الإسلام > القرآن > تفسير > زاد المسير > سورة 3 آل عمران > الآية ١٧٩
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 4 دقيقة قراءةقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ قُرَيْشًا قالَتْ: تَزْعُمُ يا مُحَمَّدُ أنَّ مَنِ اتَّبَعَكَ، فَهو في الجَنَّةِ، ومَن خالَفَكَ فَهو في النّارِ؟!
فَأخْبَرَنا بِمَن يُؤْمِنُ بِكَ ومَن لا يُؤْمِنُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّ المُؤْمِنِينَ سَألُوا أنْ يُعْطُوا عَلامَةً يُفَرِّقُونَ بِها بَيْنَ المُؤْمِنِ والمُنافِقِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، هَذا قَوْلُ أبِي العالِيَةِ.
والثّالِثُ: «أنَّ النَّبِيَّ قالَ: عَرَضْتُ عَلى أُمَّتِي، وأعْلَمْتُ مَن يُؤْمِنُ بِي، ومَن يَكْفُرُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ المُنافِقِينَ، فاسْتَهْزَؤُوا، وقالُوا: فَنَحْنُ مَعَهُ ولا يَعْرِفُنا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» هَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.
والرّابِعُ: أنَّ اليَهُودَ، قالَتْ: يا مُحَمَّدُ قَدْ كُنْتُمْ راضِينَ بِدِينِنا، فَكَيْفَ بِكم لَوْ ماتَ بَعْضُكم قَبْلَ نُزُولِ كِتابِكُمْ؟!
فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.
هَذا قَوْلُ عُمَرَ مَوْلى غُفْرَةَ.
والخامِسُ: أنَّ قَوْمًا مِنَ المُنافِقِينَ ادَّعَوْا أنَّهم في إيمانِهِمْ مِثْلَ المُؤْمِنِينَ، فَأظْهَرَ اللَّهُ نِفاقَهم يَوْمَ أُحُدٍ، وأنْزَلَ هَذِهِ الآَيَةَ، هَذا قَوْلُ أبِي سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيِّ.
وَفِي المُخاطَبِ بِهَذِهِ الآَيَةِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُمُ الكُفّارُ والمُنافِقُونَ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والضَّحّاكِ.
والثّانِي: أنَّهُمُ المُؤْمِنُونَ، فَيَكُونُ المَعْنى: ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَكم عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ التِباسِ المُؤْمِنِ بِالمُنافِقِ، قالَ الثَّعْلَبِيُّ: وهَذا قَوْلُ أكْثَرِ أهْلِ المَعانِي.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَتّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "حَتّى يَمِيزَ" و"لِيَمِيزَ اللَّهُ الخَبِيثَ" بِفَتْحِ الياءِ والتَّخْفِيفِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ، ويَعْقُوبُ: "يُمَيِّزُ" بِالتَّشْدِيدِ، وكَذَلِكَ في [ الأنْفالِ: ٣٧ ] (لِيَمِيزَ اللَّهُ الخَبِيثَ) .
قالَ أبُو عَلِيٍّ: مِزْتُ ومَيَّزْتُ لُغَتانِ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ومَعْنى يُمَيِّزُ: يُخَلِّصُ.
فَأمّا الطَّيِّبُ، فَهو المُؤْمِنُ.
وفي الخَبِيثِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ المُنافِقُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وابْنُ جُرَيْجٍ.
والثّانِي: الكافِرُ، قالَهُ قَتادَةُ، والسُّدِّيُّ.
وفي الَّذِي وقَعَ بِهِ التَّمْيِيزُ بَيْنَهم ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ الهِجْرَةُ والقِتالُ، قالَهُ قَتادَةُ، وهو قَوْلُ مَن قالَ: الخَبِيثُ: الكافِرُ.
والثّانِي: أنَّهُ الجِهادُ، وهو قَوْلُ مَن قالَ: هو المُنافِقُ.
قالَ مُجاهِدٌ: فَيُمَيِّزُ اللَّهُ يَوْمَ أُحُدٍ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ والمُنافِقِينَ، حَيْثُ أظْهَرُوا النِّفاقَ وتَخَلَّفُوا.
والثّالِثُ: أنَّهُ جَمِيعُ الفَرائِضِ والتَّكالِيفِ، فَإنَّ المُؤْمِنَ مَسْتُورُ الحالِ بِالإقْرارِ، فَإذا جاءَتِ التَّكالِيفُ بانَ أمْرُهُ.
هَذا قَوْلُ ابْنِ كَيْسانَ.
وَفِي المُخاطَبِ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكم عَلى الغَيْبِ ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهم كُفّارُ قُرَيْشٍ، فَمَعْناهُ: ما كانَ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمُ المُؤْمِنَ مِنَ الكافِرِ، لِأنَّهم طَلَبُوا ذَلِكَ، فَقالُوا: أخْبِرْنا بِمَن يُؤْمِنُ ومَن لا يُؤْمِنُ، هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ النَّبِيُّ ، فَمَعْناهُ: وما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَ مُحَمَّدًا عَلى الغَيْبِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
"وَيَجْتَبِي" بِمَعْنى يَخْتارُ، قالَهُ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ.
فَمَعْنى الكَلامِ عَلى القَوْلِ الأوَّلُ: أنَّ اللَّهَ لا يُطْلِعُ عَلى الغَيْبِ أحَدًا إلّا الأنْبِياءَ الَّذِينَ اجْتَباهم، وعَلى القَوْلِ الثّانِي: أنَّ اللَّهَ لا يُطْلِعُ عَلى الغَيْبِ أحَدًا إلّا أنَّهُ يَجْتَبِي مَن يَشاءُ فَيُطْلِعُهُ عَلى ما يَشاءُ.
<div class="verse-tafsir"