تفسير سورة الأنعام الآية ١٠٩ عند زاد المسير

الإسلام > القرآن > تفسير > زاد المسير > سورة 6 الأنعام > الآية ١٠٩

وَأَقْسَمُوا۟ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ لَئِن جَآءَتْهُمْ ءَايَةٌۭ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا ۚ قُلْ إِنَّمَا ٱلْـَٔايَـٰتُ عِندَ ٱللَّهِ ۖ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ ١٠٩

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 5 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ لَمّا نَزَلَ في [الشُّعَراءِ:٤]: ﴿ إنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً ﴾ قالَ المُشْرِكُونَ: أنْزَلَها عَلَيْنا حَتّى واللَّهِ نُؤْمِنُ بِها؛ فَقالَ المُسْلِمُونَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أنْزَلَها عَلَيْهِمْ لَكَيْ يُؤْمِنُوا؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ؛ رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: «أنَّ قُرَيْشًا قالُوا: يا مُحَمَّدُ، تُخْبِرُنا أنَّ مُوسى كانَ مَعَهُ عَصى يَضْرِبُ بِها الحَجَرَ، فَيَنْفَجِرُ مِنها اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا، وأنَّ عِيسى كانَ يُحْيِي المَوْتى، وأنَّ ثَمُودَ كانْتْ لَهم ناقَةٌ، فائْتِنا بِمِثْلِ هَذِهِ الآَياتِ حَتّى نُصَدِّقَكَ: فَقالَ: أيُّ شَيْءٍ تُحِبُّونَ؟!

قالُوا: أنْ تَجْعَلَ لَنا الصَّفا ذَهَبًا.

قالَ: "فَإنْ فَعَلْتُ تُصَدِّقُونِي؟!

فَقالُوا: نَعَمْ، واللَّهُ لَئِنْ فَعَلْتَ لَنَتَّبِعَنَّكَ أجْمَعِينَ.

فَقامَ رَسُولُ اللَّهِ  يَدْعُو، فَجاءَهُ جِبْرِيلُ فَقالَ: إنْ شِئْتَ أصْبَحَ الصَّفا ذَهَبًا، ولَكِنِّي لَمْ أُرْسِلْ آَيَةً فَلَمْ يُصَدِّقْ بِها، إلّا أنْزَلَتِ العَذابَ، وإنْ شِئْتَ تَرَكْتَهم حَتّى يَتُوبَ تائِبُهم.

فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ  "أتْرُكُهم حَتّى يَتُوبَ تائِبُهُمْ"، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ إلى قَوْلِهِ: "يَجْهَلُونَ"» هَذا قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ.

وقَدْ ذَكَرْنا مَعْنى ﴿ جَهْدَ أيْمانِهِمْ ﴾ في [المائِدَةِ]؛ وإنَّما حَلَفُوا عَلى ما اقْتَرَحُوا مِنَ الآَياتِ، كَقَوْلِهِمْ: ﴿ لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا  ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ أيْ: هو القادِرُ عَلى الإتْيانِ بِها دُونِي ودُونَ أحَدٍ مِن خِلْقِهِ.

﴿ وَما يُشْعِرُكم أنَّها ﴾ أيْ: يُدْرِيكم أنَّها.

قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، وخَلْفٌ في اخْتِيارِهِ: بِكَسْرِ الألِفِ، فَعَلى هَذِهِ القِراءَةِ يَكُونُ الخِطابُ بِقَوْلِهِ ﴿ يُشْعِرُكُمْ ﴾ لَلْمُشْرِكِينَ، ويَكُونُ تَمامُ الكَلامِ عِنْدَ قَوْلُهُ: ﴿ وَما يُشْعِرُكُمْ ﴾ ويَكُونُ المَعْنى: وما يُدْرِيكم أنَّكم تُؤْمِنُونَ إذا جاءَتْ؟

وتَكُونُ "إنَّها" مَكْسُورَةً عَلى الِاسْتِئْنافِ والإخْبارِ عَنْ حالِهِمْ.

وقالَ أبُو عَلِيٍّ: التَّقْدِيرُ: وما يُشْعِرُكم إيمانَهُمْ؟

فَحَذَفَ المَفْعُولَ.

والمَعْنى: لَوْ جاءَتِ الآَيَةُ الَّتِي اقْتَرَحُوها، لَمْ يُؤْمِنُوا.

فَعَلى هَذا يَكُونُ الخِطابُ لَلْمُؤْمِنِينَ.

قالَ سِيبَوَيْهِ: سَألْتُ الخَلِيلَ عَنْ قَوْلُهُ: ﴿ وَما يُشْعِرُكم أنَّها ﴾ فَقُلْتُ: ما مَنَعَها أنْ تَكُونَ كَقَوْلِكَ: ما يُدْرِيكَ أنَّهُ لا يَفْعَلُ؟

فَقالَ: لا يُحْسِنُ ذَلِكَ في هَذا المَوْضِعِ؛ إنَّما قالَ: ﴿ وَما يُشْعِرُكُمْ ﴾ ثُمَّ ابْتَدَأ فَأوْجَبَ، فَقالَ: ﴿ أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ ولَوْ قالَ: ﴿ وَما يُشْعِرُكم أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ ؛ كانَ ذَلِكَ عُذْرًا لَهم.

وقَرَأ نافِعٌ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "أنَّها" بِفَتْحِ الألِفِ؛ فَعَلى هَذا، المُخاطَبُ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَما يُشْعِرُكُمْ ﴾ رَسُولُ اللَّهِ  وأصْحابُهُ؛ ثُمَّ في مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: وما يُدْرِيكم لَعَلَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ.

وفي قِراءَةِ أُبَيِّ: لَعَلَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ.

والعَرَبُ تَجْعَلُ "أنْ" بِمَعْنى "لَعَلَّ" .

يَقُولُونَ: ائْتِ السُّوقَ أنَّكَ تَشْتَرِي لَنا شَيْئًا، أيْ: لَعَلَّكَ.

قالَ عَدَيُّ بْنُ زَيْدٍ: أعاذِلٌ ما يُدْرِيكَ أنَّ مَنِيَّتِي إلى ساعَةٍ في اليَوْمِ أوْ في ضُحى غَدٍ أيْ: لَعَلَّ مَنِيَّتِي، وإلى هَذا المَعْنى ذَهَبَ الخَلِيلُ، وسِيبَوَيْهِ، والفَرّاءُ في تَوْجِيهِ هَذِهِ القِراءَةِ.

والثّانِي: أنَّ المَعْنى: وما يُدْرِيكم أنَّها إذا جاءَتْ يُؤْمِنُونَ، وتَكُونُ "لا" صِلَةً؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما مَنَعَكَ ألا تَسْجُدَ إذْ أمَرْتُكَ  ﴾ و قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أهْلَكْناها أنَّهم لا يَرْجِعُونَ  ﴾ ذَكَرَهُ الفَرّاءُ ورَدَّهُ الزَّجّاجُ واخْتارَ الأوَّلَ.

والأكْثَرُونَ عَلى قِراءَةِ: "يُؤْمِنُونَ" بِالياءِ؛ مِنهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ؛ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ: بِالتّاءِ، عَلى الخِطابِ لَلْمُشْرِكِينَ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَن قَرَأ بِالياءِ، فَلِأنَّ الَّذِينَ أقْسَمُوا غَيْبٌ، ومَن قَرَأ بِالتّاءِ، فَهو انْصِرافٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.3 / 29.5
الإضاءة 29%
البدر بعد 9 يوم
سبحان الله