الآية ١٧٩ من سورة آل عمران

الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ١٧٩ من سورة آل عمران

مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ ۗ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى ٱلْغَيْبِ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَجْتَبِى مِن رُّسُلِهِۦ مَن يَشَآءُ ۖ فَـَٔامِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ ۚ وَإِن تُؤْمِنُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌۭ ١٧٩

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 129 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٧٩ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٧٩ من سورة آل عمران عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

م قال تعالى : ( ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب ) أي : لا بد أن يعقد سببا من المحنة ، يظهر فيه وليه ، ويفتضح فيه عدوه .

يعرف به المؤمن الصابر ، والمنافق الفاجر .

يعني بذلك يوم أحد الذي امتحن به المؤمنين ، فظهر به إيمانهم وصبرهم وجلدهم [ وثباتهم ] وطاعتهم لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم ، وهتك به ستر المنافقين ، فظهر مخالفتهم ونكولهم عن الجهاد وخيانتهم لله ولرسوله [ صلى الله عليه وسلم ] ولهذا قال : ( ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب ) .

قال مجاهد : ميز بينهم يوم أحد .

وقال قتادة : ميز بينهم بالجهاد والهجرة .

وقال السدي : قالوا : إن كان محمد صادقا فليخبرنا عمن يؤمن به منا ومن يكفر .

فأنزل الله : ( ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى ) [ يميز الخبيث من الطيب ) أي : حتى ] يخرج المؤمن من الكافر .

روى ذلك كله ابن جرير : ثم قال : ( وما كان الله ليطلعكم على الغيب ) أي : أنتم لا تعلمون غيب الله في خلقه حتى يميز لكم المؤمن من المنافق ، لولا ما يعقده من الأسباب الكاشفة عن ذلك .

ثم قال : ( ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء ) كقوله ( عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا ) [ الجن : 26 ، 27 ] .

ثم قال : ( فآمنوا بالله ورسله ) أي : أطيعوا الله ورسوله واتبعوه فيما شرع لكم ( وإن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر عظيم ) .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ قال أبو جعفر: يعني بقوله: " ما كان الله ليذر المؤمنين "، ما كان الله ليدع المؤمنين (31) =" على ما أنتم عليه " من التباس المؤمن منكم بالمنافق، فلا يعرف هذا من هذا=" حتى يميز الخبيث من الطيب "، يعنى بذلك: " حتى يميز الخبيث " وهو المنافق المستسرُّ للكفر (32) =" من الطيب "، وهو المؤمن المخلص الصادق الإيمان، (33) بالمحن والاختبار، كما ميَّز بينهم يوم أحد عند لقاء العدوّ عند خروجهم إليهم.

* * * واختلف أهل التأويل في" الخبيث " الذي عنى الله بهذه الآية.

فقال بعضهم فيه، مثل قولنا.

* ذكر من قال ذلك: 8268 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثني أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: " ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب "، قال: ميز بينهم يوم أحد، المنافقَ من المؤمن.

8269 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج: " ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب "، قال: ابن جريج، يقول: ليبين الصادق بإيمانه من الكاذب= قال ابن جريج، قال مجاهد: يوم أحد، ميز بعضهم عن بعض، المنافق عن المؤمن.

8270 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب "، أي: المنافقين.

(34) * * * وقال آخرون: معنى ذلك: حتى يميز المؤمن من الكافر بالهجرة والجهاد.

* ذكر من قال ذلك: 8271 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه "، يعني الكفار.

يقول: لم يكن الله ليدع المؤمنين على ما أنتم عليه من الضلالة: " حتى يميز الخبيث من الطيب "، يميز بينهم في الجهاد والهجرة.

8272 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: " حتى يميز الخبيث من الطيب "، قال: حتى يميز الفاجر من المؤمن.

8273 - حدثنا محمد قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي،" ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب " قالوا: " إن كان محمدٌ صادقًا، فليخبرنا بمن يؤمن بالله ومن يكفر "!!

فأنـزل الله: " ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب "، حتى يخرج المؤمن من الكافر.

* * * قال أبو جعفر: والتأويل الأول أولى بتأويل الآية، لأن الآيات قبلها في ذكر المنافقين، وهذه في سياقتها.

فكونها بأن تكون فيهم، أشبه منها بأن تكون في غيرهم.

* * * القول في تأويل قوله : وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.

فقال بعضهم بما:- 8274 - حدثنا به محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " وما كان الله ليطلعكم على الغيب "، وما كان الله ليطلع محمدًا على الغيب، ولكن الله اجتباه فجعله رسولا.

* * * وقال آخرون بما:- 8275 - حدثنا به ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " وما كان الله ليطلعكم على الغيب "، أي: فيما يريد أن يبتليكم به، لتحذروا ما يدخل &; 7-427 &; عليكم فيه=" ولكنّ الله يجتبي من رسله من يشاء "، يعلمه.

(35) * * * قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بتأويله: وما كان الله ليطلعكم على ضمائر قلوب عباده، فتعرفوا المؤمن منهم من المنافق والكافر، ولكنه يميز بينهم بالمحن والابتلاء= كما ميز بينهم بالبأساء يوم أحد= وجهاد عدوه، وما أشبه ذلك من صنوف المحن، حتى تعرفوا مؤمنهم وكافرهم ومنافقهم.

غير أنه تعالى ذكره يجتبي من رسله من يشاء فيصطفيه، فيطلعه على بعض ما في ضمائر بعضهم، بوحيه ذلك إليه ورسالته، كما:- 8276 - حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء "، قال: يخلصهم لنفسه.

* * * وإنما قلنا هذا التأويل أولى بتأويل الآية، لأنّ ابتداءها خبرٌ من الله تعالى ذكره أنه غير تارك عباده (36) -يعني بغير محن- حتى يفرق بالابتلاء بين مؤمنهم وكافرهم وأهل نفاقهم.

ثم عقب ذلك بقوله: " وما كان الله ليطلعكم على الغيب "، فكان فيما افتتح به من صفة إظهار الله نفاق المنافق وكفر الكافر، دلالةٌ واضحةٌ على أن الذي ولي ذلك هو الخبر عن أنه لم يكن ليطلعهم على ما يخفى عنهم من باطن سرائرهم، إلا بالذي ذكر أنه مميِّزٌ به نعتَهم إلا من استثناه من رسله الذي خصه بعلمه.

* * * القول في تأويل قوله : فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (179) قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: (37) " وإن تؤمنوا "، وإن تصدِّقوا من اجتبيته من رُسلي بعلمي وأطلعته على المنافقين منكم=" وتتقوا " ربكم بطاعته فيما أمركم به نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم وفيما نهاكم عنه=" فلكم أجر عظيم "، يقول: فلكم بذلك من إيمانكم واتقائكم ربكم، ثوابٌ عظيم، كما:- 8277 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " فآمنوا بالله ورسله وإن تؤمنوا وتتقوا "، أي: ترجعوا وتتوبوا=" فلكم أجر عظيم ".

(38) ----------------------------- الهوامش: (31) انظر تفسير"يذر" فيما سلف 6: 22.

(32) انظر تفسير"الخبيث" فيما سلف 5: 559.

(33) انظر تفسير"الطيب" فيما سلف 3: 301 / 5: 555 ، 556 / 6: 361.

(34) الأثر: 8270 - سيرة ابن هشام 3: 128 ، وهو جزء من الأثر السالف رقم: 8265 ، وتتمة الآثار التي قبله من تفسير ابن إسحاق.

وكان في المطبوعة هنا"المنافق" ، والصواب من المخطوطة ، والأثر السالف ، وسيرة ابن هشام.

(35) الأثر: 8275 - سيرة ابن هشام 3: 128 ، وهو تتمة الآثار التي آخرها: 8270 ، وكان في المطبوعة: "بعلمه" بالباء في أوله ، والصواب من سيرة ابن هشام ، ونصه: "أي: يعلمه ذلك" ، أما المخطوطة ، فالكلمة فيها غير منقوطة.

(36) في المطبوعة والمخطوطة"وابتداؤها خبر من الله" ، وهو سياق لا يستقيم ، والظاهر أن ناسخ المخطوطة لما نسخ ، أشكل على بصره ، "الآية" ثم"لأن" بعقبها.

فأسقط"لأن" ، وكتب"وابتداؤها" ، ورسم الكلمة في المخطوطة"وابتداها" ، فلذلك رجحت ما أثبته ، وإن كان ضبط السياق وحده كافيًا في الترجيح.

(37) في المخطوطة والمطبوعة: "يعني بذلك جل ثناؤه بقوله" ، وإقحام"بذلك" مفسدة وهجنة في الكلام ، فأسقطتها ، وهي سبق قلم من الناسخ.

(38) الأثر: 8277 - سيرة ابن هشام 3: 128 ، وهو تتمة الآثار التي آخرها: 8275.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء فآمنوا بالله ورسله وإن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر عظيمقال أبو العالية : سأل المؤمنون أن يعطوا علامة يفرقون بها بين المؤمن والمنافق ; فأنزل الله عز وجل ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه الآية .

واختلفوا من المخاطب بالآية على أقوال .

فقال ابن عباس والضحاك ومقاتل والكلبي وأكثر المفسرين : الخطاب للكفار والمنافقين .

أي ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه من الكفر والنفاق وعداوة النبي - صلى الله عليه وسلم - .

قال الكلبي : إن قريشا من أهل مكة قالوا للنبي - صلى الله عليه وسلم - : الرجل منا تزعم أنه في النار ، وأنه إذا ترك ديننا واتبع دينك قلت هو من أهل الجنة !

فأخبرنا عن هذا من أين هو ؟

وأخبرنا من يأتيك منا ؟

ومن لم يأتك ؟

.

فأنزل الله عز وجل ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه من الكفر والنفاق حتى يميز الخبيث من الطيب وقيل : هو خطاب للمشركين .

والمراد بالمؤمنين في قوله : ليذر المؤمنين من في الأصلاب والأرحام ممن يؤمن .

أي ما كان الله ليذر أولادكم الذين حكم لهم بالإيمان على ما أنتم عليه من الشرك ، حتى يفرق بينكم وبينهم ; وعلى هذا وما كان الله ليطلعكم كلام مستأنف .

وهو قول ابن عباس وأكثر المفسرين .

وقيل : الخطاب للمؤمنين .

أي وما كان الله ليذركم يا معشر المؤمنين على ما أنتم عليه من اختلاط المؤمن بالمنافق ، حتى يميز بينكم بالمحنة والتكليف ; فتعرفوا المنافق الخبيث ، والمؤمن الطيب .

وقد ميز يوم أحد بين الفريقين .

وهذا قول أكثر أهل المعاني .[ ص: 271 ] وما كان الله ليطلعكم على الغيب يا معشر المؤمنين .

أي ما كان الله ليعين لكم المنافقين حتى تعرفوهم ، ولكن يظهر ذلك لكم بالتكليف والمحنة ، وقد ظهر ذلك في يوم أحد ; فإن المنافقين تخلفوا وأظهروا الشماتة ، فما كنتم تعرفون هذا الغيب قبل هذا ، فالآن قد أطلع الله محمدا عليه السلام وصحبه على ذلك .

وقيل : معنى ليطلعكم أي وما كان الله ليعلمكم ما يكون منهم .

فقوله : وما كان الله ليطلعكم على الغيب على هذا متصل ، وعلى القولين الأولين منقطع .

وذلك أن الكفار لما قالوا : لم لم يوح إلينا ؟

قال : وما كان الله ليطلعكم على الغيب أي على من يستحق النبوة ، حتى يكون الوحي باختياركم .ولكن الله يجتبي أي يختار .

من رسله لإطلاع غيبه من يشاء يقال : طلعت على كذا واطلعت عليه ، وأطلعت عليه غيري ; فهو لازم ومتعد .

وقرئ " حتى يميز " بالتشديد من ميز ، وكذا في " الأنفال " وهي قراءة حمزة .

والباقون يميز بالتخفيف من ماز يميز .

يقال : مزت الشيء بعضه من بعض أميزه ميزا ، وميزته تمييزا .

قال أبو معاذ : مزت الشيء أميزه ميزا إذا فرقت بين شيئين .

فإن كانت أشياء قلت : ميزتها تمييزا .

ومثله إذا جعلت الواحد شيئين قلت : فرقت بينهما ، مخففا ; ومنه فرق الشعر .

فإن جعلته أشياء قلت : فرقته تفريقا .قلت : ومنه امتاز القوم ، تميز بعضهم عن بعض .

ويكاد يتميز : يتقطع ; وبهذا فسر قوله تعالى : تكاد تميز من الغيظ وفي الخبر ( من ماز أذى عن الطريق فهو له صدقة ) .قوله تعالى : فآمنوا بالله ورسله يقال : إن الكفار لما سألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يبين لهم من يؤمن منهم ، فأنزل اللهفآمنوا بالله ورسله يعني لا تشتغلوا بما لا يعنيكم ، واشتغلوا بما يعنيكم وهو الإيمان .

فآمنوا أي صدقوا ، أي عليكم التصديق لا التشوف إلى اطلاع الغيب .وإن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر عظيم أي الجنة .

ويذكر أن رجلا كان عند الحجاج بن يوسف الثقفي منجما ; فأخذ الحجاج حصيات بيده قد عرف عددها فقال للمنجم : كم في يدي ؟

فحسب فأصاب المنجم .

فأغفله الحجاج وأخذ حصيات لم يعدهن فقال للمنجم : كم في يدي ؟

فحسب فأخطأ ، ثم حسب أيضا فأخطأ ; فقال : أيها الأمير ، أظنك لا تعرف عدد ما في يدك ؟

قال لا : قال : فما الفرق بينهما ؟

فقال : إن ذاك أحصيته فخرج عن حد الغيب ، فحسبت فأصبت ، وإن هذا لم تعرف عددها فصار غيبا ، ولا يعلم الغيب إلا الله تعالى .

وسيأتي هذا الباب في " الأنعام " إن شاء الله تعالى .[ ص: 272 ]

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: ما كان في حكمة الله أن يترك المؤمنين على ما أنتم عليه من الاختلاط وعدم التميز حتى يميز الخبيث من الطيب، والمؤمن من المنافق، والصادق من الكاذب.

ولم يكن في حكمته أيضا أن يُطلع عباده على الغيب الذي يعلمه من عباده، فاقتضت حكمته الباهرة أن يبتلي عباده، ويفتنهم بما به يتميز الخبيث من الطيب، من أنواع الابتلاء والامتحان، فأرسل الله رسله، وأمر بطاعتهم، والانقياد لهم، والإيمان بهم، ووعدهم على الإيمان والتقوى الأجر العظيم.

فانقسم الناس بحسب اتباعهم للرسل قسمين: مطيعين وعاصين، ومؤمنين ومنافقين، ومسلمين وكافرين، ليرتب على ذلك الثواب والعقاب، وليظهر عدله وفضله، وحكمته لخلقه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب ) اختلفوا فيها ، فقال الكلبي : قالت قريش : يا محمد تزعم أن من خالفك فهو في النار والله عليه غضبان ، وأن من اتبعك على دينك فهو في الجنة والله عنه راض ، فأخبرنا بمن يؤمن بك وبمن لا يؤمن بك فأنزل الله تعالى هذه الآية .

وقال السدي : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " عرضت علي أمتي في صورها في الطين كما عرضت على آدم وأعلمت من يؤمن بي ومن يكفر بي " فبلغ ذلك المنافقين فقالوا استهزاء : زعم محمد أنه يعلم من يؤمن به ومن يكفر ممن لم يخلق بعد ، ونحن معه وما يعرفنا ، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام على المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : " ما بال أقوام طعنوا في علمي لا تسألوني عن شيء فيما بينكم وبين الساعة إلا أنبأتكم به " فقام عبد الله بن حذافة السهمي : فقال : من أبي يا رسول الله؟

قال : حذافة فقام عمر فقال : يا رسول الله رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا وبالقرآن إماما وبك نبيا فاعف عنا عفا الله عنك ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " فهل أنتم منتهون " ؟

ثم نزل عن المنبر فأنزل الله تعالى هذه الآية .

واختلفوا في حكم الآية ونظمها ، فقال ابن عباس رضي الله عنهما والضحاك ومقاتل والكلبي وأكثر المفسرين : الخطاب للكفار والمنافقين يعني ( ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه ) يا معشر الكفار والمنافقين من الكفر والنفاق ( حتى يميز الخبيث من الطيب ) وقال قوم : الخطاب للمؤمنين الذين أخبر عنهم ، معناه : ما كان الله ليذركم يا معشر المؤمنين على ما أنتم عليه من التباس المؤمن بالمنافق ، فرجع من الخبر إلى الخطاب .

( حتى يميز ) قرأ حمزة والكسائي ويعقوب بضم الياء والتشديد وكذلك التي في الأنفال ، وقرأ الباقون بالخفيف يقال : ماز الشيء يميزه ميزا وميزه تمييزا إذا فرقه فامتاز ، وإنما هو بنفسه ، قال أبو معاذ إذا فرقت بين شيئين قلت : مزت ميزا ، فإذا كانت أشياء قلت : ميزتها تمييزا وكذلك إذا جعلت الشيء الواحد شيئين قلت : فرقت بالتخفيف ومنه فرق الشعر ، فإن جعلته أشياء قلت : فرقته تفريقا ، ومعنى الآية حتى يميز المنافق من المخلص ، فميز الله المؤمنين من المنافقين يوم أحد حيث أظهروا النفاق وتخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وقال قتادة : حتى يميز الكافر من المؤمن بالهجرة والجهاد .

وقال الضحاك : ( ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه ) في أصلاب الرجال وأرحام النساء يا معشر المنافقين والمشركين حتى يفرق بينكم وبين من في أصلابكم وأرحام نسائكم من المؤمنين وقيل : ( حتى يميز الخبيث ) وهو المذنب ( من الطيب ) وهو المؤمن يعني : حتى يحط الأوزار عن المؤمن بما يصيبه من نكبة ومحنة ومصيبة ، ( وما كان الله ليطلعكم على الغيب ) لأنه لا يعلم الغيب أحد غيره ، ( ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء ) فيطلعه على بعض علم الغيب ، نظيره قوله تعالى : " عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول " ( سورة الجن الآيتان : 26 ، 27 ) .

وقال السدي : معناه وما كان الله ليطلع محمدا صلى الله عليه وسلم على الغيب ولكن الله اجتباه ، ( فآمنوا بالله ورسله وإن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر عظيم ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ما كان الله ليذر» ليترك «المؤمنين على ما أنتم» أيها الناس «عليه» من اختلاط المخلص بغيره «حتى يَمِيزَ» بالتخفيف والتشديد يفصل «الخبيث» المنافق «من الطيب» المؤمن بالتكاليف الشاقة المبينة لذلك ففعل ذلك يوم أحد «وما كان الله ليطلعكم على الغيب» فتعرفوا المنافق من غيره قبل التمييز «ولكنَّ الله يجتبي» يختار «من رسله من يشاء» فيطلعه على غيبه كما أطلع النبي صلى الله عليه وسلم على حال المنافقين «فآمنوا بالله ورسله وإن تؤمنوا وتتقوا» النفاق «فلكم أجر عظيم».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ما كان الله ليَدَعَكم أيها المصدقون بالله ورسوله العاملون بشرعه على ما أنتم عليه من التباس المؤمن منكم بالمنافق حتى يَمِيزَ الخبيث من الطيب، فيُعرف المنافق من المؤمن الصادق.

وما كان مِن حكمة الله أن يطلعكم -أيها المؤمنون- على الغيب الذي يعلمه من عباده، فتعرفوا المؤمن منهم من المنافق، ولكنه يميزهم بالمحن والابتلاء، غير أن الله تعالى يصطفي من رسله مَن يشاء؛ ليطلعه على بعض علم الغيب بوحي منه، فآمنوا بالله ورسوله، وإن تؤمنوا إيمانًا صادقًا وتتقوا ربكم بطاعته، فلكم أجر عظيم عند الله.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

{ مَّا كَانَ الله لِيَذَرَ المؤمنين على مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ حتى يَمِيزَ الخبيث مِنَ الطيب } .وقوله { لِيَذَرَ } أى ليترك .

والمراد بالمؤمنين : المخلصون الذين صدقوا فى إيمانهم والمراد بقوله { على مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ } أى اختلاط المؤمنين بالمنافقين واستواؤهم فى إجراء الأحكام .ومعنى يميز يفصل .

وقرىء يميز أن يحدد ويبين .والمراد بالخبيث : المنافق ومن على شاكلته من ضعاف الإيمان .والمراد بالطيب : الصادق فى إيمانه .والمعنى : ليس من شأن الله - تعالى - ولا من حكمته وسنته فى خلقه أن يترككم أيها المؤمنون على ما أنتم عليه من الالتباس واختلاط المنافقين بكم ، بل الذى من شأنه وسنته أن يبتليكم ويمتحنكم بألوان من المصائب والشدائد حتى يتميز المؤمنون من المنافقين ، وينفصل الأخيار عن الأشرار .قال ابن كثير : أى لا بد أن يعقد سبباً من المحنة ، يظهر فيه وليه ويفضح به عدوه ، يعرف به المؤمن الصابر والمنافق الفاجر ، يعنى بذلك يوم أحد الذى امتحن الله به المؤمنين فظهر به إيمانهم وصبرهم وجلدهم وثباتهم وطاعتهم لله لرسوله وهتك به ستار المنافقين ، فظهرت مخالفتهم ، ونكولهم عن الجهاد ، وخيانتهم لله ولرسوله .

قال مجاهد : ميز بينهم يوم أحد " .وعبر - سبحانه - عن المؤمن بالطيب ، وعن المنافق بالخبيث ، ليسجل على كل منهما ما يليق به من الأوصاف ، وللإشعار بعلة الحكم .وقوله { وَمَا كَانَ الله لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الغيب وَلَكِنَّ الله يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَآءُ } معطوف على قوله { مَّا كَانَ الله لِيَذَرَ } .والغيب : ضد المشاهد .

وهو كل ما غاب عن الحواس ولا تمطن معرفته إلا عن طريق الوحى من الله - تعالى - على رسوله صلى الله عليه وسلم .واجتبى : من الاجتباء بمعنى الاختيار والاصطفاء .أى : وما كان الله - تعالى - ليعطى أحدا منكم - معشر المؤمنين - علم الغيوب الذى به تعرفون المؤمن من المنافق ، إذ علم ذلك له وحده ، ولكنه - سبحانه - يصطفى من رسله من يريد اصطفاءه فيطلعه على بعض الغيوب ، وأطلعه على حال تلك المرأة التى أرسلها حاطب بن أبى بلتعة برسالة إلى قريش لتخبرهم باستعداد الرسول صلى الله عليه وسلم لحربهم .

وأطلعه على بعض أحوال المنافقين .قال - تعالى - { عَالِمُ الغيب فَلاَ يُظْهِرُ على غَيْبِهِ أَحَداً إِلاَّ مَنِ ارتضى مِن رَّسُولٍ } وفى قوله - تعالى - { وَلَكِنَّ الله يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَآءُ } إيذان بأن الوقوف على أمثال تلك الأسرار الغيبية ، لا يتأتى إلا ممن رشحه الله - تعالى - لمنصب جليل ، تقاصرت عنه همم الأمم ، واصطفاه على الناس لإرشادهم .ثم أمر الله - تعالى - عباده أن يثبتوا على الإيمان ، وبشرهم بالأجر العظيم إذ هم استمروا على ذلك فقال : { فَآمِنُواْ بالله وَرُسُلِهِ وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ } .أى : إذا علمتم أيها المؤمنون أن الله لا يطلع على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول ، فإنه يجب عليكم أن تؤمنوا بالله وبرسله حق الإيمان ، وأن تؤمنوا بالله - تعالى - وبرسله حق الإيمان ، وتتقوا المخالفة فى الأمر والنهى ، فلكم فى مقابلة ذلك من الله - تعالى - مالا يقادر قدره من الثواب العظيم ، والأجر الجزيل .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن هذه الآية من بقية الكلام في قصة أحد، فأخبر تعالى أن الأحوال التي وقعت في تلك الحادثة من القتل والهزيمة، ثم دعاء النبي صلى الله عليه وسلم اياهم مع ما كان بهم من الجراحات الى الخروج لطلب العدو، ثم دعائه اياهم مرة أخرى الى بدر الصغرى لموعد أبي سفيان، فأخبر تعالى أن كل هذه الأحوال صار دليلا على امتياز المؤمن من المنافق، لان المنافقين خافوا ورجعوا وشمتوا بكثرة القتلى منكم، ثم ثبطوا وزهدوا المؤمنين عن العود الى الجهاد، فأخبر سبحانه وتعالى أنه لا يجوز في حكمته أن يذركم على ما أنتم عليه من اختلاط المنافقين بكم وإظهارهم أنهم منكم ومن أهل الايمان بل كان يجب في حكمته إلقاء هذه الحوادث والوقائع حتى يحصل هذا الامتياز، فهذا وجه النظم.

وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قرأ حمزة والكسائي: ﴿ حتى يَمِيزَ الخبيث ﴾ بالتشديد، وكذلك في الافعال والباقون ﴿ يَمِيزَ ﴾ بالتخفيف وفتح الياء الأولى وكسر الميم وسكون الياء الأخيرة، قال الواحدي رحمه الله: وهما لغتان يقال مزت الشيء بعضه من بعض فأنا أميزه ميزا او أميزه تمييزاً، ومنه الحديث من ماز أذى عن طريق فهو له صدقة وحجة من قرأ بالتخفيف وفتح الباء أن الميز يفيد فائدة التمييز وهو أخف في اللفظ فكان أولى، وحكى أبو زيد عن أبي عمرو أنه كان يقول: التشديد للكثرة، فاما واحد من واحد فيميز بالتخفيف، والله تعالى قال: ﴿ حتى يَمِيزَ الخبيث مِنَ الطيب ﴾ فذكر شيئين، وهذا كما قال بعضهم في الفرق والتفريق، وأيضا قال تعالى: ﴿ وامتازوا اليوم  ﴾ وهو مطاوع الميز، وحجة من قرأ بالتشديد: أن التشديد للتكثير والمبالغة، وفي المؤمنين والمنافقين كثرة، فلفظ التمييز هاهنا أولى، ولفظ الطيب والخبيث وان كان مفردا إلا أنه للجنس، فالمراد بهما جميع المؤمنين والمنافقين لا اثنان منهما.

المسألة الثانية: قد ذكرنا أن معنى الآية: ما كان الله ليذركم يا معشر المؤمنين على ما أنتم عليه من اختلاط المؤمن بالمنافق واشباهه حتى يميز الخبيث من الطيب، أي المنافق من المؤمن.

واختلفوا بأي شيء ميز بينهم وذكروا وجوها: أحدها: بالقاء المحن والمصائب والقتل والهزيمة، فمن كان مؤمنا ثبت على إيمانه وعلى تصديق الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن كان منافقا ظهر نفاقه وكفره.

وثانيها: أن الله وعد بنصرة المؤمنين وإذلال الكافرين، فلما قوي الاسلام عظمت دولته وذل الكفر وأهله، وعند ذلك حصل هذا الامتياز.

وثالثها: القرائن الدالة على ذلك، مثل ان المسلمين كانوا يفرحون بنصرة الاسلام وقوته، والمنافقين كانوا يغتمون بسبب ذلك.

المسألة الثالثة: هاهنا سؤال، وهو أن هذا التمييز إن ظهر وانكشف فقد ظهر كفر المنافقين، وظهور الكفر منهم ينفي كونهم منافقين، وان لم يظهر لم يحصل موعود الله.

وجوابه: أنه ظهر بحيث يفيد الامتياز الظني، لا الامتياز القطعي.

ثم قال تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ الله لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الغيب ﴾ معناه أنه سبحانه حكم بأن يظهر هذا التمييز، ثم بين بهذه الآية أنه لا يجوز أن يحصل ذلك التمييز بأن يطلعكم الله على غيبه فيقول: إن فلانا منافق وفلانا مؤمن، وفلانا من أهل الجنة وفلانا من أهل النار، فان سنة الله جارية بأنه لا يطلع عوام الناس على غيبه، بل لا سبيل لكم الى معرفة ذلك الامتياز إلا بالامتحانات مثل ما ذكرنا من وقوع المحن والآفات، حتى يتميز عندها الموافق من المنافق، فأما معرفة ذلك على سبيل الاطلاع من الغيب فهو من خواص الأنبياء، فلهذا قال: ﴿ وَلَكِنَّ الله يَجْتَبِى مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاء ﴾ أي ولكن الله يصطفي من رسله من يشاء فخصهم باعلامهم أن هذا مؤمن وهذا منافق.

ويحتمل ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء فيمتحن خلقه بالشرائع على أيديهم حتى يتميز الفريقان بالامتحان، ويحتمل أيضا أن يكون المعنى: وما كان الله ليجعلكم كلكم عالمين بالغيب من حيث يعلم الرسول حتى تصيروا مستغنين عن الرسول، بل الله يخص من يشاء من عباده بالرسالة، ثم يكلف الباقين طاعة هؤلاء الرسل.

ثم قال: ﴿ فآمنوا بالله ورسله ﴾ والمقصود أن المنافقين طعنوا في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بوقوع الحوادث المكروهة في قصة أحد، فبين الله تعالى انه كان فيها مصالح.

منها تمييز الخبيث من الطيب، فلما أجاب عن هذه الشبهة التي ذكرتموها قال: ﴿ فآمنوا بالله ورسله ﴾ يعني لما دلت الدلائل على نبوته وهذه الشبهة التي ذكرتموها في الطعن في نبوته فقد أجبنا عنها، فلم يبق إلا أن تؤمنوا بالله ورسله، وإنما قال: ﴿ وَرُسُلِهِ ﴾ ولم يقل: ورسوله لدقيقة، وهي أن الطريق الذي به يتوصل الى الاقرار بنبوة أحد من الأنبياء عليهم السلام ليس إلا المعجز وهو حاصل في حق محمد صلى الله عليه وسلم، فوجب الاقرار بنبوة كل واحد من الأنبياء، فلهذه الدقيقة قال: ﴿ وَرُسُلِهِ ﴾ والمقصود التنبيه على أن طريق إثبات نبوة جميع الأنبياء واحد، فمن أقر بنبوة واحد منهم لزمه الاقرار بنبوة الكل، ولما أمرهم بذلك قرن به الوعد بالثواب فقال: ﴿ وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ ، وهو ظاهر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

اللام لتأكيد النفي ﴿ على مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ ﴾ من اختلاط المؤمنين الخلص والمنافقين ﴿ حتى يَمِيزَ الخبيث مِنَ الطيب ﴾ حتى يعزل المنافق عن المخلص.

وقرئ: ﴿ يميز ﴾ .

من ميز.

وفي رواية عن ابن كثير: ﴿ يميز ﴾ ، من أماز بمعنى ميز.

فإن قلت: لمن الخطاب في ﴿ أَنتُمْ ﴾ ؟

قلت: للمصدّقين جميعاً من أهل الإخلاص والنفاق، كأنه قيل: ما كان الله ليذر المخلصين منكم على الحال التي أنتم عليها من اختلاط بعضكم ببعض، وأنه لا يعرف مخلصكم من منافقكم لاتفاقكم على التصديق جميعاً حتى يميزهم منكم بالوحي إلى نبيه وإخباره بأحوالكم، ثم قال: ﴿ وَمَا كَانَ الله لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الغيب ﴾ أي وما كان الله ليؤتي أحداً منكم علم الغيوب، فلا تتوهموا عند إخبار الرسول عليه الصلاة والسلام بنفاق الرجل وإخلاص الآخر أنه يطلع على ما في القلوب اطلاع الله فيخبر عن كفرها وإيمانها ﴿ ولكن الله ﴾ يرسل الرسول فيوحي إليه ويخبره بأنّ في الغيب كذا، وأن فلاناً في قلبه النفاق وفلاناً في قلبه الإخلاص، فيعلم ذلك من جهة إخبار الله لا من جهة اطلاعه على المغيبات.

ويجوز أن يراد: لا يترككم مختلطين حتى يميز الخبيث من الطيب، بأن يكلفكم التكاليف الصعبة التي لا يصبر عليها إلا الخلص الذين امتحن الله قلوبهم.

كبذل الأرواح في الجهاد، وإنفاق الأموال في سبيل الله، فيجعل ذلك عياراً على عقائدكم وشاهداً بضمائركم، حتى يعلم بعضكم ما في قلب بعض من طريق الاستدلال، لا من جهة الوقوف على ذات الصدور والاطلاع عليها، فإن ذلك مما استأثر الله به.

وما كان الله ليطلع أحداً منكم على الغيب ومضمرات القلوب حتى يعرف صحيحها من فاسدها مطلعاً عليها ﴿ وَلَكِنَّ الله يَجْتَبِى مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاءُ ﴾ فيخبره ببعض المغيبات ﴿ فآمنوا باللّه ورسوله ﴾ بأن تقدروه حق قدره، وتعلموه وحده مطلعاً على الغيوب، وأن تنزلوهم منازلهم بأن تعلموهم عباداً مجتبين، لا يعلمون إلا ما علمهم الله، ولا يخبرون إلا بما أخبرهم الله به من الغيوب، وليسوا من علم الغيب في شيء.

وعن السدي قال الكافرون: إن كان محمد صادقاً فليخبرنا من يؤمن منا ومن يكفر فنزلت.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ﴾ الخِطابُ لِعامَّةِ المُخْلِصِينَ والمُنافِقِينَ في عَصْرِهِ، والمَعْنى لا يَتْرُكُكم مُخْتَلِطِينَ لا يُعْرَفُ مُخْلِصُكم مِن مُنافِقِكم حَتّى يُمَيِّزَ المُنافِقَ مِنَ المُخْلِصِ بِالوَحْيِ إلى نَبِيِّهِ بِأحْوالِكُمْ، أوْ بِالتَّكالِيفِ الشّاقَّةِ الَّتِي لا يَصْبِرُ عَلَيْها ولا يُذْعِنُ لَها إلّا الخُلَّصُ المُخْلِصُونَ مِنكُمْ، كَبَذْلِ الأمْوالِ والأنْفُسِ في سَبِيلِ اللَّهِ، لِيَخْتَبِرَ النَّبِيُّ بِهِ بَواطِنَكم ويَسْتَدِلَّ بِهِ عَلى عَقائِدِكم.

وَقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ حَتّى يَمِيزَ، هُنا وفي «الأنْفالِ» بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ الياءِ وتَشْدِيدِها والباقُونَ بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ المِيمِ وسُكُونِ الياءِ.

﴿ وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكم عَلى الغَيْبِ ولَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُسُلِهِ مَن يَشاءُ ﴾ وما كانَ اللَّهُ لِيُؤْتِيَ أحَدَكم عِلْمَ الغَيْبِ فَيَطَّلِعُ عَلى ما في القُلُوبِ مِن كُفْرٍ وإيمانٍ، ولَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي لِرِسالَتِهِ مَن يَشاءُ فَيُوحِي إلَيْهِ ويُخْبِرُهُ بِبَعْضِ المُغَيَّباتِ، أوْ يَنْصَبُّ لَهُ ما يَدُلُّ عَلَيْها.

﴿ فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ﴾ بِصِفَةِ الإخْلاصِ، أوْ بِأنْ تَعْلَمُوهُ وحْدَهُ مُطَّلِعًا عَلى الغَيْبِ وتَعْلَمُوهم عِبادًا مُجْتَبَيْنَ لا يَعْلَمُونَ إلّا ما عَلَّمَهُمُ اللَّهُ ولا يَقُولُونَ إلّا ما أُوحِيَ إلَيْهِمْ.

رُوِيَ « (أنَّ الكَفَرَةَ قالُوا: إنْ كانَ مُحَمَّدٌ صادِقًا فَلْيُخْبِرْنا مَن يُؤْمِنُ مِنّا ومَن يَكْفُرُ فَنَزَلَتْ.» عَنِ السُّدِّيِّ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: «عُرِضَتْ عَلَيَّ أُمَّتِي وأُعْلِمْتُ مَن يُؤْمِنُ بِي ومَن يَكْفُرُ» .

فَقالَ المُنافِقُونَ إنْ يَزْعُمْ أنَّهُ يَعْرِفُ مَن يُؤْمِنُ بِهِ ومَن يَكْفُرُ ونَحْنُ مَعَهُ ولا يَعْرِفُنا فَنَزَلَتْ.» ﴿ وَإنْ تُؤْمِنُوا ﴾ حَقَّ الإيمانِ.

﴿ وَتَتَّقُوا ﴾ النِّفاقَ.

﴿ فَلَكم أجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

واللام في {مَّا كَانَ الله لِيَذَرَ المؤمنين على مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ} من اختلاط

المؤمنين الخلص والمنافين لتأكيد النفي {حتى يَمِيزَ الخبيث مِنَ الطيب} حتى يعزل المنافق عن المخلص يميز حمزة وعلي والخطاب في أنتم للمصدقين من أهل الإخلاص والنفاق كأنه قيل ما كان الله ليذر المخلصين منكم على الحال التي أنتم عليها من اختلاط بعضكم ببعض حتى يميزهم منكم بالوحي إلى نبيه وإخباره بأحوالكم {وَمَا كَانَ الله لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الغيب} وما كان الله ليؤتى أحدا منكم علم الغيوب فلاتنوهموا عند إخبار الرسل بنفاق الرجل وإخلاص الآخر أنه يطلع على ما في القلوب إطلاع الله فيخبر عن كفرها وإيمانها {وَلَكِنَّ الله يَجْتَبِى مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاء} أي ولكن الله يرسل الرسول فيوحي إليه ويخبره بأن في الغيب كذا وأن فلاناً في قلبه النفاق وفلاناً في قلبه الإخلاص فيعلم ذلك من جهة إخبار الله لامن جهة نفسه والآية حجة على الباطنية فإنهم يدعون ذلك لإمامهم فإن لم يثبتوا النبوة له صاروا مخالفين للنص حيث أثبتوا علم الغيب لغير الرسول وإن أثبتوا النبوة له صاروا مخالفين لنص آخر وهو قوله وخاتم النبيين {فآمنوا بالله وَرُسُلِهِ} بصفة الإخلاص {وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ} النفاق {فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ} في الآخرة ونزل فى ما نعى الزكاة

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنِفٌ مَسُوقٌ لِوَعْدِ المُؤْمِنِينَ ووَعِيدِ المُنافِقِينَ بِالعُقُوبَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وهي الفَضِيحَةُ والخِزْيُ إثْرَ بَيانِ عُقُوبَتِهِمُ الأُخْرَوِيَّةِ، وقَدَّمَ بَيانَ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ أمَسُّ بِالإمْلاءِ لِازْدِيادِ الآثامِ، وفي هَذا الوَعْدِ والوَعِيدِ أيْضًا ما لا يُخْفى مِنَ التَّسْلِيَةِ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، كَما في الكَلامِ السّابِقِ، وقِيلَ: الآيَةُ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ الحِكْمَةِ في إمْلائِهِ تَعالى لِلْكَفَرَةِ إثْرَ بَيانٍ شِرْيَتِهِ لَهم، ولا يَخْفى أنَّهُ بَعِيدٌ فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ أقْرَبُ، والمُرادُ مِنَ المُؤْمِنِينَ المُخْلِصُونَ، والخِطابُ عَلى ما يَقْتَضِيهِ الذَّوْقُ لِعامَّةِ المُخْلِصِينَ، والمُنافِقِينَ؛ فَفِيهِ التِفاتٌ في ضِمْنِ التَّلْوِينِ، والمُرادُ بِما هم عَلَيْهِ اخْتِلاطُ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، واسْتِواؤُهم في إجْراءِ أحْكامِ الإسْلامِ عَلَيْهِمْ، وإلى هَذا جَنَحَ المُحَقِّقُونَ مِن أهْلِ التَّفْسِيرِ، وقالَ أكْثَرُهم: إنَّ الخِطابَ لِلْمُنافِقِينَ لَيْسَ إلّا، فَفِيهِ تَلْوِينٌ فَقَطْ، وذَهَبَ أكْثَرُ أهْلِ المَعانِي إلى أنَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ خاصَّةً، فَفِيهِ تَلْوِينٌ والتِفاتٌ أيْضًا.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عَلَيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ جَرِيرٍ وغَيْرِهِ، عَنْ قَتادَةَ: أنَّهُ لِلْكَفّارِ، ولَعَلَّ المُرادَ بِهِمُ المُنافِقُونَ، وإلّا فَهو بَعِيدٌ جِدًّا، واللّامُ في ﴿ لِيَذَرَ ﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ، هو الخَبَرُ لِكانَ، والفِعْلُ مَنصُوبٌ بِأنْ مُضْمَرَةً بَعْدَها، كَما ذَهَبَ إلَيْهِ البَصْرِيُّونَ أيْ ما كانَ اللَّهُ مُرِيدًا لِأنْ يَذَرَ المُؤْمِنِينَ إلَخْ، وقالَ الكُوفِيُّونَ: اللّامُ مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، وناصِبَةٌ لِلْفِعْلِ بِنَفْسِها، والخَبَرُ هو الفِعْلُ، ولا يُقْدَحُ في عَمَلِها زِيادَتُها؛ إذِ الزّائِدُ قَدْ يَعْمَلُ، كَما في حُرُوفِ الجَرِّ المَزِيدَةِ، فَلا ضَعْفَ في مَذْهَبِهِمْ مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ كَما وُهِمَ، وأصْلُ ”يَذَرَ“ يَوْذَرَ فَحُذِفَتِ الواوُ مِنها؛ تَشْبِيهًا لَها ”بِيَدَعَ“، ولَيْسَ لِحَذْفِها عِلَّةٌ هُناكَ؛ إذْ لَمْ تَقَعْ بَيْنَ ياءٍ وكَسْرَةٍ، ولا ما هو في تَقْدِيرِ الكَسْرَةِ، بِخِلافِ ”يَدَعَ“ فَإنَّ الأصْلَ ”يَوْدَعَ“ فَحُذِفَتِ الواوُ لِوُقُوعِها بَيْنَ الياءِ وما هو في تَقْدِيرِ الكَسْرَةِ، وإنَّما فُتِحَتِ الدّالُ؛ لِأنَّ لامَهُ حَرْفٌ حَلْقِيٌّ فَيُفْتَحُ لَهُ ما قَبْلَهُ، ومِثْلُهُ: يَسَعُ، ويَطَأُ، ويَقَعُ.

ولَمْ يَسْتَعْمِلُوا مِن ”يَذْرُ“ ماضِيًا ولا مَصْدَرًا، ولا اسْمَ فاعِلٍ مَثَلًا اسْتِغْناءً بِتَصَرُّفِ مُرادِفِهِ، وهو يَتْرُكُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَتّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ﴾ غايَةً لِما يُفْهِمُهُ النَّفْيُ السّابِقُ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما يَتْرُكُهم عَلى ذَلِكَ الِاخْتِلافِ، بَلْ يُقَدِّرُ الأُمُورَ ويُرَتِّبُ الأسْبابَ حَتّى يَعْزِلَ المُنافِقَ مِنَ المُؤْمِنِ ولَيْسَ غايَةً لِلْكَلامِ السّابِقِ نَفْسِهِ؛ إذْ يَصِيرُ المَعْنى: أنَّهُ تَعالى لا يَتْرُكُ المُؤْمِنِينَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ إلى هَذِهِ الغايَةِ، ويُفْهَمُ مِنهُ كَما قالَ السَّمِينُ: إنَّهُ إذا وُجِدَتِ الغايَةُ تَرَكَ المُؤْمِنِينَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ، ولَيْسَ المَعْنى عَلى ذَلِكَ، وعَبَّرَ عَنِ المُؤْمِنِ والمُنافِقِ بِالطَّيِّبِ والخَبِيثِ؛ تَسْجِيلًا عَلى كُلٍّ مِنهُما بِما يَلِيقُ بِهِ، وإشْعارًا بِعِلَّةِ الحُكْمِ، وأفْرَدَ الخَبِيثَ والطَّيِّبَ مَعَ تَعَدُّدِ ما أُرِيدَ بِكُلٍّ؛ إيذانًا بِأنَّ مَدارَ إفْرازِ أحَدِ الفَرِيقَيْنِ مِنَ الآخَرِ هو اتِّصافُهُما بِوَصْفِهِما لا خُصُوصِيَّةَ ذاتِهِما وتَعَدُّدَ آحادِهِما، وتَعْلِيقَ المَيْزِ بِالخَبِيثِ، مَعَ أنَّ المُتَبادِرَ -مِمّا سَبَقَ مِن عَدَمِ تَرْكِ المُؤْمِنِينَ عَلى الِاخْتِلاطِ- تَعْلِيقُهُ بِهِمْ، وإفْرازُهم عَنِ المُنافِقِينَ؛ لِما أنَّ المَيْزَ الواقِعَ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ إنَّما هو بِالتَّصَرُّفِ في المُنافِقِينَ، وتَغْيِيرُهم مَن حالٍ إلى حالٍ أُخْرى، مَعَ بَقاءِ المُؤْمِنِينَ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مَن أصْلِ الإيمانِ وإنْ ظَهَرَ مَزِيدُ إخْلاصِهِمْ لا بِالتَّصَرُّفِ فِيهِمْ، وتَغْيِيرُهم مِن حالٍ إلى حالٍ مَعَ بَقاءِ المُنافِقِينَ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الِاسْتِتارِ، وإنَّما لَمْ يُنْسَبْ عَدَمُ التَّرْكِ إلَيْهِمْ لِما أنَّهُ مُشْعِرٌ بِالِاعْتِناءِ بِشَأْنِ مَن نُسِبَ إلَيْهِ؛ فَإنَّ المُتَبادِرَ مِنهُ عَدَمُ التَّرْكِ عَلى حالَةٍ غَيْرِ مُلائِمَةٍ، كَما يَشْهَدُ بِهِ الذَّوْقُ السَّلِيمُ، قالَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، وقِيلَ: إنَّما قَدَّمَ الخَبِيثَ عَلى الطِّيِّبِ، وعَلَّقَ بِهِ فِعْلَ المَيْزِ؛ إشْعارًا بِمَزِيدِ رَداءَةِ ذَلِكَ الجِنْسِ، فَإنَّ المُلْقى مِنَ الشَّيْئَيْنِ هو الأدْوَنُ.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ”يُمَيِّزُ“ بِالتَّشْدِيدِ وماضِيهِ مَيَّزَ، وماضِيَ المُخَفَّفِ مازَ، وهُما كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ: لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، ولَيْسَ التَّضْعِيفُ لِتَعَدِّ الفِعْلَ، كَما في فَرِحَ وفَرَّحَ؛ لِأنَّ مازَ ومَيَّزَ يَتَعَدِّيانِ إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، ونَظِيرُ ذَلِكَ عاضَ وعَوَّضَ، وعَنِ ابْنِ كَثِيرٍ أنَّهُ قَرَأ ”يُمِيزَ“ بِضَمِّ أوَّلِهِ، مَعَ التَّخْفِيفِ عَلى أنَّهُ مِن أمازَ بِمَعْنى مَيَّزَ، واخْتُلِفَ بِمَ يَحْصُلُ هَذا المَيْزُ، فَقِيلَ: بِالمِحَنِ والمَصائِبِ، كَما وقَعَ يَوْمَ أُحُدٍ، وقِيلَ: بِإعْلاءِ كَلِمَةِ الدِّينِ وكَسْرِ شَوْكَةِ المُخالِفِينَ، وقِيلَ: بِالوَحْيِ إلى النَّبِيِّ، ولِهَذا أرْدَفَهُ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: وما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكم عَلى الغَيْبِ، ولَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُسُلِهِ مَن يَشاءُ، ومِن هُنا جَعَلَ مَوْلانا شَيْخُ الإسْلامِ ما قَبْلَ الِاسْتِدْراكِ تَمْهِيدًا لِبَيانِ المَيْزِ المَوْعُودِ بِهِ عَلى طَرِيقِ تَجْرِيدِ الخِطابِ لِلْمُخْلِصِينَ؛ تَشْرِيفًا لَهم والِاسْتِدْراكِ إشارَةً إلى كَيْفِيَّةِ وُقُوعِهِ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ، وأنَّ المَعْنى ما كانَ اللَّهُ لِيَتْرُكَ المُخَلِّصِينَ عَلى الِاخْتِلاطِ بِالمُنافِقِينَ، بَلْ يُرَتِّبُ المَبادِئَ حَتّى يُخْرِجَ المُنافِقِينَ مِن بَيْنِهِمْ، وما يَفْعَلُ ذَلِكَ بِإطْلاعِكم عَلى ما في قُلُوبِهِمْ مِنَ الكُفْرِ والنِّفاقِ، ولَكِنَّهُ تَعالى يُوحِي إلى رَسُولِهِ، فَيُخْبِرُهُ بِذَلِكَ، وبِما ظَهَرَ مِنهم مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ حَسْبَما حَكى عَنْهم بَعْضَهُ فِيما سَلَفَ فَيَفْضَحُهم عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ، ويُخَلِّصُكم مِمّا تَكْرَهُونَ، وذَكَرَ أنَّهُ قَدْ جَوَّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى: لا يَتْرُكُكم مُخْتَلِطِينَ حَتّى يُمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطِّيِّبِ بِأنْ يُكَلِّفَكُمُ التَّكالِيفَ الصَّعْبَةَ الَّتِي لا يَصْبِرُ عَلَيْها إلّا الخُلَّصُ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ تَعالى قُلُوبَهم بَدَلَ الأرْواحِ في الجِهادِ وإنْفاقِ الأمْوالِ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى، فَيَجْعَلُ ذَلِكَ عِيارًا عَلى عَقائِدِكم وشاهِدًا بِضَمائِرِكم حَتّى يَعْلَمَ بَعْضُكم بِما في قَلْبِ بَعْضِ بِطْرِيقِ الِاسْتِدْلالِ لا مِن جِهَةِ الوُقُوفِ عَلى ذاتِ الصُّدُورِ؛ فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ، وتَعَقَّبَهُ بِأنَّ الِاسْتِدَراكَ -بِاجْتِباءِ الرُّسُلِ المُنْبِئَ عَنْ مَزِيدِ مَزِيَّتِهِمْ،وفَضْلِ مَعْرِفَتِهِمْ عَلى الخَلْقِ إثْرَ بَيانِ قُصُورِ رُتْبَتِهِمْ عَنِ الوُقُوفِ عَلى خَفايا السَّرائِرِ- صَرِيحٌ في أنَّ المُرادَ إظْهارُ تِلْكَ السَّرائِرِ، أُثِرَ بِطَرِيقِ الوَحْيِ لا بِطَرِيقِ التَّكْلِيفِ، بِما يُؤَدِّي إلى خُرُوجِ أسْرارِهِمْ عَنْ رُتْبَةِ الخَفاءِ.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ دَعْوى أنَّ الِاسْتِدْراكَ صَرِيحٌ -فِيما ادَّعاهُ- مِنَ المُرادِ مِمّا لا يَكادُ يُثْبِتُهُ الدَّلِيلُ، ولِهَذا قِيلَ: إنَّ حاصِلَ المَعْنى لَيْسَ لَكم رُتْبَةُ الإطْلاعِ عَلى الغَيْبِ، وإنَّما لَكم رُتْبَةُ العِلْمِ الِاسْتِدْلالِيِّ الحاصِلِ مِن نَصْبِ العَلاماتِ والأدِلَّةِ، واللَّهُ تَعالى سَيَمْنَحُكم بِذَلِكَ، فَلا تَطْمَعُوا في غَيْرِهِ؛ فَإنَّ رُتْبَةَ الإطْلاعِ عَلى الغَيْبِ لِمَن شاءَ مِن رُسُلِهِ، وأيْنَ أنْتُمْ مِن أُولَئِكَ المُصْطَفَيْنَ الأخْيارِ!؟

نَعَمْ ما ذَكَرَهُ هَذا المَوْلى أظْهَرُ وأوْلى، وقَدْ سَبَقَهُ إلَيْهِ أبُو حَيّانَ والمُرادُ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ لِيُطْلِعَكُمْ ﴾ : إمّا لِيُؤْتى أحَدُكم عِلْمَ الغَيْبِ، فَيُطْلَعَ عَلى ما في القُلُوبِ، أوْ لِيُطْلِعَ جَمِيعَكم، أيْ: أنَّهُ تَعالى لا يُطْلِعُ جَمِيعَكم عَلى ذَلِكَ، بَلْ يَخْتَصُّ بِهِ مَن أرادَ، وأُيِّدَ الأوَّلُ بِأنَّ سَبَبَ النُّزُولِ أكْثَرُ مُلاءَمَةً لَهُ فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ «أنَّ الكَفَرَةَ قالُوا: إنْ كانَ مُحَمَّدٌ صادِقًا فَلْيُخْبِرْنا مَن يُؤْمِنُ مِنّا ومَن يَكْفُرُ فَنَزَلَتْ» .

ونَقَلَ الواحِدِيُّ، عَنِ السُّدِّيِّ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «عُرِضَتْ عَلَيَّ أُمَّتِي في صُوَرِها، كَما عُرِضَتْ عَلى آدَمَ، وأُعْلِمْتُ مَن يُؤْمِنُ بِي ومَن يَكْفُرُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ المُنافِقِينَ فاسْتَهْزَءُوا، وقالُوا: يَزْعُمُ مُحَمَّدٌ أنَّهُ يَعْلَمُ مَن يُؤْمِنُ بِهِ، ومَن يَكْفُرُ، ونَحْنُ مَعَهُ، ولا يَعْرِفُنا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ»، وقالَ الكَلْبِيُّ: «قالَتْ قُرَيْشٌ: ”تَزْعُمُ يا مُحَمَّدُ، أنَّ مَن خالَفَكَ فَهو في النّارِ، واللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ غَضْبانُ، وأنَّ مَن تَبِعَكَ عَلى دِينِكَ فَهو مِن أهْلِ الجَنَّةِ، واللَّهُ تَعالى عَنْهُ راضٍ؛ فَأخْبِرْنا بِمَن يُؤْمِنُ بِكَ، ومَن لا يُؤْمِنُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ“»، وأُيِّدَ الثّانِي بِأنَّ ظاهِرَ السَّوْقِ يَقْتَضِيهِ قِيلَ: والحَقُّ اتِّباعُ السَّوْقِ، ويَكْفِي أدْنى مُناسَبَةٍ بِالقِصَّةِ في كَوْنِها سَبَبًا لِلنُّزُولِ، عَلى أنَّ في سَنَدِ هَذِهِ الآثارِ مَقالًا، حَتّى قالَ بَعْضُ الحُفّاظِ في بَعْضِها: إنِّي لَمْ أقِفْ عَلَيْهِ، وقَدْ رُوِيَ عَنْ أبِي العالِيَةِ ما يُخالِفُها، وهو أنَّ المُؤْمِنِينَ سُئِلُوا أنْ يُعْطَوْا عَلامَةً يُفَرِّقُونَ بِها بَيْنَ المُؤْمِنِ والمُنافِقِ، فَنَزَلَتْ.

والِاجْتِباءُ: الِاسْتِخْلاصُ، كَما رُوِيَ عَنْ أبِي مالِكٍ، ويُؤَوَّلُ إلى الِاصْطِفاءِ والِاخْتِيارِ، وهو المَشْهُورُ في تَفْسِيرِهِ، ويُقالُ جَبَوْتُ المالَ، وجَبَيْتُهُ بِالواوِ والياءِ، فَياءُ يَجْتَبِي هُنا إمّا عَلى أصْلِها، أوْ مُنْقَلِبَةٌ مِن واوٍ لِانْكِسارِ ما قَبِلَها، وعَبَّرَ بِهِ لِلْإيذانِ بِأنَّ الوُقُوفَ عَلى الأسْرارِ الغَيْبِيَّةِ لا يَتَأتّى إلّا مِمَّنْ رَشَّحَهُ اللَّهُ تَعالى لِمَنصِبٍ جَلِيلٍ تَقاصَرَتْ عَنْهُ هِمَمُ الأُمَمِ، واصْطَفاهُ عَلى الجَماهِيرِ لِإرْشادِهِمْ، و(مِن) لِابْتِداءِ الغايَةِ، وتَعْمِيمُ الِاجْتِباءِ لِسائِرِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ؛ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ شَأْنَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في هَذا البابِ أمْرٌ مُبَيَّنٌ، لَهُ أصْلٌ أصِيلٌ جارٍ عَلى سُنَّةِ اللَّهِ تَعالى المَسْلُوكَةِ فِيما بَيْنَ الرُّسُلِ صَلَواتُ اللَّهِ تَعالى وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ.

وقِيلَ: إنَّها لِلتَّبْعِيضِ؛ فَإنَّ الإطْلاعُ عَلى المُغَيَّباتِ مُخْتَصٌّ بِبَعْضِ الرُّسُلِ، وفي بَعْضِ الأوْقاتِ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ تَعالى، ولا يَخْفى أنَّ كَوْنَ ذَلِكَ في بَعْضِ الأوْقاتِ مُسَلَّمٌ، وأمّا كَوْنُهُ مُخْتَصًّا بِبَعْضِ الرُّسُلِ فَفي القَلْبِ مِنهُ شَيْءٌ.

ولَعَلَّ الصَّوابَ خِلافُهُ، ولا يُشْكِلُ عَلى هَذا أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ يُطْلِعُ عَلى الغَيْبِ بَعْضَ أهْلِ الكَشْفِ ذَوِي الأنْفُسِ القُدْسِيَّةِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الوِراثَةِ لا اسْتِقْلالًا، وهم يَقُولُونَ: إنَّ المُخْتَصَّ بِالرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ هو الثّانِي، عَلى أنَّهُ إذا كانَ المُرادُ ما أيَّدَهُ السَّوْقُ بَعْدَ هَذا الِاسْتِشْكالِ وإظْهارِ الِاسْمِ الجَلِيلِ في المَوْضِعَيْنِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ، ومَثَلُهُ عَلى ما قِيلَ ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ﴾ والمُرادُ آمَنُوا بِصِفَةِ الإخْلاصِ فَلا يَضُرُّ كَوْنُ الخِطابِ عامًّا لِلْمُنافِقِينَ وهم مُؤْمِنُونَ ظاهِرًا.

وتَعْمِيمُ الأمْرِ مَعَ أنَّ سَوْقَ النَّظْمِ الكَرِيمِ لِلْإيمانِ بِالنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِإيجابِ الإيمانِ بِهِ بِالطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ، والإشْعارُ بِأنَّ ذَلِكَ مُسْتَلْزِمٌ لِلْإيمانِ بِالكُلِّ؛ لِأنَّهُ مُصَدِّقٌ لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الرُّسُلِ، وهم شُهَداءُ بِصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، والمَأْمُورُ بِهِ الإيمانُ بِكُلِّ ما جاءَ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَيَدْخُلُ فِيهِ تَصْدِيقُهُ فِيما أخْبَرَ بِهِ مِن أحْوالِ المُنافِقِينَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وقَدْ يُقالُ: إنَّ المُرادَ مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى أنْ يَعْلَمُوهُ وحْدَهُ مُطَّلِعًا عَلى الغَيْبِ.

ومِنَ الإيمانِ بِرُسُلِهِ أنْ يَعْلَمُوهم عِبادًا مُجْتَبِينَ إلّا ما عَلَّمَهُمُ اللَّهُ تَعالى، ولا يَقُولُونَ إلّا ما يُوحى إلَيْهِمْ في أمْرِ الشَّرائِعِ، وكَوْنُ المُرادِ مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى الإيمانُ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لا يَتْرُكُ المُخْلِصِينَ عَلى الِاخْتِلاطِ ﴿ حَتّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ﴾ بِنَصْبِ العَلاماتِ، وتَحْصِيلِ العِلْمِ الِاسْتِدْلالِيِّ بِمَعْرِفَةِ المُؤْمِنِ والمُنافِقِ.

ومِنَ الإيمانِ بِرُسُلِهِ الإيمانُ بِأنَّهُمُ المُتَرَشِّحُونَ لِلْإطْلاعِ عَلى الغَيْبِ لا غَيْرَهم بَعِيدٌ كَما لا يَخْفى.

﴿ وإنْ تُؤْمِنُوا ﴾ أيْ بِاللَّهِ تَعالى ورُسُلِهِ حَقَّ الإيمانِ ﴿ وتَتَّقُوا ﴾ المُخالَفَةَ في الأمْرِ والنَّهْيِ، أوْ تَتَّقُوا النِّفاقَ ﴿ فَلَكُمْ ﴾ بِمُقابَلَةِ ذَلِكَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ تَعالى ﴿ أجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ لا يُكْتَنَهُ ولا يُحَدُّ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال تعالى: ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ قال الكلبي: وذلك أن قريشاً من أهل مكة قالوا: يا رسول الله إنك تزعم أن الرجل منا في النار، وإذا ترك ديننا واتبع دينك قلت هُوَ مِنْ أهْلِ الجَنَّةِ، فأخبرنا عن هذا من أين هو؟

وأخبرنا مَن يأتيك منا ومن لا يأتيك؟

فأنزل الله تعالى: مَّا كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ من الكفر والنفاق.

حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ يقول: حتى يخلص الكافر من المؤمن وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ أي ليبين لكم المؤمن من الكافر قبل أن يؤمن.

وقال الفراء: لم يكن الله ليعلمكم ذلك فيطلعكم على غيبه وَلكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي يقول يصطفي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ للنبوة والرسالة من خلقه، فيوحي إليه بإذنه.

قال في رواية الضحاك: إن المنافقين أعلنوا الإسلام وأسروا الكفر، وصلوا وجاهدوا مع المؤمنين، فأحب الله أن يميز بين الفريقين، وأن يدل رسوله على سرائر المنافقين فقال تعالى: مَّا كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ يعني المنافق من المؤمن وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ ولكن الله يطلع أنبياءه ورسله، يعني: أن المؤمنين لا يعلمون سر المنافقين، ولكن الله يبين ذلك للنبي  .

ويقال: مَّا كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ، أي ليترك من علم أنه من أهل الإيمان على مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ من الكفر حتى يوفقه للإيمان، وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ ولكن الله يطلع أنبياءه ورسله بالوحي، حتى يكون ذلك علامة لنبوتهم.

ثم قال تعالى: فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا بالله ورسله وَتَتَّقُوا الشرك والمعصية فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ أي ثواب عظيم في الجنة.

ويقال: إن الكفار لما سألوا رسول الله  أن يبيّن لهم من يؤمن منهم، فنزل قوله: فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ يعني ولا تشتغلوا بما لا يعنيكم، واشتغلوا بما يعنيكم، فآمنوا بالله ورسله فإنكم إن فعلتم ذلك فلكم أجر عظيم.

قرأ حمزة والكسائي: حتى يُميز مع التشديد بضم الياء ونصب الميم.

وقرأ الباقون بنصب الياء وكسر الميم بغير تشديد، وتفسيرهما واحد إلا انك إذا قرأت بالتشديد قد يكون عبارة عن الكثرة والمبالغة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله سبحانه: وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ، والمسارعة في الكُفْر: هي المبادرة إلى أقواله وأفعاله، والجِدُّ في ذلك، وسَلَّى اللَّه تعالى نبيَّه- عليه السلام- بهذه الآية عنْ حالِ المنافقين والمجاهِرِين إذ كلُّهم مسارعٌ، وقوله تعالى: إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً: خبرٌ في ضِمْنِهِ وعيدٌ لهم، أي: وإنما يضرُّون أنفسهم، والحَظُّ: إذا أطلق، فإنما يستعملُ في الخير، وقوله سبحانه: وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ: نُمْلِي: معناه: نُمْهِلُ ونَمُدُّ في العمر، والمعنى: لا تَحْسَبَنَّ إملاءنا للذين كَفَرُوا خَيْراً لهم، فالآيةُ ردٌّ على الكفَّار في قولهم: إنَّ كوننا مموَّلِينَ أصحّة دليل على رضا الله بحالتنا.

ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٩) وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٨٠)

وقوله تعالى: مَّا كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ، أيْ: ليدع المؤمنين مختلطين بالمنافقين، مُشْكِلاً أمرَهُم حتى يميز بعْضَهُم مِنْ بعض بما يظهره مِنْ هؤلاء وهؤلاء في «أُحُدٍ» من الأفعال والأقوال، هذا تفسيرُ مجاهد وغيره «١» .

وقوله: وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ، أي: في أمر أُحُدٍ، وما كان من الهزيمة وأيضاً: فما كان اللَّه ليطلعكم على المنافقين تصريحاً وتسميةً لهم، ولكنْ بقرائنِ أفعالهم وأقوالهم.

قال الفَخْر «٢» : وذلك أنَّ سنة اللَّه جاريةٌ بأنَّه لا يُطْلِعُ عوامَّ الناس على غَيْبِهِ، أي: لا سبيلَ لكم إلى معرفة ذلك الإمتياز إلاَّ بامتحانات كما تقدَّم، فأمَّا معرفةُ ذلك على سبيلِ الإطلاعِ مِنَ الغَيْبِ، فهو من خواصِّ الأنبياء، فلهذا قال تعالى: وَلكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ.

انتهى.

وقال الزَّجَّاج «٣» وغيره: رُوِيَ أنَّ بعض الكُفَّار قال: لِمَ لا يكون جميعنا أنبياء،

فنزلت هذه الآية، ويَجْتَبِي: معناه: يَخْتَارُ ويصْطَفِي، وقوله سبحانه: وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ الآية: قال السُّدِّيُّ وجماعةٌ من المتأوِّلين: الآية نزلَتْ في البُخْل بالمال، والإنفاقِ في سبيل اللَّه، وأداء الزكاة المفْرُوضَة، وَنحْو ذلك، قال: ومعنى: سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ هو الذي ورد/ في الحديثِ، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «مَا مِنْ ذِي رَحِمٍ يَأْتِي ذَا رَحِمِهِ، فَيَسْأَلَهُ مِنْ فَضْلٍ عِنْدَهُ، فَيَبْخَلُ عَلَيْهِ إلاَّ أُخْرِجَ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ شُجَاعٌ مِنَ النَّارِ يَتَلَمَّظُ حتى يُطَوَّقَه» «١» ، قُلْتُ: وفي البخاريّ وغيره، عنه صلّى الله عليه وسلّم قَالَ:

«مَنْ آتَاهُ اللَّهُ مَالاً، فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ مُثِّلَ لَهُ شُجَاعاً أَقْرَعَ لَهُ زَبِيبَتَانِ يُطَوَّقُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ يَأْخُذُ بلَهْزَمَتَيْهِ، يَعْنِي: شِدْقَيهِ، يَقُولُ: أَنَا مَالُكَ، أَنَا كَنْزُكَ، ثُمَّ تَلاَ هذه الآيةَ: وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ...

«٢» الأية.

قلْتُ: واعلم أنه قد وردَتْ آثار صحيحةٌ بتعذيبِ العُصَاة بنَوْعٍ مَا عَصَوْا به كحديث:

«مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ، فَهُوَ يَجَأُ نَفْسَهُ بِحَدِيدَتِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، وَالَّذِي قَتَلَ نَفْسَهُ بِالسُّمِّ، فَهُوَ يَتَحَسَّاهُ في نار جهنّم» «٣» ، ونحو ذلك.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ قُرَيْشًا قالَتْ: تَزْعُمُ يا مُحَمَّدُ أنَّ مَنِ اتَّبَعَكَ، فَهو في الجَنَّةِ، ومَن خالَفَكَ فَهو في النّارِ؟!

فَأخْبَرَنا بِمَن يُؤْمِنُ بِكَ ومَن لا يُؤْمِنُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّ المُؤْمِنِينَ سَألُوا أنْ يُعْطُوا عَلامَةً يُفَرِّقُونَ بِها بَيْنَ المُؤْمِنِ والمُنافِقِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، هَذا قَوْلُ أبِي العالِيَةِ.

والثّالِثُ: «أنَّ النَّبِيَّ  قالَ: عَرَضْتُ عَلى أُمَّتِي، وأعْلَمْتُ مَن يُؤْمِنُ بِي، ومَن يَكْفُرُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ المُنافِقِينَ، فاسْتَهْزَؤُوا، وقالُوا: فَنَحْنُ مَعَهُ ولا يَعْرِفُنا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» هَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.

والرّابِعُ: أنَّ اليَهُودَ، قالَتْ: يا مُحَمَّدُ قَدْ كُنْتُمْ راضِينَ بِدِينِنا، فَكَيْفَ بِكم لَوْ ماتَ بَعْضُكم قَبْلَ نُزُولِ كِتابِكُمْ؟!

فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.

هَذا قَوْلُ عُمَرَ مَوْلى غُفْرَةَ.

والخامِسُ: أنَّ قَوْمًا مِنَ المُنافِقِينَ ادَّعَوْا أنَّهم في إيمانِهِمْ مِثْلَ المُؤْمِنِينَ، فَأظْهَرَ اللَّهُ نِفاقَهم يَوْمَ أُحُدٍ، وأنْزَلَ هَذِهِ الآَيَةَ، هَذا قَوْلُ أبِي سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيِّ.

وَفِي المُخاطَبِ بِهَذِهِ الآَيَةِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ الكُفّارُ والمُنافِقُونَ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والضَّحّاكِ.

والثّانِي: أنَّهُمُ المُؤْمِنُونَ، فَيَكُونُ المَعْنى: ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَكم عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ التِباسِ المُؤْمِنِ بِالمُنافِقِ، قالَ الثَّعْلَبِيُّ: وهَذا قَوْلُ أكْثَرِ أهْلِ المَعانِي.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَتّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "حَتّى يَمِيزَ" و"لِيَمِيزَ اللَّهُ الخَبِيثَ" بِفَتْحِ الياءِ والتَّخْفِيفِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ، ويَعْقُوبُ: "يُمَيِّزُ" بِالتَّشْدِيدِ، وكَذَلِكَ في [ الأنْفالِ: ٣٧ ] (لِيَمِيزَ اللَّهُ الخَبِيثَ) .

قالَ أبُو عَلِيٍّ: مِزْتُ ومَيَّزْتُ لُغَتانِ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ومَعْنى يُمَيِّزُ: يُخَلِّصُ.

فَأمّا الطَّيِّبُ، فَهو المُؤْمِنُ.

وفي الخَبِيثِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ المُنافِقُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وابْنُ جُرَيْجٍ.

والثّانِي: الكافِرُ، قالَهُ قَتادَةُ، والسُّدِّيُّ.

وفي الَّذِي وقَعَ بِهِ التَّمْيِيزُ بَيْنَهم ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الهِجْرَةُ والقِتالُ، قالَهُ قَتادَةُ، وهو قَوْلُ مَن قالَ: الخَبِيثُ: الكافِرُ.

والثّانِي: أنَّهُ الجِهادُ، وهو قَوْلُ مَن قالَ: هو المُنافِقُ.

قالَ مُجاهِدٌ: فَيُمَيِّزُ اللَّهُ يَوْمَ أُحُدٍ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ والمُنافِقِينَ، حَيْثُ أظْهَرُوا النِّفاقَ وتَخَلَّفُوا.

والثّالِثُ: أنَّهُ جَمِيعُ الفَرائِضِ والتَّكالِيفِ، فَإنَّ المُؤْمِنَ مَسْتُورُ الحالِ بِالإقْرارِ، فَإذا جاءَتِ التَّكالِيفُ بانَ أمْرُهُ.

هَذا قَوْلُ ابْنِ كَيْسانَ.

وَفِي المُخاطَبِ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكم عَلى الغَيْبِ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهم كُفّارُ قُرَيْشٍ، فَمَعْناهُ: ما كانَ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمُ المُؤْمِنَ مِنَ الكافِرِ، لِأنَّهم طَلَبُوا ذَلِكَ، فَقالُوا: أخْبِرْنا بِمَن يُؤْمِنُ ومَن لا يُؤْمِنُ، هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ النَّبِيُّ  ، فَمَعْناهُ: وما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَ مُحَمَّدًا عَلى الغَيْبِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

"وَيَجْتَبِي" بِمَعْنى يَخْتارُ، قالَهُ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ.

فَمَعْنى الكَلامِ عَلى القَوْلِ الأوَّلُ: أنَّ اللَّهَ لا يُطْلِعُ عَلى الغَيْبِ أحَدًا إلّا الأنْبِياءَ الَّذِينَ اجْتَباهم، وعَلى القَوْلِ الثّانِي: أنَّ اللَّهَ لا يُطْلِعُ عَلى الغَيْبِ أحَدًا إلّا أنَّهُ يَجْتَبِي مَن يَشاءُ فَيُطْلِعُهُ عَلى ما يَشاءُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّما نُمْلِي لَهم خَيْرٌ لأنْفُسِهِمْ إنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا ولَهم عَذابٌ مُهِينٌ ﴾ ﴿ ما كانَ اللهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَيِّبِ وما كانَ اللهُ لِيُطْلِعَكم عَلى الغَيْبِ ولَكِنَّ اللهُ يَجْتَبِي مِنَ رُسُلِهِ مِنَ يَشاءُ فَآمِنُوا بِاللهِ ورُسُلِهِ وإنْ تُؤْمِنُوا وتَتَّقُوا فَلَكم أجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ "نُمْلِي" مَعْناهُ: نُمْهِلُ ونَمُدُّ في العُمْرِ، والمِلاوَةُ: المُدَّةُ مِنَ الدَهْرِ، والمَلَوانِ اللَيْلُ والنَهارُ، وتَقُولُ: مَلّاكَ اللهُ النِعْمَةَ أيْ: مَنَحَكَها عُمْرًا طَوِيلًا.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ونافِعٌ: "يَحْسِبَنَّ" بِالياءِ مِن أسْفَلَ وكَسْرِ السِينِ وفَتْحِ الباءِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ كَذَلِكَ إلّا في السِينِ فَإنَّهُ فَتَحَها، وقَرَأ حَمْزَةُ "تَحْسَبَنَّ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ وفَتْحِ السِينِ، وقَرَأ عاصِمٌ والكِسائِيُّ كُلَّ ما في هَذِهِ السُورَةِ بِالتاءِ مِن فَوْقٍ إلّا حَرْفَيْنِ: قَوْلَهُ: ﴿ وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ في هَذِهِ الآيَةِ، وبَعْدَها "وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ" فَأمّا مَن قَرَأ "وَلا يَحْسَبَنَّ" بِالياءِ مِن أسْفَلَ فَإنَّ "الَّذِينَ" فاعِلٌ، وقَوْلَهُ: "أنَّما نُمْلِي لَهم خَيْرٌ" بِفَتْحِ الألِفِ مِن "أنَّما" سادٌّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ "حَسِبَ"، وذَلِكَ أنَّ "حَسِبَ" وما جَرى مَجْراها تَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ أو إلى مَفْعُولٍ يَسُدُّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْنِ، وذَلِكَ إذا جَرى في صِلَةٍ ما تَتَعَدّى إلَيْهِ ذِكْرُ الحَدِيثِ والمُحَدَّثِ عنهُ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: وكَسْرُ "إنَّ" في قَوْلِ مَن قَرَأ: "يَحْسَبَنَّ" بِالياءِ لا يَنْبَغِي، وقَدْ قُرِئَ فِيما حَكاهُ غَيْرُ أحْمَدَ بْنِ مُوسى وفي غَيْرِ السَبْعِ، ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّ "إنَّ" يُتَلَقّى بِها القَسَمُ كَما يُتَلَقّى بِلامِ الِابْتِداءِ، ويَدْخُلانِ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ، أعْنِي "اللامَ" و"إنَّ" فَعُلِّقَ عن "إنَّما" عَمَلُ الحُسْبانِ كَما تُعَلِّقُ عَنِ اللامِ في قَوْلِكَ: حَسِبْتُ لَزَيْدٌ قائِمٌ، فَيُعَلَّقُ الفِعْلُ عَنِ العَمَلِ لَفْظًا، وأمّا بِالمَعْنى فَما بَعْدَ "إنَّ أوِ اللامِ" فَفي مَوْضِعِ مَفْعُولَيْ حَسِبَ، و"ما" يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى الَّذِي، فَفي "نُمْلِي" عائِدٌ مُسْتَكِنٌّ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً فَلا تَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ عائِدٍ.

وأمّا مَن قَرَأ "وَلا تَحْسَبَنَّ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ فَـ "الَّذِينَ" مَفْعُولٌ أوَّلٌ لِلْحُسْبانِ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: ويَنْبَغِي أنْ تَكُونَ الألِفُ مِن "إنَّما" مَكْسُورَةً في هَذِهِ القِراءَةِ، وتَكُونَ "إنَّ" وما دَخَلَتْ عَلَيْهِ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثانِي لِـ "تَحْسَبَنَّ"، ولا يَجُوزُ فَتْحُ الألِفِ مِن "إنَّما" لِأنَّها تَكُونُ المَفْعُولَ الثانِيَ، والمَفْعُولُ الثانِي في هَذا البابِ هو المَفْعُولُ الأوَّلُ بِالمَعْنى، والإمْلاءُ لا يَكُونُ إيّاهم.

قالَ مَكِّيٌّ في مُشْكِلِهِ: ما عَلِمْتُ أحَدًا قَرَأ: "تَحْسَبَنَّ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ وكَسَرَ الألِفَ مِن "إنَّما".

وجَوَّزَ الزَجّاجُ هَذِهِ القِراءَةَ "تَحْسَبَنَّ" بِالتاءِ و"أنَّما" بِفَتْحِ الألِفِ، وظاهِرُ كَلامِهِ أنَّها تَنْصِبُ "خَيْرًا" قالَ: وقَدْ قَرَأ بِها خَلْقٌ كَثِيرٌ وساقَ عَلَيْها مِثالًا قَوْلَ الشاعِرِ: فَما كانَ قَيْسٌ هُلْكُهُ هُلْكَ واحِدٍ..............................

بِنَصْبِ هُلْكَ الثانِي عَلى أنَّ الأوَّلَ بَدَلٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَكَذَلِكَ يَكُونُ "أنَّما نُمْلِي" بَدَلًا مِنَ "الَّذِينَ كَفَرُوا" كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَما أنْسانِيهُ إلا الشَيْطانُ أنْ أذْكُرَهُ  ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿ وَإذْ يَعِدُكُمُ اللهُ إحْدى الطائِفَتَيْنِ أنَّها لَكُمْ  ﴾ ويَكُونُ "خَيْرًا" المَفْعُولَ الثانِي.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: لَمْ يَقْرَأْ هَذِهِ القِراءَةَ أحَدٌ، وقَدْ سَألْتُ أحْمَدَ بْنَ مُوسى عنها فَزَعَمَ أنَّهُ لَمْ يَقْرَأْ بِها أحَدٌ.

ويَظْهَرُ مِن كَلامِ أبِي عَلِيٍّ أنَّ أبا إسْحاقَ إنَّما جَوَّزَ المَسْألَةَ مَعَ قِراءَةِ "خَيْرٌ" بِالرَفْعِ، وأبُو عَلِيٍّ أعْلَمُ لِمُشاهَدَتِهِ أبا إسْحاقَ.

وذَكَرَ قَوْمٌ أنَّ هَذِهِ القِراءَةَ تَجُوزُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: ولا تَحْسَبَنَّ شَأْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّما نُمْلِي لَهُمْ، فَهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واسْألِ القَرْيَةَ  ﴾ وغَيْرِ ذَلِكَ.

ويَذْهَبُ الأُسْتاذُ أبُو الحَسَنِ بْنُ البادِشِ: إلى أنَّها تَجُوزُ عَلى بَدَلِ "أنَّ" مِنَ "الَّذِينَ" وحَذْفِ المَفْعُولِ الثانِي لِحَسِبَ، إذِ الكَلامُ يَدُلُّ عَلَيْهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والمَسْألَةُ جائِزَةٌ إذِ المَعْنى: لا تَحْسَبَنَّ إمْلاءَنا لِلَّذِينَ كَفَرُوا خَيْرًا لَهم أو نَحْوَ هَذا.

ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: الرَدُّ عَلى الكُفّارِ في قَوْلِهِمْ: إنَّ كَوْنَنا ظاهِرِينَ مُمَوَّلِينَ أصِحَّةً، دَلِيلٌ عَلى رِضى اللهِ بِحالِنا واسْتِقامَةِ طَرِيقَتِنا عِنْدَهُ، فَأخْبَرَ اللهُ أنَّ ذَلِكَ التَأْخِيرَ والإمْهالَ إنَّما هو إمْلاءٌ واسْتِدْراجٌ، لِيَكْتَسِبُوا الآثامَ، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ: ما مِن نَفْسٍ بَرَّةٍ وَلا فاجِرَةٍ إلّا والمَوْتُ خَيْرٌ لَها، أمّا البَرَّةُ فَلِتُسْرِعَ إلى رَحْمَةِ اللهِ، وقَرَأ ﴿ "وَما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لِلأبْرارِ"،  ﴾ وأمّا الفاجِرَةُ فَلِئَلّا تَزْدادَ إثْمًا، وقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ.

ووَصْفُ العَذابِ بِالمُهِينِ مَعْناهُ: التَخْسِيسُ لَهُمْ، فَقَدْ يُعَذَّبُ مَن لا يُهانُ، وذَلِكَ إذا اعْتُقِدَتْ إقالَةُ عَثْرَتِهِ يَوْمًا ما.

واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما كانَ اللهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ ﴾ ...الآيَةِ فَقالَ مُجاهِدٌ وابْنُ جُرَيْجٍ وابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُمُ: الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ، والمَعْنى: ما كانَ اللهُ لِيَدَعَ المُؤْمِنِينَ مُخْتَلِطِينَ بِالمُنافِقِينَ مُشْكِلًا أمْرَهُمْ، يَجْرِي المُنافِقُ مَجْرى المُؤْمِنِ، ولَكِنْ مَيَّزَ بَعْضَهم مِن بَعْضٍ، بِما ظَهَرَ مِن هَؤُلاءِ وهَؤُلاءِ في أُحُدٍ مِنَ الأفْعالِ والأقْوالِ.

وقالَ قَتادَةُ والسُدِّيُّ: الخِطابُ لِلْكُفّارِ، والمَعْنى: حَتّى يَمِيزَ المُؤْمِنِينَ مِنَ الكافِرِينَ بِالإيمانِ والهِجْرَةِ.

وقالَ السُدِّيُّ وغَيْرُهُ: «قالَ الكُفّارُ في بَعْضِ جَدَلِهِمْ: أنْتَ يا مُحَمَّدُ تَزْعُمُ في الرَجُلِ مِنّا أنَّهُ مِن أهْلِ النارِ، وأنَّهُ إذا اتَّبَعَكَ مِن أهْلِ الجَنَّةِ، فَكَيْفَ يَصِحُّ هَذا؟

ولَكِنْ أخْبِرْنا بِمَن يُؤْمِنُ مِنّا وبِمَن يَبْقى عَلى كُفْرِهِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ،» فَقِيلَ لَهُمْ: لا بُدَّ مِنَ التَمْيِيزِ وما كانَ اللهُ لِيُطْلِعَكم عَلى الغَيْبِ فِيمَن يُؤْمِنُ ولا فِيمَن يَبْقى كافِرًا ولَكِنْ هَذا رَسُولٌ مُجْتَبىً فَآمِنُوا بِهِ.

فَإنْ آمَنتُمْ نَجَوْتُمْ وكانَ لَكم أجْرٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وأمّا مُجاهِدٌ وابْنُ جُرَيْجٍ وأهْلُ القَوْلِ الأوَّلِ، فَقَوْلُهم في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَما كانَ اللهُ لِيُطْلِعَكم عَلى الغَيْبِ ﴾ إنَّهُ في أمْرِ أُحُدٍ، أيْ: ما كانَ اللهُ لِيُطْلِعَكم عَلى أنَّكم تُهْزَمُونَ، فَكُنْتُمْ تُكْعُونَ ونَحْوَ هَذا.

وأيْضًا فَما كانَ لِيُطْلِعَكم عَلى المُنافِقِينَ تَصْرِيحًا بِهِمْ وتَسْمِيَةً لَهُمْ، ولَكِنْ هَذا بِقَرائِنِ أفْعالِهِمْ وأقْوالِهِمْ في مِثْلِ هَذا المَوْطِنِ.

و"حَتّى" في قَوْلِهِ: "حَتّى يَمِيزَ" غايَةٌ مُجَرَّدَةٌ، لِأنَّ الكَلامَ قَبْلَها مَعْناهُ: اللهُ يُخْلِصُ ما بَيْنَكم بِابْتِلائِهِ وامْتِحانِهِ حَتّى يَمِيزَ.

وَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ: "حَتّى يَمِيزَ" بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ المِيمِ وتَخْفِيفِ الياءِ، وكَذَلِكَ "لِيَمِيزَ"، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "حَتّى يُمَيِّزَ" و"لِيُمَيِّزَ اللهُ" بِضَمِّ الياءِ والتَشْدِيدِ.

قالَ يَعْقُوبُ بْنُ السُكَيْتِ: مِزْتُ ومَيَّزْتُ: لُغَتانِ بِمَعْنىً واحِدٍ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: ولَيْسَ مَيَّزْتُ بِمَنقُولٍ مِن مِزْتُ، بِدَلِيلِ أنَّ مَيَّزْتُ لا يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ وإنَّما يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ كَمِزْتُ، كَما أنَّ "ألْقَيْتُ" لَيْسَ بِمَنقُولٍ مِن "لَقِيَ" إنَّما هو بِمَعْنى أسْقَطْتُ.

والغَيْبُ هُنا: ما غابَ عَنِ البَشَرِ مِمّا هو في عِلْمِ اللهِ مِنَ الحَوادِثِ الَّتِي تَحْدُثُ، ومِنَ الأسْرارِ الَّتِي في قُلُوبِ المُنافِقِينَ، ومِنَ الأقْوالِ الَّتِي يَقُولُونَها إذا غابُوا عَنِ الناسِ.

قالَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ: رُوِيَ أنَّ بَعْضَ الكُفّارِ قالَ: لِمَ لا يَكُونُ جَمِيعُنا أنْبِياءً؟

فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

و"يَجْتَبِي" مَعْناهُ: يَخْتارُ ويَصْطَفِي، وهي مِن جَبَيْتُ الماءَ والمالَ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ واللهُ المُسْتَعانُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف ابتدائي، وهو رجوع إلى بيان ما في مصيبة المسلمين من الهزيمة يوم أُحُد من الحِكم النافعة دُنيا وأخرى، فهو عود إلى الغرض المذكور في قوله تعالى: ﴿ وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين ﴾ [آل عمران: 166] بيّن هنا أنّ الله لم يرد دوام اللبس في حال المؤمنين والمنافقين واختلاطهم، فقدّر ذلك زماناً كانت الحكمة في مثله تقتضي بقاءه وذلك أيّام ضعف المؤمنين عقب هجرتهم وشدّة حاجتهم إلى الاقتناع من الناس بحسن الظاهر حتّى لا يبدأ الانشقاق من أوّل أيّام الهجرة، فلمّا استقرّ الإيمان في النفوس، وقرّ للمؤمنين الخالصين المُقام في أمْن، أراد الله تعالى تنهية الاختلاط وأن يميز الخبيث من الطيّب وكان المنافقون يكتمون نفاقهم لمَّا رأوا أمر المؤمنين في إقبال، ورأوا انتصارهم يوم بدر، فأراد الله أن يفضحهم ويظهر نفاقهم، بأن أصاب المؤمنين بقَرح الهزيمة حتّى أظهر المنافقون فرحهم بنصرة المشركين، وسجّل الله عليهم نفاقهم بادياً للعيان كما قال: جَزَى الله المصائبَ كلّ خير *** عرفتُ بها عدوّي من صديقي ومَا صَدْقُ ﴿ ما أنتم عليه ﴾ هو اشتباه المؤمن والمنافق في ظاهر الحال.

وحَرْفَا (على) الأوّلُ والثاني، في قوله: ﴿ ما أنتم عليه ﴾ للاستعلاء المجازي، وهو التمكّن من معنى مجرورها ويتبيّن الوصف المبهم في الصلة بما وردَ بعد (حتَّى) من قوله: ﴿ على ما أنتم عليه ﴾ ، فيعْلم أنّ ما هُم عليه هو عدمُ التمييز بين الخبيث والطيّب.

ومعنى ﴿ ما كان الله ليذر المؤمنين ﴾ نفي هذا عن أن يكون مراداً لله نفياً مؤكَّداً بلام الجُحود، وقد تقدّم نظيره في قوله تعالى: ﴿ ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب ﴾ [آل عمران: 79] إلخ...

فقوله: ﴿ على ما أنتم عليه ﴾ أي من اختلاط المؤمن الخالص والمنافق، فالضمير في قوله: ﴿ أنتم عليه ﴾ مخاطب به المسلمون كلّهم باعتبار من فيهم من المنافقين.

والمراد بالمؤمنين المؤمنون الخُلَّص من النفاق، ولذلك عبّر عنهم بالمؤمنين، وغيّر الأسلوب لأجل ذلك، فلم يقل: ليذركم على ما أنتم عليه تنبيهاً على أنّ المراد بضمير الخطاب أكثر من المراد بلفظ المؤمنين، ولذلك لم يقل على ما هم عليه.

وقوله: ﴿ حتى يميز الخبيث من الطيب ﴾ غاية للجحود المستفاد من قوله: ﴿ ما كان الله ليذر ﴾ المفيد أنّ هذا الوَذْر لا تتعلّق به إرادة الله بعد وقت الإخبار ولا واقعاً منه تعالى إلى أن يحصل تمييز الخبيث من الطيّب، فإذا حصل تمييز الخبيث من الطّيب صار هذا الوذر ممكناً، فقد تتعلّق الإرادة بحصوله وبعدم حصوله، ومعناه رجوع إلى حال الاختيار بعد الإعلام بحالة الاستحالة.

ولحتّى استعمال خاصّ بعد نفي الجحود، فمعناها تنهية الاستحالة: ذلك أنّ الجحود أخصّ من النفي لأنّ أصل وضع الصيغة الدلالة على أنّ ما بعد لام الجحود مناف لحقيقة اسم كان المنفية، فيكون حصوله كالمستحيل، فإذا غيّاه المتكلّم بغاية كانت تلك الغاية غاية للاستحالة المستفادة من الجحود، وليست غاية للنفي حتّى يكون مفهومها أنّه بعد حصول الغاية يثبت ما كان منفياً، وهذا كلّه لمح لأصل وضع صيغة الجحود من الدلالة على مبالغة النفي لا لغلبة استعمالها في معنى مطلق النفي، وقد أهمل التنبيه على إشكال الغاية هنا صاحب «الكشاف» ومتابعوه، وتنّبه لها أبو حيّان، فاستشكلها حتّى اضطرّ إلى تأوّل النفي بالإثبات، فجعل التقدير: إنّ الله يخلّص بينكم بالامتحان، حتّى يميز.

وأخذ هذا التأويل من كلام ابننِ عطية، ولا حاجة إليه على أنّه يمكن أن يتأوّل تأويلاً أحسن، وهو أن يجعل مفهوم الغاية معطّلاً لوجود قرينة على عدم إرادة المفهوم، ولكن فيما ذكرته وضوح وتوقيف على استعمال عربيّ رشيق.

و (مِنْ) في قوله: ﴿ من الطيب ﴾ معناها الفصْل أي فصل أحد الضدين من الآخر، وهو معنى أثبته ابن مالك وبحث فيه صاحب «مغني اللبيب»، ومنه قوله تعالى: ﴿ واللَّه يعلم المفسد من المصلح ﴾ وقد تقدّم القول فيه عند قوله تعالى: ﴿ واللَّه يعلم المفسد من المصلح ﴾ في سورة [البقرة: 220].

وقيل: الخطاب بضمير ما أنتم} للكفار، أي: لا يترك الله المؤمنين جاهلين بأحوالكم من النفاق.

وقرأ الجمهور: يَميز بفتح ياء المضارعة وكسر الميم وياء تحتية بعدها ساكنة من ماز يميز، وقرأه حمزة، والكسائي ويعقوب، وخَلَف بضمّ ياء المضارعة وفتح الميم وياء بعدها مشدّدة مكسورة من ميَّز مضاعف ماز.

وقوله: ﴿ وما كان الله ليطلعكم ﴾ عطف على قوله: ﴿ ما كان الله ليذر ﴾ يعني أنّه أراد أن يميز لكم الخبيث فتعرفوا أعداءكم، ولم يكن من شأن الله إطلاعكم على الغيب، فلذلك جعل أسباباً من شأنها أن تستفزّ أعداءكم فيظهروا لكم العداوة فتطلّعوا عليهم، وإنّما قال: ﴿ وما كان الله ليطلعكم على الغيب ﴾ لأنّه تعالى جعل نظام هذا العالم مؤسّساً على استفادة المسبّبات من أسبابها، والنتائج من مقدّماتها.

وقوله: ﴿ ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء ﴾ يجوز أنّه استدراك على ما أفاده قوله: ﴿ وما كان الله ليطلعكم على الغيب ﴾ حتّى لا يجعله المنافقون حجّة على المؤمنين.

في نفي الوحي والرسالة، فيكون المعنى: وما كان الله ليطلعكم على الغيب إلاّ ما أطلع عليه رسوله ومن شأن الرسول أن لا يفشي ما أسرّه الله إليه كقوله: ﴿ عالم الغيب فلا يظهر على غيبة أحد إلا من ارتضى من رسول ﴾ [الجن: 26، 27] الآية، فيكون كاستثناء من عموم ﴿ ليطلعكم ﴾ .

ويجوز أنّه استدراك على ما يفيده ﴿ وما كان الله ليطلعكم على الغيب ﴾ من انتفاء اطّلاع أحد على علم الله تعالى فيكون كاستثناء من مفاد الغيب أي: إلاّ الغيب الراجع الى إبلاغ الشريعة، وأمّا ما عداه فلم يضمن الله لرسله إطلاعهم عليه بل قد يطلعهم، وقد لا يطلعهم، قال تعالى: ﴿ وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعملهم ﴾ [الأنفال: 60].

وقوله: ﴿ فآمنوا بالله ورسله ﴾ إن كان خطاباً للمؤمنين فالمقصود منه الإيمان الخاصّ، وهو التصديق بأنّهم لا ينطقون عن الهوى، وبأنّ وعد الله لا يخلف، فعليهم الطاعة في الحرب وغيره أو أريد الدوام على الإيمان، لأنّ الحالة المتحدّث عنها قد يتوقع منها تزلزل إيمان الضعفاء ورواج شبه المنافقين، وموقع ﴿ وإن تؤمنوا وتتقوا ﴾ ظاهر على الوجهين، وإن كان قوله: ﴿ فآمنوا ﴾ خطاباً للكفار من المنافقين بناء على أنّ الخطاب في قوله: ﴿ على ما أنتم عليه ﴾ وقوله: ﴿ ليطلعكم على الغيب ﴾ للكفّار فالأمر بالإيمان ظاهر، ومناسبة تفريعه عمّا تقدّم انتهاز فرص الدعوة حيثما تأتّت.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: هُمُ المُنافِقُونَ وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ وابْنِ إسْحاقَ.

والثّانِي: قَوْمٌ مِنَ العَرَبِ ارْتَدُّوا عَنِ الإسْلامِ.

﴿ إنَّهم لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ ألا يَجْعَلَ لَهم حَظًّا في الآخِرَةِ ﴾ في إرادَتِهِ لِذَلِكَ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنْ يَحْكُمَ بِذَلِكَ.

والثّانِي: مَعْناهُ أنَّهُ سَيُرِيدُ في الآخِرَةِ أنْ يَحْرِمَهم ثَوابَهم لِإحْباطِ إيمانِهِمْ بِكُفْرِهِمْ.

والثّالِثُ: يُرِيدُ أنْ يُحْبِطَ أعْمالَهم بِما اسْتَحَقُّوهُ مِن ذُنُوبِهِمْ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ إسْحاقَ.

﴿ ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ﴾ الطَّيِّبُ المُؤْمِنُونَ، والخَبِيثُ فِيهِ هَهُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما المُنافِقُ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.

والثّانِي: الكافِرُ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ، والسُّدِّيِّ.

واخْتَلَفُوا في الَّذِي وقَعَ بِهِ التَّمْيِيزُ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: بِتَكْلِيفِ الجِهادِ، وهَذا قَوْلُ مَن تَأوَّلَ الخَبِيثَ بِالمُنافِقِ.

والثّانِي: بِالدَّلائِلِ الَّتِي يُسْتَدَلُّ بِها عَلَيْهِمْ وهَذا قَوْلُ مَن تَأوَّلَهُ لِلْكافِرِ.

﴿ وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكم عَلى الغَيْبِ ﴾ قِيلَ: إنَّ سَبَبَ نُزُولِ هَذا «أنَّ قَوْمًا مِنَ المُشْرِكِينَ قالُوا: إنْ كانَ مُحَمَّدٌ صادِقًا فَلْيُخْبِرْنا مَن يُؤْمِنُ ومَن لا يُؤْمِنُ؟

فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

» قالَ السُّدِّيُّ: ما أطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ عَلى الغَيْبِ، ولَكِنَّهُ اجْتَباهُ فَجَعَلَهُ رَسُولًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هو خَيْرًا لَهم بَلْ هو شَرٌّ لَهُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ أحَدُهُما: أنَّهم مانِعُو الزَّكاةِ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.

والثّانِي: أنَّهم أهْلُ الكِتابِ وبَخِلُوا أنْ يُبَيِّنُوا لِلنّاسِ ما في كُتُبِهِمْ مِن نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ  ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: ألَمْ تَسْمَعْ أنَّهُ قالَ: ﴿ يَبْخَلُونَ ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ ﴾ ، أيْ يَكْتُمُونَ ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِالكِتْمانِ.

﴿ سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الَّذِي يُطَوَّقُونَهُ شُجاعٌ أقْرَعُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ.

والثّانِي: أنَّهُ طَوْقٌ مِنَ النّارِ، وهَذا قَوْلُ إبْراهِيمَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي قال: قالوا إن كان محمد صادقاً فليخبرنا بمن يؤمن به منا ومن يكفر؟

فأنزل الله: ﴿ ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه...

﴾ الآية.

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس قال: «يقول للكفار ﴿ ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه ﴾ من الكفر ﴿ حتى يميز الخبيث من الطيب ﴾ فيميز أهل السعادة من أهل الشقاوة» .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال: يقول للكفار لم يكن ليدع المؤمنين على ما أنتم عليه من الضلالة حتى يميز الخبيث من الطيب، فميز بينهم في الجهاد والهجرة.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في الآية قال: ميز بينهم يوم أحد.

المنافق من المؤمن.

وأخرج سعيد بن منصور عن مالك بن دينار أنه قرأ ﴿ حتى يميز الخبيث من الطيب ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ حتى يميز الخبيث من الطيب ﴾ مخففة منصوبة الياء.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله: ﴿ وما كان الله ليطلعكم على الغيب ﴾ قال: ولا يَّطلع على الغيب إلا رسول.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء ﴾ قال: يختصهم لنفسه.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك ﴿ يَجْتَبي ﴾ قال: يَسْتَخْلِص.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ ﴾ الآية.

اختلفوا في سبب نزول هذه الآية: فقال الكَلْبيُّ (١)  : ما بَالُكَ تَزْعُمُ أن الرَّجلَ مِنْ أهلِ النار، حتى يَدْخُلَ في دِينِكَ، فإذا انتقل إلى دينك، ادَّعَيْتَ أنه من أهل الجَنَّةِ، فينبغي أنْ تُعَرِّفَنَا الذي يَنتَقِلُ، قبل أن ينتَقِلَ.

فأنزل الله -تعالى- مجيبًا لهم-: ﴿ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ ﴾ أي: ما كانَ اللهُ لِيَدَعَ المؤمِنَ (٢) (٣) ومعنى: ﴿ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ﴾ -على هذا التفسير-: حتى يُفَرِّقَ بين المؤمن والكافر؛ بالحُكْمِ لِلْمُؤْمِنِ بالجَنَّةِ، ولِلكافر بالنار.

والخِطاب في قوله: ﴿ أَنتُمْ ﴾ -على هذا الوجْهِ-، للمشركين.

وقوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ ﴾ أي (٤) وقوله تعالى: ﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ ﴾ : أي: يختارُ مِنَ الرُّسُل مَن يشاء بالغيب، فيُطْلِعُه على بعض عِلْمِ الغيب؛ كقوله: ﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ  ﴾ ، الآية.

قال الزّجاج (٥) ومعنى قوله: ﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ ﴾ ؛ أي: بالغيب.

فَحذف ذلك للعلم به؛ وذلك لاستثناء الرسولِ مِمَّن لا يُطلَعُ على الغيب.

وهذا (٦) (٧) (٨) (٩) وقال مجاهد (١٠) (١١) ﴿ أَنْتُمْ ﴾ ، رَجَعَ من الخَبَر عن المؤمنين إلى مخاطبتهم.

ومعنى الآية: ما كان الله ليذركم يا معشر المؤمنين، على ما أنتم عليه مِن التباسِ المنافقِ بالمؤمنِ، والمؤمن بالمنافق، حتى يُمَيِّزَ الخبيثَ من الطَّيِّب، أي: المنافقَ مِنَ المُؤمِنِ.

قال مجاهد (١٢)  .

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ ﴾ فتعرفوا المنافقَ من المؤمنِ قبل التمييز، ولكنَّ اللهَ يختار بمعرفة (١٣) قال ابن عباس (١٤) وهذا معنى قول السُّدِّي في هذه الآية، فإنه قال في سبب نزولهما ما يُشاكِل هذا التفسير، وهو أنه قال: قال رسول الله  : "أُعْلِمْتُ مَنْ يُؤْمِنُ بي وَمَنْ لا يُؤمِنُ" فَبَلَغَ ذلك المنافقينَ، فاستهزؤوا، وقالوا: كيف، ونحن معه لا يعرفنا؟!

فأنزل الله هذه الآية (١٥) .

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

وهذا (١٦) وقيل فيه وجه ثالث من التفسير، وهو: إن الخطاب للمشركين والمنافقين واليهود (١٧) ﴿ أَنْتُمْ ﴾ (١٨) (١٩) ﴿ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ : الذين هم (٢٠) ومعنى الآية: ما كان الله لِيَدَعَ أولادَكُمْ الذين جرى لهم الحكمُ بالإيمان، على ما أنتم عليه من الشِّرْك، حتى يُفَرِّق بينكم وبين مَن في أصلابكم، وأرحام نسائِكم من المؤمنين.

وهذا قول الضّحاك (٢١) (٢٢) وقوله: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ ﴾ ، لا يتعلق بأوَّلِ الآية في المعنى -على هذا التفسير-، ولكن معناه: إنه أَخْبَرَ ابتداءً، أنه لا يُطلِعُ أحدًا على عِلْمِ الغيب؛ لأنه لا يعلمه أحدٌ غيرُه، ولكن يجتبي مِن رُسُلِهِ مَنْ يَشاء، فَيُطْلَعَ على بعض عِلْمِ الغَيْب.

وقيل في سبب نزول قوله: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ ﴾ : إنّ المشركين أنكروا نُبُوَّةَ محمد  ، وقالوا: ما بالنا نحن لا نكون أنبياء، فإنَّا أكثرُ أموالًا وأولادًا؟

فأنزل الله: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ ﴾ ؛ أي: لم يكن ليوحي إليكم فيجعلكم بمنزلة الرُّسُل، بظنِّكُم عند أنفسكم أنكم مستحقون ذاك (٢٣) (٢٤) وهذا معنى قولِ أبي إسحاق (٢٥) (٢٦) (٢٧)  ، وإعطائه (٢٨) (٢٩) (٣٠) فهذه أربعة أوجُهٍ مِنَ التفسير، في هذه الآية.

فقوله: ﴿ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ ﴾ ، هذه اللام يُسمِّيها بعضُ أهل النحو، لامَ الجَحْد؛ كما تقول: (ما كنت لأفعل ذلك) (٣١) وذكرنا الكلام في (يَذَر) عند قوله: ﴿ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا ﴾ (٣٢) قوله تعالى: ﴿ حَتَّى يَمِيزَ ﴾ .

فيه (٣٣) (٣٤) (٣٥) (٣٦) وقال الشاعر: تنفِي رُضَاضَ الحَصَا مَنَاسِمُها ...

كَمَا يَمِيزَ الزُّيُوفَ مُنْتَقِدُ (٣٧) و (التمييز) (٣٨) (٣٩) ومثل (٤٠) (٤١) وحجّة مَن قَرَأ بالتخفيف: أنَّه يَصْلُح للقليل والكثير؛ لأن (المَيْز) كـ (التميِيز)، سَوَاء، وهو -مع ذلك- خفيف في اللفظ.

وإذا اجتمعت خِفَّةُ اللفظ مع استيعاب المعنى، كان المصير إليه أَوْلى.

وحكى أبو زيد، عن أبي عمرٍو، أنه كان يقول (٤٢) التشديد للكثرة، فأما واحدٌ مِن واحدٍ فـ (يَمِيز) -بالتخفيف-.

والله -تعالى- يقول: ﴿ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ﴾ ، فَذَكَر شيئين.

و-هذا- كما قال بعضهم (٤٣) (٤٤) وحجّة من قرأ بالتشديد: أن التشديد للتكثير والمبالغة، ويِكثر المؤمنون والمنافقون.

فالتمييز -ههنا- أَوْلى، والله -تعالى- ذَكَرَ الجِنْسَيْنِ بلفظ ﴿ الْخَبِيثَ ﴾ و ﴿ الطَّيِّبِ ﴾ وهما للجِنْس؛ فالمراد بهما: جميع المؤمنين والمنافقين، لا اثنان منهما.

وقد قال الله -تعالى-: ﴿ تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ  ﴾ .

وهذا مُطَاوع [(التَّميِيِز).

والذي يدل على (٤٥) ﴿ وَامْتَازُوا الْيَوْمَ  ﴾ ، وهو مُطاوع] (٤٦) وقوله تعالى: ﴿ لِيُطْلِعَكُمْ ﴾ .

الإطْلاعُ: أن تُطلِعَ إنسانًا على أمرٍ، لم يكن عَلِمَ (٤٧) (٤٨) (٤٩) ويقال: (طَلَعْتُ على كذا)، و (اطَّلَعتُ)، و (أطْلَعْتُ عليه) (٥٠) (٥١) (٥٢) (١) قوله في: "بحر العلوم" 1/ 318، و"تفسير الثعلبي" 3/ 159 أ، و"أسباب النزول" للمؤلف 136، و"تفسير البغوي" 2/ 140، و"تفسير القرطبي" 4/ 288.

وأورد هذا القول ابنُ الجوزي في "الزاد" 1/ 510 ونسبه لابن عباس.

ونحو هذا القول، قال السُّدِّي.

انظر: "تفسير الطبري" 4/ 188، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 824.

(٢) في (ج): (المؤمنين).

(٣) في (ج): (الكافرين).

(٤) أي: ساقطة من (ج).

(٥) في "معاني القرآن" له 1/ 492.

نقله عنه بتصرف يسير.

(٦) يعني بـ (هذا): ما قاله الكلبيُّ في سبب نزول الآية، وما يترتب عليه في كون الخطاب فيها للمشركين.

(٧) منهم: مقاتل، في "تفسيره" 1/ 317 - 318.

(٨) في "معاني القرآن" له 1/ 248.

(٩) في "معاني القرآن" له 1/ 492.

(١٠) قوله في: "تفسير الطبري" 4/ 187، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 824، و"النكت والعيون" 1/ 439.

(١١) قوله في: "سيرة ابن هشام" 3/ 75، و"تفسير الطبري" 4/ 187.

(١٢) قوله في: "تفسير الطبري" 4/ 187، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 824، و"النكت والعيون" 1/ 439.

(١٣) في (ج): (بمعرفته).

(١٤) لم أقف على مصدر قوله.

(١٥) الحديث أورده -غير مسند-: الثعلبي في "تفسيره" 3/ 159 ب.

ونَصُّه عن الثعلبي: (قال السدي: قال رسول الله  : "عُرِضت علي أمتي في صورها، كما عُرِضت على آدم، وأعْلِمتُ مَن يُؤْمِنُ بي ومن يكفر".

فبلغ ذلك المنافقين، فاستهزؤوا، وقالوا: زعم محمد أنه يعلم من يؤمن به ومن يكفر، ممن لم يُخلَق بعد، ونحن معه ولا يعرفنا.

فبلغ ذلك رسول الله  ، فقام على المنبر خطيبًا، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: "ما بال أقوام جهَلوني، وطعنوا في علمي، لا == تسألوني عن شيء فيما بينكم وبين الساعة إلا أنبأتكم به" فقام عبد الله بن حذافة السهمي، فقال: يا رسول الله.

من أبي؟

قال: "حذافة".

فقام عمر بن الخطاب، فقال: يا رسول الله  ، رضينا بالله ربا وبالإسلام دينًا وبالقرآن إمامًا وبك نبياً فاعف عنا، عفا الله عنك.

فقال النبي  : "فهل أنتم منتهون؟

هل أنتم منتهون؟

" ثم نزل عن المنبر.

فأنزل الله -تعالى- هذه الآية ..).

والأثر طويل، وله عنده بقية، وأورده -كذلك- المؤلف في "أسباب النزول" 136، والبغوي في "تفسيره" 2/ 141، وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 510، وكلهم نسبه للسدي، عن رسول الله  .

ولم أقف عليه في مصادر أخرى بهذا النص، وإنما ورد بنص آخر -من رواية حذيفة بن أسيد- "عُرضت علي أمتي البارحة، لَدُنْ هذه الحجرة، حتى إني لأعْرفُ بالرجل منهم، من أحدكم بصاحبه".

فقال رجل من القوم: يا رسول الله، هذا عُرِض عليك مَنْ خُلِق منهم، أرأيت من لم يُخلَق؟.

فقال: "صُوِّروا لي، فوالذي نفسي بيده، لأنا أعْرَفُ بالإنسان منهم بصاحبه".

أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" 3/ 181 رقم (3054، 3055)، والديلمي في "مسند الفردوس" 3/ 66 رقم (4185)، وأورده السيوطي في "الجامع الصغير" وزاد نسبته للضياء المقدسي، ورمز له بالصحة.

(انظر: "فيض القدير" 4/ 414).

وقال الهيثمي: (رواه الطبراني، وفيه زياد بن المنذر، وهو كذاب).

"مجمع الزوائد"10/ 69.

وحكم عليه الألباني بالضعف في ضعيف "الجامع الصغير" 4/ 29 رقم (3703).

وهذه الرواية تختلف عما أورده الثعلبي في تفسيره، وليس فيه أنه سبب نزول الآية، ولا متعلق له بهذه الآية.

كما أخرج البخاريُ حديثًا آخر من رواية أنس، نحو ما أورده المؤلف، ونصه: "سألوا النبي  حتى أحفَوْهُ بالمسألة، فصعد النبي  ذات يوم المنبرَ، فقال: لا تسألوني عن شيء إلا بينت لكم، فجعلت أنظر يمينًا وشمالًا فإذا كل رجل رأسه في ثوبه يبكي، فأنشأ رجل كان إذا لاحى يُدعى إلى غير أبيه، ومَال: يا نبي الله من أبي؟

فقال: أبوك حذافة.

ثم أنشأ عمرُ فقال: رضينا بالله ربا وبالإسلام ديناً وبمحمد رسولًا.

نعوذ بالله من سوء الفتن، فقال النبي  : ما رأيت في الخير والشر كاليوم قطّ، إنما صورت لى الجنة والنار حتى رأيتهما دون الحائط).

قال = (١٦) هكذا في (أ)، (ب)، (ج).

والأصوب أن يكون (هذان) إلا أني أبقيت (هذا) لاحتمال أن يريد بـ (هذا): ما سبق من قول في الآية.

(١٧) في (ج): (ولليهود).

(١٨) (أنتم): ساقطة من (ج).

(١٩) (المؤمنين): ساقطة من (ج).

(٢٠) (هم): ساقطة من (ج).

(٢١) قوله، في "تفسير الثعلبي" 3/ 160 ب، و"تفسير البغوي" 2/ 141.

وورد في "بحر العلوم"، عنه: (إن المنافقين أعلنوا الإسلام، وأسروا الكفر، وصلوا وجاهدوا مع المؤمنين، فأحب أن يُمَيِّز بين الفريقين، وأن يَدُلَّ رسول الله على سرائر المنافقين، فقال: ﴿ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ﴾ .

يعني: المنافق من المؤمن) 1/ 319.

ورد في: "زاد المسير" 1/ 510 عن الضحاك، أن المخاطب في هذه الآية: الكفار والمنافقون.

(٢٢) لم أقف على مصدر قوله وفق سياق المؤلف.

والذي ورد عن ابن عباس -من == رواية علي بن أبي طلحة-، قال: (يقول للكفار: ﴿ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ ﴾ من الكفر، ﴿ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ﴾ فيميز أهل السعادة من أهل الشقاوة).

"تفسير ابن أبي حاتم": 3/ 824 - 825.

وكون الخطاب في الآية للكفار والمنافقين -وفق المعنى الذي ذكرته عن ابن عباس سابقًا-، قال عنه الثعلبي: (هو قول: ابن عباس والضحاك ومقاتل والكلبي، وأكثر المفسرين).

"تفسيره" 3/ 160 أ.

(٢٣) في (ج): (ذلك).

(٢٤) في (ج): (ينبأ).

(٢٥) في: "معاني القرآن" له 1/ 492.

ولكن هذا القول، ليس مما تبناه الزجاج، وإنما أورده بصيغة (قيل).

فقد ذكر أولا قول الكلبي -الذي ذكره المؤلف-، وصدره بقوله: (يروى في التفسير)، ثم ذكر هذا القول، قائلًا: (وقد قيل في التفسير ..) وذَكَره.

(٢٦) لم أقف على مصدر قوله.

(٢٧) ينتاشهم؛ أي: يستخرجهم.

وأصلها من: (النَتْش)، وهو: نتف اللحم، وجذبه قرصًا، واستخراج الشوكة ونحوها.

ويقال للمنتاش: استخرجه.

انظر (نتش) في: "اللسان" 7/ 4336، و"القاموس" (606).

(٢٨) في (أ)، (ب)، (ج): وأعطاه.

والمُثبَت هو ما استصوبته.

(٢٩) في (ب): (للانقياد).

(٣٠) ما بين المعقوقين زيادة من (ج).

(٣١) انظر: "اللامات"، للزجاجي 68، و"المحلى" لابن شقير 228.

وهي عند الكوفيين حرف زائد، يدخل لتقوية النفي، ويرى النحاس أن الصواب تسميتها (لام النفي)؛ لأن الجحد في اللغة إنكار ما تعرفه، لا مطلق الإنكار.

انظر: "المغني" لابن هشام 278.

(٣٢) سورة البقرة: من الآية: 234 ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ﴾ ، والآية:240 ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ ﴾ (٣٣) (فيه): ساقطة من (ج).

(٣٤) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم، وأبو جعفر: ﴿ يَمِيزَ ﴾ بفتح الياء الأولى، وكسر الميم مع التخفيف.

وقرأ حمزة، والكسائي، ويعقوب، وخلف: ﴿ يُمَيز ﴾ -بضم الياء الأولى، وفتح الميم مع التشديد.

انظر: "السبعة" 220، و"الحجة"، للفارسي 3/ 110، و"المبسوط" لابن مهران 149 - 150.

(٣٥) أي: عزلته، وفرزته، وخلصته انظر: "علل القراءات" للأزهري 1/ 133، و"المجموع المغيث" 3/ 248، و"اللسان" 7/ 4307 (ميز).

(٣٦) الحديث من رواية أبي عبيدة بن الجراح، أخرجه: أحمد في "المسند" 1/ 159 - 196، والخطابي في "غريب الحديث" 3/ 127.

وأورده ابن الأثير في "النهاية في غريب الحديث" 4/ 380، وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد" 2/ 300، وزاد نسبة إخراجه لأبي يعلى، والبزار، وقال: (وفيه يسار بن أبي سيف، ولم أر من وَثَّقه، ولا من جرحه، وبقية رجاله ثقات).

قال البنا في: "الفتح الرباني" 19/ 197 - معلقًا على كلام الهيثمي-: (الظاهر أن النسخة التي وقعت للحافظ الهيثمي فيها يسار -بالياء التحتية، والسين المهملة-، وهو خطأ؛ ولذلك لم يجد له ترجمة، والصواب بشار بالباء الموحدة، والشين المعجمة-، كما جاء في نسختنا.

وفي "تقريب التهذيب": بشار بن أبي سيف الجَرمي -بفتح الجيم- الشامي، نزل البصرة، مقبول).

ولفظه -عند أحمد-: (مَن أنفق نَفَقَة فاضلة في سبيل الله، فبسبعمائة، ومن أنفق على نفسه وأهله، أو عاد مريضًا، أو مَازَ أذًى، فالحسنة بعشر أمثالها، الصوم == جُنَّة ما لم يَخرْقها، ومَن ابتلاه ببلاءٍ في جَسَدِهِ فَهو له حِطَّة).

ومعنى (مَازَ): نحَّى وأزال.

(٣٧) لم أهتد إلى قائله.

رُضَاض الحصا: فُتَاتُه.

انظر: "اللسان" 3/ 1659 (رضض).

المناسم: جمع (مَنْسِم)، وهو: طرف الخُفِّ من: البعير والنعامة والفيل والحافر.

انظر: "اللسان" 7/ 4415 (نسم).

والمُنْتَقِد: الصيرفي الحاذق، الذي يميز الدراهم الصحيحة من الزائفة.

(٣٨) من قوله: (والتمييز ..) إلى (..

فعوض وعاض لغتان): نقله -بمعناه- عن "الحجة" للفارسي 3/ 111 - 113.

(٣٩) ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ).

وساقط من (ب).

والمثبت من (ج).

(٤٠) في (ج): (ومثلى).

(٤١) في (ب): (مفاعيل).

(٤٢) لم أقف على مصدر قوله.

وقد ذكره -بمعناه- ابنُ زنجلة في: "حجة القراءات" 182.

(٤٣) ذكر الثعلبي والقرطبي هذا القائل، وهو: أبو معاذ، الفضل بن خالد المروزي، أحد كبار علماء النحو، قال السيوطي: (وذكره ابن حبان في الثقات، وصنف كتابًا في القرآن).

توفي سنة (211 هـ).

انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 160 أ - ب، و"تفسير القرطبي" 4/ 289، و"بغية الوعاة"، للسيوطي 2/ 245.

(٤٤) في "تفسير الثعلبي" 3/ 160 أ، (ومثله، إذا جَعلتَ الواحدَ شيئين، قلت: (فَرَقْتُ بينهما)، ومنه: (فَرْقُ الشَّعْرِ).

فإن جعلته أشياء، قلت: (فَرَّقتْه تفريقًا).

وانظر: "تفسير القرطبي" 4/ 289.

(٤٥) وردت العبارة في (ج): (والذي يدل من التميين على ..).

ولم أر لها وجهًا.

والعبارة ساقطة من: (أ)، (ب).

وما أثبتُّه هو ما استصوبته.

(٤٦) ما بين المعقوفين: زيادة من (ج).

(٤٧) في (ج): (يعلم).

(٤٨) في (ج): (فيقال).

(٤٩) في (ج): (خفي علي منه).

(٥٠) (وأطلعت عليه): ساقطة من (ج).

(٥١) انظر (طلع) في: "تهذيب اللغة" 3/ 2206، و"اللسان" 5/ 2689.

(٥٢) سبق بيان أن الفعل الواقع، هو: المتعدِّي إلى مفعول به أو أكثر.

وسُمِّي بذلك؛ لأنه يقع على المفعول به.

أما الفعل المُطَاوع، فيعني به -هنا- الفعل اللازم؛ لأن المطاوعة سبب من أسباب لزوم الفعل المتعدي لواحد.

انظر: "معجم المصطلحات النحوية والصرفية" د.

أحمد اللبدي 141.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ مَّا كَانَ الله لِيَذَرَ المؤمنين ﴾ الآية: خطاب للمؤمنين، والمعنى ما كان الله ليدع المؤمنين مختلطين بالمنافقين، ولكنه ميز هؤلاء من هؤلاء بما ظهر في غزوة أحد من الأقوال والأفعال، التي تدل على الإيمان أو على النفاق، ﴿ وَمَا كَانَ الله لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الغيب ﴾ أي ما كان الله ليطلعكم على ما في القلوب من الإيمان والنفاق، أو ما كان الله ليطلعكم على أنكم تغلبون أو تغلبون ﴿ وَلَكِنَّ الله يَجْتَبِي ﴾ أي يختار من رسله من يشاء فيطلعهم على ما شاء من غيبه.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ولا يحزنك ﴾ من الأفعال حيث كان إلا قوله: ﴿ لا يحزنهم الفزع الأكبر  ﴾ نافع ومثله ﴿ ليحزنني  ﴾ و ﴿ ليحزن الذين آمنوا  ﴾ وقرأ يزيد على ضده.

الباقون: بفتح الياء وضم الراء.

ولا خلاف في مثل ﴿ يحزنون  ﴾ و ﴿ لا تحزن  ﴾ مما هو لازم ﴿ ولا يحسبن ﴾ وثلاثة بعدها بالياء التحتانية مع ضم الباء في ﴿ تحسبنهم ﴾ أبو عمرو وابن كثير، وقرأ حمزة كلها بتاء الخطاب، وقرأ أبو جعفر ونافع وابن عامر ويعقوب كلها بالتحتانية إلا قوله: ﴿ فلاتحسبنهم ﴾ فإنها بالتاء وفتح الباء.

الباقون: الأولياء على الغيبة والأخريان بالخطاب.

/ ﴿ يميز ﴾ بالتشديد حيث كان: حمزة وعلي وخلف وسهل ويعقوب عياش مخير.

الباقون: خفيف بفتح الياء وكسر الميم.

﴿ يعملون خبير ﴾ بياء الغيبة: ابن كثير ويعقوب وأبو عمرو ﴿ لقد سمع ﴾ وبابه مدغماً: أبو عمرو وحمزة وعلي وخلف وهشام.

﴿ سيكتب ﴾ بضم الياء وفتح التاء ﴿ وقتلهم ﴾ برفع اللام و ﴿ ويقول ﴾ على الغيبة: حمزة الباقون: بالنون فيهما على التكلم.

ونصب اللام في ﴿ وقتلهم ﴾ ﴿ وبالزبر ﴾ ابن عامر ﴿ وبالكتاب ﴾ الحلواني عن هشام.

الباقون: بغير إعادة الخافض فيهما ﴿ زحزع عن ﴾ مدغماً: شجاع وأبو شعيب من طريق العطار وابن مهران ﴿ ليبيننه ﴾ ﴿ ولا يكتمونه ﴾ بالياء فيهما لأنهم غيب: ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب غير رويس وأبو بكر وحماد.

الباقون: بتاء الخطاب فيهما على حكاية مخاطبتهم.

الوقوف: ﴿ في الكفر ﴾ ج للابتداء بأن ولاحتمال إضمار اللام أو الفاء ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ في الآخرة ﴾ ج لعطف المختلفين مع اتحاج مقصود الكلام ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ شيئاً ﴾ ج لما ذكر ﴿ في الآخرة ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ 5 ﴿ لأنفسهم ﴾ ط ﴿ إثما ﴾ ج لما ذكر أياَ ﴿ مهين ﴾ ه ﴿ من الطيب ﴾ ط ﴿ ورسله ﴾ ط ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ خيراً لهم ﴾ ط ﴿ شراً لهم ﴾ ط ﴿ القيامة ﴾ ط ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ خبير ﴾ ه ﴿ أغنياء ﴾ م لئلا يصير ما بعده من مقولهم، ومن قرأ بضم الياء فوقفه مطلق.

﴿ بغير حق ﴾ ج لمن قرأ ﴿ ويقول ﴾ بالياء لأن التقدير: ويقول الله أو يقول الزبانية فلا ينعطف على قوله: ﴿ سيكتب ﴾ مع اتساق المعنى.

﴿ الحريق ﴾ ه ﴿ للعبيد ﴾ ج ه لاحتمال الصفة وأن يكون المراد هم الذين، والوقف أولى لأنه لا يظلم العبيد ملطقاً لا العبيد الموصوفة.

نعم لو كان بدلاً من الذين قالوا إن الله فقير صح ﴿ تأكله النار ﴾ ط ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ المنير ﴾ ه ﴿ الموت ﴾ ط ﴿ يوم القيامة ﴾ ط لابتداء شرط في أمر معظم.

﴿ فقد فاز ﴾ ط ﴿ الغرور ﴾ ه ﴿ كثيراً ﴾ ط ﴿ الأمور ﴾ ه ﴿ ولا تكتمونه ﴾ ز لأن الجملتين وان اتفقتا لم يكن النبذ متصلاً بأخذ الميثاق فلم يضف إلى ظرف "إذ" ﴿ قليلاً ﴾ ط ﴿ يشترون ﴾ ه ﴿ من العذاب ﴾ ج لما ذكر.

﴿ أليم ﴾ ه {والأ ﴿ ض ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه.

التفسير: نزلت في كفار قريش وإنه  جعل رسوله آمناً من شرهم وأتاح العاقبة له وإن جمعوا الجموع وجهزوا الجيوش حتى يظهر هذا الدين على الأديان كلها، وقيل في المنافقين ومسارعتهم هي أنهم كانوا يخوّفون المؤمنين بسبب واقعة أحد، ويؤيسونهم من النصر والظفر، وربما يقولون: إن محمداً لطالب ملك فتارة يكون الأمر له وتارة يكون عليه، ولو كان رسولاً ما غلبه أحد.

وقيل: إن قوماً من الكفار أسلموا ثم ارتدوا خوفاً من قريش، فاغتم النبي  لذلك فبيّن الله  أن ردتهم لا تؤثر في لحوق ضرر بك.

ونصر بعضهم هذا القول بأن المسارعة وهي شدة الرغبة في الكفر إنما تناسب من كفر بعد الإيمان / المستمر على الكفر، وبأن إرادته أن لا يجعل لهم حظاً في الآخرة إنما تليق بمن آمن فاستوجب الحظ ثم أحبط، وبأن الحزن إنما يكون على فوات أمر مقصود وذلك هو ما قدر النبي  من الانتفاع بإيمانهم أو انتفاعهم بالإيمان فبيّن الله  أنه لا يلحق بسبب فوات ذلك ضرر بالدين، وأن وبال ذلك يعود عليهم كما دل عليه بقية الآية.

فإن قيل: الحزن على كفر الكافر وعلى معصية العاصي طاعة، فكيف نهى نبي الله عن ذلك؟

فالجواب أنه نهي عن الإسراف في الحزن بحيث يأتي عليه ونظيره ﴿ لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين  ﴾ أو المراد لا يحزنوك لخوف أن يضروك ويعينوا عليك ﴿ إنهم لن يضروا الله ﴾ أي دينه ﴿ شيئاً ﴾ من الضرر.

﴿ يريد الله ألا يجعل لهم حظاً في الآخرة ﴾ فيه دليل على أن إرادة الله تتعلق بالعدم، وتنصيص على أن الخير والشر والنفع والضر بإرادة الله، ومعنى قوله: ﴿ ولهم عذاب عظيم ﴾ أنه كما لاحظ لهم من منافع الآخرة فلهم حظ عظيم من مضارها.

وفي الإخبار عن إرادة عدم الجعل دون الإخبار عن عدم الجعل إشعار بأن استحقاقهم للحرمان بلغ إلى حد أراد أرحم الراحمين أن لا يرحمهم وأن الداعي إلى تعذيبهم خلص خلوصاً لم يبق معه صارف ألبتة.

ثم أنزل في اليهود خاصة وهو الأشبه أو في الكفار عامة ﴿ إن الذين اشتروا ﴾ الآية.

والغرض تأكيد تقوية قلب الرسول كأنه قيل: إن أكثرهم ينازعونك في الدين لا لأجل شبهة لهم بل بناء على الحسد والمنازعة في منصب الدنيا.

ومن كان عقله هذا القدر - وهو أن يبيع بالقليل من الدنيا السعادة الكثيرة في الآخرة - كان في غاية الحماقة، ومثله لا يقدر على إلحاق الضرر بالغير.

ولو قيل: إن الآية في المرتدين فالمعنى أن اختيار دين بعد دين ثم الارتداد على العقبين يدل على الاضطراب وضعف الرأي، والإنسان المضطرب الحال لا قدرة له على إيصال الضرر إلى الغير.

ثم بين أن بقاء المنافقين المتخلفين عن الجهاد والكفار الذين بقوا بعد شهداء أحد لا خير فيه فقال: ﴿ ولا يحسبن ﴾ من قرأ بالياء فقوله: ﴿ الذين كفروا ﴾ فاعل، و"أن" مع ما في حيزه ساد مسد مفعوليه.

ومن قرأ بتاء الخطاب فـ ﴿ الذين كفروا ﴾ مفعول أول و"أن" مع ما في حيزه بدل منه.

وصح الإبدال وإن لم يمض إلا أحد المفعولين لأن المبدل في حكم المنحي.

ألا تراك تقول: جعلت متاعك بعضه فوق بعض.

مع امتناع السكوت على متاعك؟

والتقدير: ولا تحسبن الذين كفروا أن إملائي خير لهم على أن "ما" مصدرية.

ويجوز أن يقدر مضافمحذوف أي لا تحسبنهم أصحاب أن الإملاء خير لهم، أو لا تحسبن حال الذين كفروا أن الإملاء خير لأنفسهم.

قال الأصمعي: يقال أملى عليه الزمان أي طال.

وأملى له أي طوّل له وأمهله.

قال أبو عبيدة: ومنه الملا للأرض الواسعة الطويلة، والملوان الليل والنهار.

ويقال: أقمت عنده ملاوة من الدهر أي حيناً وبرهة.

و ﴿ إثماً ﴾ نصب على التمييز.

وفي / وصف العذاب أوّلاً بالعظم ثم بالألم ثم بالإهانة تدرج من الأهون إلى الأشق، وفيه من الوعيد والسخط ما لا يخفى.

قالت الأشاعرة ههنا: إن إطالة المدة من فعل الله لا محالة.

والآية دلت على أنها ليست بخير ففيه دلالة على أنه  فاعل الخير والشر.

وأيضاً إنه نص على أن الغرض من هذا الإملاء، أن يزدادوا إثماً، فإذن الكفر والمعاصي بإرادة الله.

وأيضاً أخبر عنهم أنه لا خير لهم فيه وأنهم لا يحصلون منه إلا على ازدياد الغي والإثم، والإتيان بخلاف خبر الله  محال، فعلمنا أنهم مجبورون على ذلك في صورة مختارين.

أجابت المعتزلة بأن المراد أن هذا الإملاء ليس خيراً من موت الشهداء إذ الآية من تتمة قصة أحد، لا أنه ليس بخير مطلقاً.

وزيف بأن بناء المبالغة لا يجوز ذكره إلا مع المفضل عليه، لكنه لم يذكر فعلمنا أنه لنفي الخيرية لا لنفي كونه خيراً من شيء آخر، وعن الثاني أن ازدياد الإثم علة للإملاء وليس كل علة بغرض كقولك: قعدت عن الغزو للعجز والفاقة.

ومثله ﴿ وجعلو لله أنداداً ليضلوا  ﴾ وهم ما فعلوا ذلك إلا ضلال.

ويقال: ما كانت موعظتي لك إلا للزيادة في تماديك في الغي إذا كانت عاقبة الموعظة ذلك.

ورد بأن حمل اللام على لام العاقبة عدول عن الظاهر، على أنا نعلم بالبرهان أن علمه  بأنهم مزدادون إثماً على تقدير الإمهال علة فاعلية لازديادهم إثماً فكان  فاعلاً للازدياد ومريداً له.

قالوا: في الكلام تقديم وتأخير وترتيبه: لا يحسبن الذين كفروا إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً إنما نملي لهم خير لأنفسهم.

ويعضده قراءة يحيى بن وثاب بكسر "إن" الأولى وفتح الثانية.

وردّ بأن التقديم والتأخير خلاف الأصل، والقراءة الشاذة لا اعتداد بها مع أن الواحدي أنكرها.

ثم إنه  أخبر أنه لا يجوز في حكمته أن يترك المؤمنين على ما هم عليه من اختلاط المخلص بالمنافق، ولكنه يعزل أحد الجنسين عن الآخر بإلقاء الحوادث وإبداء الوقائع كما في قصة أحد.

لله در النائبات فإنها *** صدأ اللئام وصيقل الأحرار فقال: ﴿ ما كان الله ليذر ﴾ اللام لتأكيد النفي والخطاب في ﴿ أنتم ﴾ للمصدقين جميعاً من أهل الإخلاص والنفاق.

خوطبوا بأنه ما كان في حكمة الله أن يترك المخلصين منكم على الحال التي أنتم عليها من اختلاط بعضكم ببعض.

وماز وميَّز لغتان.

مزت الشيء بعضه من بعض أميزه ميزاً، وميّزته تمييزاً.

وفي الحديث " "من ماز أذى عن الطريق فهو له صدقة وحجة " ولفظ الطيب والخبيث وإن كان مفرداً إلا أنه للجنس والمراد جميع / المنافقين من المؤمنين، وإنما قدم الخبيث على الطيب ليقع فعل الميز عليه ليعلم أنه المطرح من الشيئين الملقى لرداءته، فإن الميز يقع على الأدون والأهون.

وبم يحصل هذا الميز؟

قيل: بالمحن والمصائب كالقتل والهزيمة وكما دعاهم النبي  إلى الخروج مع ما بهم من القروح، فبمثل ذلك يظهر الثابت من المتزلزل والساكن من المتقلقل.

وقيل: بإعلاء كلمة الدين وقلة شوكة المخالفين ليظهره على الدين كله.

وقيل: بالوحي إلى نبيه ولهذا أردفه بقوله: ﴿ وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكنّ الله يجتبي ﴾ أي يصطفي ويختار ﴿ من رسله من يشاء ﴾ وبناء الكلام على ثلاث مراتب: الأولى أن هذا المنصب الذي استأثر الله  بعلمه لا يليق بكل منكم، وإنما هو مخصوص بالمصطفين من عيبده.

الثانية أن الرسول أيضاً لا يعلم المغيبات بأن يطلع عليها من تلقاء نفسه وبخاصية فيه، ولكنه إنما يعلم ذلك من طريق الوحي وإطلاع الله  إياه عليه أن هذا مؤمن وذاك منافق.

الثالثة أن هذا أيضاً مختص ببعض الرسل وفي بعض الأوقات حسب مشيئته وإرادته.

﴿ فآمنوا بالله ورسله ﴾ ومن جملة الإيمان بالله أن تعتقدوه وحده علاماً للغيوب، ومن جملة الإيمان بالرسل أن تنزلوهم منازلهم بأن تعلموهم عبيداً مصطفين لا يعلمون من الغيب إلا ما علمهم الله  .

ووجه النظم على القول الأول: لا تظنوا أن هذا التمييز يحصل بأن يطلعكم الله على غيبه ويقول إن فلاناً مؤمن وفلاناً منافق، فإن سنة الله جارية بأنه لا يطلع العوام على غيبه ولا يكون لهم سبيل إلى معرفة الأمور إلا بالامتحان والقرائن المفيدة للظن الغالب، ولكنه يصطفي من رسله من يشاء، فيعلمهم أن هذا مؤمن وذاك منافق ويختارهم للرسالة ووضع التكاليف الشاقة التي بمثلها يتميز الفريقان ويخلص أهل الوفاء من أهل الجفاء.

أو المراد ما كان الله ليطلعكم كلكم عالمين بالغيب من حيث يعلم الرسول حتى تصيروا مستغنين عن الرسول، ولكنه يخص من يشاء بالرسالة ثم يكلف الباقين طاعة هؤلاء الرسل، فآمنوا بالله ورسله كلهم، لأن طريق ثبوت نبوّتهم واحد، فمن أقر بنبوّة واحد منهم لزمه الإقرار بنبوّة كلهم ثم اتبعه الوعد بالثواب فقال: ﴿ وإن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر عظيم ﴾ قال السدي: قال رسول الله  : " "عرضت عليّ أمتي في صورها كما عرضت على آدم وأعلمت من يؤمن بي ومن يكفر " فبلغ ذلك المنافقين فاستهزؤا فقالوا: زعم محمد أنه يعلم من يؤمن به ومن يكفر ونحن معه ولا يعرفنا فأنزل الله ﴿ ما كان الله ليذر المؤمنين ﴾ .

وقال الكلبي: قالت قريش: تزعم يا محمد أن من خالفك فهو في النار والله عليه غضبان، وأن من اتبعك على دينك فهو من أهل الجنة والله عنه راض، فأخبرنا بمن يؤمن بك وبمن لا يؤمن بك فنزلت.

وقال أبو العالية: نزلت حين سأل المؤمنون أن يعطو علامة يفرقون بها بين المؤمن والمنافق.

/ ثم إنه عز من قائل لما بالغ في التحريض على بذل النفس في الجهاد، حرض على بذل المال في سبيل الله فقال: ﴿ ولا تحسبن الذين يبخلون ﴾ من قرأ بتاء الخطاب قدر مضافاً أي لا تحسبن بخل الذين يبخلون هو خيراً لهم، وكذا من قرأ بالياء وجعل فاعله ضمير النبي أو أحد.

ومن جعل الموصول فاعلاً فالمفعول الأول محذوف للدلالة.

التقدير: ولا تحسبن هؤلاء بخلهم هو خيراً وهو صيغة الفصل.

قال الواحدي: جمهور المفسرين على أن هذه الآية نزلت في مانعي الزكاة لترتب الوعيد عليه وسوق الكلام في معرض الذم، ولأن تارك التفضل لو عدّ بخيلاً لم يتخلص الإنسان من البخل إلا بإخراج جميع المال.

وفي حكم الزكاة سائر المصارف الواجبة كالإنفاق على النفس وعلى الأقربين الذين يلزمه مؤنتهم، وعلى المضطر، وفي الذب عن المسلمين إذا قصدهم عدوّ وتعين دفعهم بالمال.

وروى عطية عن ابن عباس أنها نزلت في أحبار اليهود الذين كتموا صفة محمد  ونبوّته.

وأراد بالبخل كتمان العلم الذي آتاهم الله، وعلى هذا يكون عوداً إلى ما انجرّ منه الكلام إلى قصة أحد، وذلك هو شرح أحوال أهل الكتاب ويعضده أن كثيراً من آيات بقية السورة فيهم.

وعلى هذا التفسير فمعنى ﴿ سيطوّقون ﴾ أن الله  يجعل في رقابهم طوقاً من النار كقوله  : " من سئل عن علم يعلمه فكتمه ألجم بلجام من نار" والسر فيه أنهم لم ينطقوا بأفواههم وألسنتهم بما يدل على الحق.

وعلى التفسير الأول فإما أن يكون محمولاً على ظاهره وهو أن يجعل ما بخل به من الزكاة حية يطوّقها في عنقه تنهشه من قرنه إلى قدمه وتنقر رأسه ويقول: أنا مالك.

عن ابن مسعود عن النبي  : " ما من رجل له مال لا يؤدي حق ماله إلا جعل طوقاً في عنقه شجاعاً أقرع يفر منه وهو يتبعه " ثم قرأ مصداقه من كتاب الله عز وجل ﴿ ولا تحسبن الذين يبخلون ﴾ الآية.

وعن ابن عمر قال: قال  : " إن الذي لا يؤدي زكاة ماله يخيل إليه ماله يوم القيامة شجاعاً أقرع له زبيبتان فيلزمه أي يطوّقه يقول: أن كنزك " وأما أن يكون على طريق التمثيل لا على أن ثمة أطواقاً أي سيلزمون إثمه في الآخرة إلزام الطوق.

وفي أمثالهم "يقلدها طوق الحمامة" إذا جاء بهنة يسب بها ويذم.

وقال مجاهد: معناه سيكلفون أن يأتوا بما بخلوا به يوم القيامة.

ونظيره ما روي عن ابن عباس أنه كان يقرأ ﴿ وعلى الذين يطوّقونه فدية  ﴾ قال المفسرون: يكلفونه ولا يطيقونه أي يؤمرون بأداء ما منعوه حتى لا يمكنهم الإتيان به فيكون ذلك توبيخاً على معنى هلا فعلتم ذلك حين كان ممكناً؟

﴿ ولله ميراث السموات والأرض ﴾ وله ما فيهما مما يتوارثه أهلهما من مال وغيره.

فمالهم يبخلون عليه بملكه ولا ينفقونه في سبيله؟

ونظيره قوله: ﴿ وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه  ﴾ وقال كثير من المفسرين: المقصود أنه يبطل ملك جميع المالكين إلا ملك الله فيصير كالميراث.

قال ابن الأنباري: يقال ورث فلان علم فلان إذا تفرد به بعد أن كان مشاركاً له فيه.

ومثله ﴿ وورث سليمان داود  ﴾ أي انفرد بذلك الأمر بعد أن كان داود مشاركاً له فيه أو غالباً عليه ﴿ والله بما تعملون خبير ﴾ من قرأ على الغيبة فظاهر، أي يجازيهم على منعهم الحقوق.

ومن قرأ على الخطاب فللالتفات وهي أبلغ في الوعيد لأن الغضب كأنه تناهى إلى حد أقبل على الخطاب وشافه بالعتاب.

ثم شرع في حكاية شبه الطاعنين في نبوة محمد  .

وذلك أنه لما أمر بالإنفاق في سبيل الله قالوا: لو كان محمد صادقاً في أن الله  يطلب منا المال فهو إذن فقير ونحن أغنياء، لكن الفقر على الله محال فمحمد غير صادق.

وأيضاً لو كان نبياً لكان إنما يطلب المال لأجل أن تجيء نار من السماء فتحرقه كما كان في الأزمنة السالفة، فلما لم يفعل ذلك عرفنا أنه ليس بنبي.

فهذا بيان النظم وليس في الآية تعيين القائلين إلا أن العلماء نسبوا هذا القول إلى اليهود لعنهم الله لقولهم في موضع آخر ﴿ يد الله مغلولة  ﴾ عنوا أنه بخيل.

وذلك الجهل يناسب هذا الجهل، ولأن التشبيه غالب عليهم، والقائل بالتشبيه لا يمكنه إثبات كونه  قادراً على كل المقدورات، وإذا عجز عن إثبات هذا الأصل عجز عن بيان أنه غني، ولما روي عكرمة ومحمد بن إسحق والسدي ومقاتل "أن رسول الله  كتب مع أبي بكر إلى يهود بني قينقاع يدعوهم إلى الإسلام وإلى إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وأن يقرضوا الله قرضاً حسناً.

فقال فنحاص عن عازوراء ـ وهو من علمائهم - أتزعم أن ربنا يستقرضنا أموالنا فهو إذن فقير ونحن أغنياء، فغضب أبو بكر ولطمه في وجهه وقال: لولا الذي بيننا وبينكم من العهد لضربت عنقك.

فذهب فنحاص إلى رسول الله  وقال: يا محمد انظر ما صنع بي صاحبك.

فقال رسول الله صلى الله لأبي بكر: ما الذي حملك على ما صنعت؟

فقال: يا رسول الله إن عدوّ الله قال هكذا.

فجحد ذلك فنحاص فنزلت هذه الآية تصديقاً لأبي بكر" .

وأيضاً إن موسى لما طلب منهم الجهاد ببذل النفوس قالوا له: إذهب أنت وربك فقاتلا.

فلا يبعد أن محمداً  لما طلب منهم الأموال قالوا له: لو كان الإله غنياً فأي حاجة إلى أموالنا.

ثم إن القائل لو كان فنحاصاً وحده فإنما / يستقيم قوله: ﴿ لقد سمع الله قول الذين قالوا ﴾ لأن أتباع الرجل والمقتدين به حكمهم حكمه.

ثم إنه  لم يجبهم عن شبهتهم.

أما على قواعد أهل السنة فبأن يقول يفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد، فلا يبعد أن يأمر عبيدة ببذل الأموال مع كونه أغنى الإغنياء.

وأما على قوانين المعتزلة فبأن في هذا التكليف فوائد منها: إزالة حب المال عن القلب، ومنها التوسل إلى الثواب المخلد، ومنها تسخير البعض للبعض فبذلك ترتبط أمور التمدن وتنتظم أحوال صلاح المعاش والمعاد وإنما لم يجب لكثرة ورودها في القرآن ﴿ لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون  ﴾ ﴿ من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له اضعافاً كثيرة  ﴾ ﴿ وما تنفقوا من خير فلأنفسكم  ﴾ ولأن وجوب الوجود عبارة عن الغنى المطلق حتى لا يحتاج في ذاته ولا في شيء من صفاته ولا بجهة من جهاته إلى ما سوى ذاته.

فمن اعترف بوجوب وجوده ثم شك في كمال غناه في وجوده فقد عاد بالنقض على موضوعه فلا يستحق الجواب عند أولي الألباب، وإنما يستأهل صنوفاً من العتاب وضروباً من العذاب فلهذا قال على جهة الوعيد ﴿ سنكتب ما قالوا ﴾ في صحائف الحفظة، أو نستحفظه ونثبته في علمنا لا ننساه كما يثبت المكتوب فلا ينسى.

وفي التفسير الكبير: سنكتب عنهم هذا الجهل في القرآن حتى يبقى على لسان الأمة إلى يوم القيامة.

ثم عطف عليه قتلهم الأنبياء ليدل على أنهم كما لو يقدروا الله حق قدره حتى نسبوا إليه ما نسبوه، فكذلك لم يقضوا حقوق الأنبياء ففعلوا بهم ما فعلوا.

﴿ ونقول ذوقوا عذاب الحريق ﴾ وهو من أسماء جهنم.

"فعيل" بمعنى "مفعول" كالأليم بمعنى المؤلم.

أو سميت باسم صاحبها أي ذات حرقة.

والمعنى: ينتقم منهم فيقول لهم ذوقوا عذاب النار كما أذقتم المسلمين جرع الغصص.

وهذا القول يحتمل أن يقال عند الموت، أو عند الحشر، أو عند قراءة الكتب.

ويحتمل أن يكون كناية عن الوعيد وإن لم يكن ثمة قول ﴿ ذلك ﴾ العذاب أو الوعيد ﴿ بما قدمت أيديكم ﴾ من السب والقتل.

وذكر الأيدي لأن أكثر الأعمال يباشر باليد، فجعل كل عمل كالواقع بالأيدي على سبيل التغليب وإن كان بعضه باللسان أو بسائر الجوارح والآلات.

وإنما جمع لأن المخاطب جمع ولو كان مفرداً.

قيل: بما قدمت يداك مثنى كما في سورة الحج.

قال الجبائي: قوله: ﴿ وأن الله ﴾ أي وبأن الله ليس بظلام للعبيد، فيه دلالة على أن فعل العقاب بهم كان يكون ظلماً بتقدير أن لا يقع منهم الذنوب.

وفيه بطلان قول المجبرة أن الله يعذب الأطفال بغير جرم ويجوز أن يعذب البالغين بغير ذنب، ويدل على كون العبد فاعلاً وإلا لكان الظلم حاصلاً.

والجواب أنه لم ينف الظلم عن نفسه بمعنى أن الجزاء إنما كان مرتباً على الذنب الصادر بكسب العبد وفعله فلا ظلم، بل بمعنى / أنه مالك الملك، والمالك إذا تصرف في ملكه كيف شاء لم يكن ذلك ظلماً، فخلق ذلك الفعل فيهم وترتيب العذاب عليه لا يكون ظلماً.

قيل: إنه نفى الظلم الكثير عن نفسه وذلك يوهم ثبوت أصل الظلم له، أجاب القاضي بأن العذاب الذي توعد بأن يفعل بهم لو كان ظلماً لكان عظيماً، فنفاه على حد عظمه لو كان ثابتاً.

وهذا يؤكد ما ذكر أن إيصال العقاب إليهم كان يكون ظلماً عظيماً لو لم يكونوا مذنبين، أقو ل: إنه  نفى حقيقة الظلم عنه في قوله: ﴿ وما ظلمناهم  ﴾ ﴿ وهم لا يظلمون  ﴾ وبحقيقة ما ذكرناه أنه مالك الكل له أن يتصرف في ملكه كيف يشاء، ولكنه نفى ههنا كثرة الشر والظلم أن يصدر عنه كأنه قال: إن خُيِّلَ إليكم أن في الوجود شراً بناء على ما في ظنكم من أن الحكيم قد يصدر عنه الشر القليل بتبعية الخير الكثير، فاعلموا أني منزه عن صدور الشر الكثير مني، وأن هذا من الشر القليل الذي في ضمنه خير كثير.

ونقول: أراد نفي الشر القليل وأصل الظلم عنه، ولكن القليل من الظلم بالنسبة إلى رحمته الذاتية كثير، فلهذا عبر عنه بلفظ الكثرة والمبالغة.

ثم قرر الشبهة الأخرى لهم فقال: ﴿ الذين قالوا إن الله عهد إلينا ﴾ قال الكلبي: نزلت في كعب بن الأشرف ومالك بن الصيف ووهب بن يهودا وزيد بن التابوت وفنحاص بن عازوراء وحيي بن أخطب، أتوا رسول الله  فقالوا: تزعم أن الله بعثك إلينا رسولاً، وأنزل عليك الكتاب، وإن الله قد عهد إلينا في التوراة أن لا نؤمن لرسول يزعم أنه جاء من عند الله حتى يأتينا بقربان تأكله النار، فإن جئتنا به صدقناك فنزلت.

قال عطاء: كانت بنو إسرائيل يذبحون لله فيأخذون الثروب وأطايب اللحم فيضعونها في وسط بيت والسقف مكشوف، فيقوم النبي في البيت ويناجي ربه وبنو إسرائيل خارجون واقفون حول البيت، فتنزل نار بيضاء لها دوي وحفيف ولا دخان لها فتأكل ذلك القربان وهو البر الذي يتقرب به إلى الله.

وأصله مصدر كالكفران والرجحان.

ثم سمي به نفس المتقرب به إلى الله ومنه قوله  لكعب بن عجرة: " "يا كعب، الصوم جنة والصلاة قربان" أي بها يتقرب إلى الله ويستشفع في الحاجة لديه.

وللعلماء فيما ادعاه اليهود قولان: قال السدي: إن هذا الشرط جاء في التوراة مع الاستثناء.

قال: من جاءكم يزعم أنه رسول الله فلا تصدقوه حتى يأتيكم بقربان تأكله النار إلا المسيح ومحمداً.

فكانت هذه العادة جارية إلى مبعث المسيح ثم زالت.

وقيل: إنه افتراء لأن المعجزات كلها في كونها خارقة للعادة وآية لصحة النبوة سواء، فأي فائدة في تخصيصها؟

ولأنه إما أن يكون في التوراة أن مدعي / النبوة وإن جاء بجميع الآيات لا تقبلوا قوله إلا أن يجيء بهذه الآية المعينة، وحينئذٍ لا تكون سائر المعجزات دالة على الصدق، وإذا جاز الطعن فيها جاز في هذه.

وإما أن يكون فيها أن مدعي النبوة يطالب بالمعجزة أية كانت.

وحينئذٍ يكون طلب هذا المعجز المعين عبثاً فلهذا نسبهم الله  إلى الجحود والعناد فقال: ﴿ قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم ﴾ أي بمدلوله ومؤدّاه ﴿ فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين ﴾ إنما الإيمان يجب عند الإتيان بالقربان.

وإنما ذكر مجيء الرسل بالبينات ولم يقتصر على مجيء القربان ليتم الإلزام.

وذلك أن القوم يحتمل أن يقولوا إن الإتيان بهذا القربان شرط للنبوة لا موجب لها، والشرط يلزم من عدمه عدم المشروط لكن لا يلزم من وجوده وجود المشروط.

فلو اكتفى بذكر القربان لم يتم الإلزام، وحيث أضاف إليه البينات ثبت أنهم أتوا بالموجب وبالشرط جميعاً، فكان الإقرار بالنبوة واجباً.

ثم سلى رسوله بقوله: ﴿ فإن كذبوك ﴾ في أصل الشريعة والنبوة أو في قولك إن الأنبياء الأقدمين جاؤهم بالبينات وبالقربان فقتلوهم ﴿ فقد كذب رسل من قبلك ﴾ وأي رسل والمصيبة إذا عمت طابت ﴿ جاؤا بالبينات ﴾ وهي الحجج الواضحات والمعجزات الباهرات.

والزبر هي الصحف جمع زبور بمعنى مزبور أي مكتوب.

وقال الزجاج: الزبور كل كتاب ذي حكمة فيشبه أن يكون من الزبر بمعنى الزجر عن خلاف الحق وبه سمي زبور داود لما فيه من الزواجر والمواعظ والكتاب المنير الموضح أو الواضح المستنير.

يعلم من عطف الزبور والكتاب على البينات، أن معجزاتهم كانت مغايرة لكتبهم، وأنها لم تكن معجزة لهم والإعجاز من خواص القرآن.

وعطف الكتاب المنير على الزبر لأن الكتاب بوصفه بالإثارة أو الاستنارة أشرف من مطلق الزبر فخص بعد العموم لشرفه مثل ﴿ وملائكته ورسله وجبريل وميكال  ﴾ وقيل: المراد بالزبر الصحف، وبالكتاب المنير التوراة والإنجيل والزبور.

ثم أكد التسلية بقوله: ﴿ كل نفس ذائقة الموت ﴾ لأن تذكر الموت واستحضاره مما يزيل الغموم والأشجان الدنيوية، وكذا العلم بأن وراء هذه الدار داراً يتميز فيها المحسن عن المسيء، ويرى كل منهما جزاء عمله.

والمراد لكل نفس ذائقة الموت كل ذات.

فالقضية لا يمكن إجراؤها على عمومها لاستثناء الله  منها ﴿ تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك  ﴾ وكذا كل الجمادات لأن لها ذوات.

ولقوله: ﴿ فصعق من في السموات و من في الأرض إلا من شاء الله  ﴾ ولأنه لا موت لأهل الجنة ولأهل النار.

فالمراد المكلفون الحاضرون في دار التكليف، والملائكة عند من يجوّز الموت عليهم.

روي عن ابن عباس: لما نزل قوله  : ﴿ كل من عليها فان ﴾ \[الرحمن: /26\] قالت الملائكة: مات أهل الأرض.

فلما نزل ﴿ كل نفس ذائقة الموت ﴾ قالت الملائكة: متنا.

وفي الآية دليل على أن المقتول ميت وعلى أن النفس باقية بعد البدن، لأن الذائق لا بد أن يكون باقياً حال حصول الذوق.

قالت الحكماء: الموت واجب الحصول عند هذه الحياة الجسمانية لأنها لا تحصل إلا بالرطوبة الغريزية والحرارة الغريزية، ثم إن الحرارة الغريزية تؤثر في تقليل الرطوبة الغريزية.

وإذا قلت: الرطوبة الغريزية ضعفت الحرارة الغريزية، ولا يزال تستمر هذه الحالة إلى أن تفنى الرطوبة الأصلية فتنطفىء الحرارة الغريزية ويحصل الموت، فبهذا الطريق كان الموت ضرورياً في هذه الحياة.

قالوا: والأرواح المجردة لا موت لها، وناقشهم المسلمون فيه ﴿ وإنما توفون أجوركم يوم القيامة ﴾ في ذكر التوفية إشارة إلى أن بعض الأجور يعطى قبل ذلك اليوم كما قال  : " القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار" .

﴿ فمن زحزح عن النار ﴾ الزح التنحية والإبعاد والزحزحة تكريره ﴿ فقد فاز ﴾ لم يقيد الفوز بشيء لأنه لا فوز وراء هذين الأمرين: الخلاص من العذاب والوصل إلى الثواب.

فمن حصل له هذان فقد فاز الفوز المطلق المتناول لكل ما يفاز به.

قال  : " "من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتدركه منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر ويأتي إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه " فالأول رعاية حقوق الله، والثاني محافظة حقوق العباد.

ثم شبه الدنيا بالمتاع الذي يدلس به على المستام ويغرّ حتى يشتريه ثم يتبين له فساده ورداءته، وذلك أن لذاتها تفنى وتبعاتها تبقى.

والغرور بالضم مصدر، الغار المدلس هو الشيطان.

عن علي بن أبي طالب: لين مسها قاتل سمها.

وعن بعضهم: الدنيا ظاهرها مظنة السرور وباطنها مطية الشرور.

وعن سعيد بن جبير: إنما هذا المن آثرها على الآخرة.

فأما من طلب الآخرة بها فإنها متاع بلاغ.

﴿ لتبلون في أموالكم ﴾ اللام جواب القسم المقدر، والنون دخلت مؤكدة، وضمت الواو للساكنين ولما كان يجب لما قبلها من الضم.

والمراد ما نالهم من الفقر والضر والقتل والجرح، والتكاليف الشاقة البدينة والمالية من الصلاة والزكاة والصوم والجهاد, والذي كانوا يسمعونه من الكفرة كالطعن في الدين الحنيف وأهليه، وإغراء المخالفين وتحريضهم عليهم وإغواء المنافقين وتنفيرهم عنهم ﴿ وإن تصبروا ﴾ على ما ابتلاكم الله به ﴿ وتتقوا ﴾ المخالفة أو تصبروا على أداء الواجبات وتتقوا ارتكاب المحظورات ﴿ فإن ذلك ﴾ الصبر والتقوى ﴿ من عزم الأمور ﴾ من معزوماتها الذي لا يترخص العاقل في تركه لكونه حميد العاقبة بين الصواب، أو هو من / عزائم الله ومما ألزمكم الأخذ به.

قال الواحدي: كان هذا قبل نزول آية القتال.

وقال القفال: الظاهر أنها نزلت بعد قصة أحد فلا تكون منسوخة بآية السيف.

والمراد الصبر على ما يؤذون به الرسول على طريق الأقوال الجارية فيما بينهم واستعمال مداراتهم من كثير من الأحوال.

والأمر بالقتال لا ينافي الأمر بالمصابرة على هذا الوجه.

عن كعب بن مالك "أن كعب بن الأشرف اليهودي كان شاعراً وكان يهجو النبي  ويحرض عليه كفار قريش في شعره، وكان النبي  قدم المدينة وأهلها أخلاط - المسلمون والمشركون واليهود - فأراد النبي  أن يستصلحهم كلهم.

فكان المشركون واليهود يؤذونه ويؤذون أصحابه أشد الأذى، فأمر الله نبيه بالصبر على ذلك فنزلت الآية" .

روي "أن رسول الله  ركب على حمار وأردف أسامة بن زيد وراءه يعود سعد بن عبادة في بني الحرث بن خزرج قبل وقعة بدر حتى مر بمجلس فيه عبد الله بن أبي وذلك قبل أن يسلم عبد الله.

فإذا في المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين واليهود، وفي المجلس عبد الله بن رواحة.

فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة خمر عبد الله بن أبي أنفه بردائه وقال: لا تغبروا علينا.

فسلم رسول الله  ثم وقف.

فنزل ودعاهم إلى الله وقرأ عليهم القرآن.

فقال عبد الله بن أبي: أيها المرء إنه لا أحسن مما تقول إن كان حقاً فلا تؤذنا به في مجلسنا.

ارجع إلى رحلك فمن جاءك فاقصص عليه.

فقال عبد الله بن رواحة: بلى يا رسول الله فاغشنا به في مجالسنا فإنا نحب ذلك.

فاستب المسلمون والمشركون واليهود حتى كادوا يتثاورون.

فلم يزل النبي  يخفضهم حتى سكنوا.

ثم ركب النبي  دابته فسار حتى دخل على سعد بن عبادة فقال له: يا سعد ألم تسمع ما قال أبو حباب - يريد عبد الله بن أبي؟

قال: كذا وكذا.

فقال سعد بن عبادة: يا رسول الله اعف عنه واصفح، فوالذي أنزل عليك الكتاب لقد جاء الله بالحق الذي نزل عليك، وقد اصطلح أهل هذه البحيرة على أن يتوّجوه ويعصبوه بالعصابة، فلما ردّ الله ذلك بالحق الذي أعطاكه شرق بذلك فعفا عنه رسول الله  " ، وأنزل الله هذه الآية.

ثم إنه  عجب من حال اليهود أنه كيف يليق بحالهم إيراد الطعن في نبوته مع أن كتبهم ناطقة به- وأيضاً من جملة إيذائهم الرسول أنهم كانوا يكتمون من نعته وصفته فلهذا قال: ﴿ وإذا أخذ الله ﴾ بإضمار "اذكر" والضمير في ﴿ لتبيننه ﴾ قيل لمحمد لأنه معلوم وإن كان غير مذكور أي لتبينن حاله وهذا قول سعيد بن جبير والسدي.

وقال الحسن وقتادة: يعود إلى الكتاب كأنه أكد عليهم إيجاب بيان الكتاب واجتناب كتمانه كما يؤكد على الرجل إذا عزم عليه.

وقيل له الله لتفعلن ﴿ ولا يكتمونه ﴾ قيل: الواو للحال أي غير كاتمين.

ويحتمل أن تكون للعطف وإن لم يكن مؤكداً بالنون.

والأمر بالبيان يتضمن النهي عن الكتمان، لكنه صرح به للتأكيد ﴿ فنبذوه / وراء ظهورهم ﴾ جعلوه كالشيء المطروح المتروك.

وعن علي  : ما أخذ الله على أهل الجهل أن يتعلموا حتى أخذ على أهل العلم أن يعلموا.

وقال قتادة: مثل علم لا يقال به كمثل كنز لا ينفق منه، ومثل حكمة لا تخرج كمثل صنم قائم لا يأكل ولا يشرب.

وطوبى لعالم ناطق ولمستمع واع، هذا علم علماً فبذله، وهذا سمع خيراً فوعاه.

ومعنى قوله: ﴿ واشتروا به ثمناً قليلاً ﴾ أنهم كتموا الحق ليتوسلوا به إلى وجدان حظ يسير من الدنيا ﴿ فبئس ما يشترون ﴾ هو ويدخل في الوعيد كل من كتم شيئاً من أمر الدين لغرض فاسد من تسهيل على الظلمة وتطييب لنفوسهم واستجلاب لمسارّهم واستجذاب لمبارّهم، أو لتقية من غير ضرورة، أو لبخل بالعلم وغيره أن ينسب إلى غيره.

ثم ذكر نوعاً آخر من إيذاء اليهود وأوعدهم عليه وسلى رسوله بذلك فقال: ﴿ لا تحسبن الذين يفرحون ﴾ من قرأ بتاء الخطاب وفتح الباب فالخطاب للرسول أو لكل أحد، وأحد المفعولين ﴿ الذين يفرحون ﴾ والثاني ﴿ بمفازة ﴾ .

وقوله: ﴿ فلاتحسبنهم ﴾ إعادة للعامل لطول الكلام وإفادة التأكيد.

ومن ضم الباء في الثاني مع تاء فالخطاب للمؤمنين، ومن ضمها مع ياء الغيبة فالضمير للذين يفرحون، والمفعول الأول محذوف أي لا يحسبن أنفسهم الذين يفرحون فائزين، والثاني للتأكيد.

ومعنى ﴿ بما أتوا ﴾ بما فعلوا.

وأتى وجاء يستعملان بمعنى فعل.

قال  : ﴿ إنه كان وعده مأتياً  ﴾ ﴿ لقد جئت شيئاً فرياً  ﴾ .

ومعنى بمفازة من العذاب بمنجاة منه أي بمكان الفوز.

وقال الفراء: أي ببعد منه لأن الفوز التباعد عن المكروه.

في الصحيحين "أن مروان قال لرافع أبوابه: اذهب إلى ابن عباس وقل له: لئن كان كل امرىء منا فرح بما أتى وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذباً لنعذبن أجمعون.

فقال ابن عباس: ما لكم ولهذه إنما دعا النبي  يهوداً فسألهم عن شيء فكتموه إياه وأخبروه بغيره، فأروه أن قد استحمدوا إليه بما أخبروه عنه وفرحوا بما أتوا من كتمانهم إياه، ثم قرأ ابن عباس ﴿ وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب ﴾ الآيتين" .

وقال الضحاك: "كتب يهود المدينة إلى يهود العراق واليمن ومن بلغهم كتاب من اليهود في الأرض كلها أن محمداً ليس نبي الله فأثبتوا على دينكم واجمعوا كلمتكم على ذلك.

فاجتمعت كلمتهم على الكفر بمحمد والقرآن، ففرحوا بذلك وقالوا: الحمد لله الذي جمع كلمتنا ولم نتفرق ولم نترك ديننا ونحن أهل الصوم والصلاة، نحن أولياء الله.

فذلك قول الله ﴿ يفرحون بما أتوا ﴾ بما فعلوا ﴿ ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا ﴾ / فأنزل الله هذه الآية" .

يعني بما ذكروا من الصوم والصلاة والعبادة.

وعن أبي سعيد الخدري "أن رجالاً من المنافقين كانوا إذا خرج رسول الله  إلى الغزو تخلفوا عنه، فإذا قدم اعتذروا عنده وحلفوا وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا فأنزل الله هذه الآية" .

وهذه الوجوه كلها مشتركة في الإتيان بما لا ينبغي ومحبة / الحمد عليه ووصفه بسداد السيرة وحسن السريرة.

ونحن إذا أنصفنا من انفسنا وجدنا أكثر مجاري أمورنا على هذه الحالة، فنسأله العصمة والهداية.

ثم ختم الكلام بقوله: ﴿ ولله ملك السموات والأرض ﴾ ولغرض أنه كيف يرجو النجاة من كان معذبه هذا القادر الغالب؟

التأويل: ﴿ هو خيراً لهم بل هو شر لهم ﴾ كل واحد من صفتي البخل والسخاء بمنزلة الإكسير حتى يجعل الخير شراً وبالعكس.

﴿ سيطوّقون ﴾ شبه بالطوق لأنه يحيط بالقلب ومنه ينشأ معظم الصفات الذميمة كالحرص والحسد والحقد والعداوة والكبر والغضب والبخل "حب الدنيا رأس كل خطيئة" ﴿ ولله ميراث السموات والأرض ﴾ الإنسان ورث الدنيا والآخرة أولئك هم الوارثون.

والوارث إذا مات من غير وارث فميراثه لبيت المال.

فالإشارة فيه أن من غلب عليه هذه الصفات ومات قلبه فقد بطل استعداد وراثته فميراثه لله ﴿ إن الله فقير ونحن أغنياء ﴾ فيه أن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى، فيعكس القضايا فيصف الرب بصفات العبد والعبد بصفات الرب وذلك لغلبة الصفات الذميمة واستيلاء سلطان الهوى والشيطان، فيقول تارة: أنا ربكم الأعلى، وتارة إن الله فقير ونحن أغنياء.

﴿ بقربان تأكله النار ﴾ قالت يهود صفات النفس البهيمية والسبعية والشياطنية لا ننقاد لرسول أي لخاطر رحماني أو إلهام رباني حتى يأتينا بقربان هو الدنيا وما فيها يجعلها نسيكة لله عز وجل، تأكله نار الله الموقدة التي تقدح من زناد محبتهم،فإن كثيراً من الطالبين الصادقين يجعلون الدنيا وما فيها قرباناً لله فلا تأكله نار الله، قل يا وارد الحق ﴿ قد جاءكم رسل من قبلي ﴾ أي واردات الحق بالبينات بالحجج الباهرة ﴿ وبالذي قلتم ﴾ أي بجعل الدنيا قرباناً ﴿ فلم قتلتموهم ﴾ غلبتموهم ومحوتموهم حتى لم يبق أثر الواردات.

﴿ كل نفس ذائقة الموت ﴾ كلهم مستعدون للفناء في الله، ولا بد لها من موت.

فمن كان موته بالأسباب تكون حياته بالأسباب، ومن كان فناؤه في الله يكون بقاؤه بالله.

﴿ لتبلون ﴾ بالجهاد الأكبر ﴿ ولتسمعن ﴾ من أهل العلم الظاهر ومن أهل الرياء ﴿ أذى كثيراً ﴾ بالغيبة والملامة والإنكار والاعتراض ﴿ وإن تصبروا ﴾ على جهاد النفس ﴿ وتتقوا ﴾ بالله عما سواه ﴿ فإن ذلك من عزم الأمور ﴾ أي من أمور أولي العزم ﴿ فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل  ﴾ والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ ﴾ : قيل فيه بوجوه: قيل: لا يترك الله المؤمنين على ما أنتم عليه أيها المنافقون؛ ولكن يمتحنكم بالجهاد وبأنواع المحن؛ ليظهر المنافق لهم من المؤمن.

وقيل: ليظهر الكافر لهم من المؤمن المصدق.

وقيل: فيه بوجه آخر: وذلك أن المنافقين كانوا يطعنون لأصحاب رسول الله  ويستهزئون بهم سرّاً؛ فقال الله - عز وجل -: لا يدع المؤمنين على ما أنتم عليه من الطعن فيهم؛ والاستهزاء بهم؛ ولكن يمتحنكم بأنواع المحن؛ لتفتضحوا وليظهر نفاقكم عندهم.

ويحتمل وجهاً آخر: وهو أن قوله: ﴿ مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ ﴾ ، أي: لا يدع المؤمنين على ما أنتم عليه من النفاق والكفر في دار واحدة؛ ولكن يجعل لكم داراً أخرى يميمز فيها الخبث من الطيب.

[يجعل الخبيث في النار، والطيب في الجنة؛ كقوله - عز وجل -: { لِيَمِيزَ ٱللَّهُ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ] وَيَجْعَلَ ٱلْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَىٰ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ } الآية [الأنفال: 37].

وقوله: ﴿ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى ٱلْغَيْبِ ﴾ : قيل فيه بوجهين: قيل: إنهم كانوا يقولون: لا نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي الأنبياء؛ كقولهم: ﴿ لَن نُّؤْمِنَ حَتَّىٰ نُؤْتَىٰ مِثْلَ مَآ أُوتِيَ رُسُلُ ٱللَّهِ  ﴾ ؛ ومثل قوله: ﴿ بَلْ يُرِيدُ كُلُّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ أَن يُؤْتَىٰ صُحُفاً مُّنَشَّرَةً  ﴾ ؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى ٱلْغَيْبِ ﴾ إلا من اجتباه لوحيه، وجعله موضعاً لرسالته، أي: لا يجعلكم رسلاً؛ إذ علم الغيب آية من آيات رسالته، والله أعلم.

وقيل: إن الشياطين كانوا يصعدون إلى السماء، فيسترقون؛ فيأتون بأخبارها إلى الكهنة قبل أن يبعث رسول الله  ، ثم إن الكهنة يخبرون بها غيرهم من الكفرة؛ فأنزل الله  : ﴿ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى ٱلْغَيْبِ ﴾ : بعدما بعث رسول الله  نبيّاً، كما كنتم تطلعون على أخبار السماء قبل بعثه.

﴿ وَلَكِنَّ ٱللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَآءُ ﴾ أي: يصطفي من يشاء، فيجعله رسولاً، فيوحي إليه ذلك، أي: ليس الوحي من السماء إلى غير الأنبياء، عليهم السلام.

ويحتمل قوله -  -: ﴿ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَآءُ ﴾ ، أي: لا يُطْلِعُ أحداً منكم على الغيب إلا من اجتباه منكم لرسالته.

ويحتمل [قوله]: ﴿ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَآءُ ﴾ ، أي: لا ينسخ شرائعه وأحكامه برسول آخر؛ نحو ما بَيْن موسى إلى عيسى - عليهما السلام - ولكنه إن كان فيما بينهما نبي لم يجعل له أحكاماً سوى أحكام موسى -  - أبقى تلك الأحكام والشرائع؛ وكذلك ما بين عيسى إلى محمد - عليهما الصلاة والسلام - فاجتبى هؤلاء؛ لإبقاء شرائعهم وأحكامهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَآمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ ﴾ : ظاهر ﴿ وَإِن تُؤْمِنُواْ ﴾ : برسله كلهم.

﴿ وَتَتَّقُواْ ﴾ : المعاصي.

﴿ فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ ويحتمل: ﴿ وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ ﴾ الشرك [فلكم أجر عظيم].

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ما كان من حكمة الله أن يَدَعَكم -أيها المؤمنون- على ما أنتم عليه من اختلاط بالمنافقين وعدم تمايز بينكم، وعدم تبين المؤمنين حقًّا، حتى يميزكم بأنواع التكاليف والابتلاءات، ليظهر المؤمن الطيب من المنافق الخبيث.

وما كان من حكمة الله أن يطلعكم على الغيب فتُميزوا بين المؤمن والمنافق، ولكن الله يختار من رسله من يشاء، فيطلعه على بعض الغيب؛ كما أطلع نبيه محمدًا  على حال المنافقين، فحقِّقوا إيمانكم بالله ورسوله، وأن تؤمنوا حقًّا وتتقوا الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه فلكم ثواب عظيم عند الله.

<div class="verse-tafsir" id="91.mO9VQ"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

المسارعة في الكفر هي المسارعة في نصرته والاهتمام بشؤونه والايجاف في مقاومة المؤمنين، وما كل كافر يسارع في الكفر فإن من الكافرين القاعد الذي لا يتحرك لنصرة كفره ولا لمقاومة المخالف له فيه.

والمسارعون المعنيون هنا هم أولئك النفر من المشركين كأبي سفيان ومن كان معه من صناديد قريش، وذهب بعض المفسرين إلى أن المراد بهم المنافقون ورووا في ذلك روايات في سبب النزول، وإنما يأتي هذا لو قال: "يسارعون إلى الكفر" ﴿ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا  ﴾ أي إنهم لا يحاربونك فيضروك بذلك وإنما يحاربون الله تعالى، ولا شك في ضعف قوتهم وعجزها عن مناوأة قوته  فهم لا يضرون بذلك إلا أنفسهم.

﴿ يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآَخِرَةِ  ﴾ أي إنهم على حالة من فساد الفطرة تقتضي حرمانهم من نعيم الآخرة بسنة الله وإرادته فلا نصيب لهم فيها ﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ  ﴾ فوق عذاب الحرمان من نعيمها.

فإن كنت تحزن عليهم رحمة بهم وشفقة عليهم لأن النور بين أيديهم وهم لا يبصرون والهداية قد أُهديت إليهم وهم لا يقبلون، وتطمع في هدايتهم وترجوها، وكلما رأيت منهم حركة جديدة في الكفر حدث لك حزن جديد، فعليك أن لا تحزن أيضًا إن هؤلاء ممن طبع الله على قلوبهم، وختم على سمعهم وأبصارهم فلم يبق في نفوسهم استعداد ما للإيمان فلا مساغ للحزن من حالهم.

﴿ إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالإيمان لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ  ﴾ أعاد المعنى وعممه وأكده بهذه الآية، وهو في بادىء الرأي تكرار ليس فيه زيادة فائدة، ومن فقه الآيتين علم أن تلك في المسارعين في الكفر وهذه في الذين اشتروا الكفر بالإيمان، أي اختاروه ورضوا به كما يرضى المشتري بالسلعة بدلًا من الثمن ويراها بعد بذله فيها متاعًا ينتفع به، بل الشأن في المشتري أن يرى ما أخذه أنفع له مما بذله، فهذا الوصف أعم من الأول، كأنه يقول إن أولئك الكفار الذين تراهم يسارعون في نصرة الكفر وتعزيزه والدفاع دونه ومقاومة المؤمنين لأجله لا شأن لهم ولا يستحقون أن تهتم بأمرهم فإنهم إنما يحاربون الله ويغالبونه والله غالب على أمره، فلا يقدر أحد على ضره، ثم لا ينبغي أن تحزن عليهم أيضًا لأنهم محرومون من رضوان الله.

فلما بيَّن هذا كان مما يمكن أن يخطر في البال أنه حكم خاص بالذين يسارعون في الكفر فبيّن في هذه الآية أنه عام يشمل كل من آثر الكفر على الإيمان فاستبدله به، ففي إعادة العبارة بهذا الأسلوب فائدتان: إحداهما: أن فيها قسمًا من الكافرين لم يذكروا في الآية الأولى.

والثانية: أن فيها مع تأكيد عدم إضرارهم بالنبي  بيانًا لحال من أحوالهم يدل على سخافتهم وضعف عقولهم إذ رضوا بالكفر واختاروه وحسبوه منفعة وفائدة فكأنه يقول إن هؤلاء لا قيمة لهم فيخاف منهم أو يحزن عليهم.

وقد يعرض لبعض الأفكار وهم في هذا المقام ويجول فيها صورة ما يتمتعون به من اللذات والقوة وإمكان نيلهم من المؤمنين إذا أذنبوا كما نالوا منهم يوم أُحد بذنبهم وتقصيرهم فيقول الواهم: آمنا وصدقنا أن هؤلاء سيعذبون في الآخرة ولا يكون لهم نصيب من نعيمها ولكن أليسوا الآن متمتعين بالدنيا؟

أليس لهم فيها القوة ما يمكنهم من الاعتداء علينا؟

وقد كشف هذا الوهم قوله تعالى: ﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ  ﴾ فبيّن لنا سنة حكيمة من سننه في الاجتماع البشري وهي أن الإنسان يبلغ الخير بعمله الحسن، ويقع في الضير بتقصيره في العمل الصالح وتشميره في عمل السيئات، والعبرة بالخواتيم، فكأنه قال: إن هذا الإملاء للكافرين ليس عناية من الله بهم، وإنما هو جري على سنته في الخلق، وهي أن يكون ما يصيب الإنسان من خير وشر هو ثمرة عمله.

ومن مقتضى هذه السنة العادلة أن يكون الإملاء للكافر علة لغروره، وسببًا لاسترساله في فجوره، فيوقعه ذلك في الإثم الذي يترتب عليه العذاب المهين.

﴿ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ  ﴾ ، كان الكلام مسترسلًا في بيان حال المؤمنين في واقعة أُحد وما بعدها، وجاء في السياق بيان حال من ظهر نفاقهم وضعفهم وبيان حال المجاهدين والشهداء ومن هم بمنزلة الشهداء، وحال الكفار المهدِّدين للمسلمين، وكون الإملاء لهم واستدراجهم بطول البقاء في الدنيا ليس خيرًا لهم، وقد كانت واقعة أُحد أشد واقعة أحس المسلمون عقبها بألم الغلب لأنهم لم يكونوا يتوقعونه بعد رؤية بوادر النصر في "بدر" ولأنه ظهر فيه حال المنافقين، وتبيّن ضعف نفوس بعض المؤمنين الصادقين، ولذلك كانت عناية الله تعالى ببيان فوائد المسلمين فيها عظيمة، ومنها ختمها بهذه الآية الكريمة، المبينة لسنة من السنن التي ذكرت في سياق تلك الآيات الحكيمة، والمعنى: ما كان من شأن الله تعالى ولا من سننه في عباده أن يذر المؤمنين على مثل الحال التي كان عليها المسلمون عند حدوث غزوة أُحد حتى يميز الخبيث من الطيب، وكيف كانوا؟.

كانوا يصلون ويمتثلون كل ما يأمرهم به النبي  ومنه إرسال السرايا المعتاد مثلها، ولم تكن فيها مخاوف كبيرة على الإسلام وأهله، ولذلك كان يختلط فيها الصادق بالمنافق بلا تمييز، إذ التمايز لا يكون إلا بالشدائد، أما الرخاء واليسر وتكليف ما لا مشقة فيه كالصلاة والصدقة القليلة فكان يقبله المنافقون كالصادقين لما فيه من حسن الأحدوثة مع التمتع بمزايا الإسلام وفوائده، وربما خدع الشيطان المؤمن الموقن بترغيبه في الزيادة من أعمال العبادات السهلة ولا سيما إذا كان داخلًا في دين جديد لما في ذلك من الرياء والسمعة، والاستواء في الظاهر مدعاة الالتباس والاشتباه.

الشدائد تميز بين القوي في الإيمان والضعيف فيه فهي التي ترفع ضعيف العزيمة إلى مرتبة قويها، وتزيل الالتباس بين الصادقين والمنافقين، وفي ذلك فوائد كبيرة منها أن الصادق قد يفضي ببعض أسرار الملة إلى المنافق لما يغلب عليه من حسن الظن والانخداع بأداء المنافق للواجبات الظاهرة ومشاركته للصادقين في سائر الأعمال فإذا عرفه اتقى ذلك، ومنها أن تعرف الجماعة وزن قوتها الحقيقية لأنها بانكشاف حال المنافقين لها تعرف أنهم عليها لا لها، وبانكشاف حال الضعفاء الذين لم تربهم الشدة تعرف أنهم لا عليها ولا لها.

هذا بعض ما تكشفه الشدة للجماعة من ضرر الالتباس، وأما الأفراد فإنها تكشف لهم حجب الغرور بأنفسهم، فإن المؤمن الصادق قد يغتر بنفسه فلا يدرك ما فيها من الضعف في الاعتقاد والأخلاق لأن هذا مما يخفي مكانه على صاحبه حتى تظهره الشدائد.

فلما كان هذا اللبس ضارًا بالأفراد والجماعات ولم يكن من شأن الله ولا من حكمته أن يستبقي في عباده ما يضرهم مضت سنته بأن يميز الخبيث من الطيب فتظهر الخفايا وتبلى السرائر حتى يرتفع الالتباس، ويتضح المنهج السوي للناس.

قد يخطر في البال أن أقرب وسيلة لرفع اللبس هي أن يطلع الله المؤمنين على الغيب فيعرفوا حقيقة أنفسهم، وحقائق الناس الذين يعيشون معهم، ولكن الله تعالى أخبر أن هذا ليس من شأنه ولا من سنته، كما أن ترك الالتباس والاشتباه ليس من سنته فقال: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ  ﴾ وإنما لم يكن من شأنه إطلاع الناس على الغيب لأنه لو فعل ذلك لأخرج الإنسان عن كونه إنسانًا فإنه تعالى خلق الإنسان نوعًا عاملًا يحصل جميع رغائبه ويدفع جميع مكارهه بالعمل الكسبي الذي ترشده إليه الفطرة وهدى النبوة، ولذلك جرت سنته بأن يزيل هذا اللبس، ويميز بين الخبيث والطيب بالابتلاء بالشدائد، وما تتقاضاه من بذل الأموال والأرواح في سبيله التي هي سبيل الحق والخير لا سبيل الهوى كما ابتلى المؤمنين في واقعة أُحد بجيش عظيم، وابتلاهم باختيار الخروج لمحاربته، وابتلى الرماة منهم بالمخالفة وإخلاء ظهور قومهم لعدوهم، ثم ابتلاهم بظهور العدو عليهم جزاء على ما ذكر حتى ظهر نفاق المنافقين، وزلزال ضعفاء المؤمنين، وثبات كملة الموقنين، ﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ  ﴾ أي يصطفيهم على ما شاء من الغيب وهو ما في تبليغه للناس مصلحة ومنفعة لهم في الإيمان كصفات الله تعالى واليوم الآخر وبعض شؤونه والملائكة.

وهذا هو الغيب الذي أمر المكلفون بالإيمان به ومدحوا عليه في مثل قوله تعالى: ﴿ الم  ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ  الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده