الآية ٧٥ من سورة النحل

الإسلام > القرآن > سور > سورة 16 النحل > الآية ٧٥ من سورة النحل

۞ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا عَبْدًۭا مَّمْلُوكًۭا لَّا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَىْءٍۢ وَمَن رَّزَقْنَـٰهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًۭا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّۭا وَجَهْرًا ۖ هَلْ يَسْتَوُۥنَ ۚ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ٧٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 98 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٧٥ من سورة النحل: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٧٥ من سورة النحل عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال العوفي ، عن ابن عباس : هذا مثل ضربه الله للكافر والمؤمن : وكذا قال قتادة ، واختاره ابن جرير .

والعبد المملوك الذي لا يقدر على شيء مثل الكافر ، والمرزوق الرزق الحسن فهو ينفق منه سرا وجهرا هو المؤمن .

وقال ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : هو مثل مضروب للوثن وللحق تعالى ، فهل يستوي هذا وهذا ؟

ولما كان الفرق ما بينهما بينا واضحا ظاهرا لا يجهله إلا كل غبي ، قال [ الله ] تعالى : ( الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون ) [ ثم قال الله تعالى ]

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: وشَبَّه لكم شَبها أيها الناس للكافر من عبيده، والمؤمن به منهم.

فأما مثَل الكافر: فإنه لا يعمل بطاعة الله، ولا يأتي خيرا، ولا ينفق في شيء من سبيل الله ماله لغلبة خذلان الله عليه، كالعبد المملوك ، الذي لا يقدر على شيء فينفقه.

وأما المؤمن بالله فإنه يعمل بطاعة الله ، وينفق في سبيله ماله كالحر الذي آتاه الله مالا فهو ينفق منه سرّا وجهرا، يقول: بعلم من الناس وغير علم ( هَلْ يَسْتَوُونَ ) يقول هل يستوي العبد الذي لا يملك شيئا ولا يقدر عليه، وهذا الحرّ الذي قد رزقه الله رزقًا حسنًا فهو ينفق كما وَصَف ، فكذلك لا يستوي الكافر العامل بمعاصي الله المخالف أمره ، والمؤمن العامل بطاعته.

وبنحو ما قلنا في ذلك كان بعض أهل العلم يقول.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ( ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ ) هذا مثل ضربه الله للكافر، رزقه مالا فلم يقدم فيه خيرا ولم يعمل فيه بطاعة الله، قال الله تعالى ذكره ( وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا ) فهذا المؤمن أعطاه الله مالا فعمل فيه بطاعة الله وأخذ بالشكر ومعرفة حق الله، فأثابه الله على ما رزقه الرزق المقيم الدائم لأهله في الجنة، قال الله تعالى ذكره هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلا والله ما يستويان ( الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ).

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة ( عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ ) قال: هو الكافر لا يعمل بطاعة الله ولا ينفق خيرا( وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا ) قال: المؤمن يطيع الله في نفسه وماله.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ( ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ ) يعني: الكافر أنه لا يستطيع أن ينفق نفقة في سبيل الله ( وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا ) يعني المؤمن، وهذا المثل في النفقة.

وقوله ( الْحَمْدُ لِلَّهِ ) يقول: الحمد الكامل لله خالصًا دون ما تَدْعُون أيها القوم من دونه من الأوثان فإياه فاحمدوا دونها.

وقوله ( بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) يقول: ما الأمر كما تفعلون، ولا القول كما تقولون، ما للأوثان عندهم من يد ولا معروف فتُحْمد عليه، إنما الحمد لله ، ولكن أكثر هؤلاء الكفرة الذين يعبدونها لا يعلمون أن ذلك كذلك، فهم بجهلهم بما يأتون ويَذَرون يجعلونها لله شركاء في العبادة والحمد.

وكان مجاهد يقول: ضرب الله هذا المثل، والمثل الآخر بعده لنفسه، والآلهة التي تعبد من دونه.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا هل يستوون الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمونفيه خمس مسائل :الأولى : قوله تعالى : ضرب الله مثلا نبه - تعالى - على ضلالة المشركين ، وهو منتظم بما قبله من ذكر نعم الله عليهم وعدم مثل ذلك من آلهتهم .

ضرب الله مثلا أي بين شبها ; ثم ذكر ذلك فقال : عبدا مملوكا أي كما لا يستوي عندكم عبد مملوك لا يقدر من [ ص: 133 ] أمره على شيء ورجل حر قد رزق رزقا حسنا فكذلك أنا وهذه الأصنام .

فالذي هو مثال في هذه الآية هو عبد بهذه الصفة مملوك لا يقدر على شيء من المال ولا من أمر نفسه ، وإنما هو مسخر بإرادة سيده .

ولا يلزم من الآية أن العبيد كلهم بهذه الصفة ; فإن النكرة في الإثبات لا تقتضي الشمول عند أهل اللسان كما تقدم ، وإنما تفيد واحدا ، فإذا كانت بعد أمر أو نهي أو مضافة إلى مصدر كانت للعموم الشيوعي ; كقوله : أعتق رجلا ولا تهن رجلا ، والمصدر كإعتاق رقبة ، فأي رجل أعتق فقد خرج عن عهدة الخطاب ، ويصح منه الاستثناء .

وقال قتادة : هذا المثل للمؤمن والكافر ; فذهب قتادة إلى أن العبد المملوك هو الكافر ; لأنه لا ينتفع في الآخرة بشيء من عبادته ، وإلى أن معنى ومن رزقناه منا رزقا حسنا المؤمن .

والأول عليه الجمهور من أهل التأويل .

قال الأصم : المراد بالعبد المملوك الذي ربما يكون أشد من مولاه أسرا وأنضر وجها ، وهو لسيده ذليل لا يقدر إلا على ما أذن له فيه ; فقال الله - تعالى - ضربا للمثال .

أي فإذا كان هذا شأنكم وشأن عبيدكم فكيف جعلتم أحجارا مواتا شركاء لله - تعالى - في خلقه وعبادته ، وهي لا تعقل ولا تسمع .الثانية : فهم المسلمون من هذه الآية ومما قبلها نقصان رتبة العبد عن الحر في الملك ، وأنه لا يملك شيئا وإن ملك .

قال أهل العراق : الرق ينافي الملك ، فلا يملك شيئا ألبتة بحال ، وهو قول الشافعي في الجديد ، وبه قال الحسن وابن سيرين .

ومنهم من قال : يملك إلا أنه ناقص الملك ، لأن لسيده أن ينتزعه منه أي وقت شاء ، وهو قول مالك ومن اتبعه ، وبه قال الشافعي في القديم .

وهو قول أهل الظاهر ; ولهذا قال أصحابنا : لا تجب عليه عبادة الأموال من زكاة وكفارات ، ولا من عبادات الأبدان ما يقطعه عن خدمة سيده كالحج والجهاد وغير ذلك .

وفائدة هذه المسألة أن سيده لو ملكه جارية جاز له أن يطأها بملك اليمين ، ولو ملكه أربعين من الغنم فحال عليها الحول لم تجب على السيد زكاتها لأنها ملك غيره ، ولا على العبد لأن ملكه غير مستقر .

والعراقي يقول : لا يجوز له أن يطأ الجارية ، والزكاة في النصاب واجبة على السيد كما كانت .

ودلائل هذه المسألة للفريقين في كتب الخلاف .

وأدل دليل لنا قوله - تعالى - : الله الذي خلقكم ثم رزقكم فسوى بين العبد والحر في الرزق والخلق .

وقال - عليه السلام - : من أعتق عبدا وله مال .

.

.

فأضاف المال إليه .

وكان ابن عمر يرى عبده يتسرى [ ص: 134 ] في ماله فلا يعيب عليه ذلك .

وروي عن ابن عباس أن عبدا له طلق امرأته طلقتين فأمره أن يرتجعها بملك اليمين ; فهذا دليل على أنه يملك ما بيده ويفعل فيه ما يفعل المالك في ملكه ما لم ينتزعه سيده .

والله أعلم .الثالثة : وقد استدل بعض العلماء بهذه الآية على أن طلاق العبد بيد سيده ، وعلى أن بيع الأمة طلاقها ; معولا على قوله - تعالى - : لا يقدر على شيء .

قال : فظاهره يفيد أنه لا يقدر على شيء أصلا ، لا على الملك ولا على غيره فهو على عمومه ، إلا أن يدل دليل على خلافه .

وفيما ذكرناه عن ابن عمر وابن عباس ما يدل على التخصيص .

والله - تعالى - أعلم .الرابعة : قال أبو منصور في عقيدته : الرزق ما وقع الاغتذاء به .

وهذه الآية ترد هذا التخصيص ; وكذلك قوله - تعالى - : ومما رزقناهم ينفقون .

و أنفقوا مما رزقناكم وغير ذلك من قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : جعل رزقي تحت ظل رمحي وقوله : أرزاق أمتي في سنابك خيلها وأسنة رماحها .

فالغنيمة كلها رزق ، وكل ما صح به الانتفاع فهو رزق ، وهو مراتب : أعلاها ما يغذي .

وقد حصر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجوه الانتفاع في قوله : يقول ابن آدم مالي مالي وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأمضيت .

وفي معنى اللباس يدخل الركوب وغير ذلك .

وفي ألسنة المحدثين : السماع رزق ، يعنون سماع الحديث ، وهو صحيح .الخامسة : قوله تعالى : ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا هو المؤمن ، يطيع الله في نفسه وماله .

والكافر ما لم ينفق في الطاعة صار كالعبد الذي لا يملك شيئا .هل يستوون أي لا يستوون ، ولم يقل يستويان لمكان من لأنه اسم مبهم يصلح للواحد والاثنين والجمع [ ص: 135 ] والمذكر والمؤنث .

وقيل : إن عبدا مملوكا ، ومن رزقناه أريد بهما الشيوع في الجنس .الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون أي هو مستحق للحمد دون ما يعبدون من دونه ; إذ لا نعمة للأصنام عليهم من يد ولا معروف فتحمد عليه ، إنما الحمد الكامل لله ; لأنه المنعم الخالق .بل أكثرهم أي أكثر المشركين .لا يعلمون أن الحمد لي ، وجميع النعمة مني .

وذكر الأكثر وهو يريد الجميع ، فهو خاص أريد به التعميم .

وقيل : أي بل أكثر الخلق لا يعلمون ، وذلك أن أكثرهم المشركون .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

فلهذا ضرب تعالى مثلين له ولمن يعبد من دونه، أحدهما عبد مملوك أي: رقيق لا يملك نفسه ولا يملك من المال والدنيا شيئا، والثاني حرٌّ غنيٌّ قد رزقه الله منه رزقا حسنا من جميع أصناف المال وهو كريم محب للإحسان، فهو ينفق منه سرا وجهرا، هل يستوي هذا وذاك؟!

لا يستويان مع أنهما مخلوقان، غير محال استواؤهما.

فإذا كانا لا يستويان، فكيف يستوي المخلوق العبد الذي ليس له ملك ولا قدرة ولا استطاعة، بل هو فقير من جميع الوجوه بالرب الخالق المالك لجميع الممالك القادر على كل شيء؟" ولهذا حمد نفسه واختص بالحمد بأنواعه فقال: { الْحَمْدُ لِلَّهِ } فكأنه قيل: إذا كان الأمر كذلك فلم سوَّى المشركون آلهتهم بالله؟

قال: { بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ } فلو علموا حقيقة العلم لم يتجرؤوا على الشرك العظيم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

ثم ضرب مثلا [ للكافرين والمؤمنين ] فقال جل ذكره : ( ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ) هذا مثل الكافر ، رزقه الله مالا فلم يقدم فيه خيرا ، ( ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا ) هذا مثل المؤمن ، أعطاه الله مالا فعمل فيه بطاعة الله ، وأنفقه في رضاء الله ، سرا وجهرا ، فأثابه الله عليه الجنة .

( هل يستوون ) ولم يقل يستويان لمكان " من " وهو اسم يصلح للواحد والاثنين والجمع ، وكذلك قوله " لا يستطيعون " بالجمع لأجل ما .

معناه : هل يستوي هذا الفقير البخيل والغني السخي؟

كذلك لا يستوي الكافر العاصي والمؤمن المطيع .

وروى ابن جريج عن عطاء في قوله تعالى : ( عبدا مملوكا ) أي : أبو جهل بن هشام ( ومن رزقناه منا رزقا حسنا ) أبو بكر الصديق رضي الله عنه .

ثم قال : ( الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون ) يقول ليس الأمر كما تقولون ، ما للأوثان عندهم من يد ولا معروف فتحمد عليه ، إنما الحمد الكامل لله عز وجل ، لأنه المنعم والخالق والرازق ، ولكن أكثر الكفار لا يعلمون .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ضرب الله مثلاً» ويبدل منه «عبدا مملوكا» صفة تميزه من الحر فإنه عبد الله «لا يقدر على شيء» لعدم ملكه «ومن» نكرة موصوفة أي حرا «رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا» أي يتصرف فيه كيف يشاء والأول مثل الأصنام والثاني مثله تعالى «هل يستوون» أي العبيد العجزة والحر المتصرف؟

لا «الحمد لله» وحده «بل أكثرهم» أي أهل مكة «لا يعلمون» ما يصيرون إليه من العذاب فيشركون.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ضرب الله مثلا بيَّن فيه فساد عقيدة أهل الشرك: رجلا مملوكًا عاجزًا عن التصرف لا يملك شيئًا، ورجلا آخر حرًا، له مال حلال رزَقَه الله به، يملك التصرف فيه، ويعطي منه في الخفاء والعلن، فهل يقول عاقل بالتساوي بين الرجلين؟

فكذلك الله الخالق المالك المتصرف لا يستوي مع خلقه وعبيده، فكيف تُسَوُّون بينهما؟

الحمد لله وحده، فهو المستحق للحمد والثناء، بل أكثر المشركين لا يعلمون أن الحمد والنعمة لله، وأنه وحده المستحق للعبادة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم وضح لهم - سبحانه - كيف تضرب الأمثال ، فساق مثلين حكيمين يدلان على وحدانية الله - تعالى - وقدرته .

.أما المثل الأول فيتجلى فى قوله - عز وجل - : ( ضَرَبَ الله مَثَلاً عَبْداً مَّمْلُوكاً لاَّ يَقْدِرُ على شَيْءٍ .

.

) .

أى : ذكر الله - تعالى - وبين ووضح لكم مثلا تستدلون به على وحدانيته - سبحانه - وهو أن هناك عبدا رقيقا مملوكا لغيره ، وهذا العبد لا يقدر على شئ من التصرفات حتى ولو كانت قليلة .وقوله - سبحانه - : ( عبدا ) بدل من ( مثلا ) و ( مملوكا ) صفة للعبد .

ووصف - سبحانه - العبد بأنه مملوك ، ليحصل الامتياز بينه وبين الحر ، لأن كليهما يشترك فى كونه عبدا لله - تعالى - .ووصفه أيضا - بأنه لا يقدر على شئ للتمييز بينه وبين المكاتب والعبد المأذون له فى التصرف ، لأنهما يقدران على بعض التصرفات .هذا هو الجانب الأول من المثل ، أما الجانب الثانى فيتجلى فى قوله - تعالى - : ( وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرّاً وَجَهْراً .

.

.

) .قال الآلوسى : " و " من " فى قوله ( ومن رزقناه ) نكرة موصوفة ، ليطابق عبدا فإنه نكرة موصوفة - أيضا - ، وقيل : إنها موصولة ، والأول اختيار الأكثرين أى : حرا رزقناه بطريق الملك ، والالتفات إلى التكلم - فى ( رزقناه ) للإِشعار باختلاف حال ضرب المثل والرزق .

.

.

" .أى : ذكر الله - تعالى - لكم لتتعظوا وتتفكروا ، حال رجلين : أحدهما عبد مملوك لا يقدر على شئ .

والثانى حر مالك رزقه الله - تعالى - رزقا واسعا حلالا حسنا ، ( فهو ) أى هذا الحر ينفق على غيره من هذا الرزق الحسن ( سرا وجهرا ) واختار - سبحانه - ضمير العظمة فى قوله ( رزقناه ) للإِشعار بكثره هذا الرزق وعظمته ، ويزيده كثرة وعظمة قوله - تعالى - بعد ذلك ( مِنَّا ) أى؛ من عندنا وحدنا وليس من عند غيرنا .ووصف - سبحانه - الرزق بالحسن ، للإشارة إلى أنه مع كثرته فهو حلال طيب مستحسن فى الشرع وفى نظر الناس .وقال - سبحانه - ( فهو ينفق ) بصيغة الجملة الاسمية ، للدلالة على ثبوت هذا الإنفاق ودوامه .وقوله ( سرا وجهرا ) منصوبان على المصدر ، أى إنفاق سر وجهر ، أو على الحالية ، أى فهو ينفق منه فى حالتى السر والجهر .والمراد أنه إنسان كريم ، لا يبخل بشئ مما رزقه الله ، بل ينفق منه فى عموم الأحوال ، وعلى من تحسن معه النفقة سرا ، وعلى من تحسن معه النفقة جهرا .هذان هما الجانبان المتقابلان فى هذا المثل ، والفرق بينهما واضح وعظيم عند كل ذى قلب سليم ، ولذا جاء بعدهما بالاستفهام الإِنكارى التوبيخى فقال :( هل يستوون ) ؟

أى : هل يستوى فى عرفكم أو فى عرف أى عاقل ، هذا العبد المملوك العاجز الذى لا يقدر على شئ .

.

مع هذا الإنسان الحر .

المالك الذى رزقه الله - سبحانه - رزقا واسعا حلالا ، فشكر الله عليه ، واستعمله فى وجوه الخير .إن مما لا شك فيه أنهما لا يستويان حتى فى نظر من عنده أدنى شئ من عقل .ومادام الأمر كذلك ، فكيف سويتم - أيها المشركون الجهلاء - فى العبادة ، بين الخالق الرازق الذى يملك كل شئ ، وبين غيره من المعبودات الباطلة التى لا تسمع ولا تبصر ، ولا تعقل ، ولا تملك شيئا .وقال - سبحانه - ( هل يستوون ) مع أن المتقدم اثنان ، لأن المراد جنس العبيد والأحرار ، المدلول عليهما بقوله ( عبدا ) وبقوله ( ومن رزقناه ) .فالمقصود بالمثل كل من اتصف بهذه الأوصاف المذكورة من الجنسين المذكورين لافردان معينان .وقوله : ( الحمد لله ) ثناء منه - سبحانه - على ذاته ، حيث ساق - سبحانه - هذه الأمثال الواضحة للتمييز بين الحق والباطل .أى : قل - أيها الانسان المؤمن العاقل - ( الحمد ) كله ( لله ) - تعالى - على إرشاده لعباده المؤمنين ، وتعليمهم كيف يقذفون بحقهم على باطل أعدائهم فإذا هو زاهق .ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله ( بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ) أى : بل أكثر هؤلاء الكافرين الضالين ، لا يعلمون كيف يميزون بين الحق والباطل لانطماس بصائرهم ، واستيلاء الجحود والحسد والعناد على قلوبهم .وقال - سبحانه - ( بل أكثرهم .

.

) للإِشعار بأن من هؤلاء الكافرين من يعلم الحق ويعرفه كما يعرف أبناءه ، ولكن الهوى والغرور والتقليد الباطل .

.

حال بينه وبين اتباع الحق .هذا هو المثال الأول الذى ذكره الله - تعالى - للاستدلال على بطلان التسوية بين عبادة الله - تعالى - الخالق لكل شئ والمالك لكل شئ .

.

وبين عبادة غيره من الأصنام والجمادات التى لا تخلق شيئا ، ولا تملك شيئا ، ولا تضر ولا تنفع .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى أكد إبطال مذهب عبدة الأصنام بهذا المثال وفيه مسائل: المسألة الأولى: في تفسير هذ المثل قولان: القول الأول: أن المراد أنا لو فرضنا عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء، وفرضنا حراً كريماً غنياً كثير الإنفاق سراً وجهراً، فصريح العقل يشهد بأنه لا تجوز التسوية بينهما في التعظيم والإجلال فلما لم تجز التسوية بينهما مع استوائهما في الخلقة والصورة والبشرية، فكيف يجوز للعاقل أن يسوي بين الله القادر على الرزق والإفضال، وبين الأصنام التي لا تملك ولا تقدر ألبتة.

والقول الثاني: أن المراد بالعبد المملوك الذي لا يقدر على شيء هو الكافر، فإنه من حيث إنه بقي محروماً عن عبودية الله تعالى وعن طاعته صار كالعبد الذليل الفقير العاجز، والمراد بقوله: ﴿ وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا ﴾ هو المؤمن فإنه مشتغل بالتعظيم لأمر الله تعالى، والشفقة على خلق الله فبين تعالى أنهما لا يستويان في المرتبة والشرف والقرب من رضوان الله تعالى.

واعلم أن القول الأول أقرب، لأن ما قبل هذه الآية وما بعدها إنما ورد في إثبات التوحيد، وفي الرد على القائلين بالشرك فحمل هذه الآية على هذا المعنى أولى.

المسألة الثانية: اختلفوا في المراد بقوله: ﴿ عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء ﴾ فقيل: المراد به الصنم لأنه عبد بدليل قوله: ﴿ إن كل من في السموات والأرض إلا آت الرحمن عبداً  ﴾ وأما أنه مملوك ولا يقدر على شيء فظاهر، والمراد بقوله: ﴿ ومن رزقناه منا رزقاً حسناً فهو ينفق منه سراً وجهراً ﴾ عابد الصنم لأن الله تعالى رزقه المال وهو ينفق من ذلك المال على نفسه وعلى أتباعه سراً وجهراً.

إذا ثبت هذا فنقول: هما لا يستويان في بديهة العقل، بل صريح العقل يشهد بأن ذلك القادر أكمل حالاً وأفضل مرتبة من ذلك العاجز، فهنا صريح العقل يشهد بأن عابد الصنم أفضل من ذلك الصنم فكيف يجوز الحكم بكونه مساوياً لرب العالمين في العبودية.

والقول الثاني: أن المراد بقوله: ﴿ عبداً مملوكاً ﴾ عبد معين، وقيل: هو عبد لعثمان بن عفان، وحملوا قوله: ﴿ ومن رزقناه منا رزقاً حسناً ﴾ على عثمان خاصة.

والقول الثالث: أنه عام في كل عبد بهذه الصفة وفي كل حر بهذه الصفة، وهذا القول هو الأظهر، لأنه هو الموافق لما أراده الله تعالى في هذه الآية، والله أعلم.

المسألة الثالثة: احتج الفقهاء بهذه الآية على أن العبد لا يملك شيئاً.

فإن قالوا: ظاهر الآية يدل على أن عبداً من العبيد لا يقدر على شيء، فلم قلتم: إن كل عبد كذلك؟

فنقول: الذي يدل عليه وجهان: الأول: أنه ثبت في أصول الفقه أن الحكم المذكور عقيب الوصف المناسب يدل على كون ذلك الوصف علة لذلك الحكم، وكونه عبداً وصف مشعر بالذل والمقهورية.

وقوله: ﴿ لا يقدر على شيء ﴾ حكم مذكور عقيبه فهذا يقتضي أن العلة لعدم القدرة على شيء هو كونه عبداً، وبهذا الطريق يثبت العموم.

الثاني: أنه تعالى قال بعده: ﴿ ومن رزقناه منا رزقاً حسناً ﴾ فميز هذا القسم الثاني عن القسم الأول وهو العبد بهذه الصفة وهو أنه يرزقه رزقاً، فوجب أن لا يحصل هذا الوصف للعبد حتى يحصل الامتياز بين القسم الثاني وبين القسم الأول، ولو ملك العبد لكان الله قد آتاه رزقاً حسناً، لأن الملك الحلال رزق حسن سواء كان قليلاً أو كثيراً.

فثبت بهذين الوجهين أن ظاهر الآية يقتضي أن العبد لا يقدر على شيء ولا يملك شيئاً.

ثم اختلفوا فروي عن ابن عباس وغيره التشدد في ذلك حتى قال: لا يملك الطلاق أيضاً.

وأكثر الفقهاء قالوا يملك الطلاق إنما لا يملك المال ولا ما له تعلق بالمال.

واختلفوا في أن المالك إذا ملكه شيئاً فهل يملكه أم لا؟

وظاهر الآية ينفيه، بقي في الآية سؤالات: السؤال الأول: لم قال: ﴿ مملوكاً لا يقدر على شيء ﴾ وكل عبد فهو مملوك وغير قادر على التصرف؟

قلنا: أما ذكر المملوك فليحصل الامتياز بينه وبين الحر لأن الحر قد يقال: إنه عبد الله، وأما قوله: ﴿ لا يقدر على شيء ﴾ قد يحصل الامتياز بينه وبين المكاتب وبين العبد المأذون، لأنهما لا يقدران على التصرف.

السؤال الثاني: ﴿ من ﴾ في قوله: ﴿ ومن رزقناه ﴾ ما هي؟

قلنا: الظاهر إنها موصوفة كأنه قيل: وحراً ورزقناه ليطابق عبداً، ولا يمتنع أن تكون موصولة.

السؤال الثالث: لم قال: ﴿ يستوون ﴾ على الجمع؟

قلنا: معناه هل يستوي الأحرار والعبيد.

ثم قال: ﴿ الحمد لله ﴾ وفيه وجوه: الأول: قال ابن عباس: الحمد لله على ما فعل بأوليائه وأنعم عليهم بالتوحيد.

والثاني: المعنى أن كل الحمد لله، وليس شيء من الحمد للأصنام، لأنها لا نعمة لها على أحد.

وقوله: ﴿ بل أكثرهم لا يعلمون ﴾ يعني أنهم لا يعلمون أن كل الحمد لله وليس شيء منه للأصنام.

الثالث: قال القاضي في التفسير: قال الرسول عليه الصلاة والسلام: ﴿ قل الحمد لله ﴾ ويحتمل أن يكون خطاباً لمن رزقه الله رزقاً حسناً أن يقول: الحمد لله على أن ميزه في هذه القدرة عن ذلك العبد الضعيف.

الرابع: يحتمل أن يكون المراد أنه تعالى لما ذكر هذا المثل، وكان هذا مثلاً مطابقاً للغرض كاشفاً عن المقصود قال بعده: ﴿ الحمد لله ﴾ يعني الحمد لله على قوة هذه الحجة وظهور هذه البينة.

ثم قال: ﴿ بل أكثرهم لا يعلمون ﴾ يعني أنها مع غاية ظهورها ونهاية وضوحها لا يعلمها ولا يفهمها هؤلاء الضلال.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

ثم علمهم كيف تضرب فقال: مثلكم في إشراككم بالله الأوثان: مثل من سوّى بين عبد مملوك عاجز عن التصرف، وبين حرّ مالك قد رزقه الله مالاً فهو يتصرف فيه وينفق منه كيف شاء.

فإن قلت: لم قال ﴿ مَّمْلُوكًا لاَّ يَقْدِرُ على شَيْء ﴾ وكل عبد مملوك، وغير قادر على التصرف؟

قلت: أما ذكر المملوك فليميز من الحرّ؛ لأن اسم العبد يقع عليهما جميعاً، لأنهما من عباد الله.

وأما ﴿ لاَّ يَقْدِرُ على شَيْء ﴾ فليجعل غير مكاتب ولا مأذون له؛ لأنهما يقدران على التصرف.

واختلفوا في العبد هل يصح له ملك؟

والمذهب الظاهر أنه لا يصحّ له.

فإن قلت: ﴿ من ﴾ في قوله ﴿ وَمَن رزقناه ﴾ ما هي؟

قلت: الظاهر أنها موصوفة، كأنه قيل: وحراً رزقناه؛ ليطابق عبداً.

ولا يمتنع أن تكون موصولة.

فإن قلت: لم قيل ﴿ يَسْتَوُونَ ﴾ على الجمع؟

قلت: معناه: هل يستوي الأحرار والعبيد؟

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثالَ ﴾ فَلا تَجْعَلُوا لَهُ مَثَلًا تُشْرِكُونَهُ بِهِ، أوْ تَقِيسُونَهُ عَلَيْهِ فَإنَّ ضَرْبَ المَثَلِ تَشْبِيهُ حالٍ بِحالٍ.

﴿ إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ﴾ فَسادَ ما تُعَوِّلُونَ عَلَيْهِ مِنَ القِياسِ عَلى أنَّ عِبادَةَ عَبِيدِ المَلِكِ أُدْخِلَ في التَّعْظِيمِ مِن عِبادَتِهِ وعَظُمَ جُرْمُكم فِيما تَفْعَلُونَ.

﴿ وَأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ﴾ ذَلِكَ ولَوْ عَلِمْتُمُوهُ لَما جَرَأْتُمْ عَلَيْهِ فَهو تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ، أوْ أنَّهُ يَعْلَمُ كُنْهَ الأشْياءِ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَهُ فَدَعُوا رَأْيَكم دُونَ نَصِّهِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثالَ فَإنَّهُ يَعْلَمُ كَيْفَ تُضْرَبُ الأمْثالُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ.

ثُمَّ عَلَّمَهم كَيْفَ يُضْرَبُ فَضَرَبَ مَثَلًا لِنَفْسِهِ ولِمَن عُبِدَ دُونَهُ فَقالَ: ﴿ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ ومَن رَزَقْناهُ مِنّا رِزْقًا حَسَنًا فَهو يُنْفِقُ مِنهُ سِرًّا وجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ ﴾ مَثَّلَ ما يُشْرَكُ بِهِ بِالمَمْلُوكِ العاجِزِ عَنِ التَّصَرُّفِ رَأْسًا ومَثَّلَ نَفْسَهُ بِالحُرِّ المالِكِ الَّذِي رَزَقَهُ اللَّهُ مالًا كَثِيرًا فَهو يَتَصَرَّفُ فِيهِ ويُنْفِقُ مِنهُ كَيْفَ يَشاءُ، واحْتَجَّ بِامْتِناعِ الِاشْتِراكِ والتَّسْوِيَةِ بَيْنَهُما مَعَ تَشارُكِهِما في الجِنْسِيَّةِ والمَخْلُوقِيَّةِ عَلى امْتِناعِ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الأصْنامِ الَّتِي هي أعْجَزُ المَخْلُوقاتِ وبَيْنَ اللَّهِ الغَنِيِّ القادِرِ عَلى الإطْلاقِ.

وَقِيلَ هو تَمْثِيلٌ لِلْكافِرِ المَخْذُولِ والمُؤْمِنِ المُوَفَّقِ، وتَقْيِيدُ العَبْدِ بِالمَمْلُوكِيَّةِ لِلتَّمْيِيزِ عَنِ الحَرِّ فَإنَّهُ أيْضًا عَبْدُ اللَّهِ وبِسَلْبِ القُدْرَةِ لِلتَّمْيِيزِ عَنِ المَكاتَبِ والمَأْذُونِ وجَعْلُهُ قَسِيمًا لِلْمالِكِ المُتَصَرِّفِ يَدُلُّ عَلى أنَّ المَمْلُوكَ لا يَمْلِكُ، والأظْهَرُ أنَّ (مَن) نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ لِيُطابِقَ عَبْدًا، وجَمْعُ الضَّمِيرِ في ﴿ يَسْتَوُونَ ﴾ لِأنَّهُ لِلْجِنْسَيْنِ فَإنَّ المَعْنى هَلْ يَسْتَوِي الأحْرارُ والعَبِيدُ ؟

﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ ﴾ كُلُّ الحَمْدِ لَهُ، لا يَسْتَحِقُّهُ غَيْرُهُ فَضْلًا عَنِ العِبادَةِ لِأنَّهُ مَوْلى النِّعَمِ كُلِّها.

﴿ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ ﴾ فَيُضِيفُونَ نِعْمَةً إلى غَيْرِهِ ويَعْبُدُونَهُ لِأجْلِها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٧٥)

ثم ضرب المثل فقال {ضَرَبَ الله مَثَلاً عَبْدًا} هو بدل من مثلاً {مَّمْلُوكًا لاَّ يَقْدِرُ على شَىْءٍ وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرَّا وَجَهْرًا} مصدران في موضع الحال أي مثلكم في إشراككم بالله الأوثان مثل من سوى بين عبد مملوك عاجز عن التصرف وبين حر مالك قد رزقه الله ما لا فهو يتصرف فيه وينفق منه

ما شاء وقيد بالمملوك ليميزه من الحر لأن اسم العبد يقع عليهما جمعيا إذ هما من عباد الله وبلا يقدر على شيء ليمتاز من المكاتب والمأذون فهما يقدران على التصرف ومن موصوفة أي وحراً رزقناه ليطابق عبداً أو موصولة {هَلْ يَسْتَوُونَ} جمع الضمير لإرادة الجمع أي لا يستوي القبيلان {الحمد لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} بأن الحمد والعبادة لله

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

ووَجْهُ رَبْطِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا ﴾ إلَخْ عَلى هَذا عِنْدَ المُدَقِّقِ أنَّهُ تَعالى بَعْدَ أنْ نَهاهم عَنْ ضَرْبِ الأمْثالِ لَهُ سُبْحانَهُ ضَرَبَ مَثَلًا دَلَّ بِهِ عَلى أنَّهم لَيْسُوا أهْلًا لِذَلِكَ وأنَّهم إذا كانُوا عَلى هَذا الحَدِّ مِنَ المَعْرِفَةِ والتَّقْلِيدِ أوِ المُكابَرَةِ فَلَيْسَ لَهم إلى ضَرْبِ الأمْثالِ المُطابِقَةِ المُسْتَدْعى ذَكاءٌ وهِدايَةُ سَبِيلٍ، وقالَ غَيْرُهُ في ذَلِكَ ولَعَلَّهُ أظْهَرُ مِنهُ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ يَعْلَمُ كَيْفَ تُضْرَبُ الأمْثالَ وأنَّهم لا يَعْلَمُونَ عِلْمَهم كَيْفَ تُضْرَبُ الأمْثالَ في هَذا البابِ فَقالَ تَعالى: ( ضَرَبَ ) إلَخْ.

ووَجْهُ الرَّبْطِ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن أنَّ النَّهْيَ عَنِ الإشْراكِ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا نَهاهم عَنْ ضَرْبِ المَثَلِ الفِعْلِيِّ وهو الإشْراكُ عَقَّبَهُ بِالكَشْفِ لِذِي البَصِيرَةِ عَنْ فَسادِ ما ارْتَكَبُوهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( ضَرَبَ ) إلَخْ أيْ أوْرَدَ وذَكَرَ ما يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلى تَبايُنِ الحالِ بَيْنَ جَنابِهِ تَعالى شَأْنُهُ وبَيْنَ ما أشْرَكُوهُ بِهِ سُبْحانَهُ ويُنادِي بِفَسادِ ما هم عَلَيْهِ نِداءً جَلِيًّا ﴿ عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ ﴾ بَدَلٌ مِن مَثَلًا وتَفْسِيرٌ لَهُ والمَثَلُ في الحَقِيقَةِ حالَتُهُ العارِضَةُ لَهُ مِنَ المَمْلُوكِيَّةِ والعَجْزِ التّامِّ وبِحَسْبِها ضَرْبُ نَفْسِهِ مَثَلًا ووَصَفَ العَبْدَ بِالمَمْلُوكِيَّةِ لِلتَّمْيِيزِ عَنِ الحُرِّ لِاشْتِراكِهِما في كَوْنِهِما عَبْدًا لِلَّهِ تَعالى، وقَدْ أدْمَجَ فِيهِ عَلى ما قِيلَ إنَّ الكُلَّ عَبِيدٌ لَهُ تَعالى وبِعَدَمِ القُدْرَةِ لِتَمْيِيزِهِ عَنِ المُكاتَبِ والمَأْذُونِ اللَّذَيْنِ لَهُما تَصَرُّفٌ في الجُمْلَةِ، وفي إبْهامِ المَثَلِ أوَّلًا ثُمَّ بَيانِهِ بِما ذُكِرَ ما لا يَخْفى مِنَ الجَزالَةِ ﴿ ومَن رَزَقْناهُ ﴾ مَن نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ عَلى ما اسْتَظْهَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ لِيُطابِقَ ( عَبْدًا ) فَإنَّهُ أيْضًا نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ أبُو البَقاءِ، وقالَ الحَوْفِيُّ: هي مَوْصُولَةٌ واسْتَظْهَرَهُ أبُو حَيّانَ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ ذَلِكَ لِكَوْنِ اسْتِعْمالِها مَوْصُولَةً أكْثَرَ مِنِ اسْتِعْمالِها مَوْصُوفَةً، والأوَّلُ مُخْتارُ الأكْثَرِينَ أيْ حُرًّا رَزَقْناهُ بِطَرِيقِ المِلْكِ والِالتِفاتُ إلى التَّكَلُّمِ لِلْإشْعارِ بِاخْتِلافِ حالِ ضَرْبِ المَثَلِ والرِّزْقِ، وفي اخْتِيارِ ضَمِيرِ العَظَمَةِ تَعْظِيمٌ لِأمْرِ ذَلِكَ الرِّزْقِ ويَزِيدُ ذَلِكَ تَعْظِيمًا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ مِنّا ﴾ أيْ مِن جَنابِنا الكَبِيرِ المُتَعالِي ﴿ رِزْقًا حَسَنًا ﴾ حَلالًا طَيِّبًا أوْ مُسْتَحْسَنًا عِنْدَ النّاسِ مَرْضِيًّا ويُؤْخَذُ مِنهُ عَلى ما قِيلَ كَوْنُهُ كَثِيرًا بِنا عَلى أنَّ القِلَّةَ الَّتِي هي أُخْتُ العَدَمِ لا حُسْنَ في ذاتِها ﴿ فَهُوَ يُنْفِقُ مِنهُ ﴾ تَفَضُّلًا وإحْسانًا، والفاءُ لِتَرَتُّبِ الإنْفاقِ عَلى الرِّزْقِ كَأنَّهُ قِيلَ: ومَن رَزَقْناهُ مِنّا رِزْقًا حَسَنًا فَأنْفَقَ وإيثارُ المُنَزَّلِ مِنَ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ الفِعْلِيَّةِ الخَبَرِ لِلدَّلالَةِ عَلى ثَباتِ الإنْفاقِ واسْتِمْرارِهِ التَّجَدُّدِيِّ ﴿ سِرًّا وجَهْرًا ﴾ أيْ حالَ السِّرِّ وحالَ الجَهْرِ أوِ إنْفاقَ سِرٍّ وإنْفاقَ جَهْرٍ والمُرادُ بَيانُ عُمُومِ إنْفاقِهِ لِلْأوْقاتِ وشُمُولِهِ إنْعامَهُ لِمَن يَجْتَنِبُ عَنْ قَبُولِهِ جَهْرًا.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ وصْفُهُ بِالكَثْرَةِ مَأْخُوذًا مِن هَذا بِناءً أنَّ المُرادَ مِنهُ كَيْفَ يَشاءُ وهو يَدُلُّ عَلى أنْحاءِ التَّصَرُّفِ وسَعَةِ المُتَصَرَّفِ مِنهُ، وتَقْدِيمُ السِّرِّ عَلى الجَهْرِ لِلْإيذانِ بِفَضْلِهِ عَلَيْهِ، وقَدْ مَرَّ الكَلامُ في ذَلِكَ والعُدُولُ عَنْ تَطْبِيقِ القَرِينَتَيْنِ بِأنْ يُقالَ: وحُرًّا مالِكًا لِلْأمْوالِ مَعَ كَوْنِهِ أدَلَّ عَلى تَبايُنِ الحالِ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَسِيمِهِ لِما في إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ مِن تَوَخِّي تَحْقِيقِ الحَقِّ بِأنَّ الأحْرارَ أيْضًا تَحْتَ رِبْقَةِ عُبُودِيَّتِهِ تَعالى وأنَّ مالِكِيَّتَهم لِما يَمْلِكُونَهُ لَيْسَتْ إلّا بِأنْ يَرْزُقَهُمُ اللَّهُ تَعالى إيّاهُ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهم مَدْخَلٌ في ذَلِكَ مَعَ مُحاوَلَةِ المُبالَغَةِ في الدَّلالَةِ عَلى ما قُصِدَ بِالمَثَلِ مِن تَبايُنِ الحالِ بَيْنَ المُمَثِّلِينَ فَإنَّ العَبْدَ المَمْلُوكَ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ مِثْلَ العَبْدِ المالِكِ فَما ظَنُّكَ بِالجَمادِ ومالِكِ المُلْكِ خَلّاقِ العالَمِينَ ﴿ هَلْ يَسْتَوُونَ ﴾ جُمِعَ الضَّمِيرُ وإنْ تَقَدَّمَهُ اثْنانِ وكانَ الظّاهِرُ- يَسْتَوِيانِ- لِلْإيذانِ بِأنَّ المُرادَ بِما ذُكِرَ مَنِ اتَّصَفَ بِالأوْصافِ المَذْكُورَةِ مِنَ الجِنْسَيْنِ المَذْكُورَيْنِ لا فَرْدانِ مُعَيَّنانِ مِنهُما وإنْ أخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ وجَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في هِشامِ بْنِ عَمْرٍو وهو الَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ سِرًّا وجَهْرًا وفي عَبْدِهِ أبِي الجَوْزاءِ الَّذِي كانَ يَنْهاهُ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِصِحَّتِهِ.

وقِيلَ: نَزَلَتْ في عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وعَبْدٍ لَهُ ولا يَصِحُّ إسْنادُهُ كَما في البَحْرِ، وفِيهِ أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الجَمْعُ بِاعْتِبارِ أنَّ المُرادَ- بِمَن- الجَمْعُ وأنْ يَكُونَ بِاعْتِبارِ عَوْدِ الضَّمِيرِ عَلى العَبِيدِ والأحْرارِ وإنْ لَمْ يَجْرِ لَهُما ذِكْرٌ لِدَلالَةِ «عَبْدٌ مَمْلُوكٌ» ﴿ ومَن رَزَقْناهُ ﴾ عَلَيْهِما، والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ ما ذُكِرَ أوَّلًا، والمَعْنى هَلْ يَسْتَوِي العَبِيدُ والأحْرارُ المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ مِنَ الصِّفاتِ مَعَ أنَّ الفَرِيقَيْنِ سِيّانِ في البَشَرِيَّةِ والمَخْلُوقِيَّةِ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وأنَّ ما يُنْفِقُهُ الأحْرارُ لَيْسَ مِمّا لَهم دَخْلٌ في إيجادِهِ ولا تَمَلُّكِهِ بَلْ هو مِمّا أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى إيّاهم فَحَيْثُ لَمْ يَسْتَوِ الفَرِيقانِ فَما ظَنُّكم بِرَبِّ العالَمِينَ حَيْثُ تُشْرِكُونَ بِهِ ما لا ذَلِيلَ أذَلَّ مِنهُ وهو الأصْنامُ، وقِيلَ: إنَّ هَذا تَمْثِيلٌ لِلْكافِرِ المَخْذُولِ والمُؤْمِنِ المُوَفَّقِ شَبَّهَ الأوَّلَ بِمَمْلُوكٍ لا تَصَرُّفَ لَهُ لِأنَّهُ لِإحْباطِ عَمَلِهِ وعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِأفْعالِهِ واتِّباعِهِ لِهَواهُ كالعَبْدِ المُنْقادِ المُلْحَقِ بِالبَهائِمِ بِخِلافِ المُؤْمِنِ المُوَفَّقِ، وجَعْلُهُ تَمْثِيلًا لِذَلِكَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وقَتادَةَ ولا تَعْيِينَ أيْضًا وإنْ قِيلَ: إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وأبِي جَهْلٍ، عَلى أنَّ أبا حَيّانَ قالَ: إنَّهُ لا يَصِحُّ إسْنادُ ذَلِكَ، هَذا ثُمَّ اعْلَمْ أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في العَبْدِ هَلْ يَصِحُّ لَهُ مُلْكٌ أمْ لا قالَ في الكَشّافِ: المَذْهَبُ الظّاهِرُ أنَّهُ لا يَصِحُّ وبِهِ قالَ الشّافِعِيُّ، وقالَ ابْنُ المُنِيرِ عَلى ما لَخَّصَهُ في الكَشْفِ مِن كَلامٍ طَوِيلٍ إنَّهُ يَصِحُّ لَهُ المُلْكُ عِنْدَ مالِكٍ: وظاهِرُ الآيَةِ تَشْهَدُ لَهُ لِأنَّهُ أثْبَتَ لَهُ العَجْزَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مَمْلُوكًا ﴾ ثُمَّ نَفى القُدْرَةَ العارِضَةَ بِتَمْلِيكِ السَّيِّدِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: لا ﴿ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ ﴾ ولَيْسَ المَعْنى القُدْرَةَ عَلى التَّصَرُّفِ لِأنَّ مُقابِلَهُ ﴿ ومَن رَزَقْناهُ مِنّا رِزْقًا حَسَنًا ﴾ والحَمْلُ عَلى إخْراجِ المُكاتِبِ مَعَ شُذُوذِهِ إيجازٌ مَعَ إخْلالٍ كَما قالَ إمامُ الحَرَمَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى فِي: ««أيُّما امْرَأةٍ نُكِحَتْ بِغَيْرِ إذْنِ ولِيِّها»» الحَمْلُ عَلى المُكاتَبَةِ بَعِيدٌ لا يَجُوزُ والمَأْذُونُ لَمْ يَخْرُجْ لِما مَرَّ مِن أنَّ المُرادَ بِالقُدْرَةِ ما هُوَ، ولَيْسَ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّهُ صِفَةٌ لازِمَةٌ مُوَضَّحَةٌ فالأصْلُ في الصِّفاتِ التَّقْيِيدُ اهـ.

وتَعَقَّبَهُ المُدَقِّقُ بِقَوْلِهِ: والجَوابُ أنَّ المَعْنى عَلى نَفْيِ القُدْرَةِ عَنِ التَّصَرُّفِ فالآيَةُ وارِدَةٌ في تَمْثِيلِ حالِ الأصْنامِ بِهِ تَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا وكُلَّما بُولِغَ في حالِ عَجْزِ المُشَبَّهِ بِهِ وكَمالِ المُقابِلِ دَلَّ في المُشَبَّهِ بِهِ أيْضًا عَلى ذَلِكَ فالَّذِي يُطابِقُ المَقامَ القُدْرَةُ عَلى التَّصَرُّفِ وهو في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يُنْفِقُ مِنهُ سِرًّا وجَهْرًا ﴾ وما ذَكَرَهُ لا حاصِلَ لَهُ ولا إخْلالَ في إخْراجِ المُكاتَبِ لِشُمُولِ اللَّفْظِ مَعَ أنَّ المَقامَ مَقامُ مُبالَغَةٍ فَما يُتَوَهَّمُ دُخُولُهُ بِوَجْهِهِ يَنْبَغِي أنْ يُنْفى وأيْنَ هَذا مِمّا نَقَلَهُ عَنْ إمامِ الحَرَمَيْنِ اهـ.

واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ أيْضًا عَلى أنَّ العَبْدَ لا يَمْلِكُ الطَّلاقَ أيْضًا ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: لَيْسَ لِلْعَبْدِ طَلاقٌ إلّا بِإذْنِ سَيِّدِهِ وقَرَأ الآيَةَ وقَدْ فُصِّلَتْ أحْكامُ العَبِيدِ في حُكْمِ الفِقْهِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ ﴾ أيْ كُلُّهُ لَهُ سُبْحانَهُ لا يَسْتَحِقُّهُ أحَدٌ غَيْرُهُ تَعالى لِأنَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ المُولِي لِلنِّعَمِ وإنْ ظَهَرَتْ عَلى أيْدِي بَعْضِ الوَسائِطِ فَضْلًا عَنِ اسْتِحْقاقِ العِبادَةِ.

وفِيهِ إرْشادٌ إلى ما هو الحَقُّ مِن أنَّ ما يَظْهَرُ عَلى يَدِ مَن يُنْفِقُ فِيما ذَكَرَ راجِعٌ إلَيْهِ تَعالى كَما لَوَّحَ بِهِ ﴿ رَزَقْناهُ ﴾ وقالَ غَيْرُ واحِدٍ هَذا حَمْدٌ عَلى ظُهُورِ المَحَجَّةِ وقُوَّةِ هَذِهِ الحُجَّةِ ﴿ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ ﴾ ما ذُكِرَ فَيُضِيفُونَ نِعَمَهُ تَعالى إلى غَيْرِهِ ويَعْبُدُونَهُ لِأجْلِها أوْ لا يَعْلَمُونَ ظُهُورَ ذَلِكَ وقُوَّةَ ما هُنالِكَ فَيَبْقُونَ عَلى شِرْكِهِمْ وضَلالِهِمْ، ونَفْيُ العِلْمِ عَنْ أكْثَرِهِمْ لِلْإشْعارِ بِأنَّ بَعْضَهم يَعْلَمُونَ ذَلِكَ وإنَّما لَمْ يَعْمَلُوا بِمُوجِبِهِ عِنادًا وقِيلَ: المُرادُ بِالأكْثَرِ الكُلُّ فَكَأنَّهُ قِيلَ: هم لا يَعْلَمُونَ، وقِيلَ: ضَمِيرُ هم لِلْخَلْقِ والأكْثَرُ هُمُ المُشْرِكُونَ، وكِلا القَوْلَيْنِ خِلافُ الظّاهِرِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا أي: وصف الله شبهاً عَبْداً مَمْلُوكاً وهو الكافر لاَّ يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ يقول: لا يقدر على مال ينفقه في طاعة الله وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً أي: مالاً حلالاً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ أي: يتصدق منه سِرًّا وَجَهْراً يقول: يتصدق خفية وعلانية وهو المؤمن هَلْ يَسْتَوُونَ في الطاعة مثلاً الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ضرب المثل.

وروي عن ابن عباس أنه قال: «نزلت هذه الآية في عثمان بن عفان والآخر أبو العيص بن أمية وهو كافر، لا يقدر أن ينفق خيراً لمعاده، وعثمان أنفق لآخرته فهل يستويان» ؟

أي: هل يستوي الكافر والمؤمن؟

ويقال ضرب المثل للآلهة، ومعناه: أن الاثنين المتساويين في الخلق، إذا كان أحدهما قادراً على الإنفاق، والآخر عاجزاً لا يستويان، فكيف يسوون بين الحجارة التي لا تتحرك ولا تعقل، وبين الذي هو على كل شىء قدير؟

فبيّن الله تعالى علامة ضلالتهم، ثم حمد نفسه، ودل خلقه على حمده، فقال: الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ.

ثم ضرب مثلاً آخر فقال: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ أي أخرس وهو الصنم لاَّ يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ من مال ولا منفعة وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ أي: ثقل على وليه وقرابته، يعني: الصنم عيال ووبال على عابده.

أَيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ أي: حيث يبعثه لا يجيء بخير هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ يعني: بالتوحيد وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ يدل الخلق إلى التوحيد.

ويقال: هذا المثل للكافر مع النبيّ  يعني: الكافر الذي لا يتكلم بخير، هَلْ يَسْتَوِى هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ أي: التوحيد ويدعو الناس إليه وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ يدعو الناس إليه وهو على دين الإسلام.

وقال السدي: المثلان ضربهما الله لنفسه وللآلهة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

شُرَكاءَ فِي مَا رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ ...

الآية [الروم: ٢٨] ثم وقفهم سبحانه على جَحْدهم بنعمته في تنبيهه لهم على مِثْلِ هذا مِنْ مواضِع النظرِ المؤدِّية إلى الإِيمان.

وقوله سبحانهُ: وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً هذه أيضاً آيةُ تعديدِ نِعَم، «والأزواجُ» هنا: الزوجاتُ، وقوله: مِنْ أَنْفُسِكُمْ: يحتملُ أن يريد خِلْقَةَ حوَّاء من نَفْس آدم، وهذا قول قتادة «١» والأَظهَرُ عندي أنْ يريد بقوله مِنْ أَنْفُسِكُمْ، أي: مِنْ نوعكم كقوله: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ [التوبة: ١٢٨] ، وال حَفَدَةً: قال ابن عباس:

هم أولاد البنين «٢» وقال الحسن: هم بَنُوكَ وبَنُوَ بَنِيكَ «٣» ، / وقال مجاهد: ال حَفَدَةً الأنصار والأَعْوان «٤» وقيل غير هذا، ولا خلاف أنَّ معنى «الحفْدَ» الخِدْمَةِ والبِرُّ والمشْيُ مسرعاً في الطاعة ومنه في القنوت: «وإِلَيْكَ نَسْعَى ونحْفِدُ» ، والحَفَدَانُ أيضاً: خَبَبٌ فوق المَشْي.

وقوله سبحانه: فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ ...

الآية: أي: لا تمثّلوا للَّه الأمثَال، وهو مأخوذٌ من قولك: هذا ضَرِيبُ هَذَا، أي: مثيله، والضّرب: النّوع.

ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْراً هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٧٥) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ أَيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٦) وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٧٧) وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨)

وقوله تعالى: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْداً مَمْلُوكاً الآية: الذي هو مثالٌ في هذه الآية هو

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا ﴾ أيْ: بَيَّنَ شَبَهًا فِيهِ بَيانُ المَقْصُودِ، وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَثَلٌ لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ.

فالَّذِي " لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ " هو الكافِرُ، لِأنَّهُ لا خَيْرَ عِنْدَهُ، وصاحِبُ الرِّزْقِ هو المُؤْمِنُ، لِما عِنْدَهُ مِنَ الخَيْرِ، هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ.

والثّانِي: أنَّهُ مَثَلَ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِنَفْسِهِ ولِلْأوْثانِ، لِأنَّهُ مالِكُ كُلِّ شَيْءٍ، وهي لا تَمْلِكُ شَيْئًا، هَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، والسُّدِّيُّ.

وذُكِرَ في التَّفْسِيرِ أنَّ هَذا المَثَلَ ضُرِبَ بِقَوْمٍ كانُوا في زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ  ، وفِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ المَمْلُوكَ: أبُو الجِوارِ، وصاحِبَ الرِّزْقِ الحَسَنِ: سَيِّدُهُ هِشامُ بْنُ عَمْرٍو، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وقالَ مُقاتِلٌ: المَمْلُوكُ: أبُو الحَواجِرِ.

والثّانِي: أنَّ المَمْلُوكَ: أبُو جَهْلِ بْنِ هِشامٍ، وصاحِبَ الرِّزْقِ الحَسَنِ: أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿ هَلْ يَسْتَوُونَ ﴾ ولَمْ يَقُلْ: يَسْتَوِيانِ، لِأنَّ المُرادَ: الجِنْسُ.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: لَفْظُ " مَن " لَفْظُ تَوْحِيدٍ، ومَعْناها مَعْنى الجَمْعِ، ولَمْ يَقَعِ المَثَلُ بِعَبْدٍ مُعَيَّنٍ، ومالِكٍ مُعَيَّنٍ، لَكِنْ عُنِيَ بِهِما جَماعَةُ عَبِيدٍ، وقَوْمٌ مالِكُونَ، فَلَمّا فارَقَ مِن تَأْوِيلِ الجَمْعِ، جُمِعَ عائِدُها لِذَلِكَ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ ﴾ أيْ: هو المُسْتَحِقُّ لِلْحَمْدِ، لِأنَّهُ المُنْعِمُ، ولا نِعْمَةَ لِلْأصْنامِ، ﴿ بَلْ أكْثَرُهُمْ ﴾ يَعْنِي المُشْرِكِينَ ﴿ :لا يَعْلَمُونَ ﴾ " أنَّ الحَمْدَ للَّهِ.

قالَ العُلَماءُ: وُصِفَ أكْثَرُهم بِذَلِكَ، والمُراد: جَمِيعُهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا رَجُلَيْنِ أحَدُهُما أبْكَمُ ﴾ قَدْ فَسَّرْنا " البَكَمَ " في (البَقَرَةِ:١٨) .

ومَعْنى ﴿ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ ﴾ أيْ: مِنَ الكَلامِ، لِأنَّهُ لا يَفْهَمُ ولا يُفْهَمُ عَنْهُ.

﴿ وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: ثِقْلٌ عَلى ولِيِّهِ وقَرابَتِهِ.

وفِيمَن أُرِيدَ بِهَذا المَثَلِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ، فالكافِرُ هو الأبْكَمُ، والَّذِي يَأْمُرُ بِالعَدْلِ [هُوَ] المُؤْمِنُ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ، هو الَّذِي يَأْمُرُ بِالعَدْلِ، وفي مَوْلًى لَهُ كانَ يَكْرَهُ الإسْلامَ ويَنْهى عُثْمانَ عَنِ النَّفَقَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ، وهو الأبْكَمُ، رَواهُ إبْراهِيمُ بْنُ يَعْلى بْنِ مُنْيَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِنَفْسِهِ، ولِلْوَثَنِ.

فالوَثَنُ: هو الأبْكَمُ، واللَّهُ تَعالى: هو الآمِرُ بِالعَدْلِ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، وابْنِ السّائِبِ، ومُقاتِلِ.

والرّابِعُ: أنَّ المُرادَ بِالأبْكَمِ: أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، وبِالَّذِي يَأْمُرُ بِالعَدْلِ: حَمْزَةُ، وعُثْمانُ بْنُ عَفّانَ، وعُثْمانُ بْنُ مَظْعُونٍ، قالَهُ عَطاءٌ.

فَيَخْرُجُ عَلى هَذِهِ الأقْوالِ في مَعْنى " مَوْلاهُ " قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَوْلًى حَقِيقَةً، إذا قُلْنا: إنَّهُ رَجُلٌ مِنَ النّاسِ.

والثّانِي: أنَّهُ بِمَعْنى الوَلِيُّ، إذا قُلْنا: إنَّهُ الصَّنَمُ، فالمَعْنى: وهو ثِقْلٌ عَلى وَلِيِّهِ الَّذِي يَخْدِمُهُ ويُزَيِّنُهُ.

وَيَخْرُجُ في مَعْنى ﴿ أيْنَما يُوَجِّهْهُ ﴾ قَوْلانِ: إنْ قُلْنا: إنَّهُ رَجُل، فالمَعْنى: أيْنَما يُرْسِلْهُ، والتَّوْجِيهُ: الإرْسالُ في وجْهٍ مِنَ الطَّرِيقِ.

وإنْ قُلْنا: إنَّهُ الصَّنَمُ، فَفي مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أيْنَما يَدْعُوهُ، لا يُجِيبُهُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: أيْنَما تَوَجَّهَ تَأْمِيلُهُ إيّاهُ ورَجاهُ لَهُ، لا يَأْتِهِ ذَلِكَ بِخَيْرٍ، فَحُذِفَ التَّأْمِيلُ، وخَلَفَهُ الصَّنَمُ، كَقَوْلِهِ: ﴿ ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ  ﴾ أيْ: عَلى ألْسِنَةِ رُسُلِكَ.

وقَرَأ البَزِّيُّ عَنِ ابْنِ مُحَيْصِنٍ " أيْنَما تُوَجِّهْهُ " بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ.

فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ ﴾ فَإنْ قُلْنا: هو رَجُلٌ، فَإنَّما كانَ كَذَلِكَ، لِأنَّهُ لا يَفْهَمُ ما يُقالُ لَهُ، ولا يُفْهَمُ عَنْهُ، إمّا لِكُفْرِهِ وجُحُودِهِ، أوْ لِبُكْمٍ بِهِ.

وإنْ قُلْنا: إنَّهُ الصَّنَمُ، فَلِكَوْنِهِ جَمادًا.

﴿ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ ﴾ أيْ: هَذا الأبْكَمُ ﴿ وَمَن يَأْمُرُ بِالعَدْلِ ﴾ أيْ: ومَن هو قادِرٌ عَلى التَّكَلُّمِ، ناطِقٌ الحَقِّ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ ما لا يَمْلِكُ لَهم رِزْقًا مِن السَماواتِ والأرْضِ شَيْئًا ولا يَسْتَطِيعُونَ ﴾ ﴿ فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثالَ إنَّ اللهَ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ ضَرَبَ اللهُ مَثَلا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ ومَن رَزَقْناهُ مِنّا رِزْقًا حَسَنًا فَهو يُنْفِقُ مِنهُ سِرًّا وجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ ﴾ هَذِهِ آيَةُ تَقْرِيعٍ لِلْكُفّارِ وتَوْبِيخٍ، وإظْهارٌ لِفَسادِ نَظَرِهِمْ، ووَضْعٌ لَهم مِنَ الأصْنامِ في الجِهَةِ الَّتِي فِيها سَعْيُ الناسِ وإلَيْها مَهامُّهُمْ، وهي طَلَبُ الرِزْقِ، وهَذِهِ الأصْنامُ لا تَمْلِكُ إنْزالَ المَطَرِ ولا إنْباتَ نِعْمَةٍ، مَعَ أنَّها لا تَمْلِكُ ولا تَسْتَطِيعُ أنْ تُحاوِلَ ذَلِكَ مِن مُلْكِ اللهِ تَعالى.

وقَوْلُهُ: "رِزْقًا" مَصْدَرٌ، ونَصَبَهُ عَلى المَفْعُولِ بِـ "يُمْلِكُ".

وقَوْلُهُ: "شَيْئًا" ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ النَحْوِيِّينَ إلى أنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى البَدَلِ، مِن قَوْلِهِ: "رِزْقًا" و"رِزْقًا" اسْمٌ، وذَهَبُ الكُوفِيُّونَ - وأبُو عَلِيٍّ مَعَهُمْ- إلى أنَّهُ مَنصُوبٌ بِالمَصْدَرِ فِي قَوْلِهِ: "رِزْقًا"، ولا نُقَدِّرُهُ اسْمًا، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا  ﴾ ﴿ أحْياءً وأمْواتًا  ﴾ ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿ أو إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ  ﴾ ﴿ يَتِيمًا  ﴾ فَنَصَبَ "يَتِيمًا" بِـ "إطْعامٌ"، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: فَلَوْلا رَجاءُ النَصْرِ مِنكَ ورَهْبَةٌ ∗∗∗ عِقابَكَ قَدْ صارُوا لَنا كالمَوارِدِ والمَصْدَرُ يَعْمَلُ مُضافًا بِاتِّفاقٍ؛ لِأنَّهُ في تَقْدِيرِ الِانْفِصالِ، ولا يَعْمَلُ إذا دَخَلَهُ الألِفُ واللامُ؛ لِأنَّهُ قَدْ تَوَغَّلَ في حالِ الأسْماءِ وبَعُدَ عن حالِ الفِعْلِيَّةِ، وتَقْدِيرُ الِانْفِصالِ في الإضافَةِ حَسَّنَ عَمَلَهُ، وقَدْ جاءَ عامِلًا مَعَ الألِفِ واللامِ في قَوْلِ الشاعِرِ: ضَعِيفُ النِكايَةِ أعْداءَهُ وقَوْلُهُ: عَنِ الضَرْبِ مِسْمَعًا وَقَوْلُهُ تَعالى: "يَمْلِكُ" عَلى لَفْظِ "ما"، وقَوْلُهُ: "يَسْتَطِيعُونَ" عَلى مَعْناها بِحَسَبِ اعْتِقادِ الكُفّارِ في الأصْنامِ أنَّها تَعْقِلُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ في "يَسْتَطِيعُونَ" لِلَّذِينِ يَعْبُدُونَ، والمَعْنى: لا يَسْتَطِيعُونَ ذَلِكَ بِبُرْهانٍ يُظْهِرُونَهُ وحُجَّةٍ يُبَيِّنُونَها.

وقَوْلُهُ: ﴿ فَلا تَضْرِبُوا ﴾ أيْ: لا تُمَثِّلُوا لِلَّهِ الأمْثالَ، وهو مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِكَ: "ضَرِيبُ هَذا" أيْ مَثِيلُهُ، والضَرْبُ: النَوْعُ، تَقُولُ: الحَيَوانُ عَلى ضُرُوبٍ، وهَذانَ مِن ضَرْبٍ واحِدٍ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ضَرَبَ اللهُ مَثَلا ﴾ الآيَةُ.

الَّذِي هو مِثالٌ في هَذِهِ الآيَةِ هو عَبْدٌ بِهَذِهِ الصِفَةِ مَمْلُوكٌ، لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ مِنَ المالِ ولا مِن أمْرِ نَفْسِهِ، وإنَّما هو مُسَخَّرٌ بِإرادَةِ سَيِّدِهِ مُدَبَّرٌ، ولا يَلْزَمُ مِنَ الآيَةِ أنَّ العَبِيدَ كُلَّهم بِهَذِهِ الصِفَةِ كَما انْتَزَعَ بَعْضُ مَن يَنْتَحِلُ الفِقْهَ، وقَدْ قالَ في المَثّالِ الثانِي: ﴿ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ ﴾ ، فَيَلْزَمُ -عَلى هَذا الِانْتِزاعِ- أنْ يَكُونَ البُكْمُ لا شَيْءَ لَهم، وبِإزاءِ العَبْدِ في المِثالِ رَجُلٌ مُوَسَّعٌ عَلَيْهِ في المالِ فَهو يَتَصَرَّفُ فِيهِ بِإرادَتِهِ، ولا يَلْزَمُ مِن نَفْسِ المِثالِ أنْ يَكُونَ مُؤْمِنًا يُنْفِقُ بِحَسَبِ الطاعَةِ، أما إنَّهُ أشْرَفُ أنْ يَكُونَ مِثالًا.

و"الرِزْقُ": ما صَحَّ الِانْتِفاعُ بِهِ، وقالَ أبُو مَنصُورٍ في عَقِيدَتِهِ: "الرِزْقُ ما وقَعَ الِاغْتِذاءِ بِهِ"، وهَذِهِ الآيَةُ تَرُدُّ عَلى هَذا التَخْصِيصِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ  ﴾ ، و ﴿ أنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناكُمْ  ﴾ ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِن قَوْلِ النَبِيِّ  : « "جُعِلَ رِزْقِي في ظِلِّ رُمْحِي"،» وقَوْلُهُ: « "أرْزاقُ أُمَّتِي في سَنابِكِ خَيْلِها وأسِنَّةِ رِماحِها"،» فالغَنِيمَةُ كُلُّها رِزْقٌ.

والصَحِيحُ أنَّ ما صَحَّ الِانْتِفاعُ بِهِ هو الرِزْقُ، وهو مَراتِبٌ أعْلاها ما تُغُذِّيَ بِهِ، وقَدْ حَصَرَ رَسُولُ اللهِ  وُجُوهَ الِانْتِفاعِ في قَوْلِهِ: « "يَقُولُ ابْنُ آدَمَ: مالِي مالِي، وهَلْ لَكَ مِن مالِكٍ إلّا ما أكَلْتَ فَأفْنَيْتَ، أو لَبِسْتَ فَأبْلَيْتَ، أو تَصَدَّقْتَ فَأمْضَيْتَ؟"».

وفي مَعْنى اللِباسِ يَدْخُلُ الرُكُوبُ.

واخْتَلَفَ الناسُ في الَّذِي لَهُ هَذا المَثَلُ -فَقالَ قَتادَةُ، وابْنُ عَبّاسٍ: هو مِثَلُ الكافِرِ والمُؤْمِنِ، فَكَأنَّ الكافِرَ مَمْلُوكٌ مَصْرُوفٌ عَنِ الطاعَةِ، فَهو لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ لِذَلِكَ، ويُشْبِهُ العَبْدَ المَذْكُورَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والتَمْثِيلُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- إنَّما وقَعَ في جِهَةِ الكافِرِ فَقَطْ، جَعَلَ لَهُ مَثَلًا، ثُمَّ قُرِنَ بِالمُؤْمِنِ المَرْزُوقِ، إلّا أنْ يَكُونَ المَرْزُوقُ لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ، وإنَّما هو مِثالٌ لِلْمُؤْمِنِ، فَيَقَعُ التَمْثِيلُ مِن جِهَتَيْنِ، وقالَ مُجاهِدٌ، والضِحاكُ: هَذا المِثالُ، والمِثالُ الآخَرُ الَّذِي بَعْدَهُ، إنَّما هو لِلَّهِ تَعالى والأصْنامِ، فَتِلْكَ هي كالعَبْدِ المَمْلُوكِ الَّذِي لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ، واللهُ تَعالى تَتَصَرَّفُ قُدْرَتُهُ دُونَ مُعَقِّبٍ، وكَذَلِكَ فَسَّرَ الزَجاجُ عَلى نَحْوِ قَوْلِ مُجاهِدٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا التَأْوِيلُ أصْوَبُ؛ لِأنَّ الآيَةَ تَكُونُ مِن مَعْنى ما قَبْلَها وما بَعْدَها في تَبَيُّنِ أمْرِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى والرَدِّ عَلى الأصْنامِ.

وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ وعَبْدٍ كانَ لَهُ، ورُوِيَ تَعْيِينُ غَيْرِ هَذا ولا يَصِحُّ إسْنادُهُ.

والمِثالُ لا يَحْتاجُ إلى تَعْيِينِ أحَدٍ، وقَوْلُهُ: ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ ﴾ شُكْرٌ عَلى بَيانِ الأمْرِ بِهَذا المِثالِ، وعَلى إذْعانِ الخَصْمِ لَهُ، كَما تَقُولُ لِمَن أذْعَنَ لَكَ في حُجَّةٍ وسَلَّمْ ما يَنْبَنِي عَلَيْهِ قَوْلُكَ: اللهُ أكْبَرُ، وعَلى هَذا يَكُونُ كَذا وكَذا، فَلَمّا قالَ هُنا: ﴿ هَلْ يَسْتَوُونَ ﴾ فَكَأنَّ الخَصْمَ قالَ لَهُ: لا، فَقالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ، ظَهَرَتِ الحُجَّةُ، وقَوْلُهُ: ﴿ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ ﴾ يُرِيدُ لا يَعْلَمُونَ أبَدًا ولا يُداخِلُهم إيمانٌ، ويَتَمَكَّنَ عَلى هَذا قَوْلُهُ: "أكْثَرُهُمْ"؛ لِأنَّ الأقَلَّ مِنَ الكَفّارِ هو الَّذِي آمَنَ مِن أُولَئِكَ، ولَوْ أرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿ لا يَعْلَمُونَ ﴾ أيِ الآنَ لَكانَ قَوْلُهُ: "أكْثَرُهُمْ" بِمَعْنى الِاسْتِيعابِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ أحَدٌ مِنهم يَعْلَمُ قَوْلَهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

أعقب زجرهم عن أن يشبّهوا الله بخلقه أو أن يشبّهوا الخلق بربّهم بتمثيل حالهم في ذلك بحال من مثل عبداً بسيّده في الإنفاق، فجملة ﴿ ضرب الله مثلاً عبداً ﴾ الخ مستأنفة استئنافاً بيانياً ناشئاً عن قوله تعالى: ﴿ ويعبدون من دون الله ما لا يملك رزقاً من السموات والأرض شيئاً ولا يستطيعون ﴾ [سورة النحل: 73].

فشبّه حال أصنامهم في العجز عن رزقهم بحال مملوك لا يقدر على تصرّف في نفسه ولا يملك مالاً، وشبّه شأن الله تعالى في رَزقه إيّاهم بحال الغنيّ المالك أمر نفسه بما شاء من إنفاق وغيره، ومعرفة الحالين المشبّهتين يدلّ عليها المقام، والمقصود نفي المماثلة بين الحالتيْن، فكيف يزعمون مماثلة أصنامهم لله تعالى في الإلهية، ولذلك أعقب بجملة ﴿ هل يستوون ﴾ .

وذيّل هذا التمثيل بقوله تعالى: ﴿ بل أكثرهم لا يعلمون ﴾ كما في سورة إبراهيم (26) ﴿ ألم تر كيف ضرب الله مثلاً كلمة طيبة ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة ﴾ الآية، فإن المقصود في المقامين متّحد، والاختلافُ في الأسلوب إنما يومئ إلى الفرق بين المقصود أولاً والمقصود ثانياً كما أشرنا إليه هنالك.

والعبد: الإنسان الذي يملكه إنسان آخر بالأسر أو بالشّراء أو بالإرث.

وقد وُصف ﴿ عبداً ﴾ هنا بقوله: ﴿ مملوكاً ﴾ تأكيداً للمعنى المقصود وإشعاراً لما في لفظ عبد من معنى المملوكية المقتضية أنه لا يتصرّف في عمله تصرف الحرّية.

وانتصب ﴿ عبداً ﴾ على البدلية من قوله تعالى: ﴿ مثلاً ﴾ وهو على تقدير مضاف، أي حال بعد، لأن المثل هو للهيئة المنتزعة من مجموع هذه الصّفات.

وجملة ﴿ لا يقدر على شيء ﴾ صفة ﴿ عبداً ﴾ ، أي عاجزاً عن كلّ ما يقدر عليه الناس، كأن يكون أعمى وزمناً وأصمّ، بحيث يكون أقل العبيد فائدة.

فهذا مَثَل لأصنامهم، كما قال تعالى: ﴿ والذين تدعون من دون الله لا يخلقون شيئاً وهم يخلقون أموات غير أحياء ﴾ [سورة النحل: 20]، وقوله تعالى: ﴿ إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقاً ﴾ [سورة العنكبوت: 17].

ومن} موصولة ما صدْقها حُرّ، بقرينة أنه وقع في مقابلة عبد مملوك، وأنه وصف بالرزق الحسن فهو ينفق منه سرّاً وجهراً، أي كيف شاء.

وهذا من تصرّفات الأحرار، لأن العبيد لا يملكون رزقاً في عرف العرب.

وأما حكم تملّك العبد مالاً في الإسلام فذلك يرجع إلى أدلّة أخرى من أصول الشريعة الإسلامية ولا علاقة لهذه الآية به.

والرزق: هنا اسم للشيء المرزوق به.

والحَسن: الذي لا يشوبه قبح في نوعه مثل قِلّة وجدان وقت الحاجة، أو إسراع فسادٍ إليه كسوس البُرّ، أو رداءة كالحشف.

ووجه الشبه هو المعنى الحاصل في حال المشبّه به من الحقارة وعدم أهليّة التصرّف والعجز عن كل عمل، ومن حال الحرية والغنى والتصرّف كيف يشاء.

وجعلت جملة ﴿ فهو ينفق منه ﴾ مفرّعة على التي قبلها دون أن تجعل صفة للرزق للدّلالة على أن مضمون كلتا الجملتين مقصودٌ لذاته كمالٌ في موصوفه، فكونه صاحب رزق حَسَن كمال، وكونه يتصرّف في رزقه بالإعطاء كمال آخر، وكلاهما بضدّ نقائص المملوك الذي لا يقدر على شيء من الإنفاق ولا ما ينفق منه.

وجعل المسند فعلاً للدّلالة على التقوّي، أي ينفق إنفاقاً ثابتاً.

وجعل الفعل مضارعاً للدّلالة على التجدّد والتكرر.

أي ينفق ويزيد.

و ﴿ سراً وجهراً ﴾ حالان من ضمير ﴿ ينفق ﴾ ، وهما مصدران مؤوّلان بالصّفة، أي مُسرّاً وجاهراً بإنفاقه.

والمقصود من ذكرهما تعميم الإنفاق، كناية عن استقلال التصرّف وعدم الوقاية من مانع إيّاه عن الإنفاق.

وهذا مثَل لغنى الله تعالى وجوده على الناس.

وجملة ﴿ هل يستوون ﴾ بيان لجملة ﴿ ضرب الله مثلاً ﴾ ، فبُيّن غرض التشبيه بأنّ المثل مراد منه عدم تساوي الحالتين ليستدلّ به على عدم مساواة أصحاب الحالة الأولى لصاحب الصّفة المشبّهة بالحالة الثانية.

والاستفهام مستعمل في الإنكار.

وأما جملة ﴿ الحمد لله ﴾ فمعترضة بين الاستفهام المفيد للنفي وبين الإضراب ب ﴿ بل ﴾ الانتقالية.

والمقصود من هذه الجملة أنه تبيّن من المثل اختصاص الله بالإنعام فوجب أن يختصّ بالشكر وأن أصنامهم لا تستحقّ أن تشكر.

ولما كان الحمد مظهراً من مظاهر الشكر في مظهر النّطق جعل كناية عن الشكر هنا، إذ كان الكلام على إخلال المشركين بواجب الشكر إذْ أثنوا على الأصنام وتركوا الثناء على الله، وفي الحديث «الحمدُ رأس الشّكر».

جيء بهذه الجملة البليغة الدّلالة المفيدة انحصار الحمد في مِلْك الله تعالى، وهو إما حصر ادّعائي لأن الحمد إنما يكون على نعمة، وغير الله إذا أنعم فإنما إنعامه مظهر لنعمة الله تعالى التي جرت على يديه، كما تقدم في صدر سورة الفاتحة، وإما قصر إضافي قصرَ إفراد للردّ على المشركين إذ قسموا حمدهم بين الله وبين آلهتهم.

ومناسبة هذا الاعتراض هنا تقدُّم قوله تعالى: ﴿ وبنعمت الله هم يكفرون ﴾ [سورة النحل: 72] ﴿ ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقاً ﴾ [سورة النحل: 73].

فلما ضرب لهم المثل المبيّن لخطئهم وأعقب بجملة هل يستوون } ثُني عنان الكلام إلى الحمد لله لا للأصنام.

وجملة ﴿ بل أكثرهم لا يعلمون ﴾ إضراب للانتقال من الاستدلال عليهم إلى تجهيلهم في عقيدتهم.

وأسند نفي العلم إلى أكثرهم لأن منهم من يعلم الحقّ ويكابر استبقاء للسيادة واستجلاباً لطاعة دهمائهم، فهذا ذَمّ لأكثرهم بالصراحة وهو ذمّ لأقلّهم بوصمة المكابرة والعناد بطريق التعريض.

وهذا نظير قوله تعالى في سورة الزمر (29) ﴿ ضرب الله مثلاً رجلاً فيه شركاء متشاكسون ورجلاً سلَما لرجل هل يستويان مثلاً الحمدُ لله بل أكثرهم لا يعلمون ﴾ وإنما جاءت صيغة الجمع في قوله تعالى هل يستوون } لمراعاة أصحاب الهيئة المشبّهة، لأنها أصنام كثيرة كل واحد منها مشبّه بعبد مملوك لا يقدر على شيء، فصيغة الجمع هنا تجريد للتمثيلية، أي هل يستوي أولئك مع الإله الحقّ القادر المتصرّف.

وإنما أجري ضمير جمعهم على صيغة جمع العالم تغليباً لجانب أحد التمثيلين وهو جانب الإله القادر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لا يَمْلِكُ ما لَمْ يُؤْذَنْ وإنْ كانَ باقِيًا مَعَهُ.

الثّانِي: أنَّ لِسَيِّدِهِ انْتِزاعَهُ مِن يَدِهِ وإنْ كانَ مالِكًا لَهُ.

﴿ وَمَن رَزَقْناهُ مِنّا رِزْقًا حَسَنًا ﴾ يَعْنِي الحُرَّ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَلَّكَهُ ما بِيَدِهِ.

الثّانِي: تَصَرُّفُهُ في الِاكْتِسابِ عَلى اخْتِيارِهِ.

وَفِي هَذا المَثَلِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْكافِرِ لِأنَّهُ لا خَيْرَ عِنْدَهُ، ومَن رَزَقْناهُ مِنّا رِزْقًا حَسَنًا هو المُؤْمِنُ، لِما عِنْدَهُ مِنَ الخَيْرِ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ.

الثّانِي: أنَّهُ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِنَفْسِهِ والأوْثانِ؛ لِأنَّها لا تَمْلِكُ شَيْئًا، وأنَّهم عَدَلُوا عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى الَّذِي يَمْلِكُ كُلَّ شَيْءٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقاً من السماوات والأرض ﴾ قال: هذه الأوثان التي تعبد من دون الله، لا تملك لمن يعبدها رزقاً ولا ضراً ولا نفعاً ولا حياة ولا نشوراً ﴿ فلا تضربوا لله الأمثال ﴾ فإنه أحد صمد ﴿ لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد ﴾ [ الإخلاص: 3] .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ فلا تضربوا لله الأمثال ﴾ يعني اتخاذهم الأصنام.

يقول: لا تجعلوا معي إلهاً غيري، فإنه لا إله غيري.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ ضرب الله مثلاً عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء ﴾ يعني الكافر، إنه لا يستطيع أن ينفق نفقة في سبيل الله ﴿ ومن رزقناه منا رزقاً حسناً فهو ينفق منه سراً وجهراً ﴾ يعني المؤمن وهو المثل في النفقة.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ ضرب الله مثلاً عبداً مملوكاً ﴾ قال: هذا مثل ضربه الله للكافر رزقه الله مالاً فلم يقدم فيه خيراً ولم يعمل فيه بطاعة الله.

﴿ ومن رزقناه منا رزقاً حسناً ﴾ قال: هو المؤمن أعطاه الله مالاً رزقاً حلالاً، فعمل فيه بطاعة الله، وأخذه بشكر ومعرفة حق الله، فأثابه الله على ما رزقه الرزق المقيم الدائم لأهله في الجنة.

قال الله: ﴿ هل يستويان مثلاً ﴾ قال: لا والله لا يستويان.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ ضرب الله مثلاً عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء ومن رزقناه منا رزقاً حسناً ﴾ و ﴿ رجلين أحدهما أبكم ﴾ ﴿ ومن يأمر بالعدل ﴾ قال: كل هذا مثل إله الحق، وما يدعون من دونه الباطل.

وأخرج ابن المنذر من طريق ابن جريج، عن ابن عباس في قوله: ﴿ ضرب الله مثلاً عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء ﴾ قال: يعني بذلك الآلهة التي لا تملك ضراً ولا نفعاً، ولا تقدر على شيء.

ينفعها ومن رزقناه منا رزقاً حسناً فهو ينفق منه سراً وجهراً قال علانية المؤمن الذي ينفق سراً وجهراً لله.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن في قوله: ﴿ ضرب الله مثلاً عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء ﴾ قال الصنم.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن الربيع بن أنس قال: إن الله ضرب الأمثال على حسب الأعمال، فليس عمل صالح، إلا له المثل الصالح، وليس عمل سوء، إلا له مثل سوء، وقال: إن مثل العالم المتفهم، كطريق بين شجر وجبل، فهو مستقيم لا يعوّجه شيء، فذلك مثل العبد المؤمن الذي قرأ القرآن وعمل به.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر.

عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية ﴿ ضرب الله مثلاً عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء ﴾ في رجل من قريش وعبده، في هشام بن عمر، وهو الذي ينفق ماله سراً وجهراً، وفي عبده أبي الجوزاء الذي كان ينهاه.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: ليس للعبد طلاق إلا بإذن سيده.

وقرأ ﴿ عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء ﴾ .

وأخرج البيهقي في سننه.

عن ابن عباس أنه سئل عن المملوك يتصدق بشيء؟

قال: ﴿ ضرب الله مثلاً عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء ﴾ لا يتصدق بشيء.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ ضرب الله مثلاً رجلين أحدهما أبكم ﴾ إلى آخر الآية.

يعني بالأبكم الذي ﴿ هو كل على مولاه ﴾ الكافر.

وبقوله: ﴿ ومن يأمر بالعدل ﴾ المؤمن.

وهذا المثل في الأعمال.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر، عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية ﴿ وضرب الله مثلاً رجلين أحدهما أبكم ﴾ في رجلين أحدهما عثمان بن عفان، ومولى له كافر، وهو أسيد بن أبي العيص، كان يكره الإسلام، وكان عثمان ينفق عليه ويكفله ويكفيه المؤنة، وكان الآخر ينهاه عن الصدقة والمعروف، فنزلت فيهما.

وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة والبخاري في تاريخه وابن أبي حاتم وابن مردويه والضياء في المختارة، عن ابن عباس في قوله: ﴿ ومن يأمر بالعدل ﴾ قال: عثمان بن عفان.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي في الآية قال: هذا مثل ضربه الله للآلهة أيضا.

أما الأبكم فالصنم، فإنه أبكم لا ينطق ﴿ وهو كل على مولاه ﴾ ينفقون عليه وعلى من يأتيه، ولا ينفق عليهم ولا يرزقهم ﴿ هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل ﴾ وهو الله.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر، عن قتادة في قوله: ﴿ أحدهما أبكم ﴾ قال: هو الوثن ﴿ هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل ﴾ قال: الله.

وأخرج ابن أبي حاتم وابن المنذر، عن ابن عباس في قوله: ﴿ كل ﴾ قال: الكل العيال.

كانوا إذا ارتحلوا حملوه على بعير ذلول، وجعلوا معه نفراً يمسكونه خشية أن يسقط، فهو عناء وعذاب وعيال عليهم ﴿ هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم ﴾ يعني نفسه.

وأخرج الطبراني عن ابن مسعود أنه قرأ خبر.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ وما أمر الساعة إلا كلمح البصر ﴾ هو أن يقول: كن أو أقرب، فالساعة ﴿ كلمح البصر أو أقرب ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي في قوله: ﴿ كلمح البصر ﴾ يقول: كلمح ببصر العين من السرعة.

أو ﴿ أقرب ﴾ من ذلك إذا أردنا.

وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج في قوله: ﴿ وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب ﴾ قال: هو أقرب، وكل شيء في القرآن أو، فهو هكذا ﴿ مائة ألف أو يزيدون ﴾ والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ ضَرَبَ الله مَثَلًا ﴾ أي بَيَّنَ الله شِبْهًا فيه بيانٌ للمقصود، ثم ذكر ذلك فقال: ﴿ عَبْدًا مَمْلُوكًا ﴾ إلى قوله: ﴿ سِرًّا وَجَهْرًا ﴾ قال مجاهد في هذه الآية والتي تليها: كل هذا مَثَلُ إله الحق وما يُدْعَى من دونه من الباطل (١) وقال السُّدي: هذا مَثَلٌ ضربه الله للآلهة؛ يقول: كما لا يستوي عندكم عبد مملوك لا يقدر من أمره على شيء ورجل حُرٌّ قد رُزق رزقًا حسنًا فهو ينفق منه سِرًّا وجَهرًا لا يخاف من أحد، فكذلك أنا وهذه الآلهة التي تَدْعُون، ليست تملك شيئًا وأنا الذي أملك وأرزق مَنْ شئت (٢) (٣) (٤) وفي الآية قول آخر، وهو: أن هذا مثل للمؤمن والكافر؛ قال عطاء عن ابن عباس: يريد أبا جهل بن هشام وأبا بكر الصديق (٥) ﴿ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا ﴾ هو المؤمن يطيع الله في نفسه وماله (٦) ﴿ هَلْ يَسْتَوُونَ ﴾ وجمع الفعل؛ لأن المراد بقوله: ﴿ عَبْدًا مَمْلُوكًا ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا ﴾ ، الشُّيوع في الجنس لا التخصيص (٧) واختار ابن قتيبة القول الأول (٨) ﴿ عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ ﴾ مَثَلُ من عُبِد مِن دونه؛ لأنه عاجزٌ مُدَبَّرٌ مملوكٌ لا يقدر على نفع ولا ضرّ، ثم قال: ﴿ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ ﴾ إلى قوله: ﴿ وَجَهْرًا ﴾ وهذا مَثَلُه جلَّ وعز؛ لأنه الواسع الجواد القادر الرَّزاق عباده جَهْرًا من حيث يعلمون وسرًّا من حيث لا يعلمون، قال: وهذا القول أعجب إليّ؛ لأن المَثَل توسَّط كلامين؛ هما لله جلّ وعز؛ أما الأول فقوله: ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ﴾ الآية.

فهذا (٩) (١٠) ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ (١١) ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ ﴾ هاهنا: أنه بَيَّنَ أن له الحمدَ على ما فعل بأوليائه، وأنعم عليهم بالتوحيد، هذا معنى قول ابن عباس (١٢) وقال غيره: بَيَّنَ أن له جميعَ الحمد، وأنه المستحق للحمد دون ما يعبدون من دونه؛ لأنه لا يَدَ للأصنام عندهم، ولا نعمة لها عليهم (١٣) ﴿ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ يقول: أكثر هؤلاء المشركين لا يعلمون أن الحمد لي؛ لأن جميع النعمة مني، وذكر الأكثر وهو يريد الجميع.

قال أهل المعاني: عزل البعض احتقارًا له أن يُذْكَر، وقال آخرون: هو من الخاص في صِيَغِهِ، الذي هو عموم في معناه، والمعنى: بل هم لا يعلمون (١٤) (١) ليس في تفسيره، وأخرجه الطبري 14/ 150 بنصه من طريقين، وانظر: "تفسير ابن عطية" 8/ 475، و"الدر المنثور" 4/ 235، وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.

(٢) ورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 2/ 422، بنصه.

(٣) "معاني القرآن" للفراء 2/ 111، بمعناه.

(٤) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 213، بتصرف يسير.

(٥) ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 160 ب، بنصه عن ابن جريج عن عطاء ضعيفة، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 33، وابن الجوزي 4/ 472، وقد روي عن ابن عباس أنهما: هشام بن عمرو، ومولاه الذي كان ينهاه، انظر: "معاني القرآن" للنحاس 4/ 93، و"تفسير ابن الجوزي" 4/ 472، و"الدر المنثور" 4/ 235 - 236، وعزاه إلى ابن جرير -روايته ليس فيها الشاهد- وابن أبي حاتم وابن مردويه، وابن == مردويه وابن عساكر وليس لتخصص الآية بهما داع، بل الآية عامة، وكفى بتضارب الأقوال المُعَيِّنة دليلاً على عدم التعيين، وقد أشار الواحدي رحمه الله إلى التعميم بقوله: المراد بقوله: ﴿ عَبْدًا مَمْلُوكًا ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا ﴾ ، الشُّيوع في الجنس لا التخصيص، وقد ردّ الجصاص هذا التخصيص بأمرين: بضعف الحديث الوارد، وبظاهر اللفظ؛ فقال: وظاهر اللفظ ينفيها؛ لأنه لو أراد عبداً بعينه لعرَّفه ولم يذكره بلفظ منكور، وأيضًا معلوم أن الخطاب في ذكر عبدة الأوثان والاحتجاج عليهم ...

إلخ.

انظره في: "تفسيره" 3/ 187، وهو كلام نفيس في الردّ على تخصيص هذا المثل والذي يليه، وانظر: "تفسير ابن عطية" 8/ 476، والفخر الرازي 20/ 84، وأبي حيان 5/ 519.

(٦) أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (2/ 359) بنصه، والطبري 14/ 150 - 151 من طريقين بنصه وبنحوه، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 92، بمعناه، و"تفسير الطوسي" 6/ 408، بمعناه، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 472، و"تفسير القرطبي" 10/ 147، و"الدر المنثور" 4/ 234 - 235، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.

والغريب أن لابن عباس قولاً مثله -حتى إن كثيرًا من المفسرين نسبوا القول إليهما، بل إن بعضهم اكتفى بنسبته إلى ابن عباس -  ما- ومع ذلك لم يذكره واكتفى بنسبته لقتادة.

(٧) قال الثعلبي: ﴿ هَلْ يَسْتَوُونَ ﴾ ولم يقل: هل يستويان؛ لمكان (مَنْ) لأنه اسم مبهم يصلح للواحد والاثنين والجمع والمذكر والمونث."تفسير الثعلبي" 2/ 160 ب.

(٨) وكذلك رجحه ابن عطية 8/ 476، والفخر الرازي 20/ 84، وأبوحيان 5/ 519، وابن القيم في "الأمثال" ص 205.

(٩) في جميع النسخ: (عهد الله)، وهو تصحيف، والتصويب من المصدر.

(١٠) ما بين القوسين كتب على الهامش في نسخة (أ).

(١١) "تأويل مشكل القرآن" ص 384 - 385، بتصرف واختصار، وورد نحوه في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 92.

(١٢) قال: الحمد لله على ما فعل بأوليائه وأنعم عليهم بالتوحيد.

انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 85، بنصه، وأبي حيان 5/ 519، بنصه.

(١٣) ورد في "تفسير الطبرى" 14/ 149، بنحوه، والثعلبي 2/ 160 ب، بنحوه، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 33، وابن الجوزي 4/ 473، والفخر الرازي 20/ 85، و"تفسير القرطبي" 10/ 148، والخازن 3/ 127.

(١٤) انظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 473، و"تفسير القرطبي" 11/ 480، وأبي حيان 5/ 519.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ ضَرَبَ الله مَثَلاً عَبْداً مَّمْلُوكاً ﴾ الآية: مثل لله تعالى وللأصنام، فالأصنام كالعبد المملوك الذي لا يقدر على شيء، والله تعالى له الملك، وبيده الرزق ويتصرف فيه كيف يشاء، فكيف يسوي بينه وبين الأصنام، وإنما قال: لا يقدر على شيء، لأن بعض يقدرون على بعض الأمور كالمكاتب والمأذون له ﴿ وَمَن رزقناه ﴾ من هنا نكرة موصوفة، والمراد بها من هو حر قادر كأنه قال: حرّاً رزقناه ليطابق عبداً، ويحتمل أن تكون موصولة ﴿ هَلْ يَسْتَوُونَ ﴾ أي هل يستوي العبيد والأحرار الذي ضرب لهم المثل ﴿ الحمد لِلَّهِ ﴾ شكراً لله على بيان هذا المثال ووضوح الحق ﴿ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ يعني الكفار.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ تجحدون ﴾ بتاء الخطاب: أبو بكر وحماد.

الآخرون على الغيبة.

﴿ من بطون إمهاتكم ﴾ ونحوها بكسر الهمزة وفتح الميم: عليّ.

﴿ إمهاتكم ﴾ بكسرهما: حمزة.

الباقون بضم الهمزة وفتح الميم.

﴿ ألم تروا ﴾ على الخطاب: ابن عامر وحمزة وخلف وسهل ويعقوب ﴿ ظعنكم ﴾ بسكون العين: عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن عامر الباقون بفتحها.

الوقوف: ﴿ في الرزق ﴾ ج لاختلاف الجملتين مع الفاء ﴿ سواء ﴾ ط ﴿ يجحدون ﴾ ه ﴿ من الطيبات ﴾ ط ﴿ يكفرون ﴾ ه لا للعطف ﴿ ولا يستطيعون ﴾ ه ج لابتداء النهي مع فاء التعقيب ﴿ الأمثال ﴾ ط ﴿ لا تعلمون ﴾ ه ﴿ وجهراً ﴾ ط ﴿ هل يستوون ﴾ ط ﴿ الحمد لله ﴾ ط لأن "بل" للإعراض عن الأول.

﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ مولاه ﴾ لا لأن الجملة بعده صفة أحدهما ﴿ بخير ﴾ ط ثم لا وقف إلى مستقيم لاتحاد الكلام ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ أقرب ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ شيئاً ﴾ لا للعطف ﴿ والأفئدة ﴾ لا لتعلق ﴿ لعلكم تشكرون ﴾ ه ﴿ السماء ﴾ ط للفصل بين الاستخبار والإخبار ﴿ إلا الله ﴾ ط ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ إقامتكم ﴾ لا لوقوع ﴿ جعل ﴾ على ﴿ أثاثاً ﴾ ﴿ إلى حين ﴾ ه ﴿ باسكم ﴾ ط ﴿ تسلمون ﴾ ه ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ الكافرون ﴾ ه.

التفسير: لما بين خلق الإنسان وتقلبه في أطوار مراتب العمر أراد أن يذكره طرفاً من سائر أحواله لعله يتذكر فقال: ﴿ والله فضّل بعضكم على بعض في الرزق ﴾ ولا ريب أن ذلك أمر مقسوم من قبل القسام وإلا لم يكن الغافل رخي البال والعاقل ردي الحال، وليس هذا التفاوت مختصاً بالمال وإنما هو حاصل في الحسن والقبح والصحة والسقم وغير ذلك، فلرب ملك تقاد الجنائب بين يديه ولا يمكنه ركوب واحدة منها، وربما أحضرت الأطعمة الشهية والفواكه العطرة عنده ولا يقدر على تناول شيء منها، وربما نرى إنساناً كامل القوة صحيح المزاج شديد البطش ولا يجد ملء بطنه طعاماً.

وللمفسرين في الآية قولان: أحدهما أن المراد تقرير كون السعادة والنحوسة والغنى والفقر بقسمة الله تعالى، وأنه جعل بعض الناس موالي وبعضهم مماليك وليس المالك رازقاً للعبد وإنما الرازق للعبد والمولى هو الله، فلا تحسبن الموالي المفضلين أنهم يرزقون مماليكهم من عندهم شيئاً من الرزق وإنما ذلك رزقي لهم أجريته لهم على أيديهم.

وثانيهما أن المراد الرد على من أثبت لله شريكاً كالصنم أو كعيسى، فضرب له مثلاً فقال: أنتم لا تسوّون بينكم وبين عبيدكم فيما أنعمت به عليكم ولا تردّون رزقكم عليهم حتى تتساووا في المطعم والملبس.

فالفاء في قوله: ﴿ فهم فيه سواء ﴾ للتعليل.

ولك أن تقول بمعنى "حتى" أي حتى يكون عبيدهم معهم سواء في الرزق، فكيف رضيتم أن تجعلوا عبيدي لي شركاء؟!

"عن أبي ذر  أنه سمع رسول الله  يقول في العبيد: إنما هم إخوانكم فاكسوهم مما تلبسون وأطعموهم مما تطعمون" فما رؤي عبده بعد ذلك إلا ورداؤه رداؤه وإزاره إزاره من غير تفاوت ﴿ أفبنعمة الله ﴾ وهي أنه جعلهم موالي مفضلين لا عبيداً مفضولين ﴿ يجحدون ﴾ أو جعل عدم التسوية بينهم وبين عبيدهم من جملة جحود النعمة، أو جعل اعتقاد أهلية العبادة لغير الله كفراً بنعمة الله والجحود في معنى الكفران فلذلك عداه بالباء.

قال أبو عبيدة وأبو حاتم.

قراءة الغيبة - وهي الكثرى - أولى لقرب المخبر عنه، ولأنه لو كان خطاباً كان ظاهره للمسلمين وإنهم لا يخاطبون بجحد نعمة البتة.

الحالة الأخرى من أحوال الإنسان قوله عم طوله: ﴿ والله جعل لكم من أنفسكم ﴾ أي من جنسكم ﴿ أزواجاً ﴾ ليكون الأنس به أتم.

ولا ريب أن تخليق الذكور والإناث مستند إلى قدرة الله وتكوينه.

والطبيعيون قد يذكرون له وجهاً قالوا: إن المني إذا انصب من الخصية اليمنى إلى الذكر ثم انصب منه إلى الجانب الأيمن من الرحم كان الولد ذكراً تاماً في الذكورة بناء على أن الذكر أسخن مراجاً وكذا الجانب الأيمن، وإن انصب من الخصية اليسرى إلى الجانب الأيسر من الرحم كان الولد تاماً في الأنوثية، وإذا انصب من اليمنى إلى الأيسر كان ذكراً في طبيعة الإناث، وإن كان بالعكس كان بالعكس.

قال الإمام فخر الدين الرازي: هذه العلة ضعيفة فقد رأينا في النساء من كان مزاجه في غاية السخونة وفي الرجال من كان في غاية البرودة.

ولقائل أن يقول: الكلام في المزاج الصنفي لا في المزاج الشخصي، وهذا الإمام لم يفرق بينهما فاعترض بأحدهما على الآخر.

﴿ وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة ﴾ أصل الحفد الإسراع في الخدمة.

والفاعل حافد والجمع حفدة.

فقيل: أراد بها في الآية الأختان على البنات.

وقيل: أولاد الأولاد.

وقيل: أولاد المرأة من الزوج الأوّل وقيل: الخدم والأعوان.

وقيل: البنون أنفسهم الجامعون بين الأمرين البنوّة والخدمة.

وقيل: الأولى دخول الكل فيه.

ثم ذكر إنعامه عليهم بالمطعومات الطيبة لأن لذة المنكوح لا تهنأ إلا بعد الفراغ من لذة المطعوم أو بعد الفراغ من تحصيل أسبابها.

وأورد "من" التبعيضية لأن لذة كل الطيبات لا تكون إلا في الجنة.

ثم ختم الآية بقوله: ﴿ أفبالباطل يؤمنون ﴾ فقيل: الباطل هو ما اعتقدوه من منفعة الأصنام وبركتها وشفاعتها ونعمة الله ما عدده في الآيات السابقة.

وقيل: الباطل ما زين لهم الشيطان من تحريم البحيرة والسائبة وغيرهما، ونعمة الله ما أحل لهم.

وإنما قال ههنا: ﴿ وبنعمة الله هم يكفرون ﴾ وفي آخر "العنكبوت" ﴿ وبنعمة الله يكفرون  ﴾ لأن تلك الآيات استمرت على الغيبة فلم يحتج إلى زيادة ضمير الغائب.

وأما في الآية فقد سبق مخاطبات كثيرة فلم يكن بد من ضمير الغائب المؤكد لئلا يلتبس بالخطاب.

ولما عدّد بعض الآيات الدالة على الإقرار بالتوحيد أنكر صنيع أهل الشرك عليهم قائلاً ﴿ ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقاً ﴾ قال جار الله: إن كان بمعنى المصدر نصبت به شيئاً أي لا يملك أن يرزق شيئاً، وإن أردت المرزوق كان شيئاً بدلاً منه بمعنى قليلاً أو يكون تأكيداً للا يملك أي لا يملك شيئاً من الملك.

و ﴿ من السموات والأرض ﴾ صلة للرزق إن كان مصدراً بمعنى لا يرزق من السموات مطراً ولا من الأرض نباتاً وصفة إن كان اسماً لما يرزق.

أما الضمير في ﴿ ولا يستطيعون ﴾ فعائد إلى ما بعد أن قيل لا يملك على اللفظ المفرد وجمع بالواو والنون بناء على زعمهم أن الأصنام آلهة.

والفائدة في نفي الاستطاعة عنهم أن من لا يملك شيئاً قد يكون موصوفاً باستطاعة أن يتملك بطريق من الطرق، فبيّن  أنها لا تملك ولا تستطيع تحصيل الملك.

وجوّز في الكشاف أن يكون الضمير للكفار أي لا يستطيع هؤلاء مع أنهم أحياء متصرفون فكيف بالجماد الذي لا حس له؟

﴿ فلا تضربوا لله الأمثال ﴾ أي لا تشبهوه بخلقه فإن ضارب المثل مشبه حالاً بحال وقصة بقصة.

وقال الزجاج: لا تجعلوا لله مثلاً لأنه واحد لا مثل له.

وكانوا يقولون إن إله العالم أجل من أن يعبده الواحد منا فكانوا يتوسلون إلى الأصنام والكواكب، كما أن أصاغر الناس يخدمون أكابر حضرة الملك، وأولئك الأكابر يخدمون الملك فنهوا عن غير الحنيفية والإخلاص.

وعلل النهي بقوله: ﴿ إن الله يعلم ﴾ ما عليكم من العقاب ﴿ وأنتم لا تعلمون ﴾ ما في عبادتها من العذاب.

وفيه أن القياس الذي توهموه ليس بصحيح والنص يجب تقديمه على ذلك.

وقيل: إن الله يعلم كيف يضرب الأمثال وأنتم لا تعلمون.

ثم علمهم كيف تضرب فقال: ﴿ ضرب الله مثلاً ﴾ ثم أبدل من المثل قوله: ﴿ عبداً مملوكاً ﴾ لا حراً فإن جميع الناس عبيد لله فلا يلزم من كونه عبداً كونه مملوكاً.

وقوله: ﴿ لا يقدر على شيء ﴾ ليخرج العبد المأذون والمكاتب فإنهما يقدران على التصرف.

احتج الفقهاء بالآية على أن العبد لا يملك شيئاً وإن ملكه السيد لأن قوله: ﴿ لا يقدر ﴾ حكم مذكور عقيب الوصف المناسب، فدل على أن العبدية أينما وجدت فهي علة للذل والمقهورية وعدم القدرة، فثبت العموم وهو أن كل عبد فهو لا يقدر على التصرف.

وأيضاً قوله: ﴿ ومن رزقناه منا رزقاً حسناً ﴾ يقتضي أن لا يحصل للقسم الأوّل هذا الوصف.

فلو ملك العبد شيئاً ما صدق عليه أن الله قد آتاه الرزق الحسن فلم يثبت الامتياز، والأكثرون على أن عدم اقتدار العبد مخصوص بماله تعلق بالمال.

وعن ابن عباس أنه لا يملك الطلاق أيضاً.

قال جار الله: الظاهر أن "من" في قوله: ﴿ ومن رزقناه ﴾ موصوفة كأنه قيل: وحراً رزقناه ليطابق عبداً.

ولا يمتنع أن تكون موصولة.

وجمع قوله: ﴿ هل يستوون ﴾ لأنه أراد الأحرار والعبيد.

وللمفسرين في مضرب المثل أقوال: فالأكثرون على أنه أراد أنا لو فرضنا عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء، وفرضنا حراً كريماً غنياً كثير الإنفاق سراً وجهراً، فصريح العقل يشهد بأنه لا يجوز التسوية بينهما مع استوائهما في الخلقة والصورة، فكيف يجوز للعاقل أن يسوّى بين الله القادر على الرزق والإفضال وبين الأصنام التي لا تملك ولا تقدر ألبتة؟!

وقيل: العبد المملوك هو الكافر المحروم عن طاعة الله وعبوديته، والآخر هو المؤمن المشتغل بالتعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله.

والغرض أنهما لا يستويان في الرتبة والشرف والقرب من رضوان الله.

وقيل: العبد هو الصنم لقوله: ﴿ إن كل من في السموات والأرض إلا آتِى الرحمن عبداً  ﴾ .

والثاني عابد الصنم.

والمراد أنهما لا يستويان في القدرة والتصرف.

لأن الأوّل جماد وهذا إنسان فكيف يجوز الحكم بأن الأول مساوٍ لرب العالمين؟!.

﴿ الحمد لله ﴾ قال ابن عباس: أراد الحمد لله على ما فعل بأوليائه وأنعم عليهم بالتوحيد.

وقيل: معناه كل الحمد لله وليس شيء من الحمد للأصنام لأنه لا نعمة لها على أحد ﴿ بل أكثرهم لايعلمون ﴾ أن كل الحمد لي.

وقيل: أراد قل الحمد لله.

والخطاب إما للرسول  وإما لمن رزقه الله رزقاً حسناً وميزه بالقدرة والاختيار والتصرف من العبد الذليل الضعيف.

وقيل: لما ذكر مثلاً مطابقاً للغرض كاشفاً عن المقصود قال: ﴿ الحمد لله ﴾ أي على قوة هذه الحجة وظهور هذه البينة ﴿ بل أكثرهم لا يعلمون ﴾ قوّتها وظهورها.

ثم ضرب مثلاً ثانياً لنفسه ولما يفيض على عباده من النعم الدينية والدنيوية وللأصنام التي هي أموات لا تضر ولا تنفع بل يصل منها إلى من يعبدها أعظم المضار.

أما تفسير الألفاظ فالأبكم العي المفحم وقد بكم بكماً وبكامة.

وقيل: هو الأقطع اللسان الذي لا يحسن الكلام.

وروى ثعلب عن ابن الأعرابي أنه الذي لا يسمع ولا يبصر.

وقوله: ﴿ وهو كلٌّ على مولاه ﴾ أصله من الغلظ الذي هو نقيض الحدة.

يقال: كَلَّ السكين إذا غلظت شفرته، وكَلَّ اللسان إذا غلظ فلم يقدر على الكلام، وكَلَّ فلان عن الكلام إذا ثقل عليه ولم ينبعث فيه، وفلان كَلٌّ على مولاه أي ثقيل وعيال على من يلي أمره.

وقوله: ﴿ أينما يوجهه ﴾ حيثما يرسله ﴿ لا يأت بخير ﴾ لم ينجح في مطلبه.

والتوجيه أن ترسل صاحبك في وجه معين من الطريق ﴿ هل يستوي هو ﴾ أي الموصوف بهذه الصفات المذكورة.

﴿ ومن يأمر ﴾ الناس ﴿ بالعدل وهو ﴾ في نفسه ﴿ على صراط مستقيم ﴾ على سيرة صالحة ودين قويم غير منحرف إلى طرفي الإفراط والتفريط.

ولا شك أن الآمر بالعدل يجب أن يكون عالماً حتى يمكنه التمييز بين العدل والجور.

قادراً حتى يتأتى منه الإتيان بالخير والأمر به، وكلا الوصفين يناقض كونه أبكم لا يقدر.

قال مجاهد: هذا مثل لإله الخلق وما يدعى من دونه.

أما الأبكم فمثل الصنم لأنه لا ينطق ألبتة ولا يقدر على شيء وهو كَلٌّ على عابديه لأنه لا ينفق عليهم وهم ينفقون عليه وإلى أيّ مهم يوجه الصنم لا يأتي بخير، وأما الذي يأمر بالعدل فهو الله  .

وروى الواحدي بإسناده عن عكرمة عن ابن عباس قال: نزلت الآية المتقدمة في هشام بن عمرو وهو الذي ينفق ماله سراً وجهراً، ومولاه أبو الحوار الذي كان ينهاه عنه.

وهذه الآية نزلت في سعيد بن أبي العيص وفي عثمان بن عفان مولاه.

والأصح أن المقصود من الآية الأولى كل عبد موصوف بالصفات الذميمة وكل حر موصوف بالخصال الحميدة.

ومن الآية الثانية كل رجل جاهل عاجز وكل من هو بضد ذلك من كونه شامل العلم كامل القدرة وليس إلا الله  فلذلك مدح نفسه بقوله: ﴿ ولله غيب السموات والأرض ﴾ أي يختص به علم ما غاب عنه العباد فيهما، أو أراد بغيبهما يوم القيامة لأن علمه غائب عن غير الله ويؤيد هذا التفسير قوله: ﴿ وما أمر الساعة إلا كلمح البصر ﴾ اللمح النظر بسرعة ولا بد فيه من زمان تتقلب فيه الحدقة نحو المرئي وكل زمان قابل للتجزئة فلذلك قال: ﴿ أو هو أقرب ﴾ وليس هذا من قبيل المبالغة وإنما هو كلام في غاية الصدق لأن مدّة ما بين الخطاب وقيام الساعة متناهية، ومنها إلى الأبد غير متناه ولا نسبة للمتناهي إلى غير المتناهي.

وقيل: معنى أمر الساعة أن إماتة الأحياء وإحياء الأموات كلهم يكون في أقرب وقت وأقله.

ثم أكده بقوله: ﴿ إن الله على كل شيء قدير ﴾ .

ثم زاد في التأكيد بذكر حالة أخرى للإنسان دالة على غاية قدرته ونهاية رأفته فقال: ﴿ والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً ﴾ قال جار الله: هو في موضع الحال أي غير عالمين شيئاً من حق المنعم الذي خلقكم في البطون وسوّاكم وصوّركم ثم أخرجكم من الضيق إلى السعة.

وقوله: ﴿ وجعل لكم ﴾ معناه وما ركب فيكم هذه الأشياء إلا آلات لإزالة الجهل الذي ولدتم عليه واجتلاب العلم والعمل به من شكر المنعم وعبادته والقيام بحقوقه والترقي إلى ما يسعدكم.

﴿ والأفئدة ﴾ في فؤاد كالأغربة في غراب، وهو من جموع القلة التي تستعمل في مقام الكثرة أيضاً لعدم ورود غيرها.

واعلم أن جمهور الحكماء زعموا أن الإنسان في مبدأ فطرته خال عن المعارف والعلوم إلا أنه  خلق السمع والبصر والفؤاد وسائر القوى المدركة حتى ارتسم في خياله بسبب كثرة ورود المحسوسات عليه حقائق تلك الماهيات وحضرت صورها في ذهنه، ثم إن مجرد حضور تلك الحقائق إن كان كافياً في جزم الذهب بثبوت بعضها لبعض أو انتفاء بعضها عن بعض فتلك الأحكام علوم بديهية، وإن لم تكن كذلك بل كانت متوقفة على علوم سابقة عليها ولا محالة تنتهي إلى البديهيات قطعاً للدور أو التسلسل فهي علوم كسبية.

وظهر أن السبب الأول لحدوث هذه المعارف في النفوس الإنسانية هو أن الله  أعطى الحواس والقوى الدرّاكة للصور الجزئية.

وعندي أن النفس قبل البدن موجودة عالمة بعلوم جمة وهي التي ينبغي أن تسمى بالبديهيات، وإنما لا يظهر آثارهاعليها عند انفصال الجنين من الأم لضعف البدن واشتغالها بتدبيره، حتى إذا قوي وترقى ظهرت آثارها شيئاً فشيئاً وقد برهنا على هذه المعاني في كتبنا الحكمية.

فالمراد بقوله: ﴿ لا تعلمون شيئاً ﴾ أنه لا يظهر أثر العلم عليكم.

ثم إنه بتوسط الحواس الظاهرة والباطنة يكتسب العلوم المتوقفة على التعلق.

ومعنى ﴿ لعلكم تشكرون ﴾ إرادة أن تصرفوا كل آلة فيما خلقت لأجله.

وليس الواو للترتيب حتى يلزم من عطف ﴿ جعل ﴾ على ﴿ أخرج ﴾ أن يكون جعل السمع والبصر متأخراً عن الإخراج من البطن، وقد مر في أول البقرة في تفسيره قوله: ﴿ ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم  ﴾ أنه لم وحد السمع وجمع غيره؟

ثم ذكر دليلاً آخر على كمال قدرته فقال: ﴿ ألم يروا إلى الطير مسخرات ﴾ مذللات للطيران بما خلق لها من الأجنحة وسائر الأسباب المواتية لذلك كرقة قوام الهواء وإلهامهن بسط الجناح وقبضه فيه عمل السابح في الماء.

وفي ﴿ جوّ السماء ﴾ أي في الهواء المتباعد من الأرض في سمت العلو وهو مضاعف عينه ولامه واو ﴿ ما يمسكهن إلا الله ﴾ بقدرته أو بإعطاء الآلات التي لأجلها يتسهل عليها الطيران.

ومن جملة أحوال الإنسان قوله: ﴿ والله جعل لكم من بيوتكم سكناً ﴾ هو ما يسكن إليه من بيت أو إلف ﴿ جعل لكم من جلود الأنعام بيوتاً ﴾ هي القباب والأبنية من الأدم والأنطاع ﴿ تستخفونها ﴾ أي تعدونها خفيفة المحمل في الضرب والنقض والنقل ﴿ يوم ظعنكم ﴾ أي في وقت ارتحالكم.

والظعن بفتح العين وسكونها سير أهل البادية لنجعة، ثم استعمل في كل شخوص لسفر.

﴿ ويوم إقامتكم ﴾ لا يثقل عليكم حفظها ونقلها من مكان إلى مكان، ويمكن أن يكون اليوم على حقيقته أي يوم ترجعون خف عليكم حملها ونقلها ويوم تنزلون وتقيمون في مكان لم يثقل عليكم ضربها ﴿ ومن أصوافها ﴾ وهي للضأن ﴿ وأوبارها ﴾ وهي للإبل ﴿ وأشعارها ﴾ وهي للمعز ﴿ أثاثاً ﴾ وهو متاع البيت.

قال الفراء لا واحد له.

وقال أبو زيد: الأثاث المال أجمع الإبل والغنم والعبيد والمتاع الواحدة أثاثة.

قال ابن عباس: أراد طنافس وبسطاً وثياباً وكسوة.

وقال الخليل: أصله من أن النبات والشعر يئث إذا كثر.

قيل: إنه  عطف قوله: ﴿ ومتاعاً ﴾ على ﴿ أثاثاً ﴾ فوجب أن يتغايرا فما الفرق؟

وأجيب بأن الأثاث ما يكتسي به المرء ويستعمله من الغطاء والوطاء.

والمتاع ما يفرش في المنازل ويتزين به.

قلت: لا يبعد أن يراد بالأثاث والمتاع ما هو الجامع بين الوصفين كونه أثاثاً وكونه مما يتمتع به ﴿ إلى حين ﴾ أي إلى أن تقضوا أوطاركم منه أو إلى أن تبلى وتفنى أو إلى الموت أو إلى القيامة.

ثم إن المسافر قد لا يكون له خيام وأبنية يستظل بها لفقر أو لعارض آخر فيحتاج إلى أن يستظل بشجر أو جدار أو غمام ونحوها فذلك قال: ﴿ والله جعل لكم مما خلق ظلالاً ﴾ وقد يحتاج المسافر إلى حصن يأوي إليه في نزوله وإلى ما يدفع به عن نفسه آفات الحر والبرد وسائر المكاره وكذا المقيم فلذلك منّ بقوله: ﴿ وجعل لكم من الجبال أكناناً ﴾ هي جمع "كن" وهو ما يستكن به ويتوقى بسببه الأمطار كالبيوت المنحوته في الجبال وكالغيران والكهوف ﴿ وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر ﴾ وهي القمصان والثياب من الصوف والقطن والكتان وغيرها.

وإنما لم يذكر البرد لأن الوقاية من الحر أهم عندهم لغلبة الحرارة في بلادهم على أن ذكر أحد الضدين يغني في الأغلب عن ذكر الآخرة لتلازمهما في الخطور بالبال غالباً بشهادة الوجدان.

قال الزجاج: كل ما لبسته فهو سربال فعلى هذا يشمل الرقيق والكثيف والساذج والمحشوّ من الثياب ﴿ وسرابيل تقيكم بأسكم ﴾ كالدروع والجواشن ﴿ كذلك يتم نعمته ﴾ أي مثل ما خلق هذه الأشياء لكم وأنعم بها عليكم فإنه يتم نعم الدين والدنيا ﴿ لعلكم تسلمون ﴾ قال ابن عباس: لعلكم يا أهل مكة تخلصون لله الربوبية وتعلمون أنه لا يقدر على هذه الإنعامات سواه.

وعنه أنه قرأ بفتح التاء واللام من السلامة أي تسلم قلوبكم من الشرك، أو تشكرون فتسلمون من العذاب.

وقيل: تسلمون من الجرح بلبس الدروع ﴿ فان تولوا ﴾ فقد تمهد عذرك ﴿ فإنما عليك البلاغ المبين ﴾ وليس إليك الهداية.

ثم ذمهم بأنهم ﴿ يعرفون نعمة الله ﴾ التي عددناها حيث يعترفون بها وبأنها من عند الله ﴿ ثم ينكرونها ﴾ بعبادة غير من أنعم بها وبقولهم هي من الله ولكنها بشفاعة آلهتنا.

ومعنى "ثم" تبعيد رتبة الإنكار عن العرفان: وقيل: إنكارها قولهم ورثناها من آبائنا أو وصل إلينا بتربية فلان، أو أنهم لا يستعملونها في طلب رضوان الله.

وقيل: نعمة الله نبوّة محمد  كانوا يعرفونه ثم ينكرون نبوّته عناداً.

وإنما قال: ﴿ وأكثرهم الكافرون ﴾ لأنه استعمل الأكثر مقام الكل أو أراد البالغين العقلاء منهم دون الأطفال والمجانين، أو أراد كفر الجحود ولم يكن كفر كلهم كذلك بل كان فيهم من كفر للجهل بصدق الرسول، أو لأنه لم تقم الحجة عليه بعد هذا ما قاله المفسرون.

قلت: ويحتمل أن يراد بالكافرين المصرين الثابتين على كفرهم وقد علم الله أن في مطلق الكفرة من يؤمن فلهذا استثناهم والله  أعلم.

التأويل: فضل الأرواح على القلوب في رزق المكاشفات والمشاهدات بعد الفناء والرد إلى البقاء، وفضل القلوب على النفوس في رزق الزهد والورع والتقوى والصدق واليقين والإيمان والتوكل والتسليم والرضا، وفضل النفوس على الأبدان في رزق التزكية والتخلية والتحلية، وفضل أبدان المؤمنين على أبدان الكافرين بحمل أعباء الشريعة.

فما الأرواح برادّي رزقهم على القلوب، ولا القلوب على النفوس، ولا النفوس على الأبدان.

أفبنعمة الله التي أنعم بها على أوليائه تجحدون يا منكري هذا الحديث ﴿ والله جعل لكم من أنفسكم أزواجاً ﴾ يعني ازدواج الأرواح والأشباح ﴿ وجعل لكم من أزواجكم بنين ﴾ وهم القلوب ﴿ وحفدة ﴾ وهن النفوس ﴿ أفبالباطل ﴾ وهو الزخارف والوساوس ﴿ يؤمنون وبنعمة الله ﴾ التي أنعم بها على أرباب القلوب ﴿ يكفرون ﴾ ويعبدون من دون الله كالدنيا والهوى ﴿ ما لا يملك لهم زرقاً ﴾ من سموات القلوب وأرض النفوس شيئاً من الكمالات التي أودع الله فيهن، ولا يستخرج منها إلا بعبادة الله ولا يستطعيون استخراجها بعبادة غير الله ﴿ فلا تضربوا لله الأمثال ﴾ بأن تريدوا أن تصلوا إلى المقاصد بغير طريق الله ﴿ ضرب الله مثلاً عبداً ممولكاً ﴾ للهوى وللدنيا ﴿ ومن رزقناه ﴾ ولاية كاملة يتصرف بها في بواطن المستعدين وظواهرهم.

﴿ بل أكثرهم لا يعلمون ﴾ أولياء الله لأنهم تحت قباب الله لا يعرفهم غيره.

﴿ أحدهما أبكم ﴾ هو النفس الحيوانية التي لا تقدر على شيء من العلم والعقل والإيمان وهو ثقل على مولى الروح المسمى بالنفس الناطقة.

﴿ لا يأت بخير ﴾ لأنها أمارة بالسوء ﴿ ولله غيب ﴾ سموات الأرواح النفوس لا يقف على خاصيتهما غيره، ولو وكل كلاً منهما إلى طبعها لم ترجع إلى ربها، ورجوعها يكون بالإماتة والإحياء ويميتها عن أوصافها ويحييها بصفاته وهو المراد بأمر الساعة لأن الإماتة بتجلي صفات الجلال والإحياء بتجلي صفات الجمال، وإذا تجلى الله لعبد لم يبق له زمان ولا مكان فلذلك قال: ﴿ أو هو أقرب ﴾ وحنيئذ يكون فانياً عن وجوده باقياً ببقائه ﴿ والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً ﴾ من أمور الدنيا والآخرة ولا مما كانت أرواحكم تعلم في عالم الأرواح ولا مما كانت تعلم ذراتكم من فهم خطاب ﴿ ألست بربكم  ﴾ وجواب ﴿ بلى  ﴾ وجعل لأجسادكم السمع والأبصار والأفئدة كما للحيوانات ولأرواحكم كما للملائكة.

ولأسراركم سمعاً يسمع به من الله وبصراً يبصر به الله وفؤاداً يعرف به الله.

وبوجه آخر: {والله أخرجكم من العدم وهو الأم الحقيقي، لا تعلمون شيئاً قبل أن يعلمكم الله  أسماء كل شيء، فتجلى لكم بربوبيته فبنور سمعه أعطاكم سمعاً تسمعون به خطاب ألست بربكم، وبنور بصره أعطاكم بصراً تبصرون به جماله، وبنور علمه أعطاكم فؤاداً تعرفون به كماله، وبنور كلامه أعطاكم لساناً.

تجيبونه بقولكم "بلى" ﴿ لعلكم تشكرون ﴾ فلا تسمعون بهذا السمع إلا كلامه، ولا تبصرون بهذا البصر إلا جماله، ولا تحبون بهذا الفؤاد إلا ذاته، ولا تكلمون بهذا الكلام إلى معه ﴿ ألم يروا إلى ﴾ طير الأرواح ﴿ مسخرات في جوّ ﴾ سماء القلوب ﴿ ما يمسكهن ﴾ في سفل الأجساد ﴿ إلا الله ﴾ بحكمته فلذلك قال: ﴿ والله جعل لكم ﴾ أيها الأرواح ﴿ من بيوتكم ﴾ وهي الأجساد ﴿ سكنا وجعل لكم من جلود الأنعام ﴾ التي هي أجساد اشتركت فيها سائر الحيوانات ﴿ بيوتاً ﴾ تستخف أرواحكم إياها وهي النفوس الحيوانية، وقواها وقت السير إلى الله والوقفة للاستراحة والتربية ﴿ ومن أصوافها ﴾ هي الصفات الحيوانية والحواس والقوى ﴿ أثاثاً ﴾ آلات للسير ﴿ ومتعاً ﴾ ينتفع بها ﴿ إلى حين ﴾ الوصول والوصال.

﴿ والله جعل لكم مما خلق ظلالاً ﴾ أي جعل عالم الخلق ظل عالم الأمر تستظل أيها الأرواح به عند طلوع شمس التجلي وإلا لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره.

و ﴿ وجعل لكم من ﴾ جبال القلوب ما يكن به الأرواح، وجعل لأرواحكم سرابيل من الصفات البشرية تقيكم حر نار المحبة، وسرابيل من الصفات الروحانية تقيكم من سهام الوساوس والهواجس كذلك يحفظكم من الآفات من الصفات بالكرامات حتى يتم نعمة الوصول عليكم وتسلموا من قطع الطريق ﴿ يعرفون نعمة الله ﴾ بتعريفك ﴿ وأكثرهم الكافرون ﴾ بك وبنعمة الله إظهاراً للقهر والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِّنَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ شَيْئاً ﴾ فائدة ذكر هذا لنا - والله أعلم - لئلا نتبع بعض المخلوقين بأهوائنا، ولا نكل في أمورنا إلى من نعلم أنه لا يملك ضرّاً ولا نفعاً، ولا يستطيع شيئاً من الرزق، كما تبع أولئك في عبادة من يعلمون أنه لا يملك شيئاً، ولا نفعاً ولا ضرّاً فيعبدونه؛ يذكر سفههم في عبادتهم من يعلمون أنه لا يملك شيئاً من النفع والضر والرزق لئلا نعمل نحن مثل صنيعهم بمن دون الله من المخلوقين.

ثم اختلف في قوله: ﴿ مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِّنَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ شَيْئاً ﴾ قال الحسن: هو على التقديم، أي: يعبدون من دون الله شيئاً لا يملك لهم ما ذكر.

وقال بعضهم: يعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقاً من السماوات والأرض، ولا يستطيعون شيئاً.

وقال بعضهم: يعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقاً من السماوات والأرض ولا [يستطيعون] شيئاً.

وقال بعضهم: يعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا من السماوات والأرض ولا شيئاً ﴿ فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلَّهِ ٱلأَمْثَالَ ﴾ أي: لا تتخذوا لله أمثالا من الخلق وأشباها في ألوهيته وعبادته، أو لا تقولوا لله إن له أشباهاً وأمثالا.

أو يقول: فلا تجعلوا لله أمثالا في العبادة له، وأشباها في تسميتها آلهة، على علم منكم أن ما يكون لكم إنما يكون بالله لا بالأصنام التي تجعلونها أمثالا لله في العبادة والألوهية.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلَّهِ ٱلأَمْثَالَ ﴾ أي: فلا تضربوا لأولياء الله الأمثال، فإنه قد بين محل أوليائه ومكانهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ ﴾ أن لا مثل له من الخلق ولا شبه ﴿ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ ذلك، أو أن الله يعلم بمصالحكم، وأنتم لا تعلمون ما به صلاحكم وهلاككم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً عَبْداً مَّمْلُوكاً لاَّ يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرّاً وَجَهْراً ﴾ ضرب المثل بهذا من وجهين: أحدهما: أن من لا يقدر ولا يملك أن ينفق في الشاهد عندكم ليس كمن يملك ويقدر أن ينفق، فهو كقوله: ﴿ هَلْ يَسْتَوِي ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ  ﴾ .

وقوله: ﴿ مَثَلُ ٱلْفَرِيقَيْنِ كَٱلأَعْمَىٰ وَٱلأَصَمِّ وَٱلْبَصِيرِ وَٱلسَّمِيعِ  ﴾ أي: ليس يستوى البصير والأعمى، ولا الأصم والسميع، فعلى ذلك لا يستوي من يملك الإنفاق والإنعام على الخلق، وهو المعبود الحق، كمن لا يملك ذلك، وهو المعبود الباطل.

والثاني: ضرب مثل المؤمن والكافر، أن الكافر لا ينفق ما أنعم عليه من المال في طاعة الله [وفي خيراته]، والمؤمن ينفق جميع ما أنعم عليه [وأعطى] في طاعة الله وخيراته فليسا بسواء من أنفق في طاعة الله كمن لا ينفق شيئاً أحدهما يكون ضرب مثل الإله الحق والمعبود الحق بالمعبود الباطل، والثاني مثل المؤمن بالكافر ثم في الآية وجوه من الدلائل.

إحداها: أن القدرة لا تفارق الفعل، حيث قال: ﴿ عَبْداً مَّمْلُوكاً لاَّ يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ ﴾ ثم قال: ﴿ وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ ﴾ جعل مقابل الفعل القدرة، فلو كانت تفارق الفعل لكان ذكر مقابل القدرة [قدرة] مثلها، أو مقابل الفعل فعلا مثله، فلما ذكر مقابل القدرة الفعل دل أنها لا تفارق الفعل، وفيه أن العبد لا يملك حقيقة الملك، حيث ذكر عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء، وإن قدر [على] ما يملك إنما يملك بإذن من له الملك، وكذلك الخلائق كلهم لا يملكون حقيقة الإملاك، إنما حقيقة الملك في الأشياء لله وإن قدر[وا على] ما يملكون إنما يملكون بالإذن على قدر ما أذن لهم.

وفيه أن العبد لا يملك الإنفاق والتصدق، حيث قال: ﴿ عَبْداً مَّمْلُوكاً لاَّ يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ ﴾ ثم قال فيمن يملك: ﴿ وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ ﴾ دل أنه لا يملك العبد الإنفاق والهبة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ هَلْ يَسْتَوُونَ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ﴾ قال بعضهم: ذكر الحمد لله على إثر ما ذكر؛ لأنه عرّف رسوله النعم وأنواع المنافع، ثم عرفه على إثر [ذلك] الحمد لله.

وقال بعضهم: الحمد لله ثناء، أخبر أن أكثرهم لا يعلمون حمد الله وثناءه.

وقوله: ﴿ وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقاً ﴾ أي: من أوليائنا، أو من أولياء ديننا، وذلك جائز سائغ في اللغة، ثم قوله: ﴿ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ يحتمل نفي العلم عنهم لما لم ينتفعوا بما علموا، أو على حقيقة النفي لما لم ينظروا في الآيات والحجج، ولم يتأملوا فيها فلم يعلموا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَآ أَبْكَمُ لاَ يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوْلاهُ...

﴾ إلى آخر الآية.

قالوا: هذا المثل كالأوّل، يحتمل الوجهين اللذين ذكرناهما في الأوّل.

أحدهما: المؤمن والكافر، شبه الكافر بالمملوك الأبكم الذي لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه، لا يأتي المولى بخير، ولا ينتفع به، وشبه المؤمن بالذي يأتي المولى بكل خير ونفع، يقول: هل استوى هذا مع هذا عندكم؟

لا يستوي، فعلى ذلك لا يستوي الكافر الذي لا يعمل شيئاً من طاعة الله، ولا يأتي بخير والمؤمن الذي يعمل كل طاعة الله، ويأتي بكل خير، ويأمر بكل عدل.

والثاني: ضرب مثل الإله المعبود الحق بالمعبود الباطل، يقول: هل يستوي من أتاكم بكل نعمة وكل خير، ويأمر بكل عدل، بمن هو أبكم لا يقدر على شيء، ولا يضرّ، ولا ينفع، ولا يجيب، وهو عيال على من يعبده ويخدمه، هل يستوى هذا مع ذلك؟

لا يستويان مثلا ألبتة غير أن المثل هاهنا ضرب بالذي لا ينفق بالحق، ولا يأمر بالعدل، ذكر مقابل الأبكم الذي يأمر بالعدل، وفي الأول ضرب مثل الذي لا يملك الإنفاق بالذي يملك الإنفاق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ أي: هو على الحق المستقيم، وهو المعبود بالحق.

قال أبو عوسجة الكل: العيال، وكذلك قال غيره من أهل الأدب.

وقال بعضهم: الكل الفقير، وهو واحد، والأبكم: الأخرس، وهو الذي لا ينطق ألبتة.

وقال: ﴿ وَمَن يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ ﴾ بالتوحيد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِلَّهِ غَيْبُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ هذا يحتمل وجوهاً: أحدها: ما ذكر أهل التأويل من السؤال عن الساعة وعن وقتها، كقوله: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَٰهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ  ﴾ لخفائها على أهلها؛ لأن كل خفي ثقيل، أخبر أنه لا يجليها إلا لوقتها، فوقت قيامها لا يعلمه غيره.

والثاني: ولله علم ما غيب أهل السماوات وأهل الأرض، أي: ما غيب بعضهم من بعض، فذلك ليس بمغيب عن الله بل ما غاب عن الخلق وما ظهر لهم، فذلك لله كله ظاهر بمحل واحد، وهو كقوله: ﴿ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ  ﴾ .

والثالث: قوله: ﴿ وَلِلَّهِ غَيْبُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ أي: له علم ما في سرية هذه الأشياء الظاهرة ما لا سبيل للخلق إلى علم ذلك، وإن كانوا يعلمون هذه الأجسام والأشياء الظاهرة، وتقع حواسهم عليها لا يعلمون ما في سرّيتها: من نحو الماء الذي به حياة كل شيء، ونحو النطفة التي يخلق منها الإنسان - لا يعلمون المعنى الذي به يصير إنساناً، ومن نحو السمع والبصر والعقل يعلمون ويرون ظواهر [هذه] الحواس، ولكن لا يدركون المعنى الذي به يسمع وبه يبصر وبه يعقل ويفهم.

يقول - والله أعلم -: ولله علم ما غاب عن الخلق ما في هذه الأشياء الظاهرة والأجسام المرئية.

أو يقول: ولله ملك ما غاب عن أهل السماوات والأرض، وملك ما لم يغب عنهم وظهر؛ فيكون كقوله: ﴿ وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ  ﴾ كأنه قال - والله أعلم - ولله العلم الذي غيب عن أهل السماوات وأهل الأرض، وهي الساعة: لم يطلع عليها غيره.

وقوله: ﴿ وَمَآ أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ ﴾ .

قال بعضهم قوله: ﴿ وَمَآ أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ ﴾ أهون على الله وأيسر من لمح البصر؛ [إذ ليس شيء أيسر وأهون على الإنسان من لمح البصر؛ لأنه يلمح البصر] ﴿ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ ﴾ .

[أي:] بل هو أقرب، أي: أيسر من لمح البصر.

وقال الحسن: إعادة الخلق على الله أيسر وأهون من لمح البصر؛ لأنه يلمح بصره فيبصر به - بلحظة - ما بين الأرض إلى السماء، وهو مسيرة خمسمائة عام.

يقول: من قدر أن ينشئ في خلق من خلائقه ما يبصره بلمحة البصر مسيرة خمسمائة عام - لقادر على إعادة الخلق وبعثهم بعد الفناء، بل هو أقرب أي: إعادته إياهم أسرع وأقرب من لمح البصر، إلى هذا يذهب الحسن.

وقال بعضهم: ﴿ وَمَآ أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ ﴾ أي: ما وقت قيام الساعة إلا لمح البصر، أي: ليس بين وقت قيامها وبين كونها إلا لمح البصر، بل هو أقرب من لمح البصر، لكنه مثل لمح البصر لما ليس شيء عند الناس أسرع وأهون من لمح البصر، ولما ذكرنا أنه يلمح [البصر] ولا يشعر به لسرعته ولخفته عليه؛ فذكر هذا على التمثل، ليس على إرادة حقيقة الوقت بقدر لمح البصر، ولكن على المبالغة في السرعة، وذكر أقصى ما يقع في الأوهام ويتصور؛ من نحو ما قال: ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ  وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ  ﴾ ، وما قال: ﴿ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ  ﴾ ، ﴿ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً  ﴾ ، ﴿ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً  ﴾ ، وأمثاله كله يذكر على التمثيل ليس على التحقيق، أي: فمن يعمل من قليل وكثير يره، شرّاً كان أو خيراً، وكذلك ﴿ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً  ﴾ و ﴿ نَقِيراً  ﴾ ، أي: لا يظلمون شيئاً، وكذا ﴿ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ  ﴾ ، أي: لا يملكون شيئاً؛ لأن القطمير لا يملك؛ فإنما يذكر هذا وأمثاله على التمثيل الذي ذكرنا.

أو أن يكون تأويل قوله: ﴿ وَمَآ أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ ﴾ ، أي: ليس ما بين الساعة وبينكم مما مضى من الوقت إلا قدر لمح البصر، أي: لم يبق من وقت قيامها ممّا مضى إلا ما ذكر من لمح البصر أو أقرب مما ذكر على الاستقصار مما بقي.

﴿ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ .

وعلى البعث والإعادة، وعلى كل شيء، لا يعجزه شيء.

وظاهر الآية ينقض على المعتزلة قولهم؛ لإنكارهم خلق أفعال العباد؛ لأنه أخبر أنه على كل شيء قدير، وعلى قولهم: هو غير قادر على العالم بشيء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً ﴾ .

يذكر بهذا قدرته وسلطانه على ما سبق: من ذكر سرعة القيامة، والعلم بها، والحكمة التي جعل في البعث؛ فقال: ﴿ وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً ﴾ : خلق الولد في ظلمات ثلاث، وجعل غذاه بغذاء الأمهات وبقواهن، ثم تقلبه في تلك الظلمات من حال إلى حال: ما لو اجتهد الخلائق أن يعلموا اغتذاءه بغذاء الأمهات، وتقليبه من حال إلى حال، ومن جوهر إلى جوهر - ما قدروا على ذلك؛ فيدل هذا على أن من قدر على هذا، وعلم هذا في تلك الظلمات لقادر على البعث وإعادة الخلق بعد الفناء، وعلْم ما غاب عن الخلق.

ويذكرنا ابتداء أحوالنا أنه أخرجنا من بطون أمهاتنا ونحن لا نعلم شيئاً، ثم صيّرنا بحال صرنا عالمين أشياء، يذكرنا نعمه ومننه علينا في بلوغنا إلى الأحوال التي صرنا إليها بعدما كنا ما ذكر.

والثاني: يذكرنا أنكم كنتم بالحال التي ذكر؛ لنعلم أنه صيرنا في البطون بلا استعانة بأحد منا ولا عون منه إلى أحد، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلْسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ ﴾ .

فمن قدر على جعل السمع حتى يسمع الأصوات ويميز بينها، والبصر ليبصر ويميز بين ألوان الأجسام، والفؤاد ليفهم ويعقل ما له وما عليه، ما لا يدركون ماهية ما به يسمعون ويبصرون ويعقلون، وما به يميزون بين ما ذكرنا فهو قادر على إنشاء الخلق بعد الفناء والإعادة بعد الموت.

ثم ذكر على أثر قوله: ﴿ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً ﴾ : السمع والبصر والأفئدة؛ فذلك يدل على أن هذه الأشياء من أسباب العلم بالأشياء، بها يوصل إلى العلم بالأشياء؛ فمن أعطي أسباب العلم بالشيء فكأنْ قد أعطي له العلم به، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ .

هو حرف شك في الظاهر؛ ذكر - والله أعلم - لأنه لا كل الناس يشكرون نعمه، أو لكي يلزمهم الشكر.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ضرب الله سبحانه مثلًا للرد على المشركين: عبدًا مملوكًا عاجزًا عن التصرف، ليس له ما ينفقه، وحرًّا أعطيناه من لدنًا مالًا حلالًا، يتصرف فيه بما يشاء، فهو يبذل منه في الخفاء والجهر ما يشاء، فلا يستوي هذان الرجلان، فكيف تُسَوون بين الله المالك المتصرف في ملكه بما يشاء، وبين أصنامكم العاجزة؟!

الثناء لله المستحق للثناء، بل أكثر المشركين لا يعلمون انفراد الله بالألوهية واستحقاقِ أن يُعْبَدَ وحده.

<div class="verse-tafsir" id="91.D712J"

مزيد من التفاسير لسورة النحل

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله