الإسلام > القرآن > تفسير > زاد المسير > تفسير سورة الجاثية
تفسيرُ سورةِ الجاثية كاملةً من زاد المسير (ابن الجوزي) (جمال الدين ابن الجوزي).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 20 دقيقة قراءةسُورَةُ الجاثِيَةِ وَتُسَمّى سُورَةَ الشَّرِيعَةِ رَوى العَوْفِيُّ وابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها مَكِّيَّةٌ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، [وَعِكْرِمَةَ]، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، والجُمْهُورِ.
وقالَ مُقاتِلٌ: هي مَكِّيَّةٌ كُلُّها.
وحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ أنَّهُما قالا: هي مَكِّيَّةٌ إلّا آيَةً، وهي قَوْلُهُ: ﴿ قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حم ﴾ .
﴿ تَنْزِيلُ الكِتابِ ﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في أوَّلِ [المُؤْمِنِ] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَفِي خَلْقِكُمْ ﴾ أيْ: مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ إلى أنْ يَتَكامَلَ خَلْقُ الإنْسانِ ﴿ وَما يَبُثُّ مِن دابَّةٍ ﴾ أيْ: وما يُفَرِّقُ في الأرْضِ مِن جَمِيعِ ما خَلَقَ عَلى اخْتِلافِ ذَلِكَ في الخَلْقِ والصُّوَرِ ﴿ آياتُ ﴾ تَدُلُّ عَلى وحْدانِيَّتِهِ.
قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "آياتٌ" رَفْعًا "وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ آياتٌ" رَفْعًا أيْضًا.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِالكَسْرِ فِيهِما.
والرِّزْقُ هاهُنا بِمَعْنى المَطَرِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تِلْكَ آياتُ اللَّهِ ﴾ أيْ: هَذِهِ حُجَجُ اللَّهِ ﴿ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالحَقِّ فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ ﴾ أيْ: بَعْدَ حَدِيثِهِ ﴿ وَآياتِهِ ﴾ يُؤْمِنُ هَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ؟!
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيْلٌ لِكُلِّ أفّاكٍ أثِيمٍ ﴾ رَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ.
وقَدْ بَيَّنّا مَعْناها في [الشُّعَراءِ: ٢٢٢]، والآيَةُ الَّتِي تَلِيها مُفَسَّرَةٌ في [لُقْمانَ: ٧] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا عَلِمَ مِن آياتِنا شَيْئًا ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: مَعْناهُ: إذا سَمِعَ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "وَإذا عُلِّمَ" بِرَفْعِ العَيْنِ وكَسْرِ اللّامِ وتَشْدِيدِها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اتَّخَذَها هُزُوًا ﴾ أيْ: سَخِرَ مِنها، وذَلِكَ كَفِعْلِ أبِي جَهْلٍ حِينَ نَزَلَتْ: ﴿ إنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ ﴾ ﴿ طَعامُ الأثِيمِ ﴾ فَدَعا بِتَمْرٍ وزُبْدٍ، وقالَ: تَزَقَّمُوا فَما يَعِدُكم مُحَمَّدٌ إلّا هَذا.
وإنَّما قالَ: " أُولَئِكَ " لِأنَّهُ رَدَّ الكَلامَ إلى مَعْنى "كُلٍّ" .
﴿ مِن ورائِهِمْ جَهَنَّمُ ﴾ قَدْ فَسَّرْناهُ في [إبْراهِيمَ: ١٦] ﴿ وَلا يُغْنِي عَنْهم ما كَسَبُوا شَيْئًا ﴾ مِنَ الأمْوالِ، ولا ما عَبَدُوا مِنَ الآلِهَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَذا هُدًى ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ ﴿ والَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ بِهِ، ﴿ لَهم عَذابٌ مِن رِجْزٍ ألِيمٌ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: "ألِيمٌ" بِالرَّفْعِ عَلى نَعْتِ العَذابِ.
وقَرَأ الباقُونَ: بِالكَسْرِ عَلى نَعْتِ الرِّجْزِ.
والرِّجْزُ بِمَعْنى العَذابِ، وقَدْ شَرَحْناهُ في [الأعْرافِ: ١٣٤] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ جَمِيعًا مِنهُ ﴾ أيْ: ذَلِكَ التَّسْخِيرُ مِنهُ لا مِن غَيْرِهِ، فَهو مِن فَضْلِهِ.
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، والجَحْدَرِيُّ: "جَمِيعًا مِنَّةً" بِفَتْحِ النُّونِ وتَشْدِيدِها وتاءٍ مَنصُوبَةٍ مُنَوَّنَةٍ.
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: "مَنُّهُ" بِفَتْحِ المِيمِ ورَفْعِ النُّونِ والهاءِ مُشَدَّدَةَ النُّونِ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا.
.
.
﴾ \[الآيَةُ\] في سَبَبِ نُزُولِها أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: «أنَّهم نَزَلُوا في غَزاةِ بَنِي المُصْطَلِقِ عَلى بِئْرٍ يُقالُ لَها: "المُرَيْسِيعُ"، فَأرْسَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أبِي غُلامَةَ لِيَسْتَقِيَ الماءَ، فَأبْطَأ عَلَيْهِ، فَلَمّا أتاهُ قالَ لَهُ: ما حَبَسَكَ؟
قالَ: غُلامُ عُمَرَ، ما تَرَكَ أحَدًا يَسْتَقِي حَتّى مَلَأ قِرَبَ النَّبِيِّ وقِرَبَ أبِي بَكْرٍ، ومَلَأ لِمَوْلاهُ، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ: ما مَثَلُنا ومَثَلُ هَؤُلاءِ إلّا كَما قِيلَ: سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأْكُلْكَ، فَبَلَغَ قَوْلُهُ عُمَرَ، فاشْتَمَلَ سَيْفَهُ يُرِيدُ التَّوَجُّهَ إلَيْهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: [أنَّها] «لَمّا نَزَلَتْ: ﴿ مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ﴾ قالَ يَهُودِيٌّ بِالمَدِينَةِ يُقالُ لَهُ فَنُحاصُ: احْتاجَ رَبُّ مُحَمَّدٍ، فَلَمّا سَمِعَ بِذَلِكَ عُمَرُ، اشْتَمَلَ [عَلى] سَيْفِهِ وخَرَجَ في طَلَبِهِ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَبَعَثَ النَّبِيُّ في طَلَبِ عُمَرَ، فَلَمّا جاءَ، قالَ: "يا عُمَرُ، ضَعْ سَيْفَكَ" وتَلا عَلَيْهِ الآيَةَ،» رَواهُ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرانَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أنَّ ناسًا مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ مِن أهْلِ مَكَّةَ كانُوا في أذًى شَدِيدٍ مِنَ المُشْرِكِينَ قَبْلَ أنْ يُؤْمَرُوا بِالقِتالِ، فَشَكَوا ذَلِكَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ القُرَظِيُّ، والسُّدِّيُّ.
والرّابِعُ: أنَّ رَجُلًا مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ شَتَمَ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ، فَهَمَّ عُمَرُ أنْ يَبْطِشَ بِهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
وَمَعْنى الآيَةِ: قُلْ لِلَّذِينِ آمَنُوا: اغْفِرُوا، ولَكِنْ شُبِّهَ بِالشَّرْطِ والجَزاءِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ ﴾ وقَدْ مَضى بَيانُ هَذا.
وَقَوْلُهُ: ﴿ لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ ﴾ أيْ: لا يَخافُونَ وقائِعَ اللَّهِ في الأُمَمِ الخالِيَةِ، لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِهِ، فَلا يَخافُونَ عِقابَهُ.
وقِيلَ: لا يَدْرُونَ أنْعَمَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، أمْ لا.
وقَدْ سَبَقَ بَيانُ مَعْنى "أيّامِ اللَّهِ" في سُورَةِ [إبْراهِيمَ: ٥] .
* فَصْلٌ وَجُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ، لِأنَّها تَضَمَّنَتِ الأمْرَ بِالإعْراضِ عَنِ المُشْرِكِينَ.
واخْتَلَفُوا في ناسِخِها عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ.
أحَدُها: [أنَّهُ] قَوْلُهُ: ﴿ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ ﴾ ، رَواهُ مَعْمَرٌ عَنْ قَتادَةَ.
والثّانِي: أنَّهُ قَوْلُهُ في [الأنْفالِ: ٥٧]: ﴿ فَإمّا تَثْقَفَنَّهم في الحَرْبِ ﴾ ، وقَوْلُهُ في [بَراءَةٍ: ٣٦]: ﴿ وَقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً ﴾ ، رَواهُ سَعِيدٌ عَنْ قَتادَةَ.
والثّالِثُ: [أنَّهُ] قَوْلُهُ: ﴿ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأنَّهم ظُلِمُوا ﴾ ، قالَهُ أبُو صالِحٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيَجْزِيَ قَوْمًا ﴾ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "لِنَجْزِيَ" بِالنُّونِ "قَوْمًا" يَعْنِي الكُفّارَ، فَكَأنَّهُ قالَ: لا تُكافِئُوهم أنْتُمْ لِنُكافِئَهم نَحْنُ.
وَما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ [الإسْراءِ: ٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنا بَنِي إسْرائِيلَ الكِتابَ ﴾ يَعْنِي التَّوْراةَ ﴿ والحُكْمَ ﴾ وهو الفَهْمُ في الكِتابِ، ﴿ وَرَزَقْناهم مِنَ الطَّيِّباتِ ﴾ يَعْنِي المَنَّ والسَّلْوى ﴿ وَفَضَّلْناهم عَلى العالَمِينَ ﴾ أيْ: عالَمِي زَمانِهِمْ.
﴿ وَآتَيْناهم بَيِّناتٍ مِنَ الأمْرِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: بَيانُ الحَلالِ والحَرامِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والثّانِي: العِلْمُ بِمَبْعَثِ النَّبِيِّ وشَواهِدِ نُبُوَّتِهِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.
وَما بَعْدَ هَذا قَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ [آلِ عِمْرانَ: ١٩] إلى قَوْلِهِ: ﴿ ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الأمْرِ ﴾ سَبَبُ نُزُولِها أنَّ رُؤَساءَ قُرَيْشٍ دَعَوْا رَسُولَ اللَّهِ إلى مِلَّةِ آبائِهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿ عَلى شَرِيعَةٍ ﴾ فَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: [أيْ] عَلى مِلَّةٍ ومَذْهَبٍ، ومِنهُ يُقالُ: شَرَعَ فُلانٌ في كَذا: إذا أخَذَ فِيهِ، ومِنهُ "مَشارِعُ الماءِ" وهي الفُرَضُ الَّتِي شَرَعَ فِيها الوارِدُ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: ثُمَّ جَعَلْناكَ بَعْدَ مُوسى عَلى طَرِيقَةٍ مِنَ الأمْرِ، أيْ: مِنَ الدِّينِ ﴿ فاتَّبِعْها ﴾ و ﴿ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ﴾ كَفّارُ قُرَيْشٍ.
﴿ إنَّهم لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ ﴾ أيْ: لَنْ يَدْفَعُوا عَنْكَ عَذابَ اللَّهِ إنِ اتَّبَعْتَهُمْ، ﴿ وَإنَّ الظّالِمِينَ ﴾ يَعْنِي المُشْرِكِينَ.
﴿ واللَّهُ ولِيُّ المُتَّقِينَ ﴾ الشِّرَكَ.
والآيَةُ الَّتِي بَعْدَها [مُفَسَّرَةٌ] في آخِرِ [الأعْرافِ: ٢٠٣] .
﴿ أمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ ﴾ سَبَبُ نُزُولِها أنَّ كُفّارَ مَكَّةَ قالُوا لِلْمُؤْمِنِينَ: إنّا نُعْطى في الآخِرَةِ مِثْلَما تُعْطَوْنَ مِنَ الأجْرِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والِاسْتِفْهامُ هاهُنا اسْتِفْهامُ إنْكارٍ.
و "اجْتَرَحُوا" بِمَعْنى اكْتَسَبُوا.
﴿ سَواءً مَحْياهم ومَماتُهُمْ ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وزَيْدٌ عَنْ يَعْقُوبَ: "سَواءً" نَصْبًا؛ وقَرَأ الباقُونَ: بِالرَّفْعِ.
فَمَن رَفَعَ، فَعَلى الِابْتِداءِ؛ ومَن نَصَبَ، جَعَلَهُ مَفْعُولًا ثانِيًا، عَلى تَقْدِيرِ: أنْ نَجْعَلَ مَحْياهم ومَماتَهم سَواءً؛ والمَعْنى: إنَّ هَؤُلاءِ يَحْيَوْنَ مُؤْمِنِينَ ويَمُوتُونَ مُؤْمِنِينَ، وهَؤُلاءِ يَحْيَوْنَ كافِرِينَ ويَمُوتُونَ كافِرِينَ؛ وشَتّانَ ماهم في الحالِ والمَآلِ ﴿ ساءَ ما يَحْكُمُونَ ﴾ أيْ: بِئْسَ ما يَقْضُونَ.
ثُمَّ ذَكَرَ بِالآيَةِ الَّتِي تَلِي هَذِهِ أنَّهُ خَلَقَ السَّمَواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ، أيْ: لِلْحَقِّ والجَزاءِ بِالعَدْلِ، لِئَلّا يَظُنَّ الكافِرُ أنَّهُ لا يُجْزى بِكُفْرِهِ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ ﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في [الفُرْقانِ: ٤٣] .
وقالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في الحارِثِ بْنِ قَيْسٍ السَّهْمِيِّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ ﴾ أيْ: عَلى عِلْمِهِ السّابِقِ فِيهِ أنَّهُ لا يَهْتَدِي ﴿ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ ﴾ أيْ: طَبَعَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَسْمَعِ الهُدى "وَ" عَلى " قَلْبه " فَلَمْ يَعْقِلِ الهُدى.
وقَدْ ذَكَرْنا الغِشاوَةَ والخَتْمَ في [البَقَرَةِ: ٧] .
﴿ فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ ﴾ ؟!
أيْ: مِن بَعْدِ إضْلالِهِ إيّاهُ ﴿ أفَلا تَذَكَّرُونَ ﴾ فَتَعْرِفُوا قُدْرَتَهُ عَلى ما يَشاءُ؟!
.
وما بَعْدَ [هَذا] مُفَسَّرٌ في سُورَةِ [المُؤْمِنُونَ: ٣٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَما يُهْلِكُنا إلا الدَّهْرُ ﴾ أيِ: اخْتِلافُ اللَّيْلِ والنَّهارِ ﴿ وَما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ ﴾ أيْ: ما قالُوهُ عَنْ عِلْمٍ، إنَّما قالُوهُ شاكِّينَ فِيهِ.
ومِن أجْلِ هَذا قالَ نَبِيُّنا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: « "لا تَسُبُّوا الدَّهْرَ فَإنَّ اللَّهَ هو الدَّهْرُ"،» أيْ: هو الَّذِي يُهْلِكُكُمْ، لا ما تَتَوَهَّمُونَهُ مِن مُرُورِ الزَّمانِ.
وما بَعْدَ هَذا ظاهِرٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ [البَقَرَةِ: ٢٨، الشُّورى: ٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿ يَخْسَرُ المُبْطِلُونَ ﴾ يَعْنِي المُكَذِّبِينَ الكافِرِينَ أصْحابَ الأباطِيلِ؛ والمَعْنى: يَظْهَرُ خُسْرانُهم يَوْمَئِذٍ.
﴿ وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: تَرى أهْلَ كُلِّ دِينٍ ﴿ جاثِيَةً ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: جالِسَةٌ عَلى الرُّكَبِ، يُقالُ: قَدْ جَثا فُلانٌ جُثُوًّا: إذا جَلَسَ عَلى رُكْبَتَيْهِ، ومِثْلُهُ: جَذا يَجْذُو.
والجُذُوُّ أشَدُّ اسْتِيفازًا مِنَ الجُثُوِّ، لِأنَّ الجُذُوَّ: أنْ يَجْلِسَ صاحِبُهُ عَلى أطْرافِ أصابِعِهِ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والمَعْنى أنَّها غَيْرُ مُطْمَئِنَّةٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إلى كِتابِها ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ كِتابُها الَّذِي فِيهِ حَسَناتُها وسَيِّئاتُها، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ حِسابُها، قالَهُ الشَّعْبِيُّ، والفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.
والثّالِثُ: كِتابُها الَّذِي أُنْزِلَ عَلى رَسُولِهِ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.
وَيُقالُ لَهُمْ: ﴿ اليَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ .
﴿ هَذا كِتابُنا ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوال.
أحَدُها: أنَّهُ كِتابُ الأعْمالِ الَّذِي تَكْتُبُهُ الحَفَظَةُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والثّانِي: اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّالِثُ: القُرْآنُ، والمَعْنى أنَّهم يَقْرَؤُونَهُ فَيَدُلُّهم ويُذَكِّرُهُمْ، فَكَأنَّهُ يَنْطِقُ عَلَيْهِمْ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ أيْ: نَأْمُرُ المَلائِكَةَ بِنَسْخِ أعْمالِكُمْ، أيْ: بِكَتْبِها وإثْباتِها.
وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ هَذا الِاسْتِنْساخَ، مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، تَسْتَنْسِخُ المَلائِكَةُ كُلَّ عامٍ ما يَكُونُ مِن أعْمالِ بَنِي آدَمَ، فَيَجِدُونَ ذَلِكَ مُوافِقًا ما يَعْمَلُونَهُ.
قالُوا: والِاسْتِنْساخُ لا يَكُونُ إلّا مِن أصْلٍ.
قالَ الفَرّاءُ: يَرْفَعُ المَلَكانِ العَمَلَ كُلَّهُ، فَيُثْبِتُ اللَّهُ مِنهُ ما فِيهِ ثَوابٌ أوْ عِقابٌ، ويَطْرَحُ مِنهُ اللَّغْوَ.
وقالَ الزَّجّاجُ: نَسْتَنْسِخُ ما تَكْتُبُهُ الحَفَظَةُ، ويَثْبُتُ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي رَحْمَتِهِ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: في جَنَّتِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَلَمْ تَكُنْ آياتِي ﴾ فِيهِ إضْمارٌ، تَقْدِيرُهُ: فَيُقالُ لَهم ألَمْ تَكُنْ آياتِي، يَعْنِي آياتِ القُرْآنِ ﴿ تُتْلى عَلَيْكم فاسْتَكْبَرْتُمْ ﴾ عَنِ الإيمانِ بِها ﴿ وَكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ ﴾ ؟!
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كافِرِينَ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا قِيلَ إنَّ وعْدَ اللَّهِ ﴾ بِالبَعْثِ ﴿ حَقٌّ ﴾ أيْ: كائِنٌ ﴿ والسّاعَةُ ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ: "والسّاعَةَ" بِالنَّصْبِ "لا رَيْبَ فِيها" أيْ: كائِنَةٌ بِلا شَكٍّ ﴿ قُلْتُمْ ما نَدْرِي ما السّاعَةُ ﴾ أيْ: أنْكَرْتُمُوها ﴿ إنْ نَظُنُّ إلا ظَنًّا ﴾ أيْ: ما نَعْلَمُ ذَلِكَ إلّا ظَنًّا وحَدْسًا، ولا نَسْتَيْقِنُ كَوْنَها.
وَما بَعْدَ هَذا قَدْ تَقَدَّمَ [الزُّمَرِ: ٤٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَقِيلَ اليَوْمَ نَنْساكُمْ ﴾ أيْ: نَتْرُكُكم في النّارِ ﴿ كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكم هَذا ﴾ أيْ: كَما تَرَكْتُمُ الإيمانَ والعَمَلَ لِلِقاءِ هَذا اليَوْمِ.
﴿ ذَلِكُمْ ﴾ الَّذِي فَعَلْنا بِكم ﴿ بِأنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللَّهِ هُزُوًا ﴾ أيْ: مَهْزُوءًا بِها ﴿ وَغَرَّتْكُمُ الحَياةُ الدُّنْيا ﴾ حَتّى قُلْتُمْ: إنَّهُ لا بَعْثَ ولا حِسابَ ﴿ فاليَوْمَ لا يُخْرَجُونَ ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "لا يَخْرُجُونَ" بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الرّاءِ.
وقَرَأ الباقُونَ: ["لا يُخْرَجُونَ"] بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الرّاءِ مِنها أيْ: مِنَ النّارِ ﴿ وَلا هم يُسْتَعْتَبُونَ ﴾ أيْ: لا يُطْلَبُ مِنهم أنْ يَرْجِعُوا إلى طاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، لِأنَّهُ لَيْسَ بِحِينِ تَوْبَةٍ ولا اعْتِذارٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَهُ الكِبْرِياءُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: السُّلْطانُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: الشَّرَفُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والثّالِثُ: العَظَمَةُ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ، والزَّجّاجُ.