الآية ٧٤ من سورة النحل

الإسلام > القرآن > سور > سورة 16 النحل > الآية ٧٤ من سورة النحل

فَلَا تَضْرِبُوا۟ لِلَّهِ ٱلْأَمْثَالَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ٧٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 71 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٧٤ من سورة النحل: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٧٤ من سورة النحل عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ولهذا قال تعالى ( فلا تضربوا لله الأمثال ) أي : لا تجعلوا له أندادا وأشباها وأمثالا ( إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون ) أي : أنه يعلم ويشهد أنه لا إله إلا الله وأنتم بجهلكم تشركون به غيره .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله ( فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثَالَ ) يقول: فلا تمثلوا لِلهِ الأمثال، ولا تشبِّهوا له الأشباه، فإنه لا مِثْل له ولا شِبْه.

وبنحو الذي قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: الأمثال الأشباه.

وحدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ( فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثَالَ ) يعني اتخاذهم الأصنام، يقول: لا تجعلوا معي إلهًا غيري، فإنه لا إله غيري.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ( وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ شَيْئًا وَلا يَسْتَطِيعُونَ ) قال: هذه الأوثان التي تُعْبد من دون الله لا تملك لمن يعبدها رزقا ولا ضرّا ولا نفعا، ولا حياة ولا نشورا.

وقوله ( فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثَالَ ) فإنه أحَد صَمَد لم يَلِد ولم يُولَد ولم يكن له كُفُوًا أحد ( إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) يقول: والله أيها الناس يعلم خطأ ما تمثلون وتضربون من الأمثال وصوابه، وغير ذلك من سائر الأشياء، وأنتم لا تعلمون صواب ذلك من خطئه.

واختلف أهل العربية في الناصب قوله (شَيْئًا) فقال بعض البصريين: هو منصوب على البدل من الرزق، وهو في معنى: لا يملكون رزقا قليلا ولا كثيرا.

وقال بعض الكوفيين: نصب (شَيْئًا) بوقوع الرزق عليه، كما قال تعالى ذكره أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتًا * أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا أي تكفت الأحياء والأموات، ومثله قوله تعالى ذكره أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ قال: ولو كان الرزق مع الشيء لجاز خفضه، لا يملك لكم رزق شيء من السموات، ومثله فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

فلا تضربوا لله الأمثال أي لا تشبهوا به هذه الجمادات ; لأنه واحد قادر لا مثل له .

وقد تقدم

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ } المتضمنة للتسوية بينه وبين خلقه { إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ } فعلينا أن لا نقول عليه بلا علم وأن نسمع ما ضربه العليم من الأمثال

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( فلا تضربوا لله الأمثال ) يعني الأشباه .

فتشبهونه بخلقه ، وتجعلون له شريكا ، فإنه واحد لا مثل له ، ( إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون ) خطأ ما تضربون من الأمثال .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فلا تضربوا لله الأمثال» لا تجعلوا لله أشباها تشركون به «إن الله يعلم» أن لا مثل له «وأنتم لا تعلمون» ذلك.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وإذا عَلِمتم أن الأصنام والأوثان لا تنفع، فلا تجعلوا -أيها الناس- لله أشباهًا مماثلين له مِن خَلْقه تشركونهم معه في العبادة.

إن الله يعلم ما تفعلون، وأنتم غافلون لا تعلمون خطأكم وسوء عاقبتكم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله - سبحانه - ( فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلَّهِ الأمثال .

.

) نهى منه - سبحانه - عن أن يشبه فى ذاته أو صفاته بغيره ، وقد جاء هذا النهى فى صورة الالتفات من الغائب إلى المخاطب للاهتمام بشأن هذا النهى ، والفاء لترتيب النهى على ما عدد من النعم التى وردت فى هذه السورة والتى لم ينته الحديث عنها بعد .والأمثال : جمع مثل ، وهو النظير والشبيه لغيره ، ثم أطلق على القول السائر المعروف ، لمماثلة مضربه - وهو الذي يضرب فيه - ، لمورده - وهو الذى ورد فيه أولا .وتضرب الأمثال : لتوضيح الشئ الغريب ، وتقريب المعنى المعقول من المعنى المحسوس ، وعرض ما هو غائب فى صورة ما هو مشاهد ، فيكون المعنى الذى ضرب له المثل أوقع فى القلوب ، وأثبت فى النفوس .وقوله - تعالى - ( إِنَّ الله يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ) تعليل لهذا النهى عن ضرب الأمثال لله - عز وجل - .أى : فلا تتجاسروا ، وتتطاولوا ، وتضربوا لله - تعالى - الأمثال ، كما يضرب بعضكم لبعض ، فإن الله - تعالى - هو الذى يعلم كيف تضرب الأمثال وأنتم لا تعلمون ذلك .قال الزجاج : ورد أن المشركين كانوا يقولون : إن إله العالم أجل من أن يعبده الواحد منا ، فكانوا يتوسلون إلى الأصنام والكواكب ، كما أن أصاغر الناس يخدمون أكابر حضرة الملك ، وأولئك الأكابر يخدمون الملك ، فنهوا عن ذلك .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما شرح أنواعاً كثيرة في دلائل التوحيد، وتلك الأنواع كما أنها دلائل على صحة التوحيد، فكذلك بدأ بذكر أقسام النعم الجليلة الشريفة، ثم أتبعها في هذه الآية بالرد على عبدة الأصنام فقال: ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مّنَ السموات والأرض شَيْئًا وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ ﴾ أما الرزق الذي يأتي من جانب السماء فيعني به الغيث الذي يأتي من جهة السماء، وأما الذي يأتي من جانب الأرض فهو النبات والثمار التي تخرج منها وقوله: ﴿ مِنْ السموات والأرض ﴾ من صفة النكرة التي هي قوله: ﴿ رِزْقاً ﴾ كأنه قيل: لا يملك لهم رزقاً من الغيث والنبات وقوله: ﴿ شَيْئاً ﴾ قال الأخفش: جعل قوله: ﴿ شَيْئاً ﴾ بدلاً من قوله: ﴿ رِزْقاً ﴾ والمعنى: لا يملكون رزقاً لا قليلاً ولا كثيراً، ثم قال: ﴿ وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ ﴾ والفائدة في هذه اللفظة أن من لا يملك شيئاً قد يكون موصوفاً باستطاعته أن يتملكه بطريق من الطرق، فبين تعالى أن هذه الأصنام لا تملك وليس لها أيضاً استطاعة تحصيل الملك.

فإن قيل: إنه تعالى قال: ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله مَا لاَ يَمْلِكُ ﴾ فعبر عن الأصنام بصيغة ما وهي لغير أولي العلم، ثم قال: ﴿ وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ ﴾ والجمع بالواو والنون مختص بأولى العلم فكيف الجمع بين الأمرين؟

والجواب: أنه عبر عنها بلفظ ما اعتباراً لما هو الحقيقة في نفس الأمر وذكر الجمع بالواو والنون اعتباراً لما يعتقدون فيها أنها آلهة.

ثم قال تعالى: ﴿ فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلَّهِ الأمثال ﴾ وفيه وجوه: الأول: قال المفسرون: يعني لا تشبهوه بخلقه.

الثاني: قال الزجاج: أي لا تجعلوا لله مثلاً، لأنه واحد لا مثل له.

والثالث: أقول يحتمل أن يكون المراد أن عبدة الأوثان كانوا يقولون: إن إله العالم أجل وأعظم من أن يعبده الواحد منا بل نحن نعبد الكواكب أو نعبد هذه الأصنام، ثم إن الكواكب والأصنام عبيد الإله الأكبر الأعظم، والدليل عليه العرف، فإن أصاغر الناس يخدمون أكابر حضرة الملك، وأولئك الأكابر يخدمون الملك فكذا هاهنا فعند هذا قال الله تعالى لهم اتركوا عبادة هذه الأصنام والكواكب ولا تضربوا لله الأمثال التي ذكرتموها وكونوا مخلصين في عبادة الإله الحكيم القدير.

ثم قال: ﴿ إِنَّ الله يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ وفيه وجهان: الأول: أن الله تعالى يعلم ما عليكم من العقاب العظيم، بسبب عبادة هذه الأصنام وأنتم لا تعلمون ذلك، ولو علمتموه لتركتم عبادتها.

الثاني: أن الله تعالى لما نهاكم عن عبادة هذه الأصنام فاتركوا عبادتها، واتركوا دليلكم الذي عولتم عليه وهو قولكم الاشتغال بعبادة عبيد الملك أدخل في التعظيم من الاشتغال بعبادة نفس الملك، لأن هذا قياس، والقياس يجب تركه عند ورود النص، فلهذا قال: ﴿ إِنَّ الله يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ <div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلَّهِ الأمثال ﴾ تمثيل للإشراك بالله والتشبيه به، لأنّ من يضرب الأمثال مشبه حالا بحال وقصة بقصة ﴿ أَنَّ الله يَعْلَمُ ﴾ كنه ما تفعلون وعظمه، وهو معاقبكم عليه بما يوازيه في العظم؛ لأنّ العقاب على مقدار الإثم ﴿ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ كنهه وكنه عقابه، فذاك هو الذي جرّكم إليه وجرأكم عليه، فهو تعليل للنهي عن الشرك.

ويجوز أن يراد: فلا تضربوا لله الأمثال، إنّ الله يعلم كيف يضرب الأمثال، وأنتم لا تعلمون.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثالَ ﴾ فَلا تَجْعَلُوا لَهُ مَثَلًا تُشْرِكُونَهُ بِهِ، أوْ تَقِيسُونَهُ عَلَيْهِ فَإنَّ ضَرْبَ المَثَلِ تَشْبِيهُ حالٍ بِحالٍ.

﴿ إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ﴾ فَسادَ ما تُعَوِّلُونَ عَلَيْهِ مِنَ القِياسِ عَلى أنَّ عِبادَةَ عَبِيدِ المَلِكِ أُدْخِلَ في التَّعْظِيمِ مِن عِبادَتِهِ وعَظُمَ جُرْمُكم فِيما تَفْعَلُونَ.

﴿ وَأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ﴾ ذَلِكَ ولَوْ عَلِمْتُمُوهُ لَما جَرَأْتُمْ عَلَيْهِ فَهو تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ، أوْ أنَّهُ يَعْلَمُ كُنْهَ الأشْياءِ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَهُ فَدَعُوا رَأْيَكم دُونَ نَصِّهِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثالَ فَإنَّهُ يَعْلَمُ كَيْفَ تُضْرَبُ الأمْثالُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ.

ثُمَّ عَلَّمَهم كَيْفَ يُضْرَبُ فَضَرَبَ مَثَلًا لِنَفْسِهِ ولِمَن عُبِدَ دُونَهُ فَقالَ: ﴿ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ ومَن رَزَقْناهُ مِنّا رِزْقًا حَسَنًا فَهو يُنْفِقُ مِنهُ سِرًّا وجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ ﴾ مَثَّلَ ما يُشْرَكُ بِهِ بِالمَمْلُوكِ العاجِزِ عَنِ التَّصَرُّفِ رَأْسًا ومَثَّلَ نَفْسَهُ بِالحُرِّ المالِكِ الَّذِي رَزَقَهُ اللَّهُ مالًا كَثِيرًا فَهو يَتَصَرَّفُ فِيهِ ويُنْفِقُ مِنهُ كَيْفَ يَشاءُ، واحْتَجَّ بِامْتِناعِ الِاشْتِراكِ والتَّسْوِيَةِ بَيْنَهُما مَعَ تَشارُكِهِما في الجِنْسِيَّةِ والمَخْلُوقِيَّةِ عَلى امْتِناعِ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الأصْنامِ الَّتِي هي أعْجَزُ المَخْلُوقاتِ وبَيْنَ اللَّهِ الغَنِيِّ القادِرِ عَلى الإطْلاقِ.

وَقِيلَ هو تَمْثِيلٌ لِلْكافِرِ المَخْذُولِ والمُؤْمِنِ المُوَفَّقِ، وتَقْيِيدُ العَبْدِ بِالمَمْلُوكِيَّةِ لِلتَّمْيِيزِ عَنِ الحَرِّ فَإنَّهُ أيْضًا عَبْدُ اللَّهِ وبِسَلْبِ القُدْرَةِ لِلتَّمْيِيزِ عَنِ المَكاتَبِ والمَأْذُونِ وجَعْلُهُ قَسِيمًا لِلْمالِكِ المُتَصَرِّفِ يَدُلُّ عَلى أنَّ المَمْلُوكَ لا يَمْلِكُ، والأظْهَرُ أنَّ (مَن) نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ لِيُطابِقَ عَبْدًا، وجَمْعُ الضَّمِيرِ في ﴿ يَسْتَوُونَ ﴾ لِأنَّهُ لِلْجِنْسَيْنِ فَإنَّ المَعْنى هَلْ يَسْتَوِي الأحْرارُ والعَبِيدُ ؟

﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ ﴾ كُلُّ الحَمْدِ لَهُ، لا يَسْتَحِقُّهُ غَيْرُهُ فَضْلًا عَنِ العِبادَةِ لِأنَّهُ مَوْلى النِّعَمِ كُلِّها.

﴿ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ ﴾ فَيُضِيفُونَ نِعْمَةً إلى غَيْرِهِ ويَعْبُدُونَهُ لِأجْلِها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلَّهِ الأمثال} فلا تجعلوا لله مثلًا فإنه لا مثل له أي فلا تجعلوا له شركاء {أَنَّ الله يَعْلَمُ} أنه لا مثل له من الخلق {وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} ذلك أو إن الله يعلم كيف يضرب الأمثال وأنتم لا تعلمون ذلك والوجه الأول

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثالَ ﴾ التِفاتٌ إلى الخِطابِ لِلْإيذانِ بِالِاهْتِمامِ بِشَأْنِ النَّهْيِ، والفاءُ لِلدَّلالَةِ عَلى تَرْتِيبِ النَّهْيِ عَلى ما عَدَّدَ مِنَ النِّعَمِ الفائِضَةِ عَلَيْهِمْ مِنهُ تَعالى وكَوْنِ آلِهَتِهِمْ بِمَعْزِلٍ مِن أنْ يَمْلِكُوا لَهم رِزْقًا فَضْلًا عَمّا فَضَلَ، والأمْثالُ جَمْعُ مَثَلٍ كَعَلَمٍ، والمُرادُ مِنَ الضَّرْبِ الجَعْلُ فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ تَعالى الأمْثالَ والأكْفاءَ فالآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا ﴾ وهَذا ما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ كَلامِ ابْنِ عَبّاسٍ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: يَقُولُ سُبْحانَهُ لا تَجْعَلُوا مَعِي إلَهًا غَيْرِي فَإنَّهُ لا إلَهَ غَيْرِي.

وجَعَلَ كَثِيرَ الأمْثالِ جَمْعَ مَثَلٍ بِالتَّحْرِيكِ، والمُرادُ مِن ضَرْبِ المَثَلِ لِلَّهِ سُبْحانَهُ الإشْراكُ والتَّشْبِيهُ بِهِ جَلَّ وعَلا مِن بابِ الِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ، فَفي الكَشْفِ أنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ المُشْرِكَ بِهِ الَّذِي يُشَبِّهُهُ تَعالى بِخَلْقِهِ بِمَنزِلَةِ ضارِبِ المَثَلِ فَإنَّ المُشَبِّهَ المَخْذُولَ يُشَبِّهُ صِفَةً بِصِفَةٍ وذاتًا بِذاتٍ كَما أنَّ ضارِبَ المَثَلِ كَذَلِكَ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ولا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ سُبْحانَهُ، وعَدَلَ عَنْهُ إلى المُنَزَّلِ دَلالَةً عَلى التَّعْمِيمِ في النَّهْيِ عَنِ التَّشْبِيهِ وصْفًا وذاتًا، وفي لَفْظِ ( الأمْثالَ ) لِمَن لا مِثالَ لَهُ أصْلًا نَعْيٌ عَظِيمٌ عَلَيْهِمْ بِسُوءِ فِعْلِهِمْ، وفِيهِ إدْماجٌ أنَّ الأسْماءَ تَوْقِيفِيَّةٌ وهَذا هو الظّاهِرُ لِدَلالَةِ الفاءِ وعَدَمِ ذِكْرِ ضَرْبِ مَثَلٍ مِنهم سابِقًا، وهَذا الوَجْهُ هو الَّذِي اخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وكَلامُ الحَبْرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لا يَأْباهُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ أيْ أنَّهُ تَعالى يَعْلَمُ كُنْهَ ما تَفْعَلُونَ وعِظَمَهُ وهو سُبْحانَهُ مُعاقِبُكم عَلَيْهِ أعْظَمَ العِقابِ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ كُنْهَهُ وكُنْهَ عِقابِهِ فَلِذا صَدَرَ مِنكم وتَجاسَرْتُمْ عَلَيْهِ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ النَّهْيَ عَنْ قِياسِ اللَّهِ تَعالى عَلى غَيْرِهِ بِجَعْلِ ضَرْبِ المَثَلِ اسْتِعارَةً لِلْقِياسِ، فَإنَّ القِياسَ إلْحاقُ شَيْءٍ بِشَيْءٍ وهو عِنْدَ التَّحْقِيقِ تَشْبِيهُ مُرَكَّبٍ بِمُرَكَّبٍ، والفَرْقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الوَجْهِ السّابِقِ قَلِيلٌ، وأمْرُ التَّعْلِيلِ عَلى حالِهِ.

وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ أنْ يَكُونَ المُرادُ النَّهْيَ عَنْ ضَرْبِ الأمْثالِ لِلَّهِ سُبْحانَهُ حَقِيقَةً والمَعْنى فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ تَعالى الأمْثالَ الَّتِي يَضْرِبُها بَعْضُكم لِبَعْضٍ إنَّ اللَّهَ تَعالى يَعْلَمُ كَيْفَ تُضْرَبُ الأمْثالُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ، ووَجْهُ التَّعْلِيلِ ظاهِرٌ، واللّامُ عَلى سائِرِ الأوْجُهِ مُتَعَلِّقَةٌ- بِـ تَضْرِبُوا- وزَعَمَ ابْنُ المُنِيرِ تَعَلُّقَها- بِالأمْثالِ- فِيما إذا كانَ المُرادُ التَّمْثِيلَ لِلْإشْراكِ والتَّشْبِيهِ ثُمَّ قالَ: كَأنَّهُ قِيلَ فَلا تُمَثِّلُوا اللَّهَ تَعالى ولا تُشَبِّهُوهُ، وتَعَلُّقُها- بِـ تَضْرِبُوا- عَلى هَذا الوَجْهِ ثُمَّ قالَ كَأنَّهُ قِيلَ فَلا تُمَثِّلُوا لِلَّهِ تَعالى الأمْثالَ فَإنَّ ضَرْبَ المَثَلِ إنَّما يُسْتَعْمَلُ مِنَ العالِمِ لِغَيْرِ العالِمِ لِيُبَيِّنَ لَهُ ما خَفِيَ عَنْهُ واللَّهُ تَعالى هو العالِمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ فَتَمْثِيلُ غَيْرِ العالِمِ لِلْعالِمِ عَكْسٌ لِلْحَقِيقَةِ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ والمَعْنى الَّذِي ذَكَرَهُ عَلى تَقْدِيرِ تَعَلُّقِهِ بِالفِعْلِ خِلافُ ما يَقْتَضِيهِ السِّياقُ وإنْ كانَ التَّعْلِيلُ عَلَيْهِ أظْهَرَ، ومِن هُنا قالَ العَلّامَةُ المُدَقِّقُ في الكَشْفِ في ذَلِكَ بَعْدَ أنْ قالَ إنَّهُ نَهى عَنْ ضَرْبِ الأمْثالِ حَقِيقَةً: كَأنَّهُ أُرِيدَ المُبالَغَةُ في أنْ لا يُلْحِدُوا في أسْمائِهِ تَعالى وصِفاتِهِ فَإنَّهُ إذا لَمْ يَجُزْ ضَرْبُ المَثَلِ والِاسْتِعاراتِ يَكْفِي فِيها شَبَهٌ ما والإطْلاقُ لِتِلْكَ العَلاقَةِ كافٍ فَعَدَمُ جَوازِ إطْلاقِ الأسْماءِ مِن غَيْرِ سَبْقِ تَعْلِيمٍ مِنهُ وإثْباتِ الصِّفاتِ أوْلى وأوْلى، <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً أي: خلق لكم من جنسكم إناثاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ أي: خلق لكم من نسائكم بَنِينَ وَحَفَدَةً أي: ولد الولد.

ويقال: هم الأَعوان والخدم والأصهار.

وروي عن زر بن حبيش، عن ابن مسعود أنه قال: «الحفدة: الأختان» .

وقال مجاهد: «الخدم وأنصاره وأعوانه» .

وعن ابن مسعود أنه قال: «هم أصهاره» .

وقال الربيع بن أنس: البنون ابن الرجل من امرأته.

والحفدة ابن المرأة من غيره.

وقال زر بن حبيش: الحفدة: حشم الرجل.

وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: «الولد الصالح» .

وقال أَهل اللغة: أصله في اللغة السرعة في المشي، ويقال في دعاء التوتر: ونحفد أي: ونجتهد في الخدمة والطاعة.

قوله تعالى: وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ قال الكلبي: يعني، الحلال إن أخذتم به.

وقال مقاتل: الطَّيِّباتِ الخبز والعسل وغيرهما من الأشياء الطيبة، بخلاف رزق البهائم والطيور.

ثم قال: أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ قال الكلبي: يعني: الآلهة، وقال مقاتل: أَفَبِالْباطِلِ يقول: بالشيطان يصدقون بأن مع الله إلهاً آخر.

ويقال أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ يعني: أفيعبدون الأصنام التي لا تقدر على قوتهم، ولا على منفعتهم وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ أي: يجحدون بوحدانية الله تعالى ويقال: وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ فلا يؤمنون برب هذه النعمة.

قوله: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي: الأصنام مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ أي: لا يقدر لهم رِزْقاً مِنَ السَّماواتِ أي: من إنزال المطر وَالْأَرْضِ والنبات شَيْئاً يعني: لا يملكون شيئاً من ذلك.

وقال القتبي: إنما نصب شَيْئاً بإيقاع الرزق عليه.

ومعناه: يعبدون ما لا يملك أن يرزقهم شيئاً.

كما تقول: ويخدم من لا يستطيع إِعطاءَه درهماً.

وَلا يَسْتَطِيعُونَ ذلك فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ أي: لا تصفوا لله شريكاً فإنه لا إله إلا غيره إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أنه لا شريك له، ويقال: إن الله يعلم ضرب الأمثال وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ضرب الأمثال.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وائتوني بعَسَلٍ فإن اللَّه تعالى يقول: فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ وائتوني بزيت فإن اللَّه تعالى يقولُ: مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ [النور: ٣٥] فجاءوه بذلك كلِّه فخَلَطَهُ جميعاً، ثم شَرِبَهُ، فَبّرأَ انتهى.

وقوله سبحانه: وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ، وأرذلُ العَمَر الذي تَفْسُدُ فيه الحواسُّ، ويختلُّ العَقْل، وخص ذلك بالرذيَلةِ، وإن كانَتْ حالة الطُّفُولة كذَلِكَ مِنْ حيثُ كانَتْ هذه لا رَجَاءَ معها، وقال بعضُ الناس: أول أرذَلِ العُمُرِ خَمْسٌ وسَبْعُونَ سنةً، روي ذلك عن علي «١» رضي الله عنه.

قال ع «٢» : وهذا في الأغْلَبِ، وهذا لا ينحصرُ إِلى مدَّة معيَّنة، وإِنما هو بحَسَبِ إِنسانٍ إِنسانٍ، ورُبَّ مَنْ يكون ابْنَ خمسينَ سنَةً، وهو في أرذلِ عمره، وربَّ ابن تسعينَ ليس في أرذَلِ عمره، واللامُ في لِكَيْ يشبه أنْ تكون لامَ الصيرورةِ، والمعنى: ليصير أمره بعْدَ العِلْم بالأشياء إلى ألاَّ يعلم شيئاً، وهذه عبارة عن قلَّة علمه، لا أنه لا يعلم شيئا البتّة.

وقوله سبحانه: وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ إِخبار يُرَادُ به العِبْرة وإِنما هي قاعدةٌ بني المثل عليها، والمَثَل هو أن المفضَّلين لا يصحُّ منهم أن يساهموا مماليكهم فيما أُعْطُوا حتى تستوي أحوالُهم، فإِذا كان هذا في البَشَر، فكيف تنسبون أيها الكَفَرةُ إلى اللَّه أنَّه يسمح بأنْ يشرك في الألوهيَّة الأوثانَ والأصْنَامَ وغيرها ممَّا عُبدَ مِنْ دونه، وهم خَلْقُه ومِلْكُه، هذا تأويلُ الطبريِّ، وحكاه عن ابن عباس «٣» قال المفسِّرون:

هذه الآية كقوله تعالى: ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا ﴾ يَعْنِي النِّساءَ.

وَفِي مَعْنى ﴿ مِن أنْفُسِكُمْ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ خَلَقَ آدَمَ، ثُمَّ خَلَقَ زَوْجَتَهُ مِنهُ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّانِي: " مِن أنْفُسِكم "، أيْ: مِن جِنْسِكم مِن بَنِي آدَمَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

وَفِي الحَفَدَةِ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُمُ الأصْهارُ، أخْتانُ الرَّجُلِ عَلى بَناتِهِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ، ومُجاهِدٌ في رِوايَةٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والنَّخَعِيُّ، وأنْشَدُوا مِن ذَلِكَ: ولَوْ أنَّ نَفْسِي طاوَعَتْنِي لَأصْبَحَتْ لَها حَفَدٌ مِمّا يُعَدُّ كَثِيرُ ولَكِنَّها نَفْسٌ عَلَيَّ أبِيَّةٌ ∗∗∗ عَيُوفٌ لِأصْهارِ اللِّئامِ قَذُورُ والثّانِي: أنَّهُمُ الخَدَمُ، رَواهُ مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ في رِوايَةِ الحَسَنِ، وطاوُوسُ، وعِكْرِمَةُ في رِوايَةِ الضَّحّاكِ، وهَذا القَوْلُ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ يُرادُ بِالخَدَمِ: الأوْلادُ، فَيَكُونُ المَعْنى: أنَّ الأوْلادَ يَخْدِمُونَ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الحَفَدَةُ: الخَدَمُ والأعْوانُ، فالمَعْنى: هم بَنُونَ، وهم خَدَمٌ.

وأصْلُ الحَفْدِ: مُدارَكَةُ الخَطْوِ والإسْراعُ في المَشْيِ، وإنَّما يَفْعَلُ الخَدَمُ هَذا، فَقِيلَ لَهم: حَفَدَةٌ.

ومِنهُ يُقالُ في دُعاءِ الوِتْرِ: " وإلَيْك نَسْعى ونَحْفِدُ " .

والثّانِي: أنْ يُرادَ بِالخَدَمِ: المَمالِيكُ، فَيَكُونُ مَعْنى الآيَةِ: وجَعَلَ لَكم مِن أزْواجِكم بَنِينَ، وجَعَلَ لَكم حَفَدَةً مِن غَيْرِ الأزْواجِ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

والثّالِثُ: أنَّهم بَنُو امْرَأةِ الرَّجُلِ مِن غَيْرِهِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ.

والرّابِعُ: [أنَّهُمْ] ولَدُ الوَلَدِ، رَواهُ مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والخامِسُ: أنَّهم كِبارُ الأوْلادِ، والبَنُونَ: صِغارُهم، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، ومُقاتِلٌ.

قالَ مُقاتِلٌ: وكانُوا في الجاهِلِيَّةِ تَخْدِمُهم أوْلادُهم.

قالَ الزَّجّاجُ: وحَقِيقَةُ هَذا الكَلامِ أنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ مِنَ الأزْواجِ بَنَيْنَ، ومَن يُعاوِنُ عَلى ما يُحْتاجُ إلَيْهِ بِسُرْعَةٍ وطاعَةٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَرَزَقَكم مِنَ الطَّيِّباتِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ: مِن أنْواعِ الثِّمارِ والحُبُوبِ والحَيَوانِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَبِالباطِلِ يُؤْمِنُونَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ الأصْنام، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ الشَّرِيكُ والصّاحِبَةُ والوَلَدُ، فالمَعْنى: يُصَدِّقُونَ أنَّ لِلَّهِ ذَلِكَ ؟!

قالَهُ عَطاءٌ.

والثّالِثُ: أنَّهُ الشَّيْطانُ، أمَرَهم بِتَحْرِيمِ البَحِيْرَةِ والسّائِبَةِ، فَصَدَّقُوا.

وَفِي المُرادِ بِـ " نِعْمَةِ اللَّهِ " ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها التَّوْحِيدُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: القُرْآنُ، والرَّسُولُ.

والثّالِثُ: الحَلالُ الَّذِي أحَلَّهُ اللَّهُ لَهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهم رِزْقًا ﴾ وفي المُشارِ إلَيْهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها الأصْنامُ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّانِي: المَلائِكَةُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِنَ السَّماواتِ ﴾ يَعْنِي: المَطَرَ، و " مِنَ الأرْضِ " النَّباتَ، والثَّمَرَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ شَيْئًا ﴾ قالَ الأخْفَش: جُعِلَ " شَيْئًا " بَدَلًا مِنَ الرِّزْقِ، والمَعْنى: لا يَمْلِكُونَ رِزْقًا قَلِيلًا ولا كَثِيرًا، ﴿ وَلا يَسْتَطِيعُونَ ﴾ أيْ: لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ.

قالَ الفَرّاءُ: وإنَّما قالَ في أوَّلِ الكَلامِ: " يَمْلِكُ " وفي آخِرِهِ: " يَسْتَطِيعُونَ "، لِأنَّ " ما " في مَذْهَبٍ: جَمْعٌ لِآلِهَتِهِمْ، فَوَحَّدَ " يَمْلِكُ " عَلى لَفْظِ " ما " وتَوْحِيدِها، وجَمَعَ في " يَسْتَطِيعُونَ " عَلى المَعْنى، كَقَوْلِهِ: ﴿ وَمِنهم مَن يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ  ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثالَ ﴾ أيْ: لا تُشَبِّهُوهُ بِخَلْقِهِ، لِأنَّهُ لا يُشْبِهُ شَيْئًا، ولا يُشْبِهُهُ شَيْءٌ، فالمَعْنى: لا تَجْعَلُوا لَهُ شَرِيكًا.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: يَعْلَمُ ضَرْبَ المَثَلِ، وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ذَلِكَ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

والثّانِي: يَعْلَمُ أنَّهُ لَيْسَ لَهُ شَرِيكٌ، وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ أنَّهُ لَيْسَ لَهُ شَرِيكٌ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: يَعْلَمُ خَطَأ ما تَضْرِبُونَ مِنَ الأمْثالِ، وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ صَوابَ ذَلِكَ مِن خَطَئِهِ.

والرّابِعُ: يَعْلَمُ ما كانَ ويَكُونُ، وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ قَدْرَ عَظَمَتِهِ حِينَ أشْرَكْتُمْ بِهِ، ونَسَبْتُمُوهُ إلى العَجْزِ عَنْ بَعْثِ خَلْقِهِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ ما لا يَمْلِكُ لَهم رِزْقًا مِن السَماواتِ والأرْضِ شَيْئًا ولا يَسْتَطِيعُونَ ﴾ ﴿ فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثالَ إنَّ اللهَ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ ضَرَبَ اللهُ مَثَلا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ ومَن رَزَقْناهُ مِنّا رِزْقًا حَسَنًا فَهو يُنْفِقُ مِنهُ سِرًّا وجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ ﴾ هَذِهِ آيَةُ تَقْرِيعٍ لِلْكُفّارِ وتَوْبِيخٍ، وإظْهارٌ لِفَسادِ نَظَرِهِمْ، ووَضْعٌ لَهم مِنَ الأصْنامِ في الجِهَةِ الَّتِي فِيها سَعْيُ الناسِ وإلَيْها مَهامُّهُمْ، وهي طَلَبُ الرِزْقِ، وهَذِهِ الأصْنامُ لا تَمْلِكُ إنْزالَ المَطَرِ ولا إنْباتَ نِعْمَةٍ، مَعَ أنَّها لا تَمْلِكُ ولا تَسْتَطِيعُ أنْ تُحاوِلَ ذَلِكَ مِن مُلْكِ اللهِ تَعالى.

وقَوْلُهُ: "رِزْقًا" مَصْدَرٌ، ونَصَبَهُ عَلى المَفْعُولِ بِـ "يُمْلِكُ".

وقَوْلُهُ: "شَيْئًا" ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ النَحْوِيِّينَ إلى أنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى البَدَلِ، مِن قَوْلِهِ: "رِزْقًا" و"رِزْقًا" اسْمٌ، وذَهَبُ الكُوفِيُّونَ - وأبُو عَلِيٍّ مَعَهُمْ- إلى أنَّهُ مَنصُوبٌ بِالمَصْدَرِ فِي قَوْلِهِ: "رِزْقًا"، ولا نُقَدِّرُهُ اسْمًا، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا  ﴾ ﴿ أحْياءً وأمْواتًا  ﴾ ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿ أو إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ  ﴾ ﴿ يَتِيمًا  ﴾ فَنَصَبَ "يَتِيمًا" بِـ "إطْعامٌ"، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: فَلَوْلا رَجاءُ النَصْرِ مِنكَ ورَهْبَةٌ ∗∗∗ عِقابَكَ قَدْ صارُوا لَنا كالمَوارِدِ والمَصْدَرُ يَعْمَلُ مُضافًا بِاتِّفاقٍ؛ لِأنَّهُ في تَقْدِيرِ الِانْفِصالِ، ولا يَعْمَلُ إذا دَخَلَهُ الألِفُ واللامُ؛ لِأنَّهُ قَدْ تَوَغَّلَ في حالِ الأسْماءِ وبَعُدَ عن حالِ الفِعْلِيَّةِ، وتَقْدِيرُ الِانْفِصالِ في الإضافَةِ حَسَّنَ عَمَلَهُ، وقَدْ جاءَ عامِلًا مَعَ الألِفِ واللامِ في قَوْلِ الشاعِرِ: ضَعِيفُ النِكايَةِ أعْداءَهُ وقَوْلُهُ: عَنِ الضَرْبِ مِسْمَعًا وَقَوْلُهُ تَعالى: "يَمْلِكُ" عَلى لَفْظِ "ما"، وقَوْلُهُ: "يَسْتَطِيعُونَ" عَلى مَعْناها بِحَسَبِ اعْتِقادِ الكُفّارِ في الأصْنامِ أنَّها تَعْقِلُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ في "يَسْتَطِيعُونَ" لِلَّذِينِ يَعْبُدُونَ، والمَعْنى: لا يَسْتَطِيعُونَ ذَلِكَ بِبُرْهانٍ يُظْهِرُونَهُ وحُجَّةٍ يُبَيِّنُونَها.

وقَوْلُهُ: ﴿ فَلا تَضْرِبُوا ﴾ أيْ: لا تُمَثِّلُوا لِلَّهِ الأمْثالَ، وهو مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِكَ: "ضَرِيبُ هَذا" أيْ مَثِيلُهُ، والضَرْبُ: النَوْعُ، تَقُولُ: الحَيَوانُ عَلى ضُرُوبٍ، وهَذانَ مِن ضَرْبٍ واحِدٍ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ضَرَبَ اللهُ مَثَلا ﴾ الآيَةُ.

الَّذِي هو مِثالٌ في هَذِهِ الآيَةِ هو عَبْدٌ بِهَذِهِ الصِفَةِ مَمْلُوكٌ، لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ مِنَ المالِ ولا مِن أمْرِ نَفْسِهِ، وإنَّما هو مُسَخَّرٌ بِإرادَةِ سَيِّدِهِ مُدَبَّرٌ، ولا يَلْزَمُ مِنَ الآيَةِ أنَّ العَبِيدَ كُلَّهم بِهَذِهِ الصِفَةِ كَما انْتَزَعَ بَعْضُ مَن يَنْتَحِلُ الفِقْهَ، وقَدْ قالَ في المَثّالِ الثانِي: ﴿ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ ﴾ ، فَيَلْزَمُ -عَلى هَذا الِانْتِزاعِ- أنْ يَكُونَ البُكْمُ لا شَيْءَ لَهم، وبِإزاءِ العَبْدِ في المِثالِ رَجُلٌ مُوَسَّعٌ عَلَيْهِ في المالِ فَهو يَتَصَرَّفُ فِيهِ بِإرادَتِهِ، ولا يَلْزَمُ مِن نَفْسِ المِثالِ أنْ يَكُونَ مُؤْمِنًا يُنْفِقُ بِحَسَبِ الطاعَةِ، أما إنَّهُ أشْرَفُ أنْ يَكُونَ مِثالًا.

و"الرِزْقُ": ما صَحَّ الِانْتِفاعُ بِهِ، وقالَ أبُو مَنصُورٍ في عَقِيدَتِهِ: "الرِزْقُ ما وقَعَ الِاغْتِذاءِ بِهِ"، وهَذِهِ الآيَةُ تَرُدُّ عَلى هَذا التَخْصِيصِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ  ﴾ ، و ﴿ أنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناكُمْ  ﴾ ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِن قَوْلِ النَبِيِّ  : « "جُعِلَ رِزْقِي في ظِلِّ رُمْحِي"،» وقَوْلُهُ: « "أرْزاقُ أُمَّتِي في سَنابِكِ خَيْلِها وأسِنَّةِ رِماحِها"،» فالغَنِيمَةُ كُلُّها رِزْقٌ.

والصَحِيحُ أنَّ ما صَحَّ الِانْتِفاعُ بِهِ هو الرِزْقُ، وهو مَراتِبٌ أعْلاها ما تُغُذِّيَ بِهِ، وقَدْ حَصَرَ رَسُولُ اللهِ  وُجُوهَ الِانْتِفاعِ في قَوْلِهِ: « "يَقُولُ ابْنُ آدَمَ: مالِي مالِي، وهَلْ لَكَ مِن مالِكٍ إلّا ما أكَلْتَ فَأفْنَيْتَ، أو لَبِسْتَ فَأبْلَيْتَ، أو تَصَدَّقْتَ فَأمْضَيْتَ؟"».

وفي مَعْنى اللِباسِ يَدْخُلُ الرُكُوبُ.

واخْتَلَفَ الناسُ في الَّذِي لَهُ هَذا المَثَلُ -فَقالَ قَتادَةُ، وابْنُ عَبّاسٍ: هو مِثَلُ الكافِرِ والمُؤْمِنِ، فَكَأنَّ الكافِرَ مَمْلُوكٌ مَصْرُوفٌ عَنِ الطاعَةِ، فَهو لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ لِذَلِكَ، ويُشْبِهُ العَبْدَ المَذْكُورَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والتَمْثِيلُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- إنَّما وقَعَ في جِهَةِ الكافِرِ فَقَطْ، جَعَلَ لَهُ مَثَلًا، ثُمَّ قُرِنَ بِالمُؤْمِنِ المَرْزُوقِ، إلّا أنْ يَكُونَ المَرْزُوقُ لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ، وإنَّما هو مِثالٌ لِلْمُؤْمِنِ، فَيَقَعُ التَمْثِيلُ مِن جِهَتَيْنِ، وقالَ مُجاهِدٌ، والضِحاكُ: هَذا المِثالُ، والمِثالُ الآخَرُ الَّذِي بَعْدَهُ، إنَّما هو لِلَّهِ تَعالى والأصْنامِ، فَتِلْكَ هي كالعَبْدِ المَمْلُوكِ الَّذِي لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ، واللهُ تَعالى تَتَصَرَّفُ قُدْرَتُهُ دُونَ مُعَقِّبٍ، وكَذَلِكَ فَسَّرَ الزَجاجُ عَلى نَحْوِ قَوْلِ مُجاهِدٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا التَأْوِيلُ أصْوَبُ؛ لِأنَّ الآيَةَ تَكُونُ مِن مَعْنى ما قَبْلَها وما بَعْدَها في تَبَيُّنِ أمْرِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى والرَدِّ عَلى الأصْنامِ.

وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ وعَبْدٍ كانَ لَهُ، ورُوِيَ تَعْيِينُ غَيْرِ هَذا ولا يَصِحُّ إسْنادُهُ.

والمِثالُ لا يَحْتاجُ إلى تَعْيِينِ أحَدٍ، وقَوْلُهُ: ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ ﴾ شُكْرٌ عَلى بَيانِ الأمْرِ بِهَذا المِثالِ، وعَلى إذْعانِ الخَصْمِ لَهُ، كَما تَقُولُ لِمَن أذْعَنَ لَكَ في حُجَّةٍ وسَلَّمْ ما يَنْبَنِي عَلَيْهِ قَوْلُكَ: اللهُ أكْبَرُ، وعَلى هَذا يَكُونُ كَذا وكَذا، فَلَمّا قالَ هُنا: ﴿ هَلْ يَسْتَوُونَ ﴾ فَكَأنَّ الخَصْمَ قالَ لَهُ: لا، فَقالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ، ظَهَرَتِ الحُجَّةُ، وقَوْلُهُ: ﴿ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ ﴾ يُرِيدُ لا يَعْلَمُونَ أبَدًا ولا يُداخِلُهم إيمانٌ، ويَتَمَكَّنَ عَلى هَذا قَوْلُهُ: "أكْثَرُهُمْ"؛ لِأنَّ الأقَلَّ مِنَ الكَفّارِ هو الَّذِي آمَنَ مِن أُولَئِكَ، ولَوْ أرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿ لا يَعْلَمُونَ ﴾ أيِ الآنَ لَكانَ قَوْلُهُ: "أكْثَرُهُمْ" بِمَعْنى الِاسْتِيعابِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ أحَدٌ مِنهم يَعْلَمُ قَوْلَهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

تفريع على جميع ما سبق من الآيات والعبر والمنن، إذ قد استقام من جميعها انفراد الله تعالى بالإلهية، ونفي الشريك له فيما خلق وأنعم، وبالأولى نفي أن يكون له ولد وأن يشبه بالحوادث؛ فلا جرم استتبّ للمقام أن يفرع على ذلك زجر المشركين عن تمثيلهم غير الله بالله في شيء من ذلك، وأن يمثّلوه بالموجودات.

وهذا جاء على طريقة قوله تعالى: ﴿ يا أيها الناس اعبدوا ربّكم الذي خلقكم ﴾ [سورة البقرة: 21] إلى قوله تعالى: ﴿ فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون ﴾ [سورة البقرة: 22]، وقوله: ﴿ وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم ﴾ [سورة يس: 78].

و ﴿ الأمثال ﴾ هنا جمع مَثَل بفتحتين بمعنى المماثل، كقولهم: شبه بمعنى مشابه.

وضرب الأمثال شاع استعماله في تشبيه حالة بحالة وهيئة بهيئة، وهو هنا استعمال آخر.

ومعنى الضرب في قولهم: ضَرب كذا مثلاً، بَيّنّاه عند قوله تعالى: ﴿ إنا لله لا يستحيي أن يضرب مثلاً ما ﴾ في سورة البقرة (26).

واللاّم في لله } متعلقة ب ﴿ الأمثال ﴾ لا ب ﴿ تضربوا ﴾ ، إذ ليس المراد أنهم يضربون مَثَل الأصنام بالله ضرباً للناس كقوله تعالى: ﴿ ضرب لكم مثلاً من أنفسكم ﴾ [سورة الروم: 28].

ووجه كون الإشراك ضرب مثل لله أنهم أثبتوا للأصنام صفات الإلهية وشبّهوها بالخالق، فإطلاق ضرب المثل عليه مثل قوله تعالى: ﴿ وقالوا أءالهتنا خير أم هو ما ضربوه لك إلا جدلاً ﴾ [سورة الزخرف: 58].

وقد كانوا يقولون عن الأصنام هؤلاء شفعاؤنا عند الله، والملائكة هنّ بنات الله من سروات الجِنّ، فذلك ضرب مثل وتشبيه لله بالحوادث في التأثّر بشفاعة الأكفاء والأعيان والازدهاء بالبنين.

وجملة إن الله يعلم} تعليل للنّهي عن تشبيه الله تعالى بالحوادث، وتنبيه على أن جهلهم هو الذي أوقعهم في تلك السخافات من العقائد، وأن الله إذ نهاهم وزجرهم عن أن يشبّهوه بما شبّهوه إنما نهاهم لعلمه ببطلان اعتقادهم.

وفي قوله تعالى: ﴿ وأنتم لا تعلمون ﴾ استدعاء لإعمال النّظر الصحيح ليصلوا إلى العلم البريء من الأوهام.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لا يَمْلِكُ ما لَمْ يُؤْذَنْ وإنْ كانَ باقِيًا مَعَهُ.

الثّانِي: أنَّ لِسَيِّدِهِ انْتِزاعَهُ مِن يَدِهِ وإنْ كانَ مالِكًا لَهُ.

﴿ وَمَن رَزَقْناهُ مِنّا رِزْقًا حَسَنًا ﴾ يَعْنِي الحُرَّ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَلَّكَهُ ما بِيَدِهِ.

الثّانِي: تَصَرُّفُهُ في الِاكْتِسابِ عَلى اخْتِيارِهِ.

وَفِي هَذا المَثَلِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْكافِرِ لِأنَّهُ لا خَيْرَ عِنْدَهُ، ومَن رَزَقْناهُ مِنّا رِزْقًا حَسَنًا هو المُؤْمِنُ، لِما عِنْدَهُ مِنَ الخَيْرِ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ.

الثّانِي: أنَّهُ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِنَفْسِهِ والأوْثانِ؛ لِأنَّها لا تَمْلِكُ شَيْئًا، وأنَّهم عَدَلُوا عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى الَّذِي يَمْلِكُ كُلَّ شَيْءٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقاً من السماوات والأرض ﴾ قال: هذه الأوثان التي تعبد من دون الله، لا تملك لمن يعبدها رزقاً ولا ضراً ولا نفعاً ولا حياة ولا نشوراً ﴿ فلا تضربوا لله الأمثال ﴾ فإنه أحد صمد ﴿ لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد ﴾ [ الإخلاص: 3] .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ فلا تضربوا لله الأمثال ﴾ يعني اتخاذهم الأصنام.

يقول: لا تجعلوا معي إلهاً غيري، فإنه لا إله غيري.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ ضرب الله مثلاً عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء ﴾ يعني الكافر، إنه لا يستطيع أن ينفق نفقة في سبيل الله ﴿ ومن رزقناه منا رزقاً حسناً فهو ينفق منه سراً وجهراً ﴾ يعني المؤمن وهو المثل في النفقة.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ ضرب الله مثلاً عبداً مملوكاً ﴾ قال: هذا مثل ضربه الله للكافر رزقه الله مالاً فلم يقدم فيه خيراً ولم يعمل فيه بطاعة الله.

﴿ ومن رزقناه منا رزقاً حسناً ﴾ قال: هو المؤمن أعطاه الله مالاً رزقاً حلالاً، فعمل فيه بطاعة الله، وأخذه بشكر ومعرفة حق الله، فأثابه الله على ما رزقه الرزق المقيم الدائم لأهله في الجنة.

قال الله: ﴿ هل يستويان مثلاً ﴾ قال: لا والله لا يستويان.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ ضرب الله مثلاً عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء ومن رزقناه منا رزقاً حسناً ﴾ و ﴿ رجلين أحدهما أبكم ﴾ ﴿ ومن يأمر بالعدل ﴾ قال: كل هذا مثل إله الحق، وما يدعون من دونه الباطل.

وأخرج ابن المنذر من طريق ابن جريج، عن ابن عباس في قوله: ﴿ ضرب الله مثلاً عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء ﴾ قال: يعني بذلك الآلهة التي لا تملك ضراً ولا نفعاً، ولا تقدر على شيء.

ينفعها ومن رزقناه منا رزقاً حسناً فهو ينفق منه سراً وجهراً قال علانية المؤمن الذي ينفق سراً وجهراً لله.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن في قوله: ﴿ ضرب الله مثلاً عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء ﴾ قال الصنم.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن الربيع بن أنس قال: إن الله ضرب الأمثال على حسب الأعمال، فليس عمل صالح، إلا له المثل الصالح، وليس عمل سوء، إلا له مثل سوء، وقال: إن مثل العالم المتفهم، كطريق بين شجر وجبل، فهو مستقيم لا يعوّجه شيء، فذلك مثل العبد المؤمن الذي قرأ القرآن وعمل به.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر.

عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية ﴿ ضرب الله مثلاً عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء ﴾ في رجل من قريش وعبده، في هشام بن عمر، وهو الذي ينفق ماله سراً وجهراً، وفي عبده أبي الجوزاء الذي كان ينهاه.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: ليس للعبد طلاق إلا بإذن سيده.

وقرأ ﴿ عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء ﴾ .

وأخرج البيهقي في سننه.

عن ابن عباس أنه سئل عن المملوك يتصدق بشيء؟

قال: ﴿ ضرب الله مثلاً عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء ﴾ لا يتصدق بشيء.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ ضرب الله مثلاً رجلين أحدهما أبكم ﴾ إلى آخر الآية.

يعني بالأبكم الذي ﴿ هو كل على مولاه ﴾ الكافر.

وبقوله: ﴿ ومن يأمر بالعدل ﴾ المؤمن.

وهذا المثل في الأعمال.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر، عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية ﴿ وضرب الله مثلاً رجلين أحدهما أبكم ﴾ في رجلين أحدهما عثمان بن عفان، ومولى له كافر، وهو أسيد بن أبي العيص، كان يكره الإسلام، وكان عثمان ينفق عليه ويكفله ويكفيه المؤنة، وكان الآخر ينهاه عن الصدقة والمعروف، فنزلت فيهما.

وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة والبخاري في تاريخه وابن أبي حاتم وابن مردويه والضياء في المختارة، عن ابن عباس في قوله: ﴿ ومن يأمر بالعدل ﴾ قال: عثمان بن عفان.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي في الآية قال: هذا مثل ضربه الله للآلهة أيضا.

أما الأبكم فالصنم، فإنه أبكم لا ينطق ﴿ وهو كل على مولاه ﴾ ينفقون عليه وعلى من يأتيه، ولا ينفق عليهم ولا يرزقهم ﴿ هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل ﴾ وهو الله.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر، عن قتادة في قوله: ﴿ أحدهما أبكم ﴾ قال: هو الوثن ﴿ هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل ﴾ قال: الله.

وأخرج ابن أبي حاتم وابن المنذر، عن ابن عباس في قوله: ﴿ كل ﴾ قال: الكل العيال.

كانوا إذا ارتحلوا حملوه على بعير ذلول، وجعلوا معه نفراً يمسكونه خشية أن يسقط، فهو عناء وعذاب وعيال عليهم ﴿ هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم ﴾ يعني نفسه.

وأخرج الطبراني عن ابن مسعود أنه قرأ خبر.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ وما أمر الساعة إلا كلمح البصر ﴾ هو أن يقول: كن أو أقرب، فالساعة ﴿ كلمح البصر أو أقرب ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي في قوله: ﴿ كلمح البصر ﴾ يقول: كلمح ببصر العين من السرعة.

أو ﴿ أقرب ﴾ من ذلك إذا أردنا.

وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج في قوله: ﴿ وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب ﴾ قال: هو أقرب، وكل شيء في القرآن أو، فهو هكذا ﴿ مائة ألف أو يزيدون ﴾ والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله تعالى: ﴿ فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ ﴾ قال المفسرون: يعني لا تُشَبِّهُوهُ بخلقه (١) (٢) وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ ﴾ قال ابن عباس: يريد ما يكون قبل أن يكون وما هو كائن إلى يوم القيامة (٣) ﴿ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ : قَدْرَ عظمتي؛ حيث أشركتم بي وعَجَّزْتُمُوني أن أبعثَ خلقي.

(١) ورد بنحوه في "تفسير مقاتل" 1/ 205 أ، والطبري 14/ 148، وهود الهواري 2/ 379، والثعلبي 2/ 160 أ، والطوسي 6/ 408، وانظر: "تفسير البغوي" 3/ 78، وابن الجوزي 4/ 471، والفخر الرازي 20/ 82، والخازن 3/ 126.

(٢) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 213، بنصه.

(٣) ورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 2/ 422، بنصه، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 471، وورد عن بعض المفسرين قولٌ آخر في الآية، لعله أكثر مناسبة للسياق، قالوا: المعنى: والله يعلم ما يستحقه وما يليق به من وصف الكمال وأنتم لا تعلمون؛ لذلك تجعلون له أشباهًا وأمثالاً لا تليق به سبحانه.

انظر: "تفسير الطبري" 14/ 148، والشعبي 2/ 160 أ، وابن الجوزى 4/ 471.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ والله جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أزواجا ﴾ يعني الزوجات، ومن انفسكم يحتمل أن يريد من نوعكم وعلى خلقتكم، أو يريد أن حواء خلقت من ضلع آدم، وأسند ذلك إلى بني آدم لأنهم من ذرتيه ﴿ وَحَفَدَةً ﴾ جمع حافد قال ابن عباس: هم أولاد البنين، وقيل: الأصهار وقيل الخدم، وقيل: البنات إلا أن اللفظ المذكور لا يدل عليهم، والحفدة في اللغة الخدمة ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله ﴾ الآية: توبيخ للكفار، وردّ عليهم في عبادتهم للأصنام، وهي لا تملك لهم رزقاً، وانتصب رزقاً لأنه مفعول بيملك، ويحتمل أن يكون مصدراً أو اسماً لما يرزق، فإن كان مصدراً فإعراب شيئاً مفعول به، لأن المصدر ينصب المفعول، وإن كان اسماً فإعراب شيئاً بدل منه ﴿ وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ ﴾ الضمير عائد على ما لأن المراد به الإلهية، ونفي الاستطاعة بعد نفي الملك، لأن نفيها أبلغ في الذم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ تجحدون ﴾ بتاء الخطاب: أبو بكر وحماد.

الآخرون على الغيبة.

﴿ من بطون إمهاتكم ﴾ ونحوها بكسر الهمزة وفتح الميم: عليّ.

﴿ إمهاتكم ﴾ بكسرهما: حمزة.

الباقون بضم الهمزة وفتح الميم.

﴿ ألم تروا ﴾ على الخطاب: ابن عامر وحمزة وخلف وسهل ويعقوب ﴿ ظعنكم ﴾ بسكون العين: عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن عامر الباقون بفتحها.

الوقوف: ﴿ في الرزق ﴾ ج لاختلاف الجملتين مع الفاء ﴿ سواء ﴾ ط ﴿ يجحدون ﴾ ه ﴿ من الطيبات ﴾ ط ﴿ يكفرون ﴾ ه لا للعطف ﴿ ولا يستطيعون ﴾ ه ج لابتداء النهي مع فاء التعقيب ﴿ الأمثال ﴾ ط ﴿ لا تعلمون ﴾ ه ﴿ وجهراً ﴾ ط ﴿ هل يستوون ﴾ ط ﴿ الحمد لله ﴾ ط لأن "بل" للإعراض عن الأول.

﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ مولاه ﴾ لا لأن الجملة بعده صفة أحدهما ﴿ بخير ﴾ ط ثم لا وقف إلى مستقيم لاتحاد الكلام ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ أقرب ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ شيئاً ﴾ لا للعطف ﴿ والأفئدة ﴾ لا لتعلق ﴿ لعلكم تشكرون ﴾ ه ﴿ السماء ﴾ ط للفصل بين الاستخبار والإخبار ﴿ إلا الله ﴾ ط ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ إقامتكم ﴾ لا لوقوع ﴿ جعل ﴾ على ﴿ أثاثاً ﴾ ﴿ إلى حين ﴾ ه ﴿ باسكم ﴾ ط ﴿ تسلمون ﴾ ه ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ الكافرون ﴾ ه.

التفسير: لما بين خلق الإنسان وتقلبه في أطوار مراتب العمر أراد أن يذكره طرفاً من سائر أحواله لعله يتذكر فقال: ﴿ والله فضّل بعضكم على بعض في الرزق ﴾ ولا ريب أن ذلك أمر مقسوم من قبل القسام وإلا لم يكن الغافل رخي البال والعاقل ردي الحال، وليس هذا التفاوت مختصاً بالمال وإنما هو حاصل في الحسن والقبح والصحة والسقم وغير ذلك، فلرب ملك تقاد الجنائب بين يديه ولا يمكنه ركوب واحدة منها، وربما أحضرت الأطعمة الشهية والفواكه العطرة عنده ولا يقدر على تناول شيء منها، وربما نرى إنساناً كامل القوة صحيح المزاج شديد البطش ولا يجد ملء بطنه طعاماً.

وللمفسرين في الآية قولان: أحدهما أن المراد تقرير كون السعادة والنحوسة والغنى والفقر بقسمة الله تعالى، وأنه جعل بعض الناس موالي وبعضهم مماليك وليس المالك رازقاً للعبد وإنما الرازق للعبد والمولى هو الله، فلا تحسبن الموالي المفضلين أنهم يرزقون مماليكهم من عندهم شيئاً من الرزق وإنما ذلك رزقي لهم أجريته لهم على أيديهم.

وثانيهما أن المراد الرد على من أثبت لله شريكاً كالصنم أو كعيسى، فضرب له مثلاً فقال: أنتم لا تسوّون بينكم وبين عبيدكم فيما أنعمت به عليكم ولا تردّون رزقكم عليهم حتى تتساووا في المطعم والملبس.

فالفاء في قوله: ﴿ فهم فيه سواء ﴾ للتعليل.

ولك أن تقول بمعنى "حتى" أي حتى يكون عبيدهم معهم سواء في الرزق، فكيف رضيتم أن تجعلوا عبيدي لي شركاء؟!

"عن أبي ذر  أنه سمع رسول الله  يقول في العبيد: إنما هم إخوانكم فاكسوهم مما تلبسون وأطعموهم مما تطعمون" فما رؤي عبده بعد ذلك إلا ورداؤه رداؤه وإزاره إزاره من غير تفاوت ﴿ أفبنعمة الله ﴾ وهي أنه جعلهم موالي مفضلين لا عبيداً مفضولين ﴿ يجحدون ﴾ أو جعل عدم التسوية بينهم وبين عبيدهم من جملة جحود النعمة، أو جعل اعتقاد أهلية العبادة لغير الله كفراً بنعمة الله والجحود في معنى الكفران فلذلك عداه بالباء.

قال أبو عبيدة وأبو حاتم.

قراءة الغيبة - وهي الكثرى - أولى لقرب المخبر عنه، ولأنه لو كان خطاباً كان ظاهره للمسلمين وإنهم لا يخاطبون بجحد نعمة البتة.

الحالة الأخرى من أحوال الإنسان قوله عم طوله: ﴿ والله جعل لكم من أنفسكم ﴾ أي من جنسكم ﴿ أزواجاً ﴾ ليكون الأنس به أتم.

ولا ريب أن تخليق الذكور والإناث مستند إلى قدرة الله وتكوينه.

والطبيعيون قد يذكرون له وجهاً قالوا: إن المني إذا انصب من الخصية اليمنى إلى الذكر ثم انصب منه إلى الجانب الأيمن من الرحم كان الولد ذكراً تاماً في الذكورة بناء على أن الذكر أسخن مراجاً وكذا الجانب الأيمن، وإن انصب من الخصية اليسرى إلى الجانب الأيسر من الرحم كان الولد تاماً في الأنوثية، وإذا انصب من اليمنى إلى الأيسر كان ذكراً في طبيعة الإناث، وإن كان بالعكس كان بالعكس.

قال الإمام فخر الدين الرازي: هذه العلة ضعيفة فقد رأينا في النساء من كان مزاجه في غاية السخونة وفي الرجال من كان في غاية البرودة.

ولقائل أن يقول: الكلام في المزاج الصنفي لا في المزاج الشخصي، وهذا الإمام لم يفرق بينهما فاعترض بأحدهما على الآخر.

﴿ وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة ﴾ أصل الحفد الإسراع في الخدمة.

والفاعل حافد والجمع حفدة.

فقيل: أراد بها في الآية الأختان على البنات.

وقيل: أولاد الأولاد.

وقيل: أولاد المرأة من الزوج الأوّل وقيل: الخدم والأعوان.

وقيل: البنون أنفسهم الجامعون بين الأمرين البنوّة والخدمة.

وقيل: الأولى دخول الكل فيه.

ثم ذكر إنعامه عليهم بالمطعومات الطيبة لأن لذة المنكوح لا تهنأ إلا بعد الفراغ من لذة المطعوم أو بعد الفراغ من تحصيل أسبابها.

وأورد "من" التبعيضية لأن لذة كل الطيبات لا تكون إلا في الجنة.

ثم ختم الآية بقوله: ﴿ أفبالباطل يؤمنون ﴾ فقيل: الباطل هو ما اعتقدوه من منفعة الأصنام وبركتها وشفاعتها ونعمة الله ما عدده في الآيات السابقة.

وقيل: الباطل ما زين لهم الشيطان من تحريم البحيرة والسائبة وغيرهما، ونعمة الله ما أحل لهم.

وإنما قال ههنا: ﴿ وبنعمة الله هم يكفرون ﴾ وفي آخر "العنكبوت" ﴿ وبنعمة الله يكفرون  ﴾ لأن تلك الآيات استمرت على الغيبة فلم يحتج إلى زيادة ضمير الغائب.

وأما في الآية فقد سبق مخاطبات كثيرة فلم يكن بد من ضمير الغائب المؤكد لئلا يلتبس بالخطاب.

ولما عدّد بعض الآيات الدالة على الإقرار بالتوحيد أنكر صنيع أهل الشرك عليهم قائلاً ﴿ ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقاً ﴾ قال جار الله: إن كان بمعنى المصدر نصبت به شيئاً أي لا يملك أن يرزق شيئاً، وإن أردت المرزوق كان شيئاً بدلاً منه بمعنى قليلاً أو يكون تأكيداً للا يملك أي لا يملك شيئاً من الملك.

و ﴿ من السموات والأرض ﴾ صلة للرزق إن كان مصدراً بمعنى لا يرزق من السموات مطراً ولا من الأرض نباتاً وصفة إن كان اسماً لما يرزق.

أما الضمير في ﴿ ولا يستطيعون ﴾ فعائد إلى ما بعد أن قيل لا يملك على اللفظ المفرد وجمع بالواو والنون بناء على زعمهم أن الأصنام آلهة.

والفائدة في نفي الاستطاعة عنهم أن من لا يملك شيئاً قد يكون موصوفاً باستطاعة أن يتملك بطريق من الطرق، فبيّن  أنها لا تملك ولا تستطيع تحصيل الملك.

وجوّز في الكشاف أن يكون الضمير للكفار أي لا يستطيع هؤلاء مع أنهم أحياء متصرفون فكيف بالجماد الذي لا حس له؟

﴿ فلا تضربوا لله الأمثال ﴾ أي لا تشبهوه بخلقه فإن ضارب المثل مشبه حالاً بحال وقصة بقصة.

وقال الزجاج: لا تجعلوا لله مثلاً لأنه واحد لا مثل له.

وكانوا يقولون إن إله العالم أجل من أن يعبده الواحد منا فكانوا يتوسلون إلى الأصنام والكواكب، كما أن أصاغر الناس يخدمون أكابر حضرة الملك، وأولئك الأكابر يخدمون الملك فنهوا عن غير الحنيفية والإخلاص.

وعلل النهي بقوله: ﴿ إن الله يعلم ﴾ ما عليكم من العقاب ﴿ وأنتم لا تعلمون ﴾ ما في عبادتها من العذاب.

وفيه أن القياس الذي توهموه ليس بصحيح والنص يجب تقديمه على ذلك.

وقيل: إن الله يعلم كيف يضرب الأمثال وأنتم لا تعلمون.

ثم علمهم كيف تضرب فقال: ﴿ ضرب الله مثلاً ﴾ ثم أبدل من المثل قوله: ﴿ عبداً مملوكاً ﴾ لا حراً فإن جميع الناس عبيد لله فلا يلزم من كونه عبداً كونه مملوكاً.

وقوله: ﴿ لا يقدر على شيء ﴾ ليخرج العبد المأذون والمكاتب فإنهما يقدران على التصرف.

احتج الفقهاء بالآية على أن العبد لا يملك شيئاً وإن ملكه السيد لأن قوله: ﴿ لا يقدر ﴾ حكم مذكور عقيب الوصف المناسب، فدل على أن العبدية أينما وجدت فهي علة للذل والمقهورية وعدم القدرة، فثبت العموم وهو أن كل عبد فهو لا يقدر على التصرف.

وأيضاً قوله: ﴿ ومن رزقناه منا رزقاً حسناً ﴾ يقتضي أن لا يحصل للقسم الأوّل هذا الوصف.

فلو ملك العبد شيئاً ما صدق عليه أن الله قد آتاه الرزق الحسن فلم يثبت الامتياز، والأكثرون على أن عدم اقتدار العبد مخصوص بماله تعلق بالمال.

وعن ابن عباس أنه لا يملك الطلاق أيضاً.

قال جار الله: الظاهر أن "من" في قوله: ﴿ ومن رزقناه ﴾ موصوفة كأنه قيل: وحراً رزقناه ليطابق عبداً.

ولا يمتنع أن تكون موصولة.

وجمع قوله: ﴿ هل يستوون ﴾ لأنه أراد الأحرار والعبيد.

وللمفسرين في مضرب المثل أقوال: فالأكثرون على أنه أراد أنا لو فرضنا عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء، وفرضنا حراً كريماً غنياً كثير الإنفاق سراً وجهراً، فصريح العقل يشهد بأنه لا يجوز التسوية بينهما مع استوائهما في الخلقة والصورة، فكيف يجوز للعاقل أن يسوّى بين الله القادر على الرزق والإفضال وبين الأصنام التي لا تملك ولا تقدر ألبتة؟!

وقيل: العبد المملوك هو الكافر المحروم عن طاعة الله وعبوديته، والآخر هو المؤمن المشتغل بالتعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله.

والغرض أنهما لا يستويان في الرتبة والشرف والقرب من رضوان الله.

وقيل: العبد هو الصنم لقوله: ﴿ إن كل من في السموات والأرض إلا آتِى الرحمن عبداً  ﴾ .

والثاني عابد الصنم.

والمراد أنهما لا يستويان في القدرة والتصرف.

لأن الأوّل جماد وهذا إنسان فكيف يجوز الحكم بأن الأول مساوٍ لرب العالمين؟!.

﴿ الحمد لله ﴾ قال ابن عباس: أراد الحمد لله على ما فعل بأوليائه وأنعم عليهم بالتوحيد.

وقيل: معناه كل الحمد لله وليس شيء من الحمد للأصنام لأنه لا نعمة لها على أحد ﴿ بل أكثرهم لايعلمون ﴾ أن كل الحمد لي.

وقيل: أراد قل الحمد لله.

والخطاب إما للرسول  وإما لمن رزقه الله رزقاً حسناً وميزه بالقدرة والاختيار والتصرف من العبد الذليل الضعيف.

وقيل: لما ذكر مثلاً مطابقاً للغرض كاشفاً عن المقصود قال: ﴿ الحمد لله ﴾ أي على قوة هذه الحجة وظهور هذه البينة ﴿ بل أكثرهم لا يعلمون ﴾ قوّتها وظهورها.

ثم ضرب مثلاً ثانياً لنفسه ولما يفيض على عباده من النعم الدينية والدنيوية وللأصنام التي هي أموات لا تضر ولا تنفع بل يصل منها إلى من يعبدها أعظم المضار.

أما تفسير الألفاظ فالأبكم العي المفحم وقد بكم بكماً وبكامة.

وقيل: هو الأقطع اللسان الذي لا يحسن الكلام.

وروى ثعلب عن ابن الأعرابي أنه الذي لا يسمع ولا يبصر.

وقوله: ﴿ وهو كلٌّ على مولاه ﴾ أصله من الغلظ الذي هو نقيض الحدة.

يقال: كَلَّ السكين إذا غلظت شفرته، وكَلَّ اللسان إذا غلظ فلم يقدر على الكلام، وكَلَّ فلان عن الكلام إذا ثقل عليه ولم ينبعث فيه، وفلان كَلٌّ على مولاه أي ثقيل وعيال على من يلي أمره.

وقوله: ﴿ أينما يوجهه ﴾ حيثما يرسله ﴿ لا يأت بخير ﴾ لم ينجح في مطلبه.

والتوجيه أن ترسل صاحبك في وجه معين من الطريق ﴿ هل يستوي هو ﴾ أي الموصوف بهذه الصفات المذكورة.

﴿ ومن يأمر ﴾ الناس ﴿ بالعدل وهو ﴾ في نفسه ﴿ على صراط مستقيم ﴾ على سيرة صالحة ودين قويم غير منحرف إلى طرفي الإفراط والتفريط.

ولا شك أن الآمر بالعدل يجب أن يكون عالماً حتى يمكنه التمييز بين العدل والجور.

قادراً حتى يتأتى منه الإتيان بالخير والأمر به، وكلا الوصفين يناقض كونه أبكم لا يقدر.

قال مجاهد: هذا مثل لإله الخلق وما يدعى من دونه.

أما الأبكم فمثل الصنم لأنه لا ينطق ألبتة ولا يقدر على شيء وهو كَلٌّ على عابديه لأنه لا ينفق عليهم وهم ينفقون عليه وإلى أيّ مهم يوجه الصنم لا يأتي بخير، وأما الذي يأمر بالعدل فهو الله  .

وروى الواحدي بإسناده عن عكرمة عن ابن عباس قال: نزلت الآية المتقدمة في هشام بن عمرو وهو الذي ينفق ماله سراً وجهراً، ومولاه أبو الحوار الذي كان ينهاه عنه.

وهذه الآية نزلت في سعيد بن أبي العيص وفي عثمان بن عفان مولاه.

والأصح أن المقصود من الآية الأولى كل عبد موصوف بالصفات الذميمة وكل حر موصوف بالخصال الحميدة.

ومن الآية الثانية كل رجل جاهل عاجز وكل من هو بضد ذلك من كونه شامل العلم كامل القدرة وليس إلا الله  فلذلك مدح نفسه بقوله: ﴿ ولله غيب السموات والأرض ﴾ أي يختص به علم ما غاب عنه العباد فيهما، أو أراد بغيبهما يوم القيامة لأن علمه غائب عن غير الله ويؤيد هذا التفسير قوله: ﴿ وما أمر الساعة إلا كلمح البصر ﴾ اللمح النظر بسرعة ولا بد فيه من زمان تتقلب فيه الحدقة نحو المرئي وكل زمان قابل للتجزئة فلذلك قال: ﴿ أو هو أقرب ﴾ وليس هذا من قبيل المبالغة وإنما هو كلام في غاية الصدق لأن مدّة ما بين الخطاب وقيام الساعة متناهية، ومنها إلى الأبد غير متناه ولا نسبة للمتناهي إلى غير المتناهي.

وقيل: معنى أمر الساعة أن إماتة الأحياء وإحياء الأموات كلهم يكون في أقرب وقت وأقله.

ثم أكده بقوله: ﴿ إن الله على كل شيء قدير ﴾ .

ثم زاد في التأكيد بذكر حالة أخرى للإنسان دالة على غاية قدرته ونهاية رأفته فقال: ﴿ والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً ﴾ قال جار الله: هو في موضع الحال أي غير عالمين شيئاً من حق المنعم الذي خلقكم في البطون وسوّاكم وصوّركم ثم أخرجكم من الضيق إلى السعة.

وقوله: ﴿ وجعل لكم ﴾ معناه وما ركب فيكم هذه الأشياء إلا آلات لإزالة الجهل الذي ولدتم عليه واجتلاب العلم والعمل به من شكر المنعم وعبادته والقيام بحقوقه والترقي إلى ما يسعدكم.

﴿ والأفئدة ﴾ في فؤاد كالأغربة في غراب، وهو من جموع القلة التي تستعمل في مقام الكثرة أيضاً لعدم ورود غيرها.

واعلم أن جمهور الحكماء زعموا أن الإنسان في مبدأ فطرته خال عن المعارف والعلوم إلا أنه  خلق السمع والبصر والفؤاد وسائر القوى المدركة حتى ارتسم في خياله بسبب كثرة ورود المحسوسات عليه حقائق تلك الماهيات وحضرت صورها في ذهنه، ثم إن مجرد حضور تلك الحقائق إن كان كافياً في جزم الذهب بثبوت بعضها لبعض أو انتفاء بعضها عن بعض فتلك الأحكام علوم بديهية، وإن لم تكن كذلك بل كانت متوقفة على علوم سابقة عليها ولا محالة تنتهي إلى البديهيات قطعاً للدور أو التسلسل فهي علوم كسبية.

وظهر أن السبب الأول لحدوث هذه المعارف في النفوس الإنسانية هو أن الله  أعطى الحواس والقوى الدرّاكة للصور الجزئية.

وعندي أن النفس قبل البدن موجودة عالمة بعلوم جمة وهي التي ينبغي أن تسمى بالبديهيات، وإنما لا يظهر آثارهاعليها عند انفصال الجنين من الأم لضعف البدن واشتغالها بتدبيره، حتى إذا قوي وترقى ظهرت آثارها شيئاً فشيئاً وقد برهنا على هذه المعاني في كتبنا الحكمية.

فالمراد بقوله: ﴿ لا تعلمون شيئاً ﴾ أنه لا يظهر أثر العلم عليكم.

ثم إنه بتوسط الحواس الظاهرة والباطنة يكتسب العلوم المتوقفة على التعلق.

ومعنى ﴿ لعلكم تشكرون ﴾ إرادة أن تصرفوا كل آلة فيما خلقت لأجله.

وليس الواو للترتيب حتى يلزم من عطف ﴿ جعل ﴾ على ﴿ أخرج ﴾ أن يكون جعل السمع والبصر متأخراً عن الإخراج من البطن، وقد مر في أول البقرة في تفسيره قوله: ﴿ ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم  ﴾ أنه لم وحد السمع وجمع غيره؟

ثم ذكر دليلاً آخر على كمال قدرته فقال: ﴿ ألم يروا إلى الطير مسخرات ﴾ مذللات للطيران بما خلق لها من الأجنحة وسائر الأسباب المواتية لذلك كرقة قوام الهواء وإلهامهن بسط الجناح وقبضه فيه عمل السابح في الماء.

وفي ﴿ جوّ السماء ﴾ أي في الهواء المتباعد من الأرض في سمت العلو وهو مضاعف عينه ولامه واو ﴿ ما يمسكهن إلا الله ﴾ بقدرته أو بإعطاء الآلات التي لأجلها يتسهل عليها الطيران.

ومن جملة أحوال الإنسان قوله: ﴿ والله جعل لكم من بيوتكم سكناً ﴾ هو ما يسكن إليه من بيت أو إلف ﴿ جعل لكم من جلود الأنعام بيوتاً ﴾ هي القباب والأبنية من الأدم والأنطاع ﴿ تستخفونها ﴾ أي تعدونها خفيفة المحمل في الضرب والنقض والنقل ﴿ يوم ظعنكم ﴾ أي في وقت ارتحالكم.

والظعن بفتح العين وسكونها سير أهل البادية لنجعة، ثم استعمل في كل شخوص لسفر.

﴿ ويوم إقامتكم ﴾ لا يثقل عليكم حفظها ونقلها من مكان إلى مكان، ويمكن أن يكون اليوم على حقيقته أي يوم ترجعون خف عليكم حملها ونقلها ويوم تنزلون وتقيمون في مكان لم يثقل عليكم ضربها ﴿ ومن أصوافها ﴾ وهي للضأن ﴿ وأوبارها ﴾ وهي للإبل ﴿ وأشعارها ﴾ وهي للمعز ﴿ أثاثاً ﴾ وهو متاع البيت.

قال الفراء لا واحد له.

وقال أبو زيد: الأثاث المال أجمع الإبل والغنم والعبيد والمتاع الواحدة أثاثة.

قال ابن عباس: أراد طنافس وبسطاً وثياباً وكسوة.

وقال الخليل: أصله من أن النبات والشعر يئث إذا كثر.

قيل: إنه  عطف قوله: ﴿ ومتاعاً ﴾ على ﴿ أثاثاً ﴾ فوجب أن يتغايرا فما الفرق؟

وأجيب بأن الأثاث ما يكتسي به المرء ويستعمله من الغطاء والوطاء.

والمتاع ما يفرش في المنازل ويتزين به.

قلت: لا يبعد أن يراد بالأثاث والمتاع ما هو الجامع بين الوصفين كونه أثاثاً وكونه مما يتمتع به ﴿ إلى حين ﴾ أي إلى أن تقضوا أوطاركم منه أو إلى أن تبلى وتفنى أو إلى الموت أو إلى القيامة.

ثم إن المسافر قد لا يكون له خيام وأبنية يستظل بها لفقر أو لعارض آخر فيحتاج إلى أن يستظل بشجر أو جدار أو غمام ونحوها فذلك قال: ﴿ والله جعل لكم مما خلق ظلالاً ﴾ وقد يحتاج المسافر إلى حصن يأوي إليه في نزوله وإلى ما يدفع به عن نفسه آفات الحر والبرد وسائر المكاره وكذا المقيم فلذلك منّ بقوله: ﴿ وجعل لكم من الجبال أكناناً ﴾ هي جمع "كن" وهو ما يستكن به ويتوقى بسببه الأمطار كالبيوت المنحوته في الجبال وكالغيران والكهوف ﴿ وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر ﴾ وهي القمصان والثياب من الصوف والقطن والكتان وغيرها.

وإنما لم يذكر البرد لأن الوقاية من الحر أهم عندهم لغلبة الحرارة في بلادهم على أن ذكر أحد الضدين يغني في الأغلب عن ذكر الآخرة لتلازمهما في الخطور بالبال غالباً بشهادة الوجدان.

قال الزجاج: كل ما لبسته فهو سربال فعلى هذا يشمل الرقيق والكثيف والساذج والمحشوّ من الثياب ﴿ وسرابيل تقيكم بأسكم ﴾ كالدروع والجواشن ﴿ كذلك يتم نعمته ﴾ أي مثل ما خلق هذه الأشياء لكم وأنعم بها عليكم فإنه يتم نعم الدين والدنيا ﴿ لعلكم تسلمون ﴾ قال ابن عباس: لعلكم يا أهل مكة تخلصون لله الربوبية وتعلمون أنه لا يقدر على هذه الإنعامات سواه.

وعنه أنه قرأ بفتح التاء واللام من السلامة أي تسلم قلوبكم من الشرك، أو تشكرون فتسلمون من العذاب.

وقيل: تسلمون من الجرح بلبس الدروع ﴿ فان تولوا ﴾ فقد تمهد عذرك ﴿ فإنما عليك البلاغ المبين ﴾ وليس إليك الهداية.

ثم ذمهم بأنهم ﴿ يعرفون نعمة الله ﴾ التي عددناها حيث يعترفون بها وبأنها من عند الله ﴿ ثم ينكرونها ﴾ بعبادة غير من أنعم بها وبقولهم هي من الله ولكنها بشفاعة آلهتنا.

ومعنى "ثم" تبعيد رتبة الإنكار عن العرفان: وقيل: إنكارها قولهم ورثناها من آبائنا أو وصل إلينا بتربية فلان، أو أنهم لا يستعملونها في طلب رضوان الله.

وقيل: نعمة الله نبوّة محمد  كانوا يعرفونه ثم ينكرون نبوّته عناداً.

وإنما قال: ﴿ وأكثرهم الكافرون ﴾ لأنه استعمل الأكثر مقام الكل أو أراد البالغين العقلاء منهم دون الأطفال والمجانين، أو أراد كفر الجحود ولم يكن كفر كلهم كذلك بل كان فيهم من كفر للجهل بصدق الرسول، أو لأنه لم تقم الحجة عليه بعد هذا ما قاله المفسرون.

قلت: ويحتمل أن يراد بالكافرين المصرين الثابتين على كفرهم وقد علم الله أن في مطلق الكفرة من يؤمن فلهذا استثناهم والله  أعلم.

التأويل: فضل الأرواح على القلوب في رزق المكاشفات والمشاهدات بعد الفناء والرد إلى البقاء، وفضل القلوب على النفوس في رزق الزهد والورع والتقوى والصدق واليقين والإيمان والتوكل والتسليم والرضا، وفضل النفوس على الأبدان في رزق التزكية والتخلية والتحلية، وفضل أبدان المؤمنين على أبدان الكافرين بحمل أعباء الشريعة.

فما الأرواح برادّي رزقهم على القلوب، ولا القلوب على النفوس، ولا النفوس على الأبدان.

أفبنعمة الله التي أنعم بها على أوليائه تجحدون يا منكري هذا الحديث ﴿ والله جعل لكم من أنفسكم أزواجاً ﴾ يعني ازدواج الأرواح والأشباح ﴿ وجعل لكم من أزواجكم بنين ﴾ وهم القلوب ﴿ وحفدة ﴾ وهن النفوس ﴿ أفبالباطل ﴾ وهو الزخارف والوساوس ﴿ يؤمنون وبنعمة الله ﴾ التي أنعم بها على أرباب القلوب ﴿ يكفرون ﴾ ويعبدون من دون الله كالدنيا والهوى ﴿ ما لا يملك لهم زرقاً ﴾ من سموات القلوب وأرض النفوس شيئاً من الكمالات التي أودع الله فيهن، ولا يستخرج منها إلا بعبادة الله ولا يستطعيون استخراجها بعبادة غير الله ﴿ فلا تضربوا لله الأمثال ﴾ بأن تريدوا أن تصلوا إلى المقاصد بغير طريق الله ﴿ ضرب الله مثلاً عبداً ممولكاً ﴾ للهوى وللدنيا ﴿ ومن رزقناه ﴾ ولاية كاملة يتصرف بها في بواطن المستعدين وظواهرهم.

﴿ بل أكثرهم لا يعلمون ﴾ أولياء الله لأنهم تحت قباب الله لا يعرفهم غيره.

﴿ أحدهما أبكم ﴾ هو النفس الحيوانية التي لا تقدر على شيء من العلم والعقل والإيمان وهو ثقل على مولى الروح المسمى بالنفس الناطقة.

﴿ لا يأت بخير ﴾ لأنها أمارة بالسوء ﴿ ولله غيب ﴾ سموات الأرواح النفوس لا يقف على خاصيتهما غيره، ولو وكل كلاً منهما إلى طبعها لم ترجع إلى ربها، ورجوعها يكون بالإماتة والإحياء ويميتها عن أوصافها ويحييها بصفاته وهو المراد بأمر الساعة لأن الإماتة بتجلي صفات الجلال والإحياء بتجلي صفات الجمال، وإذا تجلى الله لعبد لم يبق له زمان ولا مكان فلذلك قال: ﴿ أو هو أقرب ﴾ وحنيئذ يكون فانياً عن وجوده باقياً ببقائه ﴿ والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً ﴾ من أمور الدنيا والآخرة ولا مما كانت أرواحكم تعلم في عالم الأرواح ولا مما كانت تعلم ذراتكم من فهم خطاب ﴿ ألست بربكم  ﴾ وجواب ﴿ بلى  ﴾ وجعل لأجسادكم السمع والأبصار والأفئدة كما للحيوانات ولأرواحكم كما للملائكة.

ولأسراركم سمعاً يسمع به من الله وبصراً يبصر به الله وفؤاداً يعرف به الله.

وبوجه آخر: {والله أخرجكم من العدم وهو الأم الحقيقي، لا تعلمون شيئاً قبل أن يعلمكم الله  أسماء كل شيء، فتجلى لكم بربوبيته فبنور سمعه أعطاكم سمعاً تسمعون به خطاب ألست بربكم، وبنور بصره أعطاكم بصراً تبصرون به جماله، وبنور علمه أعطاكم فؤاداً تعرفون به كماله، وبنور كلامه أعطاكم لساناً.

تجيبونه بقولكم "بلى" ﴿ لعلكم تشكرون ﴾ فلا تسمعون بهذا السمع إلا كلامه، ولا تبصرون بهذا البصر إلا جماله، ولا تحبون بهذا الفؤاد إلا ذاته، ولا تكلمون بهذا الكلام إلى معه ﴿ ألم يروا إلى ﴾ طير الأرواح ﴿ مسخرات في جوّ ﴾ سماء القلوب ﴿ ما يمسكهن ﴾ في سفل الأجساد ﴿ إلا الله ﴾ بحكمته فلذلك قال: ﴿ والله جعل لكم ﴾ أيها الأرواح ﴿ من بيوتكم ﴾ وهي الأجساد ﴿ سكنا وجعل لكم من جلود الأنعام ﴾ التي هي أجساد اشتركت فيها سائر الحيوانات ﴿ بيوتاً ﴾ تستخف أرواحكم إياها وهي النفوس الحيوانية، وقواها وقت السير إلى الله والوقفة للاستراحة والتربية ﴿ ومن أصوافها ﴾ هي الصفات الحيوانية والحواس والقوى ﴿ أثاثاً ﴾ آلات للسير ﴿ ومتعاً ﴾ ينتفع بها ﴿ إلى حين ﴾ الوصول والوصال.

﴿ والله جعل لكم مما خلق ظلالاً ﴾ أي جعل عالم الخلق ظل عالم الأمر تستظل أيها الأرواح به عند طلوع شمس التجلي وإلا لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره.

و ﴿ وجعل لكم من ﴾ جبال القلوب ما يكن به الأرواح، وجعل لأرواحكم سرابيل من الصفات البشرية تقيكم حر نار المحبة، وسرابيل من الصفات الروحانية تقيكم من سهام الوساوس والهواجس كذلك يحفظكم من الآفات من الصفات بالكرامات حتى يتم نعمة الوصول عليكم وتسلموا من قطع الطريق ﴿ يعرفون نعمة الله ﴾ بتعريفك ﴿ وأكثرهم الكافرون ﴾ بك وبنعمة الله إظهاراً للقهر والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِّنَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ شَيْئاً ﴾ فائدة ذكر هذا لنا - والله أعلم - لئلا نتبع بعض المخلوقين بأهوائنا، ولا نكل في أمورنا إلى من نعلم أنه لا يملك ضرّاً ولا نفعاً، ولا يستطيع شيئاً من الرزق، كما تبع أولئك في عبادة من يعلمون أنه لا يملك شيئاً، ولا نفعاً ولا ضرّاً فيعبدونه؛ يذكر سفههم في عبادتهم من يعلمون أنه لا يملك شيئاً من النفع والضر والرزق لئلا نعمل نحن مثل صنيعهم بمن دون الله من المخلوقين.

ثم اختلف في قوله: ﴿ مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِّنَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ شَيْئاً ﴾ قال الحسن: هو على التقديم، أي: يعبدون من دون الله شيئاً لا يملك لهم ما ذكر.

وقال بعضهم: يعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقاً من السماوات والأرض، ولا يستطيعون شيئاً.

وقال بعضهم: يعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقاً من السماوات والأرض ولا [يستطيعون] شيئاً.

وقال بعضهم: يعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا من السماوات والأرض ولا شيئاً ﴿ فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلَّهِ ٱلأَمْثَالَ ﴾ أي: لا تتخذوا لله أمثالا من الخلق وأشباها في ألوهيته وعبادته، أو لا تقولوا لله إن له أشباهاً وأمثالا.

أو يقول: فلا تجعلوا لله أمثالا في العبادة له، وأشباها في تسميتها آلهة، على علم منكم أن ما يكون لكم إنما يكون بالله لا بالأصنام التي تجعلونها أمثالا لله في العبادة والألوهية.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلَّهِ ٱلأَمْثَالَ ﴾ أي: فلا تضربوا لأولياء الله الأمثال، فإنه قد بين محل أوليائه ومكانهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ ﴾ أن لا مثل له من الخلق ولا شبه ﴿ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ ذلك، أو أن الله يعلم بمصالحكم، وأنتم لا تعلمون ما به صلاحكم وهلاككم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً عَبْداً مَّمْلُوكاً لاَّ يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرّاً وَجَهْراً ﴾ ضرب المثل بهذا من وجهين: أحدهما: أن من لا يقدر ولا يملك أن ينفق في الشاهد عندكم ليس كمن يملك ويقدر أن ينفق، فهو كقوله: ﴿ هَلْ يَسْتَوِي ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ  ﴾ .

وقوله: ﴿ مَثَلُ ٱلْفَرِيقَيْنِ كَٱلأَعْمَىٰ وَٱلأَصَمِّ وَٱلْبَصِيرِ وَٱلسَّمِيعِ  ﴾ أي: ليس يستوى البصير والأعمى، ولا الأصم والسميع، فعلى ذلك لا يستوي من يملك الإنفاق والإنعام على الخلق، وهو المعبود الحق، كمن لا يملك ذلك، وهو المعبود الباطل.

والثاني: ضرب مثل المؤمن والكافر، أن الكافر لا ينفق ما أنعم عليه من المال في طاعة الله [وفي خيراته]، والمؤمن ينفق جميع ما أنعم عليه [وأعطى] في طاعة الله وخيراته فليسا بسواء من أنفق في طاعة الله كمن لا ينفق شيئاً أحدهما يكون ضرب مثل الإله الحق والمعبود الحق بالمعبود الباطل، والثاني مثل المؤمن بالكافر ثم في الآية وجوه من الدلائل.

إحداها: أن القدرة لا تفارق الفعل، حيث قال: ﴿ عَبْداً مَّمْلُوكاً لاَّ يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ ﴾ ثم قال: ﴿ وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ ﴾ جعل مقابل الفعل القدرة، فلو كانت تفارق الفعل لكان ذكر مقابل القدرة [قدرة] مثلها، أو مقابل الفعل فعلا مثله، فلما ذكر مقابل القدرة الفعل دل أنها لا تفارق الفعل، وفيه أن العبد لا يملك حقيقة الملك، حيث ذكر عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء، وإن قدر [على] ما يملك إنما يملك بإذن من له الملك، وكذلك الخلائق كلهم لا يملكون حقيقة الإملاك، إنما حقيقة الملك في الأشياء لله وإن قدر[وا على] ما يملكون إنما يملكون بالإذن على قدر ما أذن لهم.

وفيه أن العبد لا يملك الإنفاق والتصدق، حيث قال: ﴿ عَبْداً مَّمْلُوكاً لاَّ يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ ﴾ ثم قال فيمن يملك: ﴿ وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ ﴾ دل أنه لا يملك العبد الإنفاق والهبة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ هَلْ يَسْتَوُونَ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ﴾ قال بعضهم: ذكر الحمد لله على إثر ما ذكر؛ لأنه عرّف رسوله النعم وأنواع المنافع، ثم عرفه على إثر [ذلك] الحمد لله.

وقال بعضهم: الحمد لله ثناء، أخبر أن أكثرهم لا يعلمون حمد الله وثناءه.

وقوله: ﴿ وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقاً ﴾ أي: من أوليائنا، أو من أولياء ديننا، وذلك جائز سائغ في اللغة، ثم قوله: ﴿ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ يحتمل نفي العلم عنهم لما لم ينتفعوا بما علموا، أو على حقيقة النفي لما لم ينظروا في الآيات والحجج، ولم يتأملوا فيها فلم يعلموا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَآ أَبْكَمُ لاَ يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوْلاهُ...

﴾ إلى آخر الآية.

قالوا: هذا المثل كالأوّل، يحتمل الوجهين اللذين ذكرناهما في الأوّل.

أحدهما: المؤمن والكافر، شبه الكافر بالمملوك الأبكم الذي لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه، لا يأتي المولى بخير، ولا ينتفع به، وشبه المؤمن بالذي يأتي المولى بكل خير ونفع، يقول: هل استوى هذا مع هذا عندكم؟

لا يستوي، فعلى ذلك لا يستوي الكافر الذي لا يعمل شيئاً من طاعة الله، ولا يأتي بخير والمؤمن الذي يعمل كل طاعة الله، ويأتي بكل خير، ويأمر بكل عدل.

والثاني: ضرب مثل الإله المعبود الحق بالمعبود الباطل، يقول: هل يستوي من أتاكم بكل نعمة وكل خير، ويأمر بكل عدل، بمن هو أبكم لا يقدر على شيء، ولا يضرّ، ولا ينفع، ولا يجيب، وهو عيال على من يعبده ويخدمه، هل يستوى هذا مع ذلك؟

لا يستويان مثلا ألبتة غير أن المثل هاهنا ضرب بالذي لا ينفق بالحق، ولا يأمر بالعدل، ذكر مقابل الأبكم الذي يأمر بالعدل، وفي الأول ضرب مثل الذي لا يملك الإنفاق بالذي يملك الإنفاق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ أي: هو على الحق المستقيم، وهو المعبود بالحق.

قال أبو عوسجة الكل: العيال، وكذلك قال غيره من أهل الأدب.

وقال بعضهم: الكل الفقير، وهو واحد، والأبكم: الأخرس، وهو الذي لا ينطق ألبتة.

وقال: ﴿ وَمَن يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ ﴾ بالتوحيد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِلَّهِ غَيْبُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ هذا يحتمل وجوهاً: أحدها: ما ذكر أهل التأويل من السؤال عن الساعة وعن وقتها، كقوله: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَٰهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ  ﴾ لخفائها على أهلها؛ لأن كل خفي ثقيل، أخبر أنه لا يجليها إلا لوقتها، فوقت قيامها لا يعلمه غيره.

والثاني: ولله علم ما غيب أهل السماوات وأهل الأرض، أي: ما غيب بعضهم من بعض، فذلك ليس بمغيب عن الله بل ما غاب عن الخلق وما ظهر لهم، فذلك لله كله ظاهر بمحل واحد، وهو كقوله: ﴿ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ  ﴾ .

والثالث: قوله: ﴿ وَلِلَّهِ غَيْبُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ أي: له علم ما في سرية هذه الأشياء الظاهرة ما لا سبيل للخلق إلى علم ذلك، وإن كانوا يعلمون هذه الأجسام والأشياء الظاهرة، وتقع حواسهم عليها لا يعلمون ما في سرّيتها: من نحو الماء الذي به حياة كل شيء، ونحو النطفة التي يخلق منها الإنسان - لا يعلمون المعنى الذي به يصير إنساناً، ومن نحو السمع والبصر والعقل يعلمون ويرون ظواهر [هذه] الحواس، ولكن لا يدركون المعنى الذي به يسمع وبه يبصر وبه يعقل ويفهم.

يقول - والله أعلم -: ولله علم ما غاب عن الخلق ما في هذه الأشياء الظاهرة والأجسام المرئية.

أو يقول: ولله ملك ما غاب عن أهل السماوات والأرض، وملك ما لم يغب عنهم وظهر؛ فيكون كقوله: ﴿ وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ  ﴾ كأنه قال - والله أعلم - ولله العلم الذي غيب عن أهل السماوات وأهل الأرض، وهي الساعة: لم يطلع عليها غيره.

وقوله: ﴿ وَمَآ أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ ﴾ .

قال بعضهم قوله: ﴿ وَمَآ أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ ﴾ أهون على الله وأيسر من لمح البصر؛ [إذ ليس شيء أيسر وأهون على الإنسان من لمح البصر؛ لأنه يلمح البصر] ﴿ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ ﴾ .

[أي:] بل هو أقرب، أي: أيسر من لمح البصر.

وقال الحسن: إعادة الخلق على الله أيسر وأهون من لمح البصر؛ لأنه يلمح بصره فيبصر به - بلحظة - ما بين الأرض إلى السماء، وهو مسيرة خمسمائة عام.

يقول: من قدر أن ينشئ في خلق من خلائقه ما يبصره بلمحة البصر مسيرة خمسمائة عام - لقادر على إعادة الخلق وبعثهم بعد الفناء، بل هو أقرب أي: إعادته إياهم أسرع وأقرب من لمح البصر، إلى هذا يذهب الحسن.

وقال بعضهم: ﴿ وَمَآ أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ ﴾ أي: ما وقت قيام الساعة إلا لمح البصر، أي: ليس بين وقت قيامها وبين كونها إلا لمح البصر، بل هو أقرب من لمح البصر، لكنه مثل لمح البصر لما ليس شيء عند الناس أسرع وأهون من لمح البصر، ولما ذكرنا أنه يلمح [البصر] ولا يشعر به لسرعته ولخفته عليه؛ فذكر هذا على التمثل، ليس على إرادة حقيقة الوقت بقدر لمح البصر، ولكن على المبالغة في السرعة، وذكر أقصى ما يقع في الأوهام ويتصور؛ من نحو ما قال: ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ  وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ  ﴾ ، وما قال: ﴿ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ  ﴾ ، ﴿ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً  ﴾ ، ﴿ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً  ﴾ ، وأمثاله كله يذكر على التمثيل ليس على التحقيق، أي: فمن يعمل من قليل وكثير يره، شرّاً كان أو خيراً، وكذلك ﴿ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً  ﴾ و ﴿ نَقِيراً  ﴾ ، أي: لا يظلمون شيئاً، وكذا ﴿ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ  ﴾ ، أي: لا يملكون شيئاً؛ لأن القطمير لا يملك؛ فإنما يذكر هذا وأمثاله على التمثيل الذي ذكرنا.

أو أن يكون تأويل قوله: ﴿ وَمَآ أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ ﴾ ، أي: ليس ما بين الساعة وبينكم مما مضى من الوقت إلا قدر لمح البصر، أي: لم يبق من وقت قيامها ممّا مضى إلا ما ذكر من لمح البصر أو أقرب مما ذكر على الاستقصار مما بقي.

﴿ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ .

وعلى البعث والإعادة، وعلى كل شيء، لا يعجزه شيء.

وظاهر الآية ينقض على المعتزلة قولهم؛ لإنكارهم خلق أفعال العباد؛ لأنه أخبر أنه على كل شيء قدير، وعلى قولهم: هو غير قادر على العالم بشيء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً ﴾ .

يذكر بهذا قدرته وسلطانه على ما سبق: من ذكر سرعة القيامة، والعلم بها، والحكمة التي جعل في البعث؛ فقال: ﴿ وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً ﴾ : خلق الولد في ظلمات ثلاث، وجعل غذاه بغذاء الأمهات وبقواهن، ثم تقلبه في تلك الظلمات من حال إلى حال: ما لو اجتهد الخلائق أن يعلموا اغتذاءه بغذاء الأمهات، وتقليبه من حال إلى حال، ومن جوهر إلى جوهر - ما قدروا على ذلك؛ فيدل هذا على أن من قدر على هذا، وعلم هذا في تلك الظلمات لقادر على البعث وإعادة الخلق بعد الفناء، وعلْم ما غاب عن الخلق.

ويذكرنا ابتداء أحوالنا أنه أخرجنا من بطون أمهاتنا ونحن لا نعلم شيئاً، ثم صيّرنا بحال صرنا عالمين أشياء، يذكرنا نعمه ومننه علينا في بلوغنا إلى الأحوال التي صرنا إليها بعدما كنا ما ذكر.

والثاني: يذكرنا أنكم كنتم بالحال التي ذكر؛ لنعلم أنه صيرنا في البطون بلا استعانة بأحد منا ولا عون منه إلى أحد، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلْسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ ﴾ .

فمن قدر على جعل السمع حتى يسمع الأصوات ويميز بينها، والبصر ليبصر ويميز بين ألوان الأجسام، والفؤاد ليفهم ويعقل ما له وما عليه، ما لا يدركون ماهية ما به يسمعون ويبصرون ويعقلون، وما به يميزون بين ما ذكرنا فهو قادر على إنشاء الخلق بعد الفناء والإعادة بعد الموت.

ثم ذكر على أثر قوله: ﴿ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً ﴾ : السمع والبصر والأفئدة؛ فذلك يدل على أن هذه الأشياء من أسباب العلم بالأشياء، بها يوصل إلى العلم بالأشياء؛ فمن أعطي أسباب العلم بالشيء فكأنْ قد أعطي له العلم به، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ .

هو حرف شك في الظاهر؛ ذكر - والله أعلم - لأنه لا كل الناس يشكرون نعمه، أو لكي يلزمهم الشكر.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فلا تجعلوا -أيها الناس- لله أشباهًا من هذه الأصنام التي لا تنفع ولا تضر، فليس لله شبيه حتى تشركوه معه في العبادة، إن الله يعلم ما له من صفات الجلال والكمال، وأنتم لا تعلمون ذلك، فتقعون في الشرك به، وادعاء مماثلته لأصنامكم.

<div class="verse-tafsir" id="91.xVv29"

مزيد من التفاسير لسورة النحل

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل