الإسلام > القرآن > تفسير > زاد المسير > سورة 45 الجاثية > الآيات ١٤-٢٢
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 6 دقيقة قراءةقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا.
.
.
﴾ \[الآيَةُ\] في سَبَبِ نُزُولِها أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: «أنَّهم نَزَلُوا في غَزاةِ بَنِي المُصْطَلِقِ عَلى بِئْرٍ يُقالُ لَها: "المُرَيْسِيعُ"، فَأرْسَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أبِي غُلامَةَ لِيَسْتَقِيَ الماءَ، فَأبْطَأ عَلَيْهِ، فَلَمّا أتاهُ قالَ لَهُ: ما حَبَسَكَ؟
قالَ: غُلامُ عُمَرَ، ما تَرَكَ أحَدًا يَسْتَقِي حَتّى مَلَأ قِرَبَ النَّبِيِّ وقِرَبَ أبِي بَكْرٍ، ومَلَأ لِمَوْلاهُ، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ: ما مَثَلُنا ومَثَلُ هَؤُلاءِ إلّا كَما قِيلَ: سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأْكُلْكَ، فَبَلَغَ قَوْلُهُ عُمَرَ، فاشْتَمَلَ سَيْفَهُ يُرِيدُ التَّوَجُّهَ إلَيْهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: [أنَّها] «لَمّا نَزَلَتْ: ﴿ مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ﴾ قالَ يَهُودِيٌّ بِالمَدِينَةِ يُقالُ لَهُ فَنُحاصُ: احْتاجَ رَبُّ مُحَمَّدٍ، فَلَمّا سَمِعَ بِذَلِكَ عُمَرُ، اشْتَمَلَ [عَلى] سَيْفِهِ وخَرَجَ في طَلَبِهِ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَبَعَثَ النَّبِيُّ في طَلَبِ عُمَرَ، فَلَمّا جاءَ، قالَ: "يا عُمَرُ، ضَعْ سَيْفَكَ" وتَلا عَلَيْهِ الآيَةَ،» رَواهُ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرانَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أنَّ ناسًا مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ مِن أهْلِ مَكَّةَ كانُوا في أذًى شَدِيدٍ مِنَ المُشْرِكِينَ قَبْلَ أنْ يُؤْمَرُوا بِالقِتالِ، فَشَكَوا ذَلِكَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ القُرَظِيُّ، والسُّدِّيُّ.
والرّابِعُ: أنَّ رَجُلًا مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ شَتَمَ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ، فَهَمَّ عُمَرُ أنْ يَبْطِشَ بِهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
وَمَعْنى الآيَةِ: قُلْ لِلَّذِينِ آمَنُوا: اغْفِرُوا، ولَكِنْ شُبِّهَ بِالشَّرْطِ والجَزاءِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ ﴾ وقَدْ مَضى بَيانُ هَذا.
وَقَوْلُهُ: ﴿ لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ ﴾ أيْ: لا يَخافُونَ وقائِعَ اللَّهِ في الأُمَمِ الخالِيَةِ، لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِهِ، فَلا يَخافُونَ عِقابَهُ.
وقِيلَ: لا يَدْرُونَ أنْعَمَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، أمْ لا.
وقَدْ سَبَقَ بَيانُ مَعْنى "أيّامِ اللَّهِ" في سُورَةِ [إبْراهِيمَ: ٥] .
* فَصْلٌ وَجُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ، لِأنَّها تَضَمَّنَتِ الأمْرَ بِالإعْراضِ عَنِ المُشْرِكِينَ.
واخْتَلَفُوا في ناسِخِها عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ.
أحَدُها: [أنَّهُ] قَوْلُهُ: ﴿ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ ﴾ ، رَواهُ مَعْمَرٌ عَنْ قَتادَةَ.
والثّانِي: أنَّهُ قَوْلُهُ في [الأنْفالِ: ٥٧]: ﴿ فَإمّا تَثْقَفَنَّهم في الحَرْبِ ﴾ ، وقَوْلُهُ في [بَراءَةٍ: ٣٦]: ﴿ وَقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً ﴾ ، رَواهُ سَعِيدٌ عَنْ قَتادَةَ.
والثّالِثُ: [أنَّهُ] قَوْلُهُ: ﴿ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأنَّهم ظُلِمُوا ﴾ ، قالَهُ أبُو صالِحٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيَجْزِيَ قَوْمًا ﴾ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "لِنَجْزِيَ" بِالنُّونِ "قَوْمًا" يَعْنِي الكُفّارَ، فَكَأنَّهُ قالَ: لا تُكافِئُوهم أنْتُمْ لِنُكافِئَهم نَحْنُ.
وَما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ [الإسْراءِ: ٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنا بَنِي إسْرائِيلَ الكِتابَ ﴾ يَعْنِي التَّوْراةَ ﴿ والحُكْمَ ﴾ وهو الفَهْمُ في الكِتابِ، ﴿ وَرَزَقْناهم مِنَ الطَّيِّباتِ ﴾ يَعْنِي المَنَّ والسَّلْوى ﴿ وَفَضَّلْناهم عَلى العالَمِينَ ﴾ أيْ: عالَمِي زَمانِهِمْ.
﴿ وَآتَيْناهم بَيِّناتٍ مِنَ الأمْرِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: بَيانُ الحَلالِ والحَرامِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والثّانِي: العِلْمُ بِمَبْعَثِ النَّبِيِّ وشَواهِدِ نُبُوَّتِهِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.
وَما بَعْدَ هَذا قَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ [آلِ عِمْرانَ: ١٩] إلى قَوْلِهِ: ﴿ ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الأمْرِ ﴾ سَبَبُ نُزُولِها أنَّ رُؤَساءَ قُرَيْشٍ دَعَوْا رَسُولَ اللَّهِ إلى مِلَّةِ آبائِهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿ عَلى شَرِيعَةٍ ﴾ فَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: [أيْ] عَلى مِلَّةٍ ومَذْهَبٍ، ومِنهُ يُقالُ: شَرَعَ فُلانٌ في كَذا: إذا أخَذَ فِيهِ، ومِنهُ "مَشارِعُ الماءِ" وهي الفُرَضُ الَّتِي شَرَعَ فِيها الوارِدُ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: ثُمَّ جَعَلْناكَ بَعْدَ مُوسى عَلى طَرِيقَةٍ مِنَ الأمْرِ، أيْ: مِنَ الدِّينِ ﴿ فاتَّبِعْها ﴾ و ﴿ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ﴾ كَفّارُ قُرَيْشٍ.
﴿ إنَّهم لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ ﴾ أيْ: لَنْ يَدْفَعُوا عَنْكَ عَذابَ اللَّهِ إنِ اتَّبَعْتَهُمْ، ﴿ وَإنَّ الظّالِمِينَ ﴾ يَعْنِي المُشْرِكِينَ.
﴿ واللَّهُ ولِيُّ المُتَّقِينَ ﴾ الشِّرَكَ.
والآيَةُ الَّتِي بَعْدَها [مُفَسَّرَةٌ] في آخِرِ [الأعْرافِ: ٢٠٣] .
﴿ أمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ ﴾ سَبَبُ نُزُولِها أنَّ كُفّارَ مَكَّةَ قالُوا لِلْمُؤْمِنِينَ: إنّا نُعْطى في الآخِرَةِ مِثْلَما تُعْطَوْنَ مِنَ الأجْرِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والِاسْتِفْهامُ هاهُنا اسْتِفْهامُ إنْكارٍ.
و "اجْتَرَحُوا" بِمَعْنى اكْتَسَبُوا.
﴿ سَواءً مَحْياهم ومَماتُهُمْ ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وزَيْدٌ عَنْ يَعْقُوبَ: "سَواءً" نَصْبًا؛ وقَرَأ الباقُونَ: بِالرَّفْعِ.
فَمَن رَفَعَ، فَعَلى الِابْتِداءِ؛ ومَن نَصَبَ، جَعَلَهُ مَفْعُولًا ثانِيًا، عَلى تَقْدِيرِ: أنْ نَجْعَلَ مَحْياهم ومَماتَهم سَواءً؛ والمَعْنى: إنَّ هَؤُلاءِ يَحْيَوْنَ مُؤْمِنِينَ ويَمُوتُونَ مُؤْمِنِينَ، وهَؤُلاءِ يَحْيَوْنَ كافِرِينَ ويَمُوتُونَ كافِرِينَ؛ وشَتّانَ ماهم في الحالِ والمَآلِ ﴿ ساءَ ما يَحْكُمُونَ ﴾ أيْ: بِئْسَ ما يَقْضُونَ.
ثُمَّ ذَكَرَ بِالآيَةِ الَّتِي تَلِي هَذِهِ أنَّهُ خَلَقَ السَّمَواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ، أيْ: لِلْحَقِّ والجَزاءِ بِالعَدْلِ، لِئَلّا يَظُنَّ الكافِرُ أنَّهُ لا يُجْزى بِكُفْرِهِ.
<div class="verse-tafsir"