الآية ٧٦ من سورة النحل

الإسلام > القرآن > سور > سورة 16 النحل > الآية ٧٦ من سورة النحل

وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًۭا رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَآ أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَىْءٍۢ وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوْلَىٰهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ ۖ هَلْ يَسْتَوِى هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ ۙ وَهُوَ عَلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ ٧٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 88 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٧٦ من سورة النحل: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٧٦ من سورة النحل عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال مجاهد : وهذا أيضا المراد به الوثن والحق تعالى ، يعني : أن الوثن أبكم لا يتكلم ولا ينطق بخير ولا بشيء ، ولا يقدر على شيء بالكلية ، فلا مقال ، ولا فعال ، وهو مع هذا ) كل ) أي : عيال وكلفة على مولاه ، ( أينما يوجهه ) أي : يبعثه ( لا يأت بخير ) ولا ينجح مسعاه ) هل يستوي ) من هذه صفاته ، ( ومن يأمر بالعدل ) أي : بالقسط ، فقاله حق وفعاله مستقيمة ( وهو على صراط مستقيم ) وبهذا قال السدي ، وقتادة وعطاء الخراساني .

واختار هذا القول ابن جرير .

وقال العوفي ، عن ابن عباس : هو مثل للكافر والمؤمن أيضا ، كما تقدم .

وقال ابن جرير : حدثنا الحسن بن الصباح البزار ، حدثنا يحيى بن إسحاق السيلحيني ، حدثنا حماد ، حدثنا عبد الله بن عثمان بن خثيم عن إبراهيم ، عن عكرمة ، عن يعلى بن أمية ، عن ابن عباس في قوله : ( ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ) نزلت في رجل من قريش وعبده .

وفي قوله : ( [ وضرب الله ] مثلا رجلين أحدهما أبكم [ لا يقدر على شيء ] ) إلى قوله : ( وهو على صراط مستقيم ) قال : هو عثمان بن عفان .

قال : والأبكم الذي أينما يوجهه لا يأت بخير قال هو : مولى لعثمان بن عفان ، كان عثمان ينفق عليه ويكفله ويكفيه المئونة ، وكان الآخر يكره الإسلام ويأباه وينهاه عن الصدقة والمعروف ، فنزلت فيهما .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وهذا مثل ضربه الله تعالى لنفسه والآلهة التي تُعبد من دونه، فقال تعالى ذكره ( وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ ) يعني بذلك الصنم أنه لا يسمع شيئا ، ولا ينطق، لأنه إما خشب منحوت ، وإما نحاس مصنوع لا يقدر على نفع لمن خدمه ، ولا دفع ضرّ عنه وهو كَلٌّ على مولاه ، يقول: وهو عيال على ابن عمه وحلفائه وأهل ولايته، فكذلك الصنم كَلّ على من يعبده، يحتاج أن يحمله ، ويضعه ويخدمه، كالأبكم من الناس الذي لا يقدر على شيء، فهو كَلّ على أوليائه من بني أعمامه وغيرهم ( أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ ) يقول: حيثما يوجهه لا يأت بخير، لأنه لا يفهم ما يُقال له، ولا يقدر أن يعبر عن نفسه ما يريد، فهو لا يفهم ، ولا يُفْهَم عنه ، فكذلك الصنم ،لا يعقل ما يقال له ، فيأتمر لأمر من أمره، ولا ينطق فيأمر وينهي ، يقول الله تعالى ( هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ ) يعني: هل يستوي هذا الأبكم الكلّ على مولاه الذي لا يأتي بخير حيث توجه ومن هو ناطق متكلم يأمر بالحقّ ويدعو إليه وهو الله الواحد القهار ، الذي يدعو عباده إلى توحيده وطاعته ، يقول: لا يستوي هو تعالى ذكره، والصنم الذي صفته ما وصف.

وقوله ( وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) يقول: وهو مع أمره بالعدل، على طريق من الحقّ في دعائه إلى العدل ، وأمره به مستقيم، لا يَعْوَجّ عن الحقّ ولا يزول عنه.

وقد اختلف أهل التأويل في المضروب له هذا المثل، فقال بعضهم في ذلك بنحو الذي قلنا فيه.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة ( لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ ) قال: هو الوثن ( هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ ) قال: الله يأمر بالعدل ( وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) وكذلك كان مجاهد يقول إلا أنه كان يقول: المثل الأوّل أيضا ضربه الله لنفسه وللوثَن.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى ؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، وحدثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفة، قال: ثنا شبل، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله تعالى ذكره عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا و ( رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ )( وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ ) قال: كلّ هذا مثل إله الحقّ، وما يُدعى من دونه من الباطل.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو معاوية، عن جويبر، عن الضحاك ( وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ ) قال: إنما هذا مثل ضربه الله.

وقال آخرون: بل كلا المثلين للمؤمن والكافر.

وذلك قول يُروَى عن ابن عباس، وقد ذكرنا الرواية عنه في المثل الأوّل في موضعه.

وأما في المثل الآخر: فحدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ( وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ ) ...

إلى آخر الآية، يعني بالأبكم: الذي هو كَلٌّ على مولاه الكافر، وبقوله ( وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ ) المؤمن، وهذا المثل في الأعمال.

حدثنا الحسن بن الصباح البزار، قال: ثنا يحيى بن إسحاق السيلحيني، قال: ثنا حماد، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن إبراهيم، عن عكرمة، عن يَعْلى بن أمية، عن ابن عباس، في قوله ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا عَبْدًا مَمْلُوكًا قال: نـزلت في رجل من قريش وعبده.

وفي قوله ( مَثَلا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ ) ...

إلى قوله ( وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) قال: هو عثمان بن عفان .

قال: والأبكم الذي أينما يُوَجَّهُ لا يأت بخير، ذاك مولى عثمان بن عفَّان، كان عثمان ينفق عليه ويكفله ويكفيه المئونة، وكان الآخر يكره الإسلام ويأباه وينهاه عن الصدقة والمعروف، فنـزلت فيهما.

وإنما اخترنا القول الذي اخترناه في المثل الأوّل لأنه تعالى ذكره مثَّل مثَل الكافر بالعبد الذي وصف صفته، ومثَّل مثل المؤمن بالذي رزقه رزقًاحسنًا ، فهو ينفق مما رزقه سرّا وجهرا، فلم يجز أن يكون ذلك لله مثلا إذ كان الله إنما مثل الكافر الذي لا يقدر على شيء بأنه لم يرزقه رزقا ينفق منه سرّا ؛ ومثَّل المؤمن الذي وفَّقه الله لطاعته فهداه لرشده ، فهو يعمل بما يرضاه الله، كالحرّ الذي بسط له في الرزق فهو ينفق منه سرًّا وجهرًا، والله تعالى ذكره هو الرازق غير المرزوق، فغير جائز أن يمثل إفضاله وجوده بإنفاق المرزوق الرزق الحسن ، وأما المثل الثاني، فإنه تمثيل منه تعالى ذكره مَنْ مثله الأبكم الذي لا يقدر على شيء والكفار لا شكّ أن منهم من له الأموال الكثيرة، ومن يضرّ أحيانا الضرّ العظيم بفساده، فغير كائن ما لا يقدر على شيء، كما قال تعالى ذكره مثلا لمن يقدر على أشياء كثيرة.

فإذا كان ذلك كذلك كان أولى المعاني به تمثيل ما لا يقدر على شيء كما قال تعالى ذكره بمثله ما لا يقدر على شيء، وذلك الوثن الذي لا يقدر على شيء، بالأبكم الكَلّ على مولاه الذي لا يقدر على شيء كما قال ووصف.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيمقوله تعالى : وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم هذا مثل آخر ضربه الله - تعالى - لنفسه وللوثن ، فالأبكم الذي لا يقدر على شيء هو الوثن ، والذي يأمر بالعدل هو الله - تعالى - ; قاله قتادة وغيره .

وقال ابن عباس : الأبكم عبد كان لعثمان - رضي الله عنه - ، وكان يعرض عليه الإسلام فيأبى ، ويأمر بالعدل عثمان .

وعنه أيضا أنه مثل لأبي بكر الصديق ومولى له كافر .

وقيل : الأبكم أبو جهل ، والذي يأمر بالعدل عمار بن ياسر العنسي ، وعنس " بالنون " حي من مذحج ، وكان حليفا لبني مخزوم رهط أبي جهل ، وكان أبو جهل يعذبه على الإسلام ويعذب أمه سمية ، وكانت مولاة لأبي جهل ، وقال لها ذات يوم : إنما آمنت بمحمد لأنك تحبينه لجماله ، ثم طعنها بالرمح في قبلها فماتت ، فهي أول شهيد مات في الإسلام ، رحمها الله .

من كتاب النقاش وغيره .

وسيأتي هذا في آية الإكراه مبينا إن شاء الله - تعالى - .

وقال عطاء : الأبكم أبي بن خلف ، كان لا ينطق بخير .

وهو كل على مولاه أي قومه لأنه كان يؤذيهم ويؤذي عثمان بن مظعون .

وقال مقاتل : نزلت في هشام بن عمرو بن الحارث ، كان كافرا قليل الخير يعادي النبي - صلى الله عليه وسلم - .

وقيل : إن الأبكم الكافر ، والذي يأمر بالعدل المؤمن جملة بجملة ; روي عن ابن عباس وهو حسن لأنه يعم .

والأبكم الذي لا نطق له .

وقيل الذي لا يعقل .

وقيل الذي لا يسمع ولا يبصر .

وفى التفسير إن الأبكم هاهنا الوثن .

بين أنه لا قدرة له ولا أمر ، وأن غيره ينقله [ ص: 136 ] وينحته فهو كل عليه .

والله الآمر بالعدل ، الغالب على كل شيء .وهو كل على مولاه أي ثقل على وليه وقرابته ، ووبال على صاحبه وابن عمه .

وقد يسمى اليتيم كلا لثقله على من يكفله ; ومنه قول الشاعر :أكول لمال الكل قبل شبابه إذا كان عظم الكل غير شديدوالكل أيضا الذي لا ولد له ولا والد .

والكل العيال ، والجمع الكلول ، يقال منه : كل السكين يكل كلا أي غلظت شفرته فلم يقطع .أينما يوجهه لا يأت بخير قرأ الجمهور يوجهه وهو خط المصحف ; أي أينما يرسله صاحبه لا يأت بخير ، لأنه لا يعرف ولا يفهم ما يقال له ولا يفهم عنه .

وقرأ يحيى بن وثاب " أينما يوجه " على الفعل المجهول .

وروي عن ابن مسعود أيضا " توجه " على الخطاب .هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم أي هل يستوي هذا الأبكم ومن يأمر بالعدل وهو على الصراط المستقيم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

والمثل الثاني مثل { رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ } لا يسمع ولا ينطق و { لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ } لا قليل ولا كثير { وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ } أي: يخدمه مولاه، ولا يستطيع هو أن يخدم نفسه فهو ناقص من كل وجه، فهل يستوي هذا ومن كان يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم، فأقواله عدل وأفعاله مستقيمة، فكما أنهما لا يستويان فلا يستوي من عبد من دون الله وهو لا يقدر على شيء من مصالحه، فلولا قيام الله بها لم يستطع شيئا منها، ولا يكون كفوا وندا لمن لا يقول إلا الحق، ولا يفعل إلا ما يحمد عليه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

ثم ضرب مثلا للأصنام فقال : ( وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه ) كل : ثقل ووبال " على مولاه " ابن عمه ، وأهل ولايته ، ( أينما يوجهه ) يرسله ، ( لا يأت بخير ) لأنه لا يفهم ما يقال له ، ولا يفهم عنه ، هذا مثل الأصنام ، لا تسمع ، ولا تنطق ، ولا تعقل ، ( وهو كل على مولاه ) عابده ، يحتاج إلى أن يحمله ويضعه ويخدمه .

( هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل ) يعني : الله تعالى قادر ، متكلم ، يأمر بالتوحيد ، ( وهو على صراط مستقيم ) [ قال الكلبي : يعني يدلكم على صراط مستقيم .

وقيل : هو رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم .

وقيل : كلا المثلين للمؤمن والكافر ، يرويه عطية عن ابن عباس .

وقال عطاء : الأبكم : أبي بن خلف ، ومن يأمر بالعدل : حمزة ، وعثمان بن عفان ، وعثمان بن مظعون وقال مقاتل : نزلت في هاشم بن عمرو بن الحارث بن ربيعة القرشي ، وكان قليل الخير يعادي رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وقيل : نزلت في عثمان بن عفان ومولاه ، كان عثمان ينفق عليه ، وكان مولاه يكره الإسلام .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وضرب الله مثلاً» ويبدل منه «رجلين أحدهما أبكم» ولد أخرس «لا يقدر على شيء» لأنه لا يفهم ولا يُفهم «وهو كلّ» ثقيل «على مولاه» وليّ أمره «أينما يوجهه» يصرفه «لا يأت» منه «بخير» ينجح وهذا مثل الكافر «هل يستوي هو» أي الأبكم المذكور «ومن يأمر بالعدل» أي ومن هو ناطق نافع للناس حيث يأمر به ويحث عليه «وهو على صراط» طريق «مستقيم» وهو الثاني المؤمن؟

لا، وقيل هذا مثل الله، والأبكم للأصنام والذي قبله مثل الكافر والمؤمن.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وضرب الله مثلا آخر لبطلان الشرك رجلين: أحدهما أخرس أصم لا يَفْهَم ولا يُفْهِم، لا يقدر على منفعة نفسه أو غيره، وهو عبء ثقيل على مَن يَلي أمره ويعوله، إذا أرسله لأمر يقضيه لا ينجح، ولا يعود عليه بخير، ورجل آخر سليم الحواس، ينفع نفسه وغيره، يأمر بالإنصاف، وهو على طريق واضح لا عوج فيه، فهل يستوي الرجلان في نظر العقلاء؟

فكيف تُسَوُّون بين الصنم الأبكم الأصمِّ وبين الله القادر المنعم بكل خير؟

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

أما المثال الثانى فهو أشد وضوحا من سابقه على وحدانية الله - تعالى - ورحمتئه بعباده ، وعلى الفرق الشاسع بين المؤمن والكافر ، ويتجلى هذا المثال فى قوله - عز وجل - : ( وَضَرَبَ الله مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَآ أَبْكَمُ لاَ يَقْدِرُ على شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ على مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ .

.

) .أى : وذكر الله - تعالى - مثلا آخر لرجلين ، ( أحدهما أبكم ) أى : لا يستطيع النطق أو الكلام ، ضعيف الفهم والتفهيم لغيره .( لاَ يَقْدِرُ على شَيْءٍ ) أى : لا يقدر على فعل شئ من الأشياء المتعلقة بنفسه و بغيره .( وهو ) أى هذا الرجل ( كَلٌّ على مَوْلاهُ ) أى : حمل ثقيل ، وهم كبير على مولاه الذى يتولى شئونه من طعام وشراب وكساء وغير ذلك .

وهذا بيان لعدم قدرته على القيام بمصالح نفسه ، بعد بيان عدم قدرته على القيام بفعل أى شئ على الإِطلاق .قال القرطبى : قوله ( وَهُوَ كَلٌّ على مَوْلاهُ ) أى ثقل على وليه وقرابته ، ووبال على صاحبه وابن عمه ، وقد يسمى اليتيم كلا لثقله على من يكفله ، ومنه قول الشاعر :أكول لمال الكَلِّ قبل شبابه ...

إذا كان عظم الكلِّ غير شديدفالكل هو الإِنسان العاجز الضعيف الذى يكون محتاجا إلى من يرعى شئونه .وقوله ( أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ ) أى : أن هذا الرجل حيثما يوجهه مولاه وكافله لقضاء أمر من الأمور يعود خائبا ، لعجزه ، وضعف حيلته ، وقلة إدراكه .

.فأنت ترى أن الله - تعالى - قد وصف هذا الرجل بأربع صفات ، تدل على سوء فهمه ، وقلة حيلته ، وثقله على ولى أمره ، وانسداد طرق الخير فى وجهه .

.هذا هو الجانب الأول من المثل ، أما الجانب الثانى فيتجلى فى قوله - تعالى - : ( هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بالعدل وَهُوَ على صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ .

.

) .أى : ( هَلْ يَسْتَوِي هُوَ ) أى هذا الرجل الأبكم العاجز .

.

مع رجل آخر ( يأمر ) غيره بالعدل " وهو " أى هذا الرجل الآخر فى نفسه ( وَهُوَ على صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ) أى : على دين قويم ، وخلق كريم فقد جمع بذلك بين فضيلتين جليلتين : نفعه لغيره ، وصلاحه فى ذاته .لا شك أن هذين الرجلين لا يستويان فى عقل أى عاقل ، إذ أن أولهما أبكم عاجز خائب .

.

وثانيهما منطيق ، ناصح لغيره ، جامع لخصال الخير فى نفسه .ومادام الامر كذلك فكيف سويتم - أيها المشركون الضالون المكذبون - فى العبادة بين الله - تعالى - وهو الخالق لكل شئ ، وبين تلك الأصنام التى لا تسمع ولا تبصر ولا تغنى عن عابديها شيئا .أو كيف سويتم بين المؤمن الجامع لكل مكرمة ، وبين الكافر الغبى الأبله الذى آثر الغى على الرشد ، فتكون الآية الكريمة مسوقة لبيان الفرق الشاسع بين المؤمن والكافر .وقد قابل - سبحانه - الأوصاف الأربعة للرجل الأول ، بهذين الوصفين للرجل الثانى ، لأن حاصل أوصاف الأول أنه غير مستحق لشئ ، وحاصل وصفى الثانى أنه مستحق لكل فضل وخير .وقوله ( وَمَن يَأْمُرُ بالعدل .

.

.

) معطوف على الضمير المستتر فى قوله ( هل يستوى .

.

.

) .وجملة ( وَهُوَ على صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ) فى محل نصب على الحال .وبذلك نرى أن الآيتين الكريمتين قد ساقتا مثلين واضحين ، لبيان الفرق الشاسع بين ذات الله - تعالى - الخلاق العليم ، الرزاق الكريم .

.

وبين تلك المعبودات الباطلة التى أشركها الضالون فى العبادة مع الله - عز وجل - .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى أبطل قول عبدة الأوثان والأصنام بهذا المثل الثاني، وتقريره: أنه كما تقرر في أوائل العقول أن الأبكم العاجز لا يكون مساوياً في الفضل والشرف للناطق القادر الكامل مع استوائهما في البشرية، فلان يحكم بأن الجماد لا يكون مساوياً لرب العالمين في المعبودية كان أولى، ثم نقول: في الآية مسألتان: المسألة الأولى: أنه تعالى وصف الرجل الأول بصفات: الصفة الأولى: الأبكم وفي تفسيره أقوال نقلها الواحدي.

الأول: قال أبو زيد رجل أبكم، وهو العيي المقحم، وقد بكم بكماً وبكامة، وقال أيضاً: الأبكم الأقطع اللسان وهو الذي لا يحسن الكلام.

الثاني: روى ثعلب عن ابن الأعرابي: الأبكم الذي لا يعقل.

الثالث: قال الزجاح: الأبكم المطبق الذي لا يسمع ولا يبصر.

الصفة الثانية: قوله: ﴿ لا يقدر على شيء ﴾ وهو إشارة إلى العجز التام والنقصان الكامل.

والصفة الثالثة: قوله: ﴿ كل على مولاه ﴾ أي هذا الأبكم العاجز كل على مولاه.

قال أهل المعاني: أصله من الغلظ الذي هو نقيض الحدة.

يقال: كل السكين إذا غلظت شفرته فلم يقطع، وكل لسانه إذا غلظ فلم يقدر على الكلام، وكل فلان عن الأمر إذا ثقل عليه فلم ينبعث فيه.

فقوله: ﴿ كل على مولاه ﴾ أي غليظ وثقيل على مولاه.

الصفة الرابعة: قوله: ﴿ أينما يوجهه لا يأت بخير ﴾ أي أينما يرسله، ومعنى التوجيه أن ترسل صاحبك في وجه معين من الطريق.

يقال: وجهته إلى موضع كذا فتوجه إليه.

وقوله: ﴿ لا يأت بخير ﴾ معناه لأنه عاجز لا يحسن ولا يفهم.

ثم قال تعالى: ﴿ هل يستوي هو ﴾ أي هذا الموصوف بهذه الصفات الأربع: ﴿ ومن يأمر بالعدل ﴾ واعلم أن الآمر بالعدل يجب أن يكون موصوفاً بالنطق وإلا لم يكن آمراً ويجب أن يكون قادراً، لأن الأمر مشعر بعلو المرتبة وذلك لا يحصل إلا مع كونه قادراً، ويجب أن يكون عالماً حتى يمكنه التمييز بين العدل وبين الجور.

فثبت أن وصفه بأنه يأمر بالعدل يتضمن وصفه بكونه قادراً عالماً، وكونه آمراً يناقض كون الأول أبكم، وكونه قادراً يناقض وصف الأول بأنه لا يقدر على شيء وبأنه كل على مولاه، وكونه عالماً يناقض وصف الأول بأنه لا يأت بخير.

ثم قال تعالى: ﴿ وهو على صراط مستقيم ﴾ معناه كونه عادلاً مبرأ عن الجور والعبث.

إذا ثبت هذا فنقول: ظاهر في بديهة العقل أن الأول والثاني لا يستويان، فكذا هاهنا والله أعلم.

المسألة الثانية: في المراد بهذا المثل أقوال كما في المثل المتقدم.

فالقول الأول: قال مجاهد: كل هذا مثل إله الخلق وما يدعى من دونه من الباطل.

وأما الأبكم فمثل الصنم، لأنه لا ينطق ألبتة وكذلك لا يقدر على شيء، وأيضاً كل على عابديه لأنه لا ينفق عليهم وهم ينفقون عليه، وأيضاً إلى أي مهم توجه الصنم لم يأت بخير، وأما الذي يأمر بالعدل فهو الله سبحانه وتعالى.

والقول الثاني: أن المراد من هذا الأبكم: هو عبد لعثمان بن عفان كان ذلك العبد يكره الإسلام، وما كان فيه خير، ومولاه وهو عثمان بن عفان كان يأمر بالعدل؛ وكان على الدين القويم والصراط المستقيم.

والقول الثالث: أن المقصود منه: كل عبد موصوف بهذه الصفات المذمومة وكل حر موصوف بتلك الصفات الحميدة، وهذا القول أولى من القول الأول، لأن وصفه تعالى إياهما بكونهما رجلين يمنع من حمل ذلك على الوثن، وكذلك بالبكم وبالكل وبالتوجه في جهات المنافع وكذلك وصف الآخر بأنه على صراط مستقيم يمنع من حمله على الله تعالى، وأيضاً فالمقصود تشبيه صورة بصورة في أمر من الأمور، وذلك التشبيه لا يتم إلا عند كون إحدى الصورتين مغايرة للأخرى.

وأما القول الثاني: فضعيف أيضاً، لأن المقصود إبانة التفرقة بين رجلين موصوفين بالصفات المذكورة، وذلك غير مختص بشخص معين، بل أيما حصل التفاوت في الصفات المذكورة حصل المقصود، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

الأبكم الذي ولد أخرس، فلا يَفهم ولا يُفهم ﴿ وَهُوَ كَلٌّ على مَوْلاهُ ﴾ أي ثقل وعيال على من يلي أمره ويعوله ﴿ أَيْنَمَا يُوَجّههُّ ﴾ حيثما يرسله ويصرفه في مطلب حاجة أو كفاية مهم، لم ينفع ولم يأت بنجح ﴿ هَلْ يَسْتَوِى هُوَ وَمَن ﴾ هو سليم الحواس نفاعاً ذو كفايات، مع رشد وديانة، فهو ﴿ يَأْمُرُ ﴾ الناس ﴿ بالعدل ﴾ والخير ﴿ وَهُوَ ﴾ في نفسه ﴿ على صراط مُّسْتَقِيمٍ ﴾ على سيرة صالحة ودين قويم.

وهذا مثل ثان ضربه الله لنفسه ولما يفيض على عباده ويشملهم من آثار رحمته وألطافه ونعمه الدينية والدنيوية، وللأصنام التي هي أموات لا تضر ولا تنفع وقرئ: ﴿ أينما يوجه ﴾ ، بمعنى أينما يتوجه، من قولهم: أينما أوجه ألق سعداً: وقرأ ابن مسعود: ﴿ أينما يُوَجَّهَ ﴾ ، على البناء للمفعول.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا رَجُلَيْنِ أحَدُهُما أبْكَمُ ﴾ ولِدَ أخْرَسَ لا يُفْهَمُ ولا يُفْهِمُ.

﴿ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ ﴾ مِنَ الصَّنائِعِ والتَّدابِيرِ لِنُقْصانِ عَقْلِهِ.

﴿ وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ ﴾ عِيالٌ وثِقْلٌ عَلى مَن يَلِي أمْرَهُ.

﴿ أيْنَما يُوَجِّهْهُ ﴾ حَيْثُما يُرْسِلْهُ مَوْلاهُ في أمْرٍ، وقُرِئَ « يُوَجَّهُ» عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ و « يُوَجِّهْ» بِمَعْنى يَتَوَجَّهُ كَقَوْلِهِ أيْنَما أُوَجِّهْ ألْقَ سَعْدًا « وتَوَجَّهَ» بِلَفْظِ الماضِي.

﴿ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ ﴾ بِنُجْحٍ وكِفايَةِ مُهِمٍّ.

﴿ هَلْ يَسْتَوِي هو ومَن يَأْمُرُ بِالعَدْلِ ﴾ ومَن هو فَهْمٌ مِنطِيقٌ ذُو كِفايَةٍ ورُشْدٍ يَنْفَعُ النّاسَ بِحَثِّهِمْ عَلى العَدْلِ الشّامِلِ لِمَجامِعِ الفَضائِلِ.

﴿ وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ وهو في نَفْسِهِ عَلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ لا يَتَوَجَّهُ إلى مَطْلَبٍ إلّا ويَبْلُغُهُ بِأقْرَبِ سَعْيٍ، وإنَّما قابَلَ تِلْكَ الصِّفاتِ بِهَذَيْنَ الوَصْفَيْنِ لِأنَّهُما كَمالُ ما يُقابِلُهُما، وهَذا تَمْثِيلٌ ثانٍ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِنَفْسِهِ ولِلْأصْنامِ لِإبْطالِ المُشارَكَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَها أوْ لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٦)

ثم زاد في البيان فقال {وَضَرَبَ الله مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لاَ يَقْدِرُ على شَىْءٍ} الأبكم الذي ولد أخرس فلا يفهم ولا

النحل (٧٦ _ ٧٩)

يفهم {وَهُوَ كَلٌّ على مَوْلاهُ} أي ثقل وعيال على من يلي أمره ويعوله {أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ} حيثما يرسله ويصرفه في مطلب حاجة أو كفاية مهم لم ينفع ولم يأت بنجح {هَلْ يَسْتَوِى هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بالعدل} أي ومن هو سليم الحواس نفاع ذو كفايات مع رشد وديانة فهو يأمر الناس بالعدل والخير {وَهُوَ} في نفسه {على صراط مُّسْتَقِيمٍ} على سيرة صالحة ودين قويم وهذا مثل ثان ضربه لنفسه ولما يفيض على عباده من آثار رحمته ونعمته وللأصنام التي هي أموات لا تضر ولا تنفع

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا ﴾ أيْ مَثَلًا آخَرَ يَدُلُّ عَلى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ المَثَلُ السّابِقُ عَلى وجْهٍ أظْهَرَ وأوْضَحَ، وأبْهَمَ ثُمَّ بَيَّنَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ رَجُلَيْنِ أحَدُهُما أبْكَمُ ﴾ لِما تَقَدَّمَ والبُكْمُ الخَرَسُ المُقارِنُ لِلْخِلْقَةِ ويَلْزَمُهُ الصَّمَمُ فَصاحِبُهُ لا يَفْهَمُ لِعَدَمِ السَّمْعِ ولا يَفْهَمُ غَيْرُهُ لِعَدَمِ النُّطْقِ، والإشارَةُ لا يُعْتَدُّ بِها لِعَدَمِ تَفْهِيمِها حَقَّ التَّفْهِيمِ لِكُلِّ أحَدٍ فَكَأنَّهُ قِيلَ: أحَدُهُما أخْرَسُ أصَمُّ لا يَفْهَمُ ولا يَفْهَمُ ﴿ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ ﴾ مِنَ الأشْياءِ المُتَعَلِّقَةِ بِنَفْسِهِ أوْ غَيْرِهِ بِحَدْسٍ أوْ فِراسَةٍ لَسُوءِ فَهْمِهِ وإدْراكِهِ ﴿ وهُوَ كَلٌّ ﴾ ثَقِيلٌ وعِيالٌ ﴿ عَلى مَوْلاهُ ﴾ عَلى مَن يَعُولُهُ ويَلِي أمْرَهُ، وهَذا بَيانٌ لِعَدَمِ قُدْرَتِهِ عَلى إقامَةِ مَصالِحِ نَفْسِهِ بَعْدَ ذِكْرِ عَدَمِ قُدْرَتِهِ مُطْلَقًا، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ أيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ ﴾ أيْ حَيْثُما يُرْسِلْهُ مَوْلاهُ في أمْرٍ لا يَأْتِ بِنَجْحٍ وكِفايَةِ مُهِمٍّ، بَيانٌ لِعَدَمِ قُدْرَتِهِ عَلى مَصالِحِ مَوْلاهُ.

وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ في رِوايَةٍ «تُوَجِّهْهُ» عَلى الخِطابِ، وقَرَأ عَلْقَمَةُ وابْنُ رِئابٍ ومُجاهِدٌ وطَلْحَةُ وهي رِوايَةٌ أُخْرى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ «يُوَجِّهْ» بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ والجَزْمِ، وخَرَجَ عَلى أنَّ الفاعِلَ يَعُودُ عَلى المَوْلى والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ وهو ضَمِيرُ الأبْكَمِ أيْ يُوَجِّهُهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ الفاعِلِ عائِدًا عَلى الأبْكَمِ ويَكُونُ الفِعْلُ لازِمَ وجَّهَ بِمَعْنى تَوَجَّهَ، وعَلى ذَلِكَ جاءَ قَوْلُ الأضْبَطِ بْنِ قَرِيعٍ السَّعْدِيِّ: أيْنَما أُوَجِّهْ ألْقَ سَعْدًا وعَنْ عَلْقَمَةَ وعائِشَةَ وابْنِ وثّابٍ أيْضًا «يُوَجَّهْ» بِالجَزْمِ والبِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْ عَلْقَمَةَ وطَلْحَةَ أنَّهُما قَرَءا «يُوَجِّهُ» بِكَسْرِ الجِيمِ وضَمِّ الهاءِ، قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: فَإنْ صَحَّ ذَلِكَ فالهاءُ الَّتِي هي لامُ الفِعْلِ مَحْذُوفَةٌ فِرارًا مِنَ التَّضْعِيفِ أوْ لَمْ يُرِدْ- بِأيْنَما- الشَّرْطَ، والمُرادُ أيْنَما هو يُوَجَّهُ وقَدْ حُذِفَ مِنهُ ضَمِيرُ المَفْعُولِ بِهِ فَيَكُونُ حَذْفُ الياءِ مِن آخِرِ «يَأْتِ» لِلتَّخْفِيفِ، وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ أيْنَ لا تَخْرُجُ عَنِ الشَّرْطِ أوِ الِاسْتِفْهامِ.

ونُقِلَ عَنْ أبِي حاتِمٍ أنَّ هَذِهِ القِراءَةَ ضَعِيفَةٌ لِأنَّ الجَزْمَ لازِمٌ، ثُمَّ قالَ: والَّذِي تُوَجَّهُ بِهِ هَذِهِ القِراءَةُ أنَّ (أيْنَما) شَرْطٌ حُمِلَتْ عَلى إذا بِجامِعِ ما اشْتَرَكا فِيهِ مِنَ الشَّرْطِ ثُمَّ حُذِفَتْ ياءُ (يَأْتِ) تَخْفِيفًا أوْ جُزِمَ عَلى تَوَهُّمِ أنَّهُ جِيءَ بِأيْنَما جازِمَةً كَقِراءَةِ مَن قَرَأ- إنَّهُ مَن يَتَّقِي ويَصْبِرُ- في أحَدِ الوَجْهَيْنِ، ويَكُونُ مَعْنى يُوَجِّهُ يَتَوَجَّهُ كَما مَرَّ آنِفًا ﴿ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ ﴾ أيْ ذَلِكَ الأبْكَمُ المَوْصُوفُ بِتِلْكَ الصِّفاتِ المَذْكُورَةِ ﴿ ومَن يَأْمُرُ بِالعَدْلِ ﴾ ومَن هو مِنطِيقٌ فَهم ذُو رَأْيٍ ورُشْدٍ يَكْفِي النّاسَ في مُهِمّاتِهِمْ ويَنْفَعُهم بِحَثِّهِمْ عَلى العَدْلِ الجامِعِ لِمَجامِعِ الفَضائِلِ ﴿ وهُوَ ﴾ في نَفْسِهِ مَعَ ما ذَكَرَ مِن نَفْعِهِ الخاصِّ والعامِّ ﴿ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ لا يَتَوَجَّهُ إلى مَطْلَبٍ إلّا ويَبْلُغُهُ بِأقْرَبِ سَعْيٍ، فالجُمْلَةُ حالِيَّةٌ مَبْنِيَّةٌ لِكَمالِهِ في نَفْسِهِ ولَمّا كانَ ذَلِكَ مُقَدَّمًا عَلى تَكْمِيلِ الغَيْرِ أتى بِها اسْمِيَّةً فَإنَّها تُشْعِرُ بِذَلِكَ مَعَ الثُّبُوتِ إلى مُقارَنَةِ ذِي الحالِ.

فَلا يُقالُ: الأنْسَبُ تَقْدِيمُها في النَّظْمِ الكَرِيمِ، ومُقابَلَةُ تِلْكَ الصِّفاتِ الأرْبَعِ بِهَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ لِأنَّهُما كَمالُ ما يُقابِلُها ونِهايَتُهُ فاخْتِيرَ آخِرُ صِفاتِ الكامِلِ المُسْتَدْعِيَةِ لِما ذَكَرَ وأزْيَدُ حَيْثُ جُعِلَ هادِيًا مَهْدِيًّا، وتَغْيِيرُ الأُسْلُوبِ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ: والآخَرُ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ الآيَةَ لِمُراعاةِ المُلاءَمَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما هو المَقْصُودُ مِن بَيانِ التَّبايُنِ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ، ويُقالُ هُنا كَما قِيلَ في المَثَلِ السّابِقِ: إنَّهُ حَيْثُ لَمْ يَسْتَوِ الفَرِيقانِ في الفَضْلِ والشَّرَفِ مَعَ اسْتِوائِهِما في الماهِيَّةِ والصُّورَةِ فَلَأنْ يَحْكُمَ بِأنَّ الصَّنَمَ الَّذِي لا يَنْطِقُ ولا يَسْمَعُ وهو عاجِزٌ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ كَلٌّ عَلى عابِدِهِ يَحْتاجُ إلى أنْ يَحْمِلَهُ ويَضَعَهُ ويَمْسَحَ عَنْهُ الأذى إذا وقَعَ عَلَيْهِ ويَخْدُمَهُ وإنَّ وجَّهَهُ إلى أيِّ مُهِمٍّ مِن مُهِمّاتِهِ لا يَنْفَعُهُ ولا يَأْتِ لَهُ بِهِ لا يُساوِي رَبَّ العالَمِينَ وهُوَ- هُوَ- في اسْتِحْقاقِ المَعْبُودِيَّةِ أحْرى وأوْلى، وقِيلَ: هَذا تَمْثِيلٌ لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ فالأبْكَمُ هو الكافِرُ ومَن يَأْمُرُ بِالعَدْلِ هو المُؤْمِنُ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وأيًّا ما كانَ فَلَيْسَ المُرادُ- بِرَجُلَيْنِ- رَجُلانِ مُعَيَّنانِ بَلْ رَجُلانِ مُتَّصِفانِ بِما ذُكِرَ مِنَ الصِّفاتِ مُطْلَقًا، وما رُوِيَ مِن أنَّ الأبْكَمَ أبُو جَهْلٍ والآمِرَ بِالعَدْلِ عَمّارٌ أوِ الأبْكَمَ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ والآمِرَ عُثْمانُ بْنُ مَظْعُونٍ فَقالَ أبُو حَيّانَ: لا يَصِحُّ إسْنادُهُ، وما أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ عَساكِرَ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿ وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا رَجُلَيْنِ ﴾ إلَخْ في عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ ومَوْلًى لَهُ كافِرٍ وهو أُسَيْدُ بْنُ أبِي العِيصِ كانَ يَكْرَهُ الإسْلامَ وكانَ عُثْمانُ يَنْفِي عَلَيْهِ ويَكْفُلُهُ ويَكْفِيهِ المُؤْنَةَ وكانَ الآخَرُ يَنْهاهُ عَنِ الصَّدَقَةِ والمَعْرُوفِ فَنَزَلَتْ فِيهِما فَبَعْدَ تَحَقُّقِ صِحَّتِهِ لا يَضُرُّنا في إرادَةِ المَوْصُوفَيْنِ مُطْلَقًا بِحَيْثُ يَدْخُلُ فِيهِما مَن ذَكَرَ فَقَدْ صَرَّحُوا بِأنَّ خُصُوصَ السَّبَبِ لا يُنافِي العُمُومَ.

هَذا وقَدِ اقْتَصَرَ شَيْخُ الإسْلامِ عَلى كَوْنِ الغَرَضِ مِنَ التَّمْثِيلَيْنِ نَفْيَ المُساواةِ بَيْنَهُ جَلَّ جَلالُهُ وبَيْنَ ما يُشْرِكُونَ، وهو دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ مُخْتارُهُ ثُمَّ قالَ: اعْلَمْ أنَّ كِلا الفِعْلَيْنِ لَيْسَ المُرادُ بِهِما حِكايَةَ الضَّرْبِ الماضِي بَلِ المُرادُ إنْشاؤُهُ بِما ذَكَرَ عَقِيبَهُ، ولا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى ضَرَبَ مَثَلًا بِخَلْقِ الفَرِيقَيْنِ عَلى ما هُما عَلَيْهِ فَكانَ خَلْقُهُما كَذَلِكَ لِلِاسْتِدْلالِ بِعَدَمِ تَساوِيهِما عَلى امْتِنانِ التَّساوِي بَيْنَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى وبَيْنَ ما يُشْرِكُونَ فَيَكُونُ كُلٌّ مِنَ الفِعْلَيْنِ حِكايَةً لِلضَّرْبِ الماضِي اهـ، ولا يَخْفى أنَّهُ لا كَلامَ في حُسْنِ اخْتِيارِهِ لَكِنْ في النَّفْسِ مِن قَوْلِهِ لا يَبْعُدُ شَيْءٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا أي: وصف الله شبهاً عَبْداً مَمْلُوكاً وهو الكافر لاَّ يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ يقول: لا يقدر على مال ينفقه في طاعة الله وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً أي: مالاً حلالاً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ أي: يتصدق منه سِرًّا وَجَهْراً يقول: يتصدق خفية وعلانية وهو المؤمن هَلْ يَسْتَوُونَ في الطاعة مثلاً الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ضرب المثل.

وروي عن ابن عباس أنه قال: «نزلت هذه الآية في عثمان بن عفان والآخر أبو العيص بن أمية وهو كافر، لا يقدر أن ينفق خيراً لمعاده، وعثمان أنفق لآخرته فهل يستويان» ؟

أي: هل يستوي الكافر والمؤمن؟

ويقال ضرب المثل للآلهة، ومعناه: أن الاثنين المتساويين في الخلق، إذا كان أحدهما قادراً على الإنفاق، والآخر عاجزاً لا يستويان، فكيف يسوون بين الحجارة التي لا تتحرك ولا تعقل، وبين الذي هو على كل شىء قدير؟

فبيّن الله تعالى علامة ضلالتهم، ثم حمد نفسه، ودل خلقه على حمده، فقال: الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ.

ثم ضرب مثلاً آخر فقال: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ أي أخرس وهو الصنم لاَّ يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ من مال ولا منفعة وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ أي: ثقل على وليه وقرابته، يعني: الصنم عيال ووبال على عابده.

أَيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ أي: حيث يبعثه لا يجيء بخير هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ يعني: بالتوحيد وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ يدل الخلق إلى التوحيد.

ويقال: هذا المثل للكافر مع النبيّ  يعني: الكافر الذي لا يتكلم بخير، هَلْ يَسْتَوِى هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ أي: التوحيد ويدعو الناس إليه وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ يدعو الناس إليه وهو على دين الإسلام.

وقال السدي: المثلان ضربهما الله لنفسه وللآلهة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

شُرَكاءَ فِي مَا رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ ...

الآية [الروم: ٢٨] ثم وقفهم سبحانه على جَحْدهم بنعمته في تنبيهه لهم على مِثْلِ هذا مِنْ مواضِع النظرِ المؤدِّية إلى الإِيمان.

وقوله سبحانهُ: وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً هذه أيضاً آيةُ تعديدِ نِعَم، «والأزواجُ» هنا: الزوجاتُ، وقوله: مِنْ أَنْفُسِكُمْ: يحتملُ أن يريد خِلْقَةَ حوَّاء من نَفْس آدم، وهذا قول قتادة «١» والأَظهَرُ عندي أنْ يريد بقوله مِنْ أَنْفُسِكُمْ، أي: مِنْ نوعكم كقوله: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ [التوبة: ١٢٨] ، وال حَفَدَةً: قال ابن عباس:

هم أولاد البنين «٢» وقال الحسن: هم بَنُوكَ وبَنُوَ بَنِيكَ «٣» ، / وقال مجاهد: ال حَفَدَةً الأنصار والأَعْوان «٤» وقيل غير هذا، ولا خلاف أنَّ معنى «الحفْدَ» الخِدْمَةِ والبِرُّ والمشْيُ مسرعاً في الطاعة ومنه في القنوت: «وإِلَيْكَ نَسْعَى ونحْفِدُ» ، والحَفَدَانُ أيضاً: خَبَبٌ فوق المَشْي.

وقوله سبحانه: فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ ...

الآية: أي: لا تمثّلوا للَّه الأمثَال، وهو مأخوذٌ من قولك: هذا ضَرِيبُ هَذَا، أي: مثيله، والضّرب: النّوع.

ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْراً هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٧٥) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ أَيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٦) وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٧٧) وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨)

وقوله تعالى: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْداً مَمْلُوكاً الآية: الذي هو مثالٌ في هذه الآية هو

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا ﴾ أيْ: بَيَّنَ شَبَهًا فِيهِ بَيانُ المَقْصُودِ، وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَثَلٌ لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ.

فالَّذِي " لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ " هو الكافِرُ، لِأنَّهُ لا خَيْرَ عِنْدَهُ، وصاحِبُ الرِّزْقِ هو المُؤْمِنُ، لِما عِنْدَهُ مِنَ الخَيْرِ، هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ.

والثّانِي: أنَّهُ مَثَلَ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِنَفْسِهِ ولِلْأوْثانِ، لِأنَّهُ مالِكُ كُلِّ شَيْءٍ، وهي لا تَمْلِكُ شَيْئًا، هَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، والسُّدِّيُّ.

وذُكِرَ في التَّفْسِيرِ أنَّ هَذا المَثَلَ ضُرِبَ بِقَوْمٍ كانُوا في زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ  ، وفِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ المَمْلُوكَ: أبُو الجِوارِ، وصاحِبَ الرِّزْقِ الحَسَنِ: سَيِّدُهُ هِشامُ بْنُ عَمْرٍو، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وقالَ مُقاتِلٌ: المَمْلُوكُ: أبُو الحَواجِرِ.

والثّانِي: أنَّ المَمْلُوكَ: أبُو جَهْلِ بْنِ هِشامٍ، وصاحِبَ الرِّزْقِ الحَسَنِ: أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿ هَلْ يَسْتَوُونَ ﴾ ولَمْ يَقُلْ: يَسْتَوِيانِ، لِأنَّ المُرادَ: الجِنْسُ.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: لَفْظُ " مَن " لَفْظُ تَوْحِيدٍ، ومَعْناها مَعْنى الجَمْعِ، ولَمْ يَقَعِ المَثَلُ بِعَبْدٍ مُعَيَّنٍ، ومالِكٍ مُعَيَّنٍ، لَكِنْ عُنِيَ بِهِما جَماعَةُ عَبِيدٍ، وقَوْمٌ مالِكُونَ، فَلَمّا فارَقَ مِن تَأْوِيلِ الجَمْعِ، جُمِعَ عائِدُها لِذَلِكَ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ ﴾ أيْ: هو المُسْتَحِقُّ لِلْحَمْدِ، لِأنَّهُ المُنْعِمُ، ولا نِعْمَةَ لِلْأصْنامِ، ﴿ بَلْ أكْثَرُهُمْ ﴾ يَعْنِي المُشْرِكِينَ ﴿ :لا يَعْلَمُونَ ﴾ " أنَّ الحَمْدَ للَّهِ.

قالَ العُلَماءُ: وُصِفَ أكْثَرُهم بِذَلِكَ، والمُراد: جَمِيعُهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا رَجُلَيْنِ أحَدُهُما أبْكَمُ ﴾ قَدْ فَسَّرْنا " البَكَمَ " في (البَقَرَةِ:١٨) .

ومَعْنى ﴿ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ ﴾ أيْ: مِنَ الكَلامِ، لِأنَّهُ لا يَفْهَمُ ولا يُفْهَمُ عَنْهُ.

﴿ وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: ثِقْلٌ عَلى ولِيِّهِ وقَرابَتِهِ.

وفِيمَن أُرِيدَ بِهَذا المَثَلِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ، فالكافِرُ هو الأبْكَمُ، والَّذِي يَأْمُرُ بِالعَدْلِ [هُوَ] المُؤْمِنُ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ، هو الَّذِي يَأْمُرُ بِالعَدْلِ، وفي مَوْلًى لَهُ كانَ يَكْرَهُ الإسْلامَ ويَنْهى عُثْمانَ عَنِ النَّفَقَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ، وهو الأبْكَمُ، رَواهُ إبْراهِيمُ بْنُ يَعْلى بْنِ مُنْيَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِنَفْسِهِ، ولِلْوَثَنِ.

فالوَثَنُ: هو الأبْكَمُ، واللَّهُ تَعالى: هو الآمِرُ بِالعَدْلِ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، وابْنِ السّائِبِ، ومُقاتِلِ.

والرّابِعُ: أنَّ المُرادَ بِالأبْكَمِ: أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، وبِالَّذِي يَأْمُرُ بِالعَدْلِ: حَمْزَةُ، وعُثْمانُ بْنُ عَفّانَ، وعُثْمانُ بْنُ مَظْعُونٍ، قالَهُ عَطاءٌ.

فَيَخْرُجُ عَلى هَذِهِ الأقْوالِ في مَعْنى " مَوْلاهُ " قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَوْلًى حَقِيقَةً، إذا قُلْنا: إنَّهُ رَجُلٌ مِنَ النّاسِ.

والثّانِي: أنَّهُ بِمَعْنى الوَلِيُّ، إذا قُلْنا: إنَّهُ الصَّنَمُ، فالمَعْنى: وهو ثِقْلٌ عَلى وَلِيِّهِ الَّذِي يَخْدِمُهُ ويُزَيِّنُهُ.

وَيَخْرُجُ في مَعْنى ﴿ أيْنَما يُوَجِّهْهُ ﴾ قَوْلانِ: إنْ قُلْنا: إنَّهُ رَجُل، فالمَعْنى: أيْنَما يُرْسِلْهُ، والتَّوْجِيهُ: الإرْسالُ في وجْهٍ مِنَ الطَّرِيقِ.

وإنْ قُلْنا: إنَّهُ الصَّنَمُ، فَفي مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أيْنَما يَدْعُوهُ، لا يُجِيبُهُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: أيْنَما تَوَجَّهَ تَأْمِيلُهُ إيّاهُ ورَجاهُ لَهُ، لا يَأْتِهِ ذَلِكَ بِخَيْرٍ، فَحُذِفَ التَّأْمِيلُ، وخَلَفَهُ الصَّنَمُ، كَقَوْلِهِ: ﴿ ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ  ﴾ أيْ: عَلى ألْسِنَةِ رُسُلِكَ.

وقَرَأ البَزِّيُّ عَنِ ابْنِ مُحَيْصِنٍ " أيْنَما تُوَجِّهْهُ " بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ.

فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ ﴾ فَإنْ قُلْنا: هو رَجُلٌ، فَإنَّما كانَ كَذَلِكَ، لِأنَّهُ لا يَفْهَمُ ما يُقالُ لَهُ، ولا يُفْهَمُ عَنْهُ، إمّا لِكُفْرِهِ وجُحُودِهِ، أوْ لِبُكْمٍ بِهِ.

وإنْ قُلْنا: إنَّهُ الصَّنَمُ، فَلِكَوْنِهِ جَمادًا.

﴿ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ ﴾ أيْ: هَذا الأبْكَمُ ﴿ وَمَن يَأْمُرُ بِالعَدْلِ ﴾ أيْ: ومَن هو قادِرٌ عَلى التَّكَلُّمِ، ناطِقٌ الحَقِّ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَضَرَبَ اللهُ مَثَلا رَجُلَيْنِ أحَدُهُما أبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وهو كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ أيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هو ومَن يَأْمُرُ بِالعَدْلِ وهو عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ ﴿ وَلِلَّهِ غَيْبُ السَماواتِ والأرْضِ وما أمْرُ الساعَةِ إلا كَلَمْحِ البَصَرِ أو هو أقْرَبُ إنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ ﴿ واللهُ أخْرَجَكم مِن بُطُونِ أُمَّهاتِكم لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وجَعَلَ لَكُمُ السَمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ ﴾ ﴿ ألَمْ يَرَوْا إلى الطَيْرِ مُسَخَّراتٍ في جَوِّ السَماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إلا اللهُ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ هَذا مَثَلٌ لِلَّهِ تَعالى والأصْنامِ، فَهي كالأبْكَمِ لا نُطْقَ لَهُ ولا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ، وهو عِيالٌ عَلى مَن والاهُ مِن قَرِيبٍ أو صَدِيقٍ، و"الكُلُّ": الثِقْلُ والمُؤَوِّنَةُ، وكُلٌّ مَحْمُولٌ فَهو كُلُّ وسُمِّي اليَتِيمُ كُلًّا، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: أكُولٌ لِمالِ الكُلِّ قَبْلَ شَبابِهِ ∗∗∗ إذا كانَ عَظْمُ الكُلِّ غَيْرَ شَدِيدِ كَما أنَّ الأصْنامَ تَحْتاجُ إلى أنَّ تُنْقَلُ وتُخْدَمُ ويُتَعَذَّبُ بِها، ثُمَّ لا يَأْتِي مِن جِهَتِها خَيْرٌ البَتَّةَ، هَذا قَوْلُ قَتادَةُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هو مَثَلٌ لِلْكافِرِ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "يُوَجِّهُ"، وقَرَأ عَلْقَمَةُ: "يُوَجَّهُ"، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يُوَجِّهْهُ"، وهي خَطُّ المُصْحَفِ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ: "تَوَجَّهَ"، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ أيْضًا: "تُوَجِّهْهُ" عَلى الخِطابِ، وضَعَّفَ أبُو حاتِمٍ قِراءَةَ عَلْقَمَةَ لِأنَّهُ لازِمٌ، و"الَّذِي يَأْمُرُ بِالعَدْلِ" هو اللهُ تَعالى، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو المُؤْمِنُ، و"الصِراطُ": الطَرِيقُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِلَّهِ غَيْبُ السَماواتِ والأرْضِ ﴾ الآيَةُ، أخْبَرَ تَعالى أنَّ الغَيْبَ لَهُ يَمْلِكُهُ ويَعْلَمُهُ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَما أمْرُ الساعَةِ إلا كَلَمْحِ البَصَرِ ﴾ إخْبارٌ بِالقُدْرَةِ، وحُجَّةٌ عَلى الكُفّارِ، والمَعْنى عَلى ما قالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ: "ما تَكُونُ الساعَةُ وإقامَتُها في قُدْرَةِ اللهِ تَعالى إلّا أنْ يَقُولَ لَها: كُنْ"، فَلَوِ اتَّفَقَ أنْ يَقِفَ عَلى ذَلِكَ مُحَصِّلٌ مِنَ البَشَرِ لَكانَتْ مِنَ السُرْعَةِ بِحَيْثُ يَقُولُ: هَلْ هي كَلَمْحِ البَصَرِ أو هي أقْرَبُ مِن ذَلِكَ؟، فَـ "أو" -عَلى هَذا- عَلى بابِها في الشَكِّ، وقِيلَ: هي لِلتَّخْيِيرِ، و"لَمْحُ البَصَرِ" هو وُقُوعُهُ عَلى المَرْئِيِّ، وقُوى هَذا الإخْبارُ بِقَوْلِهِ: ﴿ إنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ ، يُرِيدُ: عَلى كُلِّ شَيْءٍ مَقْدُورٌ، ومَن قالَ: " ﴿ وَما أمْرُ الساعَةِ ﴾ أيْ: وما إتْيانُها ووُقُوعُها بِكُمْ، عَلى جِهَةِ التَخْوِيفِ مِن حُصُولِها" -فَفِيهِ بُعْدٌ وتَجُوزٌ كَثِيرٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ مِن قَوْلِ النَبِيِّ  : « "بُعِثْتُ أنا والساعَةَ كَهاتَيْنِ"،» ومَن ذِكْرِهِ ما ذَكَرَ مِن أشْراطِ الساعَةِ ومُهْلَتَها، ووَجْهُ التَأْوِيلِ أنَّ القِيامَةَ لَمّا كانَتْ آتِيَةً ولا بُدَّ جُعِلَتْ مِنَ القُرْبِ كَلَمْحِ البَصَرِ، كَما يُقالُ: ما السَنَةُ إلّا لَحْظَةٌ، إلّا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ أو هو أقْرَبُ ﴾ يَرُدُّ أيْضًا هَذِهِ المَقالَةَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللهُ أخْرَجَكم مِن بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ ﴾ الآيَةُ تَعْدِيدُ نِعْمَةٍ بَيِّنَةٍ لا يُنْكِرُها عاقِلٌ، وهي نِعْمَةٌ مَعَها كُفْرُها وتَصْرِيفُها في الإشْراكِ بِالَّذِي وهَبَها، فاللهُ تَعالى أخْبَرَ أنَّهُ أخْرَجَ ابْنَ آدَمَ لا يَعْلَمُ شَيْئًا، ثُمَّ جَعَلَ حَواسَّهُ الَّتِي قَدْ وهَبَها لَهُ في البَطْنِ سُلَّمًا إلى إدْراكِ المَعارِفِ لِيَشْكُرَ عَلى ذَلِكَ ويُؤْمِنَ بِالمُنْعِمِ عَلَيْهِ.

و"أُمَّهاتُ" أصْلُها أُمّاتٌ، وزِيدَتِ الهاءُ مُبالِغَةً وتَأْكِيدًا، كَما زادُوا الهاءَ في "أهْرَقْتَ الماءَ"، قالَهُ أبُو إسْحاقٍ.

وفي هَذا المَثَلِ نَظَرٌ، وقِيلَ غَيْرُ هَذا، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسّائِيُّ: "إمَّهاتِكُمْ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "فِي بُطُونِ مِهاتِكُمْ" بِحَذْفِ الهَمْزَةِ وكَسْرِ المِيمِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي لَيْلى بِحَذْفِ الهَمْزَةِ وفَتْحِ المِيمِ مُشَدَّدَةً، قالَ أبُو حاتِمٍ: "حَذْفُ الهَمْزَةِ رَدِيءٌ، ولَكِنَّ قِراءَةَ ابْنِ أبِي لَيْلى أصْوَبُ"، والتَرَجِّي الَّذِي في "لَعَلَّ" هو بِحَسَبِها، وهَذِهِ الآيَةُ تَعْدِيدُ نِعَمٍ ومَوْضِعِ اعْتِبارٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ يَرَوْا إلى الطَيْرِ ﴾ الآيَةُ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مَصْرِفٍ، والأعْمَشُ، وابْنُ هُرْمُزٍ: "ألَمْ تَرَوْا" بِالتاءِ، وقَرَأ أهْلُ مَكَّةَ والمَدِينَةِ: "ألَمْ يَرَوْا" بِالياءِ عَلى الكِنايَةِ عنهُمْ، واخْتَلَفَ عَنِ الحَسَنِ، وعاصِمٍ، وأبِي عَمْرُو، وعِيسى الثَقَفِيِّ.

و"الجَوُّ": مَسافَةُ ما بَيْنَ السَماءِ والأرْضِ، وقِيلَ: هو ما يَلِي الأرْضَ مِنها، وما فَوْقَ ذَلِكَ هو اللَوْحُ، والآيَةُ عِبْرَةٌ بَيِّنَةٌ المَعْنى، تَفْسِيرُها تَكَلُّفٌ بَحْتٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هذا تمثيل ثاننٍ للحالتين بحالتين باختلاف وجه الشبّه.

فاعتبر هنا المعنى الحاصل من حال الأبكم، وهو العجز عن الإدراك، وعن العمل، وتعذّر الفائدة منه في سائر أحواله؛ والمعنى الحاصل من حال الرجل الكامل العقل والنّطق في إدراكه الخيرَ وهديه إليه وإتقاننِ عمله وعمل من يهديه، ضربه الله مثلاً لكماله وإرشاده الناس إلى الحقّ، ومثلاً للأصنام الجامدة التي لا تنفع ولا تضرّ.

وقد قرن في التمثيل هنا حال الرجلين ابتداء، ثم فصل في آخر الكلام مع ذكر عدم التّسوية بينهما بأسلوب من نظم الكلام بديع الإيجاز، إذ حذف من صدر التمثيل ذكر الرجل الثاني للاقتصار على ذكره في استنتاج عدم التسوية تفنّناً في المخالفة بين أسلوب هذا التمثيل وأسلوب سابقه الذي في قوله تعالى: ﴿ ضرب الله مثلاً عبداً مملوكاً ﴾ [سورة النحل: 75].

ومثْل هذا التفنّن من مقاصد البلغاء كراهية للتكرير لأن تكرير الأسلوب بمنزلة تكرير الألفاظ.

والأبكم: الموصوف بالبَكم بفتح الباء والكاف وهو الخَرَس في أصل الخلقة من وقت الولادة بحيث لا يفهم ولا يُفهم.

وزيد في وصفه أنه زَمِنٌ لا يقدر على شيء.

وتقدّم عند قوله تعالى: ﴿ صم بكم عمي ﴾ في أول سورة البقرة (18).

والكَلّ بفتح الكاف العالَة على الناس.

وفي الحديث مَن تَرَك كَلاّ فعلينا، أي من ترك عِيالاً فنحن نكفلهم.

وأصل الكلّ: الثّقَل.

ونشأت عنه معاننٍ مجازية اشتهرت فساوت الحقيقة.

والمولى: الذي يلي أمر غيره.

والمعنى: هو عالة على كافله لا يدبّر أمر نفسه.

وتقدّم عند قوله تعالى: ﴿ بل الله مولاكم ﴾ في سورة آل عمران (15)، وقوله تعالى: ﴿ وردّوا إلى الله مولاهم الحقّ ﴾ في سورة يونس (30).

ثم زاد وصفه بقلّة الجدوى بقوله تعالى: ﴿ أينما يوجّهه ﴾ ، أي مولاه في عمل ليعمله أو يأتي به لا يأتتِ بخير، أي لا يهتدي إلى ما وجّه إليه، لأن الخير هو ما فيه تحصيل الغرض من الفعل ونفعه.

ودلّت صلة ﴿ يأمر بالعدل ﴾ على أنه حكيم عالم بالحقائق ناصح للناس يأمرهم بالعدل لأنه لا يأمر بذلك إلا وقد علمه وتبصّر فيه.

والعدل: الحقّ والصواب الموافق للواقع.

والصراط المستقيم: المحجّة التي لا التواء فيها.

وأطلق هنا على العمل الصالح، لأن العمل يشبّه بالسيرة والسلوك فإذا كان صالحاً كان كالسلوك في طريق موصلة للمقصود واضحة فهو لا يستوي مع من لا يعرف هدى ولا يستطيع إرشاداً، بل هو محتاج إلى من يكفله.

فالأول مثَل الأصنام الجامدة التي لا تفقه وهي محتاجة إلى من يحرسها وينفض عنها الغبار والوسخ، والثاني مثل لكماله تعالى في ذاته وإفاضته الخير على عباده.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا رَجُلَيْنِ أحَدُهُما أبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وهو كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ أيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هو ومَن يَأْمُرُ بِالعَدْلِ وهو عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في المَثَلِ المَضْرُوبِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِنَفْسِهِ ولِلْوَثَنِ، فالأبْكَمُ الَّذِي لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ هو الوَثَنُ، والَّذِي يَأْمُرُ بِالعَدْلِ هو اللَّهُ تَعالى، وهَذا مَعْنى قَوْلِ قَتادَةَ.

الثّانِي: أنَّهُ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ، فالأبْكَمُ: الكافِرُ، والَّذِي يَأْمُرُ بِالعَدْلِ: المُؤْمِنُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّالِثُ: أنَّ الأبْكَمَ: عَبْدٌ كانَ لِعُثْمانَ بْنِ عَفّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كانَ يَعْرِضُ عَلَيْهِ الإسْلامَ فَيَأْبى.

وَمَن يَأْمُرُ بِالعَدْلِ: عُثْمانُ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقاً من السماوات والأرض ﴾ قال: هذه الأوثان التي تعبد من دون الله، لا تملك لمن يعبدها رزقاً ولا ضراً ولا نفعاً ولا حياة ولا نشوراً ﴿ فلا تضربوا لله الأمثال ﴾ فإنه أحد صمد ﴿ لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد ﴾ [ الإخلاص: 3] .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ فلا تضربوا لله الأمثال ﴾ يعني اتخاذهم الأصنام.

يقول: لا تجعلوا معي إلهاً غيري، فإنه لا إله غيري.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ ضرب الله مثلاً عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء ﴾ يعني الكافر، إنه لا يستطيع أن ينفق نفقة في سبيل الله ﴿ ومن رزقناه منا رزقاً حسناً فهو ينفق منه سراً وجهراً ﴾ يعني المؤمن وهو المثل في النفقة.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ ضرب الله مثلاً عبداً مملوكاً ﴾ قال: هذا مثل ضربه الله للكافر رزقه الله مالاً فلم يقدم فيه خيراً ولم يعمل فيه بطاعة الله.

﴿ ومن رزقناه منا رزقاً حسناً ﴾ قال: هو المؤمن أعطاه الله مالاً رزقاً حلالاً، فعمل فيه بطاعة الله، وأخذه بشكر ومعرفة حق الله، فأثابه الله على ما رزقه الرزق المقيم الدائم لأهله في الجنة.

قال الله: ﴿ هل يستويان مثلاً ﴾ قال: لا والله لا يستويان.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ ضرب الله مثلاً عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء ومن رزقناه منا رزقاً حسناً ﴾ و ﴿ رجلين أحدهما أبكم ﴾ ﴿ ومن يأمر بالعدل ﴾ قال: كل هذا مثل إله الحق، وما يدعون من دونه الباطل.

وأخرج ابن المنذر من طريق ابن جريج، عن ابن عباس في قوله: ﴿ ضرب الله مثلاً عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء ﴾ قال: يعني بذلك الآلهة التي لا تملك ضراً ولا نفعاً، ولا تقدر على شيء.

ينفعها ومن رزقناه منا رزقاً حسناً فهو ينفق منه سراً وجهراً قال علانية المؤمن الذي ينفق سراً وجهراً لله.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن في قوله: ﴿ ضرب الله مثلاً عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء ﴾ قال الصنم.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن الربيع بن أنس قال: إن الله ضرب الأمثال على حسب الأعمال، فليس عمل صالح، إلا له المثل الصالح، وليس عمل سوء، إلا له مثل سوء، وقال: إن مثل العالم المتفهم، كطريق بين شجر وجبل، فهو مستقيم لا يعوّجه شيء، فذلك مثل العبد المؤمن الذي قرأ القرآن وعمل به.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر.

عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية ﴿ ضرب الله مثلاً عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء ﴾ في رجل من قريش وعبده، في هشام بن عمر، وهو الذي ينفق ماله سراً وجهراً، وفي عبده أبي الجوزاء الذي كان ينهاه.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: ليس للعبد طلاق إلا بإذن سيده.

وقرأ ﴿ عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء ﴾ .

وأخرج البيهقي في سننه.

عن ابن عباس أنه سئل عن المملوك يتصدق بشيء؟

قال: ﴿ ضرب الله مثلاً عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء ﴾ لا يتصدق بشيء.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ ضرب الله مثلاً رجلين أحدهما أبكم ﴾ إلى آخر الآية.

يعني بالأبكم الذي ﴿ هو كل على مولاه ﴾ الكافر.

وبقوله: ﴿ ومن يأمر بالعدل ﴾ المؤمن.

وهذا المثل في الأعمال.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر، عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية ﴿ وضرب الله مثلاً رجلين أحدهما أبكم ﴾ في رجلين أحدهما عثمان بن عفان، ومولى له كافر، وهو أسيد بن أبي العيص، كان يكره الإسلام، وكان عثمان ينفق عليه ويكفله ويكفيه المؤنة، وكان الآخر ينهاه عن الصدقة والمعروف، فنزلت فيهما.

وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة والبخاري في تاريخه وابن أبي حاتم وابن مردويه والضياء في المختارة، عن ابن عباس في قوله: ﴿ ومن يأمر بالعدل ﴾ قال: عثمان بن عفان.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي في الآية قال: هذا مثل ضربه الله للآلهة أيضا.

أما الأبكم فالصنم، فإنه أبكم لا ينطق ﴿ وهو كل على مولاه ﴾ ينفقون عليه وعلى من يأتيه، ولا ينفق عليهم ولا يرزقهم ﴿ هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل ﴾ وهو الله.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر، عن قتادة في قوله: ﴿ أحدهما أبكم ﴾ قال: هو الوثن ﴿ هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل ﴾ قال: الله.

وأخرج ابن أبي حاتم وابن المنذر، عن ابن عباس في قوله: ﴿ كل ﴾ قال: الكل العيال.

كانوا إذا ارتحلوا حملوه على بعير ذلول، وجعلوا معه نفراً يمسكونه خشية أن يسقط، فهو عناء وعذاب وعيال عليهم ﴿ هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم ﴾ يعني نفسه.

وأخرج الطبراني عن ابن مسعود أنه قرأ خبر.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ وما أمر الساعة إلا كلمح البصر ﴾ هو أن يقول: كن أو أقرب، فالساعة ﴿ كلمح البصر أو أقرب ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي في قوله: ﴿ كلمح البصر ﴾ يقول: كلمح ببصر العين من السرعة.

أو ﴿ أقرب ﴾ من ذلك إذا أردنا.

وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج في قوله: ﴿ وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب ﴾ قال: هو أقرب، وكل شيء في القرآن أو، فهو هكذا ﴿ مائة ألف أو يزيدون ﴾ والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ وَضَرَبَ الله مَثَلًا رَجُلَيْنِ ﴾ قال أبو زيد: رجل أبْكَم وهو العَيُّ المُفْحَمُ، وقد بَكِمَ بَكَمًا وبَكَامَةً، وقال أيضًا: الأبْكَمُ: الأقْطَعُ اللِّسَانِ؛ وهو العَيُّ بالجوابِ الذي لا يُحْسِنُ وَجْهَ الكَلَامِ (١) وقوله تعالى: ﴿ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ ﴾ ، أي: هذا الأبكم ثِقْلٌ وَوَبَالٌ على صاحبه وقرينه وابن عمه وَوَلِيِّه، والكلّ: الذي هو عِيالٌ وثِقْلٌ على صاحبه (٢) قال أهل المعاني: وأصله من الغِلَظ الذي هو نقيض الحدة، يقال: كَلّ السكينُ كلولاً، إذا غَلُظَ شفرته فلم يقطع، وكَلَّ لسانه إذا لم ينبعث في القول لِغِلَظه وذهاب حَدّه، وكَلّ عن الأمر يَكَلُّ إذا ثقل عليه فلم ينبعث فيه، فهو يَكَلُّ إذا لم ينفذ في الأمر (٣) وقوله تعالى: ﴿ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ ﴾ أي أينما (٤) (٥) وقوله تعالى: ﴿ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ ﴾ لأنه عاجز لا يُحْسِن ولا يَفْهَم ما يُقَال له ولا يُفْهَم عنه، ﴿ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ ﴾ أي هذا الأبكم الذي هو بهذا الوصف، ﴿ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ ﴾ أي ومن هو قادر تام التمييز متكلم ناطق بالحق، آمرٌ بالعدل قادرٌ على الأمور مُصَرِّفٌ لها على أحسن الوجوه، ﴿ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ قال ابن عباس: يريد على دين مستقيم (٦) وللمفسرين في هذه الآية قولان كما ذكرنا في الآية الأولى، فمن قال في المثل الأول أنه مَثَلُ الأوثان والله تعالى، قال في هذه الآية أيضًا: إن هذا مَثَلٌ كالأول، وهو قول مجاهد والسدي وقتادة (٧) (٨) (٩) (١٠) قال مجاهد: كل هذا مَثَلُ إله الحق وما يُدْعَى من دونه من الباطل (١١) وقال السدي: أما الأبكم فمِثْلُ الصنم؛ لأنه أَبْكَمُ لا ينطق، وهو كَلّ على عابديه؛ يُنْفِقون عليه ولا يُنْفِق هو عليهم ولا يَرْزقُهم، ﴿ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ ﴾ : الصنم من شرق أو غرب لا يأت بخير، يقول: لا يرزقهم ولا ينفعهم، ﴿ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ ﴾ ، والذي يأمر بالعدل: الله تبارك وتعالى، ونحو هذا قال قتادة (١٢) وقال الزجاج: هل يستوي القادرُ التامُ التمييزِ والعاجزُ الذي لا يُحْسِن ولا يأتي بخير، فكيف تُسَوُّون بين الله عز وجل وبين الأحجار (١٣) وقال ابن قتيبة: هذا مَثَلُ آلهتهم؛ لأنها بُكْمٌ صُمّ عُمْيٌ، ثِقْلٌ على من عبدَها في خدمتها، وهي لا تأتيه بخير (١٤) ثم قال: ﴿ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ فجعل هذا المَثَلَ لنفسه، وقال في قوله: ﴿ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ ﴾ هذا مثل للصنم الذي عبدوه، ﴿ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ ﴾ ؛ لأنه يحمله إذا ظَعَن، وُيحَوِّلَه من مكان إلى مكان إذا تحرك، فقال الله تعالى: ﴿ هَلْ يَسْتَوِي ﴾ : هذا الصنم الكَلّ، ﴿ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ ﴾ ، وهو استفهام معناه التوبيخ، كأنه قال: لا تُسَوُّوا بين الصنمِ الكَلِّ وبين الخالق عز وجل (١٥) وقال آخرون: هذا مثل للمؤمن والكافر، وهو قول ابن عباس في رواية عطية (١٦) ثم اختلفوا فيمن نزل، فروى يَعْلَى بن مُنْيَةَ (١٧)  - ينفق عليه ويكفيه المؤونة، وكان مولاه يكره الإسلام، وينهاه عن الصدقة ويمنعه من النفقة (١٨) وقال في رواية عطاء، الأبكم: أُبي بن خلف الجمحي، ﴿ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ ﴾ يريد كَلّ على قومه، كان يؤذيهم، ﴿ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ ﴾ ، يريد أبي ابن خلف، ﴿ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ ﴾ ، يريد حمزة وعثمان بن مظعون [[ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 160 ب، بنصه مختصرًا، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 33 - 34، وابن الجوزي 4/ 473، و"القرطبي" 10/ 149، وهذا كالمَثَلِ الأول؛ لا دليل صحيح على تخصيصه بأحد بعينه، وحسبك تضارب الروايات لرده، والصحيح حمل الآية على العموم.

انظر: التعليق على آية [75]، و"تفسير أبي حيان" 5/ 520، و"تفسير الألوسي" 14/ 197.]].

(١) لم أجده في نوادره، وورد في "تهذيب اللغة" (بكم) 1/ 379، بنصه.

(٢) ورد في "تهذيب اللغة" (كل) 4/ 3176، بنصه.

(٣) ورد بنحوه في: "أدب الكاتب" ص 333، و"تفسير الطوسي" 6/ 410، و"الفخر == الرازي" 20/ 86، و"تفسير القرطبي" 10/ 150، والخازن 3/ 127، وانظر: (كل) في "المحيط في اللغة" 6/ 141، و"مجمل اللغة" 2/ 765، و"الصحاح" 5/ 1811.

(٤) في جميع النسخ: (إنما)، والمثبت هو الصحيح.

(٥) انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 86، بنصه تقريبًا.

(٦) انظر: "تقسير الخازن" 3/ 127، وأبي حيان 5/ 519، بلا نسبة فيهما.

(٧) أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" 2/ 359 بمعناه عن قتادة، والطبري 14/ 149 - 150 بنصه عن مجاهد من طريقين، وبنحوه عن قتادة، وورد في "تفسير السمرقندي" 2/ 244، بنحوه عن السدي، والثعلبي 2/ 160 ب بمعناه عن مجاهد، و"تفسير الماوردي" 3/ 204 ب معناه، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 473، عن مجاهد وقتادة، والفخر الرازي 20/ 87، و"تفسير القرطبي" 10/ 149، عن مجاهد، وأبي حيان 5/ 519، عن قتادة، وابن كثير 2/ 637 - 638، عن مجاهد، و"الدر المنثور" 4/ 236، وزاد نسبته إلى ابن المنذر عن قتادة.

(٨) "معاني القرآن" للفراء 2/ 111.

(٩) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 214.

(١٠) "الغريب" لابن قتيبة 1/ 248.

(١١) سبق توثيقه.

(١٢) أخرجه الطبري 14/ 155، بنحوه عن قتادة، و"الدر المنثور" 4/ 235 - 236، وعزاه إلى ابن أبي حاتم، بنحوه عن السدي.

(١٣) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 214، بنصه.

(١٤) "تأويل مشكل القرآن" ص 385، بنحوه تقريبًا.

(١٥) ورد في "تهذيب اللغة" (كل) 4/ 3176، بنصه تقريبًا.

(١٦) أخرجه الطبري 14/ 150، بنحوه ضعيفة، وورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 160 ب، بنصه، و"تفسير الماوردي" 3/ 204، وانظر: "تفسير البغوي" 5 - 23 - 34، وابن الجوزي 4/ 473، وأبي حيان 5/ 519، وابن كثير 2/ 637.

(١٧) يَعْلَى بن أُمَيَّة التميمي -  - ينسب حينًا إلى أبيه وحينًا إلى أمه مُنْيَة، وقيل: هي أم أبيه، جزم بذلك الدارقطني، أبو صفوان، صحابي، أسلم يوم الفتح وشهد حنينًا والطائف وتبوك، شهد صفين مع علي -  -، مات سنة بضع وأربعين.

انظر: "الاستيعاب" 4/ 147، و"أسد الغابة" 5/ 523، و"الإصابة" 3/ 668 (9358)، و"تقريب التهذيب" ص 609 (7839).

(١٨) أخرجه الطبري 14/ 151 بنصه تقريبًا، ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 160 ب، بنصه، و"تفسير الماوردي" 3/ 204، بمعناه، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 473، والفخر الرازي 2/ 870، و"تفسير القرطبي" 10/ 149، وابن كثير 2/ 638، و"الدر المنثور" 4/ 235 - 236، وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَضَرَبَ الله مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَآ أَبْكَمُ ﴾ الآية: مثل لله تعالى وللأصنام كالذي قبله، والمقصود منهما إبطال مذاهب المشركين، وإثبات الوحدانية لله تعالى، وقيل: إن الرجل الأبكم أبو جهل، والذي يأمر بالعدل عمار بن ياسر، والأظهر عدم التعيين ﴿ وَهُوَ كَلٌّ على مولاه ﴾ الكلّ: الثقيل يعني أنه عيال على وليه أو سيده، وهو مثل للأصنام والذي يأمر بالعدل هو الله تعالى.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ تجحدون ﴾ بتاء الخطاب: أبو بكر وحماد.

الآخرون على الغيبة.

﴿ من بطون إمهاتكم ﴾ ونحوها بكسر الهمزة وفتح الميم: عليّ.

﴿ إمهاتكم ﴾ بكسرهما: حمزة.

الباقون بضم الهمزة وفتح الميم.

﴿ ألم تروا ﴾ على الخطاب: ابن عامر وحمزة وخلف وسهل ويعقوب ﴿ ظعنكم ﴾ بسكون العين: عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن عامر الباقون بفتحها.

الوقوف: ﴿ في الرزق ﴾ ج لاختلاف الجملتين مع الفاء ﴿ سواء ﴾ ط ﴿ يجحدون ﴾ ه ﴿ من الطيبات ﴾ ط ﴿ يكفرون ﴾ ه لا للعطف ﴿ ولا يستطيعون ﴾ ه ج لابتداء النهي مع فاء التعقيب ﴿ الأمثال ﴾ ط ﴿ لا تعلمون ﴾ ه ﴿ وجهراً ﴾ ط ﴿ هل يستوون ﴾ ط ﴿ الحمد لله ﴾ ط لأن "بل" للإعراض عن الأول.

﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ مولاه ﴾ لا لأن الجملة بعده صفة أحدهما ﴿ بخير ﴾ ط ثم لا وقف إلى مستقيم لاتحاد الكلام ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ أقرب ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ شيئاً ﴾ لا للعطف ﴿ والأفئدة ﴾ لا لتعلق ﴿ لعلكم تشكرون ﴾ ه ﴿ السماء ﴾ ط للفصل بين الاستخبار والإخبار ﴿ إلا الله ﴾ ط ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ إقامتكم ﴾ لا لوقوع ﴿ جعل ﴾ على ﴿ أثاثاً ﴾ ﴿ إلى حين ﴾ ه ﴿ باسكم ﴾ ط ﴿ تسلمون ﴾ ه ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ الكافرون ﴾ ه.

التفسير: لما بين خلق الإنسان وتقلبه في أطوار مراتب العمر أراد أن يذكره طرفاً من سائر أحواله لعله يتذكر فقال: ﴿ والله فضّل بعضكم على بعض في الرزق ﴾ ولا ريب أن ذلك أمر مقسوم من قبل القسام وإلا لم يكن الغافل رخي البال والعاقل ردي الحال، وليس هذا التفاوت مختصاً بالمال وإنما هو حاصل في الحسن والقبح والصحة والسقم وغير ذلك، فلرب ملك تقاد الجنائب بين يديه ولا يمكنه ركوب واحدة منها، وربما أحضرت الأطعمة الشهية والفواكه العطرة عنده ولا يقدر على تناول شيء منها، وربما نرى إنساناً كامل القوة صحيح المزاج شديد البطش ولا يجد ملء بطنه طعاماً.

وللمفسرين في الآية قولان: أحدهما أن المراد تقرير كون السعادة والنحوسة والغنى والفقر بقسمة الله تعالى، وأنه جعل بعض الناس موالي وبعضهم مماليك وليس المالك رازقاً للعبد وإنما الرازق للعبد والمولى هو الله، فلا تحسبن الموالي المفضلين أنهم يرزقون مماليكهم من عندهم شيئاً من الرزق وإنما ذلك رزقي لهم أجريته لهم على أيديهم.

وثانيهما أن المراد الرد على من أثبت لله شريكاً كالصنم أو كعيسى، فضرب له مثلاً فقال: أنتم لا تسوّون بينكم وبين عبيدكم فيما أنعمت به عليكم ولا تردّون رزقكم عليهم حتى تتساووا في المطعم والملبس.

فالفاء في قوله: ﴿ فهم فيه سواء ﴾ للتعليل.

ولك أن تقول بمعنى "حتى" أي حتى يكون عبيدهم معهم سواء في الرزق، فكيف رضيتم أن تجعلوا عبيدي لي شركاء؟!

"عن أبي ذر  أنه سمع رسول الله  يقول في العبيد: إنما هم إخوانكم فاكسوهم مما تلبسون وأطعموهم مما تطعمون" فما رؤي عبده بعد ذلك إلا ورداؤه رداؤه وإزاره إزاره من غير تفاوت ﴿ أفبنعمة الله ﴾ وهي أنه جعلهم موالي مفضلين لا عبيداً مفضولين ﴿ يجحدون ﴾ أو جعل عدم التسوية بينهم وبين عبيدهم من جملة جحود النعمة، أو جعل اعتقاد أهلية العبادة لغير الله كفراً بنعمة الله والجحود في معنى الكفران فلذلك عداه بالباء.

قال أبو عبيدة وأبو حاتم.

قراءة الغيبة - وهي الكثرى - أولى لقرب المخبر عنه، ولأنه لو كان خطاباً كان ظاهره للمسلمين وإنهم لا يخاطبون بجحد نعمة البتة.

الحالة الأخرى من أحوال الإنسان قوله عم طوله: ﴿ والله جعل لكم من أنفسكم ﴾ أي من جنسكم ﴿ أزواجاً ﴾ ليكون الأنس به أتم.

ولا ريب أن تخليق الذكور والإناث مستند إلى قدرة الله وتكوينه.

والطبيعيون قد يذكرون له وجهاً قالوا: إن المني إذا انصب من الخصية اليمنى إلى الذكر ثم انصب منه إلى الجانب الأيمن من الرحم كان الولد ذكراً تاماً في الذكورة بناء على أن الذكر أسخن مراجاً وكذا الجانب الأيمن، وإن انصب من الخصية اليسرى إلى الجانب الأيسر من الرحم كان الولد تاماً في الأنوثية، وإذا انصب من اليمنى إلى الأيسر كان ذكراً في طبيعة الإناث، وإن كان بالعكس كان بالعكس.

قال الإمام فخر الدين الرازي: هذه العلة ضعيفة فقد رأينا في النساء من كان مزاجه في غاية السخونة وفي الرجال من كان في غاية البرودة.

ولقائل أن يقول: الكلام في المزاج الصنفي لا في المزاج الشخصي، وهذا الإمام لم يفرق بينهما فاعترض بأحدهما على الآخر.

﴿ وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة ﴾ أصل الحفد الإسراع في الخدمة.

والفاعل حافد والجمع حفدة.

فقيل: أراد بها في الآية الأختان على البنات.

وقيل: أولاد الأولاد.

وقيل: أولاد المرأة من الزوج الأوّل وقيل: الخدم والأعوان.

وقيل: البنون أنفسهم الجامعون بين الأمرين البنوّة والخدمة.

وقيل: الأولى دخول الكل فيه.

ثم ذكر إنعامه عليهم بالمطعومات الطيبة لأن لذة المنكوح لا تهنأ إلا بعد الفراغ من لذة المطعوم أو بعد الفراغ من تحصيل أسبابها.

وأورد "من" التبعيضية لأن لذة كل الطيبات لا تكون إلا في الجنة.

ثم ختم الآية بقوله: ﴿ أفبالباطل يؤمنون ﴾ فقيل: الباطل هو ما اعتقدوه من منفعة الأصنام وبركتها وشفاعتها ونعمة الله ما عدده في الآيات السابقة.

وقيل: الباطل ما زين لهم الشيطان من تحريم البحيرة والسائبة وغيرهما، ونعمة الله ما أحل لهم.

وإنما قال ههنا: ﴿ وبنعمة الله هم يكفرون ﴾ وفي آخر "العنكبوت" ﴿ وبنعمة الله يكفرون  ﴾ لأن تلك الآيات استمرت على الغيبة فلم يحتج إلى زيادة ضمير الغائب.

وأما في الآية فقد سبق مخاطبات كثيرة فلم يكن بد من ضمير الغائب المؤكد لئلا يلتبس بالخطاب.

ولما عدّد بعض الآيات الدالة على الإقرار بالتوحيد أنكر صنيع أهل الشرك عليهم قائلاً ﴿ ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقاً ﴾ قال جار الله: إن كان بمعنى المصدر نصبت به شيئاً أي لا يملك أن يرزق شيئاً، وإن أردت المرزوق كان شيئاً بدلاً منه بمعنى قليلاً أو يكون تأكيداً للا يملك أي لا يملك شيئاً من الملك.

و ﴿ من السموات والأرض ﴾ صلة للرزق إن كان مصدراً بمعنى لا يرزق من السموات مطراً ولا من الأرض نباتاً وصفة إن كان اسماً لما يرزق.

أما الضمير في ﴿ ولا يستطيعون ﴾ فعائد إلى ما بعد أن قيل لا يملك على اللفظ المفرد وجمع بالواو والنون بناء على زعمهم أن الأصنام آلهة.

والفائدة في نفي الاستطاعة عنهم أن من لا يملك شيئاً قد يكون موصوفاً باستطاعة أن يتملك بطريق من الطرق، فبيّن  أنها لا تملك ولا تستطيع تحصيل الملك.

وجوّز في الكشاف أن يكون الضمير للكفار أي لا يستطيع هؤلاء مع أنهم أحياء متصرفون فكيف بالجماد الذي لا حس له؟

﴿ فلا تضربوا لله الأمثال ﴾ أي لا تشبهوه بخلقه فإن ضارب المثل مشبه حالاً بحال وقصة بقصة.

وقال الزجاج: لا تجعلوا لله مثلاً لأنه واحد لا مثل له.

وكانوا يقولون إن إله العالم أجل من أن يعبده الواحد منا فكانوا يتوسلون إلى الأصنام والكواكب، كما أن أصاغر الناس يخدمون أكابر حضرة الملك، وأولئك الأكابر يخدمون الملك فنهوا عن غير الحنيفية والإخلاص.

وعلل النهي بقوله: ﴿ إن الله يعلم ﴾ ما عليكم من العقاب ﴿ وأنتم لا تعلمون ﴾ ما في عبادتها من العذاب.

وفيه أن القياس الذي توهموه ليس بصحيح والنص يجب تقديمه على ذلك.

وقيل: إن الله يعلم كيف يضرب الأمثال وأنتم لا تعلمون.

ثم علمهم كيف تضرب فقال: ﴿ ضرب الله مثلاً ﴾ ثم أبدل من المثل قوله: ﴿ عبداً مملوكاً ﴾ لا حراً فإن جميع الناس عبيد لله فلا يلزم من كونه عبداً كونه مملوكاً.

وقوله: ﴿ لا يقدر على شيء ﴾ ليخرج العبد المأذون والمكاتب فإنهما يقدران على التصرف.

احتج الفقهاء بالآية على أن العبد لا يملك شيئاً وإن ملكه السيد لأن قوله: ﴿ لا يقدر ﴾ حكم مذكور عقيب الوصف المناسب، فدل على أن العبدية أينما وجدت فهي علة للذل والمقهورية وعدم القدرة، فثبت العموم وهو أن كل عبد فهو لا يقدر على التصرف.

وأيضاً قوله: ﴿ ومن رزقناه منا رزقاً حسناً ﴾ يقتضي أن لا يحصل للقسم الأوّل هذا الوصف.

فلو ملك العبد شيئاً ما صدق عليه أن الله قد آتاه الرزق الحسن فلم يثبت الامتياز، والأكثرون على أن عدم اقتدار العبد مخصوص بماله تعلق بالمال.

وعن ابن عباس أنه لا يملك الطلاق أيضاً.

قال جار الله: الظاهر أن "من" في قوله: ﴿ ومن رزقناه ﴾ موصوفة كأنه قيل: وحراً رزقناه ليطابق عبداً.

ولا يمتنع أن تكون موصولة.

وجمع قوله: ﴿ هل يستوون ﴾ لأنه أراد الأحرار والعبيد.

وللمفسرين في مضرب المثل أقوال: فالأكثرون على أنه أراد أنا لو فرضنا عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء، وفرضنا حراً كريماً غنياً كثير الإنفاق سراً وجهراً، فصريح العقل يشهد بأنه لا يجوز التسوية بينهما مع استوائهما في الخلقة والصورة، فكيف يجوز للعاقل أن يسوّى بين الله القادر على الرزق والإفضال وبين الأصنام التي لا تملك ولا تقدر ألبتة؟!

وقيل: العبد المملوك هو الكافر المحروم عن طاعة الله وعبوديته، والآخر هو المؤمن المشتغل بالتعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله.

والغرض أنهما لا يستويان في الرتبة والشرف والقرب من رضوان الله.

وقيل: العبد هو الصنم لقوله: ﴿ إن كل من في السموات والأرض إلا آتِى الرحمن عبداً  ﴾ .

والثاني عابد الصنم.

والمراد أنهما لا يستويان في القدرة والتصرف.

لأن الأوّل جماد وهذا إنسان فكيف يجوز الحكم بأن الأول مساوٍ لرب العالمين؟!.

﴿ الحمد لله ﴾ قال ابن عباس: أراد الحمد لله على ما فعل بأوليائه وأنعم عليهم بالتوحيد.

وقيل: معناه كل الحمد لله وليس شيء من الحمد للأصنام لأنه لا نعمة لها على أحد ﴿ بل أكثرهم لايعلمون ﴾ أن كل الحمد لي.

وقيل: أراد قل الحمد لله.

والخطاب إما للرسول  وإما لمن رزقه الله رزقاً حسناً وميزه بالقدرة والاختيار والتصرف من العبد الذليل الضعيف.

وقيل: لما ذكر مثلاً مطابقاً للغرض كاشفاً عن المقصود قال: ﴿ الحمد لله ﴾ أي على قوة هذه الحجة وظهور هذه البينة ﴿ بل أكثرهم لا يعلمون ﴾ قوّتها وظهورها.

ثم ضرب مثلاً ثانياً لنفسه ولما يفيض على عباده من النعم الدينية والدنيوية وللأصنام التي هي أموات لا تضر ولا تنفع بل يصل منها إلى من يعبدها أعظم المضار.

أما تفسير الألفاظ فالأبكم العي المفحم وقد بكم بكماً وبكامة.

وقيل: هو الأقطع اللسان الذي لا يحسن الكلام.

وروى ثعلب عن ابن الأعرابي أنه الذي لا يسمع ولا يبصر.

وقوله: ﴿ وهو كلٌّ على مولاه ﴾ أصله من الغلظ الذي هو نقيض الحدة.

يقال: كَلَّ السكين إذا غلظت شفرته، وكَلَّ اللسان إذا غلظ فلم يقدر على الكلام، وكَلَّ فلان عن الكلام إذا ثقل عليه ولم ينبعث فيه، وفلان كَلٌّ على مولاه أي ثقيل وعيال على من يلي أمره.

وقوله: ﴿ أينما يوجهه ﴾ حيثما يرسله ﴿ لا يأت بخير ﴾ لم ينجح في مطلبه.

والتوجيه أن ترسل صاحبك في وجه معين من الطريق ﴿ هل يستوي هو ﴾ أي الموصوف بهذه الصفات المذكورة.

﴿ ومن يأمر ﴾ الناس ﴿ بالعدل وهو ﴾ في نفسه ﴿ على صراط مستقيم ﴾ على سيرة صالحة ودين قويم غير منحرف إلى طرفي الإفراط والتفريط.

ولا شك أن الآمر بالعدل يجب أن يكون عالماً حتى يمكنه التمييز بين العدل والجور.

قادراً حتى يتأتى منه الإتيان بالخير والأمر به، وكلا الوصفين يناقض كونه أبكم لا يقدر.

قال مجاهد: هذا مثل لإله الخلق وما يدعى من دونه.

أما الأبكم فمثل الصنم لأنه لا ينطق ألبتة ولا يقدر على شيء وهو كَلٌّ على عابديه لأنه لا ينفق عليهم وهم ينفقون عليه وإلى أيّ مهم يوجه الصنم لا يأتي بخير، وأما الذي يأمر بالعدل فهو الله  .

وروى الواحدي بإسناده عن عكرمة عن ابن عباس قال: نزلت الآية المتقدمة في هشام بن عمرو وهو الذي ينفق ماله سراً وجهراً، ومولاه أبو الحوار الذي كان ينهاه عنه.

وهذه الآية نزلت في سعيد بن أبي العيص وفي عثمان بن عفان مولاه.

والأصح أن المقصود من الآية الأولى كل عبد موصوف بالصفات الذميمة وكل حر موصوف بالخصال الحميدة.

ومن الآية الثانية كل رجل جاهل عاجز وكل من هو بضد ذلك من كونه شامل العلم كامل القدرة وليس إلا الله  فلذلك مدح نفسه بقوله: ﴿ ولله غيب السموات والأرض ﴾ أي يختص به علم ما غاب عنه العباد فيهما، أو أراد بغيبهما يوم القيامة لأن علمه غائب عن غير الله ويؤيد هذا التفسير قوله: ﴿ وما أمر الساعة إلا كلمح البصر ﴾ اللمح النظر بسرعة ولا بد فيه من زمان تتقلب فيه الحدقة نحو المرئي وكل زمان قابل للتجزئة فلذلك قال: ﴿ أو هو أقرب ﴾ وليس هذا من قبيل المبالغة وإنما هو كلام في غاية الصدق لأن مدّة ما بين الخطاب وقيام الساعة متناهية، ومنها إلى الأبد غير متناه ولا نسبة للمتناهي إلى غير المتناهي.

وقيل: معنى أمر الساعة أن إماتة الأحياء وإحياء الأموات كلهم يكون في أقرب وقت وأقله.

ثم أكده بقوله: ﴿ إن الله على كل شيء قدير ﴾ .

ثم زاد في التأكيد بذكر حالة أخرى للإنسان دالة على غاية قدرته ونهاية رأفته فقال: ﴿ والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً ﴾ قال جار الله: هو في موضع الحال أي غير عالمين شيئاً من حق المنعم الذي خلقكم في البطون وسوّاكم وصوّركم ثم أخرجكم من الضيق إلى السعة.

وقوله: ﴿ وجعل لكم ﴾ معناه وما ركب فيكم هذه الأشياء إلا آلات لإزالة الجهل الذي ولدتم عليه واجتلاب العلم والعمل به من شكر المنعم وعبادته والقيام بحقوقه والترقي إلى ما يسعدكم.

﴿ والأفئدة ﴾ في فؤاد كالأغربة في غراب، وهو من جموع القلة التي تستعمل في مقام الكثرة أيضاً لعدم ورود غيرها.

واعلم أن جمهور الحكماء زعموا أن الإنسان في مبدأ فطرته خال عن المعارف والعلوم إلا أنه  خلق السمع والبصر والفؤاد وسائر القوى المدركة حتى ارتسم في خياله بسبب كثرة ورود المحسوسات عليه حقائق تلك الماهيات وحضرت صورها في ذهنه، ثم إن مجرد حضور تلك الحقائق إن كان كافياً في جزم الذهب بثبوت بعضها لبعض أو انتفاء بعضها عن بعض فتلك الأحكام علوم بديهية، وإن لم تكن كذلك بل كانت متوقفة على علوم سابقة عليها ولا محالة تنتهي إلى البديهيات قطعاً للدور أو التسلسل فهي علوم كسبية.

وظهر أن السبب الأول لحدوث هذه المعارف في النفوس الإنسانية هو أن الله  أعطى الحواس والقوى الدرّاكة للصور الجزئية.

وعندي أن النفس قبل البدن موجودة عالمة بعلوم جمة وهي التي ينبغي أن تسمى بالبديهيات، وإنما لا يظهر آثارهاعليها عند انفصال الجنين من الأم لضعف البدن واشتغالها بتدبيره، حتى إذا قوي وترقى ظهرت آثارها شيئاً فشيئاً وقد برهنا على هذه المعاني في كتبنا الحكمية.

فالمراد بقوله: ﴿ لا تعلمون شيئاً ﴾ أنه لا يظهر أثر العلم عليكم.

ثم إنه بتوسط الحواس الظاهرة والباطنة يكتسب العلوم المتوقفة على التعلق.

ومعنى ﴿ لعلكم تشكرون ﴾ إرادة أن تصرفوا كل آلة فيما خلقت لأجله.

وليس الواو للترتيب حتى يلزم من عطف ﴿ جعل ﴾ على ﴿ أخرج ﴾ أن يكون جعل السمع والبصر متأخراً عن الإخراج من البطن، وقد مر في أول البقرة في تفسيره قوله: ﴿ ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم  ﴾ أنه لم وحد السمع وجمع غيره؟

ثم ذكر دليلاً آخر على كمال قدرته فقال: ﴿ ألم يروا إلى الطير مسخرات ﴾ مذللات للطيران بما خلق لها من الأجنحة وسائر الأسباب المواتية لذلك كرقة قوام الهواء وإلهامهن بسط الجناح وقبضه فيه عمل السابح في الماء.

وفي ﴿ جوّ السماء ﴾ أي في الهواء المتباعد من الأرض في سمت العلو وهو مضاعف عينه ولامه واو ﴿ ما يمسكهن إلا الله ﴾ بقدرته أو بإعطاء الآلات التي لأجلها يتسهل عليها الطيران.

ومن جملة أحوال الإنسان قوله: ﴿ والله جعل لكم من بيوتكم سكناً ﴾ هو ما يسكن إليه من بيت أو إلف ﴿ جعل لكم من جلود الأنعام بيوتاً ﴾ هي القباب والأبنية من الأدم والأنطاع ﴿ تستخفونها ﴾ أي تعدونها خفيفة المحمل في الضرب والنقض والنقل ﴿ يوم ظعنكم ﴾ أي في وقت ارتحالكم.

والظعن بفتح العين وسكونها سير أهل البادية لنجعة، ثم استعمل في كل شخوص لسفر.

﴿ ويوم إقامتكم ﴾ لا يثقل عليكم حفظها ونقلها من مكان إلى مكان، ويمكن أن يكون اليوم على حقيقته أي يوم ترجعون خف عليكم حملها ونقلها ويوم تنزلون وتقيمون في مكان لم يثقل عليكم ضربها ﴿ ومن أصوافها ﴾ وهي للضأن ﴿ وأوبارها ﴾ وهي للإبل ﴿ وأشعارها ﴾ وهي للمعز ﴿ أثاثاً ﴾ وهو متاع البيت.

قال الفراء لا واحد له.

وقال أبو زيد: الأثاث المال أجمع الإبل والغنم والعبيد والمتاع الواحدة أثاثة.

قال ابن عباس: أراد طنافس وبسطاً وثياباً وكسوة.

وقال الخليل: أصله من أن النبات والشعر يئث إذا كثر.

قيل: إنه  عطف قوله: ﴿ ومتاعاً ﴾ على ﴿ أثاثاً ﴾ فوجب أن يتغايرا فما الفرق؟

وأجيب بأن الأثاث ما يكتسي به المرء ويستعمله من الغطاء والوطاء.

والمتاع ما يفرش في المنازل ويتزين به.

قلت: لا يبعد أن يراد بالأثاث والمتاع ما هو الجامع بين الوصفين كونه أثاثاً وكونه مما يتمتع به ﴿ إلى حين ﴾ أي إلى أن تقضوا أوطاركم منه أو إلى أن تبلى وتفنى أو إلى الموت أو إلى القيامة.

ثم إن المسافر قد لا يكون له خيام وأبنية يستظل بها لفقر أو لعارض آخر فيحتاج إلى أن يستظل بشجر أو جدار أو غمام ونحوها فذلك قال: ﴿ والله جعل لكم مما خلق ظلالاً ﴾ وقد يحتاج المسافر إلى حصن يأوي إليه في نزوله وإلى ما يدفع به عن نفسه آفات الحر والبرد وسائر المكاره وكذا المقيم فلذلك منّ بقوله: ﴿ وجعل لكم من الجبال أكناناً ﴾ هي جمع "كن" وهو ما يستكن به ويتوقى بسببه الأمطار كالبيوت المنحوته في الجبال وكالغيران والكهوف ﴿ وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر ﴾ وهي القمصان والثياب من الصوف والقطن والكتان وغيرها.

وإنما لم يذكر البرد لأن الوقاية من الحر أهم عندهم لغلبة الحرارة في بلادهم على أن ذكر أحد الضدين يغني في الأغلب عن ذكر الآخرة لتلازمهما في الخطور بالبال غالباً بشهادة الوجدان.

قال الزجاج: كل ما لبسته فهو سربال فعلى هذا يشمل الرقيق والكثيف والساذج والمحشوّ من الثياب ﴿ وسرابيل تقيكم بأسكم ﴾ كالدروع والجواشن ﴿ كذلك يتم نعمته ﴾ أي مثل ما خلق هذه الأشياء لكم وأنعم بها عليكم فإنه يتم نعم الدين والدنيا ﴿ لعلكم تسلمون ﴾ قال ابن عباس: لعلكم يا أهل مكة تخلصون لله الربوبية وتعلمون أنه لا يقدر على هذه الإنعامات سواه.

وعنه أنه قرأ بفتح التاء واللام من السلامة أي تسلم قلوبكم من الشرك، أو تشكرون فتسلمون من العذاب.

وقيل: تسلمون من الجرح بلبس الدروع ﴿ فان تولوا ﴾ فقد تمهد عذرك ﴿ فإنما عليك البلاغ المبين ﴾ وليس إليك الهداية.

ثم ذمهم بأنهم ﴿ يعرفون نعمة الله ﴾ التي عددناها حيث يعترفون بها وبأنها من عند الله ﴿ ثم ينكرونها ﴾ بعبادة غير من أنعم بها وبقولهم هي من الله ولكنها بشفاعة آلهتنا.

ومعنى "ثم" تبعيد رتبة الإنكار عن العرفان: وقيل: إنكارها قولهم ورثناها من آبائنا أو وصل إلينا بتربية فلان، أو أنهم لا يستعملونها في طلب رضوان الله.

وقيل: نعمة الله نبوّة محمد  كانوا يعرفونه ثم ينكرون نبوّته عناداً.

وإنما قال: ﴿ وأكثرهم الكافرون ﴾ لأنه استعمل الأكثر مقام الكل أو أراد البالغين العقلاء منهم دون الأطفال والمجانين، أو أراد كفر الجحود ولم يكن كفر كلهم كذلك بل كان فيهم من كفر للجهل بصدق الرسول، أو لأنه لم تقم الحجة عليه بعد هذا ما قاله المفسرون.

قلت: ويحتمل أن يراد بالكافرين المصرين الثابتين على كفرهم وقد علم الله أن في مطلق الكفرة من يؤمن فلهذا استثناهم والله  أعلم.

التأويل: فضل الأرواح على القلوب في رزق المكاشفات والمشاهدات بعد الفناء والرد إلى البقاء، وفضل القلوب على النفوس في رزق الزهد والورع والتقوى والصدق واليقين والإيمان والتوكل والتسليم والرضا، وفضل النفوس على الأبدان في رزق التزكية والتخلية والتحلية، وفضل أبدان المؤمنين على أبدان الكافرين بحمل أعباء الشريعة.

فما الأرواح برادّي رزقهم على القلوب، ولا القلوب على النفوس، ولا النفوس على الأبدان.

أفبنعمة الله التي أنعم بها على أوليائه تجحدون يا منكري هذا الحديث ﴿ والله جعل لكم من أنفسكم أزواجاً ﴾ يعني ازدواج الأرواح والأشباح ﴿ وجعل لكم من أزواجكم بنين ﴾ وهم القلوب ﴿ وحفدة ﴾ وهن النفوس ﴿ أفبالباطل ﴾ وهو الزخارف والوساوس ﴿ يؤمنون وبنعمة الله ﴾ التي أنعم بها على أرباب القلوب ﴿ يكفرون ﴾ ويعبدون من دون الله كالدنيا والهوى ﴿ ما لا يملك لهم زرقاً ﴾ من سموات القلوب وأرض النفوس شيئاً من الكمالات التي أودع الله فيهن، ولا يستخرج منها إلا بعبادة الله ولا يستطعيون استخراجها بعبادة غير الله ﴿ فلا تضربوا لله الأمثال ﴾ بأن تريدوا أن تصلوا إلى المقاصد بغير طريق الله ﴿ ضرب الله مثلاً عبداً ممولكاً ﴾ للهوى وللدنيا ﴿ ومن رزقناه ﴾ ولاية كاملة يتصرف بها في بواطن المستعدين وظواهرهم.

﴿ بل أكثرهم لا يعلمون ﴾ أولياء الله لأنهم تحت قباب الله لا يعرفهم غيره.

﴿ أحدهما أبكم ﴾ هو النفس الحيوانية التي لا تقدر على شيء من العلم والعقل والإيمان وهو ثقل على مولى الروح المسمى بالنفس الناطقة.

﴿ لا يأت بخير ﴾ لأنها أمارة بالسوء ﴿ ولله غيب ﴾ سموات الأرواح النفوس لا يقف على خاصيتهما غيره، ولو وكل كلاً منهما إلى طبعها لم ترجع إلى ربها، ورجوعها يكون بالإماتة والإحياء ويميتها عن أوصافها ويحييها بصفاته وهو المراد بأمر الساعة لأن الإماتة بتجلي صفات الجلال والإحياء بتجلي صفات الجمال، وإذا تجلى الله لعبد لم يبق له زمان ولا مكان فلذلك قال: ﴿ أو هو أقرب ﴾ وحنيئذ يكون فانياً عن وجوده باقياً ببقائه ﴿ والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً ﴾ من أمور الدنيا والآخرة ولا مما كانت أرواحكم تعلم في عالم الأرواح ولا مما كانت تعلم ذراتكم من فهم خطاب ﴿ ألست بربكم  ﴾ وجواب ﴿ بلى  ﴾ وجعل لأجسادكم السمع والأبصار والأفئدة كما للحيوانات ولأرواحكم كما للملائكة.

ولأسراركم سمعاً يسمع به من الله وبصراً يبصر به الله وفؤاداً يعرف به الله.

وبوجه آخر: {والله أخرجكم من العدم وهو الأم الحقيقي، لا تعلمون شيئاً قبل أن يعلمكم الله  أسماء كل شيء، فتجلى لكم بربوبيته فبنور سمعه أعطاكم سمعاً تسمعون به خطاب ألست بربكم، وبنور بصره أعطاكم بصراً تبصرون به جماله، وبنور علمه أعطاكم فؤاداً تعرفون به كماله، وبنور كلامه أعطاكم لساناً.

تجيبونه بقولكم "بلى" ﴿ لعلكم تشكرون ﴾ فلا تسمعون بهذا السمع إلا كلامه، ولا تبصرون بهذا البصر إلا جماله، ولا تحبون بهذا الفؤاد إلا ذاته، ولا تكلمون بهذا الكلام إلى معه ﴿ ألم يروا إلى ﴾ طير الأرواح ﴿ مسخرات في جوّ ﴾ سماء القلوب ﴿ ما يمسكهن ﴾ في سفل الأجساد ﴿ إلا الله ﴾ بحكمته فلذلك قال: ﴿ والله جعل لكم ﴾ أيها الأرواح ﴿ من بيوتكم ﴾ وهي الأجساد ﴿ سكنا وجعل لكم من جلود الأنعام ﴾ التي هي أجساد اشتركت فيها سائر الحيوانات ﴿ بيوتاً ﴾ تستخف أرواحكم إياها وهي النفوس الحيوانية، وقواها وقت السير إلى الله والوقفة للاستراحة والتربية ﴿ ومن أصوافها ﴾ هي الصفات الحيوانية والحواس والقوى ﴿ أثاثاً ﴾ آلات للسير ﴿ ومتعاً ﴾ ينتفع بها ﴿ إلى حين ﴾ الوصول والوصال.

﴿ والله جعل لكم مما خلق ظلالاً ﴾ أي جعل عالم الخلق ظل عالم الأمر تستظل أيها الأرواح به عند طلوع شمس التجلي وإلا لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره.

و ﴿ وجعل لكم من ﴾ جبال القلوب ما يكن به الأرواح، وجعل لأرواحكم سرابيل من الصفات البشرية تقيكم حر نار المحبة، وسرابيل من الصفات الروحانية تقيكم من سهام الوساوس والهواجس كذلك يحفظكم من الآفات من الصفات بالكرامات حتى يتم نعمة الوصول عليكم وتسلموا من قطع الطريق ﴿ يعرفون نعمة الله ﴾ بتعريفك ﴿ وأكثرهم الكافرون ﴾ بك وبنعمة الله إظهاراً للقهر والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِّنَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ شَيْئاً ﴾ فائدة ذكر هذا لنا - والله أعلم - لئلا نتبع بعض المخلوقين بأهوائنا، ولا نكل في أمورنا إلى من نعلم أنه لا يملك ضرّاً ولا نفعاً، ولا يستطيع شيئاً من الرزق، كما تبع أولئك في عبادة من يعلمون أنه لا يملك شيئاً، ولا نفعاً ولا ضرّاً فيعبدونه؛ يذكر سفههم في عبادتهم من يعلمون أنه لا يملك شيئاً من النفع والضر والرزق لئلا نعمل نحن مثل صنيعهم بمن دون الله من المخلوقين.

ثم اختلف في قوله: ﴿ مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِّنَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ شَيْئاً ﴾ قال الحسن: هو على التقديم، أي: يعبدون من دون الله شيئاً لا يملك لهم ما ذكر.

وقال بعضهم: يعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقاً من السماوات والأرض، ولا يستطيعون شيئاً.

وقال بعضهم: يعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقاً من السماوات والأرض ولا [يستطيعون] شيئاً.

وقال بعضهم: يعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا من السماوات والأرض ولا شيئاً ﴿ فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلَّهِ ٱلأَمْثَالَ ﴾ أي: لا تتخذوا لله أمثالا من الخلق وأشباها في ألوهيته وعبادته، أو لا تقولوا لله إن له أشباهاً وأمثالا.

أو يقول: فلا تجعلوا لله أمثالا في العبادة له، وأشباها في تسميتها آلهة، على علم منكم أن ما يكون لكم إنما يكون بالله لا بالأصنام التي تجعلونها أمثالا لله في العبادة والألوهية.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلَّهِ ٱلأَمْثَالَ ﴾ أي: فلا تضربوا لأولياء الله الأمثال، فإنه قد بين محل أوليائه ومكانهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ ﴾ أن لا مثل له من الخلق ولا شبه ﴿ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ ذلك، أو أن الله يعلم بمصالحكم، وأنتم لا تعلمون ما به صلاحكم وهلاككم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً عَبْداً مَّمْلُوكاً لاَّ يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرّاً وَجَهْراً ﴾ ضرب المثل بهذا من وجهين: أحدهما: أن من لا يقدر ولا يملك أن ينفق في الشاهد عندكم ليس كمن يملك ويقدر أن ينفق، فهو كقوله: ﴿ هَلْ يَسْتَوِي ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ  ﴾ .

وقوله: ﴿ مَثَلُ ٱلْفَرِيقَيْنِ كَٱلأَعْمَىٰ وَٱلأَصَمِّ وَٱلْبَصِيرِ وَٱلسَّمِيعِ  ﴾ أي: ليس يستوى البصير والأعمى، ولا الأصم والسميع، فعلى ذلك لا يستوي من يملك الإنفاق والإنعام على الخلق، وهو المعبود الحق، كمن لا يملك ذلك، وهو المعبود الباطل.

والثاني: ضرب مثل المؤمن والكافر، أن الكافر لا ينفق ما أنعم عليه من المال في طاعة الله [وفي خيراته]، والمؤمن ينفق جميع ما أنعم عليه [وأعطى] في طاعة الله وخيراته فليسا بسواء من أنفق في طاعة الله كمن لا ينفق شيئاً أحدهما يكون ضرب مثل الإله الحق والمعبود الحق بالمعبود الباطل، والثاني مثل المؤمن بالكافر ثم في الآية وجوه من الدلائل.

إحداها: أن القدرة لا تفارق الفعل، حيث قال: ﴿ عَبْداً مَّمْلُوكاً لاَّ يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ ﴾ ثم قال: ﴿ وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ ﴾ جعل مقابل الفعل القدرة، فلو كانت تفارق الفعل لكان ذكر مقابل القدرة [قدرة] مثلها، أو مقابل الفعل فعلا مثله، فلما ذكر مقابل القدرة الفعل دل أنها لا تفارق الفعل، وفيه أن العبد لا يملك حقيقة الملك، حيث ذكر عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء، وإن قدر [على] ما يملك إنما يملك بإذن من له الملك، وكذلك الخلائق كلهم لا يملكون حقيقة الإملاك، إنما حقيقة الملك في الأشياء لله وإن قدر[وا على] ما يملكون إنما يملكون بالإذن على قدر ما أذن لهم.

وفيه أن العبد لا يملك الإنفاق والتصدق، حيث قال: ﴿ عَبْداً مَّمْلُوكاً لاَّ يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ ﴾ ثم قال فيمن يملك: ﴿ وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ ﴾ دل أنه لا يملك العبد الإنفاق والهبة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ هَلْ يَسْتَوُونَ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ﴾ قال بعضهم: ذكر الحمد لله على إثر ما ذكر؛ لأنه عرّف رسوله النعم وأنواع المنافع، ثم عرفه على إثر [ذلك] الحمد لله.

وقال بعضهم: الحمد لله ثناء، أخبر أن أكثرهم لا يعلمون حمد الله وثناءه.

وقوله: ﴿ وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقاً ﴾ أي: من أوليائنا، أو من أولياء ديننا، وذلك جائز سائغ في اللغة، ثم قوله: ﴿ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ يحتمل نفي العلم عنهم لما لم ينتفعوا بما علموا، أو على حقيقة النفي لما لم ينظروا في الآيات والحجج، ولم يتأملوا فيها فلم يعلموا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَآ أَبْكَمُ لاَ يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوْلاهُ...

﴾ إلى آخر الآية.

قالوا: هذا المثل كالأوّل، يحتمل الوجهين اللذين ذكرناهما في الأوّل.

أحدهما: المؤمن والكافر، شبه الكافر بالمملوك الأبكم الذي لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه، لا يأتي المولى بخير، ولا ينتفع به، وشبه المؤمن بالذي يأتي المولى بكل خير ونفع، يقول: هل استوى هذا مع هذا عندكم؟

لا يستوي، فعلى ذلك لا يستوي الكافر الذي لا يعمل شيئاً من طاعة الله، ولا يأتي بخير والمؤمن الذي يعمل كل طاعة الله، ويأتي بكل خير، ويأمر بكل عدل.

والثاني: ضرب مثل الإله المعبود الحق بالمعبود الباطل، يقول: هل يستوي من أتاكم بكل نعمة وكل خير، ويأمر بكل عدل، بمن هو أبكم لا يقدر على شيء، ولا يضرّ، ولا ينفع، ولا يجيب، وهو عيال على من يعبده ويخدمه، هل يستوى هذا مع ذلك؟

لا يستويان مثلا ألبتة غير أن المثل هاهنا ضرب بالذي لا ينفق بالحق، ولا يأمر بالعدل، ذكر مقابل الأبكم الذي يأمر بالعدل، وفي الأول ضرب مثل الذي لا يملك الإنفاق بالذي يملك الإنفاق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ أي: هو على الحق المستقيم، وهو المعبود بالحق.

قال أبو عوسجة الكل: العيال، وكذلك قال غيره من أهل الأدب.

وقال بعضهم: الكل الفقير، وهو واحد، والأبكم: الأخرس، وهو الذي لا ينطق ألبتة.

وقال: ﴿ وَمَن يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ ﴾ بالتوحيد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِلَّهِ غَيْبُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ هذا يحتمل وجوهاً: أحدها: ما ذكر أهل التأويل من السؤال عن الساعة وعن وقتها، كقوله: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَٰهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ  ﴾ لخفائها على أهلها؛ لأن كل خفي ثقيل، أخبر أنه لا يجليها إلا لوقتها، فوقت قيامها لا يعلمه غيره.

والثاني: ولله علم ما غيب أهل السماوات وأهل الأرض، أي: ما غيب بعضهم من بعض، فذلك ليس بمغيب عن الله بل ما غاب عن الخلق وما ظهر لهم، فذلك لله كله ظاهر بمحل واحد، وهو كقوله: ﴿ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ  ﴾ .

والثالث: قوله: ﴿ وَلِلَّهِ غَيْبُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ أي: له علم ما في سرية هذه الأشياء الظاهرة ما لا سبيل للخلق إلى علم ذلك، وإن كانوا يعلمون هذه الأجسام والأشياء الظاهرة، وتقع حواسهم عليها لا يعلمون ما في سرّيتها: من نحو الماء الذي به حياة كل شيء، ونحو النطفة التي يخلق منها الإنسان - لا يعلمون المعنى الذي به يصير إنساناً، ومن نحو السمع والبصر والعقل يعلمون ويرون ظواهر [هذه] الحواس، ولكن لا يدركون المعنى الذي به يسمع وبه يبصر وبه يعقل ويفهم.

يقول - والله أعلم -: ولله علم ما غاب عن الخلق ما في هذه الأشياء الظاهرة والأجسام المرئية.

أو يقول: ولله ملك ما غاب عن أهل السماوات والأرض، وملك ما لم يغب عنهم وظهر؛ فيكون كقوله: ﴿ وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ  ﴾ كأنه قال - والله أعلم - ولله العلم الذي غيب عن أهل السماوات وأهل الأرض، وهي الساعة: لم يطلع عليها غيره.

وقوله: ﴿ وَمَآ أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ ﴾ .

قال بعضهم قوله: ﴿ وَمَآ أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ ﴾ أهون على الله وأيسر من لمح البصر؛ [إذ ليس شيء أيسر وأهون على الإنسان من لمح البصر؛ لأنه يلمح البصر] ﴿ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ ﴾ .

[أي:] بل هو أقرب، أي: أيسر من لمح البصر.

وقال الحسن: إعادة الخلق على الله أيسر وأهون من لمح البصر؛ لأنه يلمح بصره فيبصر به - بلحظة - ما بين الأرض إلى السماء، وهو مسيرة خمسمائة عام.

يقول: من قدر أن ينشئ في خلق من خلائقه ما يبصره بلمحة البصر مسيرة خمسمائة عام - لقادر على إعادة الخلق وبعثهم بعد الفناء، بل هو أقرب أي: إعادته إياهم أسرع وأقرب من لمح البصر، إلى هذا يذهب الحسن.

وقال بعضهم: ﴿ وَمَآ أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ ﴾ أي: ما وقت قيام الساعة إلا لمح البصر، أي: ليس بين وقت قيامها وبين كونها إلا لمح البصر، بل هو أقرب من لمح البصر، لكنه مثل لمح البصر لما ليس شيء عند الناس أسرع وأهون من لمح البصر، ولما ذكرنا أنه يلمح [البصر] ولا يشعر به لسرعته ولخفته عليه؛ فذكر هذا على التمثل، ليس على إرادة حقيقة الوقت بقدر لمح البصر، ولكن على المبالغة في السرعة، وذكر أقصى ما يقع في الأوهام ويتصور؛ من نحو ما قال: ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ  وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ  ﴾ ، وما قال: ﴿ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ  ﴾ ، ﴿ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً  ﴾ ، ﴿ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً  ﴾ ، وأمثاله كله يذكر على التمثيل ليس على التحقيق، أي: فمن يعمل من قليل وكثير يره، شرّاً كان أو خيراً، وكذلك ﴿ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً  ﴾ و ﴿ نَقِيراً  ﴾ ، أي: لا يظلمون شيئاً، وكذا ﴿ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ  ﴾ ، أي: لا يملكون شيئاً؛ لأن القطمير لا يملك؛ فإنما يذكر هذا وأمثاله على التمثيل الذي ذكرنا.

أو أن يكون تأويل قوله: ﴿ وَمَآ أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ ﴾ ، أي: ليس ما بين الساعة وبينكم مما مضى من الوقت إلا قدر لمح البصر، أي: لم يبق من وقت قيامها ممّا مضى إلا ما ذكر من لمح البصر أو أقرب مما ذكر على الاستقصار مما بقي.

﴿ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ .

وعلى البعث والإعادة، وعلى كل شيء، لا يعجزه شيء.

وظاهر الآية ينقض على المعتزلة قولهم؛ لإنكارهم خلق أفعال العباد؛ لأنه أخبر أنه على كل شيء قدير، وعلى قولهم: هو غير قادر على العالم بشيء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً ﴾ .

يذكر بهذا قدرته وسلطانه على ما سبق: من ذكر سرعة القيامة، والعلم بها، والحكمة التي جعل في البعث؛ فقال: ﴿ وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً ﴾ : خلق الولد في ظلمات ثلاث، وجعل غذاه بغذاء الأمهات وبقواهن، ثم تقلبه في تلك الظلمات من حال إلى حال: ما لو اجتهد الخلائق أن يعلموا اغتذاءه بغذاء الأمهات، وتقليبه من حال إلى حال، ومن جوهر إلى جوهر - ما قدروا على ذلك؛ فيدل هذا على أن من قدر على هذا، وعلم هذا في تلك الظلمات لقادر على البعث وإعادة الخلق بعد الفناء، وعلْم ما غاب عن الخلق.

ويذكرنا ابتداء أحوالنا أنه أخرجنا من بطون أمهاتنا ونحن لا نعلم شيئاً، ثم صيّرنا بحال صرنا عالمين أشياء، يذكرنا نعمه ومننه علينا في بلوغنا إلى الأحوال التي صرنا إليها بعدما كنا ما ذكر.

والثاني: يذكرنا أنكم كنتم بالحال التي ذكر؛ لنعلم أنه صيرنا في البطون بلا استعانة بأحد منا ولا عون منه إلى أحد، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلْسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ ﴾ .

فمن قدر على جعل السمع حتى يسمع الأصوات ويميز بينها، والبصر ليبصر ويميز بين ألوان الأجسام، والفؤاد ليفهم ويعقل ما له وما عليه، ما لا يدركون ماهية ما به يسمعون ويبصرون ويعقلون، وما به يميزون بين ما ذكرنا فهو قادر على إنشاء الخلق بعد الفناء والإعادة بعد الموت.

ثم ذكر على أثر قوله: ﴿ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً ﴾ : السمع والبصر والأفئدة؛ فذلك يدل على أن هذه الأشياء من أسباب العلم بالأشياء، بها يوصل إلى العلم بالأشياء؛ فمن أعطي أسباب العلم بالشيء فكأنْ قد أعطي له العلم به، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ .

هو حرف شك في الظاهر؛ ذكر - والله أعلم - لأنه لا كل الناس يشكرون نعمه، أو لكي يلزمهم الشكر.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وضرب الله سبحانه مثلًا آخر للرد عليهم هو مثل رجلين: أحدهما أبكم لا يسمع ولا ينطق ولا يفهم؛ لصممه وبكمه، عاجز عن نفع نفسه وعن نفع غيره، وهو حمل ثقيل على من يعوله، ويتولى أمره، أينما يبعثه لجهة لا يأت بخير، ولا يظفر بمطلوب، هل يستوي من هذه حاله مع من هو سليم السمع والنطق، نفعه مُتَعَدٍّ، فهو يأمر الناس بالعدل وهو مستقيم في نفسه، فهو على طريق واضح لا لبس فيه ولا عِوَج؟!

فكيف تُسَوون -أيها المشركون- بين الله المتصف بصفات الجلال والكمال وبين أصنامكم التي لا تسمع ولا تنطق، ولا تجلب نفعًا، ولا تكشف ضرًّا؟!

<div class="verse-tafsir" id="91.DbonA"

مزيد من التفاسير لسورة النحل

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل