الآية ١٧٨ من سورة آل عمران

الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ١٧٨ من سورة آل عمران

وَلَا يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرٌۭ لِّأَنفُسِهِمْ ۚ إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُوٓا۟ إِثْمًۭا ۚ وَلَهُمْ عَذَابٌۭ مُّهِينٌۭ ١٧٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 123 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٧٨ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٧٨ من سورة آل عمران عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم قال تعالى : ( ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين ) كقوله تعالى : ( أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون ) [ المؤمنون : 55 ، 56 ] ، وكقوله ( فذرني ومن يكذب بهذا الحديث سنستدرجهم من حيث لا يعلمون ) [ القلم : 44 ] ، وكقوله ( فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون ) [ التوبة : 55 ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (178) قال أبو جعفر: يعني بذلك تعالى ذكره: ولا يظنن الذين كفروا بالله ورسوله وما جاء به من عند الله (24) ، أن إملاءنا لهم خيرٌ لأنفسهم.

* * * ويعني بـ" الإملاء "، الإطالة في العمر، والإنساء في الأجل، ومنه قوله جل ثناؤه: وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا [سورة مريم: 46] أي: حينًا طويلا ومنه قيل: " عشتَ طويلا وتملَّيت حبيبًا " (25) ." والملا " نفسه الدهر،" والملوان "، الليل والنهار، ومنه قول تميم بن مقبل: (26) أَلا يَــا دِيَــارَ الحَــيِّ بِالسَّـبُعَانِ أَمَــلَّ عَلَيْهَــا بِــالبِلَى المَلَــوَانِ (27) يعني: بـ" الملوان "، الليل والنهار.

* * * وقد اختلفت القرأة في قراءة قوله: " ولا تحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خيرٌ لأنفسهم ".

فقرأ ذلك جماعة منهم: ( وَلا يَحْسَبَنَّ ) بالياء، وبفتح " الألف " من قوله: " أَنَّمَا "، على المعنى الذي وصفتُ من تأويله.

* * * وقرأه آخرون: ( وَلا تَحْسَبَنَّ ) بالتاء و " أَنَّمَا " أيضا بفتح " الألف " من " أنما "، بمعنى: ولا تحسبنّ، يا محمد، الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم.

* * * فإن قال قائل: فما الذي من أجله فتحت " الألف " من قوله: " أنما " في قراءة من قرأ بالتاء، وقد علمت أن ذلك إذا قرئ بالتاء فقد أعملت " تحسبن "، في" الذين كفروا "، وإذا أعملتها في ذلك، لم يجز لها أن تقع على " أنما " لأن " أنما " إنما يعمل فيها عاملٌ يعمل في شيئين نصبًا؟

قيل: أما الصواب في العربية ووجهُ الكلام المعروف من كلام العرب، كسر " إن " إذا قرئت " تحسبن " بالتاء، لأن " تحسبن " إذا قرئت بالتاء فإنها قد نصبت " الذين كفروا "، فلا يجوز أن تعمل، وقد نصبت اسمًا، في" أن ".

ولكني أظن أنّ من قرأ ذلك بالتاء في" تحسبن " وفتح الألف من " أنما "، إنما أراد تكرير تحسبن على " أنما "، كأنه قصد إلى أنّ معنى الكلام: ولا تحسبن، يا محمد أنت، الذين كفروا، لا تحسبن أنما نملي لهم خيرٌ لأنفسهم، كما قال جل ثناؤه: فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً [سورة محمد: 18] بتأويل: هل ينظرون إلا الساعة، هل ينظرون إلا أن تأتيهم بغتة.

(28) وذلك وإن كان وجهًا &; 7-423 &; جائزًا في العربية، فوجه كلام العرب ما وصفنا قبل.

* * * قال أبو جعفر: والصواب من القراءة في ذلك عندنا، قراءة من قرأ: ( وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ) بالياء من " يحسبن "، وبفتح الألف من " أنما "، على معنى الحسبان للذين كفروا دون غيرهم، ثم يعمل في" أنما " نصبًا لأن " يحسبن " حينئذ لم يشغل بشيء عمل فيه، وهي تطلب منصوبين.

وإنما اخترنا ذلك لإجماع القرأة على فتح " الألف " من " أنما " الأولى، فدل ذلك على أن القراءة الصحيحة فى " يحسبن " بالياء لما وصفنا.

وأما ألف " إنما " الثانية، فالكسر على الابتداء، بإجماع من القرأة عليه: * * * وتأويل قوله: " إنما نُملي لهم ليزدادوا إثمًا "، إنما نؤخر آجالهم فنطيلها ليزدادوا إثمًا، يقول: يكتسبوا المعاصي فتزداد آثامهم وتكثر=" ولهم عذاب مهين "، يقول: ولهؤلاء الذين كفروا بالله ورسوله في الآخرة عقوبة لهم مهينة مذلة.

(29) * * * وبنحو ما قلنا في ذلك جاء الأثر.

8267 - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن خيثمة، عن الأسود قال، قال عبدالله: ما من نفس برة ولا فاجرة إلا والموتُ خير لها.

وقرأ: " ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خيرٌ لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثمًا "، وقرأ: نُزُلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلأَبْرَارِ [سورة آل عمران: 198].

(30) -------------------- الهوامش: (24) انظر تفسير"حسب" فيما سلف قريبا ص: 384.

(25) في المطبوعة: "وتمليت حينًا" ، وهو خطأ ، وفي المخطوطة: "وتمليت حنينًا" ، وهو تصحيف ، والصواب ما أثبت.

وهو قول يقال في الدعاء ، ومثله في الدعاء لمن لبس ثوبًا جديدًا: "أبليت جديدًا ، وتمليت حبيبًا" ، أي: عشت معه ملاوة من دهرك وتمتعت به.

(26) وينسب البيت لابن أحمر ، وإلى أعرابي من بني عقيل.

(27) سيبويه 2: 322 ، ومجاز القرآن 1: 109 ، والأمالي 1: 233 ، والسمط: 533 ، والخزانة 3: 275 ، واللسان (ملل) ، وغيرها ، وسيأتي في التفسير 13: 106 (بولاق).

وقد بين صاحب الخزانة نسبة هذه الأبيات وذكر الشعر المختلف فيه ، وقال إن أبيات ابن مقبل بعد هذا البيت: نَهَــارٌ وَلَيْــلٌ دَائِــبٌ مَلَوَاهُمَــا عَــلَى كُـلِّ حَـالِ النَّـاسِ يَخْتَلِفَـانِ ألا يـا دَيـارَ الحَـيِّ لا هَجْـرَ بَيْننَـا وَلكــنَّ رَوْعَــاتٍ مِــنَ الحَدَثَـانِ لِدَهْمَــاءَ إِذْ لِلنَّــاس والعَيْشِ غِـرَّةٌ وَإِذْ خُلُقَانَـــا بِالصِّبَــا عَسِــرَانِ قال أبو عبيد البكري: "أمل عليها": دأب ولازم ، وقال أبو عبيدة: أي رجع عليها حتى أبلاها ، أي: طال عليها.

وعندي أن أصله من"الملل" ، يقول: حتى بلغ أقصى الملل والسآمة.

(28) انظر معاني القرآن للفراء 1: 248 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 108 ، 109.

(29) انظر تفسير"مهين" فيما سلف 2: 347 ، 348.

(30) الحديث: 8267 - عبد الرحمن: هو ابن مهدي.

وسفيان: هو الثوري.

خيثمة: هو ابن عبد الرحمن بن أبي سبرة الجعفي.

وهو تابعي ثقة ، أخرج له الجماعة كلهم.

الأسود: هو ابن يزيد النخعي.

وهذا الحديث ، وإن كان موقوفًا لفظًا ، فإنه - عندنا - مرفوع حكمًا ، لأنه مما لا يدرك بالرأي.

وسيأتي مرة أخرى: 8374 ، من طريق عبد الرزاق ، عن الثوري ، بهذا الإسناد.

ورواه الحاكم في المستدرك 2: 298 ، من رواية جرير ، عن الأعمش ، به.

وقال: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه".

ووافقه الذهبي.

وذكره ابن كثير 2: 328 ، من رواية ابن أبي حاتم ، من طريق أبي معاوية ، عن الأعمش ، به ، نحوه.

ثم قال: "وكذا رواه عبد الرزاق ، عن الثوري ، عن الأعمش ، به".

وذكره السيوطي 2: 104 ، وزاد نسبته لابن أبي شيبة ، وعبد بن حميد ، وأبي بكر المروزى في الجنائز ، وابن المنذر ، والطبراني.

وسيأتي نحو معناه ، من حديث أبي الدرداء: 8375.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهينقوله تعالى : ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم الإملاء طول العمر ورغد العيش .

والمعنى : لا يحسبن هؤلاء الذين يخوفون المسلمين ; فإن الله قادر على إهلاكهم ، وإنما يطول أعمارهم ليعملوا بالمعاصي ، لا لأنه خير لهم .

ويقال : أنما نملي لهم [ ص: 269 ] بما أصابوا من الظفر يوم أحد لم يكن ذلك خيرا لأنفسهم ; وإنما كان ذلك ليزدادوا عقوبة .

وروي عن ابن مسعود أنه قال : ما من أحد بر ولا فاجر إلا والموت خير له ; لأنه إن كان برا فقد قال الله تعالى : وما عند الله خير للأبرار وإن كان فاجرا فقد قال الله : إنما نملي لهم ليزدادوا إثما وقرأ ابن عامر وعاصم " لا يحسبن " بالياء ونصب السين .

وقرأ حمزة : بالتاء ونصب السين .

والباقون : بالياء وكسر السين .

فمن قرأ بالياء فالذين فاعلون .

أي فلا يحسبن الكفار .

و ( أنما نملي لهم خير لأنفسهم ) تسد مسد المفعولين .

و " ما " بمعنى الذي ، والعائد محذوف ، و ( خير ) خبر " أن " .

ويجوز أن تقدر " ما " والفعل مصدرا ; والتقدير ولا يحسبن الذين كفروا أن إملاءنا لهم خير لأنفسهم .

ومن قرأ بالتاء فالفعل هو المخاطب ، وهو محمد - صلى الله عليه وسلم - .

و ( الذين ) نصب على المفعول الأول لتحسب .

وأن وما بعدها بدل من الذين ، وهي تسد مسد المفعولين ، كما تسد لو لم تكن بدلا .

ولا يصلح أن تكون " أن " وما بعدها مفعولا ثانيا لتحسب ; لأن المفعول الثاني في هذا الباب هو الأول في المعنى ; لأن حسب وأخواتها داخلة على المبتدأ والخبر ; فيكون التقدير ; ولا تحسبن أنما نملي لهم خير .

هذا قول الزجاج .

وقال أبو علي : لو صح هذا لقال " خيرا " بالنصب ; لأن " أن " تصير بدلا من الذين كفروا ; فكأنه قال : لا تحسبن إملاء الذين كفروا خيرا ; فقوله " خيرا " هو المفعول الثاني لحسب .

فإذا لا يجوز أن يقرأ " لا تحسبن " بالتاء إلا أن تكسر " إن " في " أنما " وتنصب خيرا ، ولم يرو ذلك عن حمزة ، والقراءة عن حمزة بالتاء ; فلا تصح هذه القراءة إذا .

وقال الفراء والكسائي : قراءة حمزة جائزة على التكرير ; تقديره ولا تحسبن الذي كفروا ، ولا تحسبن أنما نملي لهم خيرا ، فسدت " أن " مسد المفعولين لتحسب الثاني ، وهي وما عملت مفعول ثان لتحسب الأول .

قال القشيري : وهذا قريب مما ذكره الزجاج في دعوى البدل ، والقراءة صحيحة .

فإذا غرض أبي علي تغليط الزجاج .

قال النحاس : وزعم أبو حاتم أن قراءة حمزة بالتاء هنا ، وقوله : ولا يحسبن الذين يبخلون لحن لا يجوز .

وتبعه على ذلك جماعة .

قلت : وهذا ليس بشيء ; لما تقدم بيانه من الإعراب ، ولصحة القراءة وثبوتها نقلا .

وقرأ يحيى بن وثاب " إنما نملي لهم " بكسر إن فيهما جميعا .

قال أبو جعفر : وقراءة يحيى حسنة .

كما تقول : حسبت عمرا أبوه خالد .

قال أبو حاتم وسمعت الأخفش يذكر كسر " إن " يحتج به لأهل القدر ; لأنه كان منهم .

ويجعل على التقديم والتأخير [ ص: 270 ] ولا يحسبن الذين كفروا إنما نملي لهم ليزدادوا إثما إنما نملي لهم خير لأنفسهم .

قال : ورأيت في مصحف في المسجد الجامع قد زادوا فيه حرفا فصار " إنما نملي لهم إيمانا " فنظر إليه يعقوب القارئ فتبين اللحن فحكه .

والآية نص في بطلان مذهب القدرية ; لأنه أخبر أنه يطيل أعمارهم ليزدادوا الكفر بعمل المعاصي ، وتوالي أمثاله على القلب .

كما تقدم بيانه في ضده وهو الإيمان .

وعن ابن عباس قال : ما من بر ولا فاجر إلا والموت خير له ثم تلا إنما نملي لهم ليزدادوا لهم إثما وتلا وما عند الله خير للأبرار أخرجه رزين .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: ولا يظن الذين كفروا بربهم ونابذوا دينه، وحاربوا رسوله أن تركنا إياهم في هذه الدنيا، وعدم استئصالنا لهم، وإملاءنا لهم خير لأنفسهم، ومحبة منا لهم.

كلا، ليس الأمر كما زعموا، وإنما ذلك لشر يريده الله بهم، وزيادة عذاب وعقوبة إلى عذابهم، ولهذا قال: { إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين } فالله تعالى يملي للظالم، حتى يزداد طغيانه، ويترادف كفرانه، حتى إذا أخذه أخذه أخذ عزيز مقتدر، فليحذر الظالمون من الإمهال، ولا يظنوا أن يفوتوا الكبير المتعال.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ولا يحسبن الذين كفروا ) قرأ حمزة هذا والذي بعده بالتاء فيهما ، وقرأ الآخرون بالياء فمن قرأ بالياء " فالذين " في محل الرفع على الفاعل وتقديره ولا يحسبن الكفار إملاءنا لهم خيرا ، ومن قرأ بالتاء يعني : ولا تحسبن يا محمد الذين كفروا ، وإنما نصب على البدل من الذين ، ( أنما نملي لهم خير لأنفسهم ) والإملاء الإمهال والتأخير ، يقال : عشت طويلا حميدا وتمليت حينا ومنه قوله تعالى : " واهجرني مليا " ( مريم - 46 ) أي : حينا طويلا ثم ابتدأ فقال : ( إنما نملي لهم ) نمهلهم ( ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين ) قال مقاتل : نزلت في مشركي مكة وقال عطاء : في قريظة والنضير .

أخبرنا عبد الرحمن بن عبد الله القفال ، أنا أبو منصور أحمد بن الفضل البرونجردي ، أنا أبو أحمد بكر بن محمد بن حمدان الصيرفي ، أنا محمد بن يونس أنا أبو داود الطيالسي ، أنا شعبة عن علي بن زيد ، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة ، عن أبيه قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الناس خير؟

قال : " من طال عمره وحسن عمله " قيل : فأي الناس شر؟

قال : " من طال عمره وساء عمله " .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ولا يحسبنَّ» بالياء والتاء «الذين كفروا أنما نملي» أي إملاءنا «لهم» بتطويل الأعمار وتأخيرهم «خير لأنفسهم» وأن ومعمولاها سدت مسد المفعولين في قراءة التحتانية ومسد الثاني في الأخرى «إنما نملي» نمهل «لهم ليزدادوا إثما» بكثرة المعاصي «ولهم عذاب مهين» ذو إهانة في الآخرة.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ولا يظننَّ الجاحدون أننا إذا أَطَلْنا أعمارهم، ومتعناهم بمُتع الدنيا، ولم تؤاخذهم بكفرهم وذنوبهم، أنهم قد نالوا بذلك خيرًا لأنفسهم، إنما نؤخر عذابهم وآجالهم؛ ليزدادوا ظلمًا وطغيانًا، ولهم عذاب يهينهم ويذلُّهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - أن ما يتمتع به الأشرار فى الدنيا من متع إنما هو استدراج لهم ، فقال - تعالى - : { وَلاَ يَحْسَبَنَّ الذين كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ } .وقوله { نُمْلِي لَهُمْ } من الإملاء وهو الإمهال والتخلية بين العامل والعمل ليبلغ مداه .يقال : أملى فلان لفرسه إذا أرخى له الطول ليرعى كيف شاء .ويطلق الإملاء على طول المدة ورغد العيش .والمعنى : { وَلاَ يَحْسَبَنَّ الذين كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ } ، بتطويل أعمارهم ، وبإعطائهم الكثير من وسائل العيش الرغيد هو ، { خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ } كلا .

بل هو سبب للمزيد من عذابهم ، لأننا { إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ ليزدادوا إِثْمَاً } بكثرة ارتكابهم للمعاصى { وَلَهْمُ } فى الآخرة { عَذَابٌ مُّهِينٌ } أى عذاب ينالهم بسببه الذل الذى ليس بعده ذل والهوان الذى يتصاغر معه كل هوان .وقوله { وَلاَ يَحْسَبَنَّ } إلخ .

.

عطف على قوله - تعالى - { وَلاَ يَحْزُنكَ } ويكون للنهى عن الظن متجها للذين كفروا ليعلموا سوء عاقبتهم .ويكون مفعولا يحسب قد سد مسدهما أن المصدرية وما بعدها و " ما " فى قوله " أنما نملى لهم " يجوز أن تكون مصدرية ، وأن تكون موصولة حذف عائدها .وقد كتبت متصلة بأن مع أن من حقها أن تكتب منفصلة عنها اتباعا للمصحف الإمام أى لا يحسبن الكافرين أن إملاءنا لهم أو أن الذى نمليه لهم من تأخير حياتهم وانتصارهم فى الحروب فى بعض الأحيان ، هو خير لهم .وقرأ حمزة " ولا تحسبن الذين كفروا " .

فيكون الخطاب بالنهى متجها إلى النبى صلى الله عليه وسلم ويكون المفعول الأول لحسب هو { الذين كَفَرُواْ } وقوله : { أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ } بدل من الذين كفروا ساداً مسد المفعول الثانى ، أو يكون هو المفعول الثانى .والمعنى : لا تحسبن يا محمد ولا يحسبن أحد من أمتك أن إملاءنا للذين كفروا هو خير لأنفسهم ، بل هو شر لهم ، لأننا ما أعطيناهم الكثير من وسائل العيش الرغيد إلا على سبيل الاستدراج ، وسنعاقبهم على ما ارتكبوه من آثام عقابا عسيرا .وقوله { إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ ليزدادوا إِثْمَاً } استئناف واقع موقع التعليل للنهى عن حسبان الإملاء خيراً للكافرين .أى إنما نزيدهم من وسائل العيش الرغيد ليزدادوا آثاما بكثرة ارتكابهم للسيئات .

فتكون نتيجة ذلك أن نزيدهم من العذاب المهين الذى لا يستطيعون دفعه أو التهرب منه .و " إنما " فى قوله { أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ } أداة حصر مركبة من " إن " التى هى حرف توكيد ومن " ما " الزائدة الكافة .واللام فى قوله { ليزدادوا إِثْمَاً } هى التى تسمى بلام العاقبة كما فى قوله - تعالى - { فالتقطه آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً } أى : إنما نملى لهم فيزدادون إثما ، فلما كان ازدياد الإثم ناشئا عن الإملاء كان كالعلة له ، وكانت نتيجة هذا الإملاء أن وقعوا فى العذاب المهين .وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - { وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ الله أَن يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدنيا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ } وقوله - تعالى - { فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بهذا الحديث سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ } ثم بين - سبحانه - بعض الحكم التى اشتملت عليها غزوة أحد فقال - تعالى -

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى حكى عن الذين ذهبوا إلى المدينة لتثبيط أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنهم إنما ثبطوهم لأنهم خوفوهم بأن يقتلوا كما قتل المسلمون يوم أحد، والله تعالى بين أن أقوال هؤلاء الشياطين لا يقبلها المؤمن ولا يلتفت اليها، وإنما الواجب على المؤمن أن يعتمد على فضل الله، ثم بين في هذه الآية أن بقاء هؤلاء المتخلفين ليس خيرا من قتل أولئك الذين قتلوا بأحد، لأن هذا البقاء صار وسيلة الى الخزي في الدنيا والعقاب الدائم في القيامة، وقتل أولئك الذين قتلوا يوم أحد صار وسيلة إلى الثناء الجميل في الدنيا والثواب الجزيل في الآخرة، فترغيب أولئك المثبطين في مثل هذه الحياة وتنفيرهم عن مثل ذلك القتل لا يقبله إلا جاهل.

فهذا بيان وجه النظم، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن كثير وأبو عمرو ﴿ وَلاَ يَحْسَبَنَّ الذين كَفَرُواْ ﴾ ﴿ وَلاَ يَحْسَبَنَّ الذين يَبْخَلُونَ  ﴾ ﴿ لاَ تَحْسَبَنَّ الذين يَفْرَحُونَ ﴾ ﴿ فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ  ﴾ في الأربعة بالتاء وضم الباء في قوله: ﴿ تَحْسَبَنَّهُمْ ﴾ وقرأ نافع وابن عامر بالياء إلا قوله: ﴿ فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ ﴾ فانه بالتاء، وقرأ حمزة كلها بالتاء، واختلاف القراء في فتح السين وكسرها قدمناه في سورة البقرة، أما الذين قرأوا بالياء المنقطة من تحت: فقوله: ﴿ يَحْسَبَنَّ ﴾ فعل، وقوله: ﴿ الذين كَفَرُواْ ﴾ فاعل يقتضي مفعولين أو مفعولا يسد مسد مفعولين نحو حسبت، وقوله: حسبت أن زيدا منطلق، وحسبت أن يقوم عمرو، فقوله في الآية: ﴿ أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرٌ لأَنفُسِهِمْ ﴾ يسد مسد المفعولين، ونظيره قوله تعالى: ﴿ أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ  ﴾ وأما قراءة حمزة بالتاء المنقطة من فوق فأحسن ما قيل فيه ما ذكره الزجاج، وهو أن ﴿ الذين كَفَرُواْ ﴾ نصب بأنه المفعول الاول، و ﴿ أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ ﴾ بدل عنه.

و ﴿ خَيْرٌ لاِنفُسِهِمْ ﴾ هو المفعول الثاني والتقدير: ولا تحسبن يا محمد إملاء الذين كفروا خيرا لهم.

ومثله مما جعل أن مع الفعل بدلا من المفعول قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ يَعِدُكُمُ الله إِحْدَى الطائفتين أَنَّهَا لَكُمْ  ﴾ فقوله: ﴿ أَنَّهَا لَكُمْ ﴾ بدل من إحدى الطائفتين.

المسألة الثانية: ما في قوله: ﴿ أَنَّمَا ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون بمعنى الذي فيكون التقدير: لا تحسبن الذين كفروا أن الذين نمليه خير لأنفسهم، وحذف الهاء من نملي لأنه يجوز حذف الهاء من صلة الذي كقولك: الذي رأيت زيد، والآخر: أن يقال: ما مع ما بعدها في تقدير المصدر، والتقدير: لا تحسبن الذين كفروا أن إملائي لهم خير.

المسألة الثالثة: قال صاحب الكشاف: ما مصدرية وإذا كان كذلك فكان حقها في قياس علم الخط أن تكتب مفصولة ولكنها وقعت في مصحف عثمان متصلة، واتباع خط المصاحف لذلك المصحف واجب، وأما في قوله: ﴿ أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ ﴾ فهاهنا يجب أن تكون متصلة لانها كافة بخلاف الأولى.

المسألة الرابعة: معنى نملي نطيل ونؤخر، والاملاء الامهال والتأخير، قال الواحدي رحمه الله: واشتقاقه من الملوة وهي المدة من الزمان، يقال: ملوت من الدهر ملوة وملوة وملاوة وملاوة بمعنى واحد، قال الاصمعي: يقال: أملى عليه الزمان أي طال، وأملى له أي طول له وأمهله، قال أبو عبيدة: ومنه الملا للأرض الواسعة الطويلة والملوان الليل والنهار.

المسألة الخامسة: احتج أصحابنا بهذه الآية في مسألة القضاء والقدر من وجوه: الأول: أن هذا الاملاء عبارة عن اطالة المدة، وهي لا شك أنها من فعل الله تعالى، والآية نص في بيان أن هذا الاملاء ليس بخير، وهذا يدل على أنه سبحانه فاعل الخير والشر.

الثاني: أنه تعالى نص على أن المقصود من هذا الاملاء هو أن يزدادوا الاثم والبغي والعدوان، وذلك يدل على أن الكفر والمعاصي بارادة الله، ثم إنه تعالى أكد ذلك بقوله: ﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ ﴾ أي إنما نملي لهم ليزدادوا إثما وليكون لهم عذاب مهين.

الثالث: أنه تعالى أخبر عنهم أنهم لا خير لهم في هذا الاملاء، أنهم لا يحصلون إلا على ازدياد البغي والطغيان، والاتيان بخلاف مخبر الله تعالى مع بقاء ذلك الخير جمع بين النقيضين وهو محال، وإذا لم يكونوا قادرين مع ذلك الاملاء على الخير والطاعة مع أنهم مكلفون بذلك لزم في نفسه بطلان مذهب القوم.

قالت المعتزلة: أما الوجه الأول: فليس المراد من هذه الآية أن هذا الاملاء ليس بخير، إنما المراد أن هذا الاملاء ليس خيرا لهم من أن يموتوا كما مات الشهداء يوم أحد، لأن كل هذه الآيات في شأن أحد وفي تثبيط المنافقين المؤمنين عن الجهاد على ما تقدم شرحه في الآيات المتقدمة، فبين تعالى أن إبقاء الكافرين في الدنيا وإملاءه لهم ليس بخير لهم من أن يموتوا كموت الشهداء، ولا يلزم من نفي كون هذا الاملاء أكثر خيرية من ذلك القتل، أن لا يكون هذا الاملاء في نفسه خيرا.

وأما الوجه الثاني: فقد قالوا: ليس المراد من الآية أن الغرض من الاملاء إقدامهم على الكفر والفسق بدليل قوله تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ  ﴾ وقوله: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ الله  ﴾ بل الآية تحتمل وجوها من التأويل: أحدها: أن تحمل هذه اللام على لام العاقبة كقوله تعالى: ﴿ فالتقطه ءَالُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً  ﴾ وقوله: ﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ  ﴾ وقوله: ﴿ وَجَعَلُواْ للَّهِ أَندَادًا لّيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِهِ  ﴾ وهم ما فعلوا ذلك لطلب الاضلال، بل لطلب الاهتداء، ويقال: ما كانت موعظتي لك إلا لزيادة في تماديك في الفسق اذا كانت عاقبة الموعظة ذلك.

وثانيها: أن يكون الكلام على التقديم والتأخير، والتقدير: ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم ليزدادوا إثما إنما نملي لهم خير لأنفسهم.

وثالثها: أنه تعالى لما أمهلهم مع علمه بأنهم لا يزدادون عند هذا الامهال إلا تماديا في الغي والطغيان، أشبه هذا حال من فعل الاملاء لهذا الغرض والمشابهة أحد أسباب حسن المجاز.

ورابعها: وهو السؤال الذي ذكرته للقوم وهو أن اللام في قوله: ﴿ لِيَزْدَادُواْ إِثْمَاً ﴾ غير محمول على الغرض باجماع الأمة، أما على قول أهل السنة فلأنهم يحيلون تعليل أفعال الله بالأغراض، وأما على قولنا فلأنا لا نقول بأن فعل الله معلل بغرض التعب والايلام، بل عندنا أنه تعالى لم يفعل فعلا إلا لغرض الاحسان، واذا كان كذلك فقد حصل الاجماع على أن هذه اللام غير محمولة على التعليل والغرض، وعند هذا يسقط ما ذكرتم من الاستدلال، ثم بعد هذا: قول القائل: ما المراد من هذه اللام غير ملتفت اليه، لأن المستدل إنما بنى استدلاله على أن هذه اللام للتعليل، فاذا بطل ذلك سقط استدلاله.

وأما الوجه الثالث: وهو الاخبار والعلم فهو معارض بأن هذا لو منع العبد من الفعل لمنع الله منه، ويلزم أن يكون الله موجباً لا مختارا، وهو بالاجماع باطل.

والجواب عن الأول: أن قوله: ﴿ وَلاَ يَحْسَبَنَّ الذين كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرٌ ﴾ معناه نفي الخيرية في نفس الأمر، وليس معناه أنه ليس خيرا من شيء آخر، لأن بناء المبالغة لا يجوز ذكره إلا عند ذكر الراجح والمرجوح، فلما لم يذكر الله هاهنا إلا أحد الأمرين عرفنا أنه لنفي الخيرية لا لنفي كونه خيرا من شيء آخر.

وأما السؤال الثاني: وهو تمسكهم بقوله: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ  ﴾ وبقوله تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إلاَّ لِيُطَاعَ  ﴾ .

فجوابه: أن الآية التي تمسكنا بها خاص، والآية التي ذكرتموها عام، والخاص مقدم على العام.

وأما السؤال الثالث: وهو حمل اللام على لام العاقبة فهو عدول عن الظاهر، وأيضاً فان البرهان العقلي يبطله؛ لأنه تعالى لما علم أنهم لابد وأن يصيروا موصوفين بازدياد الغي والطغيان، كان ذلك واجب الحصول لأن حصول معلوم الله واجب، وعدم حصوله محال، وإرادة المحال محال، فيمتنع أن يريد منهم الايمان، ويجب أن يريد منهم ازدياد الغي والطغيان، وحينئذ ثبت أن المقصود هو التعليل وأنه لا يجوز المصير إلى لام العاقبة.

وأما السؤال الرابع: وهو التقديم والتأخير.

فالجواب عنه من ثلاثة أوجه: أحدها: أن التقديم والتأخير ترك للظاهر.

وثانيها: قال الواحدي رحمه الله: هذا إنما يحسن لو جازت قراءة ﴿ أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرٌ لاِنفُسِهِمْ ﴾ بكسر إنما وقراءة ﴿ إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمَاً ﴾ بالفتح.

ولم توجد هذه القراءة ألبتة.

وثالثها: أنا بينا بالبرهان القاطع العقلي أنه يجب أن يكون مراد الله من هذا الاملاء حصول الطغيان لا حصول الايمان، فالقول بالتقديم والتأخير ترك للظاهر والتزام لما هو على خلاف البرهان القاطع.

وأما السؤال الخامس: وهو قوله: هذه اللام لا يمكن حملها على التعليل.

فجوابه أن عندنا يمتنع تعليل أفعال الله لغرض يصدر من العباد، فأما أن يفعل تعالى فعلا ليحصل منه شيء آخر فهذا غير ممتنع، وأيضاً قوله: ﴿ إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمَاً ﴾ تنصيص على أنه ليس المقصود من هذا الاملاء إيصال الخير لهم والاحسان اليهم، والقوم لا يقولون بذلك، فتصير الآية حجة عليهم من هذا الوجه.

وأما السؤال السادس: وهو المعارضة بفعل الله تعالى.

فالجواب: أن تأثير قدرة الله في إيجاد المحدثات متقدم على تعلق علمه بعدمه، فلم يمكن أن يكون العلم مانعاً عن القدرة.

أما في حق العبد فتأثير قدرته في إيجاد الفعل متأخر عن تعلق علم الله بعدمه، فصلح أن يكون هذا العلم مانعاً للعبد عن الفعل، فهذا تمام المناظرة في هذه الآية.

المسألة السادسة: اتفق أصحابنا أنه ليس لله تعالى في حق الكافر شيء من النعم الدينية، وهل له في حقه شيء من النعم الدنيوية، اختلف فيه قول أصحابنا، فالذين قالوا ليس له في حقه شيء من النعم الدنيوية تمسكوا بهذه الآية، وقالوا هذه الآية دالة على أن إطالة العمر وإيصاله الى مراداته في الدنيا ليس شيء منها نعمة، لأنه تعالى نص على أن شيئاً من ذلك ليس بخير، والعقل أيضا يقرره وذلك لأن من أطعم إنسانا خبيصا مسموما فانه لا يعد ذلك الا طعام إنعاما، فاذا كان المقصود من إعطاء نعم الدنيا عقاب الآخرة لم يكن شيء منها نعمة حقيقة، وأما الآيات الواردة في تكثير النعم في حق الكفار فهي محمولة على ما يكون نعما في الظاهر، وانه لا طريق إلى التوفيق بين هذه الآية وبين تلك الآيات الا أن نقول: تلك النعم نعم في الظاهر ولكنها نقم وآفات في الحقيقة، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ يسارعون فِي الكفر ﴾ يقعون فيه سريعاً ويرغبون فيه أشدّ رغبة، وهم الذين نافقوا من المتخلفين.

وقيل: هم قوم ارتدّوا عن الإسلام.

فإن قلت: فما معنى قوله: ﴿ وَلاَ يَحْزُنكَ ﴾ ؟

ومن حق الرسول أن يحزن لنفاق من نافق وارتداد من ارتدّ؟

قلت: معناه لا يحزنوك لخوف أن يضرّوك ويعينوا عليك.

ألا ترى إلى قوله ﴿ إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ الله شَيْئاً ﴾ يعني أنهم لا يضرون بمسارعتهم في الكفر غير أنفسهم، وما وبال ذلك عائداً على غيرهم.

ثم بين كيف يعود وباله عليهم بقوله: ﴿ يُرِيدُ الله أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظّاً فِي الاخرة ﴾ أي نصيباً من الثواب ﴿ وَلَهُمْ ﴾ بدل الثواب ﴿ عَذَابٌ عظِيمٌ ﴾ وذلك أبلغ ما ضرّ به الإنسان نفسه.

فإن قلت: هلا قيل: لا يجعل الله لهم حظاً في الآخرة، وأيّ فائدة في ذكر الإرادة؟

قلت: فائدته الإشعار بأنّ الداعي إلى حرمانهم وتعذيبهم قد خلص خلوصاً لم يبق معه صارف قط حين سارعوا في الكفر، تنبيهاً على تماديهم في الطغيان وبلوغهم الغاية فيه، حتى أنّ أرحم الراحمين يريد أن لا يرحمهم ﴿ إِنَّ الذين اشتروا الكفر بالإيمان ﴾ إمّا أن يكون تكريراً لذكرهم للتأكيد والتسجيل عليهم بما أضاف إليهم.

وإمّا أن يكون عاماً للكفار، والأوّل خاصاً فيمن نافق من المتخلفين، أو ارتدّ عن الإسلام أو على العكس.

و ﴿ شَيْئاً ﴾ نصب على المصدر؛ لأن المعنى: شيئاً من الضرر وبعض الضرر ﴿ الذين كَفَرُواْ ﴾ فيمن قرأ بالتاء نصب و ﴿ أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرٌ لاِنفُسِهِمْ ﴾ بدل منه: أي ولا تحسبنّ أنّ ما نملي للكافرين خير لهم، و (إن) مع ما في حيزه ينوب عن المفعولين، كقوله: ﴿ أم تحسب أنّ أكثرهم يسمعون ﴾ [الفرقان: 44] وما مصدرية، بمعنى: ولا تحسبنّ أنّ إملاءنا خير، وكان حقها في قياس علم الخط أن تكتب مفصولة.

ولكنها وقعت في الإمام متصلة فلا يخالف، وتتبع سنة الإمام في خط المصاحف.

فإن قلت: كيف صحّ مجيء البدل ولم يذكر إلا أحد المفعولين، ولا يجوز الاقتصار بفعل الحسبان على مفعول واحد؟

قلت: صحّ ذلك من حيث إنّ التعويل على البدل والمبدل منه في حكم المنحى، ألا تراك تقول: جعلت متاعك بعضه فوق بعض، مع امتناع سكوتك على متاعك.

ويجوز أن يقدّر مضاف محذوف على: ولا تحسبنّ الذين كفروا أصحاب أن الإملاء خير لأنفسهم.

أو ولا تحسبنّ حال الذين كفروا أن الإملاء خير لأنفسهم.

وهو فيمن قرأ بالياء رفع، والفعل متعلق بأن وما في حيزه.

والإملاء لهم: تخليتهم وشأنهم، مستعار من أملى لفرسه إذا أرخى له الطول ليرعى كيف شاء.

وقيل: هو إمهالهم وإطالة عمرهم.

والمعنى: ولا تحسبنّ أن الإملاء خير لهم من منعهم أو قطع آجالهم ﴿ إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ ﴾ (ما) هذه حقها أن تكتب متصلة، لأنها كافة دون الأولى، وهذه جملة مستأنفة تعليل للجملة قبلها، كأنه قيل: ما بالهم لا يحسبون الإملاء خيراً لهم، فقيل: إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً.

فإن قلت: كيف جاز أن يكون ازدياد الإثم غرضاً لله تعالى في إملائه لهم؟

قلت: هو علة للإملاء، وما كل علة بغرض.

ألا تراك تقول: قعدت عن الغزو للعجز والفاقة، وخرجت من البلد لمخافة الشر، وليس شيء منها بغرض لك.

وإنما هي علل وأسباب، فكذلك ازدياد الإثم جعل علة للإمهال وسبباً فيه.

فإن قلت: كيف يكون ازدياد الإثم علة للإملاء كما كان العجز علة للقعود عن الحرب؟

قلت: لما كان في علم الله المحيط بكل شيء أنهم مزدادون إثماً، فكأن الإملاء وقع من أجله وبسببه على طريق المجاز.

وقرأ يحيى بن وثاب بكسر الأولى وفتح الثانية.

ولا يحسبنّ بالياء، على معنى: ولا يحسبنّ الذين كفروا أن إملاءنا لازدياد الإثم كما يفعلون، وإنما هو ليتوبوا ويدخلوا في الإيمان.

وقوله: ﴿ أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرٌ لاِنفُسِهِمْ ﴾ اعتراض بين الفعل ومعموله.

ومعناه: أن إملاءنا خير لأنفسهم إن عملوا فيه وعرفوا إنعام الله عليهم بتفسيح المدّة وترك المعاجلة بالعقوبة.

فإن قلت: فما معنى قوله: ﴿ وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ ﴾ على هذه القراءة؟

قلت: معناه: ولا تحسبوا إن إملاءنا لزيادة الإثم وللتعذيب، والواو للحال، كأنه قيل: ليزداودا إثماً معداً لهم عذاب مهين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّما نُمْلِي لَهم خَيْرٌ لأنْفُسِهِمْ ﴾ خِطابٌ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ، أوْ لِكُلِّ مَن يَحْسَبُ.

والَّذِينَ مَفْعُولٌ وأنَّما نُمْلِي لَهم بَدَلٌ مِنهُ، وإنَّما اقْتَصَرَ عَلى مَفْعُولٍ واحِدٍ لِأنَّ التَّعْوِيلَ عَلى البَدَلِ وهو يَنُوبُ عَنِ المَفْعُولَيْنِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أمْ تَحْسَبُ أنَّ أكْثَرَهم يَسْمَعُونَ ﴾ أوِ المَفْعُولُ الثّانِي عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ مِثْلَ: " ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا " أصْحابَ أنَّ الإمْلاءَ خَيْرٌ لِأنْفُسِهِمْ، أوْ ولا تَحْسَبَنَّ حالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّ الإمْلاءَ خَيْرٌ لِأنْفُسِهِمْ، وما مَصْدَرِيَّةٌ وكانَ حَقُّها أنْ تُفْصَلَ في الخَطِّ ولَكِنَّها وقَعَتْ مُتَّصِلَةً في الإمامِ فاتَّبِعْ.

وَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ بِالياءِ عَلى إنَّ الَّذِينَ فاعِلٌ وإنَّ مَعَ ما في حَيِّزِهِ مَفْعُولٌ وفَتَحَ سِينَهُ في جَمِيعِ القُرْآنِ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ وعاصِمٌ.

والإمْلاءُ الإمْهالُ وإطالَةُ العُمُرِ.

وقِيلَ تَخْلِيَتُهم وشَأْنَهُمْ، مِن أمْلى لِفَرَسِهِ إذا أرْخى لَهُ الطُّولَ لِيَرْعى كَيْفَ شاءَ.

﴿ إنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا ﴾ اسْتِئْنافٌ بِما هو العِلَّةُ لِلْحُكْمِ قَبْلَها، وما كافَّةٌ واللّامُ لامُ الإرادَةِ.

وعِنْدَ المُعْتَزِلَةِ لامُ العاقِبَةِ.

وقُرِئَ «أنَّما» بِالفَتْحِ هُنا وبِكَسْرِ الأُولى ولا يَحْسَبَنَّ بِالياءِ عَلى مَعْنى ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّ إمْلاءَنا لَهم لِازْدِيادِ الإثْمِ بَلْ لِلتَّوْبَةِ والدُّخُولِ في الإيمانِ، وأنَّما نُمْلِي لَهم خَيْرٌ اعْتِراضٌ.

مَعْناهُ أنَّ إمْلاءَنا خَيْرٌ لَهم إنِ انْتَبَهُوا وتَدارَكُوا فِيهِ ما فَرَطَ مِنهم.

﴿ وَلَهم عَذابٌ مُهِينٌ ﴾ عَلى هَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الواوِ أيْ لِيَزْدادُوا إثْمًا مُعَدًّا لَهم عَذابٌ مُهِينٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَلاَ يَحْسَبَنَّ} وثلاثة بعدها مع ضم الباء فى يحسبنهم بالياء مكى وأبو عمر وكلها بالتاء حمزة وكلها بالياء مدني وشامي إلا فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ فإنها بالتاء الباقون الأوليان بالياء والأخريان بالتاء {الذين كَفَرُواْ} فيمن قرأ بالياء رفع أى ولا يحسبن الكافرون وإن مع اسمه وخبره في قوله {أَنَّمَا نُمْلِى لهم خير لأنفسهم} فى موضع المفعولين ليحسبن والتقدير ولا يحسبن الذين كفروا إملاءنا خيراً لأنفسهم وما مصدرية وكان حقها في قياس علم الخط أن تكتب مفصولة ولكنها وقعت في الإمام متصلة فلا يخالف وفيمن قرأ بالتاء نصب أي ولا تحسبن الكافرين وأنما نملي لهم خير لأنفسهم بدل من الكافرين أي ولا تحسبن أن ما نملي للكافرين خير لهم وان مع ما في حيزه ينوب عن المفعولين والإملاء لهم امهالهم وإطالة عمرهم {إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمَاً} ما هذه حقها أن تكتب متصلة لأنها كافة دون الأولى وهذه جملة مستأنفة تعليل للجملة قبلها كأنه قبل ما بالهم لا يحسبون الإملاء خيراً لهم فقيل إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً والآية حجة لنا على المعتزلة في مسألتي الأصلح وارادة المعاصى {ولهم عذاب مهين}

آل عمران (١٧٩ _ ١٨٠)

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّما نُمْلِي لَهم خَيْرٌ لأنْفُسِهِمْ ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولا يَحْزُنْكَ ﴾ والفِعْلُ مُسْنَدٌ إلى المَوْصُولِ، ”وأنَّ“ وما عَمِلَتْ فِيهِ سادٌّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْهِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ؛ لِحُصُولِ المَقْصُودِ، وهو تَعَلُّقُ أفْعالِ القُلُوبِ بِنِسْبَةٍ بَيْنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ، وعِنْدَ الأخْفَشِ المَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ، ”وما“ إمّا مَصْدَرِيَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ وكانَ حَقُّها في الوَجْهَيْنِ أنْ تُكْتَبَ مَفْصُولَةً، لَكِنَّها كُتِبَتْ في ”الإمامِ“ مَوْصُولَةً، واتِّباعُ ”الإمامِ“ لازِمٌ، ولَعَلَّ وجْهَهُ مُشاكَلَةُ ما بَعْدَهُ، والحَمْلُ عَلى الأكْثَرِ فِيها، ”وخَيْرٌ“ خَبَرٌ، وقُرِئَ: (خَيْرًا) بِالنَّصْبِ عَلى أنْ يَكُونَ لِأنْفُسِهِمْ هو الخَبَرُ، ”ولَهُمْ“ تَبْيِينٌ أوْ حالٌ مِن خَيْرٍ، والإمْلاءُ في الأصْلِ إطالَةُ المُدَّةِ، والمَلَأُ: الحِينُ الطَّوِيلُ، ومِنهُ المَلَوانُ لِلَّيْلِ والنَّهارِ لِطُولِ تَعاقُبِهِما، وأمّا إمْلاءُ الكِتابِ فَسُمِّيَ بِذَلِكَ لِطُولِ المُدَّةِ بِالوُقُوفِ عِنْدَ كُلِّ كَلِمَةٍ.

وقِيلَ: الإمْلاءُ التَّخْلِيَةُ، والشَّأْنُ يُقالُ: أمْلى لِفَرَسِهِ إذا أرْخى لَهُ الطُّولَ لِيَرْعى كَيْفَ شاءَ.

وحاصِلُ التَّرْكِيبِ: لا يَحْسَبَنَّ الكافِرُونَ أنَّ إمْلاءَنا لَهم، أوْ أنَّ الَّذِي نُمْلِيهِ خَيْرٌ لِأنْفُسِهِمْ، أوْ لا يَحْسَبَنَّ الكافِرُونَ خَيْرِيَّةَ إمْلائِنا لَهم، أوْ خَيْرِيَّةَ الَّذِي نُمْلِيهِ لَهم ثابِتَةٌ أوْ واقِعَةٌ، ومَآلُ ذَلِكَ نَهْيُهم عَنِ السُّرُورِ بِظاهِرِ إطالَةِ اللَّهِ تَعالى أعْمارَهم وإمْهالَهم عَلى ما هم فِيهِ، أوْ بِتَخْلِيَتِهِمْ وشَأْنِهِمْ بِناءً عَلى حُسْبانِ خَيْرِيَّتِهِ لَهم، وتَحْسِيرِهِمْ بِبَيانِ أنَّهُ سِرٌّ بَحْتٌ، وضَرَرٌ مَحْضٌ، وقَرَأ حَمْزَةُ: (ولا تَحْسَبَنَّ) بِالتّاءِ والخِطابُ: إمّا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وهو الأنْسَبُ بِمَقامِ التَّسْلِيَةِ، إلّا أنَّ المَقْصُودَ التَّعْرِيضُ بِهِمْ؛ إذْ حَسِبُوا ما ذُكِرَ.

وإمّا لِكُلِّ مَن يَتَأتّى مِنهُ الحُسْبانُ قَصْدًا إلى إشاعَةِ فَظاعَةِ حالِهِمْ، والمَوْصُولُ مَفْعُولٌ، ( وأنَّما نُمْلِي ) إلَخْ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنهُ، وحَيْثُ كانَ المَقْصُودُ بِالذّاتِ هو البَدَلُ، وكانَ هُنا مِمّا يَسُدُّ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ جازَ الِاقْتِصارُ عَلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، وإلّا فالِاقْتِصارُ لَوْلا ذَلِكَ غَيْرُ صَحِيحٍ عَلى الصَّحِيحِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أنَّما نُمْلِي مَفْعُولًا ثانِيًا، إلّا أنَّهُ لِكَوْنِهِ في تَأْوِيلِ المَصْدَرِ لا يَصِحُّ حَمْلُهُ عَلى الذَّواتِ، فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرٍ؛ أمّا في الأوَّلِ أيْ: لا تَحْسَبَنَّ حالَ الَّذِينَ كَفَرُوا وشَأْنَهم، وأمّا في الثّانِي أيْ: لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أصْحاب (أنَّما نُمْلِي لَهُمْ) إلَخْ، وإنَّما قَيَّدَ الخَيْرَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ( لِأنْفُسِهِمْ ) لِأنَّ الإمْلاءَ خَيْرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ؛ لِما فِيهِ مِنَ الفَوائِدِ الجَمَّةِ، ومَن جَعَلَ خَيْرًا -فِيما نَحْنُ فِيهِ- أفْعَلَ تَفْضِيلٍ، وجَعَلَ المُفَضَّلَ عَلَيْهِ القَتْلَ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى جَعَلَ التَّفْضِيلَ مَبْنِيًّا عَلى اعْتِبارِ الزَّعْمِ والمُماشاةِ، والآيَةُ نَزَلَتْ في مُشْرِكِي مَكَّةَ، وهو المُرْوى عَنْ مُقاتِلٍ، أوْ في قُرَيْظَةَ، والنَّضِيرِ، وهو المَرْوِيُّ عَنْ عَطاءٍ ﴿ إنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا ﴾ اسْتِئْنافٌ بِما هو العِلَّةُ لِلْحُكْمِ قَبْلَها، والقائِلُونَ بِأنَّ الخَيْرَ والشَّرَّ بِإرادَتِهِ تَعالى يُجَوِّزُونَ التَّعْلِيلَ بِمِثْلِ هَذا إمّا لِأنَّهُ غَرَضٌ، وإمّا لِأنَّهُ مُرادٌ مَعَ الفِعْلِ، فَيُشْبِهُ العِلَّةَ عِنْدَ مَن لَمْ يُجِزْ تَعْلِيلَ أفْعالِهِ بِالأغْراضِ، وأمّا المُعْتَزِلَةُ فَإنَّهم وإنْ قالُوا بِتَعْلِيلِها لَكِنَّ القَبِيحَ لَيْسَ مُرادًا لَهُ تَعالى عِنْدَهم ومَطْلُوبًا وغَرَضًا، ولِهَذا جَعَلُوا ازْدِيادَ الإثْمِ هُنا باعِثًا نَحْوَ: قَعَدْتُ عَنِ الحَرْبِ جُبْنًا لا غَرَضًا يُقْصَدُ حُصُولُهُ، ولَمّا لَمْ يَكُنِ الِازْدِيادُ مُتَقَدِّمًا عَلى الإمْلاءِ هُنا، والباعِثُ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ مُتَقَدِّمًا جَعَلُوهُ اسْتِعارَةً بِناءً عَلى أنَّ سَبْقَهُ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى القَدِيمِ الَّذِي لا يَجُوزُ تَخَلُّفُ المَعْلُومِ عَنْهُ شَبَّهَهُ بِتَقَدُّمِ الباعِثِ في الخارِجِ، ولا يَخْفى تَعَسُّفُهُ؛ ولِذا قِيلَ: إنَّ الأسْهَلَ القَوْلُ بِأنَّ اللّامَ لِلْعاقِبَةِ.

واعْتُرِضَ بِأنَّهُ وإنْ كانَ أقَلَّ تَكَلُّفًا إلّا أنَّ القَوْلَ بِها غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها، فَلَوْ كانَ الإمْلاءُ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ هَذا الأمْرُ الفاسِدُ القَبِيحُ لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ، ولَمْ يَصْلُحْ هَذا تَعْلِيلًا؛ لِنَهْيِهِمْ عَنْ حُسْبانِ الإمْلاءِ لَهم خَيْرًا، فَتَأمَّلْ.

قالَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ.

وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ بِفَتْحِ (أنَّما) هَذِهِ، وكَسْرِ الأُولى، وبِياءِ الغَيْبَةِ في (يَحْسَبَنَّ) عَلى أنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا فاعِلُ يَحْسَبَنَّ، وأنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا قائِمٌ مَقامَ مَفْعُولَيِ الحُسْبانِ، والمَعْنى: ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّ إمْلاءَنا لَهم لِازْدِيادِ الإثْمِ، بَلْ لِلتَّوْبَةِ والدُّخُولِ في الإيمانِ، وتَدارُكِ ما فاتَ، وإنَّما نُمْلِي لَهم خَيْرٌ لِأنْفُسِهِمُ اعْتِراضٌ بَيْنَ الفِعْلِ ومَعْمُولِهِ، ومَعْناهُ: أنَّ إمْلاءَنا خَيْرٌ لَهم إنِ انْتَبَهُوا، وتابُوا.

والفَرْقُ بَيْنَ القِراءَتَيْنِ: أنَّ الإمْلاءَ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ لِإرادَةِ التَّوْبَةِ، والإمْلاءَ لِلِازْدِيادِ مَنفِيٌّ، وعَلى القِراءَةِ الأُخْرى هو مُثْبَتٌ، والآخَرُ مَنفِيٌّ ضِمْنًا، ولا تَعارُضَ بَيْنَهُما؛ لِأنَّهُ عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ يَجُوزُ إرادَةُ كُلٍّ مِنهُما، ولا يَلْزَمُ تَخَلُّفُ المُرادِ عَنِ الإرادَةِ؛ لِأنَّهُ مَشْرُوطٌ بِشُرُوطٍ كَما عَلِمْتَ.

وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ جُمْلَةَ ﴿ أنَّما نُمْلِي لَهم خَيْرٌ ﴾ إلَخْ حالِيَّةٌ، أيْ: لا يَحْسَبَنَّ في هَذِهِ الحالَةِ هَذا، وهَذِهِ الحالَةُ مُنافِيَةٌ لَهُ ولَيْسَ بِشَيْءٍ ﴿ ولَهم عَذابٌ مُهِينٌ ﴾ جُمْلَةٌ مُبْتَدَأةٌ مُبَيِّنَةٌ لِحالِهِمْ في الآخِرَةِ إثْرَ بَيانِ حالِهِمْ في الدُّنْيا، أوْ حالٍ مِنَ الواوِ، أيْ: لِيَزْدادُوا إثْمًا مُعَدًّا لَهم عَذابٌ مُهِينٌ، وهَذا مُتَعَيِّنٌ في القِراءَةِ الأخِيرَةِ، كَما ذَهَبَ إلَيْهِ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ المُحَقِّقِينَ؛ لِيَكُونَ مَضْمُونُ ذَلِكَ داخِلًا في حَيِّزِ النَّهْيِ عَنِ الحُسْبانِ بِمَنزِلَةِ أنْ يُقالَ: لِيَزْدادُوا إثْمًا، ولِيَكُونَ لَهم عَذابٌ، وجَعَلَها بَعْضُهم مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةَ لِيَزْدادُوا، بِأنْ يَكُونَ عَذابٌ مُهِينٌ فاعِلَ الظَّرْفِ، بِتَقْدِيرٍ: ويَكُونُ لَهم عَذابٌ مُهِينٌ، وهو مِنَ الضَّعْفِ بِمَكانٍ، نَعَمْ قِيلَ: بِجَوازِ كَوْنِها اعْتِراضِيَّةً، ولَهُ وجْهٌ في الجُمْلَةِ، هَذا وإنَّما وصَفَ عَذابَهم بِالإهانَةِ؛ لِأنَّهُ كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ: لَمّا تَضَمَّنَ الإمْلاءُ التَّمَتُّعَ بِطَيِّباتِ الدُّنْيا، وزِينَتِها، وذَلِكَ مِمّا يَسْتَدْعِي التَّعَزُّزَ، والتَّجَبُّرَ وصَفَهُ بِهِ؛ لِيَكُونَ جَزاؤُهم جَزاءً وِفاقًا، قالَهُ شَيْخُ الإسْلامِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى رَدِّ ما يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مَنشَأً لِحُسْبانِهِمْ، وهو أنَّهم أعِزَّةٌ لَدَيْهِ عَزَّ وجَلَّ إثْرَ الإشارَةِ إلى رَدِّهِ بِنَوْعٍ آخَرَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ يعني: لا يظن الكفار أن الذي نملي لهم ونمهلهم خير لهم، ويقال: ما نعطيهم من المال والولد لا يظنن أن ذلك خير لهم في الآخرة، بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ في الآخرة إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ أي نعطي لهم المال والولد، يهانون به من العذاب.

ويقال: إنما نملي لهم، أي بما أصابوا من الظفر يوم أُحد لم يكن ذلك خيراً لأنفسهم، وإنما كان ليزدادوا عقوبة.

ويقال: إنما نملي لهم ونؤخر العذاب عنهم ليزدادوا إثماً، أي جرأة على المعاصي.

وإنما كان ذلك مجازاة لكفرهم وخبث نياتهم.

وروي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: ما من بر وفاجر إلا والموت خير له، لأنه إن كان براً فقد قال الله تعالى: وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ [آل عمران: 198] وإن كان فاجراً فقد قال الله تعالى: إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً قرأ ابن عامر وعاصم: لا يَحْسَبَنَّ بالياء ونصب السين.

قرأ الباقون بالتاء وكسر السين، وكذلك الذي بعد هذا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وأصحابه حِينَ حَمَّلَهُمْ أبُو سُفْيَانَ ذلكَ، «فالنَّاسُ» الأوَّلُ هُمُ الرَّكْبُ، و «النَّاسُ» الثَّانِي عَسْكَر قُرَيْش هذا قول/ الجمهورِ، وهو الصوابُ، وقولُ مَنْ قال: إن الآية نزلَتْ في خروجِ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم إلى بدر الصّغرى لميعاد أبي سفيان، وإِنَّ النَّاسَ هنا هو نُعيْمُ بْنُ مسعودٍ- قولٌ ضعيفٌ، وعن ابنِ عَبَّاسٍ أنه قال: «حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ» قَالَهَا إبْرَاهِيمُ- عليه السلام-، حين ألقى في النّار، وقالها محمّد صلّى الله عليه وسلّم حِينَ قَالُوا: إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، رواه مسلم.

والبخاريّ «١» .

انتهى.

وقوله سبحانه: إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ ...

الآية: إشارة إلى جميع ما جرى من أخبار الرَّكْب عن رسالة أبِي سُفْيَان، ومِنْ جَزَعِ مَنْ جَزِعَ من الخَبَر.

وقرأ الجمهورُ «٢» : «يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ» ، قالَ قوم: معناه: يخوِّف المنافقينَ، ومَنْ في قلبه مرضٌ، وحكى أبو الفَتْحِ بْنُ جِنِّي «٣» ، عن ابن عَبَّاس أنه قرأ «يُخَوِّفُكُمْ أَوْلِيَاءَهُ» ، فهذه قراءةٌ ظهر فيها المفعولانِ، وهي مفسِّرة لقراءة الجَمَاعة، وفي قراءة أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ:

«يُخَوِّفُكُمْ بِأَوْلِيَائِهِ» ، وفِي كتاب «القَصْد إلى اللَّه تعالى» للمحاسِبِيِّ «٤» ، قال: وكلما عَظُمَتْ هيبةُ اللَّه عزَّ وجلَّ في صدورِ الأولياء، لم يهابوا معه غيره حياءً منه عزَّ وجلّ أن يخافوا معه سواه.

انتهى.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّما نُمْلِي لَهم خَيْرٌ لأنْفُسِهِمْ ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: في اليَهُودِ والنَّصارى والمُنافِقِينَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: في قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ، قالَهُ عَطاءٌ.

والثّالِثُ: في مُشْرِكِي مَكَّةَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

.

والرّابِعُ: في كُلِّ كافِرٍ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

وَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ، (وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا) [ آَلِ عِمْرانَ: ١٧٨ ]، (وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ) [ آَلِ عِمْرانَ: ١٨٠ ]، (وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ) [ آَلِ عِمْرانَ: ١٨٨ ]، بِالياءِ وكَسْرِ السِّينِ، ووافَقَهُمُ ابْنُ عامِرٍ غَيْرَ أنَّهُ فَتَحَ السِّينَ، وقَرَأهُنَّ حَمْزَةُ بِالتّاءِ، وقَرَأ عاصِمٌ والكِسائِيُّ كُلَّ ما في هَذِهِ السُّورَةِ بِالتّاءِ غَيْرَ حَرْفَيْنِ (وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا) (وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ) فَإنَّهُما بِالياءِ، إلّا أنَّ عاصِمًا فَتَحَ السِّينَ، وكَسَرَها الكِسائِيُّ، ولَمْ يَخْتَلِفُوا في (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا) أنَّها بِالتّاءِ.

(وَنُمْلِي لَهُمْ) أيْ: نُطِيلُ لَهم في العُمْرِ، ومِثْلُهُ: (واهْجُرْنِي مَلِيًّا) قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: واشْتِقاقُ "نُمْلِي لَهُمْ" مِنَ المَلْوَةِ، وهي المُدَّةُ مِنَ الزَّمانِ، يُقالُ: مَلْوَةٌ مِنَ الدَّهْرِ، ومِلْوَةٌ، ومُلْوَةٌ، ومِلاوَةٌ، ومُلاوَةٌ، ومَلاوَةٌ، بِمَعْنًى واحِدٍ، ومِنهُ قَوْلُهُمُ: البِسْ جَدِيدًا وتَمَلَّ حَبِيبًا، أيْ: لِتُطِلَّ أيّامُكَ مَعَهُ.

قالَ مُتَمِّمُ بْنُ نُوَيْرَةَ: ؎ بِوِدِّي لَوْ أنِّي تَمَلَّيْتُ عُمْرَهُ بِمالِي مِن مالِ طَرِيفٍ وتالِدِ <div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّما نُمْلِي لَهم خَيْرٌ لأنْفُسِهِمْ إنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا ولَهم عَذابٌ مُهِينٌ ﴾ ﴿ ما كانَ اللهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَيِّبِ وما كانَ اللهُ لِيُطْلِعَكم عَلى الغَيْبِ ولَكِنَّ اللهُ يَجْتَبِي مِنَ رُسُلِهِ مِنَ يَشاءُ فَآمِنُوا بِاللهِ ورُسُلِهِ وإنْ تُؤْمِنُوا وتَتَّقُوا فَلَكم أجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ "نُمْلِي" مَعْناهُ: نُمْهِلُ ونَمُدُّ في العُمْرِ، والمِلاوَةُ: المُدَّةُ مِنَ الدَهْرِ، والمَلَوانِ اللَيْلُ والنَهارُ، وتَقُولُ: مَلّاكَ اللهُ النِعْمَةَ أيْ: مَنَحَكَها عُمْرًا طَوِيلًا.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ونافِعٌ: "يَحْسِبَنَّ" بِالياءِ مِن أسْفَلَ وكَسْرِ السِينِ وفَتْحِ الباءِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ كَذَلِكَ إلّا في السِينِ فَإنَّهُ فَتَحَها، وقَرَأ حَمْزَةُ "تَحْسَبَنَّ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ وفَتْحِ السِينِ، وقَرَأ عاصِمٌ والكِسائِيُّ كُلَّ ما في هَذِهِ السُورَةِ بِالتاءِ مِن فَوْقٍ إلّا حَرْفَيْنِ: قَوْلَهُ: ﴿ وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ في هَذِهِ الآيَةِ، وبَعْدَها "وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ" فَأمّا مَن قَرَأ "وَلا يَحْسَبَنَّ" بِالياءِ مِن أسْفَلَ فَإنَّ "الَّذِينَ" فاعِلٌ، وقَوْلَهُ: "أنَّما نُمْلِي لَهم خَيْرٌ" بِفَتْحِ الألِفِ مِن "أنَّما" سادٌّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ "حَسِبَ"، وذَلِكَ أنَّ "حَسِبَ" وما جَرى مَجْراها تَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ أو إلى مَفْعُولٍ يَسُدُّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْنِ، وذَلِكَ إذا جَرى في صِلَةٍ ما تَتَعَدّى إلَيْهِ ذِكْرُ الحَدِيثِ والمُحَدَّثِ عنهُ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: وكَسْرُ "إنَّ" في قَوْلِ مَن قَرَأ: "يَحْسَبَنَّ" بِالياءِ لا يَنْبَغِي، وقَدْ قُرِئَ فِيما حَكاهُ غَيْرُ أحْمَدَ بْنِ مُوسى وفي غَيْرِ السَبْعِ، ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّ "إنَّ" يُتَلَقّى بِها القَسَمُ كَما يُتَلَقّى بِلامِ الِابْتِداءِ، ويَدْخُلانِ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ، أعْنِي "اللامَ" و"إنَّ" فَعُلِّقَ عن "إنَّما" عَمَلُ الحُسْبانِ كَما تُعَلِّقُ عَنِ اللامِ في قَوْلِكَ: حَسِبْتُ لَزَيْدٌ قائِمٌ، فَيُعَلَّقُ الفِعْلُ عَنِ العَمَلِ لَفْظًا، وأمّا بِالمَعْنى فَما بَعْدَ "إنَّ أوِ اللامِ" فَفي مَوْضِعِ مَفْعُولَيْ حَسِبَ، و"ما" يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى الَّذِي، فَفي "نُمْلِي" عائِدٌ مُسْتَكِنٌّ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً فَلا تَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ عائِدٍ.

وأمّا مَن قَرَأ "وَلا تَحْسَبَنَّ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ فَـ "الَّذِينَ" مَفْعُولٌ أوَّلٌ لِلْحُسْبانِ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: ويَنْبَغِي أنْ تَكُونَ الألِفُ مِن "إنَّما" مَكْسُورَةً في هَذِهِ القِراءَةِ، وتَكُونَ "إنَّ" وما دَخَلَتْ عَلَيْهِ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثانِي لِـ "تَحْسَبَنَّ"، ولا يَجُوزُ فَتْحُ الألِفِ مِن "إنَّما" لِأنَّها تَكُونُ المَفْعُولَ الثانِيَ، والمَفْعُولُ الثانِي في هَذا البابِ هو المَفْعُولُ الأوَّلُ بِالمَعْنى، والإمْلاءُ لا يَكُونُ إيّاهم.

قالَ مَكِّيٌّ في مُشْكِلِهِ: ما عَلِمْتُ أحَدًا قَرَأ: "تَحْسَبَنَّ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ وكَسَرَ الألِفَ مِن "إنَّما".

وجَوَّزَ الزَجّاجُ هَذِهِ القِراءَةَ "تَحْسَبَنَّ" بِالتاءِ و"أنَّما" بِفَتْحِ الألِفِ، وظاهِرُ كَلامِهِ أنَّها تَنْصِبُ "خَيْرًا" قالَ: وقَدْ قَرَأ بِها خَلْقٌ كَثِيرٌ وساقَ عَلَيْها مِثالًا قَوْلَ الشاعِرِ: فَما كانَ قَيْسٌ هُلْكُهُ هُلْكَ واحِدٍ..............................

بِنَصْبِ هُلْكَ الثانِي عَلى أنَّ الأوَّلَ بَدَلٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَكَذَلِكَ يَكُونُ "أنَّما نُمْلِي" بَدَلًا مِنَ "الَّذِينَ كَفَرُوا" كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَما أنْسانِيهُ إلا الشَيْطانُ أنْ أذْكُرَهُ  ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿ وَإذْ يَعِدُكُمُ اللهُ إحْدى الطائِفَتَيْنِ أنَّها لَكُمْ  ﴾ ويَكُونُ "خَيْرًا" المَفْعُولَ الثانِي.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: لَمْ يَقْرَأْ هَذِهِ القِراءَةَ أحَدٌ، وقَدْ سَألْتُ أحْمَدَ بْنَ مُوسى عنها فَزَعَمَ أنَّهُ لَمْ يَقْرَأْ بِها أحَدٌ.

ويَظْهَرُ مِن كَلامِ أبِي عَلِيٍّ أنَّ أبا إسْحاقَ إنَّما جَوَّزَ المَسْألَةَ مَعَ قِراءَةِ "خَيْرٌ" بِالرَفْعِ، وأبُو عَلِيٍّ أعْلَمُ لِمُشاهَدَتِهِ أبا إسْحاقَ.

وذَكَرَ قَوْمٌ أنَّ هَذِهِ القِراءَةَ تَجُوزُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: ولا تَحْسَبَنَّ شَأْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّما نُمْلِي لَهُمْ، فَهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واسْألِ القَرْيَةَ  ﴾ وغَيْرِ ذَلِكَ.

ويَذْهَبُ الأُسْتاذُ أبُو الحَسَنِ بْنُ البادِشِ: إلى أنَّها تَجُوزُ عَلى بَدَلِ "أنَّ" مِنَ "الَّذِينَ" وحَذْفِ المَفْعُولِ الثانِي لِحَسِبَ، إذِ الكَلامُ يَدُلُّ عَلَيْهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والمَسْألَةُ جائِزَةٌ إذِ المَعْنى: لا تَحْسَبَنَّ إمْلاءَنا لِلَّذِينَ كَفَرُوا خَيْرًا لَهم أو نَحْوَ هَذا.

ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: الرَدُّ عَلى الكُفّارِ في قَوْلِهِمْ: إنَّ كَوْنَنا ظاهِرِينَ مُمَوَّلِينَ أصِحَّةً، دَلِيلٌ عَلى رِضى اللهِ بِحالِنا واسْتِقامَةِ طَرِيقَتِنا عِنْدَهُ، فَأخْبَرَ اللهُ أنَّ ذَلِكَ التَأْخِيرَ والإمْهالَ إنَّما هو إمْلاءٌ واسْتِدْراجٌ، لِيَكْتَسِبُوا الآثامَ، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ: ما مِن نَفْسٍ بَرَّةٍ وَلا فاجِرَةٍ إلّا والمَوْتُ خَيْرٌ لَها، أمّا البَرَّةُ فَلِتُسْرِعَ إلى رَحْمَةِ اللهِ، وقَرَأ ﴿ "وَما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لِلأبْرارِ"،  ﴾ وأمّا الفاجِرَةُ فَلِئَلّا تَزْدادَ إثْمًا، وقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ.

ووَصْفُ العَذابِ بِالمُهِينِ مَعْناهُ: التَخْسِيسُ لَهُمْ، فَقَدْ يُعَذَّبُ مَن لا يُهانُ، وذَلِكَ إذا اعْتُقِدَتْ إقالَةُ عَثْرَتِهِ يَوْمًا ما.

واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما كانَ اللهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ ﴾ ...الآيَةِ فَقالَ مُجاهِدٌ وابْنُ جُرَيْجٍ وابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُمُ: الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ، والمَعْنى: ما كانَ اللهُ لِيَدَعَ المُؤْمِنِينَ مُخْتَلِطِينَ بِالمُنافِقِينَ مُشْكِلًا أمْرَهُمْ، يَجْرِي المُنافِقُ مَجْرى المُؤْمِنِ، ولَكِنْ مَيَّزَ بَعْضَهم مِن بَعْضٍ، بِما ظَهَرَ مِن هَؤُلاءِ وهَؤُلاءِ في أُحُدٍ مِنَ الأفْعالِ والأقْوالِ.

وقالَ قَتادَةُ والسُدِّيُّ: الخِطابُ لِلْكُفّارِ، والمَعْنى: حَتّى يَمِيزَ المُؤْمِنِينَ مِنَ الكافِرِينَ بِالإيمانِ والهِجْرَةِ.

وقالَ السُدِّيُّ وغَيْرُهُ: «قالَ الكُفّارُ في بَعْضِ جَدَلِهِمْ: أنْتَ يا مُحَمَّدُ تَزْعُمُ في الرَجُلِ مِنّا أنَّهُ مِن أهْلِ النارِ، وأنَّهُ إذا اتَّبَعَكَ مِن أهْلِ الجَنَّةِ، فَكَيْفَ يَصِحُّ هَذا؟

ولَكِنْ أخْبِرْنا بِمَن يُؤْمِنُ مِنّا وبِمَن يَبْقى عَلى كُفْرِهِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ،» فَقِيلَ لَهُمْ: لا بُدَّ مِنَ التَمْيِيزِ وما كانَ اللهُ لِيُطْلِعَكم عَلى الغَيْبِ فِيمَن يُؤْمِنُ ولا فِيمَن يَبْقى كافِرًا ولَكِنْ هَذا رَسُولٌ مُجْتَبىً فَآمِنُوا بِهِ.

فَإنْ آمَنتُمْ نَجَوْتُمْ وكانَ لَكم أجْرٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وأمّا مُجاهِدٌ وابْنُ جُرَيْجٍ وأهْلُ القَوْلِ الأوَّلِ، فَقَوْلُهم في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَما كانَ اللهُ لِيُطْلِعَكم عَلى الغَيْبِ ﴾ إنَّهُ في أمْرِ أُحُدٍ، أيْ: ما كانَ اللهُ لِيُطْلِعَكم عَلى أنَّكم تُهْزَمُونَ، فَكُنْتُمْ تُكْعُونَ ونَحْوَ هَذا.

وأيْضًا فَما كانَ لِيُطْلِعَكم عَلى المُنافِقِينَ تَصْرِيحًا بِهِمْ وتَسْمِيَةً لَهُمْ، ولَكِنْ هَذا بِقَرائِنِ أفْعالِهِمْ وأقْوالِهِمْ في مِثْلِ هَذا المَوْطِنِ.

و"حَتّى" في قَوْلِهِ: "حَتّى يَمِيزَ" غايَةٌ مُجَرَّدَةٌ، لِأنَّ الكَلامَ قَبْلَها مَعْناهُ: اللهُ يُخْلِصُ ما بَيْنَكم بِابْتِلائِهِ وامْتِحانِهِ حَتّى يَمِيزَ.

وَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ: "حَتّى يَمِيزَ" بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ المِيمِ وتَخْفِيفِ الياءِ، وكَذَلِكَ "لِيَمِيزَ"، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "حَتّى يُمَيِّزَ" و"لِيُمَيِّزَ اللهُ" بِضَمِّ الياءِ والتَشْدِيدِ.

قالَ يَعْقُوبُ بْنُ السُكَيْتِ: مِزْتُ ومَيَّزْتُ: لُغَتانِ بِمَعْنىً واحِدٍ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: ولَيْسَ مَيَّزْتُ بِمَنقُولٍ مِن مِزْتُ، بِدَلِيلِ أنَّ مَيَّزْتُ لا يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ وإنَّما يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ كَمِزْتُ، كَما أنَّ "ألْقَيْتُ" لَيْسَ بِمَنقُولٍ مِن "لَقِيَ" إنَّما هو بِمَعْنى أسْقَطْتُ.

والغَيْبُ هُنا: ما غابَ عَنِ البَشَرِ مِمّا هو في عِلْمِ اللهِ مِنَ الحَوادِثِ الَّتِي تَحْدُثُ، ومِنَ الأسْرارِ الَّتِي في قُلُوبِ المُنافِقِينَ، ومِنَ الأقْوالِ الَّتِي يَقُولُونَها إذا غابُوا عَنِ الناسِ.

قالَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ: رُوِيَ أنَّ بَعْضَ الكُفّارِ قالَ: لِمَ لا يَكُونُ جَمِيعُنا أنْبِياءً؟

فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

و"يَجْتَبِي" مَعْناهُ: يَخْتارُ ويَصْطَفِي، وهي مِن جَبَيْتُ الماءَ والمالَ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ واللهُ المُسْتَعانُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على قوله: ﴿ ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً ﴾ [آل عمران: 169] والمقصود مقابلة الإعلام بخلاف الحسبان في حالتين: إحداهما تلوح للناظر حالة ضرّ، والأخرى تلوح حالة خير، فأعلم الله أن كلتا الحالتين على خلاف ما يتراءى للناظرين.

ويجوز كونه معطوفا على قوله: ﴿ ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر ﴾ [آل عمران: 176] إذ نهاه عن أن يكون ذلك موجباً لحزنه، لأنهم لا يضرّون الله شيئاً، ثم ألقى إليه خبراً لقصد إبلاغه إلى المشركين وإخوانهم المنافقين: أن لا يحسبوا أن بقاءهم نفع لهم بل هو إملاء لهم يزدادون به آثاماً، ليكون أخذُهم بعد ذلك أشدّ.

وقرأه الجمهور ﴿ ولا يَحسبنّ الذين كفروا ﴾ بياء الغيبة وفاعلُ الفعل (الذين كفروا)، وقرأه حمزة وحده بتاء الخطاب.

فالخطاب إما للرسول عليه السلام وهو نهي عن حسبان لم يقع، فالنهي للتحذير منه أو عن حسبان هو خاطر خطر للرسول صلى الله عليه وسلم غير أنّه حسبان تعجّب، لأنّ الرسول يعلم أنّ الإملاء ليس خيراً لهم، أو المخاطب الرسول والمقصود غيره، ممّن يظنّ ذلك من المؤمنين على طريقة التعريض مثل ﴿ لئن أشركت ليحبطنّ عملك ﴾ [الزمر: 65]، أو المراد من الخطاب كلّ مخاطب يصلح لذلك.

وعلى قراءة الياء التحتية فالنهي مقصود به بلوغه إليهم ليعلموا سوء عاقبتهم، ويُمِرَّ عيشهم بهذا الوعيد، لأنّ المسلمين لا يحسبون ذلك من قبل والإملاء: الإمهال في الحياة، والمراد به هنا تأخير حياتهم، وعدمُ استئصالهم في الحرب، حيث فرحوا بالنصر يوم أُحُد، وبأنّ قتلى المسلمين بوم أحُد كانوا أكثر من قتلاهم.

ويجوز أن يراد بالإملاء التخلية بينهم وبين أعمالهم في كيد المسلمين وحربهم وعدم الأخذ على أيديهم بالهزيمة والقتل كما كان يوم بدر، يقال: أملى لفرسه إذا أرخى له الطِّوَل في المرعى، وهو مأخوذ من الملْو بالواو وهو سيرُ البعير الشديدُ، ثم قالوا: أمليت للبعير والفرس إذا وسَّعت له في القيد لأنّه يتمكّن بذلك من الخَبَب والركض، فشُبِّه فعله بشدّة السير، وقالوا: أمليت لزيد في غيّه أى تركته: على وجه الاستعارة، وأملى الله لفلان أخّر عقابه، قال تعالى: ﴿ وأملي لهم إن كيدي متين ﴾ [الأعراف: 183] واستعير التملّي لطول المدّة تشبيهاً للمعقول بالمحسوس فقالوا: ملأَّك الله حبيبَك تمليئة، أي أطال عمرك معه.

وقوله: ﴿ أنما نملي لهم خير لأنفسهم ﴾ (أَنّ) أخت (إنّ) المكسورة الهمزة، و(ما) موصولة وليست الزائدة، وقد كتبت في المصحف كلمة واحدة كما تكتب إنّما المركبة من (إن) أخت (أنّ) و(ما) الزائدةِ الكافّةِ، التي هي حرف حصر بمعنى (مَا) و(إلاّ)، وكان القياس أن تكتب مفصولة وهو اصطلاح حدث بعد كتابة المصاحف لم يكن مطّرداً في الرسم القديم، على هذا اجتمعت كلمات المفسّرين من المتقدّمين والمتأخّرين.

وأنا أرى أنّه يجوز أن يكون (أنّما) من قوله: ﴿ أنما نمي خير لأنفسهم ﴾ هي أنّما أخت إنّما المكسورة وأنّها مركّبة من (أنّ) و(ما) الكافّة الزائدة وأنها طريق من طرق القصر عند المحقّقين، وأنّ المعنى: ولا يحسبنّ الذين كفروا انحصار إمهالنا لهم في أنّه خير لهم لأنّهم لمّا فرحوا بالسلامة من القتل وبالبقاء بقيد الحياة قد أضمروا في أنفسهم اعتقاد أنّ بقاءهم ما هو إلاّ خير لهم لأنّهم يحسبون القتل شرّاً لهم، إذ لا يؤمنون بجزاء الشهادة في الآخرة لكفرهم بالبعث.

فهو قصر حقيقي في ظنّهم.

ولهذا يكون رسمهم كلمة (أنَّما) المفتوحة الهمزة في المصحف جارياً على ما يقتضيه اصطلاح الرسم.

و ﴿ أنّما نملي لهم خير لأنفسهم ﴾ هو بدل اشتمال من ﴿ الذين كفروا ﴾ ، فيكون سادّاً مسدّ المفعولين، لأنّ المبدل منه صار كالمتروك، وسلكت طريقة الإبدال لما فيه من الإجمال، ثمّ التفصيل، لأنّ تعلّق الظنّ بالمفعول الأول يستدعي تشوّف السامع للجهة التي تعلَّق بها الظنّ، وهي مدلول المفعول الثاني، فإذا سمع ما يسدّ مسدّ المفعولين بعد ذلك تمكّن من نفسه فضْل تمكّن وزاد تقريراً.

وقوله: ﴿ إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً ﴾ استئناف واقع موقع التعليل للنهي عن حسبان الإملاء خيراً، أي ما هو بخير لأنّهم يزدادون في تلك المدّة إثماً.

و (إنما) هذه كلمة مركّبة من (إِنّ) حرف التوكيد و(ما) الزائدة الكافّة وهي أداة حصر أي: ما نملي لهم إلاّ ليزدادوا إثماً، أي فيكون أخذهم به أشدّ فهو قصر قلب.

ومعناه أنّه يملي لهم ويؤخّرهم وهم على كفرهم فيزدادون إثماً في تلك المدّة، فيشتدّ عقابهم على ذلك، وبذلك لا يكون الإملاء لهم خيراً لهم، بل هو شرّ لهم.

واللام في ﴿ ليزدادوا إثماً ﴾ لام العاقبة كما هي في قوله تعالى: ﴿ ليكون لهم عدواً وحزناً ﴾ [القصص: 8] أي: إنما نملي لهم فيزدادون إثماً، فلمّا كان ازدياد الإثم ناشئاً عن الإملاء، كان كالعلّة له، لا سيما وازدياد الإثم يعلمه الله فهو حين أملَى لهم علم أنّهم يزدادون به إثماً، فكان الازدياد من الإثم شديد الشبه بالعلّة، أمّا علّة الإملاء في الحقيقة ونفس الأمر فهي شيء آخر يعلمه الله، وهو داخل في جملة حكمة خلق أسباب الضلال وأهله والشياطين والأشياء الضارّة.

وهي مسألة مفروغ منها في علم الكلام، وهي ممّا استأثر الله بعلم الحكمة في شأنه.

وتعليلُ النهي على حسبان الإملاء لهم خيراً لأنفسهم حاصل، لأنّ مداره على التلازم بين الإملاء لهم وبين ازديادهم من الإثم في مدّة الإملاء.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: هُمُ المُنافِقُونَ وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ وابْنِ إسْحاقَ.

والثّانِي: قَوْمٌ مِنَ العَرَبِ ارْتَدُّوا عَنِ الإسْلامِ.

﴿ إنَّهم لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ ألا يَجْعَلَ لَهم حَظًّا في الآخِرَةِ ﴾ في إرادَتِهِ لِذَلِكَ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنْ يَحْكُمَ بِذَلِكَ.

والثّانِي: مَعْناهُ أنَّهُ سَيُرِيدُ في الآخِرَةِ أنْ يَحْرِمَهم ثَوابَهم لِإحْباطِ إيمانِهِمْ بِكُفْرِهِمْ.

والثّالِثُ: يُرِيدُ أنْ يُحْبِطَ أعْمالَهم بِما اسْتَحَقُّوهُ مِن ذُنُوبِهِمْ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ إسْحاقَ.

﴿ ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ﴾ الطَّيِّبُ المُؤْمِنُونَ، والخَبِيثُ فِيهِ هَهُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما المُنافِقُ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.

والثّانِي: الكافِرُ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ، والسُّدِّيِّ.

واخْتَلَفُوا في الَّذِي وقَعَ بِهِ التَّمْيِيزُ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: بِتَكْلِيفِ الجِهادِ، وهَذا قَوْلُ مَن تَأوَّلَ الخَبِيثَ بِالمُنافِقِ.

والثّانِي: بِالدَّلائِلِ الَّتِي يُسْتَدَلُّ بِها عَلَيْهِمْ وهَذا قَوْلُ مَن تَأوَّلَهُ لِلْكافِرِ.

﴿ وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكم عَلى الغَيْبِ ﴾ قِيلَ: إنَّ سَبَبَ نُزُولِ هَذا «أنَّ قَوْمًا مِنَ المُشْرِكِينَ قالُوا: إنْ كانَ مُحَمَّدٌ صادِقًا فَلْيُخْبِرْنا مَن يُؤْمِنُ ومَن لا يُؤْمِنُ؟

فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

» قالَ السُّدِّيُّ: ما أطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ عَلى الغَيْبِ، ولَكِنَّهُ اجْتَباهُ فَجَعَلَهُ رَسُولًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هو خَيْرًا لَهم بَلْ هو شَرٌّ لَهُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ أحَدُهُما: أنَّهم مانِعُو الزَّكاةِ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.

والثّانِي: أنَّهم أهْلُ الكِتابِ وبَخِلُوا أنْ يُبَيِّنُوا لِلنّاسِ ما في كُتُبِهِمْ مِن نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ  ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: ألَمْ تَسْمَعْ أنَّهُ قالَ: ﴿ يَبْخَلُونَ ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ ﴾ ، أيْ يَكْتُمُونَ ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِالكِتْمانِ.

﴿ سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الَّذِي يُطَوَّقُونَهُ شُجاعٌ أقْرَعُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ.

والثّانِي: أنَّهُ طَوْقٌ مِنَ النّارِ، وهَذا قَوْلُ إبْراهِيمَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وأبو بكر المروزي في الجنائز وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه عن ابن مسعود قال: ما من نفس برة ولا فاجرة إلا والموت خير لها من الحياة، إن كان براً فقد قال الله: ﴿ وما عند الله خير للأبرار ﴾ وإن كان فاجراً فقد قال الله: ﴿ ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً ﴾ .

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن أبي الدرداء قال: ما من مؤمن إلا الموت خير له، وما من كافر إلا الموت خير له.

فمن لم يصدقني فإن الله يقول ﴿ وما عند الله خير للأبرار ﴾ [ آل عمران: 198] ﴿ ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً ولهم عذاب مهين ﴾ .

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن محمد بن كعب قال: الموت خير للكافر والمؤمن، ثم تلا هذه الآية، ثم قال: إن الكافر ما عاش كان أشد لعذابه يوم القيامة.

وأخرج عبد بن حميد عن أبي برزة قال: ما أحد إلا والموت خير له من الحياة، فالمؤمن يموت فيستريح، وأما الكافر فقد قال الله: ﴿ ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير ﴾ الآية.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله تعالى: ﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ ﴾ الآية.

﴿ الَّذِينَ ﴾ (١) ﴿ يَحْسَبَنَّ ﴾ بالياء (٢) (٣) وإذا كان ﴿ الَّذِينَ ﴾ فاعلًا؛ اقتضى (يَحْسَبُ) مفعولين؛ لأنّه يتعدى إلى مفعولين، أو إلى مفعولٍ يَسُدُّ مَسَدَّ مفعولين، وذلك إذا جَرَى - في صلة ما يتعدى إليه الحِسْبانُ-، ذِكْرُ الحديثِ والمُحَدَّث عنه، نحو: (حَسِبْتُ أن زيدًا منطلقٌ)، و (حَسِبتُ أنْ يقومَ عمرٌو) (٤) فجرى (٥) ﴿ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ ﴾ قد سَدَّ مسَدَّ المفعولين اللَّذَيْن يقتضيهما ﴿ يَحْسَبَنَّ ﴾ .

وقرأ حمزة: ﴿ ولا تَحْسَبَنَّ الذين كفروا ﴾ بالتاء.

و ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ -في هذه القراءة- في موضع نَصْبٍ، بأنّه المفعول الأول.

واختلفوا في وجه هذه القراءة: فقال الفرّاء (٦) (٧) ﴿ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً ﴾ (٨) (٩) وقال الزّجاج (١٠) ﴿ الَّذِينَ ﴾ ؛ المعنى: ولا تَحسَبَنَّ ﴿ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ ﴾ (١١) فَمَا كانَ قَيْسٌ هُلْكُهُ هُلْكَ واحدٍ (١٢) جعل (هُلكُهُ) بدلًا من (قَيس)؛ المعنى: فما كان هُلْكَ قيسٍ هُلكَ واحدٍ.

ومثلُه -مما جُعِلَ (أنَّ) مع الفعل بدلًا من المفعول-، قولُه: ﴿ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ ﴾ (١٣) ﴿ وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ ﴾ (١٤) قال أبو علي الفارسي (١٥) (١٦) ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ وإذا صار بدلًا منه، فكأنه قال: لا تَحْسَبَنَّ إملاءَ الذين كفروا خيرًا.

فيلزم انتصاب (خير) (١٧) ألا ترى أنه أبدل (١٨) ﴿ أَنَّمَا ﴾ كما (١٩) (٢٠) (٢١) ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ لكسرها ولم يَفْتَحْها، ولو كسرها لصارت (أنّ) واسمها وخبرها، في موضع نصب؛ لأنه مفعول ثانٍ لـ ﴿ تَحْسَبَنَّ ﴾ .

وكما انتصب (هُلْكَ واحد) في البيت، لَمّا أبدل الأول مِنْ (قيس) بأنه خَبَرُ (كان)؛ كذلك ينتصبُ ﴿ خيرٌ لهم ﴾ في الآية، إذا أبدل الإملاء من ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ بأنه مفعول ثانٍ لـ ﴿ تَحْسَبَنَّ ﴾ .

فإذًا، قد جاء أنه لا يجوز أن يُقرأ ﴿ تَحْسَبَنَّ ﴾ بالتاء، إلّا أن يُكسر (إنَّ) في ﴿ أَنَّمَا نُمْلِي ﴾ ، أو يُنصب ﴿ خَيْرٌ ﴾ (٢٢) ﴿ أَنَّمَا ﴾ ، فيقرأ: (أنَّمَا نُمْلي لهم خيرًا لأنفسهم).

ولم يُرْوَ عن حمزةَ كسْرُ (أنّ)، ولا نَصْبُ (خَيْرٌ)، فلا تصح القراءة بالتاء، على ما قرأ به حمزةُ، عند أبي عليّ (٢٣) قال ابن عباس (٢٤) ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ : المنافقين، وقُرَيْظَةَ والنَّضِير.

وقال مقاتل (٢٥) وقوله: ﴿ أَنَّمَا ﴾ ، (ما) تحتمل وجهين: أحدهما: أن يَكون بمعنى (الذي) (٢٦) ﴿ نُمْلِي ﴾ ؛ لأنه يجوز حذفُ الهاء مِنْ صِلَةِ (الذي)؛ كقولك: (الذي رأيتُ زيدٌ).

والآخر: أن يَكون (ما) بمنزلة الإملاء، فيكون مصدرًا، وإذا كان مصدرًا (٢٧) (٢٨) وقوله تعالى: ﴿ نُمْلِي لَهُمْ ﴾ .

معنى ﴿ نُمْلِي ﴾ -في اللغة-: نُطِيل، ونُؤَخِّر.

والإملاء: الإمهال والتأخير.

واشتقاقه (٢٩) (٣٠) (٣١) (٣٢) قال العَجَّاج: وقد أُرَانِي لِلغَوَانِي (٣٣) (٣٤) (٣٥) (٣٦) بِودَّيَ أَنّي لو تَمَلَّيْتُ عُمْرَهُ ...

بِمَالِيَ مِنْ مالٍ طَريفٍ وتَالدِ (٣٧) (٣٨) (٣٩) قال أبو عبيدة: ومنه: (المَلاَ) (٤٠) (٤١) قال ابن عباس (٤٢) ﴿ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ ﴾ -: يريد (٤٣) وقوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا ﴾ قال ابن الأنباري (٤٤) (٤٥) ﴿ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا ﴾ بمعاندتهم الحقَّ، وخِلاَفِهِم الرسولَ.

وقد قال رسول الله  : (إذا رأيتَ اللهَ يُعْطِي على المعاصي، فإنَّ ذلك استدراجٌ مِنَ اللهِ لِخَلْقِهِ)، ثم تلا هذه الآية (٤٦) ونحو هذا، قال الزّجاج (٤٧) والآية حجّة ظاهرة على القَدَريّة (٤٨) والقَدَرِيّة، تأولوا الآية على وجهين: أحدهما: على التقديم والتأخير؛ فقالوا: التقدير: (ولا يحْسَبَنَّ الذين كفروا إنما نُملي لهم لِيَزدادوا إثما؛ إنَّما نُملي لهم خيرٌ لأنفسهم).

وهذا (٤٩) ﴿ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ ﴾ ، ﴿ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا ﴾ .

ولم يقرأ به أحدٌ يُعرَف.

ولا يجوز حملُ الآية على وجهٍ لا يجوز أن يُقرأ به (٥٠) والوجه الثاني: قالوا (٥١) ﴿ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا ﴾ : إنما نُمْلي لهم، على أنَّ عاقبةَ أمْرِهم ازديادُ الإثم.

وهذه لام العاقبة؛ كقوله: ﴿ فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا  ﴾ .

وهذا (٥٢) على أن لام العاقبة يشَاكِل ما قبله؛ كقوله: ﴿ فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ ﴾ ، الآية، وهم ما التقطُوهُ لِهذا؛ ولكنْ كان الالتقاطُ سبَبَ كونِهِ عَدُوًّا لهم، كذلك في الآية، يجب أنْ يكونَ إمْلاءُ اللهِ إيَّاهم، سَبَبَ ازديادهم الإثم (٥٣) (١) من قوله: (الذين ..) إلى (..

اللذين يقتضيهما ﴿ يَحْسَبَنَّ ﴾ : نقله -بتصرف- عن: "الحجة"، للفارسي: 3/ 101 - 102.

(٢) القراءة الواردة في قوله: ﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ ﴾ في الآية: 178، 180 و ﴿ لَا تَحْسَبَنَّ ﴾ ، و ﴿ فَلَا تَحْسَبَنَّهُم ﴾ في آية: 188 كالتالي: قرأها ابن كثير، وأبو عمرو، كلَّها بالياء، في كل القرآن.

وقرأها نافع، وابن عامر (لا تحسبن) و (فلا تحسبنهم).

وقرأ عاصم، والكسائي، ويعقوب: ﴿ يَحْسَبَنَّ ﴾ في الآية: 178، 180 بالياء.

وقرأوا ﴿ تَحْسَبَنَّ ﴾ و ﴿ تَحْسَبَنَّهُم ﴾ في الآية: 188، بالتاء.

وكَسَرَ الكسائيُّ السينَ، وفتحها عاصم.

وقرأها حمزة كلَّها بالتاء.

ومن قرأ ﴿ فَلَا تَحْسَبَنَّهُم ﴾ بالتاء، فتح الباءَ، ومن قرأها بالياء، ضم الباء.

انظر: "السبعة" 219، 220، و"القراءات" للأزهري 1/ 131، و"الحجة" للفارسي 3/ 100 - 101، و"الكشف" 1/ 364 - 368.

(٣) يقال: (حَسِبْتُ الشيءَ): ظَنَنْتُه، (أحْسِبُه، وأحْسَبُه)، والكسر أجْوَدُ اللغتين).

"تهذيب اللغة" 1/ 810 (حسب).

قال الجوهري: (ويقال: (أحْسِبُه) -بالكسر-، وهو شاذٌّ؛ لأن كلَّ فِعْلٍ كان ماضيه مكسورًا، فإن مستقبله يأتي مفتوح العَيْنِ، نحو: (عَلِمَ، يَعْلَمُ)، إلا أربعة أحرف جاءت نوادر، قالوا: (حسِب يحسِب ويحسَبُ)، و (بَئِس يبأس ويَبْئِسُ)، و (يَئِس يَيْأسُ وَييئسُ)، و (نَعِمَ يَنعَمُ ويَنْعِم) فإنها جاءت من السالم بالكسر والفتح.

ومن المعتَلِّ ما جاء ماضيه ومستقبله جميعًا بالكسر، نحو: (ومِقَ يمِق)، و (وفِقَ يَفِق)، و (وثِقَ يَثِق)، و (وَرع يَرعُ)، و (ورِمَ يَرِمْ)، و (ورث يرث)، و (وريَ الزندُ يَرِي)، و (وَلي يَلي).

"الصحاح" 1/ 112 (حسب).

(٤) في (ج): (أن عمرو يقوم) وفي "الحجة": وحسبت أن تقومَ.

(٥) في (أ)، (ب): (جرت).

والمثبت من (ج).

(٦) في "معاني القرآن" له 1/ 448.

نقله عنه بالمعنى.

وهو رأي الكسائي -كذلك-.

انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 380، و"تفسير القرطبي" 4/ 287.

(٧) في (ج): (خيرا).

(٨) في (ج)، و"معاني القرآن": (هل).

(٩) في (ج): (ينتظرون).

(١٠) في "معاني القرآن" له 1/ 491.

ناقله عنه بتصرف يسير.

(١١) في "معاني القرآن": (لا تحسبن إملاءنا للذين كفروا خيرًا لهم).

(١٢) صدر بيت، وعجزه: ولكنَّه بنيانُ قومٍ تَهَدَّما وهو لعبدة بن الطبيب السعدي التميمي، وهو في "شعره" 88.

وورد منسوبًا له في: "كتاب سيبويه" 1/ 156، و"البيان والتبيين" 2/ 363، و"الشعر والشعراء" (487)، و"عيون الأخبار" 1/ 287، و"الأصول في النحو" 2/ 51، و"الأغاني" 21/ 25، 26، و"شرح القصائد السبع"، لابن الأنباري 9، و"ديوان المعاني" لأبي هلال العسكري (تصحيح: كرنكو، ن: مطبعة القدسي، القاهرة، 1342 هـ): 2/ 175، و"أمالي المرتضى" 1/ 114، و"بهجة المجالس" 1/ 514، و"شرح ديوان الحماسة" للتبريزي (ن: دار القلم) 1/ 328، و"شرح المفصل" 3/ 65.

ونسبه في "الأغاني" 14/ 86 لمرداس بن عبدة.

وورد غبر منسوب في: "تفسير الثعلبي" 3/ 158 ب، و"شرح المفصل" 8/ 55، و"البسيط في شرح جمل الزجاجي" 2/ 198، و"إعراب القرآن" لنحاس 1/ 380، و"الإغفال" للفارسي 1/ 593.

وقد ورد في بعض المصادر: (فلم يك قيس ..).

قال الشاعر البيت في رثاء قيس بن عاصم المنقري، سيد بني تميم.

والشاهد في البيت: رفع (هلكُه) على أنه بدل من (قيس) اسم (كان) ويكون حينها (هلكَ) منصوبًا على أنه خبر (كان).

ويجوز أن يكون (هلكُه) مرفوعًا على الابتداء، وحينها تكون (هلك) مرفوعة على أنها خبر المبتدأ.

قال ابن الأنباري: (والرواية الجيدة: (هلكُه هلكُ واحد) برفعهما جميعًا).

"شرح القصائد السبع": 9.

(١٣) انظر: "الحجة" للفارسي 3/ 107، و"التبيان" للعكبري (542).

(١٤) انظر: "الحجة" للفارسي 3/ 107، و"التبيان" للعكبري 2/ 404.

(١٥) في: "الإغفال" 1/ 593.

نقله عنه بتصرف.

وانظر: "الحجة" له 3/ 107.

(١٦) في (ج): (خبر).

(١٧) في (ج): (خبر).

(١٨) (أبدل): ساقطة من (ج).

(١٩) في (ج): (كان).

(٢٠) (انتصب هلك واحد): ساقط من (ج).

(٢١) (ولو): ساقطة من (ج).

(٢٢) في (ج): (خبر).

وقد جاء في (ج) بعد (خير) العبارةُ التالية: (فلا يصح بالياء إنما).

وهي عبارة مقحمة لا وجه لها.

(٢٣) قال النحاس، عن قراءة حمزة لقوله تعالى ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ  ﴾ (وزعم أبو حاتم أنه لحنٌ لا يجوز، وتابعه على ذلك جماعةٌ).

"إعراب القرآن" 1/ 379.

وعَقَّب القرطبيُّ على زعم أبي حاتم، قائلًا: (قلت: وهذا ليس بشيء؛ لما تقدم بيانه من الإعراب، ولصحة القراءة وثبوتها نقلًا).

"تفسيره" 4/ 288.

(٢٤) لم أقف على مصدر قوله.

وقد ورد في: "زاد المسير" 1/ 805 (٢٥) في "تفسيره" 1/ 317.

نصه عنده -بعد أن ذكر الآية-: (أبا سفيان وأصحابه، يوم أحد).

(٢٦) انظر: "مجاز القرآن" 1/ 108.

(٢٧) (وإذا كان مصدرًا): ساقط من (ج).

(٢٨) في (ج): (إليهما).

(٢٩) من قوله: (واشتقاقه ..) إلى نهاية بيت الشعر: (..

من طريف وتالد): هو من قول ابن الأنباري؛ حيث ورد بعض النص في: "زاد المسير" 1/ 509، و"اللسان" 7/ 4272 (ملا).

ونسباه لابن الأنباري، ولم يبينا المصدر.

(٣٠) (أ)، (ب): وملاؤة.

والمثبت من: (ج)، ومصادر اللغة.

(٣١) في (ج): (ومَلاوة، ومِلاوة).

(٣٢) انظر: "مجاز القرآن" 1/ 234، و"غريب القرآن" لابن اليزيدي 45، و"تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة 116، و"غريب الحديث" للحربي 1/ 341، و"تحفة الأريب" 388، وانظر مادة (ملا) في: "تهذيب اللغة" 4/ 3438، و"الصحاح" 6/ 2496، و"اللسان" 7/ 4272.

(٣٣) في (ج): (الغواني).

(٣٤) البيت في "ديوانه" (تح: د.

عزة حسن): 340.

وورد منسوبًا له في: "إصلاح المنطق" 47، ومادة (جلد) في: "تهذيب اللغة" 1/ 634، و"الصحاح" 2/ 458.== و"المقاييس" 1/ 471، و"اللسان" 2/ 654.

وورد غير منسوب في: "جمهرة اللغة" 1/ 449، و"تفسير الثعلبي" 3/ 159 أ.

وروايته في الديوان والجمهرة: (فقد أكونُ ..).

و (الغواني): جمع غانية، وقيل في معناها: التي غَنِت بالزوج.

وقيل: التي غَنِيت بحُسْنها عن الزينة وقيل: التي تُطلَب، ولا تَطلُب.

وقيل: الشابَّة العفيفة؛ كان لها زوجٌ أو لم يكن.

وقيل: كلُّ امرأة، فإنها تُسمَّى غانية.

وقيل غير ذلك.

انظر: "اللسان" 6/ 3309 (غنا).

و (المِصْيَد) -بكسر الميم، وفتحها-: ما يُصاد به.

"اللسان" 4/ 2534 (صيد).

و (الجَلَد)، فيه قولان: أحدهما: أن يُسلخ جِلْدُ البعيرِ وغيره، وُيلْبَس غيرَه من الدواب، وُيسمَّى هذا (جَلَدا).

والقول الثاني: أن يُسلخ جِلْدُ الحُوار، ثم يُحشى ثُمامًا، أو غيره من الشجر، ثم يُعطف عليه أمُّه، فترأمه.

انظر: (جلد) في: "تهذيب اللغة" 1/ 634، و"المقاييس" 1/ 471.

ومعنى البيت: إنَّهنَّ يَرأمْنَنِي ويَعْطِفْنَ عليَّ، كما ترأم الناقةُ الجَلَدَ.

(٣٥) انظر: "مجاز القرآن" 2/ 234، و"الصحاح" 6/ 2497 (ملا)، و"اللسان" 7/ 4272 (ملا).

وقد ورد المثل فيه: (أبليت جَدِيدًا، وتَمَلَّيتَ حبيبًا).

أي: عشت معه ملاوتَكَ من دهرك، وتمتعت به.

(٣٦) تقدمت ترجمته.

(٣٧) البيت في "شعره" 86.

وقد ورد منسوبًا له، في: "الزاهر" 1/ 256.

وورد غير منسوب في: "اللسان" 7/ 4272 (ملا) وردت روايته في المصادر السابقة: (بودي لو أني ..).

قال في "الزاهر": (الطريف، والطارف)، وهما: المال المستحدث الذي كَسَبه الرجلُ، وجَمَعَهُ.

و (التَّليد، والتالِدُ): ما ورثه عن آبائه ولم يكتسبه) 1/ 256.

(٣٨) قوله -بنصه-، في: "تهذيب اللغة" (3438) (ملو).

(٣٩) في "التهذيب": الزمن.

(٤٠) وهي غير مهموزة، وتكتب بالألف والياء، والبصريون يكتبونها بالألف.

وقال الفراء: (والألف أجود).

وكذا قال ابن الأنباري.

انظر: "المقصور والممدود" للفراء 43،61، و"المنتخب" لكراع 2/ 438؛ و"شرح القصائد السبع" لابن الأنباري 465، ومادة (ملا) في: "تهذيب اللغة" 4/ 3438، و"الصحاح" 6/ 2497، و"اللسان" 7/ 4272.

(٤١) لم أقف على مصدر قول أبي عبيدة، والذي ورد في "مجاز القرآن ": (ويقال للخرق الواسع في الأرض: مَلًا، مقصور) 1/ 333.

(٤٢) لم أقف على مصدر قوله.

(٤٣) في (ج): (مريد).

(٤٤) لم أقف على مصدر قوله.

(٤٥) لم أقف عليهم.

(٤٦) الحديث أخرجه: أحمد في "المسند" 4/ 145، وابن أبي الدنيا في "كتاب الشكر" 80 رقم (32)، والطبراني في "المعجم الكبير" 17/ 133، والطبري في "تفسيره" 7/ 195.

وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد" 7/ 20، 10/ 245، وقال: (رواه الطبراني في الأوسط عن شيخه، الوليد بن العباس المصري، وهو ضعيف).

وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 3/ 22 وزاد نسبة إخراجه إلى ابن أبي حاتم، وابن المنذر، وأبي الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي في "الشعب".

وأورده في "الجامع الصغير" ورمز له بالحسن.

انظر: "فيض القدير" 1/ 455.

وأورده الخطيب التبريزي في: "مشكاة المصابيح" 3/ 1435 رقم (5201).

وحَسَّن الحافظ العراقي سنده (انظر: "تخريج الإحياء" بهامش "إحياء علوم الدين" 4/ 132).

وصححه الألباني في: صحيح "الجامع الصغير" 1/ 158 رقم (561)، وفي "سلسلة الأحاديث الصحيحة" رقم (414).

ولفظ الحديث -كما عند أحمد، من رواية عقبة بن عامر، عن النبي  : "إذا رأيت الله -عز وجل- يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يُحب، فإنما هو استدراج"، ثم تلا رسولُ الله  : ﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ  ﴾ .

فليس في الأثر -عند من رواه- أنه  قرأ هذه الآية من سورة آل عمران.

(٤٧) في "معاني القرآن" له 1/ 491.

نقله عنه بتصرف يسيِر.

(٤٨) سبق بيان أن المراد بـ (القدَريَّة) هم المعتزلة، الذين وافقوا القَدَرية القُدامى في نفي القدر.

(٤٩) من قوله: (وهذا ..) إلى (..

خير لأنفسهم): ساقط من (ج).

(٥٠) قال النحاس في "إعراب القرآن" 1/ 380 (قال أبو حاتم: سمعت الأخفش يذكر كسر (إنَّ) يحتج لأهل القَدَر؛ لأنه كان منهم، ويجعله على التقديم والتأخير ..

قال: ورأيت في مصحفٍ في المسجد الجامع، قد زادوا فيه حرفًا؛ فصار: (إنما نملي لهم ليزدادوا إيمانًا)، فنظر إليه يعقوب القارئ، فتَبيَّنَ اللَّحَقَ، فحكَّه).

وانظر: "تفسير القرطبي" 4/ 288.

(٥١) انظر: "تنزيه القرآن عن المطاعن" للقاضي عبد الجبار 83 (٥٢) (أ)، (ب): (وهو)، والمثبت من: (ج)، وهو أولى وأصوب.

(٥٣) في (ج): (الكفر).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَلاَ يَحْزُنكَ ﴾ تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم، وقرئ بفتح الياء وضم الزاي حيث وقع مضارعاً من حزن الثاني، وهو أشهر في اللغة من أحزن ﴿ الذين يسارعون فِي الكفر ﴾ أي يبادرون إلى أقواله وأفعاله وهم المنافقون والكفار ﴿ إِنَّ الذين اشتروا ﴾ الآية: هم المذكورون قبل أو على العموم في جميع الكفار ﴿ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ ﴾ أي نمهلهم أن مفعول يحسبن، وما اسم أن فحقها أن تكتب منفصلة وخير خبر: ﴿ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ ﴾ ما هنا كافة والمعنى ردّ عليهم أي أن الإملاء لهم ليس خيراً لهم إنما هو استدراج ليكتسبوا الإثم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ولا يحزنك ﴾ من الأفعال حيث كان إلا قوله: ﴿ لا يحزنهم الفزع الأكبر  ﴾ نافع ومثله ﴿ ليحزنني  ﴾ و ﴿ ليحزن الذين آمنوا  ﴾ وقرأ يزيد على ضده.

الباقون: بفتح الياء وضم الراء.

ولا خلاف في مثل ﴿ يحزنون  ﴾ و ﴿ لا تحزن  ﴾ مما هو لازم ﴿ ولا يحسبن ﴾ وثلاثة بعدها بالياء التحتانية مع ضم الباء في ﴿ تحسبنهم ﴾ أبو عمرو وابن كثير، وقرأ حمزة كلها بتاء الخطاب، وقرأ أبو جعفر ونافع وابن عامر ويعقوب كلها بالتحتانية إلا قوله: ﴿ فلاتحسبنهم ﴾ فإنها بالتاء وفتح الباء.

الباقون: الأولياء على الغيبة والأخريان بالخطاب.

/ ﴿ يميز ﴾ بالتشديد حيث كان: حمزة وعلي وخلف وسهل ويعقوب عياش مخير.

الباقون: خفيف بفتح الياء وكسر الميم.

﴿ يعملون خبير ﴾ بياء الغيبة: ابن كثير ويعقوب وأبو عمرو ﴿ لقد سمع ﴾ وبابه مدغماً: أبو عمرو وحمزة وعلي وخلف وهشام.

﴿ سيكتب ﴾ بضم الياء وفتح التاء ﴿ وقتلهم ﴾ برفع اللام و ﴿ ويقول ﴾ على الغيبة: حمزة الباقون: بالنون فيهما على التكلم.

ونصب اللام في ﴿ وقتلهم ﴾ ﴿ وبالزبر ﴾ ابن عامر ﴿ وبالكتاب ﴾ الحلواني عن هشام.

الباقون: بغير إعادة الخافض فيهما ﴿ زحزع عن ﴾ مدغماً: شجاع وأبو شعيب من طريق العطار وابن مهران ﴿ ليبيننه ﴾ ﴿ ولا يكتمونه ﴾ بالياء فيهما لأنهم غيب: ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب غير رويس وأبو بكر وحماد.

الباقون: بتاء الخطاب فيهما على حكاية مخاطبتهم.

الوقوف: ﴿ في الكفر ﴾ ج للابتداء بأن ولاحتمال إضمار اللام أو الفاء ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ في الآخرة ﴾ ج لعطف المختلفين مع اتحاج مقصود الكلام ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ شيئاً ﴾ ج لما ذكر ﴿ في الآخرة ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ 5 ﴿ لأنفسهم ﴾ ط ﴿ إثما ﴾ ج لما ذكر أياَ ﴿ مهين ﴾ ه ﴿ من الطيب ﴾ ط ﴿ ورسله ﴾ ط ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ خيراً لهم ﴾ ط ﴿ شراً لهم ﴾ ط ﴿ القيامة ﴾ ط ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ خبير ﴾ ه ﴿ أغنياء ﴾ م لئلا يصير ما بعده من مقولهم، ومن قرأ بضم الياء فوقفه مطلق.

﴿ بغير حق ﴾ ج لمن قرأ ﴿ ويقول ﴾ بالياء لأن التقدير: ويقول الله أو يقول الزبانية فلا ينعطف على قوله: ﴿ سيكتب ﴾ مع اتساق المعنى.

﴿ الحريق ﴾ ه ﴿ للعبيد ﴾ ج ه لاحتمال الصفة وأن يكون المراد هم الذين، والوقف أولى لأنه لا يظلم العبيد ملطقاً لا العبيد الموصوفة.

نعم لو كان بدلاً من الذين قالوا إن الله فقير صح ﴿ تأكله النار ﴾ ط ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ المنير ﴾ ه ﴿ الموت ﴾ ط ﴿ يوم القيامة ﴾ ط لابتداء شرط في أمر معظم.

﴿ فقد فاز ﴾ ط ﴿ الغرور ﴾ ه ﴿ كثيراً ﴾ ط ﴿ الأمور ﴾ ه ﴿ ولا تكتمونه ﴾ ز لأن الجملتين وان اتفقتا لم يكن النبذ متصلاً بأخذ الميثاق فلم يضف إلى ظرف "إذ" ﴿ قليلاً ﴾ ط ﴿ يشترون ﴾ ه ﴿ من العذاب ﴾ ج لما ذكر.

﴿ أليم ﴾ ه {والأ ﴿ ض ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه.

التفسير: نزلت في كفار قريش وإنه  جعل رسوله آمناً من شرهم وأتاح العاقبة له وإن جمعوا الجموع وجهزوا الجيوش حتى يظهر هذا الدين على الأديان كلها، وقيل في المنافقين ومسارعتهم هي أنهم كانوا يخوّفون المؤمنين بسبب واقعة أحد، ويؤيسونهم من النصر والظفر، وربما يقولون: إن محمداً لطالب ملك فتارة يكون الأمر له وتارة يكون عليه، ولو كان رسولاً ما غلبه أحد.

وقيل: إن قوماً من الكفار أسلموا ثم ارتدوا خوفاً من قريش، فاغتم النبي  لذلك فبيّن الله  أن ردتهم لا تؤثر في لحوق ضرر بك.

ونصر بعضهم هذا القول بأن المسارعة وهي شدة الرغبة في الكفر إنما تناسب من كفر بعد الإيمان / المستمر على الكفر، وبأن إرادته أن لا يجعل لهم حظاً في الآخرة إنما تليق بمن آمن فاستوجب الحظ ثم أحبط، وبأن الحزن إنما يكون على فوات أمر مقصود وذلك هو ما قدر النبي  من الانتفاع بإيمانهم أو انتفاعهم بالإيمان فبيّن الله  أنه لا يلحق بسبب فوات ذلك ضرر بالدين، وأن وبال ذلك يعود عليهم كما دل عليه بقية الآية.

فإن قيل: الحزن على كفر الكافر وعلى معصية العاصي طاعة، فكيف نهى نبي الله عن ذلك؟

فالجواب أنه نهي عن الإسراف في الحزن بحيث يأتي عليه ونظيره ﴿ لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين  ﴾ أو المراد لا يحزنوك لخوف أن يضروك ويعينوا عليك ﴿ إنهم لن يضروا الله ﴾ أي دينه ﴿ شيئاً ﴾ من الضرر.

﴿ يريد الله ألا يجعل لهم حظاً في الآخرة ﴾ فيه دليل على أن إرادة الله تتعلق بالعدم، وتنصيص على أن الخير والشر والنفع والضر بإرادة الله، ومعنى قوله: ﴿ ولهم عذاب عظيم ﴾ أنه كما لاحظ لهم من منافع الآخرة فلهم حظ عظيم من مضارها.

وفي الإخبار عن إرادة عدم الجعل دون الإخبار عن عدم الجعل إشعار بأن استحقاقهم للحرمان بلغ إلى حد أراد أرحم الراحمين أن لا يرحمهم وأن الداعي إلى تعذيبهم خلص خلوصاً لم يبق معه صارف ألبتة.

ثم أنزل في اليهود خاصة وهو الأشبه أو في الكفار عامة ﴿ إن الذين اشتروا ﴾ الآية.

والغرض تأكيد تقوية قلب الرسول كأنه قيل: إن أكثرهم ينازعونك في الدين لا لأجل شبهة لهم بل بناء على الحسد والمنازعة في منصب الدنيا.

ومن كان عقله هذا القدر - وهو أن يبيع بالقليل من الدنيا السعادة الكثيرة في الآخرة - كان في غاية الحماقة، ومثله لا يقدر على إلحاق الضرر بالغير.

ولو قيل: إن الآية في المرتدين فالمعنى أن اختيار دين بعد دين ثم الارتداد على العقبين يدل على الاضطراب وضعف الرأي، والإنسان المضطرب الحال لا قدرة له على إيصال الضرر إلى الغير.

ثم بين أن بقاء المنافقين المتخلفين عن الجهاد والكفار الذين بقوا بعد شهداء أحد لا خير فيه فقال: ﴿ ولا يحسبن ﴾ من قرأ بالياء فقوله: ﴿ الذين كفروا ﴾ فاعل، و"أن" مع ما في حيزه ساد مسد مفعوليه.

ومن قرأ بتاء الخطاب فـ ﴿ الذين كفروا ﴾ مفعول أول و"أن" مع ما في حيزه بدل منه.

وصح الإبدال وإن لم يمض إلا أحد المفعولين لأن المبدل في حكم المنحي.

ألا تراك تقول: جعلت متاعك بعضه فوق بعض.

مع امتناع السكوت على متاعك؟

والتقدير: ولا تحسبن الذين كفروا أن إملائي خير لهم على أن "ما" مصدرية.

ويجوز أن يقدر مضافمحذوف أي لا تحسبنهم أصحاب أن الإملاء خير لهم، أو لا تحسبن حال الذين كفروا أن الإملاء خير لأنفسهم.

قال الأصمعي: يقال أملى عليه الزمان أي طال.

وأملى له أي طوّل له وأمهله.

قال أبو عبيدة: ومنه الملا للأرض الواسعة الطويلة، والملوان الليل والنهار.

ويقال: أقمت عنده ملاوة من الدهر أي حيناً وبرهة.

و ﴿ إثماً ﴾ نصب على التمييز.

وفي / وصف العذاب أوّلاً بالعظم ثم بالألم ثم بالإهانة تدرج من الأهون إلى الأشق، وفيه من الوعيد والسخط ما لا يخفى.

قالت الأشاعرة ههنا: إن إطالة المدة من فعل الله لا محالة.

والآية دلت على أنها ليست بخير ففيه دلالة على أنه  فاعل الخير والشر.

وأيضاً إنه نص على أن الغرض من هذا الإملاء، أن يزدادوا إثماً، فإذن الكفر والمعاصي بإرادة الله.

وأيضاً أخبر عنهم أنه لا خير لهم فيه وأنهم لا يحصلون منه إلا على ازدياد الغي والإثم، والإتيان بخلاف خبر الله  محال، فعلمنا أنهم مجبورون على ذلك في صورة مختارين.

أجابت المعتزلة بأن المراد أن هذا الإملاء ليس خيراً من موت الشهداء إذ الآية من تتمة قصة أحد، لا أنه ليس بخير مطلقاً.

وزيف بأن بناء المبالغة لا يجوز ذكره إلا مع المفضل عليه، لكنه لم يذكر فعلمنا أنه لنفي الخيرية لا لنفي كونه خيراً من شيء آخر، وعن الثاني أن ازدياد الإثم علة للإملاء وليس كل علة بغرض كقولك: قعدت عن الغزو للعجز والفاقة.

ومثله ﴿ وجعلو لله أنداداً ليضلوا  ﴾ وهم ما فعلوا ذلك إلا ضلال.

ويقال: ما كانت موعظتي لك إلا للزيادة في تماديك في الغي إذا كانت عاقبة الموعظة ذلك.

ورد بأن حمل اللام على لام العاقبة عدول عن الظاهر، على أنا نعلم بالبرهان أن علمه  بأنهم مزدادون إثماً على تقدير الإمهال علة فاعلية لازديادهم إثماً فكان  فاعلاً للازدياد ومريداً له.

قالوا: في الكلام تقديم وتأخير وترتيبه: لا يحسبن الذين كفروا إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً إنما نملي لهم خير لأنفسهم.

ويعضده قراءة يحيى بن وثاب بكسر "إن" الأولى وفتح الثانية.

وردّ بأن التقديم والتأخير خلاف الأصل، والقراءة الشاذة لا اعتداد بها مع أن الواحدي أنكرها.

ثم إنه  أخبر أنه لا يجوز في حكمته أن يترك المؤمنين على ما هم عليه من اختلاط المخلص بالمنافق، ولكنه يعزل أحد الجنسين عن الآخر بإلقاء الحوادث وإبداء الوقائع كما في قصة أحد.

لله در النائبات فإنها *** صدأ اللئام وصيقل الأحرار فقال: ﴿ ما كان الله ليذر ﴾ اللام لتأكيد النفي والخطاب في ﴿ أنتم ﴾ للمصدقين جميعاً من أهل الإخلاص والنفاق.

خوطبوا بأنه ما كان في حكمة الله أن يترك المخلصين منكم على الحال التي أنتم عليها من اختلاط بعضكم ببعض.

وماز وميَّز لغتان.

مزت الشيء بعضه من بعض أميزه ميزاً، وميّزته تمييزاً.

وفي الحديث " "من ماز أذى عن الطريق فهو له صدقة وحجة " ولفظ الطيب والخبيث وإن كان مفرداً إلا أنه للجنس والمراد جميع / المنافقين من المؤمنين، وإنما قدم الخبيث على الطيب ليقع فعل الميز عليه ليعلم أنه المطرح من الشيئين الملقى لرداءته، فإن الميز يقع على الأدون والأهون.

وبم يحصل هذا الميز؟

قيل: بالمحن والمصائب كالقتل والهزيمة وكما دعاهم النبي  إلى الخروج مع ما بهم من القروح، فبمثل ذلك يظهر الثابت من المتزلزل والساكن من المتقلقل.

وقيل: بإعلاء كلمة الدين وقلة شوكة المخالفين ليظهره على الدين كله.

وقيل: بالوحي إلى نبيه ولهذا أردفه بقوله: ﴿ وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكنّ الله يجتبي ﴾ أي يصطفي ويختار ﴿ من رسله من يشاء ﴾ وبناء الكلام على ثلاث مراتب: الأولى أن هذا المنصب الذي استأثر الله  بعلمه لا يليق بكل منكم، وإنما هو مخصوص بالمصطفين من عيبده.

الثانية أن الرسول أيضاً لا يعلم المغيبات بأن يطلع عليها من تلقاء نفسه وبخاصية فيه، ولكنه إنما يعلم ذلك من طريق الوحي وإطلاع الله  إياه عليه أن هذا مؤمن وذاك منافق.

الثالثة أن هذا أيضاً مختص ببعض الرسل وفي بعض الأوقات حسب مشيئته وإرادته.

﴿ فآمنوا بالله ورسله ﴾ ومن جملة الإيمان بالله أن تعتقدوه وحده علاماً للغيوب، ومن جملة الإيمان بالرسل أن تنزلوهم منازلهم بأن تعلموهم عبيداً مصطفين لا يعلمون من الغيب إلا ما علمهم الله  .

ووجه النظم على القول الأول: لا تظنوا أن هذا التمييز يحصل بأن يطلعكم الله على غيبه ويقول إن فلاناً مؤمن وفلاناً منافق، فإن سنة الله جارية بأنه لا يطلع العوام على غيبه ولا يكون لهم سبيل إلى معرفة الأمور إلا بالامتحان والقرائن المفيدة للظن الغالب، ولكنه يصطفي من رسله من يشاء، فيعلمهم أن هذا مؤمن وذاك منافق ويختارهم للرسالة ووضع التكاليف الشاقة التي بمثلها يتميز الفريقان ويخلص أهل الوفاء من أهل الجفاء.

أو المراد ما كان الله ليطلعكم كلكم عالمين بالغيب من حيث يعلم الرسول حتى تصيروا مستغنين عن الرسول، ولكنه يخص من يشاء بالرسالة ثم يكلف الباقين طاعة هؤلاء الرسل، فآمنوا بالله ورسله كلهم، لأن طريق ثبوت نبوّتهم واحد، فمن أقر بنبوّة واحد منهم لزمه الإقرار بنبوّة كلهم ثم اتبعه الوعد بالثواب فقال: ﴿ وإن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر عظيم ﴾ قال السدي: قال رسول الله  : " "عرضت عليّ أمتي في صورها كما عرضت على آدم وأعلمت من يؤمن بي ومن يكفر " فبلغ ذلك المنافقين فاستهزؤا فقالوا: زعم محمد أنه يعلم من يؤمن به ومن يكفر ونحن معه ولا يعرفنا فأنزل الله ﴿ ما كان الله ليذر المؤمنين ﴾ .

وقال الكلبي: قالت قريش: تزعم يا محمد أن من خالفك فهو في النار والله عليه غضبان، وأن من اتبعك على دينك فهو من أهل الجنة والله عنه راض، فأخبرنا بمن يؤمن بك وبمن لا يؤمن بك فنزلت.

وقال أبو العالية: نزلت حين سأل المؤمنون أن يعطو علامة يفرقون بها بين المؤمن والمنافق.

/ ثم إنه عز من قائل لما بالغ في التحريض على بذل النفس في الجهاد، حرض على بذل المال في سبيل الله فقال: ﴿ ولا تحسبن الذين يبخلون ﴾ من قرأ بتاء الخطاب قدر مضافاً أي لا تحسبن بخل الذين يبخلون هو خيراً لهم، وكذا من قرأ بالياء وجعل فاعله ضمير النبي أو أحد.

ومن جعل الموصول فاعلاً فالمفعول الأول محذوف للدلالة.

التقدير: ولا تحسبن هؤلاء بخلهم هو خيراً وهو صيغة الفصل.

قال الواحدي: جمهور المفسرين على أن هذه الآية نزلت في مانعي الزكاة لترتب الوعيد عليه وسوق الكلام في معرض الذم، ولأن تارك التفضل لو عدّ بخيلاً لم يتخلص الإنسان من البخل إلا بإخراج جميع المال.

وفي حكم الزكاة سائر المصارف الواجبة كالإنفاق على النفس وعلى الأقربين الذين يلزمه مؤنتهم، وعلى المضطر، وفي الذب عن المسلمين إذا قصدهم عدوّ وتعين دفعهم بالمال.

وروى عطية عن ابن عباس أنها نزلت في أحبار اليهود الذين كتموا صفة محمد  ونبوّته.

وأراد بالبخل كتمان العلم الذي آتاهم الله، وعلى هذا يكون عوداً إلى ما انجرّ منه الكلام إلى قصة أحد، وذلك هو شرح أحوال أهل الكتاب ويعضده أن كثيراً من آيات بقية السورة فيهم.

وعلى هذا التفسير فمعنى ﴿ سيطوّقون ﴾ أن الله  يجعل في رقابهم طوقاً من النار كقوله  : " من سئل عن علم يعلمه فكتمه ألجم بلجام من نار" والسر فيه أنهم لم ينطقوا بأفواههم وألسنتهم بما يدل على الحق.

وعلى التفسير الأول فإما أن يكون محمولاً على ظاهره وهو أن يجعل ما بخل به من الزكاة حية يطوّقها في عنقه تنهشه من قرنه إلى قدمه وتنقر رأسه ويقول: أنا مالك.

عن ابن مسعود عن النبي  : " ما من رجل له مال لا يؤدي حق ماله إلا جعل طوقاً في عنقه شجاعاً أقرع يفر منه وهو يتبعه " ثم قرأ مصداقه من كتاب الله عز وجل ﴿ ولا تحسبن الذين يبخلون ﴾ الآية.

وعن ابن عمر قال: قال  : " إن الذي لا يؤدي زكاة ماله يخيل إليه ماله يوم القيامة شجاعاً أقرع له زبيبتان فيلزمه أي يطوّقه يقول: أن كنزك " وأما أن يكون على طريق التمثيل لا على أن ثمة أطواقاً أي سيلزمون إثمه في الآخرة إلزام الطوق.

وفي أمثالهم "يقلدها طوق الحمامة" إذا جاء بهنة يسب بها ويذم.

وقال مجاهد: معناه سيكلفون أن يأتوا بما بخلوا به يوم القيامة.

ونظيره ما روي عن ابن عباس أنه كان يقرأ ﴿ وعلى الذين يطوّقونه فدية  ﴾ قال المفسرون: يكلفونه ولا يطيقونه أي يؤمرون بأداء ما منعوه حتى لا يمكنهم الإتيان به فيكون ذلك توبيخاً على معنى هلا فعلتم ذلك حين كان ممكناً؟

﴿ ولله ميراث السموات والأرض ﴾ وله ما فيهما مما يتوارثه أهلهما من مال وغيره.

فمالهم يبخلون عليه بملكه ولا ينفقونه في سبيله؟

ونظيره قوله: ﴿ وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه  ﴾ وقال كثير من المفسرين: المقصود أنه يبطل ملك جميع المالكين إلا ملك الله فيصير كالميراث.

قال ابن الأنباري: يقال ورث فلان علم فلان إذا تفرد به بعد أن كان مشاركاً له فيه.

ومثله ﴿ وورث سليمان داود  ﴾ أي انفرد بذلك الأمر بعد أن كان داود مشاركاً له فيه أو غالباً عليه ﴿ والله بما تعملون خبير ﴾ من قرأ على الغيبة فظاهر، أي يجازيهم على منعهم الحقوق.

ومن قرأ على الخطاب فللالتفات وهي أبلغ في الوعيد لأن الغضب كأنه تناهى إلى حد أقبل على الخطاب وشافه بالعتاب.

ثم شرع في حكاية شبه الطاعنين في نبوة محمد  .

وذلك أنه لما أمر بالإنفاق في سبيل الله قالوا: لو كان محمد صادقاً في أن الله  يطلب منا المال فهو إذن فقير ونحن أغنياء، لكن الفقر على الله محال فمحمد غير صادق.

وأيضاً لو كان نبياً لكان إنما يطلب المال لأجل أن تجيء نار من السماء فتحرقه كما كان في الأزمنة السالفة، فلما لم يفعل ذلك عرفنا أنه ليس بنبي.

فهذا بيان النظم وليس في الآية تعيين القائلين إلا أن العلماء نسبوا هذا القول إلى اليهود لعنهم الله لقولهم في موضع آخر ﴿ يد الله مغلولة  ﴾ عنوا أنه بخيل.

وذلك الجهل يناسب هذا الجهل، ولأن التشبيه غالب عليهم، والقائل بالتشبيه لا يمكنه إثبات كونه  قادراً على كل المقدورات، وإذا عجز عن إثبات هذا الأصل عجز عن بيان أنه غني، ولما روي عكرمة ومحمد بن إسحق والسدي ومقاتل "أن رسول الله  كتب مع أبي بكر إلى يهود بني قينقاع يدعوهم إلى الإسلام وإلى إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وأن يقرضوا الله قرضاً حسناً.

فقال فنحاص عن عازوراء ـ وهو من علمائهم - أتزعم أن ربنا يستقرضنا أموالنا فهو إذن فقير ونحن أغنياء، فغضب أبو بكر ولطمه في وجهه وقال: لولا الذي بيننا وبينكم من العهد لضربت عنقك.

فذهب فنحاص إلى رسول الله  وقال: يا محمد انظر ما صنع بي صاحبك.

فقال رسول الله صلى الله لأبي بكر: ما الذي حملك على ما صنعت؟

فقال: يا رسول الله إن عدوّ الله قال هكذا.

فجحد ذلك فنحاص فنزلت هذه الآية تصديقاً لأبي بكر" .

وأيضاً إن موسى لما طلب منهم الجهاد ببذل النفوس قالوا له: إذهب أنت وربك فقاتلا.

فلا يبعد أن محمداً  لما طلب منهم الأموال قالوا له: لو كان الإله غنياً فأي حاجة إلى أموالنا.

ثم إن القائل لو كان فنحاصاً وحده فإنما / يستقيم قوله: ﴿ لقد سمع الله قول الذين قالوا ﴾ لأن أتباع الرجل والمقتدين به حكمهم حكمه.

ثم إنه  لم يجبهم عن شبهتهم.

أما على قواعد أهل السنة فبأن يقول يفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد، فلا يبعد أن يأمر عبيدة ببذل الأموال مع كونه أغنى الإغنياء.

وأما على قوانين المعتزلة فبأن في هذا التكليف فوائد منها: إزالة حب المال عن القلب، ومنها التوسل إلى الثواب المخلد، ومنها تسخير البعض للبعض فبذلك ترتبط أمور التمدن وتنتظم أحوال صلاح المعاش والمعاد وإنما لم يجب لكثرة ورودها في القرآن ﴿ لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون  ﴾ ﴿ من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له اضعافاً كثيرة  ﴾ ﴿ وما تنفقوا من خير فلأنفسكم  ﴾ ولأن وجوب الوجود عبارة عن الغنى المطلق حتى لا يحتاج في ذاته ولا في شيء من صفاته ولا بجهة من جهاته إلى ما سوى ذاته.

فمن اعترف بوجوب وجوده ثم شك في كمال غناه في وجوده فقد عاد بالنقض على موضوعه فلا يستحق الجواب عند أولي الألباب، وإنما يستأهل صنوفاً من العتاب وضروباً من العذاب فلهذا قال على جهة الوعيد ﴿ سنكتب ما قالوا ﴾ في صحائف الحفظة، أو نستحفظه ونثبته في علمنا لا ننساه كما يثبت المكتوب فلا ينسى.

وفي التفسير الكبير: سنكتب عنهم هذا الجهل في القرآن حتى يبقى على لسان الأمة إلى يوم القيامة.

ثم عطف عليه قتلهم الأنبياء ليدل على أنهم كما لو يقدروا الله حق قدره حتى نسبوا إليه ما نسبوه، فكذلك لم يقضوا حقوق الأنبياء ففعلوا بهم ما فعلوا.

﴿ ونقول ذوقوا عذاب الحريق ﴾ وهو من أسماء جهنم.

"فعيل" بمعنى "مفعول" كالأليم بمعنى المؤلم.

أو سميت باسم صاحبها أي ذات حرقة.

والمعنى: ينتقم منهم فيقول لهم ذوقوا عذاب النار كما أذقتم المسلمين جرع الغصص.

وهذا القول يحتمل أن يقال عند الموت، أو عند الحشر، أو عند قراءة الكتب.

ويحتمل أن يكون كناية عن الوعيد وإن لم يكن ثمة قول ﴿ ذلك ﴾ العذاب أو الوعيد ﴿ بما قدمت أيديكم ﴾ من السب والقتل.

وذكر الأيدي لأن أكثر الأعمال يباشر باليد، فجعل كل عمل كالواقع بالأيدي على سبيل التغليب وإن كان بعضه باللسان أو بسائر الجوارح والآلات.

وإنما جمع لأن المخاطب جمع ولو كان مفرداً.

قيل: بما قدمت يداك مثنى كما في سورة الحج.

قال الجبائي: قوله: ﴿ وأن الله ﴾ أي وبأن الله ليس بظلام للعبيد، فيه دلالة على أن فعل العقاب بهم كان يكون ظلماً بتقدير أن لا يقع منهم الذنوب.

وفيه بطلان قول المجبرة أن الله يعذب الأطفال بغير جرم ويجوز أن يعذب البالغين بغير ذنب، ويدل على كون العبد فاعلاً وإلا لكان الظلم حاصلاً.

والجواب أنه لم ينف الظلم عن نفسه بمعنى أن الجزاء إنما كان مرتباً على الذنب الصادر بكسب العبد وفعله فلا ظلم، بل بمعنى / أنه مالك الملك، والمالك إذا تصرف في ملكه كيف شاء لم يكن ذلك ظلماً، فخلق ذلك الفعل فيهم وترتيب العذاب عليه لا يكون ظلماً.

قيل: إنه نفى الظلم الكثير عن نفسه وذلك يوهم ثبوت أصل الظلم له، أجاب القاضي بأن العذاب الذي توعد بأن يفعل بهم لو كان ظلماً لكان عظيماً، فنفاه على حد عظمه لو كان ثابتاً.

وهذا يؤكد ما ذكر أن إيصال العقاب إليهم كان يكون ظلماً عظيماً لو لم يكونوا مذنبين، أقو ل: إنه  نفى حقيقة الظلم عنه في قوله: ﴿ وما ظلمناهم  ﴾ ﴿ وهم لا يظلمون  ﴾ وبحقيقة ما ذكرناه أنه مالك الكل له أن يتصرف في ملكه كيف يشاء، ولكنه نفى ههنا كثرة الشر والظلم أن يصدر عنه كأنه قال: إن خُيِّلَ إليكم أن في الوجود شراً بناء على ما في ظنكم من أن الحكيم قد يصدر عنه الشر القليل بتبعية الخير الكثير، فاعلموا أني منزه عن صدور الشر الكثير مني، وأن هذا من الشر القليل الذي في ضمنه خير كثير.

ونقول: أراد نفي الشر القليل وأصل الظلم عنه، ولكن القليل من الظلم بالنسبة إلى رحمته الذاتية كثير، فلهذا عبر عنه بلفظ الكثرة والمبالغة.

ثم قرر الشبهة الأخرى لهم فقال: ﴿ الذين قالوا إن الله عهد إلينا ﴾ قال الكلبي: نزلت في كعب بن الأشرف ومالك بن الصيف ووهب بن يهودا وزيد بن التابوت وفنحاص بن عازوراء وحيي بن أخطب، أتوا رسول الله  فقالوا: تزعم أن الله بعثك إلينا رسولاً، وأنزل عليك الكتاب، وإن الله قد عهد إلينا في التوراة أن لا نؤمن لرسول يزعم أنه جاء من عند الله حتى يأتينا بقربان تأكله النار، فإن جئتنا به صدقناك فنزلت.

قال عطاء: كانت بنو إسرائيل يذبحون لله فيأخذون الثروب وأطايب اللحم فيضعونها في وسط بيت والسقف مكشوف، فيقوم النبي في البيت ويناجي ربه وبنو إسرائيل خارجون واقفون حول البيت، فتنزل نار بيضاء لها دوي وحفيف ولا دخان لها فتأكل ذلك القربان وهو البر الذي يتقرب به إلى الله.

وأصله مصدر كالكفران والرجحان.

ثم سمي به نفس المتقرب به إلى الله ومنه قوله  لكعب بن عجرة: " "يا كعب، الصوم جنة والصلاة قربان" أي بها يتقرب إلى الله ويستشفع في الحاجة لديه.

وللعلماء فيما ادعاه اليهود قولان: قال السدي: إن هذا الشرط جاء في التوراة مع الاستثناء.

قال: من جاءكم يزعم أنه رسول الله فلا تصدقوه حتى يأتيكم بقربان تأكله النار إلا المسيح ومحمداً.

فكانت هذه العادة جارية إلى مبعث المسيح ثم زالت.

وقيل: إنه افتراء لأن المعجزات كلها في كونها خارقة للعادة وآية لصحة النبوة سواء، فأي فائدة في تخصيصها؟

ولأنه إما أن يكون في التوراة أن مدعي / النبوة وإن جاء بجميع الآيات لا تقبلوا قوله إلا أن يجيء بهذه الآية المعينة، وحينئذٍ لا تكون سائر المعجزات دالة على الصدق، وإذا جاز الطعن فيها جاز في هذه.

وإما أن يكون فيها أن مدعي النبوة يطالب بالمعجزة أية كانت.

وحينئذٍ يكون طلب هذا المعجز المعين عبثاً فلهذا نسبهم الله  إلى الجحود والعناد فقال: ﴿ قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم ﴾ أي بمدلوله ومؤدّاه ﴿ فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين ﴾ إنما الإيمان يجب عند الإتيان بالقربان.

وإنما ذكر مجيء الرسل بالبينات ولم يقتصر على مجيء القربان ليتم الإلزام.

وذلك أن القوم يحتمل أن يقولوا إن الإتيان بهذا القربان شرط للنبوة لا موجب لها، والشرط يلزم من عدمه عدم المشروط لكن لا يلزم من وجوده وجود المشروط.

فلو اكتفى بذكر القربان لم يتم الإلزام، وحيث أضاف إليه البينات ثبت أنهم أتوا بالموجب وبالشرط جميعاً، فكان الإقرار بالنبوة واجباً.

ثم سلى رسوله بقوله: ﴿ فإن كذبوك ﴾ في أصل الشريعة والنبوة أو في قولك إن الأنبياء الأقدمين جاؤهم بالبينات وبالقربان فقتلوهم ﴿ فقد كذب رسل من قبلك ﴾ وأي رسل والمصيبة إذا عمت طابت ﴿ جاؤا بالبينات ﴾ وهي الحجج الواضحات والمعجزات الباهرات.

والزبر هي الصحف جمع زبور بمعنى مزبور أي مكتوب.

وقال الزجاج: الزبور كل كتاب ذي حكمة فيشبه أن يكون من الزبر بمعنى الزجر عن خلاف الحق وبه سمي زبور داود لما فيه من الزواجر والمواعظ والكتاب المنير الموضح أو الواضح المستنير.

يعلم من عطف الزبور والكتاب على البينات، أن معجزاتهم كانت مغايرة لكتبهم، وأنها لم تكن معجزة لهم والإعجاز من خواص القرآن.

وعطف الكتاب المنير على الزبر لأن الكتاب بوصفه بالإثارة أو الاستنارة أشرف من مطلق الزبر فخص بعد العموم لشرفه مثل ﴿ وملائكته ورسله وجبريل وميكال  ﴾ وقيل: المراد بالزبر الصحف، وبالكتاب المنير التوراة والإنجيل والزبور.

ثم أكد التسلية بقوله: ﴿ كل نفس ذائقة الموت ﴾ لأن تذكر الموت واستحضاره مما يزيل الغموم والأشجان الدنيوية، وكذا العلم بأن وراء هذه الدار داراً يتميز فيها المحسن عن المسيء، ويرى كل منهما جزاء عمله.

والمراد لكل نفس ذائقة الموت كل ذات.

فالقضية لا يمكن إجراؤها على عمومها لاستثناء الله  منها ﴿ تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك  ﴾ وكذا كل الجمادات لأن لها ذوات.

ولقوله: ﴿ فصعق من في السموات و من في الأرض إلا من شاء الله  ﴾ ولأنه لا موت لأهل الجنة ولأهل النار.

فالمراد المكلفون الحاضرون في دار التكليف، والملائكة عند من يجوّز الموت عليهم.

روي عن ابن عباس: لما نزل قوله  : ﴿ كل من عليها فان ﴾ \[الرحمن: /26\] قالت الملائكة: مات أهل الأرض.

فلما نزل ﴿ كل نفس ذائقة الموت ﴾ قالت الملائكة: متنا.

وفي الآية دليل على أن المقتول ميت وعلى أن النفس باقية بعد البدن، لأن الذائق لا بد أن يكون باقياً حال حصول الذوق.

قالت الحكماء: الموت واجب الحصول عند هذه الحياة الجسمانية لأنها لا تحصل إلا بالرطوبة الغريزية والحرارة الغريزية، ثم إن الحرارة الغريزية تؤثر في تقليل الرطوبة الغريزية.

وإذا قلت: الرطوبة الغريزية ضعفت الحرارة الغريزية، ولا يزال تستمر هذه الحالة إلى أن تفنى الرطوبة الأصلية فتنطفىء الحرارة الغريزية ويحصل الموت، فبهذا الطريق كان الموت ضرورياً في هذه الحياة.

قالوا: والأرواح المجردة لا موت لها، وناقشهم المسلمون فيه ﴿ وإنما توفون أجوركم يوم القيامة ﴾ في ذكر التوفية إشارة إلى أن بعض الأجور يعطى قبل ذلك اليوم كما قال  : " القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار" .

﴿ فمن زحزح عن النار ﴾ الزح التنحية والإبعاد والزحزحة تكريره ﴿ فقد فاز ﴾ لم يقيد الفوز بشيء لأنه لا فوز وراء هذين الأمرين: الخلاص من العذاب والوصل إلى الثواب.

فمن حصل له هذان فقد فاز الفوز المطلق المتناول لكل ما يفاز به.

قال  : " "من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتدركه منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر ويأتي إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه " فالأول رعاية حقوق الله، والثاني محافظة حقوق العباد.

ثم شبه الدنيا بالمتاع الذي يدلس به على المستام ويغرّ حتى يشتريه ثم يتبين له فساده ورداءته، وذلك أن لذاتها تفنى وتبعاتها تبقى.

والغرور بالضم مصدر، الغار المدلس هو الشيطان.

عن علي بن أبي طالب: لين مسها قاتل سمها.

وعن بعضهم: الدنيا ظاهرها مظنة السرور وباطنها مطية الشرور.

وعن سعيد بن جبير: إنما هذا المن آثرها على الآخرة.

فأما من طلب الآخرة بها فإنها متاع بلاغ.

﴿ لتبلون في أموالكم ﴾ اللام جواب القسم المقدر، والنون دخلت مؤكدة، وضمت الواو للساكنين ولما كان يجب لما قبلها من الضم.

والمراد ما نالهم من الفقر والضر والقتل والجرح، والتكاليف الشاقة البدينة والمالية من الصلاة والزكاة والصوم والجهاد, والذي كانوا يسمعونه من الكفرة كالطعن في الدين الحنيف وأهليه، وإغراء المخالفين وتحريضهم عليهم وإغواء المنافقين وتنفيرهم عنهم ﴿ وإن تصبروا ﴾ على ما ابتلاكم الله به ﴿ وتتقوا ﴾ المخالفة أو تصبروا على أداء الواجبات وتتقوا ارتكاب المحظورات ﴿ فإن ذلك ﴾ الصبر والتقوى ﴿ من عزم الأمور ﴾ من معزوماتها الذي لا يترخص العاقل في تركه لكونه حميد العاقبة بين الصواب، أو هو من / عزائم الله ومما ألزمكم الأخذ به.

قال الواحدي: كان هذا قبل نزول آية القتال.

وقال القفال: الظاهر أنها نزلت بعد قصة أحد فلا تكون منسوخة بآية السيف.

والمراد الصبر على ما يؤذون به الرسول على طريق الأقوال الجارية فيما بينهم واستعمال مداراتهم من كثير من الأحوال.

والأمر بالقتال لا ينافي الأمر بالمصابرة على هذا الوجه.

عن كعب بن مالك "أن كعب بن الأشرف اليهودي كان شاعراً وكان يهجو النبي  ويحرض عليه كفار قريش في شعره، وكان النبي  قدم المدينة وأهلها أخلاط - المسلمون والمشركون واليهود - فأراد النبي  أن يستصلحهم كلهم.

فكان المشركون واليهود يؤذونه ويؤذون أصحابه أشد الأذى، فأمر الله نبيه بالصبر على ذلك فنزلت الآية" .

روي "أن رسول الله  ركب على حمار وأردف أسامة بن زيد وراءه يعود سعد بن عبادة في بني الحرث بن خزرج قبل وقعة بدر حتى مر بمجلس فيه عبد الله بن أبي وذلك قبل أن يسلم عبد الله.

فإذا في المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين واليهود، وفي المجلس عبد الله بن رواحة.

فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة خمر عبد الله بن أبي أنفه بردائه وقال: لا تغبروا علينا.

فسلم رسول الله  ثم وقف.

فنزل ودعاهم إلى الله وقرأ عليهم القرآن.

فقال عبد الله بن أبي: أيها المرء إنه لا أحسن مما تقول إن كان حقاً فلا تؤذنا به في مجلسنا.

ارجع إلى رحلك فمن جاءك فاقصص عليه.

فقال عبد الله بن رواحة: بلى يا رسول الله فاغشنا به في مجالسنا فإنا نحب ذلك.

فاستب المسلمون والمشركون واليهود حتى كادوا يتثاورون.

فلم يزل النبي  يخفضهم حتى سكنوا.

ثم ركب النبي  دابته فسار حتى دخل على سعد بن عبادة فقال له: يا سعد ألم تسمع ما قال أبو حباب - يريد عبد الله بن أبي؟

قال: كذا وكذا.

فقال سعد بن عبادة: يا رسول الله اعف عنه واصفح، فوالذي أنزل عليك الكتاب لقد جاء الله بالحق الذي نزل عليك، وقد اصطلح أهل هذه البحيرة على أن يتوّجوه ويعصبوه بالعصابة، فلما ردّ الله ذلك بالحق الذي أعطاكه شرق بذلك فعفا عنه رسول الله  " ، وأنزل الله هذه الآية.

ثم إنه  عجب من حال اليهود أنه كيف يليق بحالهم إيراد الطعن في نبوته مع أن كتبهم ناطقة به- وأيضاً من جملة إيذائهم الرسول أنهم كانوا يكتمون من نعته وصفته فلهذا قال: ﴿ وإذا أخذ الله ﴾ بإضمار "اذكر" والضمير في ﴿ لتبيننه ﴾ قيل لمحمد لأنه معلوم وإن كان غير مذكور أي لتبينن حاله وهذا قول سعيد بن جبير والسدي.

وقال الحسن وقتادة: يعود إلى الكتاب كأنه أكد عليهم إيجاب بيان الكتاب واجتناب كتمانه كما يؤكد على الرجل إذا عزم عليه.

وقيل له الله لتفعلن ﴿ ولا يكتمونه ﴾ قيل: الواو للحال أي غير كاتمين.

ويحتمل أن تكون للعطف وإن لم يكن مؤكداً بالنون.

والأمر بالبيان يتضمن النهي عن الكتمان، لكنه صرح به للتأكيد ﴿ فنبذوه / وراء ظهورهم ﴾ جعلوه كالشيء المطروح المتروك.

وعن علي  : ما أخذ الله على أهل الجهل أن يتعلموا حتى أخذ على أهل العلم أن يعلموا.

وقال قتادة: مثل علم لا يقال به كمثل كنز لا ينفق منه، ومثل حكمة لا تخرج كمثل صنم قائم لا يأكل ولا يشرب.

وطوبى لعالم ناطق ولمستمع واع، هذا علم علماً فبذله، وهذا سمع خيراً فوعاه.

ومعنى قوله: ﴿ واشتروا به ثمناً قليلاً ﴾ أنهم كتموا الحق ليتوسلوا به إلى وجدان حظ يسير من الدنيا ﴿ فبئس ما يشترون ﴾ هو ويدخل في الوعيد كل من كتم شيئاً من أمر الدين لغرض فاسد من تسهيل على الظلمة وتطييب لنفوسهم واستجلاب لمسارّهم واستجذاب لمبارّهم، أو لتقية من غير ضرورة، أو لبخل بالعلم وغيره أن ينسب إلى غيره.

ثم ذكر نوعاً آخر من إيذاء اليهود وأوعدهم عليه وسلى رسوله بذلك فقال: ﴿ لا تحسبن الذين يفرحون ﴾ من قرأ بتاء الخطاب وفتح الباب فالخطاب للرسول أو لكل أحد، وأحد المفعولين ﴿ الذين يفرحون ﴾ والثاني ﴿ بمفازة ﴾ .

وقوله: ﴿ فلاتحسبنهم ﴾ إعادة للعامل لطول الكلام وإفادة التأكيد.

ومن ضم الباء في الثاني مع تاء فالخطاب للمؤمنين، ومن ضمها مع ياء الغيبة فالضمير للذين يفرحون، والمفعول الأول محذوف أي لا يحسبن أنفسهم الذين يفرحون فائزين، والثاني للتأكيد.

ومعنى ﴿ بما أتوا ﴾ بما فعلوا.

وأتى وجاء يستعملان بمعنى فعل.

قال  : ﴿ إنه كان وعده مأتياً  ﴾ ﴿ لقد جئت شيئاً فرياً  ﴾ .

ومعنى بمفازة من العذاب بمنجاة منه أي بمكان الفوز.

وقال الفراء: أي ببعد منه لأن الفوز التباعد عن المكروه.

في الصحيحين "أن مروان قال لرافع أبوابه: اذهب إلى ابن عباس وقل له: لئن كان كل امرىء منا فرح بما أتى وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذباً لنعذبن أجمعون.

فقال ابن عباس: ما لكم ولهذه إنما دعا النبي  يهوداً فسألهم عن شيء فكتموه إياه وأخبروه بغيره، فأروه أن قد استحمدوا إليه بما أخبروه عنه وفرحوا بما أتوا من كتمانهم إياه، ثم قرأ ابن عباس ﴿ وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب ﴾ الآيتين" .

وقال الضحاك: "كتب يهود المدينة إلى يهود العراق واليمن ومن بلغهم كتاب من اليهود في الأرض كلها أن محمداً ليس نبي الله فأثبتوا على دينكم واجمعوا كلمتكم على ذلك.

فاجتمعت كلمتهم على الكفر بمحمد والقرآن، ففرحوا بذلك وقالوا: الحمد لله الذي جمع كلمتنا ولم نتفرق ولم نترك ديننا ونحن أهل الصوم والصلاة، نحن أولياء الله.

فذلك قول الله ﴿ يفرحون بما أتوا ﴾ بما فعلوا ﴿ ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا ﴾ / فأنزل الله هذه الآية" .

يعني بما ذكروا من الصوم والصلاة والعبادة.

وعن أبي سعيد الخدري "أن رجالاً من المنافقين كانوا إذا خرج رسول الله  إلى الغزو تخلفوا عنه، فإذا قدم اعتذروا عنده وحلفوا وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا فأنزل الله هذه الآية" .

وهذه الوجوه كلها مشتركة في الإتيان بما لا ينبغي ومحبة / الحمد عليه ووصفه بسداد السيرة وحسن السريرة.

ونحن إذا أنصفنا من انفسنا وجدنا أكثر مجاري أمورنا على هذه الحالة، فنسأله العصمة والهداية.

ثم ختم الكلام بقوله: ﴿ ولله ملك السموات والأرض ﴾ ولغرض أنه كيف يرجو النجاة من كان معذبه هذا القادر الغالب؟

التأويل: ﴿ هو خيراً لهم بل هو شر لهم ﴾ كل واحد من صفتي البخل والسخاء بمنزلة الإكسير حتى يجعل الخير شراً وبالعكس.

﴿ سيطوّقون ﴾ شبه بالطوق لأنه يحيط بالقلب ومنه ينشأ معظم الصفات الذميمة كالحرص والحسد والحقد والعداوة والكبر والغضب والبخل "حب الدنيا رأس كل خطيئة" ﴿ ولله ميراث السموات والأرض ﴾ الإنسان ورث الدنيا والآخرة أولئك هم الوارثون.

والوارث إذا مات من غير وارث فميراثه لبيت المال.

فالإشارة فيه أن من غلب عليه هذه الصفات ومات قلبه فقد بطل استعداد وراثته فميراثه لله ﴿ إن الله فقير ونحن أغنياء ﴾ فيه أن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى، فيعكس القضايا فيصف الرب بصفات العبد والعبد بصفات الرب وذلك لغلبة الصفات الذميمة واستيلاء سلطان الهوى والشيطان، فيقول تارة: أنا ربكم الأعلى، وتارة إن الله فقير ونحن أغنياء.

﴿ بقربان تأكله النار ﴾ قالت يهود صفات النفس البهيمية والسبعية والشياطنية لا ننقاد لرسول أي لخاطر رحماني أو إلهام رباني حتى يأتينا بقربان هو الدنيا وما فيها يجعلها نسيكة لله عز وجل، تأكله نار الله الموقدة التي تقدح من زناد محبتهم،فإن كثيراً من الطالبين الصادقين يجعلون الدنيا وما فيها قرباناً لله فلا تأكله نار الله، قل يا وارد الحق ﴿ قد جاءكم رسل من قبلي ﴾ أي واردات الحق بالبينات بالحجج الباهرة ﴿ وبالذي قلتم ﴾ أي بجعل الدنيا قرباناً ﴿ فلم قتلتموهم ﴾ غلبتموهم ومحوتموهم حتى لم يبق أثر الواردات.

﴿ كل نفس ذائقة الموت ﴾ كلهم مستعدون للفناء في الله، ولا بد لها من موت.

فمن كان موته بالأسباب تكون حياته بالأسباب، ومن كان فناؤه في الله يكون بقاؤه بالله.

﴿ لتبلون ﴾ بالجهاد الأكبر ﴿ ولتسمعن ﴾ من أهل العلم الظاهر ومن أهل الرياء ﴿ أذى كثيراً ﴾ بالغيبة والملامة والإنكار والاعتراض ﴿ وإن تصبروا ﴾ على جهاد النفس ﴿ وتتقوا ﴾ بالله عما سواه ﴿ فإن ذلك من عزم الأمور ﴾ أي من أمور أولي العزم ﴿ فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل  ﴾ والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْكُفْرِ ﴾ يحتمل الآية وجهين: يحتمل: ولا يحزنك الذين ظاهروا غيرهم من المشركين عليكم، وقد ظاهر أهل مكة غيرهم من المشركين على رسول الله  فيقول الله لرسوله: ﴿ وَلاَ يَحْزُنكَ ﴾ مظاهرتهم عليك؛ فإن الله ينصرك؛ فيخرج هذا مخرج البشارة له بالنصر على أعدائه والغلبة عليهم.

ويحتمل - أيضاً - وجهاً آخر: وهو أن رسول الله  كان يشتد عليه كفرهم بالله، ويحزن لذلك، كقوله -  -: ﴿ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ  ﴾ ؛ فيخرج قوله: ﴿ وَلاَ يَحْزُنكَ ﴾ مخرجَ تَسْكينِ الحزن، ودفْعِهِ عنه، والتسلِّي عن ذلك، لا مخرج النهي؛ إذ الحزن يأخذ الإنسان، ويأتيه من غير تكلف ولا صنع، وكقوله -  -: ﴿ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا  ﴾ : هو على مخرج التسكين والدفع عنه، لا على النهي؛ فكذلك الأول - والله أعلم - وكقوله -  - لأم موسى -  -: ﴿ وَلاَ تَحْزَنِيۤ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيْئاً ﴾ : يحتمل قوله: ﴿ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيْئاً ﴾ ، أي: لن يضروا أولياء الله - عز وجل - إنما ضرر ذلك عليهم؛ كقوله -  -: ﴿ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ  ﴾ .

ويحتمل: ﴿ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيْئاً ﴾ ؛ لأنه ليس لله في فعلهم وعملهم نفع، ولا في ترك ذلك عليه ضرر؛ إنما المنفعة في عملهم لهم، والضرر في ترك عملهم عليهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُرِيدُ ٱللَّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظّاً فِي ٱلآخِرَةِ ﴾ : هذه الآية تنقض على المعتزلة قولهم؛ لأن الله -  - يقول: أراد ألا يجعل لهم في الآخرة حظاً؛ المعتزلة يقولون: بل أراد أن يجعل لهم حظّاً في الآخرة؛ إذ يقولون: أراد لهم الإيمان، وبالإيمان يكون لهم الحظ في الآخرة، فثبت بالآية أنه لم يكن أراد لهم الإيمان، والآية في قوم خاص علم الله -  - أنه لا يؤمنون أبداً؛ فأراد ألا يجعل لهم حظّاً في الآخرة، ولو كان على ما تقوله المعتزلة؛ بأنه أراد أن يجعل لهم حظّاً في الآخرة - لما أراد لهم أن يؤمنوا، ولكن لم يؤمنوا لكان حاصل قولهم: أراد الله ألا يجعل لمن أراد يؤمن في الآخرة، وذلك جور عندهم، وبالله التوفيق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ : وذكر مرة: ﴿ أَلِيمٌ  ﴾ ومرة: ﴿ شَدِيدٌ  ﴾ ؛ لأن التعذيب بالنار أشد العذاب في الشاهد وأعظمه؛ لذلك أوعد بها في الغائب، وجعل شرابهم وطعامهم ولباسهم منها، فنعوذ بالله من ذلك.

وقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلْكُفْرَ بِٱلإِيمَانِ ﴾ : قد ذكرنا تأويل هذا فيما تقدم.

﴿ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيْئاً ﴾ ما ذكرنا أنه على الوجهين اللذين وصفتهما، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ ﴾ الآية: اختلف في قراءتها، قرأ بعضهم بالياء: وبعضهم بالتاء: فمن قرأ بالتاء صرف الخطاب إلى رسول الله  ، فقال: لا تحسبن يا محمد أنما نملي لهم خير لهم؛ إنما نملي لهم ليزدادوا شرّاً.

ومن قرأ بالياء: صرف الخطاب إلى الكفرة، فقال: ﴿ وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ ﴾ يكون خيراً لهم؛ بل إنما نملي لهم ليكون شرّاً وإثماً لهم؛ فالآية على المعتزلة، لكنهم تأولوا بوجهين: أحدهما: على التقديم والتأخير؛ كأنه قال: "ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم ليزدادوا إثما؛، إنما نملي لهم خير لأنفسهم"؛ فيقال [لهم]: لو جاز جعل الآية وصرفها على ما حملتم عليه وصرفتم إليه، جاز حمل جميع الآيات التي فيها وعد للمؤمنين، وصرفها إلى الكافرين، وما كان فيها وعيد للكافرين إلى المؤمنين؛ إذ لا فرق بين هذا وبين جعلكم الخير مكان الإثم، والإثمَ مكان الخير، وبين جعل الوعد في موضع الوعيد، والوعيد في موضع الوعد.

والوجه الثاني: قالوا: أخبر الله -  - عما يئول أمرهم في العاقبة، لا أن كان في الابتداء كذلك؛ كقوله -  -: ﴿ فَٱلْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً  ﴾ ، ومعلوم أنهم لم يلتقطوا ليكون لهم عدواً وحزناً؛ ولكن إخبار عما آل أمره في العاقبة أن صار لهم عدواً وحزناً؛ وكذلك يقال للرجل: سرقت لتقطع، وقتلت لتقتل، وهو لم يسرق ليقطع، ولا قتل ليقتل؛ ولكن إخبار عما آل أمره وحاله في العاقبة؛ فكذلك هذا، لكن الإخبار عما يئول الأمر يخرج مخرج التنبيه عن السهو والغفلة في الابتداء، فالله -  وتعالى - يتعالى عن ذلك؛ فخرج ذلك مخرج التحقيق في الابتداء، لا مخرج الإخبار عما يئول الأمر في العاقبة، وبالله التوفيق.

والثاني: أن من أراد أمراً يعلم أنه لا يكون فهو لجهل يريد ذلك أو لعبث، فالله -  - يتعالى عن الجهل بالعواقب، أو العبث في الفعل؛ دلَّ أنه كان على ما أراد، لا ما لم يرد، ولو كان الله -  وتعالى - لا يفعل بخلقه إلا ما هو أصلح لهم في الدِّين وأَخْيَرُ - لم يكن لنهي رسول الله  عن الإعجاب بما أعطى الكفرة من الأموال والأولاد بقوله -  وتعالى -: ﴿ فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَٰلُهُمْ وَلاَ أَوْلَـٰدُهُمْ...

 ﴾ الآية؛ دلّ أنه قد يعطي ما ليس [هو] بأصلح في الدين ولا أَخْيَرَ، والله أعلم.

وقال الشيخ - رحمه الله -: في قوله: ﴿ وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوۤاْ إِثْمَاً ﴾ ، وقولهِ -  -: ﴿ فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَٰلُهُمْ وَلاَ أَوْلَـٰدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا...

﴾ الآية [التوبة: 55] وقوله -  -: ﴿ أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي ٱلْخَيْرَاتِ بَل لاَّ يَشْعُرُونَ ﴾ \[المؤمنون: 55-56\] ونحو ذلك من الآيات - فيها وجهان على المعتزلة: أحدهما: قولهم في الأصلح: إن الله -  - لو فعل بالخلق شيئاً غيرُهُ أصلحُ لهم في الدين في حال المحنة - كان ذلك جَوْراً، ومعلوم أن الفعل بهم؛ ليزدادوا إثماً لا يبلغ في الصلاح في الدّين الفعلَ بهم؛ ليزدادوا به برّاً، ومعلوم أنه لو كان كذلك لم يكن ليجوز أن يحذر رسوله  عن ذلك، فيقول: لا يعجبك كذا؛ فكأنه قال: لا يعجبك الذي هو صلاح في الدّين، ثم يؤكد ذلك بأنه جعل لهم ذلك ليعذبهم بها، ثم شهد على من حسب ما حسبته المعتزلة بأنهم لا يشعرون؛ فكان ذلك شهادة منه - عز وجل - على كل من وافق رأيُهُ رأيَ أولئك الكفرة: أنهم لا يشعرون، ومعلوم أن الجبابرة والفراعنة لو لم يجعل الله -  - لهم تلك الحواشي والملك والقوة لم يكن ليجترئوا على دعوى الربوبية، ويبلغوا في المآثم ما بلغوا؛ فيكون فوت ذلك أصلح لهم في الدين، وقد قال الله -  -: ﴿ وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ...

﴾ الآية [الزخرف: 33]، ثم كان معلوماً أنه إذا كان بما يجعل ذلك للفكرة يكفرون، فلو جعل للمؤمنين يؤمنون، ثم يجعل كذلك، [والله أعلم].

وأيّد ذلك قوله -  -: ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا...

﴾ الآية [التوبة: 55].

والثاني: أن الإرادة إذ هي صفة لكل فاعل مختار في الحقيقة، وقد أخبر لأي وجه أعطى؛ ثبت أنه أراد ذلك مع ما كان المتعالم من فعل كل أحد لا يخرج على ما أراده ولا يبلغ به ما لو فعل أنه يكون على جهل أو سفه.

فالأول: يكون فعله على ظن أن يكون ذلك فلا يكون.

والثاني: إذا علم ألا يكون؛ فيكون له به عابثاً سفيهاً، جلّ الله -  - عن الوجهين، ثبت أن فعله لما علم أنه يكون لا لغيره ليلحقه به وصف جهل أو سفه؛ وبهما سقوط الربوبية.

ثم وجهت المعتزلة الآية إلى وجهين: أحدهما: على التقديم والتأخير بمعنى: ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم ليزدادوا إثماً إنما نملي خير لأنفسهم.

وذلك فاسد لوجهين: أحدهما: لو كان جعل الخير شرّاً والشرّ خيراً بالتأويل، وصرف الآية على سياقها ونظمها - لجاز ذلك في كل وعد ووعيد، وأمر ونهي، وتحليل وتحريم؛ فيصير كل أمور الدنيا مقلوباً.

والثاني: أنه لو كان كذلك لكان يجب أن يعجب به رسول الله  ؛ إذ على كل ذلك معجباً، ولكانوا فيما حسبوا أن ذلك ضرب لهم - يشعرون، لا ألا يشعرون، مع ما قيل: ﴿ وَلاَ يَحْسَبَنَّ ﴾ بالياء في بعض القراءة، ومتى كان يحسب الكفرة ذلك شرّاً حتى يعاتبوا على الحسبان؟!

والله الموفق.

والثاني: قالوا ذلك خبر عما يئول الأمر إليه؛ كقوله -  -: ﴿ فَٱلْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً  ﴾ ، وهم لا لذلك التقطوا، وكمن يقول للسارق: سرقت لتقطع يدك، وكما يقال: [من الوفر] ...

...

...

...

*** لدوا للموت وابنوا للخراب والذي قالوه إنما هو تنبيه وإيقاظ لقوم لا يذكرون عواقب الأمور، فيحرصون عليها عن غفلة بالعواقب، فأمّا الله -  وتعالى - فمحال أن يكون أمره على ذلك ليكون فيما يذكره ذلك؛ ألا ترى أن أحداً لا يقول: ولدت للموت، أو بنيْتُ للخراب؛ لأنه لا لذلك يفعل، وإن كان إليه يئول، وإنما قول الواعظ لهم بما ذكرت؛ كذلك بطل هذا، وأمر قوم فرعون لم يقل: ليكون لهم عندهم؛ إنما هو ليكون لهم عند الله  ، وبما أراد الله، وكان كذلك، ولا قوة إلا بالله.

وقد بيّنا ما في الحكمة تحقيقه من طريق الاعتبار - ولا قوة إلا بالله - والأصل في ذلك أن الله -  - عالم بمن يؤثر عداوته ويعاند آياته، فإرادته ألا يكون منه ذلك حاجة إليه في موالاته، أو إيجاب غلبة عليه في بعض ما يريد، جل الله عن هذا الوصف.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ولا يظنن الذين كفروا بربهم، وعاندوا شرعه، أن إمهالهم وإطالة عمرهم على ما هم عليه من كفرٍ خيرٌ لأنفسهم، ليس الأمر كما ظنوا، وإنما نمهلهم ليزدادوا إثمًا بكثرة المعاصي على إثمهم، ولهم عذاب مُذِلّ.

<div class="verse-tafsir" id="91.JQq54"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

المسارعة في الكفر هي المسارعة في نصرته والاهتمام بشؤونه والايجاف في مقاومة المؤمنين، وما كل كافر يسارع في الكفر فإن من الكافرين القاعد الذي لا يتحرك لنصرة كفره ولا لمقاومة المخالف له فيه.

والمسارعون المعنيون هنا هم أولئك النفر من المشركين كأبي سفيان ومن كان معه من صناديد قريش، وذهب بعض المفسرين إلى أن المراد بهم المنافقون ورووا في ذلك روايات في سبب النزول، وإنما يأتي هذا لو قال: "يسارعون إلى الكفر" ﴿ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا  ﴾ أي إنهم لا يحاربونك فيضروك بذلك وإنما يحاربون الله تعالى، ولا شك في ضعف قوتهم وعجزها عن مناوأة قوته  فهم لا يضرون بذلك إلا أنفسهم.

﴿ يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآَخِرَةِ  ﴾ أي إنهم على حالة من فساد الفطرة تقتضي حرمانهم من نعيم الآخرة بسنة الله وإرادته فلا نصيب لهم فيها ﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ  ﴾ فوق عذاب الحرمان من نعيمها.

فإن كنت تحزن عليهم رحمة بهم وشفقة عليهم لأن النور بين أيديهم وهم لا يبصرون والهداية قد أُهديت إليهم وهم لا يقبلون، وتطمع في هدايتهم وترجوها، وكلما رأيت منهم حركة جديدة في الكفر حدث لك حزن جديد، فعليك أن لا تحزن أيضًا إن هؤلاء ممن طبع الله على قلوبهم، وختم على سمعهم وأبصارهم فلم يبق في نفوسهم استعداد ما للإيمان فلا مساغ للحزن من حالهم.

﴿ إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالإيمان لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ  ﴾ أعاد المعنى وعممه وأكده بهذه الآية، وهو في بادىء الرأي تكرار ليس فيه زيادة فائدة، ومن فقه الآيتين علم أن تلك في المسارعين في الكفر وهذه في الذين اشتروا الكفر بالإيمان، أي اختاروه ورضوا به كما يرضى المشتري بالسلعة بدلًا من الثمن ويراها بعد بذله فيها متاعًا ينتفع به، بل الشأن في المشتري أن يرى ما أخذه أنفع له مما بذله، فهذا الوصف أعم من الأول، كأنه يقول إن أولئك الكفار الذين تراهم يسارعون في نصرة الكفر وتعزيزه والدفاع دونه ومقاومة المؤمنين لأجله لا شأن لهم ولا يستحقون أن تهتم بأمرهم فإنهم إنما يحاربون الله ويغالبونه والله غالب على أمره، فلا يقدر أحد على ضره، ثم لا ينبغي أن تحزن عليهم أيضًا لأنهم محرومون من رضوان الله.

فلما بيَّن هذا كان مما يمكن أن يخطر في البال أنه حكم خاص بالذين يسارعون في الكفر فبيّن في هذه الآية أنه عام يشمل كل من آثر الكفر على الإيمان فاستبدله به، ففي إعادة العبارة بهذا الأسلوب فائدتان: إحداهما: أن فيها قسمًا من الكافرين لم يذكروا في الآية الأولى.

والثانية: أن فيها مع تأكيد عدم إضرارهم بالنبي  بيانًا لحال من أحوالهم يدل على سخافتهم وضعف عقولهم إذ رضوا بالكفر واختاروه وحسبوه منفعة وفائدة فكأنه يقول إن هؤلاء لا قيمة لهم فيخاف منهم أو يحزن عليهم.

وقد يعرض لبعض الأفكار وهم في هذا المقام ويجول فيها صورة ما يتمتعون به من اللذات والقوة وإمكان نيلهم من المؤمنين إذا أذنبوا كما نالوا منهم يوم أُحد بذنبهم وتقصيرهم فيقول الواهم: آمنا وصدقنا أن هؤلاء سيعذبون في الآخرة ولا يكون لهم نصيب من نعيمها ولكن أليسوا الآن متمتعين بالدنيا؟

أليس لهم فيها القوة ما يمكنهم من الاعتداء علينا؟

وقد كشف هذا الوهم قوله تعالى: ﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ  ﴾ فبيّن لنا سنة حكيمة من سننه في الاجتماع البشري وهي أن الإنسان يبلغ الخير بعمله الحسن، ويقع في الضير بتقصيره في العمل الصالح وتشميره في عمل السيئات، والعبرة بالخواتيم، فكأنه قال: إن هذا الإملاء للكافرين ليس عناية من الله بهم، وإنما هو جري على سنته في الخلق، وهي أن يكون ما يصيب الإنسان من خير وشر هو ثمرة عمله.

ومن مقتضى هذه السنة العادلة أن يكون الإملاء للكافر علة لغروره، وسببًا لاسترساله في فجوره، فيوقعه ذلك في الإثم الذي يترتب عليه العذاب المهين.

﴿ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ  ﴾ ، كان الكلام مسترسلًا في بيان حال المؤمنين في واقعة أُحد وما بعدها، وجاء في السياق بيان حال من ظهر نفاقهم وضعفهم وبيان حال المجاهدين والشهداء ومن هم بمنزلة الشهداء، وحال الكفار المهدِّدين للمسلمين، وكون الإملاء لهم واستدراجهم بطول البقاء في الدنيا ليس خيرًا لهم، وقد كانت واقعة أُحد أشد واقعة أحس المسلمون عقبها بألم الغلب لأنهم لم يكونوا يتوقعونه بعد رؤية بوادر النصر في "بدر" ولأنه ظهر فيه حال المنافقين، وتبيّن ضعف نفوس بعض المؤمنين الصادقين، ولذلك كانت عناية الله تعالى ببيان فوائد المسلمين فيها عظيمة، ومنها ختمها بهذه الآية الكريمة، المبينة لسنة من السنن التي ذكرت في سياق تلك الآيات الحكيمة، والمعنى: ما كان من شأن الله تعالى ولا من سننه في عباده أن يذر المؤمنين على مثل الحال التي كان عليها المسلمون عند حدوث غزوة أُحد حتى يميز الخبيث من الطيب، وكيف كانوا؟.

كانوا يصلون ويمتثلون كل ما يأمرهم به النبي  ومنه إرسال السرايا المعتاد مثلها، ولم تكن فيها مخاوف كبيرة على الإسلام وأهله، ولذلك كان يختلط فيها الصادق بالمنافق بلا تمييز، إذ التمايز لا يكون إلا بالشدائد، أما الرخاء واليسر وتكليف ما لا مشقة فيه كالصلاة والصدقة القليلة فكان يقبله المنافقون كالصادقين لما فيه من حسن الأحدوثة مع التمتع بمزايا الإسلام وفوائده، وربما خدع الشيطان المؤمن الموقن بترغيبه في الزيادة من أعمال العبادات السهلة ولا سيما إذا كان داخلًا في دين جديد لما في ذلك من الرياء والسمعة، والاستواء في الظاهر مدعاة الالتباس والاشتباه.

الشدائد تميز بين القوي في الإيمان والضعيف فيه فهي التي ترفع ضعيف العزيمة إلى مرتبة قويها، وتزيل الالتباس بين الصادقين والمنافقين، وفي ذلك فوائد كبيرة منها أن الصادق قد يفضي ببعض أسرار الملة إلى المنافق لما يغلب عليه من حسن الظن والانخداع بأداء المنافق للواجبات الظاهرة ومشاركته للصادقين في سائر الأعمال فإذا عرفه اتقى ذلك، ومنها أن تعرف الجماعة وزن قوتها الحقيقية لأنها بانكشاف حال المنافقين لها تعرف أنهم عليها لا لها، وبانكشاف حال الضعفاء الذين لم تربهم الشدة تعرف أنهم لا عليها ولا لها.

هذا بعض ما تكشفه الشدة للجماعة من ضرر الالتباس، وأما الأفراد فإنها تكشف لهم حجب الغرور بأنفسهم، فإن المؤمن الصادق قد يغتر بنفسه فلا يدرك ما فيها من الضعف في الاعتقاد والأخلاق لأن هذا مما يخفي مكانه على صاحبه حتى تظهره الشدائد.

فلما كان هذا اللبس ضارًا بالأفراد والجماعات ولم يكن من شأن الله ولا من حكمته أن يستبقي في عباده ما يضرهم مضت سنته بأن يميز الخبيث من الطيب فتظهر الخفايا وتبلى السرائر حتى يرتفع الالتباس، ويتضح المنهج السوي للناس.

قد يخطر في البال أن أقرب وسيلة لرفع اللبس هي أن يطلع الله المؤمنين على الغيب فيعرفوا حقيقة أنفسهم، وحقائق الناس الذين يعيشون معهم، ولكن الله تعالى أخبر أن هذا ليس من شأنه ولا من سنته، كما أن ترك الالتباس والاشتباه ليس من سنته فقال: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ  ﴾ وإنما لم يكن من شأنه إطلاع الناس على الغيب لأنه لو فعل ذلك لأخرج الإنسان عن كونه إنسانًا فإنه تعالى خلق الإنسان نوعًا عاملًا يحصل جميع رغائبه ويدفع جميع مكارهه بالعمل الكسبي الذي ترشده إليه الفطرة وهدى النبوة، ولذلك جرت سنته بأن يزيل هذا اللبس، ويميز بين الخبيث والطيب بالابتلاء بالشدائد، وما تتقاضاه من بذل الأموال والأرواح في سبيله التي هي سبيل الحق والخير لا سبيل الهوى كما ابتلى المؤمنين في واقعة أُحد بجيش عظيم، وابتلاهم باختيار الخروج لمحاربته، وابتلى الرماة منهم بالمخالفة وإخلاء ظهور قومهم لعدوهم، ثم ابتلاهم بظهور العدو عليهم جزاء على ما ذكر حتى ظهر نفاق المنافقين، وزلزال ضعفاء المؤمنين، وثبات كملة الموقنين، ﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ  ﴾ أي يصطفيهم على ما شاء من الغيب وهو ما في تبليغه للناس مصلحة ومنفعة لهم في الإيمان كصفات الله تعالى واليوم الآخر وبعض شؤونه والملائكة.

وهذا هو الغيب الذي أمر المكلفون بالإيمان به ومدحوا عليه في مثل قوله تعالى: ﴿ الم  ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ  الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد