زاد المسير سورة الأحقاف

الإسلام > القرآن > تفسير > زاد المسير > تفسير سورة الأحقاف

تفسيرُ سورةِ الأحقاف كاملةً من زاد المسير (ابن الجوزي) (جمال الدين ابن الجوزي).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 44 دقيقة قراءة

تفسير سورة الأحقاف كاملةً (جمال الدين ابن الجوزي)

حمٓ ١ تَنزِيلُ ٱلْكِتَـٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ ٢ مَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلَّا بِٱلْحَقِّ وَأَجَلٍۢ مُّسَمًّۭى ۚ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ عَمَّآ أُنذِرُوا۟ مُعْرِضُونَ ٣ قُلْ أَرَءَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَرُونِى مَاذَا خَلَقُوا۟ مِنَ ٱلْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌۭ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ ۖ ٱئْتُونِى بِكِتَـٰبٍۢ مِّن قَبْلِ هَـٰذَآ أَوْ أَثَـٰرَةٍۢ مِّنْ عِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ ٤

سُورَةُ الأحْقافِ * فَصْلٌ في نُزُولِها رَوى العَوْفِيُّ وابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها مَكِّيَّةٌ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةَ، والجُمْهُورُ.

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ أنَّهُما قالا: فِيها آيَةٌ مَدَنِيَّةٌ، وهي قَوْلُهُ: ﴿ قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ  ﴾ .

وقالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ بِمَكَّةَ غَيْرَ آيَتَيْنِ: قَوْلُهُ: ﴿ قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ  ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ فاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ  ﴾ نَزَلَتا بِالمَدِينَةِ.

وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ فاتِحَتِها [المُؤْمِنِ، الحِجْرِ: ٨٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَأجَلٍ مُسَمًّى ﴾ وهو أجَلُ فَناءِ السَّمَواتِ والأرْضِ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ أرَأيْتُمْ ﴾ مُفَسَّرٌ في [فاطِرٍ: ٤٠] إلى قَوْلِهِ: ﴿ ائْتُونِي بِكِتابٍ ﴾ ، وفي الآيَةِ اخْتِصارٌ، تَقْدِيرُهُ: فَإنِ ادَّعَوْا أنَّ شَيْئًا مِنَ المَخْلُوقاتِ صَنْعَةُ آلِهَتِهِمْ، فَقُلْ لَهُمُ: ائْتُونِي بِكِتابٍ ﴿ مِن قَبْلِ هَذا ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ القُرْآنِ فِيهِ بُرْهانُ ما تَدَّعُونَ مِن أنَّ الأصْنامَ شُرَكاءُ اللَّهِ، ﴿ أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الشَّيْءُ يُثِيرُهُ مُسْتَخْرِجُهُ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّانِي: بَقِيَّةٌ مِن عِلْمٍ تُؤْثَرُ عَنِ الأوَّلِينَ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، وإلى نَحْوِهِ ذَهَبُ الفَرّاءُ، وأبُو عُبَيْدَةَ.

والثّالِثُ: عَلامَةٌ مَن عِلْمٍ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

وَقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو رَزِينٍ، وأيُّوبَ السِّخْتِيانِيُّ، ويَعْقُوبُ: "أثَرَةٌ" بِفَتْحِ الثّاءِ، مِثْلُ شَجَرَةٍ.

ثُمَّ ذَكَرُوا في مَعْناها ثَلاثَةَ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الخَطُّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ؛ وقالَ: هو خَطٌّ كانَتِ العَرَبُ تَخُطُّهُ في الأرْضِ، قالَ أبُو بَكْرِ بْنِ عَيّاشٍ: الخَطُّ هو العِيافَةُ.

والثّانِي: أوْ عِلْمٌ تَأْثُرُونَهُ عَنْ غَيْرِكُمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: خاصَّةٌ مِن عِلْمٍ، قالَهُ قَتادَةُ.

وَقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، والحَسَنُ، وقَتادَةَ، والضَّحّاكُ، وابْنُ يَعَمَرَ: "أثْرَةٌ" بِسُكُونِ الثّاءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ بِوَزْنِ نَظْرَةٍ.

وَقالَ الفَرّاءُ: قُرِئَتْ "أثارَةٌ" و "أثَرَةٌ"، وهي لُغاتٌ، ومَعْنى الكُلِّ: بَقِيَّةٌ مِن عِلْمٍ، ويُقالُ: أوْ شَيْءٌ مَأْثُورٌ مِن كُتُبِ الأوَّلِينَ، فَمَن قَرَأ "أثارَةٌ" فَهو المَصْدَرُ، مِثْلُ قَوْلِكَ: السَّماحَةُ والشَّجاعَةُ، ومَن قَرَأ "أثَرَةٌ" فَإنَّهُ بَناهُ عَلى الأثَرِ، كَما قِيلَ: قَتَرَةٌ، ومَن قَرَأ "أثْرَةٌ" فَكَأنَّهُ أرادَ مِثْلَ قَوْلِهِ: "الخَطْفَةَ" [الصّافّاتِ: ١٠] و "الرَّجْفَةُ" [الأعْرافِ: ٧٨] .

وَقالَ اليَزِيدِيُّ: الأثارَةُ: البَقِيَّةُ؛ والأثَرَةُ، مَصْدَرُ أثَرَهُ يَأْثُرُهُ، أيْ: يَذْكُرُهُ ويَرْوِيهِ، ومِنهُ: حَدِيثٌ مَأْثُورٌ.

<div class="verse-tafsir"

وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُۥٓ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَهُمْ عَن دُعَآئِهِمْ غَـٰفِلُونَ ٥ وَإِذَا حُشِرَ ٱلنَّاسُ كَانُوا۟ لَهُمْ أَعْدَآءًۭ وَكَانُوا۟ بِعِبَادَتِهِمْ كَـٰفِرِينَ ٦ وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُنَا بَيِّنَـٰتٍۢ قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ هَـٰذَا سِحْرٌۭ مُّبِينٌ ٧ أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰهُ ۖ قُلْ إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُۥ فَلَا تَمْلِكُونَ لِى مِنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا ۖ هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ ۖ كَفَىٰ بِهِۦ شَهِيدًۢا بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ ۖ وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ٨

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَن لا يَسْتَجِيبُ لَهُ ﴾ يَعْنِي الأصْنامَ ﴿ وَهم عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ ﴾ لِأنَّها جَمادٌ لا تَسْمَعُ، فَإذا قامَتِ القِيامَةُ صارَتِ الآلِهَةُ أعْداءً لِعابِدِيها في الدُّنْيا.

ثُمَّ ذَكَرَ [بِما] بَعْدَ هَذا أنَّهم يُسَمُّونَ القُرْآنَ سِحْرًا وأنَّ مُحَمَّدًا افْتَراهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ﴾ أيْ: لا تَقْدِرُونَ عَلى أنْ تَرُدُّوا عَنِّي عَذابَهُ، أيْ: فَكَيْفَ أفْتَرِي مِن أجْلِكم وأنْتُمْ لا تَقْدِرُونَ عَلى دَفْعِ عَذابِهِ عَنِّي؟!

﴿ هُوَ أعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ ﴾ أيْ: بِما تَقُولُونَ في القُرْآنِ وتَخُوضُونَ فِيهِ مِنَ التَّكْذِيبِ والقَوْلِ بِأنَّهُ سِحْرٌ ﴿ كَفى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكُمْ ﴾ أنَّ القُرْآنَ جاءَ مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴿ وَهُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ في تَأْخِيرِ العَذابِ عَنْكم.

وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّما ذَكَرَ هاهُنا الغُفْرانَ والرَّحْمَةَ لِيُعْلِمَهم أنَّ مَن أتى ما أتَيْتُمْ ثُمَّ تابَ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى غَفُورٌ لَهُ رَحِيمٌ بِهِ.

<div class="verse-tafsir"

قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًۭا مِّنَ ٱلرُّسُلِ وَمَآ أَدْرِى مَا يُفْعَلُ بِى وَلَا بِكُمْ ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَىَّ وَمَآ أَنَا۠ إِلَّا نَذِيرٌۭ مُّبِينٌۭ ٩ قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَكَفَرْتُم بِهِۦ وَشَهِدَ شَاهِدٌۭ مِّنۢ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ عَلَىٰ مِثْلِهِۦ فَـَٔامَنَ وَٱسْتَكْبَرْتُمْ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ ١٠

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ ﴾ أيْ: ما أنا بِأوَّلِ رَسُولٍ.

والبِدْعُ والبَدِيعُ مِن كُلِّ شَيْءٍ: المُبْتَدَأُ ﴿ وَما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ ﴾ وقَرَأ ابْنُ يَعْمَرَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "ما يَفْعَلُ" بِفَتْحِ الياءِ.

ثُمَّ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ بِذَلِكَ ما يَكُونُ في الدُّنْيا.

ثُمَّ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: « [أنَّهُ] لَمّا اشْتَدَّ البَلاءُ بِأصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ  ، رَأى في المَنامِ أنَّهُ هاجَرَ إلى أرْضِ ذاتِ نَخْلٍ وشَجَرٍ وماءٍ، فَقَصَّها عَلى أصْحابِهِ، فاسْتَبْشَرُوا بِذَلِكَ لِما يَلْقَوْنَ مِن أذى المُشْرِكِينَ.

ثُمَّ إنَّهم مَكَثُوا بُرْهَةً لا يَرَوْنَ ذَلِكَ، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ مَتى تُهاجِرُ إلى الأرْضِ الَّتِي رَأيْتَ؟

فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ  ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ وَما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ ﴾ »، يَعْنِي لا أدْرِي، أخْرُجُ إلى المَوْضِعِ الَّذِي رَأيْتُهُ في مَنامِي أمْ لا؟

ثُمَّ قالَ: "إنَّما هو شَيْءٌ رَأيْتُهُ في مَنامِي، وما ( اتبعْ إلّا ما يُوحى إلَيَّ ) "، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وكَذَلِكَ قالَ عَطِيَّةُ: ما أدْرِي هَلْ يَتْرُكُنِي بِمَكَّةَ أوْ يُخْرِجُنِي مِنها.

والثّانِي: ما أدْرِي هَلْ أُخْرَجُ كَما أُخْرِجُ الأنْبِياءُ قَبْلِي، أوْ أُقْتَلُ كَما قُتِلُوا، ولا أدْرِي ما يُفْعَلُ بِكُمْ، أتُعَذَّبُونَ أمْ تُؤَخَّرُونَ؟

أتُصَدَّقُونَ أمْ تُكَذَّبُونَ؟

قالَهُ الحَسَنُ والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ أرادَ ما يَكُونُ في الآخِرَةِ.

رَوى ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، نَزَلَ بَعْدَها ﴿ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ  ﴾ وقالَ: ﴿ لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ.

.

.

﴾ الآيَةُ [الفَتْحِ: ٥] فَأُعْلِمَ ما يُفْعَلُ بِهِ وبِالمُؤْمِنِينَ.

وقِيلَ: إنَّ المُشْرِكِينَ فَرِحُوا عِنْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ وقالُوا: ما أمْرُنا وأمْرُ مُحَمَّدٍ إلّا واحِدٌ، ولَوْلا أنَّهُ ابْتَدَعَ ما يَقُولُهُ لِأخْبَرَهُ الَّذِي بَعَثَهُ بِما يُفْعَلُ بِهِ، فَنَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ.

.

.

﴾ الآيَةُ [الفَتْحِ: ٢]، فَقالَ الصَّحابَةُ: هَنِيئًا لَكَ يا رَسُولَ اللَّهِ، فَماذا يُفْعَلُ بِنا؟

فَنَزَلَتْ: ﴿ لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ.

.

.

﴾ الآيَةُ [الفَتْحِ: ٥]؛ ومِمَّنْ ذَهَبَ إلى هَذا القَوْلِ أنَسٌ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةَ.

ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ ﴿ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةَ، والضَّحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ.

والثّانِي: أنَّهُ مُوسى بْنُ عِمْرانَ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ، ومَسْرُوقٌ.

فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ يَكُونُ ذِكْرُ المَثَلِ صِلَةً، فَيَكُونُ المَعْنى: وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلَيْهِ، أيْ: عَلى أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، ﴿ فَآمَنَ ﴾ الشّاهِدُ، وهو ابْنُ سَلامٍ ﴿ واسْتَكْبَرْتُمْ ﴾ يا مَعْشَرَ اليَهُودِ.

وَعَلى الثّانِي يَكُونُ المَعْنى: وشَهِدَ مُوسى عَلى التَّوْراةِ الَّتِي هي مِثْلُ القُرْآنِ أنَّها مِن عِنْدِ اللَّهِ، كَما شَهِدَ مُحَمَّدٌ عَلى القُرْآنِ أنَّهُ كَلامُ اللَّهِ، "فَآمَنَ" مَن آمَنَ بِمُوسى والتَّوْراةِ "واسْتَكْبَرْتُمْ" أنْتُمْ يا مَعْشَرَ العَرَبِ أنْ تُؤْمِنُوا بِمُحَمَّدٍ والقُرْآنِ.

فَإنْ قِيلَ: أيْنَ جَوابُ "إنْ"؟

قِيلَ: هو مُضْمَرٌ؛ وفي تَقْدِيرِهِ سِتَّةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ جَوابَهُ: فَمَن أضَلُّ مِنكُمْ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّانِي: أنَّ تَقْدِيرَ الكَلامِ: وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ، أتُؤْمِنُونَ؟

قالَهُ الزَّجّاجُ.

والثّالِثُ: أنَّ تَقْدِيرَهُ: أتَأْمَنُونَ عُقُوبَةَ اللَّهِ؟

قالَهُ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ.

والرّابِعُ: أنَّ تَقْدِيرَهُ: أفَما تَهْلَكُونَ؟

ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

والخامِسُ: مَنِ المُحِقُّ مِنّا ومِنكم ومَنِ المُبْطِلُ؟

ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ.

والسّادِسُ: أنَّ تَقْدِيرَهُ: ألَيْسَ قَدْ ظَلَمْتُمْ؟

ويَدُلُّ عَلى هَذا المَحْذُوفِ قَوْلُهُ: ﴿ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ ﴾ ، ذَكَرَهُ الواحِدِيُّ.

<div class="verse-tafsir"

وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَوْ كَانَ خَيْرًۭا مَّا سَبَقُونَآ إِلَيْهِ ۚ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا۟ بِهِۦ فَسَيَقُولُونَ هَـٰذَآ إِفْكٌۭ قَدِيمٌۭ ١١ وَمِن قَبْلِهِۦ كِتَـٰبُ مُوسَىٰٓ إِمَامًۭا وَرَحْمَةًۭ ۚ وَهَـٰذَا كِتَـٰبٌۭ مُّصَدِّقٌۭ لِّسَانًا عَرَبِيًّۭا لِّيُنذِرَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ وَبُشْرَىٰ لِلْمُحْسِنِينَ ١٢ إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُوا۟ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَـٰمُوا۟ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ١٣ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ خَـٰلِدِينَ فِيهَا جَزَآءًۢ بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ١٤ وَوَصَّيْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ بِوَٰلِدَيْهِ إِحْسَـٰنًا ۖ حَمَلَتْهُ أُمُّهُۥ كُرْهًۭا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًۭا ۖ وَحَمْلُهُۥ وَفِصَـٰلُهُۥ ثَلَـٰثُونَ شَهْرًا ۚ حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُۥ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةًۭ قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِىٓ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِىٓ أَنْعَمْتَ عَلَىَّ وَعَلَىٰ وَٰلِدَىَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَـٰلِحًۭا تَرْضَىٰهُ وَأَصْلِحْ لِى فِى ذُرِّيَّتِىٓ ۖ إِنِّى تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّى مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ ١٥ أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا۟ وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّـَٔاتِهِمْ فِىٓ أَصْحَـٰبِ ٱلْجَنَّةِ ۖ وَعْدَ ٱلصِّدْقِ ٱلَّذِى كَانُوا۟ يُوعَدُونَ ١٦

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا.

.

.

﴾ الآيَةُ، في سَبَبِ نُزُولِها خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ الكُفّارَ قالُوا: لَوْ كانَ دِينُ مُحَمَّدٍ خَيْرًا ما سَبَقَنا إلَيْهِ اليَهُودُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ مَسْرُوقٌ.

والثّانِي: «أنَّ امْرَأةً ضَعِيفَةَ البَصَرِ أسْلَمَتْ، وكانَ الأشْرافُ مِن قُرَيْشٍ يَهْزَؤُونَ بِها ويَقُولُونَ: واللَّهِ لَوْ كانَ ما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ خَيْرًا ما سَبَقَتْنا هَذِهِ إلَيْهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» قالَهُ أبُو الزِّنادِ.

والثّالِثُ: أنَّ أبا ذَرٍّ الغِفارِيَّ أسَلَمَ واسْتَجابَ بِهِ قَوْمُهُ إلى الإسْلامِ، فَقالَتْ قُرَيْشٌ: لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ أبُو المُتَوَكِّلِ.

والرّابِعُ: أنَّهُ لَمّا اهْتَدَتْ مُزَيْنَةُ وجُهَيْنَةُ وأسْلَمَتْ، قالَتْ أسَدُ وغَطَفانُ: لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقَنا إلَيْهِ رِعاءُ الشّاءِ، يَعْنُونَ مُزَيْنَةَ وجُهَيْنَةَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

والخامِسُ: أنَّ اليَهُودَ قالُوا: لَوْ كانَ دِينُ مُحَمَّدٍ خَيْرًا ما سَبَقْتُمُونا إلَيْهِ، لِأنَّهُ لا عِلْمَ لَكم بِذَلِكَ، ولَوْ كانَ حَقًّا لَدَخَلْنا فِيهِ، ذَكَرَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ وقالَ: [هُوَ قَوْلُ مَن يَقُولُ: إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ؛ ومَن قالَ: هي مَكِّيَّةٌ، قالَ]: هو قَوْلُ المُشْرِكِينَ.

فَقَدْ خَرَجَ في "الَّذِينَ كَفَرُوا" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُشْرِكُونَ.

والثّانِي: اليَهُودُ.

وَقَوْلُهُ: ﴿ لَوْ كانَ خَيْرًا ﴾ أيْ: لَوْ كانَ دِينُ مُحَمَّدٍ خَيْرًا ﴿ ما سَبَقُونا إلَيْهِ ﴾ .

فَمَن قالَ: هُمُ المُشْرِكُونَ، قالَ: أرادُوا: إنّا أعَزُّ وأفْضَلُ؛ ومَن قالَ: هُمُ اليَهُودُ، [قالَ]: أرادُوا: لِأنّا أعْلَمُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ ﴾ أيْ: بِالقُرْآنِ ﴿ فَسَيَقُولُونَ هَذا إفْكٌ قَدِيمٌ ﴾ أيْ: كَذِبٌ مُتَقَدِّمٌ، يَعْنُونَ أساطِيرَ الأوَّلِينَ.

﴿ وَمِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ القُرْآنِ التَّوْراةُ.

وفي الكَلامِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: فَلَمْ يَهْتَدُوا، لِأنَّ المُشْرِكِينَ لَمْ يَهْتَدُوا بِالتَّوْارَةِ.

﴿ إمامًا ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ ﴿ وَرَحْمَةً ﴾ عَطْفٌ عَلَيْهِ ﴿ وَهَذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ ﴾ المَعْنى: مُصَدِّقٌ لِلتَّوْراةِ ﴿ لِسانًا عَرَبِيًّا ﴾ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ؛ المَعْنى: مُصَدِّقٌ لِما بَيْنَ يَدَيْهِ عَرَبِيًّا؛ وذُكِرَ "لِسانًا" تَوْكِيدًا، كَما تَقُولُ: جاءَنِي زَيْدٌ رَجُلًا صالِحًا، تُرِيدُ: جاءَنِي زَيْدٌ صالِحًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ قَرَأ عاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "لِيُنْذِرَ" بِالياءِ.

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، ويَعْقُوبُ: "لِتُنْذِرَ" بِالتّاءِ.

وعَنِ ابْنِ كَثِيرٍ كالقِراءَتَيْنِ.

و "الَّذِينَ ظَلَمُوا" المُشْرِكِينَ ﴿ وَبُشْرى ﴾ أيْ: وهو بُشْرى ﴿ لِلْمُحْسِنِينَ ﴾ وهُمُ المُوَحِّدُونَ يُبَشِّرُهم بِالجَنَّةِ.

وَما بَعْدَ هَذا قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ [فُصِّلَتْ: ٣٠] إلى قَوْلِهِ: ﴿ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا ﴾ وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "إحْسانًا" بِألِفٍ.

﴿ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: "كَرْهًا" بِفَتْحِ الكافِ؛ وقَرَأ الباقُونَ: بِضَمِّها.

قالَ الفَرّاءُ: والنَّحْوِيُّونَ يَسْتَحِبُّونَ الضَّمَّ هاهُنا، ويَكْرَهُونَ الفَتْحَ، لِلْعِلَّةِ الَّتِي بَيَّنّاها عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ  ﴾ .

قالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: حَمَلَتْهُ عَلى مَشَقَّةٍ ﴿ وَوَضَعَتْهُ ﴾ عَلى مَشَقَّةٍ.

﴿ وَفِصالُهُ ﴾ أيْ: فِطامُهُ.

وقَرَأ يَعْقُوبُ: "وَفَصْلُهُ" بِفَتْحِ الفاءِ وسُكُونِ الصّادِ مِن غَيْرِ ألِفٍ ﴿ ثَلاثُونَ شَهْرًا ﴾ .

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا" يُرِيدُ بِهِ شِدَّةَ الطَّلْقِ.

واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ المُدَّةَ قُدِّرَتْ لِأقَلِّ الحَمْلِ وأكْثَرِ الرَّضاعِ؛ فَأمّا الأشُدُّ، فَفِيهِ أقْوالٌ قَدْ تَقَدَّمَتْ؛ واخْتارَ الزَّجّاجُ أنَّهُ بُلُوغُ ثَلاثٍ وثَلاثِينَ سَنَةً، لِأنَّهُ وقْتُ كَمالِ الإنْسانِ في بَدَنِهِ وقُوَّتِهِ واسْتِحْكامِ شَأْنِهِ وتَمْيِيزِهِ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أشُدُّ الرَّجُلِ غَيْرُ أشُدِّ اليَتِيمِ، لِأنَّ أشُدَّ الرَّجُلِ: الِاكْتِهالُ والحُنْكَةُ وأنْ يَشْتَدَّ رَأْيُهُ وعَقْلُهُ، وذَلِكَ ثَلاثُونَ سَنَةً، ويُقالُ: ثَمانٍ وثَلاثُونَ سَنَةً، وأشُدُّ الغُلامِ: أنْ يَشْتَدَّ خَلْقُهُ ويَتَناهى نَباتُهُ.

وقَدْ ذَكَرْنا بَيانَ الأشُدِّ في [الأنْعامِ: ١٥٣] وفي [يُوسُفَ: ٢٢] وهَذا تَحْقِيقُهُ.

واخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: [أنَّها] نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وذَلِكَ «أنَّهُ صَحِبَ رَسُولَ اللَّهِ  وهو ابْنُ ثَمانِي عَشْرَةَ سَنَةً ورَسُولُ اللَّهِ  ابْنُ عِشْرِينَ سَنَةً وهم يُرِيدُونَ الشّامَ في تِجارَةٍ، فَنَزَلُوا مَنزِلًا فِيهِ سِدْرَةٌ، فَقَعَدَ رَسُولُ اللَّهِ  في ظِلِّها، ومَضى أبُو بَكْرٍ إلى راهِبٍ هُناكَ يَسْألُهُ عَنِ الدِّينِ، فَقالَ [لَهُ]: مَنِ الرَّجُلُ الَّذِي في ظِلِّ السِّدْرَةِ؟

فَقالَ: ذاكَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَقالَ: هَذا واللَّهِ نَبِيٌّ، وما اسْتَظَلَّ تَحْتَها أحَدٌ بَعْدَ عِيسى إلّا مُحَمَّدٌ نَبِيُّ اللَّهِ، فَوَقَعَ في قَلْبِ أبِي بَكْرٍ اليَقِينُ والتَّصْدِيقُ، فَكانَ لا يُفارِقُ رَسُولَ اللَّهِ  في أسْفارِهِ وحَضَرِهِ، فَلَمّا نُبِّئَ رَسُولُ اللَّهِ  -وَهُوَ ابْنُ أرْبَعِينَ سَنَةً وأبُو بَكْرٍ ابْنُ ثَمانٍ وثَلاثِينَ سَنَةً- صَدَّقَ رَسُولَ اللَّهِ  ، فَلَمّا بَلَغَ أرْبَعِينَ سَنَةً قالَ: رَبِّ أوْزِعْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ،» رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الأكْثَرُونَ؛ قالُوا: فَلَمّا بَلَغَ أبُو بَكْرٍ أرْبَعِينَ سَنَةً، دَعا اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ بِما ذَكَرَهُ في هَذِهِ الآيَةِ، فَأجابَهُ اللَّهُ، فَأسْلَمَ والِداهُ وأوْلادُهُ ذُكُورُهم وإناثُهُمْ، ولَمْ يَجْتَمِعْ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ مِنَ الصَّحابَةِ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ، وقَدْ شَرَحْنا قِصَّتَهُ في سُورَةِ [العَنْكَبُوتِ: ٨]، وهَذا مَذْهَبُ الضَّحّاكِ، والسُّدِّيِّ.

والثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ عَلى العُمُومِ، قالَهُ الحَسَنُ.

وقَدْ شَرَحْنا في سُورَةِ [النَّمْلِ: ١٩] مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ أوْزِعْنِي ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنْ أعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أجابَهُ اللَّهُ -يَعْنِي أبا بَكْرٍ- فَأعْتَقَ تِسْعَةً مِنَ المُؤْمِنِينَ كانُوا يُعَذَّبُونَ في اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ولَمْ يُرِدْ شَيْئًا مِنَ الخَيْرِ إلّا أعانَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، واسْتَجابَ لَهُ في ذُرِّيَّتِهِ فَآمَنُوا، ﴿ إنِّي تُبْتُ إلَيْكَ ﴾ أيْ: رَجَعْتُ إلى كُلِّ ما تُحِبُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهم أحْسَنَ ما عَمِلُوا ونَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: "يُتَقَبَّلُ" "وَيُتَجاوَزُ" بِالياءِ المَضْمُومَةِ فِيهِما.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وخَلَفٌ: "نَتَقَبَّلُ" "وَنَتَجاوَزُ" بِالنُّونِ فِيهِما.

وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو رَجاءٍ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ: "يَتَقَبَّلُ" "وَيَتَجاوَزُ" بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ فِيهِما، يَعْنِي أهْلَ هَذا القَوْلِ.

والأحْسَنُ بِمَعْنى الحَسَنِ.

﴿ فِي أصْحابِ الجَنَّةِ ﴾ أيْ: في جُمْلَةِ مَن يُتَجاوَزُ عَنْهُمْ، وهم أصْحابُ الجَنَّةِ.

وقِيلَ: "فِي" بِمَعْنى "مَعَ" .

﴿ وَعْدَ الصِّدْقِ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هو مَنصُوبٌ، لِأنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِما قَبْلَهُ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ ﴾ بِمَعْنى الوَعْدِ، لِأنَّهُ وعَدَهُمُ القَبُولَ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَعْدَ الصِّدْقِ ﴾ ، يُؤَكِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ ﴾ أيْ: عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ في الدُّنْيا.

<div class="verse-tafsir"

وَٱلَّذِى قَالَ لِوَٰلِدَيْهِ أُفٍّۢ لَّكُمَآ أَتَعِدَانِنِىٓ أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ ٱلْقُرُونُ مِن قَبْلِى وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ ٱللَّهَ وَيْلَكَ ءَامِنْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّۭ فَيَقُولُ مَا هَـٰذَآ إِلَّآ أَسَـٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ ١٧ أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ فِىٓ أُمَمٍۢ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ ۖ إِنَّهُمْ كَانُوا۟ خَـٰسِرِينَ ١٨ وَلِكُلٍّۢ دَرَجَـٰتٌۭ مِّمَّا عَمِلُوا۟ ۖ وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَـٰلَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ١٩ وَيَوْمَ يُعْرَضُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ عَلَى ٱلنَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَـٰتِكُمْ فِى حَيَاتِكُمُ ٱلدُّنْيَا وَٱسْتَمْتَعْتُم بِهَا فَٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ ٱلْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ ٢٠

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ﴿ أُفٍّ لَكُما ﴾ بِالخَفْضِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ.

وابْنُ عامِرٍ: بِفَتْحِ الفاءِ.

وقَرَأ نافِعٌ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: "أُفٍّ" بِالخَفْضِ والتَّنْوِينِ.

وقَرَأ ابْنُ يَعَمَرَ: "أُفٌّ" بِتَشْدِيدِ الفاءِ مَرْفُوعَةً مُنَوَّنَةً.

وقَرَأ حُمَيْدٌ، والجَحْدَرِيُّ: "أُفًّا" بِتَشْدِيدِ الفاءِ وبِالنَّصْبِ والتَّنْوِينِ.

وقَرَأ عَمْرُو بْنُ دِينارٍ: "أُفُّ" بِتَشْدِيدِ الفاءِ وبِالرَّفْعِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ.

وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، [وَعِكْرِمَةُ]، وأبُو رَجاءٍ: "أُفْ لَكُما" بِإسْكانِ الفاءِ خَفِيفَةً.

وقَرَأ أبُو العالِيَةِ، وأبُو عِمْرانَ: "أُفِّي" بِتَشْدِيدِ الفاءِ وياءٍ ساكِنَةٍ مُمالَةٍ.

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ في عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي بَكْرٍ قَبْلَ إسْلامِهِ، كانَ أبَواهُ يَدْعُوانِهِ إلى الإسْلامِ، وهو يَأْبى، وعَلى هَذا جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ.

وقَدْ رُوِيَ عَنْ عائِشَةَ أنَّها كانَتْ تُنْكِرُ أنْ تَكُونَ الآيَةُ نَزَلَتْ في عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وتَحْلِفُ عَلى ذَلِكَ وتَقُولُ: لَوْشِئْتُ لَسَمَّيْتُ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ.

قالَ الزَّجّاجُ: وقَوْلُ مَن قالَ: إنَّها نَزَلَتْ في عَبْدِ الرَّحْمَنِ، باطِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ ﴾ ، فَأعْلَمَ اللَّهُ أنَّ هَؤُلاءِ لا يُؤْمِنُونَ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ مُؤْمِنٌ؛ والتَّفْسِيرُ الصَّحِيحُ أنا نَزَلَتْ في الكافِرِ العاقِّ.

ورُوِيَ [عَنْ] مُجاهِدٍ أنَّها نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي بَكْرٍ، وعَنِ الحَسَنِ [أنَّها] نَزَلَتْ في جَماعَةٍ مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ قالُوا ذَلِكَ لِآبائِهِمْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقَدْ خَلَتِ القُرُونُ مِن قَبْلِي ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: مَضَتِ القُرُونُ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنهم أحَدٌ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: مَضَتِ القُرُونُ مُكَذِّبَةً بِهَذا، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهُما يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ ﴾ أيْ: يَدْعُوانِ اللَّهَ لَهُ بِالهُدى، ويَقُولانِ لَهُ: ﴿ وَيْلَكَ آمِن ﴾ أيْ: صَدِّقَ بِالبَعْثِ، ﴿ فَيَقُولُ ما هَذا ﴾ الَّذِي تَقُولانِ ﴿ إلا أساطِيرُ الأوَّلِينَ ﴾ وقَدْ سَبَقَ شَرْحُها [الأنْعامِ: ٢٥] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ ﴾ يُعْنى الكُفّارَ ﴿ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ ﴾ أيْ: وجَبَ عَلَيْهِمْ قَضاءُ اللَّهِ أنَّهم مِن أهْلِ النّارِ ﴿ فِي أُمَمٍ ﴾ أيْ: مَعَ أُمَمٍ.

فَذَكَرَ اللَّهُ تَعالى في الآيَتَيْنِ قَبْلَ هَذِهِ مَن بَرَّ والِدَيْهِ وعَمِلَ بِوَصِيَّةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ثُمَّ ذَكَرَ مَن لَمْ يَعْمَلْ بِالوَصِيَّةِ ولَمْ يُطِعْ رَبَّهُ ولا والِدَيْهِ، ﴿ إنَّهم كانُوا خاسِرِينَ ﴾ وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ، وأبُو عِمْرانَ: "أنَّهُمْ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ.

ثُمَّ قالَ: ﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا ﴾ أيْ: مَنازِلُ ومَراتِبُ بِحَسَبَ ما اكْتَسَبُوهُ مِن إيمانٍ وكُفْرٍ، فَيَتَفاضَلُ أهْلُ الجَنَّةِ في الكَرامَةِ، وأهْلُ النّارِ في العَذابِ ﴿ وَلِيُوَفِّيَهم أعْمالَهُمْ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو: "وَلِيُوَفِّيَهُمْ" بِالياءِ، وقَرَأ الباقُونَ: بِالنُّونِ؛ أيْ: جَزاءَ أعْمالِهِمْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَوْمَ يُعْرَضُ ﴾ المَعْنى: واذْكُرْ لَهم يَوْمَ يُعْرَضُ ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النّارِ أذْهَبْتُمْ ﴾ أيْ: ويُقالُ لَهُمْ: أذْهَبْتُمْ، قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: ["آذْهَبْتُمْ" بِهَمْزَةٍ مُطَوَّلَةٍ.

وقَرَأ] ابْنُ عامِرٍ: "أأذْهَبْتُمْ" بِهَمْزَتَيْنِ.

وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "أذْهَبْتُمْ" عَلى الخَبَرِ، وهو تَوْبِيخٌ لَهم.

قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: [العَرَبُ] تُوَبِّخُ بِالألِفِ وبِغَيْرِ الألِفِ، فَتَقُولُ: أذَهَبْتَ وفَعَلْتَ كَذا؟!

و: ذَهَبْتَ فَفَعَلْتَ؟!

قالَ المُفَسِّرُونَ: والمُرادُ بِطَيِّباتِهِمْ: ما كانُوا فِيهِ مِنَ اللَّذّاتِ مُشْتَغِلِينَ بِها عَنِ الآخِرَةِ مُعْرِضِينَ عَنْ شُكْرِها.

ولَمّا وبَّخَهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ، آثَرَ النَّبِيُّ  وأصْحابُهُ والصّالِحُونَ بَعْدَهُمُ اجْتِنابَ نَعِيمِ العَيْشِ ولَذَّتِهُ لِيَتَكامَلَ أجْرُهم ولِئَلّا يُلْهِيَهِمْ عَنْ مَعادِهِمْ.

وقَدْ رُوِيَ «عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّهُ دَخَلَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ  وهو مُضْطَجِعٌ عَلى خَصْفَةٍ وبَعْضُهُ عَلى التُّرابِ وتَحْتَ رَأْسِهِ وِسادَةٌ مَحْشُوَّةٌ لِيفًا، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أنْتَ نَبِيُّ اللَّهِ وصَفْوَتُهُ، وكِسْرى وقَيْصَرُ عَلى سُرُرِ الذَّهَبِ وفُرُشِ الدَّيْباجِ والحَرِيرِ؟!

فَقالَ  : "يا عُمَرُ، إنَّ أُولَئِكَ قَوْمٌ عُجِّلَتْ لَهم طَيِّباتُهُمْ، وهي وشِيكَةُ الِانْقِطاعِ، وإنّا أُخِّرَتْ لَنا طَيِّباتُنا" .» ورَوى جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: رَأى عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ لَحْمًا مُعَلَّقًا في يَدِي، فَقالَ: ما هَذا يا جابِرُ؟

فَقُلْتُ: اشْتَهَيْتُ لَحْمًا فاشْتَرَيْتُهُ، فَقالَ: أوَ كُلَّما اشْتَهَيْتَ اشْتَرَيْتَ يا جابِرُ؟!

أما تَخافُ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿ "أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكم في حَياتِكُمُ الدُّنْيا" .

﴾ ورُوِيَ عَنْ عُمْرَ أنَّهُ قِيلَ لَهُ: لَوْ أمَرْتَ أنْ نَصْنَعَ لَكَ طَعامًا ألْيَنَ مِن هَذا، فَقالَ: إنِّي سَمِعْتُ اللَّهَ عَيَّرَ أقْوامًا فَقالَ: ﴿ "أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكم في حَياتِكُمُ الدُّنْيا" .

﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَسْتَكْبِرُونَ في الأرْضِ ﴾ أيْ: تَتَكَبَّرُونَ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ والإيمانِ بِهِ.

<div class="verse-tafsir"

۞ وَٱذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُۥ بِٱلْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ ٱلنُّذُرُ مِنۢ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِۦٓ أَلَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّا ٱللَّهَ إِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍۢ ٢١ قَالُوٓا۟ أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ ءَالِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ ٢٢ قَالَ إِنَّمَا ٱلْعِلْمُ عِندَ ٱللَّهِ وَأُبَلِّغُكُم مَّآ أُرْسِلْتُ بِهِۦ وَلَـٰكِنِّىٓ أَرَىٰكُمْ قَوْمًۭا تَجْهَلُونَ ٢٣ فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًۭا مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا۟ هَـٰذَا عَارِضٌۭ مُّمْطِرُنَا ۚ بَلْ هُوَ مَا ٱسْتَعْجَلْتُم بِهِۦ ۖ رِيحٌۭ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌۭ ٢٤ تُدَمِّرُ كُلَّ شَىْءٍۭ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا۟ لَا يُرَىٰٓ إِلَّا مَسَـٰكِنُهُمْ ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْقَوْمَ ٱلْمُجْرِمِينَ ٢٥

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واذْكُرْ أخا عادٍ ﴾ يَعْنِي هُودًا ﴿ إذْ أنْذَرَ قَوْمَهُ بِالأحْقافِ ﴾ قالَ الخَلِيلُ: الأحْقافُ: الرِّمالُ العِظامُ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: واحِدُ الأحْقافِ: حِقْفٌ، وهو مِنَ الرَّمْلِ: ما أشْرَفَ مِن كُثْبانِهِ واسْتَطالَ وانْحَنى.

وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: هو ما اسْتَطالَ مِنَ الرَّمْلِ ولَمْ يَبْلُغْ أنْ يَكُونَ جَبَلًا.

واخْتَلَفُوا في المَكانِ الَّذِي سُمِّيَ بِهَذا الِاسْمِ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ جَبَلٌ بِالشّامِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ.

والثّانِي: أنَّهُ وادٍ، ذَكَرَهُ عَطِيَّةُ.

وقالَ مُجاهِدٌ: هي أرْضٌ.

وحَكى ابْنُ جَرِيرٍ: أنَّهُ وادٍ بَيْنَ عُمانَ ومَهْرَةَ.

وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: كانُوا يَنْزِلُونَ ما بَيْنَ عُمانَ وحَضْرَمَوْتَ، واليَمَنَ كُلَّهُ.

والثّالِثُ: أنَّ الأحْقافَ: رِمالٌ مُشْرِفَةٌ عَلى البَحْرِ بِأرْضٍ يُقالُ لَها: الشِّحْرُ، قالَهُ قَتادَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ ﴾ أيْ: قَدْ مَضَتِ الرُّسُلُ مِن قَبْلِ هُودٍ ومِن بَعْدِهِ بِإنْذارِ أُمَمِها ﴿ ألا تَعْبُدُوا إلا اللَّهَ ﴾ ؛ والمَعْنى: لَمْ يُبْعَثْ رَسُولٌ قَبْلَ هُودٍ ولا بَعْدَهُ إلّا بِالأمْرِ بِعِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ.

وهَذا كَلامٌ اعْتُرِضَ بَيْنَ إنْذارِ هُودٍ وكَلامِهِ لِقَوْمِهِ.

ثُمَّ عادَ إلى كَلامِ هُودٍ فَقالَ: ﴿ إنِّي أخافُ عَلَيْكُمْ ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِتَأْفِكَنا ﴾ أيْ: لِتَصْرِفَنا عَنْ عِبادَةِ آلِهَتِنا بِالإفْكِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّما العِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ أيْ: هو يَعْلَمُ مَتى يَأْتِيكُمُ العَذابُ.

﴿ فَلَمّا رَأوْهُ ﴾ يَعْنِي ما يُوعَدُونَ في قَوْلِهِ: "بِما تَعِدُنا" ﴿ عارِضًا ﴾ أيْ: سَحابٌ يَعْرِضُ مِن ناحِيَةِ السَّماءِ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: العارِضُ: السَّحابُ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَ المَطَرُ قَدْ حُبِسَ عَنْ عادٍ، فَساقَ اللَّهُ إلَيْهِمْ سَحابَةً سَوْداءَ، فَلَمّا رَأوْها فَرِحُوا و ﴿ قالُوا هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا ﴾ ، فَقالَ لَهم هُودٌ: ﴿ بَلْ هو ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ ﴾ ، ثُمَّ بَيَّنَ ما هو فَقالَ: ﴿ رِيحٌ فِيها عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ ، فَنَشَأتِ الرِّيحُ مِن تِلْكَ السَّحابَةِ، ﴿ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ أيْ: تُهْلِكُ كُلَّ شَيْءٍ مَرَّتْ بِهِ مِنَ النّاسِ والدَّوابِّ والأمْوالِ.

قالَ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: لَقَدْ كانَتِ الرِّيحُ تَحْتَمِلُ الظَّعِينَةَ فَتَرْفَعُها حَتّى تُرى كَأنَّها جَرادَةٌ، ﴿ فَأصْبَحُوا ﴾ يَعْنِي عادًا ﴿ لا يُرى إلا مَساكِنُهُمْ ﴾ قَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ: "لا يُرى" بِرَفْعِ الياءِ "إلّا مَساكِنُهُمْ" بِرَفْعِ النُّونِ.

وقَرَأ عَلِيٌّ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، والحَسَنُ، وقَتادَةَ، والجَحْدَرِيُّ: "لا تُرى" بِتاءٍ مَضْمُومَةٍ.

وقَرَأ أبُو عِمْرانَ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: "لا تَرى" بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ.

"إلّا مَسْكَنَهُمْ" عَلى التَّوْحِيدِ.

وهَذا لِأنَّ السُّكّانَ هَلَكُوا، فَقِيلَ: أصْبَحُوا وقَدْ غَطَّتْهُمُ الرِّيحُ بِالرَّمْلِ فَلا يُرَوْنَ.

<div class="verse-tafsir"

وَلَقَدْ مَكَّنَّـٰهُمْ فِيمَآ إِن مَّكَّنَّـٰكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًۭا وَأَبْصَـٰرًۭا وَأَفْـِٔدَةًۭ فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَآ أَبْصَـٰرُهُمْ وَلَآ أَفْـِٔدَتُهُم مِّن شَىْءٍ إِذْ كَانُوا۟ يَجْحَدُونَ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ ٢٦ وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُم مِّنَ ٱلْقُرَىٰ وَصَرَّفْنَا ٱلْـَٔايَـٰتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ٢٧ فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ قُرْبَانًا ءَالِهَةًۢ ۖ بَلْ ضَلُّوا۟ عَنْهُمْ ۚ وَذَٰلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ ٢٨

ثُمَّ خَوَّفَ كُفّارَ مَكَّةَ، فَقالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَقَدْ مَكَّنّاهم فِيما إنْ مَكَّنّاكم فِيهِ ﴾ في "إنْ" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها بِمَعْنى "لَمْ"، فَتَقْدِيرُهُ: فِيما لَمْ نُمَكِّنْكم فِيهِ، [قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

وقالَ الفَرّاءُ: هي بِمَنزِلَةِ "ما" في الجَحْدِ، فَتَقْدِيرُ الكَلامِ: في الَّذِي لَمْ نُمَكِّنُكم فِيهِ] .

والثّانِي: أنَّها زائِدَةٌ؛ والمَعْنى: فِيما مَكَّنّاكم فِيهِ، وحَكاهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ أيْضًا.

ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهُ جَعَلَ لَهم آلاتِ الفَهْمِ، فَلَمْ يَتَدَبَّرُوا بِها، ولَمْ يَتَفَكَّرُوا فِيما يَدُلُّهم عَلى التَّوْحِيدِ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: والمُرادُ بِالأفْئِدَةِ: القُلُوبُ؛ وهَذِهِ الآلاتُ لَمْ تَرُدَّ عَنْهم عَذابَ اللَّهِ.

ثُمَّ زادَ كُفّارَ مَكَّةَ في التَّخْوِيفِ، فَقالَ: ﴿ وَلَقَدْ أهْلَكْنا ما حَوْلَكم مِنَ القُرى ﴾ كَدِيارِ عادٍ وثَمُودَ وقَوْمِ لُوطٍ وغَيْرِهِمْ مِنَ الأُمَمِ المُهْلَكَةِ ﴿ وَصَرَّفْنا الآياتِ ﴾ أيْ: بَيَّنّاها ﴿ لَعَلَّهُمْ ﴾ يَعْنِي أهْلَ القُرى ﴿ يَرْجِعُونَ ﴾ عَنْ كُفْرِهِمْ.

وهاهُنا مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: فَما رَجَعُوا عَنْ كُفْرِهِمْ.

﴿ فَلَوْلا ﴾ أيْ: فَهَلّا ﴿ نَصَرَهُمُ ﴾ أيْ: مَنَعَهم مِن عَذابِ اللَّهِ ﴿ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ قُرْبانًا آلِهَةً ﴾ ؟!

يَعْنِي الأصْنامَ الَّتِي تَقَرَّبُوا بِعِبادَتِها إلى اللَّهِ عَلى زَعْمِهِمْ؛ وهَذا اسْتِفْهامُ إنْكارٍ، مَعْناهُ: لَمْ يَنْصُرُوهم ﴿ بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ ﴾ أيْ: لَمْ يَنْفَعُوهم عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ ﴿ وَذَلِكَ ﴾ يَعْنِي دُعاءَهُمُ الآلِهَةَ ﴿ إفْكُهُمْ ﴾ أيْ: كَذِبُهم.

وقَرَأ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ، وابْنُ يَعْمَرَ، وأبُو عِمْرانَ: "وَذَلِكَ أفَّكَهُمْ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وقَصْرِها وفَتْحِ الفاءِ وتَشْدِيدِها ونَصْبِ الكافِ.

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو رَزِينٍ، والشَّعْبِيُّ، وأبُو العالِيَةِ، والجَحْدَرِيُّ: "أفَكَهُمْ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وقَصْرِها ونَصْبِ الكافِ والفاءِ [وَتَخْفِيفِها] .

قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: أضَلَّهم.

وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْناها: صَرَفَهم عَنِ الحَقِّ فَجَعَلَهم ضُلّالًا.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَأبُو المُتَوَكِّلِ: "آفِكُهُمْ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ ومَدِّها وكَسْرِ الفاءِ وتَخْفِيفِها ورَفْعِ الكافِ، أيْ: مُضِلُّهم.

<div class="verse-tafsir"

وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَرًۭا مِّنَ ٱلْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقُرْءَانَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوٓا۟ أَنصِتُوا۟ ۖ فَلَمَّا قُضِىَ وَلَّوْا۟ إِلَىٰ قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ ٢٩ قَالُوا۟ يَـٰقَوْمَنَآ إِنَّا سَمِعْنَا كِتَـٰبًا أُنزِلَ مِنۢ بَعْدِ مُوسَىٰ مُصَدِّقًۭا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِىٓ إِلَى ٱلْحَقِّ وَإِلَىٰ طَرِيقٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ ٣٠ يَـٰقَوْمَنَآ أَجِيبُوا۟ دَاعِىَ ٱللَّهِ وَءَامِنُوا۟ بِهِۦ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍۢ ٣١ وَمَن لَّا يُجِبْ دَاعِىَ ٱللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍۢ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُۥ مِن دُونِهِۦٓ أَوْلِيَآءُ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ فِى ضَلَـٰلٍۢ مُّبِينٍ ٣٢

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ ﴾ وبَخَّ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ كَفّارَ قُرَيْشٍ بِما آمَنَتْ بِهِ الجِنُّ.

وفي سَبَبِ صَرْفِهِمْ إلى النَّبِيِّ  ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهم صُرِفُوا إلَيْهِ بِسَبَبِ ما حَدَثَ مِن رَجْمِهِمْ بِالشُّهُبِ.

رَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في "الصَّحِيحَيْنِ" مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «انْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ  في طائِفَةٍ مِن أصْحابِهِ عامِدِينَ إلى سُوقِ عُكاظٍ، وقَدْ حِيلَ بَيْنَ الشَّياطِينِ وبَيْنَ خَبَرِ السَّماءِ، وأُرْسِلَتْ عَلَيْهِمُ الشُّهُبُ، فَرَجَعَتِ الشَّياطِينُ، فَقالُوا: ما لَكُمْ؟

قالُوا: حِيلَ بَيْنَنا وبَيْنَ خَبَرِ السَّماءِ وأُرْسِلَتْ عَلَيْنا الشُّهُبُ، قالُوا: ما ذاكَ إلّا مِن شَيْءٍ حَدَثَ، فاضْرِبُوا مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها فانْظُرُوا ما هَذا الأمْرُ، فَمَرَّ النَّفَرُ الَّذِينَ تَوَجَّهُوا نَحْوَ تِهامَةَ بِالنَّبِيِّ  وهو بِـ "نَخْلَةَ" وهو يُصَلِّي بِأصْحابِهِ صَلاةَ الفَجْرِ، فَلَمّا سَمِعُوا القُرْآنَ تَسَمَّعُوا لَهُ، فَقالُوا: هَذا الَّذِي حالَ بَيْنَكم وبَيْنَ خَبَرِ السَّماءِ، فَهُنالِكَ رَجَعُوا إلى قَوْمِهِمْ ﴿ فَقالُوا إنّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا ﴾ ﴿ يَهْدِي إلى الرُّشْدِ  ﴾ .

فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلى نَبِيِّهِ ﴿ قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ ﴾ » [الجِنِّ: ١] .

ورَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «ما قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ  عَلى الجِنِّ، ولا رَآهُمْ، وإنَّما أتَوْهُ وهو بِـ "نَخْلَةَ" فَسَمِعُوا القُرْآنَ.» والثّانِي: أنَّهم صُرِفُوا إلَيْهِ لِيُنْذِرَهُمْ، وأُمِرَ أنْ يَقْرَأ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ، هَذا مَذْهَبُ جَماعَةٍ، مِنهم قَتادَةُ.

وفي أفْرادِ مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ عَلْقَمَةَ قالَ: «قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ: مَن كانَ مِنكم مَعَ النَّبِيِّ  لَيْلَةَ الجِنِّ؟

فَقالَ: ما كانَ مِنّا مَعَهُ أحَدٌ، فَقَدْناهُ ذاتَ لَيْلَةٍ ونَحْنُ بِمَكَّةَ، فَقُلْنا: اِغْتِيلَ رَسُولُ اللَّهِ  أوِ اسْتُطِيرَ، فانْطَلَقْنا نَطْلُبُهُ في الشِّعابِ، فَلَقِيناهُ مُقْبِلًا مِن نَحْوِ حِراءَ، فَقُلْنا: يا رَسُولَ اللَّهِ، أيْنَ كُنْتَ؟

لَقَدْ أشْفَقْنا عَلَيْكَ، وقُلْنا لَهُ: بِتْنا اللَّيْلَةَ بِشَّرِّ لَيْلَةٍ باتَ بِها قَوْمٌ حِينَ فَقَدْناكَ، فَقالَ: "إنَّهُ أتانِي داعِي الجِنِّ، فَذَهَبْتُ أُقْرِئُهُمُ القُرْآنَ"، فَذَهَبَ بِنا، فَأرانا آثارَهم وآثارَ نِيرانِهِمْ.

وقالَ قَتادَةُ: ذُكِرَ لَنا أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  قالَ: "إنِّي أُمِرْتُ أنْ أقْرَأ عَلى الجِنِّ، فَأيُّكم يَتْبَعُنِي؟" فَأطْرَقُوا، ثُمَّ اسْتَتْبَعَهم فَأطْرَقُوا، ثُمَّ اسْتَتْبَعَهُمُ الثّالِثَةَ فَأطْرَقُوا، فَأتْبَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، فَدَخَلَ نَبِيُّ اللَّهِ  شِعْبًا يُقالُ لَهُ: "شِعْبُ الحَجُونِ"، وخَطَّ عَلى عَبْدِ اللَّهِ خَطًّا لِيُثْبِتَهُ بِهِ، قالَ: فَسَمِعْتُ لَغَطًا شَدِيدًا حَتّى خِفْتُ عَلى نَبِيِّ اللَّهِ  ، فَلَمّا رَجَعَ قُلْتُ: يا نَبِيَّ اللَّهِ، ما اللَّغَطُ الَّذِي سَمِعْتُ؟

قالَ: "اجْتَمَعُوا إلَيَّ في قَتِيلٍ كانَ بَيْنَهُمْ، فَقَضَيْتُ بَيْنَهم بِالحَقِّ"» والثّالِثُ: أنَّهم مَرُّوا بِهِ وهو يَقْرَأُ، فَسَمِعُوا القُرْآنَ.

فَذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ لَمّا يَئِسَ مِن أهْلِ مَكَّةَ أنْ يُجِيبُوهُ، خَرَجَ إلى الطّائِفِ لِيَدْعُوَهم إلى الإسْلامِ- وقِيلَ: لِيَلْتَمِسَ نَصْرَهُمْ- وذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِ أبِي طالِبٍ، فَلَمّا كانَ بِبَطْنِ نَخْلَةَ قامَ يَقْرَأُ القُرْآنَ في صَلاةِ الفَجْرِ، فَمَرَّ بِهِ نَفَرٌ مِن أشْرافِ جِنِّ نَصِيبِينَ، فاسْتَمَعُوا القُرْآنَ.

فَعَلى هَذا القَوْلِ والقَوْلِ الأوَّلِ، لَمْ يَعْلَمْ بِحُضُورِهِمْ حَتّى أخْبَرَهُ اللَّهُ تَعالى؛ وعَلى القَوْلِ الثّانِي، عَلِمَ بِهِمْ حِينَ جاءُوا.

وفي المَكانِ الَّذِي سَمِعُوا فِيهِ تِلاوَةَ النَّبِيِّ  قَوْلانِ.

أحَدُهُما: الحَجُونَ، وقَدْ ذَكَرْناهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ.

والثّانِي: بَطْنُ نَخْلَةَ، وقَدْ ذَكَرْناهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ.

وَأمّا النَّفَرُ، فَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: إنَّ النَّفَرَ ما بَيْنَ الثَّلاثَةِ إلى العَشْرَةِ.

ولِلْمُفَسِّرِينَ في عَدَدِ هَؤُلاءِ النَّفَرِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهم كانُوا سَبْعَةً، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وزِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ، ومُجاهِدٌ، ورَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: تِسْعَةً، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا، رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ، ولا يَصِحُّ، لِأنَّ النَّفَرَ لا يُطْلَقُ عَلى الكَثِيرِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا حَضَرُوهُ ﴾ أيْ: حَضَرُوا اسْتِماعَهُ، و ﴿ قُضِيَ ﴾ يَعْنِي: فَرَغَ مِن تِلاوَتِهِ ﴿ وَلَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ ﴾ أيْ: مُحَذِّرِينَ عَذابَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا.

وَهَلْ أنْذَرُوا قَوْمَهم مِن قِبَلِ أنْفُسِهِمْ، أمْ جَعَلَهم رَسُولُ اللَّهِ رُسُلًا إلى قَوْمِهِمْ؟

فِيهِ قَوْلانِ.

قالَ عَطاءٌ: كانَ دِينُ أُولَئِكَ الجِنِّ اليَهُودِيَّةَ، فَلِذَلِكَ قالُوا: ﴿ مِن بَعْدِ مُوسى ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ ﴾ يَعْنُونَ مُحَمَّدًا  .

وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ أُرْسِلَ إلى الجِنِّ والإنْسِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ ﴾ "مِن" هاهُنا صِلَةٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ في الأرْضِ ﴾ أيْ: لا يُعْجِزُ اللَّهَ تَعالى ﴿ وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أوْلِياءُ ﴾ أيْ: أنْصارٌ يَمْنَعُونَهُ مِن عَذابِ اللَّهِ تَعالى أُولَئِكَ الَّذِينَ لا يُجِيبُونَ الرُّسُلَ في ضَلالٍ مُبِينٍ.

<div class="verse-tafsir"

أَوَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَلَمْ يَعْىَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَـٰدِرٍ عَلَىٰٓ أَن يُحْـِۧىَ ٱلْمَوْتَىٰ ۚ بَلَىٰٓ إِنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ ٣٣ وَيَوْمَ يُعْرَضُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ عَلَى ٱلنَّارِ أَلَيْسَ هَـٰذَا بِٱلْحَقِّ ۖ قَالُوا۟ بَلَىٰ وَرَبِّنَا ۚ قَالَ فَذُوقُوا۟ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ ٣٤ فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ ۚ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوٓا۟ إِلَّا سَاعَةًۭ مِّن نَّهَارٍۭ ۚ بَلَـٰغٌۭ ۚ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا ٱلْقَوْمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ ٣٥

ثُمَّ احْتَجَّ عَلى إحْياءِ المَوْتى بِقَوْلِهِ: ﴿ أوَلَمْ يَرَوْا.

.

.

﴾ إلى آخَرِ الآيَةِ.

والرُّؤْيَةُ هاهُنا بِمَعْنى العِلْمِ.

﴿ وَلَمْ يَعْيَ ﴾ أيْ: لَمْ يَعْجِزْ عَنْ ذَلِكَ؛ يُقالُ: عَيَّ فُلانٌ بِأمْرِهِ، إذا لَمْ يَهْتَدِ لَهُ ولَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ.

قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: عَيِيتُ بِالأمْرِ، إذا لَمْ تَعْرِفْ وجْهَهُ، وأعْيَيْتُ، إذا تَعِبْتَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِقادِرٍ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ والأخْفَشُ: الباءُ زائِدَةٌ مُؤَكِّدَةٌ.

وقالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ تُدْخِلُ الباءَ مَعَ الجَحْدِ، مِثْلُ قَوْلِكَ: ما أظُنُّكَ بِقائِمٍ، وهَذا قَوْلُ الكِسائِيِّ، والزَّجّاجِ.

وقَرَأ يَعْقُوبُ: "يَقْدِرُ" بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ مَكانَ الباءِ وسُكُونِ القافِ ورَفْعِ الرّاءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ.

وما بَعْدَ هَذا ظاهِرٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿ كَما صَبَرَ أُولُو العَزْمِ ﴾ أيْ: ذَوُو الحَزْمِ والصَّبْرِ؛ وفِيهِمْ عَشْرَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهم نُوحٌ، وإبْراهِيمُ، ومُوسى، وعِيسى، ومُحَمَّدٌ، صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ وسَلَّمَ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةَ، وعَطاءٌ الخُراسانِيُّ، وابْنُ السّائِبِ.

والثّانِي: نُوحٌ، وهُودٌ، وإبْراهِيمُ، ومُحَمَّدٌ، صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ وسَلَّمَ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ الرَّياحِيُّ.

والثّالِثُ: أنَّهُمُ الَّذِينَ لَمَّ تُصِبْهم فِتْنَةٌ مِنَ الأنْبِياءِ، قالَهُ الحَسَنُ.

والرّابِعُ: أنَّهُمُ العَرَبُ مِنَ الأنْبِياءِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والشَّعْبِيُّ.

والخامِسُ: أنَّهم إبْراهِيمُ، ومُوسى، وداوُدُ، وسُلَيْمانُ، وعِيسى، ومُحَمَّدٌ، صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ وسَلَّمَ، قالَهُ السُّدِّيُّ والسّادِسُ: أنَّ مِنهم إسْماعِيلَ، ويَعْقُوبَ، وأيُّوبَ، ولَيْسَ مِنهم آدَمُ، ولا يُونُسُ، ولا سُلَيْمانُ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

والسّابِعُ: أنَّهُمُ الَّذِينَ أُمِرُوا بِالجِهادِ والقِتالِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، وحُكِيَ عَنِ السُّدِّيِّ.

والثّامِنُ: أنَّهم جَمِيعُ الرُّسُلِ، فَإنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْ رَسُولًا إلّا كانَ مِن أُولِي العَزْمِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، واخْتارَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ، وقالَ: "مَن" دَخَلَتْ لِلتَّجْنِيسِ لا لِلتَّبْعِيضِ، كَما تَقُولُ: قَدْ رَأيْتُ الثِّيابَ مِنَ الخَزِّ والجِبابَ مِنَ القَزِّ.

والتّاسِعُ: أنَّهُمُ الأنْبِياءُ الثَّمانِيَةَ عَشَرَ المَذْكُورُونَ في سُورَةِ [الأنْعامِ: ٨٣ -٨٦]، قالَهُ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ.

والعاشِرُ: أنَّهم جَمِيعُ الأنْبِياءِ إلّا يُونُسَ، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ ﴾ يَعْنِي العَذابَ.

قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: كانَ النَّبِيُّ  ضَجِرَ بَعْضَ الضَّجَرِ، وأحَبَّ أنْ يَنْزِلَ العَذابُ بِمَن أبى مِن قَوْمِهِ، فَأُمِرَ بِالصَّبْرِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ ﴾ أيْ: مِنَ العَذابِ ﴿ لَمْ يَلْبَثُوا ﴾ في الدُّنْيا ﴿ إلا ساعَةً مِن نَهارٍ ﴾ لِأنَّ ما مَضى كَأنَّهُ لَمْ يَكُنْ وإنْ كانَ طَوِيلًا.

وقِيلَ: لِأنَّ مِقْدارَ مُكْثِهِمْ في الدُّنْيا قَلِيلٌ في جَنْبِ مُكْثِهِمْ في عَذابِ الآخِرَةِ.

وهاهُنا تَمَّ الكَلامُ.

ثُمَّ قالَ: ﴿ بَلاغٌ ﴾ أيْ: هَذا القُرْآنُ وما فِيهِ مِنَ البَيانِ بَلاغٌ عَنِ اللَّهِ إلَيْكم.

وَفِي مَعْنى وصْفِ القُرْآنِ بِالبَلاغِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ البَلاغَ بِمَعْنى التَّبْلِيغِ.

والثّانِي: أنَّ مَعْناهُ: الكِفايَةُ، فَيَكُونُ المَعْنى: ما أخْبَرْناهم بِهِ لَهم فِيهِ كِفايَةٌ وغِنًى.

وَذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ وجْهًا آخَرَ، وهو أنَّ المَعْنى: لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً مِن نَهارٍ، ذَلِكَ لُبْثُ بِلاغٍ، أيْ: ذَلِكَ بَلاغٌ لَهم في الدُّنْيا إلى آجالِهِمْ، ثُمَّ حُذِفَتْ "ذَلِكَ لُبْثُ" اكْتِفاءً بِدَلالَةٍ ما ذُكِرَ في الكَلامِ عَلَيْها.

وَقَرَأ أبُو العالِيَةِ، وأبُو عِمْرانَ: "بَلِّغْ" بِكَسْرِ اللّامِ وتَشْدِيدِها وسُكُونِ الغَيْنِ مِن غَيْرِ ألِفٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَهَلْ يُهْلَكُ ﴾ وقَرَأ أبُو رَزِينٍ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: "يَهْلِكُ" بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ اللّامِ، أيْ: عِنْدَ رُؤْيَةِ العَذابِ ﴿ إلا القَوْمُ الفاسِقُونَ ﴾ الخارِجُونَ عَنْ أمْرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ؟!

.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله