْءٍ، وهي لا تَمْلِكُ شَيْئًا، هَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، والسُّدِّيُّ.

وذُكِرَ في التَّفْسِيرِ أنَّ هَذا المَثَلَ ضُرِبَ بِقَوْمٍ كانُوا في زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ  ، وفِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ المَمْلُوكَ: أبُو الجِوارِ، وصاحِبَ الرِّزْقِ الحَسَنِ: سَيِّدُهُ هِشامُ بْنُ عَمْرٍو، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وقالَ مُقاتِلٌ: المَمْلُوكُ: أبُو الحَواجِرِ.

والثّانِي: أنَّ المَمْلُوكَ: أبُو جَهْلِ بْنِ هِشامٍ، وصاحِبَ الرِّزْقِ الحَسَنِ: أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿ هَلْ يَسْتَوُونَ ﴾ ولَمْ يَقُلْ: يَسْتَوِيانِ، لِأنَّ المُرادَ: الجِنْسُ.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: لَفْظُ " مَن " لَفْظُ تَوْحِيدٍ، ومَعْناها مَعْنى الجَمْعِ، ولَمْ يَقَعِ المَثَلُ بِعَبْدٍ مُعَيَّنٍ، ومالِكٍ مُعَيَّنٍ، لَكِنْ عُنِيَ بِهِما جَماعَةُ عَبِيدٍ، وقَوْمٌ مالِكُونَ، فَلَمّا فارَقَ مِن تَأْوِيلِ الجَمْعِ، جُمِعَ عائِدُها لِذَلِكَ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ ﴾ أيْ: هو المُسْتَحِقُّ لِلْحَمْدِ، لِأنَّهُ المُنْعِمُ، ولا نِعْمَةَ لِلْأصْنامِ، ﴿ بَلْ أكْثَرُهُمْ ﴾ يَعْنِي المُشْرِكِينَ ﴿ :لا يَعْلَمُونَ ﴾ " أنَّ الحَمْدَ للَّهِ.

قالَ العُلَماءُ: وُصِفَ أكْثَرُهم بِذَلِكَ، والمُراد: جَمِيعُهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا رَجُلَيْنِ أحَدُهُما أبْكَمُ ﴾ قَدْ فَسَّرْنا " البَكَمَ " في (البَقَرَةِ:١٨) .

ومَعْنى ﴿ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ ﴾ أيْ: مِنَ الكَلامِ، لِأنَّهُ لا يَفْهَمُ ولا يُفْهَمُ عَنْهُ.

﴿ وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: ثِقْلٌ عَلى ولِيِّهِ وقَرابَتِهِ.

وفِيمَن أُرِيدَ بِهَذا المَثَلِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ، فالكافِرُ هو الأبْكَمُ، والَّذِي يَأْمُرُ بِالعَدْلِ [هُوَ] المُؤْمِنُ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ، هو الَّذِي يَأْمُرُ بِالعَدْلِ، وفي مَوْلًى لَهُ كانَ يَكْرَهُ الإسْلامَ ويَنْهى عُثْمانَ عَنِ النَّفَقَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ، وهو الأبْكَمُ، رَواهُ إبْراهِيمُ بْنُ يَعْلى بْنِ مُنْيَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِنَفْسِهِ، ولِلْوَثَنِ.

فالوَثَنُ: هو الأبْكَمُ، واللَّهُ تَعالى: هو الآمِرُ بِالعَدْلِ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، وابْنِ السّائِبِ، ومُقاتِلِ.

والرّابِعُ: أنَّ المُرادَ بِالأبْكَمِ: أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، وبِالَّذِي يَأْمُرُ بِالعَدْلِ: حَمْزَةُ، وعُثْمانُ بْنُ عَفّانَ، وعُثْمانُ بْنُ مَظْعُونٍ، قالَهُ عَطاءٌ.

فَيَخْرُجُ عَلى هَذِهِ الأقْوالِ في مَعْنى " مَوْلاهُ " قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَوْلًى حَقِيقَةً، إذا قُلْنا: إنَّهُ رَجُلٌ مِنَ النّاسِ.

والثّانِي: أنَّهُ بِمَعْنى الوَلِيُّ، إذا قُلْنا: إنَّهُ الصَّنَمُ، فالمَعْنى: وهو ثِقْلٌ عَلى وَلِيِّهِ الَّذِي يَخْدِمُهُ ويُزَيِّنُهُ.

وَيَخْرُجُ في مَعْنى ﴿ أيْنَما يُوَجِّهْهُ ﴾ قَوْلانِ: إنْ قُلْنا: إنَّهُ رَجُل، فالمَعْنى: أيْنَما يُرْسِلْهُ، والتَّوْجِيهُ: الإرْسالُ في وجْهٍ مِنَ الطَّرِيقِ.

وإنْ قُلْنا: إنَّهُ الصَّنَمُ، فَفي مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أيْنَما يَدْعُوهُ، لا يُجِيبُهُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: أيْنَما تَوَجَّهَ تَأْمِيلُهُ إيّاهُ ورَجاهُ لَهُ، لا يَأْتِهِ ذَلِكَ بِخَيْرٍ، فَحُذِفَ التَّأْمِيلُ، وخَلَفَهُ الصَّنَمُ، كَقَوْلِهِ: ﴿ ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ  ﴾ أيْ: عَلى ألْسِنَةِ رُسُلِكَ.

وقَرَأ البَزِّيُّ عَنِ ابْنِ مُحَيْصِنٍ " أيْنَما تُوَجِّهْهُ " بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ.

فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ ﴾ فَإنْ قُلْنا: هو رَجُلٌ، فَإنَّما كانَ كَذَلِكَ، لِأنَّهُ لا يَفْهَمُ ما يُقالُ لَهُ، ولا يُفْهَمُ عَنْهُ، إمّا لِكُفْرِهِ وجُحُودِهِ، أوْ لِبُكْمٍ بِهِ.

وإنْ قُلْنا: إنَّهُ الصَّنَمُ، فَلِكَوْنِهِ جَمادًا.

﴿ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ ﴾ أيْ: هَذا الأبْكَمُ ﴿ وَمَن يَأْمُرُ بِالعَدْلِ ﴾ أيْ: ومَن هو قادِرٌ عَلى التَّكَلُّمِ، ناطِقٌ الحَقِّ.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله