الآية ١٠٩ من سورة الأنعام

الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ١٠٩ من سورة الأنعام

وَأَقْسَمُوا۟ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ لَئِن جَآءَتْهُمْ ءَايَةٌۭ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا ۚ قُلْ إِنَّمَا ٱلْـَٔايَـٰتُ عِندَ ٱللَّهِ ۖ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ ١٠٩

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 142 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٠٩ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٠٩ من سورة الأنعام عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى إخبارا عن المشركين : إنهم أقسموا بالله جهد أيمانهم ، أي : حلفوا أيمانا مؤكدة ( لئن جاءتهم آية ) أي : معجزة وخارق ، ( ليؤمنن بها ) أي : ليصدقنها ، ( قل إنما الآيات عند الله ) أي : قل يا محمد لهؤلاء الذين يسألونك الآيات تعنتا وكفرا وعنادا ، لا على سبيل الهدى والاسترشاد : إنما مرجع هذه الآيات إلى الله ، إن شاء أجابكم ، وإن شاء ترككم ، كما قال ، قال ابن جرير : حدثنا هناد حدثنا يونس بن بكير ، حدثنا أبو معشر ، عن محمد بن كعب القرظي قال : كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشا ، فقالوا : يا محمد ، تخبرنا أن موسى كان معه عصا يضرب بها الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا ، وتخبرنا أن عيسى كان يحيي الموتى ، وتخبرنا أن ثمود كانت لهم ناقة ، فأتنا من الآيات حتى نصدقك .

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أي شيء تحبون أن آتيكم به؟

" قالوا : تجعل لنا الصفا ذهبا .

فقال لهم : " فإن فعلت تصدقوني؟

" قالوا : نعم ، والله لئن فعلت لنتبعك أجمعين .

فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو ، فجاءه جبريل ، عليه السلام ، فقال له : لك ما شئت ، إن شئت أصبح الصفا ذهبا ، ولئن أرسل آية فلم يصدقوا عند ذلك ليعذبنهم ، وإن شئت فاتركهم حتى يتوب تائبهم .

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بل يتوب تائبهم " فأنزل الله : ( وأقسموا بالله ) إلى قوله تعالى ( يجهلون ) .

وهذا مرسل وله شواهد من وجوه أخر .

وقال الله تعالى : ( وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها وما نرسل بالآيات إلا تخويفا ) [ الإسراء : 59 ] .

وقوله تعالى : ( وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون ) قيل : المخاطب ب ( وما يشعركم ) المشركون ، وإليه ذهب مجاهد كأنه يقول لهم : وما يدريكم بصدقكم في هذه الأيمان التي تقسمون بها .

وعلى هذا فالقراءة : " إنها إذا جاءت لا يؤمنون " بكسر " إنها " على استئناف الخبر عنهم بنفي الإيمان عند مجيء الآيات التي طلبوها ، وقراءة بعضهم : " أنها إذا جاءت لا تؤمنون " بالتاء المثناة من فوق .

وقيل : المخاطب بقوله : ( وما يشعركم ) - المؤمنون ، أي : وما يدريكم أيها المؤمنون ، وعلى هذا فيجوز في ) إنها ) الكسر كالأول والفتح على أنه معمول ( يشعركم ) .

وعلى هذا فتكون " لا " في قوله : ( أنها إذا جاءت لا يؤمنون ) صلة كما في قوله : ( ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك ) [ الأعراف : 12 ] ، وقوله ( وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون ) [ الأنبياء : 95 ] .

أي : ما منعك أن تسجد إذ أمرتك ، وحرام أنهم يرجعون .

وتقديره في هذه الآية : وما يدريكم - أيها المؤمنون الذين تودون لهم ذلك حرصا على إيمانهم - أنها إذا جاءتهم الآيات يؤمنون .

وقال بعضهم : " أنها " بمعنى لعلها .

قال ابن جرير : وذكروا أن ذلك كذلك في قراءة أبي بن كعب .

قال : وقد ذكر عن العرب سماعا : " اذهب إلى السوق أنك تشتري لي شيئا " بمعنى : لعلك تشتري .

قال : وقد قيل : إن قول عدي بن زيد العبادي من هذا : أعاذل ما يدريك أن منيتي إلى ساعة في اليوم أو في ضحى الغد وقد اختار هذا القول ابن جرير وذكر عليه شواهد من أشعار العرب والله تعالى أعلم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ (109) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وحلف بالله هؤلاء العادلون بالله جَهْد حَلِفهم, وذلك أوكدُ ما قدروا عليه من الأيمان وأصعبُها وأشدُّها (53) =(لئن جاءتهم آية)، يقول: قالوا: نقسم بالله لئن جاءتنا آية تصدِّق ما تقول، يا محمد، مثلُ الذي جاء مَنْ قبلنا من الأمم =(ليؤمنن بها)، يقول: قالوا: لنصدقن بمجيئها بك, وأنك لله رسولٌ مرسل, وأنّ ما جئتنا به حقُّ من عند الله .

وقيل: " ليؤمنن بها ", فأخرج الخبر عن " الآية "، والمعنى لمجيء الآية .

يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: (قل إنما الآيات عند الله)، وهو القادر على إتيانكم بها دون كل أحد من خلقه =(وما يشعركم)، يقول: وما يدريكم (54) =(أنها إذا جاءت لا يؤمنون) ؟

* * * وذكر أن الذين سألوه الآية من قومه، هم الذين آيس الله نبيَّه من إيمانهم من مشركي قومه .

* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

* ذكر من قال ذلك: 13744- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله: (لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها)، إلى قوله: يَجْهَلُونَ ، سألت قريش محمدًا أن يأتيهم بآية, واستحلفهم: ليؤمننّ بها .

13745- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح: (لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها)، ثم ذكر مثله .

13746- حدثنا هناد قال، حدثنا يونس بن بكير قال، حدثنا أبو معشر, عن محمد بن كعب القرظي قال: كلّم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم قريشًا, (55) فقالوا: يا محمد، تخبرنا أن موسى كان معه عصًا يضرب بها الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينًا, وتخبرنا أنّ عيسى كان يحيي الموتى, وتخبرنا أن ثَمُود كانت لهم ناقة، فأتنا بشيء من الآيات حتى نصدقك !

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أيَّ شيء تحبُّون أن آتيكم به؟

قالوا: تجعَلُ لنا الصَّفَا ذهبًا.

فقال لهم: فإن فعلت تصدقوني؟

قالوا: نعم والله، لئن فعلت لنتبعنّك أجمعين !

(56) فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو, فجاءه جبريل عليه السلام فقال له: لك ما شئت، (57) إن شئتَ أصبح ذهبًا, ولئن أرسل آيةً فلم يصدقوا عند ذلك لنعذبنَّهم, وإن شئت فأنْدِحْهُم حتى يتوب تائبهم .

(58) فقال: بل يتوب تائبهم .

فأنـزل الله تعالى: (وأقسموا بالله) إلى قوله: يَجْهَلُونَ .

* * * القول في تأويل قوله تعالى : وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في المخاطبين بقوله: (وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون).

فقال بعضهم: خوطب بقوله: (وما يشعركم) المشركون المقسمون بالله، لئن جاءتهم آية ليؤمنن= وانتهى الخبر عند قوله: (وما يشعركم)، ثم استُؤنف الحكم عليهم بأنهم لا يؤمنون عند مجيئها استئنافًا مبتدأ .

* * * * ذكر من قال ذلك: 13747- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله: (وما يشعركم)، قال: ما يدريكم .

قال: ثم أخبر عنهم أنهم لا يؤمنون .

13748- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (وما يشعركم)، وما يدريكم=" أنها إذا جاءت "، قال: أوجب عليهم أنها إذا جاءت لا يؤمنون .

13749- حدثني المثنى قال: حدثنا إسحاق قال، سمعت عبد الله بن زيد يقول: إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ , ثم يستأنف فيقول: إنها إذا جاءت لا يؤمنون .

13750- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد قوله: " إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ" ، وما يدريكم أنكم تؤمنون إذا جاءت.

ثم استقبل يخبر عنهم فقال: إذا جاءت لا يؤمنون .

* * * وعلى هذا التأويل قراءةُ من قرأ ذلك بكسر ألف: " إنَّها "، على أن قوله: " إِنَّهَا إِذَا جَاءَتَ لا يُؤْمِنُون "، خبر مبتدأ منقطعٌ عن الأول.

* * * وممن قرأ ذلك كذلك، بعضُ قرأة المكيين والبصريين .

* * * وقال آخرون منهم: بل ذلك خطابٌ من الله نبيَّه صلى الله عليه وسلم وأصحابه.

قالوا: وذلك أنّ الذين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتي بآيةٍ, المؤمنون به .

قالوا: وإنما كان سببَ مسألتهم إيّاه ذلك، أن المشركين حَلَفوا أنّ الآية إذا جاءت آمنوا واتبعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: سل يا رسول الله ربك ذلك !

فسأل, فأنـزل الله فيهم وفي مسألتهم إياه ذلك: " قُلْ" للمؤمنين بك يا محمد=" إنما الآيات عند الله وما يشعركم "، أيها المؤمنون بأن الآيات إذا جاءت هؤلاء المشركين بالله، أنهم لا يؤمنون به= ففتحوا " الألف " من " أنّ" .

* * * ومن قرأ ذلك كذلك، عامة قرأة أهل المدينة والكوفة, وقالوا: أدخلت " لا " في قوله: (لا يؤمنون) صلة, (59) كما أدخلت في قوله: مَا مَنَعَكَ أَلا تَسْجُدَ ، [سورة الأعراف: 12]، وفي قوله: وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ ، [سورة الأنبياء: 95]، وإنما المعنى: وحرام عليهم أن يرجعوا= وما منعك أن تسجُد .

* * * وقد تأوَّل قوم قرؤوا، ذلك بفتح " الألف " من (أنها) بمعنى: لعلها.

وذكروا أن ذلك كذلك في قراءة أبيّ بن كعب .

* * * وقد ذكر عن العرب سماعًا منها: " اذهب إلى السوق أنك تشتري لي شيئًا ", بمعنى: لعلك تشتري.

(60) وقد قيل: إن قول عدي بن زيد العِبَاديّ: أَعَــاذِلَ, مَــا يُـدْرِيكِ أَنَّ مَنِيَّتِـي إلَـى سَاعَةٍ فِي الْيَومِ أَوْ فِي ضُحَى الغَدِ (61) بمعنى: لعل منيَّتي; وقد أنشدوا في بيت دريد بن الصمة: (62) ذَرِينِـي أُطَـوِّفْ فِـي البِـلادِ لأَنَّنِـي أَرَى مَــا تَـرَيْنَ أَوْ بَخِـيلا مُخَـلَّدَا (63) بمعنى: لعلني .

والذي أنشدني أصحابُنا عن الفراء: " لعلَّني أَرَى ما ترَيْن " .

وقد أنشد أيضًا بيتُ توبة بن الحميِّر: لَعَلَّـك يَـا تَيْسًـا نـزا فـيِ مَرِيـرَةٍ مُعَــذِّبُ لَيْـلَى أَنْ تَـرَانِي أَزُورُهَـا (64) " لهَنَّك يا تيسًا ", بمعنى: " لأنّك " التي في معنى " لعلك "، وأنشد بيت أبي النجم العجليّ: قُلْــتُ لِشَــيْبَانَ ادْنُ مِــنْ لِقَائِـهِ أَنَّــا نُغَــدِّي القَـوْمَ مِـنْ شِـوَائِهِ (65) بمعنى: (66) لعلنا نغدِّي القوم .

* * * قال أبو جعفر: وأولى التأويلات في ذلك بتأويل الآية, قولُ من قال: ذلك خطاب من الله للمؤمنين به من أصحاب رسوله= أعنى قوله: (وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون) = وأن قوله: " أنها "، بمعنى: لعلَّها .

وإنما كان ذلك أولى تأويلاته بالصواب، لاستفاضة القراءة في قرأة الأمصار بالياء من قوله: (لا يؤمنون) .

ولو كان قوله: (وما يشعركم) خطابًا للمشركين, لكانت القراءة في قوله: (لا يؤمنون)، بالتاء, وذلك، وإن كان قد قرأه بعض قرأة المكيين كذلك, فقراءةٌ خارجة عما عليه قرأة الأمصار, وكفى بخلاف جميعهم لها دليلا على ذهابها وشذوذها .

(67) * * * وإنما معنى الكلام: وما يدريكم، أيها المؤمنون، لعل الآيات إذا جاءت هؤلاء المشركين لا يؤمنون، فيعاجلوا بالنقمة والعذاب عند ذلك، ولا يؤخَّروا به .

---------------------- الهوامش : (53) انظر (( أقسم )) و (( جهد أيمانهم )) فيما سلف 10 : 407 - 409 ، ولم يفسرهما .

(54) انظر تفسير (( أشعر )) فيما سلف 11 : 316 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .

وانظر مجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 204 .

(55) في المطبوعة : (( قريش )) بالرفع ، والصواب من المخطوطة .

(56) في المطبوعة : (( أجمعون )) ، والصواب من المخطوطة .

(57) في المطبوعة أسقط (( له )) ، وهي في المخطوطة .

(58) في المطبوعة : (( فاتركهم حتى يتوب تائبهم )) ، وفي المخطوطة : (( ما نرحهم )) ، غير منقوطة ، ورجحت أن صواب ما أثبت ، وإن كنت لم أجد هذا الحرف في كتب اللغة ، وهو عندي من قولهم : (( ندحت الشيء ندحا )) ، إذ أوسعته وأفسحته ، ومنه قيل : (( إن لك في هذا الأمر ندحة )) ( بضم النون وفتحها وسكون الدال ) و(( مندوحة )) ، أي : سعة وفسحة .

فقولهم : (( أندحهم )) ، أي : أفسح لهم ، واجعل لهم مندوحة في هذا الأمر حتى يتوب تائبهم .

وهو حق المعنى إن شاء الله ، والقياس يعين عليه .

(59) (( الصلة )) .

الزيادة ، والإلغاء ، انظر فهارس المصطلحات .

(60) انظر في هذا معاني القرآن للفراء 1 : 349 ، 350 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 204 .

(61) جمهرة أشعار العرب 103 ، اللسان ( أنن ) ، وغيرهما .

من قصيدة له حكيمة ، يقول قبله : وعَاذِلَــةٍ هَبَّــتْ بِلَيْــلٍ تَلُـوُمُنِي فَلَمَّـا غَلَتْ فِي الَّلوْمِ قُلْتُ لها : اقْصِدي أعَـاذِلَ ، إن اللَّـوْمَ فـي غـير كُنْهِهِ عَــلَيّ ثُنًـى ، مِـنْ غَيِّـكِ المُـتَرَدِّدِ أعَـاذِلَ ، إنَّ الجـهْل مِـنْ لَـذَّةِ الفَتَى وَإنَّ المَنَايَــا لِلرِّجَـــالِ بِمَرْصَــدِ أعَـاذِلَ ، مَـا أَدْنَـى الرشادَ مِنَ الفَتَى وأَبْعَـــدَهُ مِنْــهُ إِذَا لَــمْ يُسَــدَّدِ أعَـاذِلَ ، مـن تُكْـتَبْ لَـهُ النَّارُ يَلْقَهَا كِفِاحًـا ، وَمَـنْ يُكْـتَبْ لَهُ الفَوْزُ يُسْعَدِ أَعَـاذِلَ ، قـد لاقيـتُ مـا يَزَغُ الفتى وَطَـابَقْتُ فـي الحِجْــلَيْنِ مَشْيَ المُقيَّدِ (62) في المطبوعة : (( وقد أنشدوني )) ، وأثبت ما في المخطوطة .

(63) هكذا جاء البيت في المخطوطة والمطبوعة ، وهو خطأ من أبي جعفر ، أو من الفراء ، بلا شك فإن الشطر الأخير من هذا الشعر ، هو من شعر حطائط بن يعفر ، وقد خرجته آنفًا 3 : 78 ، واستوفيت الكلام عنه هناك ، وأشرت إلى الموضع من اختلاف الشعر .

وأما قوله : (( ذريتي أطوف واستوفيت الكلام عنه هناك ، وأشرت إلى هذا الموضع من اختلاف الشعر .

وأما قوله : (( ذريني أطوف في البلاد لعلني )) ، فهو كثير في أشعارهم ، وأما شعر دريد بن الصمة الذي لاشك فيه ، فهو هذا : ذَرِينِـي أُطَـوِّفْ فِـي البِـلادِ لَعَلَّنِـي ألاَُقِــي بِـإثْرٍ ثُلـةً مـن مُحَـارِبٍ ولعل أبا جعفر نسي ، فكتب ما كتب .

وشعر دريد هذا مروي في الأصمعيات ص12 ( ص : 119 ، طبعة المعارف ) ، من قصيدة قالها بعد مقتل أخيه عبد الله ، ذكر فيها ما أصاب خضر محارب من القتل والاستئصال ، يقول قبله : فَلَيْــتَ قُبُـورًا بالمَخَاضَـةِ أَخْـبَرَتْ فَتُخْـبِرَ عَنَّـا الخُضْرَ ، خُضْرَ مُحَارِبِ رَدَسْــنَاهُمُ بِــالخَيْلِ حَـتى تَمـلأََّتْ عَـوَافِي الضِّبَـاعِ وَالذِّئَـابِ السَّوَاغِبِ ذَرِينِـــي أُطَــوِّف...............

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

(64) من قصيدة فيما جمعته من شعره ، وسيبويه 1 : 312 .

يقول ذلك لزوج ليلى الأخيلية صاحبته ، يتوعده لمنعه من زيارتها ، وتعذيبه في سببه ، ويجعله كالتيس ينزو في حبله .

وقوله (( في مريرة )) ، (( المريرة )) الحبل المفتول المحكم الفتل .

(65) المعاني الكبير لابن قتيبة : 393 ، الخزانة 3 : 591 ، وروايتها (( كما نغدي )) قال ابن قتيبه : ( قال أبو المجم وذكر ظليما ...

(( شيبان )) ابنه ، قلت له : اركب في طلبه .

(( كما )) بمعنى (( كيما )) ، يقول : كيما نصيده فنغدي القوم به مشويًا ) .

وكان البيت في المخطوطة غير منقوط ، وفي المطبوعة : (( قلت لسيبان )) ، وهو خطأ .

وفيها وفي المخطوطة : (( من سرايه )) ، والصواب ما أثبت .

(66) في المطبوعة : (( يعني )) ، وأثبت ما في المخطوطة .

(67) قوله : (( ذهابها )) ، أي هلاكها وفسادها .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها قل إنما الآيات عند الله وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنونقوله تعالى وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها فيه مسألتان ، الأولى : قوله تعالى : وأقسموا أي حلفوا .

وجهد اليمين أشدها ، وهو بالله .

فقوله : جهد أيمانهم أي غاية أيمانهم التي بلغها علمهم ، وانتهت إليها قدرتهم .

وذلك أنهم كانوا يعتقدون أن الله هو الإله الأعظم ، وأن هذه الآلهة إنما يعبدونها ظنا منهم أنها تقربهم إلى الله [ ص: 57 ] زلفى ; كما أخبر عنهم بقوله تعالى : ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى .

وكانوا يحلفون بآبائهم وبالأصنام وبغير ذلك ، وكانوا يحلفون بالله تعالى وكانوا يسمونه جهد اليمين إذا كانت اليمين بالله ." جهد " منصوب على المصدر والعامل فيه " أقسموا " على مذهب سيبويه ; لأنه في معناه .

والجهد " بفتح الجيم " : المشقة يقال : فعلت ذلك بجهد .

والجهد " بضمها " : الطاقة يقال : هذا جهدي ، أي طاقتي .

ومنهم من يجعلهما واحدا ، ويحتج بقوله والذين لا يجدون إلا جهدهم .

وقرئ " جهدهم " بالفتح ; عن ابن قتيبة .

وسبب الآية فيما ذكر المفسرون : القرظي والكلبي وغيرهما ، أن قريشا قالت : يا محمد ، تخبرنا بأن موسى ضرب بعصاه الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا ، وأن عيسى كان يحيي الموتى ، وأن ثمود كانت لهم ناقة ; فائتنا ببعض هذه الآيات حتى نصدقك .

فقال : أي شيء تحبون ؟

قالوا : اجعل لنا الصفا ذهبا ; فوالله إن فعلته لنتبعنك أجمعون .

فقام رسول الله صلى الله عليه سلم يدعو ; فجاءه جبريل عليه السلام فقال : إن شئت أصبح الصفا ذهبا ، ولئن أرسل الله آية ولم يصدقوا عندها ليعذبنهم فاتركهم حتى يتوب تائبهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بل يتوب تائبهم فنزلت هذه الآية .

وبين الرب بأن من سبق العلم الأزلي بأنه لا يؤمن فإنه لا يؤمن وإن أقسم ليؤمنن .الثانية : قوله تعالى جهد أيمانهم قيل : معناه بأغلظ الأيمان عندهم .

وتعرض هنا مسألة من الأحكام عظمى ، وهي قول الرجل : الأيمان تلزمه إن كان كذا وكذا .

قال ابن العربي : وقد كانت هذه اليمين في صدر الإسلام معروفة بغير هذه الصورة ، كانوا يقولون : علي أشد ما أخذه أحد على أحد ; فقال مالك : تطلق نساؤه .

ثم تكاثرت الصورة حتى آلت بين الناس إلى صورة هذه أمها .

وكان شيخنا الفهري الطرسوسي يقول : يلزمه إطعام ثلاثين مسكينا إذا حنث فيها ; لأن قوله " الأيمان " جمع يمين ، وهو لو قال علي يمين وحنث ألزمناه كفارة .

ولو قال : علي يمينان للزمته كفارتان إذا حنث .

والأيمان جمع يمين فيلزمه فيها ثلاث كفارات .

قلت : وذكر أحمد بن محمد بن مغيث في وثائقه : اختلف شيوخ القيروان فيها ; فقال أبو [ ص: 58 ] محمد بن أبي زيد ; يلزمه في زوجته ثلاث تطليقات ، والمشي إلى مكة ، وتفريق ثلث ماله ، وكفارة يمين ، وعتق رقبة .

قال ابن مغيث : وبه قال ابن أرفع رأسه وابن بدر من فقهاء طليطلة .

وقال الشيخ أبو عمران الفاسي وأبو الحسن القابسي وأبو بكر بن عبد الرحمن القروي : تلزمه طلقة واحدة إذا لم تكن له نية .

ومن حجتهم في ذلك رواية ابن الحسن في سماعه من ابن وهب في قوله : " وأشد ما أخذه أحد على أحد أن عليه في ذلك كفارة يمين " .

قال ابن مغيث : فجعل من سميناه على القائل : " الأيمان تلزمه " طلقة واحدة ; لأنه لا يكون أسوأ حالا من قوله : أشد ما أخذه أحد على أحد أن عليه كفارة يمين ، قال وبه نقول .

قال : واحتج الأولون بقول ابن القاسم في من قال : علي عهد الله وغليظ ميثاقه وكفالته وأشد ما أخذه أحد على أحد على أمر ألا يفعله ثم فعله ; فقال : إن لم يرد الطلاق ولا العتاق وعزلهما عن ذلك فلتكن ثلاث كفارات .

فإن لم تكن له نية حين حلف فليكفر كفارتين في قوله : علي عهد الله وغليظ ميثاقه .

ويعتق رقبة وتطلق نساؤه ، ويمشي إلى مكة ويتصدق بثلث ماله في قوله : وأشد ما أخذه على أحد .

قال ابن العربي : أما طريق الأدلة فإن الألف واللام في الأيمان لا تخلو أن يراد بها الجنس أو العهد ; فإن دخلت للعهد فالمعهود قولك بالله فيكون ما قاله الفهري .

فإن دخلت للجنس فالطلاق جنس فيدخل فيها ولا يستوفى عدده ، فإن الذي يكفي أن يدخل في كل جنس معنى واحد ; فإنه لو دخل في الجنس المعنى كله للزمه أن يتصدق بجميع ماله ; إذ قد تكون الصدقة بالمال يمينا .

والله أعلم .قوله تعالى قل إنما الآيات عند الله أي قل يا محمد : الله القادر على الإتيان بها ، وإنما يأتي بها إذا شاء .

وما يشعركم أي وما يدريكم أيمانكم ; فحذف المفعول .

ثم استأنف فقال : " إنها إذا جاءت لا يؤمنون " بكسر إن ، وهي قراءة مجاهد وأبي عمرو وابن كثير .

ويشهد لهذا قراءة ابن مسعود " وما يشعركم إذا جاءت لا يؤمنون " .

وقال مجاهد وابن زيد : المخاطب بهذا المشركون ، وتم الكلام .

حكم عليهم بأنهم لا يؤمنون ، وقد أعلمنا في الآية بعد هذه أنهم لا يؤمنون .

وهذا التأويل يشبه قراءة من قرأ " تؤمنون " بالتاء .

وقال الفراء وغيره ; الخطاب للمؤمنين ; لأن المؤمنين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : يا رسول الله ، لو نزلت الآية لعلهم يؤمنون ; فقال الله تعالى : وما يشعركم .وما يشعركم أي يعلمكم ويدريكم أيها المؤمنون .

أنها بالفتح ، وهي قراءة أهل المدينة والأعمش وحمزة ، أي لعلها إذا جاءت لا يؤمنون .

قال الخليل : " أنها " بمعنى لعلها ; وحكاه عنه سيبويه .

وفي التنزيل : وما يدريك لعله يزكى [ ص: 59 ] أي أنه يزكى .

وحكي عن العرب : ايت السوق أنك تشتري لنا شيئا ، أي لعلك .

وقال أبو النجم :قلت لشيبان ادن من لقائه أن تغدي القوم من شوائهوقال عدي بن زيد :أعاذل ما يدريك أن منيتي إلى ساعة في اليوم أو في ضحى الغدأي لعل .

وقال دريد بن الصمة .أريني جوادا مات هزلا لأنني أرى ما ترين أو بخيلا مخلداأي لعلني .

وهو في كلام العرب كثير " أن " بمعنى لعل .

وحكى الكسائي أنه كذلك في مصحف أبي بن كعب " وما أدراكم لعلها " .

وقال الكسائي والفراء : أن " لا " زائدة ، والمعنى : وما يشعركم أنها - أي الآيات - إذا جاءت المشركين يؤمنون ، فزيدت " لا " ; كما زيدت " لا " في قوله تعالى : وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون .

لأن المعنى : وحرام على قرية مهلكة رجوعهم .

وفي قوله : ما منعك ألا تسجد .

والمعنى : ما منعك أن تسجد .

وضعف الزجاج والنحاس وغيرهما زيادة " لا " وقالوا : هو غلط وخطأ ; لأنها إنما تزاد فيما لا يشكل .

وقيل : في الكلام حذف ، والمعنى : وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون أو يؤمنون ، ثم حذف هذا لعلم السامع ; ذكره النحاس وغيره .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: وأقسم المشركون المكذبون للرسول محمد صلى الله عليه وسلم.

{ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ } أي: قسما اجتهدوا فيه وأكدوه.

{ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ } تدل على صدق محمد صلى الله عليه وسلم { لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا } وهذا الكلام الذي صدر منهم، لم يكن قصدهم فيه الرشاد، وإنما قصدهم دفع الاعتراض عليهم، ورد ما جاء به الرسول قطعا، فإن الله أيد رسوله صلى الله عليه وسلم، بالآيات البينات، والأدلة الواضحات، التي -عند الالتفات لها- لا تبقي أدنى شبهة ولا إشكال في صحة ما جاء به، فطلبهم -بعد ذلك- للآيات من باب التعنت، الذي لا يلزم إجابته، بل قد يكون المنع من إجابتهم أصلح لهم، فإن الله جرت سنته في عباده، أن المقترحين للآيات على رسلهم، إذا جاءتهم، فلم يؤمنوا بها -أنه يعاجلهم بالعقوبة، ولهذا قال: { قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ } أي: هو الذي يرسلها إذا شاء، ويمنعها إذا شاء، ليس لي من الأمر شيء، فطلبكم مني الآيات ظلم، وطلب لما لا أملك، وإنما توجهون إلي توضيح ما جئتكم به، وتصديقه، وقد حصل، ومع ذلك، فليس معلوما، أنهم إذا جاءتهم الآيات يؤمنون ويصدقون، بل الغالب ممن هذه حاله، أنه لا يؤمن، ولهذا قال: { وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ }

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل : ( وأقسموا بالله جهد أيمانهم ) الآية .

قال محمد بن كعب القرظي والكلبي : قالت قريش يا محمد إنك تخبرنا أن موسى كان معه عصى يضرب بها الحجر فينفجر منه اثنتا عشرة عينا ، وتخبرنا أن عيسى عليه السلام كان يحيي الموتى فأتنا من الآيات حتى نصدقك ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أي شيء تحبون؟

قالوا : تجعل لنا الصفا ذهبا أو ابعث لنا بعض أمواتنا حتى نسأله عنك أحق ما تقول أم باطل ، أو أرنا الملائكة يشهدون لك ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فإن فعلت بعض ما تقولون أتصدقونني؟

قالوا : نعم والله لئن فعلت لنتبعنك أجمعين ، وسأل المسلمون رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينزلها عليهم حتى يؤمنوا ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو الله أن يجعل الصفا ذهبا فجاءه جبريل عليه السلام ، فقال له : اختر ما شئت إن شئت أصبح ذهبا ولكن إن لم يصدقوا عذبتهم ، وإن شئت تركتهم حتى يتوب تائبهم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : بل يتوب تائبهم ، فأنزل الله عز وجل : ( وأقسموا بالله جهد أيمانهم ) أي : حلفوا بالله جهد أيمانهم ، أي : بجهد أيمانهم ، يعني أوكد ما قدروا عليه من الأيمان وأشدها .

قال الكلبي ومقاتل : إذا حلف الرجل بالله ، فهو جهد يمينه .

( لئن جاءتهم آية ) كما جاءت من قبلهم من الأمم ، ( ليؤمنن بها قل ) يا محمد ، ( إنما الآيات عند الله ) والله قادر على إنزالها ، ( وما يشعركم ) وما يدريكم .

واختلفوا في المخاطبين بقوله ( وما يشعركم ) فقال بعضهم : الخطاب للمشركين الذين أقسموا .

وقال بعضهم : الخطاب للمؤمنين .

وقوله تعالى : ( أنها إذا جاءت لا يؤمنون ) قرأ ابن كثير وأهل البصرة وأبو بكر عن عاصم " إنها " بكسر الألف على الابتداء ، وقالوا : تم الكلام عند قوله ( وما يشعركم ) فمن جعل الخطاب للمشركين قال : معناه : وما يشعركم أيها [ المشركون ] أنها لو جاءت آمنتم؟

ومن جعل الخطاب للمؤمنين قال معناه : وما يشعركم أيها المؤمنون أنها لو جاءت آمنوا؟

لأن المسلمين كانوا يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدعو الله حتى يريهم ما اقترحوا حتى يؤمنوا فخاطبهم بقوله : ( وما يشعركم ) ثم ابتدأ فقال جل ذكره : ( أنها إذا جاءت لا يؤمنون ) وهذا في قوم مخصوصين [ حكم الله عليهم بأنهم لا يؤمنون ] ، وقرأ الآخرون : " أنها " بفتح الألف وجعلوا الخطاب للمؤمنين ، واختلفوا في قوله : ( لا يؤمنون ) فقال الكسائي : ( لا ) صلة ، ومعنى الآية : وما يشعركم أيها المؤمنون أن الآيات إذا جاءت المشركين يؤمنون؟

كقوله تعالى " وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون " ( الأنبياء ، 95 ) ، أي : يرجعون وقيل : إنها بمعنى لعل ، وكذلك هو في قراءة أبي ، تقول العرب : اذهب إلى السوق أنك تشتري شيئا ، أي : لعلك ، وقال عدي بن زيد : أعاذل ما يدريك أن منيتي إلى ساعة في اليوم أو في ضحى الغد أي : لعل منيتي ، وقيل : فيه حذف وتقديره : وما يشعركم أنها إذا جاءت [ يؤمنون أو لا يؤمنون؟

وقرأ ابن عامر وحمزة " لا تؤمنون " بالتاء على الخطاب للكفار واعتبروا بقراءة أبي : إذا جاءتكم ] لا تؤمنون ، وقرأ الآخرون بالياء على الخبر ، دليلها قراءة الأعمش : أنها إذا جاءتهم لا يؤمنون .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وأقسموا» أي كفار مكة «بالله جهد أيمانهم» أي غاية اجتهادهم فيها «لئن جاءتهم آية» مما اقترحوا «ليؤمنن بها قل» لهم «إنما الآيات عند الله» ينزلها كما يشاء وإنما أنا نذير «وما يشعركم» يدريكم بإيمانهم إذا جاءت: أي أنتم لا تدرون ذلك «إنهَّا إذا جاءت لا يؤمنون» لما سبق في علمي، وفي قراءة بالتاء خطابا للكفار وفي أخر بفتح أن بمعنى لعل أو معمولة لما قبلها.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وأقسم هؤلاء المشركون بأيمان مؤكَّدة: لئن جاءنا محمد بعلامة خارقة لنصدقنَّ بما جاء به، قل -أيها الرسول-: إنما مجيء المعجزات الخارقة من عند الله تعالى، هو القادر على المجيء بها إذا شاء، وما يدريكم أيها المؤمنون: لعل هذه المعجزات إذا جاءت لا يصدِّق بها هؤلاء المشركون.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم حكى القرآن بعض المقترحات المتعنتة التى كان يقترحها المشركون على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : { وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ } .الجهد : الوسع والطاقة من جهد نفسه يجهدها فى الأمر إذا بلغ أقصى وسعها وطاقتها فيه .

وهو مصدر فى موضع الحال .أى : وأقسم أولئك المشركون بالله مجتهدين فى أيمانهم ، مؤكدين إياها بأقصى ألوان التأكيد ، معلنين أنهم لئن جاءتهم آية من الآيات الكونية التى اقترحوها عليك يا محمد ليؤمنن بها أنها من عند الله وأنك صادق فيما تبلغه عن ربك .وقد لقن الله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم الرد المفحم لهم فقال : { قُلْ إِنَّمَا الآيات عِندَ الله } .أى : قل لهم يا محمد إن هذه الآيات التى اقترحتموها تعنتا وعنادا مردها إلى الله ، فهو وحده القادر عليها والمتصرف فيها حسب مشيئته وحكمته ، إن شاء أنزلها وإن شاء منعها ، أما أنا فليس ذلك إلىَّ .أخرج ابن جرير - بسنده - عن محمد بن كعب القرظى قال : " كلم نفر من قريش رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا له ، يا محمد تخبرنا أن موسى كان معه عصا ضرب بها الحجر ، فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً ، وتخبرنا أن عيى كان يحيى الموتى ، وتخبرنا أن ثمود كانت لهم ناقة فأتنا بآية من هذه الآيات حتى نصدقك ، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أى شىء تحبون أن آتيكم به "؟

قالوا ، تجعل لنا الصا ذهبا ، فقال لهم " فإن فعلت تصدقونى "؟

قالوا نعم .

والله لئن فعلت لنتبعنك أجمعون فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو فجاءه جبريل فقال ، إن شئت أصبح الصفا ذهبا على أن يعذبهم الله إذا لم يؤمنوا ، وإن شئت فاتركهم حتى يتوب تائبهم ، فقال صلى الله عليه وسلم " بل أتركهم حتى يتوب تائبهم " ، فأنزل الله - تعالى - قوله : { وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ } .

إلى قوله ( ولكن أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ ) " .وقوله : { وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ } .أى : وما يدريكم أيها المؤمنون الراغبون فى إنزال هذه الآيات طمعا فى إسلام هؤلاء المشركين أنها إذا جاءت لا يؤمنون أى : إذا جاءت هذه الآيات فأنا أعلم أنهم لا يؤمنون وأنتم لا تعلمون ذلك ولذا توقعتم إيمانهم ورغبتم فى نزول الآيات .فالخطاب هنا للمؤمنين ، والاستفهام فى معنى النفى ، وهو إخبار عنهم بعدم العلم وليس للإنكار عليهم .أى : إنكم إيها المؤمنون ليس عندكم شىء من أسباب الشعور بهذا الأمر الغيبى الذى لا يعلمه إلا علام الغيوب وهو أنهم لا يؤمنون إن جاءتهم الآيات التى يقترحونها على رسول الله صلى الله عليه وسلم تعنتا وجهلا .قال صاحب الكشاف : { وَمَا يُشْعِرُكُمْ } وما يدريكم { أَنَّهَآ } أى الآية التى تقترحونها { إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ } يعنى أنا أعلم أنها إذا جاءت لا يؤمنون بها وأنتم لا تدرون بذلك ، وذلك أن المؤمنين كانوا يطمعون فى إيمانهم إذا جاءت تلك الآية ويتمنون مجيئها ، فقال - عز وجل - وما يدريكم أنهم لا يؤمنون ، وقيل : إنها بمعنى " لعل " من قول العرب : ائت السوق أنك تشترى حماراً .وقال امرؤ القيس .عوجا على الطلل المحيل لأننا ...

نبكى الديار كما بكى ابن خذامأى : لعلنا نبكى الديار .وقرىء بكسر " إنها " على أن الكلام قد تم قبله بمعنى : وما يشعركم ما يكون منهم؟

ثم أخبرهم بعلمه فيهم فقال : إنها إذا جاءت لا يؤمنون البتة " .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى حكى عن الكفار شبهة توجب الطعن في نبوته، وهي قولهم إن هذا القرآن إنما جئتنا به لأنك تدارس العلماء، وتباحث الأقوام الذين عرفوا التوارة والإنجيل.

ثم تجمع هذه السور وهذه الآيات بهذا الطريق.

ثم إنه تعالى أجاب عن هذه الشبهة بما سبق، وهذه الآية مشتملة على شبهة أخرى وهي قولهم له إن هذا القرآن كيفما كان أمره، فليس من جنس المعجزات ألبتة، ولو أنك يا محمد جئتنا بمعجزة قاهرة وبينة ظاهرة لآمنا بك، وحلفوا على ذلك وبالغوا في تأكيد ذلك الحلف، فالمقصود من هذه الآية تقرير هذه الشبهة.

وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قال الواحدي: إنما سمى اليمين بالقسم لأن اليمين موضوعة لتوكيد الخبر الذي يخبر به الإنسان: إما مثبتاً للشيء، وإما نافياً.

ولما كان الخبر يدخله الصدق والكذب احتاج المخبر إلى طريق به يتوسل إلى ترجيح جانب الصدق على جانب الكذب، وذلك هو الحلف ولما كانت الحاجة إلى ذكر الحلف، إنما تحصل عند انقسام الناس عند سماع ذلك الخبر إلى مصدق به ومكذب به.

سموا الحلف بالقسم، وبنوا تلك الصيغة على أفعل فقالوا: أقسم فلان يقسم إقساماً: وأرادوا أنه أكد القسم الذي اختاره وأحال الصدق إلى القسم الذي اختاره بواسطة الحلف واليمين.

المسألة الثانية: ذكروا في سبب النزول وجوهاً: الأول: قالوا لما نزل قوله تعالى: ﴿ إِن نَّشَأْ نُنَزّلْ عَلَيْهِمْ مّنَ السماء ءايَةً فَظَلَّتْ أعناقهم لَهَا خاضعين  ﴾ أقسم المشركون بالله لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها فنزلت هذه الآية.

الثاني: قال محمد بن كعب القرظي: إن المشركين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: تخبرنا أن موسى ضرب الحجر بالعصا فانفجر الماء، وأن عيسى أحيا الميت، وأن صالحاً أخرج الناقة من الجبل، فأتنا أيضاً أنت بآية لنصدقك فقال عليه الصلاة والسلام: «ما الذي تحبون» فقالوا: أن تجعل لنا الصفا ذهباً، وحلفوا لئن فعل ليتبعونه أجمعون، فقام عليه الصلاة والسلام يدعو، فجاءه جبريل عليه السلام فقال: إن شئت كان ذلك، ولئن كان فلم يصدقوا عنده، ليعذبنهم، وإن تركوا تاب على بعضهم.

فقال صلى الله عليه وسلم: «بل يتوب على بعضهم» فأنزل الله تعالى هذه الآية.

المسألة الثالثة: ذكروا في تفسير قوله: ﴿ جَهْدَ أيمانهم ﴾ وجوهاً: قال الكلبي ومقاتل: إذا حلف الرجل بالله فهو جهد يمينه.

وقال الزجاج: بالغوا في الأيمان وقوله: ﴿ لَئِن جَاءتْهُمْ ءايَةٌ ﴾ اختلفوا في المراد بهذه الآية.

فقيل: ما روينا من جعل الصفا ذهباً، وقيل: هي الأشياء المذكورة في قوله تعالى: ﴿ وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأرض يَنْبُوعًا  ﴾ وقيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخبرهم بأن عذاب الاستئصال كان ينزل بالأمم المتقدمين الذين كذبوا أنبياءهم فالمشركون طلبوا مثلها.

وقوله: ﴿ قُلْ إِنَّمَا الأيات عِندَ الله ﴾ ذكروا في تفسير لفظة ﴿ عِندَ ﴾ وجوهاً، فيحتمل أن يكون المعنى أنه تعالى هو المختص بالقدرة على أمثال هذه الآيات دون غيره لأن المعجزات الدالة على النبوات شرطها أن لا يقدر على تحصيلها أحد إلا الله سبحانه وتعالى؛ ويحتمل أن يكون المراد بالعندية أن العلم بأن إحداث هذه المعجزات هل يقتضي إقدام هؤلاء الكفار على الإيمان أم لا ليس إلا عند الله؟

ولفظ العندية بهذا المعنى كما في قوله: ﴿ وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغيب  ﴾ ويحتمل أن يكون المراد أنها وإن كانت في الحال معدومة؛ إلا أنه تعالى متى شاء إحداثها أحدثها، فهي جارية مجرى الأشياء الموضوعة عند الله يظهرها متى شاء، وليس لكم أن تتحكموا في طلبها ولفظ ﴿ عِندَ ﴾ بهذا المعنى هنا كما في قوله: ﴿ وَإِن مّن شَيء إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ  ﴾ .

ثم قال تعالى: ﴿ وَمَا يُشْعِرُكُمْ ﴾ قال أبو علي ما استفهام وفاعل يشعركم ضمير ما والمعنى: وما يدريكم إيمانهم؟

فحذف المفعول، وحذف المفعول كثير.

والتقدير: وما يدريكم إيمانهم، أي بتقدير أن تجيئهم هذه الآيات فهم لا يؤمنون.

وقوله: ﴿ أَنَّهَا إِذَا جَاءتْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ قرأ ابن كثير وأبو عمرو ﴿ أَنَّهَا ﴾ بكسر الهمزة على الاستئناف وهي القراءة الجيدة.

والتقدير: أن الكلام تم عند قوله: ﴿ وَمَا يُشْعِرُكُمْ ﴾ أي وما يشعركم ما يكون منهم ثم ابتدأ فقال: ﴿ أَنَّهَا إِذَا جَاءتْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ قال سيبويه: سألت الخليل عن القراءة بفتح الهمزة في أن وقلت لم لا يجوز أن يكون التقدير ما يدريك أنه لا يفعل؟

فقال الخليل: إنه لا يحسن ذلك هاهنا لأنه لو قال: ﴿ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا ﴾ بالفتح لصار ذلك عذراً لهم، هذا كلام الخليل.

وتفسيره إنما يظهر بالمثال فإذا اتخذت ضيافة وطلبت من رئيس البلد أن يحضر فلم يحضر، فقيل لك لو ذهبت أنت بنفسك إليه لحضر، فإذا قلت: وما يشعركم أني لو ذهبت إليه لحضر كان المعنى: أني لو ذهبت إليه بنفسي فإنه لا يحضر أيضاً فكذا هاهنا قوله: ﴿ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءتْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ معناه أنها إذا جاءت آمنوا.

وذلك يوجب مجيء هذه الآيات ويصير هذا الكلام عذراً للكفار في طلب الآيات، والمقصود من الآية دفع حجتهم في طلب الآيات، فهذا تقرير كلام الخليل وقرأ الباقون من القراء ﴿ أَنَّهَا ﴾ بالفتح وفي تفسيره وجوه: الأول: قال الخليل: ﴿ أن ﴾ بمعنى لعل تقول العرب ائت السوق أنك تشتري لنا شيئاً أي لعلك، فكأنه تعالى قال لعلها إذا جاءت لا يؤمنون قال الواحدي: ﴿ أن ﴾ بمعنى لعل كثير في كلامهم قال الشاعر: أريني جواداً مات هولاً لأنني *** أرى ما تريني أو بخيلاً مخلداً وقال آخر: هل أنتم عاجلون بنا لأنا *** نرى العرصات أو أثر الخيام وقال عدي بن حاتم: أعاذل ما يدريك أن منيتي *** إلى ساعة في اليوم أوفي ضحى الغد وقال الواحدي: وفسر علي لعل منيتي روى صاحب الكشاف أيضاً في هذا المعنى قول امرئ القيس: عوجاً على الطلل المحيل لأننا *** نبكي الديار كما بكى ابن خذام قال صاحب الكشاف ويقوي هذا الوجه قراءة أبي ﴿ لعلها إذا جاءتهم لا يؤمنون ﴾ .

الوجه الثاني: في هذه القراءة أن تجعل ﴿ لا ﴾ صلة ومثله ﴿ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ  ﴾ معناه أن تسجد وكذلك قوله: ﴿ وَحَرَامٌ على قَرْيَةٍ أهلكناها أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ  ﴾ أي يرجعون فكذا هاهنا التقدير وما يشعركم أنها إذا جاءت يؤمنون والمعنى: أنها لو جاءت لم يؤمنوا قال الزجاج، وهذا الوجه ضعيف لأن ما كان لغواً يكون لغواً على جميع التقديرات ومن قرأ ﴿ أَنَّهَا ﴾ بالكسر فكلمة ﴿ لا ﴾ في هذه القراءة ليست بلغو فثبت أنه لا يجوز جعل هذا اللفظ لغواً.

قال أبو علي الفارسي: لم لا يجوز أن يكون لغواً على أحد التقديرين ويكون مفيداً على التقدير الثاني؟

واختلف القراء أيضاً في قوله: ﴿ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ فقرأ بعضهم بالياء وهو الوجه لأن قوله: ﴿ وَأَقْسَمُواْ بالله ﴾ إنما يراد به قوم مخصوصون، والدليل عليه قوله تعالى بعد هذه الآية: ﴿ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الملائكة ﴾ وليس كل الناس بهذا الوصف، والمعنى وما يشعركم أيها المؤمنون لعلهم إذا جاءتهم الآية التي اقترحوها لم يؤمنوا فالوجه الياء وقرأ حمزة وابن عامر بالتاء وهو على الانصراف من الغيبة إلى الخطاب، والمراد بالمخاطبين في ﴿ تُؤْمِنُونَ ﴾ هم الغائبون المقسمون الذين أخبر الله عنهم أنهم لا يؤمنون، وذهب مجاهد وابن زيد إلى أن الخطاب في قوله: ﴿ وَمَا يُشْعِرُكُمْ ﴾ للكفار الذين أقسموا.

قال مجاهد: وما يدريكم أنكم تؤمنون إذا جاءت، وهذا يقوي قراءة من قرأ ﴿ تُؤْمِنُونَ ﴾ بالتاء.

على ما ذكرناأولاً: الخطاب في قوله: ﴿ وَمَا يُشْعِرُكُمْ ﴾ للكفار الذين أقسموا.

وعلى ما ذكرنا ثانياً: الخطاب في قوله: ﴿ وَمَا يُشْعِرُكُمْ ﴾ للمؤمنين، وذلك لأنهم تمنوا نزول الآية ليؤمن المشركون وهو الوجه كأنه قيل للمؤمنين تتمنون ذلك وما يدريكم أنهم يؤمنون؟

المسألة الرابعة: حاصل الكلام أن القوم طلبوا من الرسول معجزات قوية وحلفوا أنها لو ظهرت لآمنوا، فبين الله تعالى أنهم وإن حلفوا على ذلك، إلا أنه تعالى عالم بأنها لو ظهرت لم يؤمنوا، وإذا كان الأمر كذلك لم يجب في الحكمة إجابتهم إلى هذا المطلوب.

قال الجبائي والقاضي: هذه الآية تدل على أحكام كثيرة متعلقة بنصرة الاعتزال.

الحكم الأول: أنها تدل على أنه لو كان في المعلوم لطف يؤمنون عنده لفعله لا محالة، إذ لو جاز أن لا يفعله لم يكن لهذا الجواب فائدة، لأنه إذا كان تعالى لا يجيبهم إلى مطلوبهم سواء آمنوا أو لم يؤمنوا لم يكن تعليق ترك الإجابة بأنهم لا يؤمنون عنده منتظماً مستقيماً، فهذه الآية تدل على أنه تعالى يجب عليه أن يفعل كل ما هو في مقدوره من الألطاف والحكمة.

الحكم الثاني: أن هذا الكلام إنما يستقيم لو كان لإظهار هذه المعجزات أثر في حملهم على الإيمان، وعلى قول المجبرة ذلك باطل، لأن عندهم الإيمان إنما يحصل بخلق الله تعالى، فإذا خلقه حصل، وإذا لم يخلقه لم يحصل، فلم يكن لفعل الإلطاف أثر في حمل المكلف على الطاعات.

وأقول هذا الذي قاله القاضي غير لازم.

أما الأول: فلأن القوم قالوا: لو جئتنا يا محمد بآية لآمنا بك، فهذا الكلام في الحقيقة مشتمل على مقدمتين: إحداهما: أنك لو جئتنا بهذه المعجزات لآمنا بك.

والثانية: أنه متى كان الأمر كذلك وجب عليك أن تأتينا بها، والله تعالى كذبهم في المقام الأول، وبين أنه تعالى وإن أظهرها لهم فهم لا يؤمنون، ولم يتعرض البتة للمقام الثاني، ولكنه في الحقيقة باق.

فإن لقائل أن يقول: هب أنهم لا يؤمنون عند إظهار تلك المعجزات، فلم لم يجب على الله تعالى إظهارها؟

اللهم إلا إذا ثبت قبل هذا البحث أن اللطف واجب على الله تعالى، فحينئذ يحصل هذا المطلوب من هذه الآية، إلا أن القاضي جعل هذه الآية دليلاً على وجوب اللطف، فثبت أن كلامه ضعيف.

وأما البحث الثاني: وهو قوله: إذا كان الكل بخلق الله تعالى لم يكن لهذه الألطاف أثر فيه، فنقول: الذي نقول به أن المؤثر في الفعل هو مجموع القدرة مع الداعي والعلم بحصول هذا اللطف أحد أجزاء الداعي وعلى هذا التقدير.

فيكون لهذا اللطف أثر في حصول الفعل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ لَئِن جآءَتْهُمْ ءايَةٌ ﴾ من مقترحاتهم ﴿ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الأيات عِندَ الله ﴾ وهو قادر عليها، ولكنه لا ينزلها إلاّ على موجب الحكمة، أو إنما الآيات عند الله لا عندي.

فكيف أجيبكم إليها وآتيكم بها ﴿ وَمَا يُشْعِرُكُمْ ﴾ وما يدريكم ﴿ أَنَّهَآ ﴾ أن الآية التي تقترحونها ﴿ إِذَا جَاءتْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ يعني أنا أعلم أنها إذا جاءت لا يؤمنون بها وأنتم لا تدرون بذلك.

وذلك أن المؤمنين كانوا يطمعون في إيمانهم إذا جاءت تلك الآية ويتمنون مجيئها.

فقال عزّ وجلّ وما يدريكم أنهم لا يؤمنون على معنى أنكم لا تدرون ما سبق علمي به من أنهم لا يؤمنون به ألا ترى إلى قوله ﴿ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ وقيل: ﴿ أَنَّهَآ ﴾ بمعنى ﴿ لعلها ﴾ من قول العرب: ائت السوق أنك تشتري لحماً.

وقال امرؤ القيس: عُوجَا عَلَى الطَّلَلِ الْمُحِيلِ لأَنَّنَا ** نَبْكِي الدِّيَارَ كَمَا بَكَى ابْنُ خُذَامِ وتقويها قراءة أبيّ ﴿ لعلها إذا جاءت لا يؤمنون ﴾ ، وقرئ بالكسر على أن الكلام قد تمّ قبله بمعنى: وما يشعركم ما يكون منهم، ثم أخبرهم بعلمه فيهم فقال: أنها إذا جاءت لا يؤمنون البتة.

ومنهم من جعل (لا) مزيدة في قراءة الفتح وقرئ: ﴿ وما يشعرهم أنها إذا جاءت لا يؤمنون ﴾ أي يحلفون بأنهم يؤمنون عند مجيئها.

وما يشعرهم أن تكون قلوبهم حينئذ كما كانت عند نزول القرآن وغيره من الآيات مطبوعاً عليها فلا يؤمنوا بها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ ﴾ مَصْدَرٌ في مَوْقِعِ الحالِ، والدّاعِي لَهم إلى هَذا القَسَمِ والتَّأْكِيدِ فِيهِ التَّحَكُّمُ عَلى الرَّسُولِ  في طَلَبِ الآياتِ واسْتِحْقارِ ما رَأوْا مِنها.

﴿ لَئِنْ جاءَتْهم آيَةٌ ﴾ مِن مُقْتَرَحاتِهِمْ.

﴿ لَيُؤْمِنُنَّ بِها قُلْ إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ هو قادِرٌ عَلَيْها يُظْهِرُ مِنها ما يَشاءُ ولَيْسَ شَيْءٌ مِنها بِقُدْرَتِي وإرادَتِي.

﴿ وَما يُشْعِرُكُمْ ﴾ وما يُدْرِيكُمُ اسْتِفْهامُ إنْكارٍ.

﴿ أنَّها ﴾ أيْ أنَّ الآيَةَ المُقْتَرَحَةَ.

﴿ إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ أيْ لا تَدْرُونَ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، أنْكَرَ السَّبَبَ مُبالَغَةً في نَفْيِ المُسَبَّبِ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى إنَّما لَمْ يُنْزِلْها لِعِلْمِهِ بِأنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ بِها، وقِيلَ لا مَزِيدَةٌ وقِيلَ أنَّ بِمَعْنى لَعَلَّ إذْ قُرِئَ لَعَلَّها قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ويَعْقُوبَ إنَّها بِالكَسْرِ كَأنَّهُ قالَ: وما يُشْعِرُكم ما يَكُونُ مِنهُمْ، ثُمَّ أخْبَرَكم بِما عَلِمَ مِنهم والخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ فَإنَّهم يَتَمَنَّوْنَ مَجِيءَ الآيَةِ طَمَعًا في إيمانِهِمْ، فَنَزَلَتْ.

وقِيلَ لِلْمُشْرِكِينَ إذْ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ «لا تُؤْمِنُونَ».

بِالتّاءِ وقُرِئَ: «وَما يُشْعِرُهم أنَّها إذا جاءَتْهُمْ» فَيَكُونُ إنْكارًا لَهم عَلى حَلْفِهِمْ أيْ: وما يُشْعِرُهم أنَّ قُلُوبَهم حِينَئِذٍ لَمْ تَكُنْ مَطْبُوعَةً كَما كانَتْ عِنْدَ نُزُولِ القُرْآنِ وغَيْرِهِ مِنَ الآياتِ فَيُؤْمِنُونَ بِها.

﴿ وَنُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهُمْ ﴾ عَطْفٌ عَلى لا يُؤْمِنُونَ أيْ: وما يُشْعِرُكم أنّا حِينَئِذٍ نُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم عَنِ الحَقِّ فَلا يَفْقَهُونَهُ، وأبْصارُهم فَلا يُبْصِرُونَهُ فَلا يُؤْمِنُونَ بِها.

﴿ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ ﴾ أيْ بِما أُنْزِلَ مِنَ الآياتِ.

﴿ أوَّلَ مَرَّةٍ ونَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ ونَدَعُهم مُتَحَيِّرِينَ لا نَهْدِيهِمْ هِدايَةَ المُؤْمِنِينَ.

وقُرِئَ.

«وَيُقَلِّبُ» و «يَذَرُهُمْ» عَلى الغَيْبَةِ، و «تُقَلَّبُ» عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ والإسْنادِ إلى الأفْئِدَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أيمانهم} جهد مصدر وقع موقع الحال أي جاهدين في الإتيان بأوكد الإيمان {لئن جاءتهم آية} من مفترحاتهم {لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الآيات عِندَ الله} وهو قادر عليها لا عندي فكيف آتيكم بها {وَمَا يُشْعِرُكُمْ} وما يدريكم {إنَّهَا} أن الآية المقترحة {إِذَا جَاءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ} بها يعني أنا أعلم أنها إذا جاءت لا يؤمنون بها وأنتم لا تعلمون ذلك وكان المؤمنون يطمعون في إيمانهم إذا جاءت تلك الآية ويتمنون مجيئها فقال الله تعالى وما يدريكم أنهم لا يؤمنون على معنى إنكم لا تدرون ما سبق علمي به من أنهم لا يؤمنون إنها بالكسرة مكي وبصري وأبو بكر على أن

الكلام تم قبله أي وما يشعركم ما يكون منهم ثم أخبرهم بعلمه فيهم فقال إنها إذا جاءت لا يؤمنون البتة ومنهم من جعل لا مزيدة في قراءة الفتح كقوله وَحَرَامٌ على قَرْيَةٍ أهلكناها أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ لاَ تُؤْمِنُونَ شامي وحمزة

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وأقْسَمُوا ﴾ أيِ المُشْرِكُونَ بِاللَّهِ ﴿ جَهْدَ أيْمانِهِمْ ﴾ أيْ جاهِدِينَ فِيها، فَـ (جَهْدَ) مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِنَزْعِ الخافِضِ أيْ أقْسَمُوا بِجَهْدِ أيْمانِهِمْ أيْ أوْكَدِها؛ وهو بِفَتْحِ الجِيمِ وضَمِّها في الأصْلِ بِمَعْنى الطّاقَةِ والمُشَقَّةِ، وقِيلَ: بِالفَتْحِ لِلْمَشَقَّةِ وبِالضَّمِّ الوُسْعِ، وقِيلَ: ما يُجْهِدُ الَإنْسانَ.

والمَعْنى هُنا -عَلى ما قالَ الرّاغِبُ - أنَّهم حَلَفُوا واجْتَهَدُوا في الحَلِفِ أنْ يَأْتُوا بِهِ عَلى أبْلَغِ ما في وُسْعِهِمْ ﴿ لَئِنْ جاءَتْهم آيَةٌ ﴾ مِن مُقْتَرَحاتِهِمْ أوْ مِن جِنْسِ الآياتِ، ورَجَّحَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ بِأنَّهُ الأنْسَبُ بِحالِهِمْ في المُكابَرَةِ والعِنادِ وتَرامِي أمْرِهِمْ في العُتُوِّ والفَسادِ حَيْثُ كانُوا لا يَعُدُّونَ ما يُشاهِدُونَهُ مِنَ المُعْجِزاتِ القاهِرَةِ مِن جِنْسِ الآياتِ فاقْتَرَحُوا غَيْرَها ﴿ لَيُؤْمِنُنَّ بِها ﴾ وما كانَ مَرْمى غَرَضِهِمْ إلّا التَّحَكُّمَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ  في طَلَبِ المُعْجِزَةِ وعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِما شاهَدُوا مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ البَيِّناتِ.

والباءُ صِلَةُ الإيمانِ، والمُرادُ مِنَ الإيمانِ بِها التَّصْدِيقُ بِالنَّبِيِّ  .

وجَعْلُها لِلسَّبَبِيَّةِ عَلى مَعْنى لَيُؤْمِنُنَّ بِسَبَبِها خِلافُ الظّاهِرِ ﴿ قُلْ إنَّما الآياتُ ﴾ أيْ كُلُّها فَيَدْخُلُ ما اقْتَرَحُوهُ فِيها دُخُولًا أوَّلِيًّا ﴿ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ أيْ أمْرُها في حُكْمِهِ وقَضائِهِ خاصَّةً يَتَصَرَّفُ فِيها حَسَبَ مَشِيئَتِهِ المَبْنِيَّةِ عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ لا تَتَعَلَّقُ بِها قُدْرَةُ أحَدٍ ولا مَشِيئَتُهُ اسْتِقْلالًا ولا اشْتِراكًا بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ حَتّى يُمْكِنَنِي أنْ أتَصَدّى لِإنْزالِها بِالِاسْتِدْعاءِ؛ وهَذا كَما تَرى سَدٌّ لِبابِ الِاقْتِراحِ وقِيلَ: إنَّ المَعْنى إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ لا عِنْدِي فَكَيْفَ أُجِيبُكم إلَيْها أوْ ءاتِيكم بِها أوِ المَعْنى هو القادِرُ عَلَيْها لا أنا حَتّى ءاتِيَكم بِها.

واعْتَرَضَ ذَلِكَ شَيْخُ الإسْلامِ بَعْدَ أنِ اخْتارَ ما قَدَّمْناهُ بِأنَّهُ لا مُناسَبَةَ لَهُ بِالمَقامِ كَيْفَ لا ولَيْسَ مُقْتَرَحُهم مَجِيئَها بِغَيْرِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، فَتَدَبَّرْ.

رَوِيَ «أنَّ قُرَيْشًا اقْتَرَحُوا بَعْضَ ءاياتٍ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: فَإنْ فَعَلْتُ بَعْضَ ما تَقُولُونَ أتُصَدِّقُونَنِي فَقالُوا: نَعَمْ وأقْسَمُوا لَئِنْ فَعَلْتَهُ لِنُؤْمِنَنَّ جَمِيعًا فَسَألَ المُسْلِمُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ يُنْزِلَها طَمَعًا في إيمانِهِمْ فَهَمَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالدُّعاءِ فَنَزَلَتْ».

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُحَمَّدٍ القُرَظِيِّ قالَ: «كَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ  قُرَيْشًا فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ تُخْبِرُنا أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مَعَهُ عَصًا يَضْرِبُ بِها الحَجَرَ، وأنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يُحْيِي المَوْتى، وأنَّ ثَمُودَ كانَتْ لَهم ناقَةٌ، فَأْتِنا بِبَعْضِ تِلْكَ الآياتِ حَتّى نُصَدِّقَكَ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ  : أيَّ شَيْءٍ تُحِبُّونَ أنْ آتِيَكم بِهِ؟

قالُوا: تُحَوِّلُ لَنا الصَّفا ذَهَبًا قالَ: فَإنْ فَعَلْتُ تُصَدِّقُونِي؟

قالُوا: نَعَمْ، واللَّهِ لَئِنْ فَعَلْتَ لِنَتَّبِعَنَّكَ أجْمَعِينَ فَقامَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَدْعُو فَجاءَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: إنْ شِئْتَ أصْبَحَ الصَّفا ذَهَبًا فَإنْ لَمْ يُصَدِّقُوا عِنْدَ ذَلِكَ لَنُعَذِّبَنَّهُمْ، وإنْ شِئْتَ فاتْرُكْهم حَتّى يَتُوبَ تائِبُهُمْ، فَقالَ  : أتْرُكُهم حَتّى يَتُوبَ تائِبُهم.

فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ إلى ﴿ يَجْهَلُونَ ﴾ » ﴿ وما يُشْعِرُكم أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ 109 - كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ غَيْرُ داخِلٍ تَحْتَ الأمْرِ مَسُوقٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى لِبَيانِ الحِكْمَةِ فِيما أشْعَرَ بِهِ الجَوابُ السّابِقُ مِن عَدَمِ مَجِيءِ الآياتِ خُوطِبَ بِهِ المُؤْمِنُونَ -كَما قالَ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ- إمّا خاصَّةً بِطْرِيقِ التَّلْوِينِ لَمّا كانُوا راغِبِينَ في نُزُولِها طَمَعًا في إسْلامِهِمْ، وإمّا مَعَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ و السَّلامُ بِطَرِيقِ التَّعْمِيمِ لِما رُوِيَ مِمّا يَدُلُّ عَلى رَغْبَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في ذَلِكَ أيْضًا كالهَمِّ بِالدُّعاءِ، وفِيهِ بَيانٌ لِأنَّ أيْمانَهم فاجِرَةٌ وإيمانَهم في زَوايا العَدَمِ وإنْ أُجِيبُوا إلى ما سَألُوهُ وجَوَّزَ بَعْضُهم دُخُولَهُ تَحْتَ الأمْرِ، ولا وجْهَ لَهُ إلّا أنْ يُقَدَّرَ قُلْ لِلْكافِرِينَ: إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ وما يُشْعِرُكم إلَخْ وهو تَكَلُّفٌ لا داعِيَ إلَيْهِ.

وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّ الخِطابَ لِلْمُشْرِكِينَ وهو داخِلٌ تَحْتَ الأمْرِ وفِيهِ التِفاتٌ و(أنَّها) إلَخْ عِنْدَهُ إخْبارٌ ابْتِدائِيٌّ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ما رَواهُ عَنْهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ.

و(ما) اسْتِفْهامِيَّةٌ إنْكارِيَّةٌ -عَلى ما قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ- ”لا“ نافِيَةٌ لِما يَلْزَمُ عَلَيْهِ مِن بَقاءِ الفِعْلِ بِلا فاعِلٍ؛ وجَعْلُهُ ضَمِيرَ اللَّهِ تَعالى تَكَلُّفٌ أوْ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ إلّا عَلى بُعْدٍ، واسْتُشْكِلَ بِأنَّ المُشْرِكِينَ لَمّا اقْتَرَحُوا آية وكانَ المُؤْمِنُونَ يَتَمَنَّوْنَ نُزُولَها طَمَعًا في إسْلامِهِمْ كانَ في ظَنِّهِمْ إيمانُهم عَلى تَقْدِيرِ النُّزُولِ فَإذا أُرِيدَ الإنْكارُ عَلَيْهِمْ فالمُناسِبُ إنْكارُ الإيمانِ لا عَدَمُهُ؛ كَأنَّهم قالُوا: رَبَّنا أنْزِلْ لِلْمُشْرِكِينَ آية فَإنَّهُ لَوْ نَزَلَتْ يُؤْمِنُونَ، وحِينَئِذٍ يُقالُ في الإنْكارِ: ما يُدْرِيكم أنَّها إذا جاءَتْ يُؤْمِنُونَ ويَتَّضِحُ هَذا بِمِثالٍ وذَلِكَ أنَّهُ إذا قالَ لَكَ القائِلُ: أكْرِمْ فُلانًا فَإنَّهُ يُكافِئُكَ؛ وكُنْتَ تَعْلَمُ مِنهُ عَدَمَ المُكافَأةِ فَإنَّكَ إذا أنْكَرْتَ عَلى المُشِيرِ بِإكْرامِهِ قُلْتَ: وما يُدْرِيكَ أنِّي إذا أكْرَمْتُهُ يُكافِئُنِي؟

فَأنْكَرْتَ عَلَيْهِ إثْباتَ المُكافَأةِ وأنْتَ تَعْلَمُ نَفْيَها فَإنْ قالَ لَكَ: لا تُكْرِمْهُ فَإنَّهُ لا يُكافِئُكَ وأنْتَ تَعْلَمُ مِنهُ المُكافَأةَ وأرَدْتَ الإنْكارَ عَلى المُشِيرِ بِحِرْمانِهِ قُلْتَ: وما يُدْرِيكَ أنَّهُ لا يُكافِئُنِي؟

فَأنْكَرْتَ عَلَيْهِ عَدَمَ المُكافَأةِ وأنْتَ تَعْلَمُ ثُبُوتَها والآيَةُ كَما لا يَخْفى مِن قَبِيلِ المِثالِ فَكانَ الظّاهِرُ حَيْثُ ظَنُّوا إيمانَهم ورَغِبُوا فِيهِ وعَلِمَ اللَّهُ تَعالى عَدَمَ وُقُوعِهِ مِنهم ولَوْ نُزِّلَ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ وكَلَّمَهُمُ المَوْتى أنْ يُقالَ وما يُشْعِرُكم أنَّهم إذا جاءَتْ يُؤْمِنُونَ.

وأجابَ عَنْهُ بَعْضُهم بِأنَّ هَذا الِاسْتِفْهامَ في مَعْنى النَّفْيِ وهو إخْبارٌ عَنْهم بِعَدَمِ العِلْمِ لا إنْكارٌ عَلَيْهِمْ؛ والمَعْنى أنَّ الآياتِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى يُنْزِلُها بِحَسْبِ المَصْلَحَةِ، وقَدْ عَلِمَ سُبْحانَهُ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ ولا تَنْجَعُ فِيهِمُ الآياتُ وأنْتُمْ لا تَدْرُونَ ما في الواقِعِ وفي عِلْمِ اللَّهِ تَعالى وهو أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ فَلِذَلِكَ تَتَوَقَّعُونَ إيمانَهُمْ، والحاصِلُ أنَّ الِاسْتِفْهامَ لِلْإنْكارِ ولَهُ مَعْنَيانِ ”لَمْ“ و”لا“؛ فَإنْ كانَ بِمَعْنى ”لَمْ“ يُقالُ: ما يُشْعِرُكم أنَّها إذا جاءَتْ يُؤْمِنُونَ بِدُونِ ”لا“ عَلى مَعْنى لِمَ قُلْتُمْ: أنَّها إذا جاءَتْ يُؤْمِنُونَ وتَوَقَّعْتُمْ ذَلِكَ، وإنْ كانَ بِمَعْنى ”لا“ يُقالُ ما يُشْعِرُكم أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ بِإثْباتِ ”لا“ عَلى مَعْنى لا تَعْلَمُونَ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ فَلِذا تَوَقَّعْتُمْ إيمانَهُمَ ورَغِبْتُمْ في نُزُولِ آيَةٍ لَهُمْ، وهَذا الثّانِي هو المُرادُ، ويَرْجِعُ إلى إقامَةِ عُذْرِ المُؤْمِنِينَ في طَلَبِهِمْ ذَلِكَ ورَغْبَتِهِمْ فِيهِ، وأجابَ آخَرُونَ بِأنَّ ”لا“ زائِدَةٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما مَنَعَكَ ألا تَسْجُدَ ﴾ ﴿ وحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أهْلَكْناها أنَّهم لا يَرْجِعُونَ ﴾ فَإنَّهُ أُرِيدَ تَسْجُدُ ويَرْجِعُونَ بِدُونِ ”لا“، وعَنِ الخَلِيلِ أنَّ ”أنَّ“ بِمَعْنى لَعَلَّ كَما في قَوْلِهِمُ: ائْتِ السُّوقَ أنَّكَ تَشْتَرِي لَحْمًا، وقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: عَرَجُوا عَلى الطَّلِّ المُحِيلِ لِأنَّنا نَبْكِي الدِّيارَ كَما بَكى ابْنُ خِذامِ، وقَوْلِ الآخَرِ: هَلْ أنْتُمْ عائِجُونَ بِنا لِأنّا ∗∗∗ نَرى العَرَصاتِ أوْ أثَرَ الخِيامِ، ويُؤَيِّدُهُ أنَّ يُشْعِرَكم ويُدْرِيَكم بِمَعْنًى، وكَثِيرًا ما تَأْتِي لَعَلَّ بَعْدَ فِعْلِ الدِّرايَةِ نَحْوَ: ﴿ وما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكّى ﴾ وأنَّ في مُصْحَفِ أُبَيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: (وما أدْراكَ لَعَلَّها) والكَلامُ عَلى هَذا قَدْ تَمَّ قَبْلَ (أنَّها) والمَفْعُولُ الثّانِي لِـ (يُشْعِرُكُمْ) مَحْذُوفٌ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ لِتَعْلِيلِ الإنْكارِ وتَقْدِيرُهُ أيُّ شَيْءٍ يُعْلِمُكم حالَهم وما سَيَكُونُ عِنْدَ مَجِيءِ ذَلِكَ لَعَلَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ فَما لَكم تَتَمَنَّوْنَ مَجِيئَها فَإنَّ تَمَنِّيَهُ إنَّما يَلِيقُ بِما إذا كانَ إيمانُهم بِها مُتَحَقِّقَ الوُقُوعِ عِنْدَ مَجِيئِها لا مَرْجُوَّ العَدَمِ.

ومِنَ النّاسِ مَن زَعَمَ أنَّ (أنَّها) إلَخْ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ بِناءً عَلى أنَّ ”أنَّ“ في جَوابِ القَسَمِ يَجُوزُ فَتْحُها ولا يَخْفى بُعْدُهُ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وأبُو بَكْرِ بْنِ عاصِمٍ ويَعْقُوبُ أنَّها بِالكَسْرِ عَلى الِاسْتِئْنافِ حَسْبَما سِيقَ مِن زِيادَةِ تَحْقِيقٍ لِعَدَمٍ إيمانِهِمْ.

قالَ في الكَشْفِ: وهو عَلى جَوابِ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ عَلى ما ذَكَرَهُ الشَّيْخُ ابْنُ الحاجِبِ كَأنَّهُ قِيلَ: لِمَ وُبِّخُوا؟

فَقِيلَ: لِأنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ.

ولَكَ أنْ تَبْنِيَهُ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما يُشْعِرُكُمْ ﴾ أيْ بِما يَكُونُ مِنهم فَإنَّهُ إبْرازٌ في مَعْرِضِ المُحْتَمَلِ كَأنَّهُ قَدْ سُئِلَ عَنْهُ سُؤالٌ شاكٌّ ثُمَّ عُلِّلَ بِأنَّها إذا جاءَتْ جَزْمًا بِالطَّرَفِ المُحالِفِ وبَيانًا لِكَوْنِ الِاسْتِفْهامِ غَيْرَ جارٍ عَلى الحَقِيقَةِ.

وفِيهِ إنْكارٌ لِتَصْدِيقِ المُؤْمِنِينَ عَلى وجْهٍ يَتَضَمَّنُ إنْكارَ صِدْقِ المُشْرِكِينَ في المُقْسَمِ عَلَيْهِ وهَذا نَوْعٌ مِنَ السِّحْرِ البَيانِيِّ لَطِيفُ المَسْلَكِ، انْتَهى وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ (تُؤْمِنُونَ) بِالفَوْقانِيَّةِ، والخِطابُ حِينَئِذٍ في الآيَةِ لِلْمُشْرِكِينَ بِلا خِلافٍ.

وقُرِئَ (وما يُشْعِرُكم أنَّها إذا جاءَتْهم لا يُؤْمِنُونَ) فَمَرْجِعُ الَإنْكارِ إقْدامُ المُشْرِكِينَ عَلى الحَلِفِ المَذْكُورِ مَعَ جَهْلِهِمْ بِحالِ قُلُوبِهِمْ عِنْدَ مَجِيءِ ذَلِكَ وبِكَوْنِها حِينَئِذٍ كَما هي الآنَ.

وقُرِئَ (وما يُشْعِرْكُمْ) بِسُكُونٍ خالِصٍ واخْتِلاسٍ.

وضَمِيرُ (بِها) عَلى سائِرِ القِراءاتِ راجِعٌ لِلْآيَةِ لا لِلْآياتِ لِأنَّ عَدَمَ إيمانِهِمْ عِنْدَ مَجِيءِ ما اقْتَرَحُوهُ أبْلَغُ في الذَّمِّ كَما أنَّ اسْتِعْمالَ ”إذا“ مَعَ الماضِي دُونَ ”أنْ“ مَعَ المُسْتَقْبَلِ لِزِيادَةِ التَّشْنِيعِ عَلَيْهِمْ.

وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ عَوْدَهُ لِلْآياتِ أوْلى لِقُرْبِهِ مَعَ ما فِيهِ مِن زِيادَةِ المُبالَغَةِ في بُعْدِهِمْ عَنِ الإيمانِ وبُلُوغِهِمْ في العِنادِ غايَةَ الإمْكانِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ وكان أهل الجاهلية يحلفون بآبائهم وبالأصنام وبغير ذلك، وكانوا يحلفون بالله تعالى، وكان يسمونه جهد اليمين إذا كانت اليمين بالله، ولما نزل قوله تعالى إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ [الشعراء: 4] الآية قالوا: أنْزِلها فو الله لنؤمنن بك.

وقال المسلمون: أنْزِلها لكي يؤمنوا فنزل وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ يقول: حلفوا بالله لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها قال الله تعالى: قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ إن شاء أنزلها وإن شاء لم ينزلها.

ثم قال: وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها يقول: وما يدريكم أنها إِذا جاءَتْ يعني: الآية لاَ يُؤْمِنُونَ وقال مقاتل: وَما يُشْعِرُكُمْ يا أهل مكة أنها إذا جاءتكم لا تؤمنون.

وقال الكلبي وَما يُشْعِرُكُمْ.

أيها المؤمنون أنها إذا جاءت لا يؤمنون.

قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر أَنَّها بالكسر على معنى الابتداء وإنما يتم الكلام عند قوله وَما يُشْعِرُكُمْ ثم ابتدأ فقال: أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ.

ويشهد لهذا قراءة عبد الله بن مسعود وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ.

وقرأ الباقون أَنَّها بالنصب على معنى البناء ويشهد لها قراءة أُبي وما يشعركم لعلها إذا جاءت.

وقرأ ابن عامر وحمزة لاَ تُؤْمِنُونَ بالتاء على معنى المخاطبة، وهذه القراءة توافق لقول مقاتل.

ثم قال: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله تعالى: وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ...

الآية: مخاطبة للمؤمنين والنبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال ابن عباس: سببها أن كفَّار قريشٍ قالوا لأبي طَالِبٍ: إما أنْ ينتهِيَ محمَّد وأصحابه عن سَبِّ آلهتنا والغَضِّ منها، وإما أنْ نَسُبَّ إلهه ونَهْجُوه «١» ، فنزلَتِ الآية، وحكْمُها على كلِّ حال باقٍ في الأمة/، فلا يحلُّ لمسلمٍ أنْ يتعرَّض إلى ما يؤدِّي إلى سبّ الإسلام أو النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، أو اللَّه عزَّ وجلَّ، وعبَّر عن الأصنامِ بالذين، وهي لا تَعْقِلُ، وذلك على معتقدِ الكَفَرة فيها، وفي هذه الآية ضَرْبٌ من الموادعة، وعَدْواً: مصدر من الاعتداء، وبِغَيْرِ عِلْمٍ: بيانٌ لمعنى الاعتداءِ.

وقوله تعالى: كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ: إشارة إلى ما زَيَّنَ لهؤلاء من التمسُّك بأصنامهم، وتَزْيينُ اللَّه عَمَلَ الأممِ هو ما يخلقه سبحانه في النُّفُوس من المحبَّة للخَيْر والشَّرِّ، وتزيينُ الشيطان هو ما يَقْذِفُه في النفُوسِ من الوسوسة وخَطَراتِ السُّوء، وقوله:

ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ ...

الآية: تتضمَّن وعداً جميلاً للمحسنين، ووعيداً ثقيلاً للمسيئين.

وقوله سبحانه: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها: اللام في قوله: لَئِنْ لامُ توطئة للقَسَمِ، وأما المُتَلَقِّيَةُ للقَسَمِ فهي قوله: لَيُؤْمِنُنَّ بِها، وآيَةٌ: يريد: علامة، وحُكِيَ أنَّ الكفار لمَّا نزلَتْ: إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ [الشعراء: ٤] ، أقسموا حينئذٍ أنها إنْ نزلَتْ، آمنوا، فنزلَتْ هذه الآيةُ، وحُكِيَ أنهم اقترحُوا أنْ يعود الصفا ذَهَباً، وأقسموا على ذلك، فقام النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يَدْعُو في ذلك، فجاءه جِبْريلُ، فقال له: إنْ شئْتَ أصْبَحَ ذَهَباً، فإن لم يؤمنُوا، هَلَكُوا عَنْ آخرهم معاجلَةً كما فعل بالأمم المُقْتَرِحَةِ، وإن شئْتَ، أُخِّرُوا حتى يتوبَ تائبهم، فقال- عليه الصلاة والسلام-: بل حتّى يتوب تائبهم «٢» ، ونزلت الآية.

قال ابنُ العربيِّ: قوله: جَهْدَ أَيْمانِهِمْ، يعني: غاية أيمانهم التي بلغها علمهم، وانتهت إليها قدرتهم.

انتهى من «الأحكام» .

ثم قال تعالى: قل لهم، يا محمَّد على جهة الردِّ والتخطئةِ: إنما الآياتُ عند اللَّه وليْسَتْ عندي، فَتُقْتَرَحَ علَيَّ، ثم قال: وَما يُشْعِرُكُمْ، قال مجاهدٌ: وابن زيد:

المخاطَبُ بهذا الكفَّار «١» ، وقال الفَرَّاء وغيره: المخاطَبُ بهذا المؤمنون، وَما يُشْعِرُكُمْ:

معناه: وما يُعْلِمُكم وما يُدْرِيكم، وقرأ ابن كثير «٢» وغيره: «إنَّهَا» - بكسر الألف-، على القطعِ، واستئناف الأخبار، فمن قرأ «تُؤْمِنُونَ» «٣» - بالتاء-، وهي قراءة ابن عامر وحمزة استقامت له المخاطبةُ، أولاً وآخراً، للكفَّار، ومن قرأ بالياء، وهي قراءةُ نافعٍ.

وغيره، فيحتمل أنْ يخاطب، أولاً وآخراً، المؤمنين، ويحتمل أن يخاطب بقوله: وَما يُشْعِرُكُمْ الكفَّار، ثم يستأنف الإخبار عنهم للمؤمنين، وقرأ نافعٌ وغيره: «أَنَّهَا» - بفتح الألف-، فقيل: إنَّ «لا» زائدةٌ في قوله: لاَ يُؤْمِنُونَ كما زيدَتْ في قوله تعالى: وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ [الأنبياء: ٩٥] ، ودعا إلى التزامِ هذا حفْظُ المعنى، لأنها لو لم تكُنْ زائدةً، لعاد الكلام عذراً للكفَّار، وفَسَدَ المراد بالآية، وضَعَّف الزَّجَّاج وغيره زيادةَ «لا» ، ومنهم مَنْ جعل أَنَّها بمعنى لَعَلَّها، وحكاه سيبَوَيْهِ عن الخليلِ، وهذا التأويل لا يحتاجُ معه إلى تقديرِ زيادةٍ، «لا» ، وحكى الكسائيُّ: أنه كذلك في مُصْحف أُبَيٍّ «وَمَا أَدْرَاكُمْ لَعَلَّهَا إذَا جَاءَتْ» ، ورجَّح أبو عليٍّ أنْ تكون «لا» زائدةً، وبسط شواهده في ذلك.

وقوله سبحانه: وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ، فالمعنى على ما قالت فرقة: ونقلِّب أفئدتهم وأبصارهم في النَّار، وفي لهبها في الآخرة، لمَّا لم يُؤْمِنُوا في الدنيا، ثم استأنف على هذا: ونَذَرُهُمْ في الدنيا في طغيانهم يعمهون، وقالتْ فرقة: إنما المراد بالتقْلِيبِ التّحويل عن الحقّ والهدى والتّرك في

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ لَمّا نَزَلَ في [الشُّعَراءِ:٤]: ﴿ إنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً ﴾ قالَ المُشْرِكُونَ: أنْزَلَها عَلَيْنا حَتّى واللَّهِ نُؤْمِنُ بِها؛ فَقالَ المُسْلِمُونَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أنْزَلَها عَلَيْهِمْ لَكَيْ يُؤْمِنُوا؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ؛ رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: «أنَّ قُرَيْشًا قالُوا: يا مُحَمَّدُ، تُخْبِرُنا أنَّ مُوسى كانَ مَعَهُ عَصى يَضْرِبُ بِها الحَجَرَ، فَيَنْفَجِرُ مِنها اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا، وأنَّ عِيسى كانَ يُحْيِي المَوْتى، وأنَّ ثَمُودَ كانْتْ لَهم ناقَةٌ، فائْتِنا بِمِثْلِ هَذِهِ الآَياتِ حَتّى نُصَدِّقَكَ: فَقالَ: أيُّ شَيْءٍ تُحِبُّونَ؟!

قالُوا: أنْ تَجْعَلَ لَنا الصَّفا ذَهَبًا.

قالَ: "فَإنْ فَعَلْتُ تُصَدِّقُونِي؟!

فَقالُوا: نَعَمْ، واللَّهُ لَئِنْ فَعَلْتَ لَنَتَّبِعَنَّكَ أجْمَعِينَ.

فَقامَ رَسُولُ اللَّهِ  يَدْعُو، فَجاءَهُ جِبْرِيلُ فَقالَ: إنْ شِئْتَ أصْبَحَ الصَّفا ذَهَبًا، ولَكِنِّي لَمْ أُرْسِلْ آَيَةً فَلَمْ يُصَدِّقْ بِها، إلّا أنْزَلَتِ العَذابَ، وإنْ شِئْتَ تَرَكْتَهم حَتّى يَتُوبَ تائِبُهم.

فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ  "أتْرُكُهم حَتّى يَتُوبَ تائِبُهُمْ"، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ إلى قَوْلِهِ: "يَجْهَلُونَ"» هَذا قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ.

وقَدْ ذَكَرْنا مَعْنى ﴿ جَهْدَ أيْمانِهِمْ ﴾ في [المائِدَةِ]؛ وإنَّما حَلَفُوا عَلى ما اقْتَرَحُوا مِنَ الآَياتِ، كَقَوْلِهِمْ: ﴿ لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا  ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ أيْ: هو القادِرُ عَلى الإتْيانِ بِها دُونِي ودُونَ أحَدٍ مِن خِلْقِهِ.

﴿ وَما يُشْعِرُكم أنَّها ﴾ أيْ: يُدْرِيكم أنَّها.

قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، وخَلْفٌ في اخْتِيارِهِ: بِكَسْرِ الألِفِ، فَعَلى هَذِهِ القِراءَةِ يَكُونُ الخِطابُ بِقَوْلِهِ ﴿ يُشْعِرُكُمْ ﴾ لَلْمُشْرِكِينَ، ويَكُونُ تَمامُ الكَلامِ عِنْدَ قَوْلُهُ: ﴿ وَما يُشْعِرُكُمْ ﴾ ويَكُونُ المَعْنى: وما يُدْرِيكم أنَّكم تُؤْمِنُونَ إذا جاءَتْ؟

وتَكُونُ "إنَّها" مَكْسُورَةً عَلى الِاسْتِئْنافِ والإخْبارِ عَنْ حالِهِمْ.

وقالَ أبُو عَلِيٍّ: التَّقْدِيرُ: وما يُشْعِرُكم إيمانَهُمْ؟

فَحَذَفَ المَفْعُولَ.

والمَعْنى: لَوْ جاءَتِ الآَيَةُ الَّتِي اقْتَرَحُوها، لَمْ يُؤْمِنُوا.

فَعَلى هَذا يَكُونُ الخِطابُ لَلْمُؤْمِنِينَ.

قالَ سِيبَوَيْهِ: سَألْتُ الخَلِيلَ عَنْ قَوْلُهُ: ﴿ وَما يُشْعِرُكم أنَّها ﴾ فَقُلْتُ: ما مَنَعَها أنْ تَكُونَ كَقَوْلِكَ: ما يُدْرِيكَ أنَّهُ لا يَفْعَلُ؟

فَقالَ: لا يُحْسِنُ ذَلِكَ في هَذا المَوْضِعِ؛ إنَّما قالَ: ﴿ وَما يُشْعِرُكُمْ ﴾ ثُمَّ ابْتَدَأ فَأوْجَبَ، فَقالَ: ﴿ أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ ولَوْ قالَ: ﴿ وَما يُشْعِرُكم أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ ؛ كانَ ذَلِكَ عُذْرًا لَهم.

وقَرَأ نافِعٌ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "أنَّها" بِفَتْحِ الألِفِ؛ فَعَلى هَذا، المُخاطَبُ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَما يُشْعِرُكُمْ ﴾ رَسُولُ اللَّهِ  وأصْحابُهُ؛ ثُمَّ في مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: وما يُدْرِيكم لَعَلَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ.

وفي قِراءَةِ أُبَيِّ: لَعَلَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ.

والعَرَبُ تَجْعَلُ "أنْ" بِمَعْنى "لَعَلَّ" .

يَقُولُونَ: ائْتِ السُّوقَ أنَّكَ تَشْتَرِي لَنا شَيْئًا، أيْ: لَعَلَّكَ.

قالَ عَدَيُّ بْنُ زَيْدٍ: أعاذِلٌ ما يُدْرِيكَ أنَّ مَنِيَّتِي إلى ساعَةٍ في اليَوْمِ أوْ في ضُحى غَدٍ أيْ: لَعَلَّ مَنِيَّتِي، وإلى هَذا المَعْنى ذَهَبَ الخَلِيلُ، وسِيبَوَيْهِ، والفَرّاءُ في تَوْجِيهِ هَذِهِ القِراءَةِ.

والثّانِي: أنَّ المَعْنى: وما يُدْرِيكم أنَّها إذا جاءَتْ يُؤْمِنُونَ، وتَكُونُ "لا" صِلَةً؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما مَنَعَكَ ألا تَسْجُدَ إذْ أمَرْتُكَ  ﴾ و قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أهْلَكْناها أنَّهم لا يَرْجِعُونَ  ﴾ ذَكَرَهُ الفَرّاءُ ورَدَّهُ الزَّجّاجُ واخْتارَ الأوَّلَ.

والأكْثَرُونَ عَلى قِراءَةِ: "يُؤْمِنُونَ" بِالياءِ؛ مِنهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ؛ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ: بِالتّاءِ، عَلى الخِطابِ لَلْمُشْرِكِينَ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَن قَرَأ بِالياءِ، فَلِأنَّ الَّذِينَ أقْسَمُوا غَيْبٌ، ومَن قَرَأ بِالتّاءِ، فَهو انْصِرافٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَأقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهم آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها قُلْ إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللهِ وما يُشْعِرُكم أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ ﴿ وَنُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوَّلَ مَرَّةٍ ونَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ اَلضَّمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ "وَأقْسَمُوا"؛ ﴾ عائِدٌ عَلى المُشْرِكِينَ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُمْ؛ و"جَهْدَ"؛ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ؛ والعامِلُ فِيهِ: ﴿ "وَأقْسَمُوا"؛ ﴾ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ ؛ لِأنَّهُ في مَعْناهُ؛ وعَلى مَذْهَبِ أبِي العَبّاسِ المُبَرِّدِ فِعْلٌ مِن لَفْظِهِ؛ واللامُ في قَوْلِهِ تَعالى "لَئِنْ"؛ لامٌ مُوطِئَةٌ لِلْقَسَمِ؛ مُؤْذِنَةٌ بِهِ؛ وأمّا اللامُ المُتَلَقِّيَةُ لِلْقَسَمِ؛ فَهي قَوْلُهُ - سُبْحانَهُ -: "لَيُؤْمِنُنَّ"؛ و"آيَةٌ" يُرِيدُ: عَلامَةٌ.

وحُكِيَ «أنَّ الكُفّارَ لَمّا نَزَلَتْ: ﴿ إنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ  ﴾ ؛ أقْسَمُوا حِينَئِذٍ أنَّها إنْ نَزَلَتْ آمَنُوا؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ؛» وحُكِيَ أنَّهُمُ اقْتَرَحُوا أنْ يَعُودَ "اَلصَّفا" ذَهَبًا؛ وأقْسَمُوا عَلى ذَلِكَ؛ فَقامَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - يَدْعُو في ذَلِكَ؛ فَجاءَهُ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ فَقالَ لَهُ: "إنْ شِئْتَ أصْبَحَ ذَهَبًا؛ فَإنْ لَمْ يُؤْمِنُوا هَلَكُوا عن آخِرِهِمْ مُعاجَلَةً؛ كَما فُعِلَ بِالأُمَمِ إذْ لَمْ تُؤْمِن بِالآياتِ المُقْتَرَحَةِ؛ وإنْ شِئْتَ أُخِّرُوا حَتّى يَتُوبَ تائِبُهُمْ"؛ فَقالَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: "بَلْ حَتّى يَتُوبَ تائِبُهُمْ"؛ ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ؛ وقَرَأ ابْنُ مُصَرِّفٍ: "لَيُؤْمَنَنْ"؛ بِفَتْحِ المِيمِ؛ والنُونِ؛ وبِالنُونِ الخَفِيفَةِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى "قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ - عَلى جِهَةِ الرَدِّ والتَخْطِئَةِ -: إنَّما الآياتُ بِيَدِ اللهِ تَعالى ؛ وعِنْدَهُ؛ لَيْسَتْ عِنْدِي؛ فَتُقْتَرَحَ عَلَيَّ"؛ ثُمَّ قالَ - سُبْحانَهُ -: "وَما يُشْعِرُكُمْ"؛ فاخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ فِي: مَنِ المُخاطَبُ بِقَوْلِهِ تَعالى "وَما يُشْعِرُكُمْ"؟

ومَنِ المُسْتَفْهِمُ بِـ "وَما"؛ اَلَّتِي يَعُودُ عَلَيْها الضَمِيرُ الفاعِلُ في "يُشْعِرُكُمْ"؟

فَقالَ مُجاهِدٌ ؛ وابْنُ زَيْدٍ: اَلْمُخاطَبُ بِذَلِكَ الكُفّارُ؛ وقالَ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ: اَلْمُخاطَبُ بِها المُؤْمِنُونَ؛ "وَما يُشْعِرُكُمْ"؛ مَعْناهُ: "وَما يُعْلِمُكُمْ؟"؛ و"وَما يُدْرِيكُمْ؟"؛ وقَرَأ قَوْمٌ: "يُشْعِرْكُمْ"؛ بِسُكُونِ الراءِ؛ وهي عَلى التَخْفِيفِ؛ ويُحَسِّنُها أنَّ الخُرُوجَ مِن كَسْرَةٍ إلى ضَمَّةٍ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وعاصِمٌ - في رِوايَةِ داوُدَ الإيادِيِّ -: "إنَّها"؛ بِكَسْرِ الألِفِ؛ عَلى القَطْعِ؛ واسْتِئْنافِ الإخْبارِ؛ فَمَن قَرَأ: "تُؤْمِنُونَ"؛ بِالتاءِ - وهي قِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ ؛ وحَمْزَةَ -؛ اسْتَقامَتْ لَهُ المُخاطَبَةُ أوَّلًا وآخِرًا لِلْكُفّارِ؛ ومَن قَرَأ: "يُؤْمِنُونَ" بِالياءِ - وهي قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ ؛ ونافِعٍ ؛ وأبِي عَمْرٍو ؛ والكِسائِيِّ -؛ فَيُحْتَمَلُ أنْ يُخاطِبَ أوَّلًا وآخِرًا المُؤْمِنِينَ؛ ويُحْتَمَلَ أنْ يُخاطِبَ بِقَوْلِهِ تَعالى "وَما يُشْعِرُكُمْ"؛ اَلْكُفّارَ؛ ثُمَّ يَسْتَأْنِفُ الإخْبارَ عنهم لِلْمُؤْمِنِينَ؛ ومَفْعُولُ "يُشْعِرُكُمْ"؛ اَلثّانِي مَحْذُوفٌ؛ ويَخْتَلِفُ تَقْدِيرُهُ بِحَسَبِ كُلِّ تَأْوِيلٍ؛ وقَرَأ نافِعٌ ؛ وعاصِمٌ - في رِوايَةِ حَفْصٍ -؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ ؛ وابْنُ عامِرٍ: "أنَّها"؛ بِفَتْحِ الألِفِ؛ فَمِنهم مَن جَعَلَها "أنَّ" اَلَّتِي تَدْخُلُ عَلى الجُمَلِ؛ وتَأْتِي بَعْدَ الأفْعالِ؛ كَـ "عَلِمْتُ"؛ و"ظَنَنْتُ"؛ وأعْمَلَ فِيها "يُشْعِرُكُمْ"؛ والتَزَمَ بَعْضُهم أنَّ "لا"؛ زائِدَةٌ في قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿ "لا يُؤْمِنُونَ"؛ ﴾ وأنَّ مَعْنى الكَلامِ: "وَما يُشْعِرُكم أنَّها إذا جاءَتْ يُؤْمِنُونَ"؛ أو: "تُؤْمِنُونَ"؛ فَزِيدَتْ "لا"؛ كَما زِيدَتْ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أهْلَكْناها أنَّهم لا يَرْجِعُونَ  ﴾ ؛ لِأنَّ المَعْنى: "وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ مُهْلَكَةٍ رُجُوعُهُمْ"؛ وكَما جاءَتْ في قَوْلِ الشاعِرِ: أبى جُودُهُ لا البُخْلَ واسْتَعْجَلَتْ بِهِ ∗∗∗ "نَعَمْ" مِن فَتًى لا يَمْنَعُ الجُودَ قاتِلَهْ قالَ الزَجّاجُ: أرادَ: "أبى جُودُهُ البُخْلَ"؛ كَما جاءَتْ زائِدَةً في قَوْلِ الشاعِرِ: أفَمِنكَ لا بَرْقٌ كَأنَّ ومِيضَهُ ∗∗∗ ∗∗∗ غابٌ تَسَنَّمَهُ ضِرامٌ مُثَقَّبُ ودَعا إلى التِزامِ هَذا حِفْظُ المَعْنى؛ لِأنَّها لَوْ لَمْ تَكُنْ زائِدَةً لَعادَ الكَلامُ عُذْرًا لِلْكُفّارِ؛ وفَسَدَ المُرادُ بِالآيَةِ؛ وضَعَّفَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ زِيادَةَ "لا"؛ وقالَ: هَذا غَلَطٌ؛ ومِنهم مَن جَعَلَ "أنَّها"؛ بِمَعْنى: "لَعَلَّها"؛ وحَكاها سِيبَوَيْهِ عَنِ الخَلِيلِ؛ وهو تَأْوِيلٌ لا يُحْتاجُ مَعَهُ إلى تَقْدِيرِ زِيادَةِ "لا"؛ وحَكى الكِسائِيُّ أنَّهُ كَذَلِكَ في مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "وَما أدْراكم لَعَلَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ"؛ ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ الشاعِرِ: قُلْتُ لَشَيْبانَ ادْنُ مِن لِقائِهِ ∗∗∗ ∗∗∗ أنَّ تُغَذِّي القَوْمُ مِن شِوائِهِ فَهَذِهِ كُلُّها بِمَعْنى "لَعَلَّ"؛ وضَعَّفَ أبُو عَلِيٍّ هَذا؛ بِأنَّ التَوَقُّعَ الَّذِي فِيهِ لا يُناسِبُ الآيَةَ بَعْدُ؛ الَّتِي حَكَمَتْ بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ؛ وتَرَجَّحَ عِنْدَهُ في الآيَةِ أنْ تَكُونَ "أنَّ"؛ عَلى بابِها؛ وأنْ يَكُونَ المَعْنى: "قُلْ إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللهِ لِأنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ"؛ فَهو لا يَأْتِي بِها لِإصْرارِهِمْ عَلى كُفْرِهِمْ"؛ وتَكُونَ الآيَةُ نَظِيرَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ وَما مَنَعَنا أنْ نُرْسِلَ بِالآياتِ إلا أنْ كَذَّبَ بِها الأوَّلُونَ  ﴾ ؛ أيْ: "بِالآياتِ المُقْتَرَحَةِ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويَتَرَتَّبُ عَلى هَذا التَأْوِيلِ أنْ تَكُونَ "وَما"؛ نافِيَةً؛ ذَكَرَ ذَلِكَ أبُو عَلِيٍّ ؛ فَتَأمَّلْ؛ وتَرَجَّحَ عِنْدَهُ أيْضًا أنْ تَكُونَ "لا"؛ زائِدَةً؛ وبَسَطَ شَواهِدَهُ في ذَلِكَ؛ وحَكى بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّ في آخِرِ الآيَةِ حَذْفًا يُسْتَغْنى بِهِ عن زِيادَةِ "لا"؛ وعن تَأْوِيلِها بِمَعْنى "لَعَلَّ"؛ وتَقْدِيرُهُ عِنْدَهُمْ: "أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ أو يُؤْمِنُونَ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ؛ لا يُعَضِّدُهُ لَفْظُ الآيَةِ؛ ولا يَقْتَضِيهِ؛ وَتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ يَكُونَ المَعْنى يَتَضَمَّنُ الإخْبارَ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ؛ وقِيلَ لَهُمْ: "وَما يُشْعِرُكم بِهَذِهِ الحَقِيقَةِ؟"؛ أيْ: "لا سَبِيلَ إلى شُعُورِكم بِها؛ وهي حَقٌّ في نَفْسِها؛ وهم لا يُؤْمِنُونَ أنْ لَوْ جاءَتْ"؛ و"وَما"؛ اِسْتِفْهامٌ؛ عَلى هَذا التَأْوِيلِ؛ وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَما يُشْعِرُكم إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ".

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَنُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم كَما لَمْ يُؤْمِنُوا ﴾ ؛ اَلْمَعْنى عَلى ما قالَتْ فِرْقَةٌ: "وَنُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم في النارِ؛ وفي لَهِيبِها؛ في الآخِرَةِ؛ لَمّا لَمْ يُؤْمِنُوا في الدُنْيا"؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ عَلى هَذا: "وَنَذَرُهُمْ"؛ في الدُنْيا؛ "فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ".

وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما المُرادُ بِالتَقْلِيبِ: اَلتَّحْوِيلُ عَنِ الحَقِّ؛ والهُدى؛ والتَرْكُ في الضَلالَةِ؛ والكُفْرِ؛ ومَعْنى الآيَةِ: "إنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمُوا أنَّهم يُؤْمِنُونَ إنْ جاءَتْ آيَةٌ؛ نَحْنُ نُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهُمْ؛ أنْ لَوْ جاءَتْ فَلا يُؤْمِنُونَ بِها؛ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا أوَّلَ مَرَّةٍ؛ بِما دُعُوا إلَيْهِ مِن عِبادَةِ اللهِ تَعالى "؛ فَأخْبَرَ اللهُ تَعالى - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - بِصُورَةِ فِعْلِهِ بِهِمْ.

وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: "يَذَرُهُمْ"؛ بِالياءِ؛ ورُوِيَتْ عن عاصِمٍ ؛ وقَرَأ إبْراهِيمُ النَخَعِيُّ: "وَيُقَلِّبُ"؛ "وَيَذَرُهُمْ"؛ بِالياءِ؛ فِيهِما؛ كِنايَةً عَنِ اللهِ - تَبارَكَ وتَعالى -؛ وقَرَأ أيْضًا - فِيما رَوى عنهُ مُغِيرَةُ -: "وَتَقَلَّبُ"؛ بِفَتْحِ التاءِ؛ واللامِ؛ بِمَعْنى: "وَتَتَقَلَّبُ أفْئِدَتُهم وأبْصارُهُمْ"؛ بِالرَفْعِ فِيهِما؛ "وَيَذَرْهُمْ"؛ بِالياءِ؛ وجَزْمِ الراءِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: قَوْلُهُ تَعالى "كَما"؛ في هَذِهِ الآيَةِ؛ إنَّما بِمَعْنى المُجازاةِ؛ أيْ: "لَمّا لَمْ يُؤْمِنُوا أوَّلَ مَرَّةٍ؛ نُجازِيهِمْ بِأنْ نُقَلِّبَ أفْئِدَتَهم عَنِ الهُدى؛ ونَطْبَعَ عَلى قُلُوبِهِمْ"؛ فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: "وَنَحْنُ نُقَلِّبُ أفْئِدَتَهُمْ؛ وأبْصارَهُمْ؛ جَزاءً؛ لَمّا لَمْ يُؤْمِنُوا أوَّلَ مَرَّةٍ؛ بِما دُعُوا إلَيْهِ مِنَ الشَرْعِ".

والضَمِيرُ في "بِهِ"؛ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ أو عَلى القُرْآنِ؛ أو عَلى النَبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ "وَنَذَرُهُمْ"؛ مَعْناهُ: نَتْرُكُهُمْ؛ وقَرَأ الأعْمَشُ ؛ والهَمَذانِيُّ: "وَيَذَرْهُمْ"؛ بِالياءِ؛ وجَزْمِ الراءِ؛ عَلى وجْهِ التَخْفِيفِ.

و"اَلطُّغْيانُ": اَلتَّخَبُّطُ في الشَرِّ؛ والإفْراطُ فِيما يَتَناوَلُهُ المَرْءُ؛ و"اَلْعَمى": اَلتَّرَدُّدُ؛ والحَيْرَةُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف جملة: ﴿ وأقسموا ﴾ على جملة: ﴿ اتَّبِعْ ما أوحِي إليك من ربّك ﴾ [الأنعام: 106] الآية.

والضّمير عائد إلى القوم في قوله: ﴿ وكذّب به قومك وهو الحقّ ﴾ [الأنعام: 66] مثل الضّمائر الّتي جاءت بعد تلك الآية ومعنى: ﴿ لئن جاءتهم آية ﴾ آية غيرُ القرآن.

وهذا إشارة إلى شيء من تعلّلاتهم للتمادي على الكفر بعد ظهور الحجج الدّامغة لهم، كانوا قد تعلّلوا به في بعض تورّكهم على الإسلام.

فروى الطّبري وغيره عن مجاهد، ومحمدّ بن كعب القُرظِي، والكلبي، يزيد بعضهم على بعض: أنّ قريشاً سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم آية مثل آية موسى عليه السّلام إذ ضرب بعصاه الحجر فانفجرت منه العيون، أو مثل آية صالح، أو مثل آية عيسى عليهم السّلام، وأنّهم قالوا لمّا سمعوا قوله تعالى: ﴿ إنْ نشأ ننزّل عليهم من السّماء آية فظلَّت أعناقهم لها خاضعين ﴾ [الشعراء: 4] أقسموا أنّهم إن جاءتهم آية كما سألوا أو كما تُوُعدوا ليوقِنُنّ أجمعون، وأنّ رسول الله عليه الصلاة والسّلام سأل الله أن يأتيهم بآية كما سألوا، حرصاً على أن يؤمنوا.

فهذه الآية نازلة في ذلك المعنى لأنّ هذه السّورة جمعت كثيراً من أحوالهم ومحاجّاتهم.

والكلام على قوله: ﴿ وأقسموا بالله جهد أيمانهم ﴾ هو نحو الكلام على قوله في سورة [العقود: 53] ﴿ أهؤلاء الّذين أقسموا بالله جهد أيمانهم ﴾ والأيمان تقدّم الكلام عليها عند قوله تعالى: ﴿ لا يؤاخذكم الله باللّغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم ﴾ في سورة [البقرة: 225].

وجملة: لئن جاءتهم آية } إلخ مبيّنة لجملة: ﴿ وأقسموا بالله ﴾ .

واللاّم في ﴿ لئن جاءتهم آية ﴾ موطّئة للقسم، لأنّها تدلّ على أنّ الشّرط قد جعل شَرطاً في القسم فتدلّ على قَسَم محذوف غالباً، وقد جاءت هنا مع فعل القسم لأنّها صارت ملازمة للشّرط الواقع جواباً للقسم فلم تنفكّ عنه مع وجود فعل القسم.

واللاّم في ﴿ ليومننّ بها ﴾ لام القسم، أي لام جوابه.

والمراد بالآية ما اقترحوه على الرّسول صلى الله عليه وسلم يَعنُون بها خارق عادة تدلّ على أنّ الله أجاب مقترحهم ليصدّق رسوله عليه الصلاة والسّلام، فلذلك نُكّرت ﴿ آية ﴾ ، يعني: آيَّةَ آيةٍ كانت من جنس ما تنحصر فيه الآيات في زعمهم.

ومجيء الآية مستعار لظهورها لأنّ الشّيء الظّاهر يشبه حضور الغائب فلذلك يستعار له المجيء.

وتقدّم بيان معنى الآية واشتقاقها عند قوله تعالى: ﴿ والّذين كفروا وكذّبوا بآياتنا أولئك أصحاب النّار هم فيها خالدون ﴾ في سورة [البقرة: 39].

ومعنى كون الآيات عند الله أنّ الآيات من آثار قدرة الله وإرادته، فأسباب إيجاد الآيات من صفاته، فهو قادر عليها، فلأجل ذلك شُبّهت بالأمور المدّخرة عنده، وأنّه إذا شاء إبرازَها أبرزها للنّاس، فكلمة عند} هنا مجاز.

استعمل اسم المكان الشّديد القُرب في معنى الاستبداد والاستئثار مجازاً مرسلاً، لأنّ الاستئثار من لوازم حالة المكان الشّديد القرب عرفاً، كقوله تعالى: ﴿ وعنده مفاتح الغيب ﴾ [الأنعام: 59].

والحصر ب ﴿ إنّما ﴾ ردّ على المشركين ظنّهم بأنّ الآيات في مقدور النّبيء صلى الله عليه وسلم إن كان نبيئاً فجعلوا عدم إجابة النّبيء صلى الله عليه وسلم اقتراحَهم آية أمارة على انتفاء نبوءته، فأمره الله أن يجيب بأنّ الآيات عند الله لا عند الرّسول عليه الصّلاة والسّلام، والله أعلم بما يُظهره من الآيات.

وقوله: ﴿ وما يشعركم أنّها إذا جاءت لا يؤمنون ﴾ قرأ الأكثر (أنّها) بفتح همزة «أنّ».

وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب، وخلَف، وأبو بكر عن عاصم في إحدى روايتين عن أبي بكر بكسر همزة (إنّ).

وقرأ الجمهور ﴿ لا يؤمنون ﴾ بياء الغيبة.

وقرأه ابن عامر، وحمزة، وخلف بتاء الخطاب، وعليه فالخطاب للمشركين.

وهذه الجملة عقبة حَيرة للمفسّرين في الإبانة عن معناها ونظمها ولْنَأت على ما لاح لنا في موقعها ونظمها وتفسير معناها، ثمّ نعقّبه بأقوال المفسّرين.

فالّذي يلوح لي أنّ الجملة يجوز أن تكون الواو فيها واوَ العطف وأن تكون واو الحال.

فأمّا وجه كونها واو العطف فأن تكون معطوفة على جملة: ﴿ إنّما الآيات عند الله ﴾ كلام مستقلّ، وهي كلام مستقلّ وجّهه الله إلى المؤمنين، وليست من القول المأمور به النّبيء عليه الصّلاة والسّلام بقوله تعالى: ﴿ قل إنّما الآيات عند الله ﴾ .

والمخاطب ب ﴿ يشعركم ﴾ الأظهر أنّه الرّسول عليه الصلاة والسلام والمؤمنون، وذلك على قراءة الجمهور قوله: ﴿ لا يؤمنون ﴾ بياء الغيبة.

والمخاطب ب ﴿ يشعركم ﴾ المشركون على قراءة ابن عامر، وحمزة، وخلف ﴿ لا تؤمنون ﴾ بتاء الخطاب، وتكون جملة ﴿ وما يشعركم ﴾ من جملة ما أمر الرّسول صلى الله عليه وسلم أن يقوله في قوله تعالى: ﴿ قل إنّما الآيات عند الله ﴾ .

﴿ وأما ﴾ استفهامية مستعملة في التّشكيك والإيقاظ، لئلاّ يغرّهم قَسم المشركين ولا تروجَ عليهم ترّهاتهم، فإن كان الخطاب للمسلمين فليس في الاستفهام شيء من الإنكار ولا التّوبيخ ولا التّغليظ إذ ليس في سياق الكلام ولا في حال المسلمين فيما يؤثر من الأخبار ما يقتضي إرادة توبيخهم ولا تغليطهم، إذ لم يثبت أنّ المسلمين طمعوا في حصول إيمان المشركين أو أنّ يجَابُوا إلى إظهار آية حسب مقترحهم، وكيف والمسلمون يقرأون قوله تعالى: ﴿ إنّ الّذين حقّت عليهم كلمات ربّك لا يؤمنون ولو جاءتهم كلّ آية ﴾ وهي في سورة [يونس: 96، 97] وهي نازلة قبل سورة الأنعام، وقد عرف المسلمون كذب المشركين في الدّين وتلوّنهم في اختلاق المعاذير.

والمقصود من الكلام تحقيق ذلك عند المسلمين، وسيق الخبر بصيغة الاستفهام لأنّ الاستفهام من شأنه أن يهيّءَ نفس السامع لطلب جواب ذلك الاستفهام فيتأهّب لوعي ما يرد بعده.

والإشعار: الإعلام بمعلوم من شأنه أن يخفَى ويَدِقّ.

يقال: شعَرَ فلان بكذا، أي علمه وتفطّن له، فالفعل يقتضي متعلِّقاً به بعد مفعوله ويتعيّن أن قوله: أنّها إذا جاءت لا يؤمنون} هو المتعلِّق به، فهو على تقدير باء الجرّ.

والتّقدير: بأنّها إذا جاءت لا يؤمنون، فحذف الجارّ مع (أنّ) المفتوحة حذف مطّرد.

وهمزة (أنّ) مفتوحة في قراءة الجمهور.

والمعنى أمُشْعِر يُشعركم أنّها إذا جاءت لا يؤمنون، أي بعدم إيمانهم.

فهذا بيان المعنى والتّركيب، وإنّما العقدَة في وجود حرف النّفي من قوله: ﴿ لا يؤمنون ﴾ لأنّ ﴿ ما يشعركم ﴾ بمعنى قولهم: ما يدريكم، ومعتاد الكلام في نظير هذا التّركيب أن يجعل متعلّق فعل الدّراية فيه هو الشّيء الّذي شأنُه أن يَظُنّ المخاطبُ وقوعَه، والشَّيء الَّذي يُظَنّ وقوعُه في مثل هذا المقام هو أنّهم يُؤمنون لأنّه الَّذي يقتضيه قسمهم ﴿ لئن جاءتهم آية ليؤمننّ ﴾ فلمّا جعل متعلِّق فعل الشّعور نفيَ إيمانهم كان متعلِّقاً غريباً بحسب العرف في استعمال نظير هذا التّركيب.

والّذي يقتضيه النّظر في خصائص الكلام البليغ وفروقِه أن لا يقاس قوله: ﴿ وما يُشعركم ﴾ على ما شاع من قول العرب ﴿ ما يُدريك ﴾ ، لأنّ تركيب ما يدريك شاع في الكلام حتّى جرى مجرى المثل باستعماللٍ خاصّ لا يكادون يخالفونه كما هي سُنّة الأمثال أن لا تغيّر عمّا استعملت فيه، وهو أن يكون اسم (ما) فيه استفهاماً إنكارياً، وأن يكون متعلّق يُدريك هو الأمر الّذي ينكره المتكلّم على المخاطب.

فلو قسنا استعمال ﴿ ما يشعركم أنّها إذا جاءت لا يؤمنون ﴾ على استعمال (ما يدريكم) لكان وجود حرف النّفي منافياً للمقصود، وذلك مثار تردّد علماء التّفسير والعربيّة في محمل ﴿ لا ﴾ في هذه الآية.

فأمّا حين نتطلّب وجه العدول في الآية عن استعمال تركيب (ما يدريكم) وإلى إيثار تركيب ﴿ ما يشعركم ﴾ فإنّنا نعلم أنّ ذلك العدول لمراعاة خصوصيّة في المعدول إليه بأنّه تركيب ليس متَّبعاً فيه طريق مخصوص في الاستعمال، فلذلك فهو جار على ما يسمح به الوضع والنظمُ في استعمال الأدواتتِ والأفعاللِ ومفاعيلها ومتعلّقاتها.

فلنحمل اسم الاستفهام هنا على معنى التّنبيه والتشكيك في الظنّ، ونحمل فعل ﴿ يشعركم ﴾ على أصل مقتضى أمثاله من أفعال العِلم، وإذا كان كذلك كان نفي إيمان المشركين بإتيان آية وإثباتُه سواء في الفرض الّذي اقتضاه الاستفهام، فكان المتكلّم بالخيار بين أن يقول: إنّها إذا جاءت لا يؤمنون، وأن يقول: إنّها إذا جاءت يؤمنون.

وإنّما أوثر جانب النفي للإيماء إلى أنّه الطرف الرّاجح الّذي ينبغي اعتماده في هذا الظنّ.

هذا وجه الفرق بين التّركيبين.

وللفروق في علم المعاني اعتبارات لا تنحصر ولا يَنبغي لصاحب علم المعاني غضّ النّظر عنها، وكثيراً ما بيّن عبد القاهر أصنافاً منها فليُلحَق هذا الفرق بأمثاله.

وإنْ أبَيْتَ إلاّ قياسَ ﴿ ما يشعركم ﴾ على (مَا يُدريكم) سواء، كما سلكه المفسّرون فاجعل الغالب في استعمال (ما يُدريك) هو مقتضى الظّاهر في استعمال ﴿ ما يُشعركم ﴾ واجعَل تعليق المنفي بالفعل جرياً على خلاف مقتضى الظّاهر لنكتة ذلك الإيماء ويسهل الخطب.

وأمّا وجه كون الواو في قوله: ﴿ وما يشعركم ﴾ واو الحال فتكون «ما» نكرة موصوفة بجملة ﴿ يشعركم ﴾ .

ومعناها شَيء موصوف بأنّه يشعركم أنّها إذا جاءت لا يؤمنون.

وهذا الشّيء هو ما سبق نُزوله من القرآن، مثل قوله تعالى: ﴿ إنّ الَّذين حقّت عليهم كلمات ربّك لا يؤمنون ولو جاءتهم كلّ آية ﴾ [يونس: 96، 97]، وكذلك ما جرّبوه من تلوّن المشركين في التفصّي من ترك دين آبائهم، فتكون الجملة حالاً، أي والحال أنّ القرآن والاستقراء أشعركم بكذبهم فلا تطمعوا في إيمانهم لو جاءتهم آية ولا في صدق أيْمانهم، قال تعالى: ﴿ إنّهم لا أيْمان لهم ﴾ [التوبة: 12].

وإنّي لأعجب كيف غاب عن المفسّرين هذا الوجه من جعل «ما» نكرة موصوفة في حين أنّهم تطرّقوا إلى ما هو أغرب من ذلك.

فإذا جعل الخطاب في قوله: ﴿ وما يشعركم ﴾ خطاباً للمشركين، كان الاستفهام للإنكار والتّوبيخ ومتعلِّق فعل ﴿ يشعركم ﴾ محذوفاً دلّ عليه قوله: ﴿ لئن جاءتهم آية ﴾ .

والتّقدير: وما يشعركم أنّنا نأتيكم بآية كما تريدون.

ولا نحتاج إلى تكلّفات تكلّفها المفسّرون، ففي «الكشاف»: أنّ المؤمنين طمعوا في إيمان المشركين إذا جاءتهم آية وتمنّوا مجيئها فقال الله تعالى: وما يدريكم أنّهم لا يؤمنون، أي أنّكم لا تدرون أنّي أعلم أنّهم لا يؤمنون.

وهو بناء على جعل ﴿ ما يشعركم ﴾ مساوياً في الاستعمال لِقولهم ﴿ ما يدريك ﴾ .

ورَوى سيبويه عن الخليل: أنّ قوله تعالى: ﴿ أنّها ﴾ معناه لَعلّها، أي لعلّ آية إذا جاءت لا يؤمنون بها.

وقال: تأتى (أنّ) بمعنى لعلّ، يريد أنّ في لعلّ لغة تقول: لأنّ، بإبدال العين همزة وإبدال اللام الأخيرة نوناً، وأنّهم قد يحذفون اللام الأولى تخفيفاً كما يحذفونها في قولهم: علّك أن تفعل، فتصير (أنّ) أي (لعلّ).

وتبعه الزمخشري وبعض أهل اللّغة، وأنشدوا أبياتاً.

وعن الفرّاء، والكسائي، وأبي عليّ الفارسي: أنّ ﴿ لا ﴾ زائدة، كما ادّعوا زيادتها في قوله تعالى: ﴿ وحرام على قرية أهلكناها أنّهم لا يرجعون ﴾ [الأنبياء: 95].

وذكر ابن عطيّة: أنّ أبا عليّ الفارسي جعل ﴿ أنّها ﴾ تعليلاً لقوله ﴿ عند الله ﴾ أي لا تأتيهم بها لأنّها إذا جاءت لا يؤمنون، أي على أن يكون ﴿ عند ﴾ كناية عن منعهم من الإجابة لما طلبوه.

وعلى قراءة ابن كثير، وأبي عمرو، ويعقوب، وخلف، وأبي بكر، في إحدى روايتين عنه ﴿ إنّها ﴾ بكسر الهمزة يكون استئنافاً.

وحذف متعلّق ﴿ يشعركم ﴾ لظهوره من قوله ﴿ لَيُؤمِنُنّ بها ﴾ .

والتّقدير: وما يشعركم بإيمانهم إنّهم لا يؤمنون إذا جاءت آية.

وعلى قراءة ابن عامر، وحمزة، وخلف بتاء المخاطب.

فتوجيه قراءة خلف الّذي قرأ ﴿ إنّها ﴾ بكسر الهمزة، أن تكون جملة ﴿ أنّها إذا جاءت ﴾ الخ خطاباً موجّهاً إلى المشركين.

وأمّا على قراءة ابن عامر وحمزة اللّذيْن قرآ ﴿ أنّها ﴾ بفَتح الهمزة فأن يجعل ضمير الخطاب في قوله: ﴿ وما يشعركم ﴾ موجّهاً إلى المشركين على طريقة الالتفات على اعتبار الوقف على ﴿ يشعركم ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهم آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها ﴾ هَؤُلاءِ قَوْمٌ مِن مُشْرِكِي أهْلِ مَكَّةَ حَلَفُوا بِاللَّهِ لِرَسُولِهِ  لَئِنْ جاءَتْهم آيَةٌ اقْتَرَحُوها لَيُؤْمِنُنَّ بِها، قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: هُمُ المُسْتَهْزِئُونَ.

واخْتُلِفَ في الآيَةِ الَّتِي اقْتَرَحُوها عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنْ تَجْعَلَ لَنا الصَّفا ذَهَبًا.

والثّانِي: ما ذَكَرَهُ اللَّهُ في آخِرِ: ﴿ لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا ﴾ ﴿ أوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ وعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأنْهارَ خِلالَها تَفْجِيرًا ﴾ ﴿ أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ كِتابًا نَقْرَؤُهُ ﴾ فَأمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ حِينَ أقْسَمُوا لَهُ أنْ يَقُولَ لَهم ﴿ قُلْ إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ والثّالِثُ: أنَّهُ لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى في الشُّعَراءِ: ﴿ إنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ ﴾ قالَ المُشْرِكُونَ: أنْزِلْها عَلَيْنا حَتّى نُؤْمِنَ بِها إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ، فَقالَ المُؤْمِنُونَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أنْزِلْها عَلَيْهِمْ لِيُؤْمِنُوا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، قالَهُ الكَلْبِيُّ: ولَيْسَ يَجِبُ عَلى اللَّهِ إجابَتُهم إلى اقْتِراحِهِمْ لا سِيَّما إذا عَلِمَ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِها، واخْتُلِفَ في وُجُوبِها عَلَيْهِ إذا عَلِمَ إيمانَهم بِها عَلى قَوْلَيْنِ وقَدْ أخْبَرَ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَما يُشْعِرُكم أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ وَنُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ وهَذا مِنَ اللَّهِ عُقُوبَةٌ لَهم، وفِيها ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها عُقُوبَةٌ مِنَ اللَّهِ في الآخِرَةِ يُقَلِّبُها في النّارِ.

والثّانِي: في الدُّنْيا بِالحَيْرَةِ حَتّى يُزْعِجَ النَّفْسَ ويَغُمَّها.

والثّالِثُ: مَعْناهُ أنَّنا نُحِيطُ بِذاتِ الصُّدُورِ وخائِنَةِ الأعْيُنِ مِنهم.

وَفي قَوْلِهِ: ﴿ أوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أوَّلُ مَرَّةٍ جاءَتْهُمُ الآياتُ.

والثّانِي: أنَّ الأوَّلَ أحْوالُهم في الدُّنْيا كُلُّها، ثُمَّ أكَّدَ اللَّهُ تَعالى حالَ عَنَتِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أبو الشيخ عن ابن عباس قال: أنزلت في قريش ﴿ وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها قل إنما الآيات عند الله وما يشعركم ﴾ يا معشر المسلمين ﴿ أنها إذا جاءت لا يؤمنون ﴾ إلا إن يشاء الله فيجبرهم على الإِسلام.

وأخرج ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي قال: «كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشاً فقالوا: يا محمد تخبرنا أن موسى كان معه عصاً يضرب بها الحجر، وأن عيسى كان يُحيي الموتى، وأن ثمود كان لهم ناقة، فأتنا من الآيات حتى نصدقك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي شيء تحبون أن آتيكم به؟

قالوا: تجعل لنا الصفا ذهباً.

قال: فإن فعلت تصدقوني؟

قالوا: نعم.

والله لئن فعلت لنتبعنك أجمعون.

فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو، فجاءه جبريل فقال له: إن شئت أصبح ذهباً.

فإن لم يصدقوا عند ذلك لنعذبنهم، وإن شئت فاتركهم حتى يتوب تائبهم؟

فقال: بلى يتوب تائبهم.

فأنزل الله: ﴿ وأقسموا بالله جهد أيمانهم ﴾ إلى قوله: ﴿ يجهلون ﴾ » .

وأخرج أبو الشيخ عن ابن جريج ﴿ وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ﴾ في المستهزئين هم الذين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم الآية، فنزل فيهم ﴿ وأقسموا بالله ﴾ حتى ﴿ ولكن أكثرهم يجهلون ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد قال: القسم يمين، ثم قرأ ﴿ وأقسموا بالله جهد أيمانهم ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس قال: القسم يمين.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها ﴾ قال: سألت قريش محمداً صلى الله عليه وسلم أن يأتيهم بآية فاستحلفهم ليؤمنن بها ﴿ قل إنما الآيات عند الله وما يشعركم ﴾ قال: ما يدريكم، ثم أوجب عليه أنهم لا يؤمنون ﴿ ونقلب أفئدتهم ﴾ قال: نحول بينهم وبين الأيمان لو جاءتهم كل آية كما حلنا بينهم وبينه أول مرة ﴿ ونذرهم في طغيانهم يعمهون ﴾ قال: يترددون.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ من وجه آخر عن مجاهد في قوله: ﴿ وما يشعركم ﴾ قال: وما يدريكم أنكم تؤمنون إذا جاءت، ثم استقبل يخبر فقال: أنها إذا جاءت لا يؤمنون.

وأخرج أبو الشيخ عن النضر بن شميل قال: سأل رجل الخليل بن أحمد عن قوله: ﴿ وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون ﴾ فقال: إنها لعلها ألا ترى أنك تقول: اذهب إنك تأتينا بكذا وكذا، يقول: لعلك.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ﴾ قال: لما جحد المشركون ما أنزل الله لم تثبت قلوبهم على شيء، وردت عن كل أمر.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله: ﴿ ونقلب أفئدتهم...

﴾ الآية.

قال: جاءهم محمد بالبينات فلم يؤمنوا به، فقلبنا أبصارهم وأفئدتهم ولو جاءتهم كل آية مثل ذلك لم يؤمنوا إلا أن يشاء الله.

وأخرج ابن المبارك وأحمد في الزهد وابن أبي شيبة والبيهقي في شعب الإِيمان وابن عسكر عن أم الدرداء.

أن أبا الدرداء لما احتضر جعل يقول: من يعمل لمثل يومي هذا: من يعمل لمثل ساعتي هذه، من يعمل لمثل مضجعي هذا، ثم يقول ﴿ ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون ﴾ ثم يغمى عليه، ثم يفيق فيقولها حتى قبض.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ وحشرنا عليهم كل شيء قبلاً ﴾ قال: معاينة ﴿ ما كانوا ليؤمنوا ﴾ أي أهل الشقاء ﴿ إلا أن يشاء الله ﴾ أي أهل السعادة الذين سبق لهم في علمه أن يدخلوا في الإِيمان.

وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة ﴿ وحشرنا عليهم كل شيء قبلاً ﴾ أي فعاينوا ذلك معاينة.

وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد ﴿ وحشرنا عليهم كل شيء قبلاً ﴾ قال: أفواجاً قبيلاً.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

[قوله تعالى] (١) ﴿ وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ ﴾ الآية، ذكرنا معنى القسم (٢) ﴿ وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ  ﴾ والاستقسام في سورة المائدة (٣) (٤) وهذا الذي ذكرنا في معنى القسم مذهب الزجاج وأبي علي الفسوي (٥) ﴿ إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ  ﴾ أقسم المشركون بالله ﴿ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا ﴾ وسأل المسلمون رسول الله  أن ينزلها الله عليهم حتى يؤمنوا، وعلم الله تعالى منهم أنهم لا يؤمنون، فأنزل هذه الآية: ﴿ وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ ﴾ (٦) (٧) (٨) (٩) (١٠) وقوله تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ أي: إنه هو القادر على الإتيان بها (١١) (١٢) وقوله تعالى: ﴿ وَمَا يُشْعِرُكُمْ ﴾ قال أبو علي: (ما) استفهام وفاعل ﴿ يُشْعِرُكُمْ ﴾ ضمير ما، والمعنى: وما يدريكم إيمانهم، فحذف المفعول، وحذف المفعول كثير، والتقدير: وما يدريكم إيمانهم، أي: هم لا يؤمنون مع مجيء الآية إياهم (١٣) ونحو هذا ذكره ابن الأنباري (١٤) ﴿ يُشْعِرُكُمْ ﴾ بتقدير مفعول معه يراد به، أي شيء يشعركم إيمانهم، ويوقع في أنفسكم صحة ما حلف عليه الكفار)، وهذا معنى قول الزجاج: (أي لستم تعلمون الغيب، ولا تدرون أنهم يؤمنون) (١٥) (١٦) ﴿ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ ) (١٧) وقوله تعالى: ﴿ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ قرأ ابن كثير (١٨) ﴿ وَمَا يُشْعِرُكُمْ ﴾ ثم ابتدأ فأوجب فقال: (إنها إذا جاءت لا يؤمنون) ولو قال: (وما يشعركم أنها) بالفتح كان ذلك عذرًا لهم (١٩) ومعنى قوله: (كان [ذلك] (٢٠) (٢١) (٢٢) ﴿ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا ﴾ إلى قوله: ﴿ مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ  ﴾ وقرأ الباقون (أنها) بالفتح.

قال الخليل: (هي بمنزلة قول العرب: أئت السوق أنك تشتري لنا شيئًا، أي: [لعلك] (٢٣) (٢٤) (٢٥) (٢٦) وقال آخر (٢٧) هَل أَنْتُمْ عَائِجُونَ بِنَا لأنا ...

نَرَى العَرَصاتِ أَوْ أَثَرَ الخيامِ وقال عدي (٢٨) أَعاذِل ما يُدْرِيكِ أَنَّ مَنِيَّتِي ...

إلى ساعَةٍ في اليَومِ أو في ضُحى الغَدِ (٢٩) (٣٠) ﴿ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى  ﴾ ﴿ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ  ﴾ ، وهذا الذي ذكره الخليل من أن (٣١) (٣٢) ﴿ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ  ﴾ معناه: أن تسجد، فيكون التقدير: وما يشعركم أنها إذا جاءت يؤمنون) (٣٣) (٣٤) قال الزجاج: (والذي ذكر أن لا لغوٌ (٣٥) (٣٦) قال أبو علي: (يجوز أن يكون لا في تأويل زائدة، وفي تأويل غير زائدة، كقول الشاعر (٣٧) أَبَى جُوده لا البُخْلَ واستَعْجَلَتْ بِهِ ...

نَعَمْ مِنَ فَتًى لا يَمْنَعُ الجُودَ قاتِلهْ ينشد: لا البخلِ ولا البخلَ، فمن نصب البخلَ جعلها زائدة كأنه قال: أبي جوده البخل، ومن قال: لا البخلِ أضاف لا إلى البخل.

ومثل هذه الآية في أن لا فيها يجوز أن يكون زائدة ويجوز أن لا يكون قوله تعالى: ﴿ وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ  ﴾ ، (٣٨) (٣٩) واختلفوا في قوله ﴿ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ فقرأ (٤٠) (٤١) ﴿ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ ﴾ الآية [الأنعام: 111] وليس كل الناس بهذا الوصف، [و] (٤٢) (٤٣) وذهب مجاهد وابن زيد (٤٤) ﴿ وَمَا يُشْعِرُكُمْ ﴾ للكفار الذين أقسموا، قال مجاهد: (وما يدريكم أنكم تؤمنون إذا جاءت) (٤٥) (٤٦) ﴿ وَمَا يُشْعِرُكُمْ ﴾ للمؤمنين، وذلك أنهم تمنوا نزول الآية ليؤمن المشركون، وهو الوجه؛ لأنه قيل للمؤمنين: تمنون ذلك، وما يدريكم أنهم يؤمنون، على ما شرحنا وبينا (٤٧) (١) في (أ): (قوله عز وجل).

(٢) انظر: "البسيط" النسخة الأزهرية 1/ 229 ب.

(٣) انظر: "البسيط" صورة في مكتبة جامعة الإمام 3/ 9 أ.

(٤) القَسَم: بالفتح، اليَمين والحَلف، وأصله من القَسَامَة، بالفتح، وهي أيمان تقسم علي أولياء المقتول، ثم صار اسمًا لكل حَلِف؛ يقال: أَقْسَم بسكون القاف وفتح == السين، يُقْسِم: بكسر السين، إقسامًا، والجمع أقْسَام.

انظر: "العين" 5/ 86، (الجمهرة) 2/ 852، و"الاشتقاق" لابن دريد ص 62، و"تهذيب اللغة" 3/ 2963، و"الصحاح" 5/ 2010، و"المجمل" 3/ 752، و"المفردات" ص 670، و"اللسان" 6/ 3630 مادة (قسم).

(٥) ذكره الرازي في "تفسيره" 13/ 117 عن الواحدي، ولم أقف عليه عند الزجاج وأبي علي الفارسي بعد طول بحث.

(٦) ذكره الفراء في "معانيه" 1/ 349، و"النحاس" 2/ 474، والسمرقندي 1/ 506، وقال ابن الجوزي في "تفسيره" 3/ 103: (رواه أبو صالح عن ابن عباس) ا.

هـ.

وحكاه الماوردي 2/ 156، عن الكلبي، وانظر: "أسباب النزول" للواحدي ص 228.

(٧) "تنوير المقباس" 2/ 51، وذكره الثعلبي 182 ب، والواحدي في "الوسيط" 1/ 99، والبغوي 3/ 177، والرازي 13/ 143 عن الكلبي ومقاتل.

(٨) "تفسير مقاتل" 1/ 583.

(٩) "معاني الزجاج" 2/ 281، وذكر النحاس في "معانيه" 2/ 472، نحوه، والجهد: بفتح الجيم، وسكون الهاء المبالغة والغاية، وقيل: الوسع والطاقة، وقيل: المشقة.

انظر: "اللسان" 2/ 708 مادة (جهد).

(١٠) ذكره ابن الجوزي 2/ 380، عن ابن عباس وذكره البغوي 3/ 69، بلا نسبة.

(١١) هذا قول الطبري في "تفسيره" 7/ 311، والثعلبي في "الكشف" 182 ب، والبغوي في "تفسيره" 3/ 177، وابن الجوزي 3/ 104.

(١٢) انظر: "تفسير الرازي" 13/ 114.

(١٣) "الحجة" لأبي علي 3/ 377: (وعليه تكون ما استفهامًا إنكاريًّا مبتدأ، وجملة (يشعركم) خبرها.

و (يشعركم) مضارع فاعله ضمير يعود على ما، وكم مفعول أول، والثاني محذوف، والتقدير: وما يدريكم إيمانهم وقت مجيئها).

انظر: "البيان" 1/ 530، و"الفريد" 2/ 210، و"الدر المصون" 5/ 101.

(١٤) لم أقف عليه وفي إيضاح الوقف والابتداء 2/ 642 - 643، قال في الآية: (من قرأ (إنها) بالكسر وقف على (وما يشعركم) وابتدأ (إنها)، ومن قرأ (أنها) بالفتح كان له مذهبان أحدهما: أن يكون المعنى: وما يشعركم بأنهم يؤمنون أو لا يؤمنون ونحن نقلب أفئدتهم، فعلى هذا المذهب لا يحسن الوقف على (يشعركم)؛ لأن (أن) متعلقة به، والوجه الآخر أن يكون المعنى: وما يشعركم لعلها إذا جاءت لا يؤمنون، فيحسن الوقف على (يشعركم) والابتداء بأن مفتوحة، حكي عن العرب: ما أدرى أنك صاحبها، المعنى: لعلك صاحبها، وقرئ: (أنها إذا جاءت لا يؤمنون) على خطاب الكفرة إليكم) ا.

هـ.

وقال في (الأضداد) ص 211 - 216: (لا جحد محض، وأن دخلت إيذانا بالقول إذ لم يصرح لفظه، وتكون لا بمعنى الإثبات وما للتوكيد، والمعنى: أنها إذا جاءت يؤمنون) ا.

هـ.

ملخصًا.

(١٥) "معاني الزجاج" 2/ 282.

(١٦) في (ش): (أنهم يؤمنون).

وعليه يكون الخطاب للمؤمنين وهو أحد قولي مجاهد، كما في "تفسيره" 1/ 221، قال: (وما يدريكم أنهم يؤمنون، ثم أوجب عليهم أنهم لا يؤمنون) ا.

هـ.

(١٧) أخرجه الطبري في "تفسيره" 7/ 312، وابن أبي حاتم 4/ 1368 من عدة طرق جيدة، وذكر السيوطي في "الدر" 3/ 73.

(١٨) قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم في رواية (إنها) بكسر الهمزة، وقرأ الباقون بفتحها.

انظر: "السبعة" ص 265، و"المبسوط" ص 173، و"التذكرة" 2/ 407، و"التيسير" 106، و"النشر" 261.

(١٩) "الكتاب" 3/ 123.

(٢٠) لفظ: (ذلك) ساقط من (أ).

(٢١) انظر: "الكتاب" 3/ 122.

(٢٢) هذا شرح لأبي علي في "الحجة" 3/ 378، وقال السمين في "الدر" 3/ 102: (وقد شرح الناس قول الخليل وأوضحوه فقال الواحدي وغيره)، ثم ذكر هذا الشرح، وانظر: "تفسير الرازي" 13/ 145.

(٢٣) في (ش): (لعل).

(٢٤) "الكتاب" 3/ 123.

(٢٥) من معاني أن المشددة المفتوحة أنها تكون بمعنى لعل عند الأكثر.

انظر: "حروف المعاني" ص 57، و"معاني الحروف" ص 112، و"الصاحبي" ص 176، و"رصف المباني" ص 207، و"مغني اللبيب" 1/ 40.

(٢٦) الشاهد مختلف في نسبته، وهو لحاتم الطائي في "ديوانه" ص 45، ولمعن بن أوس المزني في "ديوانه" ص 80، ولدريد بن الصمة الجشمي في "ملحق ديوانه" ص 116، والطبري 7/ 313، والثعلبي ص 182/ ب، ولحطائط بن يعفر النهشلي في "مجاز القرآن" 1/ 55، و"الحماسة" لأبي تمام 2/ 358، و"عيون الأخبار" 3/ 181، و"الشعر والشعراء" ص 147، 157 - 158، والطبري 3/ 78، و"الحجة" لأبي علي 2/ 225، و"الدر المصون" 2/ 117، وذكر في "اللسان" 1/ 158، أنن، نسبته إلى هؤلاء، وهو بلا نسبة في "الإبدال" لابن السكيت ص85، و"أمالي القالي" 2/ 79، و"سر صناعة الإعراب" 1/ 236، والرازي == 13/ 144.

والشاهد: (لأنني) أراد: لعلني، وفي الدواوين وأكثر المراجع: (لعلني) بدل (لأنني)، وعليه فلا شاهد فيه.

(٢٧) الشاهد للفرزدق في "ديوانه" 2/ 290، و"الحجة" لأبي علي 3/ 379، و"اللسان" 7/ 4049 مادة (لغن)، وهو لجرير في "ملحق ديوانه" ص 1039، و"اللسان" 1/ 158 مادة (أنن)، و"الدر المصون" 5/ 103، وبلا نسبة في "الإنصاف" 1/ 184، والقرطبي 4/ 154.

وعائجون: أي مائلون.

والعرصات: جمع عرصة، وهو وسط الدار.

والشاهد: لأنا يريد: (لعنا)، وفي ديوانه الفرزدق وأكثر المراجع، (لعلنا) بدل (لأنا) وفي بعض المراجع (لِغنا) بالغين والفتح، وهي لغة في لعل.

(٢٨) عَدي بن زيد بن حمار بن زيد العبادي التميمي أبو عمير، من أهل الحيرة، شاعر جاهلي فصيح، نصراني، مقدم على شعراء عصره؛ لكونه أول من كتب بالعربية والفارسية لدى كسرى، قتله النعمان بن المنذر ملك الحيرة، وقال ابن قتيبة: (علماؤنا لا يرون شعره حجة).

انظر: "طبقات فحول الشعراء" 1/ 135 - 140، و"الشعر والشعراء" ص130، و"معجم المرزباني" ص 73، و"الأعلام" 4/ 220.

(٢٩) "ديوانه" ص 103، و"الشعر والشعراء" ص 131، والطبري 7/ 313، و"جمهرة أشعار العرب" ص 179، و"المدخل للحدادي" ص 449، والثعلبي 182 ب، والبغوي 3/ 178، وابن الجوزي 3/ 105، والرازي 13/ 144، والقرطبي 7/ 64، و"اللسان" 1/ 158 مادة (أنن)، والخازن 2/ 172، و"الدر المصون" 5/ 103، وابن كثير 2/ 184، وفي (الديوان): (إلا تظنُّنا) بدل (أن منيتي)، وعليه فلا شاهد فيه.

(٣٠) في "الحجة" لأبي علي 3/ 380 (لعل بعد العلم).

(٣١) هكذا في النسخ، والأولى: (من أن - أن بمعنى لعل).

(٣٢) "معاني الفراء" 1/ 350، وهو قول الأخفش في "معانيه" 2/ 285 قال: (قرأ بعضهم (أنها) وبها نقرأ وفسر على لعلها ..) اهـ.

(٣٣) "معاني الفراء" 1/ 350.

(٣٤) هذا قول أبي علي في "الحجة" 3/ 380 عند شرح هذا الوجه.

(٣٥) لغو: أي زائدة وانظر: "الإغفال" ص 677.

(٣٦) "معاني الزجاج" 2/ 283، وحكى كونها زائد النحاس في "معانيه" 2/ 473، عن الكسائي ثم قال: (وهذا عند البصريين غلط؛ لأن أن لا تكون زائدة في موضع تكون فيه نافية) ا.

هـ، وقال الزجاج في "معانيه": (قد أجمعوا أن معنى (أن) هاهنا إذا فتحت معنى لعل، والإجماع أولى بالاتباع) ا.

هـ، وقال شيخ الإسلام في "الفتاوى" 10/ 10 - 11 ، 13/ 246، 14/ 495، في شرح الآية: (هذا استفهام نفي وإنكار، أي: وما يدريكم (إنها إذا جاءت لا يؤمنون) وأنا ﴿ وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ .

على قراءة من قرآ (إنها) بالكسر تكون جزمًا == بأنها ﴿إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ (109) وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾، وأشكلت قراءة الفتح على كثير بسبب أنهم ظنوا أن الآية بعدها جملة مبتدأة، وليس كذلك، لكنها داخلة في خبر أن، والمعنى: إذا كنتم لا تشعرون أنها إذا جاءت لا يؤمنون وأنا أفعل بهم هذا لم يكن قسمهم صدقًا بل قد يكون كذبًا، وهو ظاهر الكلام المعروف أنها أن المصدرية ولو كان (ونقلب) إلى آخره كلامًا مبتدأ لزم أن كل من جاءته آية قُلب فؤاده، وليس كذلك بل قد يؤمن كثير منهم، ومن فهم معنى الآية عرف خطأ من قال: أن (أن) بمعنى لعل واستشكل قراءة الفتح، بل يعلم حينئذ أنها أحسن من قراءة الكسر) ا.

هـ وانظر: "تفسير ابن عطية" 5/ 316، وابن كثير 2/ 184.

(٣٧) لم أعرف قائله، وهو في: "معاني الأخفش" 2/ 294، والطبري 8/ 129، و"الأضداد" لابن الأنباري ص 211، و"الإغفال" ص 690، و"كتاب الشعر" 1/ 117، و"الخصائص" 2/ 35، 283، و"أمالي ابن الشجري" 2/ 537، 542، وابن عطية 5/ 316، و"اللسان" 8/ 4485 مادة (نعم) و15/ 466 (لا)، و"مغني اللبيب" 1/ 248.

(٣٨) "الحجة" لأبي علي 3/ 380 - 381، وانظر: "معاني القراءات" 1/ 379، و"إعراب القراءات" 1/ 167، و"الحجة" لابن خالويه ص 147، ولابن زنجلة ص 265، و"الكشف" 1/ 444.

(٣٩) انظر: "البسيط" النسخة الأزهرية 3/ 250 ب.

(٤٠) قرأ ابن عامر وحمزة ﴿ لَا تُؤْمِنُونَ ﴾ بالتاء، وقرأ الباقون بالياء.

انظر: "السبعة" ص 265، و"المبسوط" ص 173، و"التذكرة" 2/ 408، و"التيسير" ص 106، و"النشر" 2/ 261.

(٤١) لفظ: (الواو) ساقط من (أ).

(٤٢) لفظ: (الواو) ساقط من (أ).

(٤٣) ما تقدم هو كلام الفارسي في "الحجة" 3/ 382 - 383، إلا أنه لم يختر القراءة بالياء بل وجه القراءة فقط.

وانظر: "معانى القراءات" 1/ 380، و"إعراب القراءات" 1/ 167، و"الحجة" لابن خالويه ص 147، ولابن زنجلة ص 267، و"الكشف" 1/ 446.

(٤٤) ذكره ابن عطية في "تفسيره" 5/ 315، والرازي 13/ 245، والقرطبي 7/ 64، وأبو حيان في "البحر" 4/ 201.

(٤٥) سبق تخريجه.

(٤٦) لفظ: (قراءة) مكرر في (أ).

(٤٧) انظر: "تفسير الرازي" 13/ 145، فقد نقل عامة الأقوال التي ذكرها الواحدي، وكذلك نص كلام الواحدي في التوجيه، دون نسبة.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَلاَ تَسُبُّواْ الذين يَدْعُونَ مِن دُونِ الله ﴾ أي لا تسبوا آلهتمهم فيكون ذلك سبباً لأن يسبوا الله، واستدل المالكية بهذا على سدّ الذرائع ﴿ قُلْ إِنَّمَا الآيات عِندَ الله ﴾ أي هي بيد الله لا بيدي ﴿ وَمَا يُشْعِرُكُمْ ﴾ أي ما يدريكم، وهو من الشعور بالشيء، وما نافية أو استفهامية ﴿ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ من قرأ بفتح أنها فهو معمول يشعركم: أي ما يدريكم أن الآيات إذا جاءتهم لا يؤمنون بها، نحن نعلم ذلك وأنتم لا تعلمونه وقيل: لا زائدة، والمعنى ما يشعركم أنهم يؤمنون، وقيل: أن هنا بمعنى لعل فمن قرأ بالكسر فهي استئناف إخبار وتم الكلام في قوله: وما يشعركم أي ما يشعركم ما يكون منهم فعلى القراءة بالكسر يوقف على ما يشعركم.

وأما على القراءة بالفتح فإن كانت مصدرية لم يوقف عليه لأنه عامل فيها، وإن كانت بمعنى لعل فأجاز بعض الناس الوقف.

ومنعه شيخنا أبو جعفر بن الزبير، لما في لعل من معنى فأجاز بعض الناس الوقف.

ومنعه شيخنا أبو جعفر بن الزبير، لما في لعل من معنى التعليل ﴿ وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وأبصارهم ﴾ أي نطبع عليها ونصدها عن الفهم فلا يفهمون ﴿ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ ﴾ الكاف للتعليل أي: نطبع على أفئدتهم وأبصارهم عقوبة لهم على أنهم لا يؤمنون به أول مرة، ويحتمل أن تكون للتشبيه، أن تطبع عليها إذا رأوا الآيات مثل طبعنا عليها أول مرة.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ولم يكن ﴾ بياء الغيبة: قتيبة ﴿ درست ﴾ بتاء التأنيث: ابن عامر وسهل ويعقوب ﴿ دارست ﴾ بتاء الخطاب من المدارسة: ابن كثير وابو عمرو.

والباقون بتاء الخطاب ﴿ درست ﴾ من الدرس.

﴿ عدوّاً ﴾ على فعول بالضم: يعقوب.

الباقون ﴿ عدوا ﴾ على فعل.

﴿ إنها إذا جاءت ﴾ بالكسر: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب وخلف وقتيبة ونصير وأبو بكر وحماد.

الباقون: بالفتح.

﴿ لا تؤمنون ﴾ بتاء الخطاب: ابن عامر وحمزة.

الباقون: على الغيبة.

الوقوف: ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ صاحبة ﴾ ط ﴿ كل شيء ﴾ ط لاحتمال الواو الحال والاستئناف ﴿ عليهم ﴾ ط ﴿ ربكم ﴾ ط لاحتمال الجملة الاستئناف والحال والعامل معنى الإشارة ﴿ إلا هو ﴾ ط لأن قوله ﴿ خالق ﴾ بدل من الضمير المستثنى أو خبر ضمير محذوف ﴿ فاعبدوه ﴾ ط لاحتمال الواو الحال والاستئناف ﴿ وكيل ﴾ ه ﴿ لا تدركه الأبصار ﴾ ج لاختلاف الجملتين مع أن الثانية من تمام المقصود ﴿ يدرك الأبصار ﴾ ط لاحتمال الواو الاستئناف والحال أي يدرك الأبصار لطيفاً خبيراً.

﴿ الخبير ﴾ ه ﴿ من ربكم ﴾ ط لابتداء الشرط مع فاء التعقيب ﴿ فلنفسه ﴾ ط كذلك مع الواو.

﴿ فعليها ﴾ ط ﴿ بحفيظ ﴾ ه ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ من ربك ﴾ ط لاحتمال الجملة الحال والاستئناف على أنها جملة معترضة ﴿ إلا هو ﴾ ط للعطف مع العارض ﴿ المشركين ﴾ ه ﴿ ما أشركوا ﴾ ط ﴿ حفيظاً ﴾ ط للابتداء بالنفي مع اتحاد المعنى ﴿ بوكيل ﴾ ه ﴿ بغير علم ﴾ ط ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ ليؤمنن بها ﴾ ط ﴿ وما يشعركم ﴾ ط لمن قرأ ﴿ إنها ﴾ بكسر الألف.

﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ يعمهون ﴾ ه.

التفسير: لما نبه إجمالاً بغير علم على الدليل على إبطال قول من خرق له بنين وبنات، فصل ذلك بقوله ﴿ بديع السموات والأرض ﴾ الآية.

والمراد هو بديع السموات، ويجوز أن يكون ﴿ بديع ﴾ مبتدأ والجملة بعده خبره.

وتقرير الدليل أنكم إما أن تريدوا بكون عيسى ولداً له أنه أحدثه على سبيل الإبداع من غيره تقدم نطفة و لا أب وحينئذ يلزمكم القول بأنه والد السموات والأرض بكونه مبدعاً لهما وهذا باطل بالاتفاق، وإما أن تريدوا به الولادة كما هو المألوف في الحيوانات وهذا أيضاً محال لأن تلك الولادة لا تصح إلا ممن كانت له صاحبة من جنسه وينفصل منه جزء يحتبس في رحمها، وهذه الأحوال إنما تثبت في حق الجسم الذي يصح عليه الاجتماع والافتراق والحركة والسكون والحد والنهاية والشهوة واللذة، وكل ذلك على الله محال وأشار إلى هذا بقوله ﴿ أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة ﴾ وأيضاً الولد بهذا الطريق إنما يتصور في حق من لا يقدر على خلق الأشياء دفعة واحدة، أما الذي إذا أراد شيئاً فإنما يقول له كن فيكون فذلك في حقه مستحيل، وإلى هذا أشار بقوله ﴿ خلق كل شيء ﴾ وأيضاً هذا الولد لا يكون أزلياً وإلا كان واجباً لذاته غنياً عن غيره فبقي أن يكون حادثاً فنقول: إنه  عالم بكل المعلومات أزلاً وأبداً كما قال ﴿ وهو بكل شيء عليم ﴾ فإن كان قد علم أن له في تحصيل ذلك الولد كمالاً أو نفعاً أو لذة لتعلقت إرادته بإيجاده في الأزل دفعاً لذلك الاحتياج والنقصان، فيكون الولد أزلياً على تقدير كونه حادثاً هذا خلف، فتبين أن إله العالم فرد واحد صمد منزه عن الشريك والنظير والأضداد والأنداد والأولاد، فلهذا صرح بالنتيجة فقال ﴿ ذلكم الله ﴾ فاسم الإشارة مبتدأ وما بعده أخبار مترادفة أي ذلكم الموصوف الجامع لتلك الصفات المقدسة هو الله إلى آخره.

وإنما قال ههنا ﴿ لا إله إلا هو خالق كل شيء ﴾ وفي "المؤمن" بالعكس لأنه وقع ههنا بعد ذكر الشركاء والبنين والبنات فكان رفع الشرك أهم، وهنالك وقع بعد ذكر خلق السموات والأرض فكان تقديم الخالقية أهم.

ثم قال ﴿ فاعبدوه ﴾ وهو مسبب عن مضمون الجملة المقتدمة يعني أن من استجمعت له هذه الكمالات كان حقيقاً بالعبادة ﴿ وهو ﴾ مع تلك الصفات ﴿ على كل شيء وكيل ﴾ يحفظه ويرزقه ويراقبه.

قال في التفسير الكبير: إنه  أقام الدليل على وجود الخالق، ثم زيف طريق من أثبت له شريكاً وهذا القدر لا يوجب التوحيد المحض لكن للعلماء في إثبات التوحيد طرق منها: أن الدليل قد دل على وجود صانع، والزائد على الواحد لم يدل دليل على ثبوته فليس عدد أولي من عدد آخر فيلزم آلهة لا نهاية لها، أو القول بعدد معين بلا ترجيح وكلاهما محال فلم يبق إلا الإكتفاء بواحد وهو المطلوب.

ومنها أنا لو قدّرنا إلهين قادرين على كل المقدورات عالمين بكل المعلومات، فكل فعل يفعله أحدهما صار كونه فاعلاً لذلك الفعل مانعاً للآخر من تحصيل مقدوره وذلك يوجب أن يكون كل واحد يعجز الآخر وهو محال، وإن كان في أحدهما عجز ونقص لم يصلح للإلهية.

ومنها أنا لو فرضنا إلهاً ثانياً فكان إما أن يكون الثاني مشاركاً للأوّل في جميع صفات الكمال أولا.

وعلى الأول لا بد أن يحصل الامتياز بأمر وإلا لم يحصل التعدد، فذلك المميز إن كان من صفات الكمال لم يكن جميع صفات الكمال مشتركة بينهما، وإن كان من صفات النقص فالموصوف به لا يصلح للإلهية وكذا إن لم يكن الثاني مشاركاً للأوّل في جميع صفات الكمال فثبت التوحيد بهذه الدلائل، مع أن الدليل النقلي في التوحيد كاف والله أعلم.

قالت الأشاعرة: عموم قوله ﴿ خالق كل شيء ﴾ يدل على أنه خالق أفعال العباد.

وقالت المعتزلة: إنما ذكر هذا الكلام في معرض المدح ولكنه لا يتمدح بخلق الزنا والكفر واللواط، وعورض بالعلم والداعي كما مر مراراً.

وأيضاً احتج كثير من المعتزلة به على نفي الصفات وعلى أن القرآن مخلوق.

أما الثاني فلأن القرآن شيء فيدخل تحت العموم.

وأما الأوّل فلأن الصفات لو كانت موجودة له  لزم أن تكون مخلوقة له.

وأجيب بأنكم تخصصون هذا العام بحسب ذاته ضرورة أنه يمتنع أن يكون خالقاً لنفسه وبحسب أفعال العباد، فنحن أيضاً نخصصه بحسب الصفات وبحسب القرآن.

وأما الفرق بين قوله ﴿ وخلق كل شيء ﴾ وقوله ﴿ خالق كل شيء ﴾ فذلك لأن الأول يتعلق بالزمان الماضي، والثاني يتناول الأوقات كلها على سبيل الاستمرار.

ثم بين أن شيئاً من القوى المدركة لا يحيط بحقيقته وأن عقلاً من العقول لا يقف على كونه صمديته فقال ﴿ لا تدركه الأبصار ﴾ هذه الآية من مشهورات استدلالات المعتزلة على نفي رؤيته  .

قالوا: الإدراك بالبصر عبارة عن الرؤية بدليل أن قول القائل: أدركته ببصري وما رأيته متناقضان.

ثم إن قوله ﴿ لا تدركه الأبصار ﴾ يقتضي أنه لا يراه شيء من الأبصار في شيء من الأحوال بدليل صحة الاستثناء.

وأيضاً أنه ذكر الآية في معرض المدح والثناء، وكل ما كان عدمه مدحاً ولم يكن ذلك من باب الفعل كان ثبوته نقصاً كقوله ﴿ لا تأخذه سنة ولا نوم  ﴾ ﴿ لم يلد ولم يولد  ﴾ فوجب كون الرؤية نقصاً في حقه  .

وإنما قيدوا بما لا يكون من باب الفعل لأنه  يمتدح بنفي الظلم عن نفسه في قوله ﴿ وما ربك بظلام للعبيد  ﴾ مع أنه  قادر على الظلم عندهم.

وأجيب بالمنع من أن إدراك البصر عبارة عن الرؤية لأنه في أصل اللغة موضوع للوصول واللحوق ومنه ﴿ قال أصحاب موسى إنا لمدركون  ﴾ أي لملحقون وقوله  ﴿ حتى إذا أدركه الغرق  ﴾ أي لحقه.

وأدرك الغلام أي بلغ، وأدركت الثمرة إذا نضجت.

وإذ قد ثبت ذلك فنقول: الرؤية جنس والإدراك أي إدراك البصر رؤية مع الإحاطة.

ولا يلزم من نفي الخاص نفي العام، فلا يلزم من نفي إدراك البصر نفي الرؤية.

سلمنا أن إدراك البصر عبارة عن الرؤية لكن قوله ﴿ لا تدركه الأبصار ﴾ لا يفيد إلا نفي العموم وأنتم تدعون عموم النفي فأين ذاك من هذا.

وإنما قلنا إنه لا يفيد إلا نفي العموم لأن صيغة الجمع كما تحمل على الاستغراق فقد تحمل على المعهود السابق أيضاً.

فقوله ﴿ لا تدركه الأبصار ﴾ يفيد أنها لا تدركه في الدنيا وأنها تركه إذا تبدلت صفاتها وتغيرت أحوالها في الآخرة، أو نقول قول القائل: لا يدركه جميع الأبصار يفيد سلب العموم ولا يفيد عموم السلب، فلم لا يجوز أن يفيد أنه يدركه بعض الأبصار كما لو قيل إن محمداً ما آمن به كل الناس فإنه يفيد أنه آمن به بعض الناس، سلمنا أن الأبصار لا تدركه البتة فلم لا يجوز حصول إدراك الله  بحاسة سادسة يخلقها الله  يوم القيامة كما هو مذهب ضرار بن عمرو الكوفي.

أو نقول: سلمنا أن الأبصار لا تدركه فلم قلتم إن المبصرين لا يدركونه، أما قولهم إن الآية مذكورة في معرض المدح فنقول: لو لم يكن الله  جائز الرؤية لما حصل المدح بقوله ﴿ لا تدركه الأبصار ﴾ وإنما يحصل التمدح لو كان بحيث نصح رؤيته.

ثم إنه  يحجب الأبصار عن رؤيتهلغاية جلاله ونهاية جماله.

والتحقيق فيه أن النفي المحض والعدم الصرف لا يكون موجباً للمدح والعلم به ضروري، بل إذا كان النفي دليلاً على حصول صفة ثابتة من صفات المدح قيل: إن ذلك النفي يوجب التمدح كقوله ﴿ لا تأخذه سنة ولا نوم  ﴾ فإنه لا يفيد المدح نظراً إلى هذا النفي، فإن الجماد أيضاً لا تأخذه سنة ولا نوم إلا أن هذا النفي في حق الباري  يدل على كونه عالماً بجميع المعلومات من غير تبدل ولا زوال.

فقوله ﴿ لا تدركه الأبصار ﴾ يمتنع أن يفيد المدح إلا إذا دل على معنى موجود وذلك ما قلناه من كونه قادراً على حجب الأبصار ومنعها عن الإحاطة به، فثبت بما ذكرنا أن هذه الآية عليكم لا لكم لأنها أفادت أنه  جائز الرؤية بحسب ذاته.

ثم نقول: إذا ثبت ذلك يجب القطع بأن المؤمنين يرونه يوم القيامة لأن القائل قائلان: قائل بجواز الرؤية مع أن المؤمنين يرونه، وقائل لا يرونه ولا تجوز رؤيته، وإذا بطل هذا القول يبقى الأول حقاً لأن القول بجواز رؤيته مع أنه لا يراه أحد قول لم يقل به أحد وهذا استدلال لطيف.

ثم إن القاضي استدل ههنا على نفي الرؤية بوجوه أخر خارجة عن التفسير لائقة بالأصول.

فأولها أن الحاسة إذا كانت سليمة وكان المرئي حاضراً وكانت الشرائط المعتبرة حاصلة - وهو أن لا يحصل القرب القريب والبعد البعيد وارتفع الحجاب وكان المرئي مقابلاً أو في حكم المقابل - فإنه يجب حصول الرؤية وإلا لجاز أن يكون بحضرتنا بوقات وطبول ونحن لا نسمعها ولا نراها، وهذا يوجب السفسطة إذا ثبت هذا فنقول: القرب القريب والبعد البعيد والحجاب والمقابلة في حقه  ممتنع، فلو صحت رؤيته كان المقتضي لحصول تلك الرؤية سلامة الحاسة وكون المرئي بحيث يصح رؤيته، وهذان المعنيان حصلان في هذا الوقت فوجب أن تحصل رؤيته، وحيث لم تحصل علمنا أن رؤيته ممتنعة في نفسها.

وأجيب بأن ذاته  مخالفة لسائر الذوات ولا يلزم من ثبوت حكم لشيء ثبوت مثله فيما يخالفه.

وثانيها لو صحت رؤيته لأهل الجنة لرآه أهل النار أيضاً لأن القرب والبعد والحجاب ممتنع في حقه  .

وأجيب لأنه لم لا يجوز أن يخلق الله  الرؤية في عيون أهل الجنة ولا يخلقها في عيون أهل النار؟

وثالثها أن كل ما كان مرئياً كان مقابلاً أو في حكم المقابل، والله  منزه عن ذلك.

وأجيب بمنع الكلية وبأنه إعادة لعين الدعوى لأن النزاع واقع في أن الموجود الذي لا يكون مختصاً بمكان وجهة هل يجوز رؤيته أم لا.

ورابعها أن أهل الجنة يلزم أن يروه في كل حال حتى عند الجماع لأن القرب والبعد عليه  محال، ولأن رؤيته أعظم اللذات وفوات ذلك يوجب الغم والحزن وذلك لا يليق بحال أهل الجنة.

وأجيب بأنهم لعلهم يشتهون الرؤية في حال دون حال كسائر الملاذ والمنافع.

(في تعديد الوجوه الدالة على جواز الرؤية): منها هذه الآية كما بينا.

ومنها أن موسى  طلب الرؤية فدل ذلك على جوازها.

ومنها أنه  علق الرؤية على استقرار الجبل والمعلق على الجائز جائز.

ومنها قوله ﴿ للذين أحسنوا الحسنى وزيادة  ﴾ قد اتفق الجمهور على أن النبي  وآله فسر الحسنى بالجنة والزيادة بالرؤية، ومنها قوله ﴿ فمن كان يرجوا لقاء ربه  ﴾ ونحو ذلك من الآيات الدالة على اللقاء، ومنها قوله ﴿ كانت لهم جنات الفروس نزلاً  ﴾ والاقتصار على النزل لا يجوز فالزائد على جنات الفردوس لا يكون إلا اللقاء.

ومنها قوله ﴿ ولقد رآه نزلة أخرى  ﴾ وسوف يأتي في سورة النجم إن شاء الله  .

ومنها قوله ﴿ وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة  ﴾ ومنها قوله ﴿ كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون  ﴾ فيكون المؤمنون غير محجوبين.

ومنها قوله ﴿ فيها ما تشتهيه الأنفس  ﴾ ولا شك أن القلوب الصافية مجبولة على حب معرفة الله على كل الوجوه وأكمل طرق المعرفة هو العيان.

ومنها قوله ﴿ وإذا رأيت ثم رأيت نعيماً وملكاً كبيراً  ﴾ فيمن قرأ بفتح الميم وكسر اللام.

وأما الأخبار فكثيرة منها: الحديث المشهور "إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته" والمراد تشبيه الرؤية بالرؤية في الجلاء والوضوح لا تشبيه المرئي بالمرئي.

ومنها أن الصحابة اختلفوا في أن النبي  وآله هل رأى الله تعالى ليلة المعراج ولم يكفر بعضهم بعضاً بهذا السبب فدل ذلك على أنهم كانوا يجمعون على إمكان الرؤية.

أما قوله  ﴿ وهو يدرك الأبصار ﴾ ففيه دليل على أنه  مبصر للمبصرات، راء للمرئيات، مطلع على ماهياتها، عليم بعوارضها وذاتياتها.

ثم قال ﴿ وهو اللطيف الخبير ﴾ وليس المراد باللطافة ضد الكثافة وهو رقة القوام فإن ذلك من صفات الأجسام، بل المراد لطف صنعه في تركيب أبدان الحيوانات من الأجزاء الدقيقة والأغشية الرقيقة والمنافذ الضيقة التي لا يعلمها إلا مبدعها.

أو المراد أنه لطيف في الإنعام والرحمة لا يأمرهم فوق طاقتهم وينعم عليهم فوق استحقاقهم.

أو الغرض أنه يثني عليهم بالطاعة، ولا يقطع موادّ إحسانه عنهم بالمعصية.

أو المراد أنه يلطف عن أن يدركه الأبصار الخبير بكل لطيف ولا يلطف شيء عن إدراكه، ثم عاد إلى تقرير أمر الدعوة والرسالة فقال ﴿ قد جاءكم بصائر ﴾ أي موجباتها والبصيرة للقلب بمنزلة البصر للعين.

﴿ فمن أبصر ﴾ الحق وآمن ﴿ فلنفسه ﴾ أبصر وإياها نفع.

﴿ ومن عمي ﴾ عنه فعلى نفسه عمي وإياها ضر.

قالت المعتزلة: فيه تصريح بأن العبد يتمكن من الأمرين: الفعل والترك.

وعورض بالعلم والداعي ﴿ وما أنا عليكم بحفيظ ﴾ أحفظ أعمالكم وأجازيكم عليها، إنما أنا منذر والله هو الحفيظ عليكم.

ثم حكى شبه المنكرين بقوله ﴿ وكذلك ﴾ أي مثل ذلك التقرير البليغ ﴿ نصرف الآيات ﴾ نأتي بها متواترة حالاً بعد حال ﴿ وليقولوا ﴾ عطف على محذوف أي لتلزمهم الحجة وليقولوا أو متعلق بما بعده أي وليقولوا درست نصرفها.

ومعنى ﴿ درست ﴾ قرأت وتعلمت من الدرس، ومن قرأ ﴿ دارست ﴾ أي قرأت على اليهود وقرؤا عليك وجرت بينك وبينهم مدارسة ومذاكرة.

وأما قراءة ابن عامر ﴿ درست ﴾ فهي من الدروس بمعنى أن هذه الآيات قد درست وعفت أي هذه الأخبار التي تلوتها علينا من جملة أساطير القرون الخالية، قالت العلماء: التركيب يدل على التذليل والتليين لأن من درس الكتاب فقد ذلـله بكثرة القراءة، ومنه قيل للثوب الخلق "دريس"، لأنه قد لان فكأنه  ذكر الوجه الذي لأجله صرف الآيات وهو أمران: أحدهما قوله ﴿ وليقولوا دارست ﴾ والثاني قوله ﴿ ولنبينه ﴾ أما الثاني فلا إشكال فيه لأنه بيّن أن الحكمة في هذا التصريف أن يظهر منه البيان والعلم والضمير في ﴿ لنبينه ﴾ للآيات لأنها في معنى القرآن، أو يعود إلى القرآن وإن لم يجر له ذكر للعلم به، أو إلى التبيين الذي هو مصدر الفعل نحو: ضربته زيداً أي ضربت الضرب زيداً.

وأما الأول فقد أورد عليه أن قولهم للرسول ﴿ دارست ﴾ كفر منهم بالقرآن والرسول، وعلى هذا فتعود مسألة الجبر والقدر، أما الأشاعرة فأجروا الكلام على ظاهره وقالوا: معناه أنا ذكرنا هذه الدلائل حالاً بعد حال ليقول بعضهم دارست فيزدادوا كفراً على كفر، ونبينه لبعض فيزدادوا إيماناً على إيمان كقوله ﴿ يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً  ﴾ وأما المعتزلة فقال الجبائي منهم والقاضي: إن هذا الإثبات محمول على النفي والتقدير: نصرف الآيات لئلا يقولوا كقوله ﴿ يبين الله لكم أن تضلوا  ﴾ أي لئلا تضلوا.

أو المراد لام العاقبة، وزيف بأن حمل الإثبات على النفي تحريف لكلام الله وفتح هذا الباب يخرج الكتاب عن أن يكون حجة.

وأيضاً إنه مناف للمقصود لأن إنزال الآيات نجماً فنجماً هو الذي أوقع الشبهة للقوم في أن محمداً  إنما أتى بالقرآن على سبيل المدارسة والمذاكرة مع أقوام آخرين، ولهذا كانوا يقولون لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة.

فالجواب الذي ذكره إنما يصح لو كان التصريف علة لأن يمتنعوا من هذا القول لكنه موجب له فسقط كلامهم، وأيضاً حمل اللام على لام العاقبة مجاز، وحمل الكلام على الحقيقة أولى.

ثم إنه لما حكى عن الكفار أنهم نسبوه في شأن القرآن إلى الافتراء وإلى أنه دارس أقواماً واستفاد هذه العلوم منهم ثم نظمها قرآناً وادّعى أنه نزل عليه من الله أتبعه قوله ﴿ اتبع ما أوحي إليك من ربك ﴾ لئلا يصير ذلك القول سبباً لفتوره في تبليغ الدعوة والرسالة والمقصود تقوية قلبه وإزالة الحزن الذي يعتريه بسماع تلك الشبهة، ونبه بالجملة المعترضة أو الحال المؤكدة وهي قوله ﴿ لا إله إلا هو ﴾ على أنه  لما كان واحداً في الإلهية فإنه يجب طاعته ولا يجوز الإعراض عن تكاليفه بسبب جهل الجاهلين وزيغ الزائغين.

ثم ختم الآية بقوله ﴿ وأعرض عن المشركين ﴾ وحمله بعضهم على أنها منسوخة بآية القتال.

وضعف بأن المراد واترك مقابلتهم فيما يأتونه من سفه، وأن يعدل صلوات الله عليه إلى الطريق الذي يكون أقرب إلى القبول وأبعد عن التنفير والتغيظ.

﴿ ولو شاء الله ما أشركوا ﴾ مذهب الأشاعرة فيه ظاهر.

وحمله المعتزلة على مشيئة الإلجاء والقسر.

وأجيب بعد المعارضة بالعلم والداعي بأن الإيمان الاختياري هب أنه أنفع وأفضل من الإيمان القهري إلا أنه  لما علم أن ذلك لا يقع ولا يحصل فقد كان يجب في حكمته أن يخلق الله فيه الإيمان القهري كي يخلص من العقاب، وإن لم يجب له الثواب كما أن الأب المشفق إذا علم أن ابنه لا يحسن الغوص يقول له: اترك الغوص في البحر ولا تطلب اللآلىء فإنك لا تجدها واكتف بالرزق القليل مع السلامة، فأما أن يأمره بالغوص في البحر مع اليقين التام بأنه لا يستفيد منه إلا الهلاك فإن ذلك من الرحمة والشفقة بمعزل.

ثم ختم الكلام بما يكمل به بصيرة الرسول  وآله، وذلك أن بيّن له قدر ما جعل إليه فذكر أنه ما جعله حفيظاً ولا وكيلاً عليهم وإنما فوض إليه الإبلاغ والإنذار.

ثم إنهم لما نسبوا الرسول  إلى أنه جمع القرآن بطريق المداومة وكان لا يبعد أن يغضب له المسلمون لسبب ذلك فيسبوا آلهتهم نهى الله  عن ذلك فقال ﴿ ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله ﴾ وذلك أن المسلمين إذا شتموا آلهتهم فربما غضبوا وذكروا الله بما لا ينبغي من القول.

وفيه تنبيه على أن خصمك إذا شافهك بجهل وسفاهة لم يجز لك أن تقدم على مشافهته بما يجري مجرى كلامه فإن ذلك يوجب فتح باب المشاتمة والمسافهة وإنه لا يليق بالعقلاء.

قال ابن عباس: لما نزل ﴿ إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم  ﴾ قال المشركون: لئن لم تنته عن سب آلهتنا وعيبها لنهجونّ إلهك فنزلت.

وقال السدي: " لما حضر أبا طالب الوفاة قالت قريش: انطلقوا فلندخل على هذا الرجل فلنأمرنه أن ينهي عنا ابن أخيه فإنا نستحي أن نقتله بعد موته فتقول العرب كان يمنعه فلما مات قتلوه.

فانطلق أبو سفيان وأبو جهل والنضر بن الحرث وأمية وأبي ابنا خلف وعقبة ابن أبي معيط وعمرو بن العاص والأسود بن البختري إلى أبي طالب فقالوا: أنت كبيرنا وسيدنا، وأن محمداً قد آذانا وآذى آلهتنا فنحب أن تدعوه فتنهاه عن ذكر آلهتنا ولندعه وإلهه.

فدعاه فجاء النبي  وآله فقال له أبو طالب: هؤلاء قومك وبنو عمك.

فقال رسول الله  : ماذا تريدون؟

قالوا: نريد أن تدعنا وآلهتنا وندعك وإلهك.

فقال أبو طالب: قد أنصفك قومك وبنو عمك.

فقال رسول الله  : أرأيتم إن أعطيتكم هذا هل أنتم معطيّ كلمة إن تكلمتم بها ملكتم العرب ودانت لكم بها العجم؟

قال أبو جهل: نعم وأبيك لنعطينكها وعشر أمثالها فما هي؟

قال: قولوا لا إله إلا الله فأبوا واشمأزوا فقال أبو طالب: قل غيرها يا ابن أخي فإن قومك قد فزعوا منها.

فقال: يا عم ما أنا بالذي أقول غيرها، ولو أتوني بالشمس فوضعوها في يدي ما قلت غيرها.

فقالوا: لتكفن عن شتمك آلهتنا أو لنشتمنك ولنشتمن من يأمرك فأنزل الله  هذه الآية" .

قالت العلماء: إن القوم كانوا مقرين بوجود الإله  فكيف يتصور إقدامهم على شتم الله؟

وأجيب بأنه ربما كان بعضهم قائلاً بالدهر ونفي الصانع فما كان يبالي هذا النوع من السفاهة، أو لعل مرادهم شتم الرسول  وآله فأجرى الله  شتمه مجرى شتم الله كما في قوله ﴿ إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله  ﴾ أو لعلهم من جهالتهم اعتقدوا أن الشيطان يحمله على ادعاء الرسالة ثم إنهم سموا ذلك الشيطان بأنه إله محمد  وآله.

وههنا سؤال وهو أن شتم الأصنام من أصول الطاعات فكيف يحسن من الله  أن ينهى عنه؟

والجواب أن هذا الشتم وإن كان طاعة إلا أنه إذا وقع على وجه يستلزم منكراً وجب الاحتراز عنه، لأن هذا الشتم كان يستلزم إقدامهم على شتم الله  وشتم رسوله وفتح باب السفاهة ويقتضي تنفيرهم عن قبول الدين وإدخال الغيظ والغضب في قلوبهم.

وفيه أن الأمر بالمعروف قد يقبح إذا أدى إلى ارتكاب منكر، والنهي عن المنكر يقبح إذا أدى إلى زيادة منكر وغلبة الظن قائمة مقام اليقين في هذا الباب.

وفيه تأديب لمن يدعو إلى الدين كيلا يتشاغل بما لا يفيد في المطلوب، فإن وصف الأوثان بأنها جمادات لا تنفع ولا تضر يكفي في القدح في إلهيتها فلا حاجة مع ذلك إلى شتمها، يقال: عدا فلان عدواً وعدواناً وعداء إذا ظلم ظلماً يتجاوز القدر.

قال الزجاج ﴿ عدواً ﴾ منصوب على المصدر لأن المعنى فيعدو عدواً وقرىء ﴿ عدوّاً ﴾ بفتح العين والتشديد أي في حال كونهم أعداء.

ومعنى ﴿ بغير علم ﴾ على جهالة بالله وبما يجب أن يذكر به ﴿ وكذلك ﴾ أي مثل ذلك التزيين ﴿ زينا لكل أمة عملهم ﴾ قالت الأشاعرة: فيه دلالة على أنه  هو الذي زين للكافر الكفر وللمؤمن الإيمان وللعاصي المعصية، وزيفه الكعبي بقوله  ﴿ وزين لهم الشيطان أعمالهم  ﴾ [العنكبوت: 38] وبقوله ﴿ والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت  ﴾ فإذا المراد أنه  زين لهم ما لهم أن يعملوا وهم لا يفقهون، أو المراد زينا لكل أمة من أمم الكفار عملهم أي خليناهم وشأنهم وأمهلناهم حتى حسن عندهم سوء عملهم، أو أمهلنا الشيطان حتى زين لهم أو زينا في زعمهم وقولهم أن الله أمرنا بهذا وزينه لنا، وضعف بعد المعارضة بالعلم وخلق الداعي بأن قوله  ﴿ كذلك زينا ﴾ بعد قوله ﴿ فيسبوا الله ﴾ مشعر بأن إقدامهم على ذلك المنكر إنما كان بتزيين الله  .

وأيضاً الإنسان لا يختار الكفر والجهل ابتداء مع العلم بكونه كفراً وجهلاً والعلم بذلك ضروري، بل إنما يختاره لأنه اعتقد كونه إيماناً وعلماً وحقاً وصدقاً، ولولا سابقة الجهل الأول لما اختار الجهل الثاني ولا تذهب الجهالات إلى غير النهاية، فلا بد أن ينتهي إلى جهل أول يخلقه الله  فيه وهو بسبب ذلك الجهل ظن الكفر إيماناً والجهل علماً.

قال: ﴿ وأقسموا بالله جهد إيمانهم ﴾ والغرض حكاية شبهة أخرى لهم وهي أن هذا القرآن كيفما كان أمره فليس من جنس المعجزات البتة،ولو أنك يا محمد جئتنا بمعجزة باهرة وبينه قاهرة لآمنا بك وأكدوا هذا المعنى بالأيمان والأقسام.

قال الواحدي: إنما سمى اليمين بالقسم لأن اليمين موضعة لتوكيد الخبر وكانت الحاجة إلى ذكر الحلف عند انقسام الناس وقت سماع الخبر إلى مصدق ومكذب، فمعنى الأقسام إزالة القسمة وجعل الناس كلهم مصدقين بواسطة الحلف واليمين.

عن محمد بن كعب قال: " كلمت رسول الله  وآله قريش فقالوا: يا محمد تخبرنا أن موسى كانت معه عصا فضرب بها الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً، وأن عيسى كان يحيى الموتى، وأن صالحاً كانت له ناقة، فأتنا ببعض تلك الآيات حتى نصدقك.

فقال رسول الله  : أي شيء تحبون أن آتيكم به؟

قالوا: تجعل لنا الصفا ذهباً.

قال: فأن فعلت تصدقوني؟

قالوا: نعم والله لئن فعلت لنتبعنك أجمعون.

فقام رسول الله  يدعو فجاءه جبريل  فقال: إن شئت أصبح الصفا ذهباً ولكن لم أرسل بآية فلم يصدق بها إلا أنزلت العذاب، وإن شئت تركتهم حتى يتوب تائبهم.

فقال رسول الله  : أتركهم حتى يتوب تائبهم " وأنزل الله الآيات إلى قوله ﴿ ولكن أكثرهم يجهلون ﴾ قال الكلبي ومقاتل: إذا حلف الرجل بالله فهو جهد يمينه.

وقال الزجاج: معناه بالغوا في الإيمان.

والمراد بقوله ﴿ لئن جاءتهم آية ﴾ ما روينا من جعل الصفا ذهباً.

وقيل: هي الأشياء المذكورة في قوله ﴿ وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا  ﴾ الآيات.

وقيل: كان النبي  وآله يخبرهم بأن عذاب الاستئصال كان ينزل بالأمم المتقدمين المكذبين فالمشركون طلبوا مثلها.

﴿ قل إنما الآيات عند الله ﴾ أي هو مختص بالقدرة على أمثال هذه الآيات لأن المعجزات لا تحصل إلا بتخليق الله  ، أو المراد بالعندية هو العلم بأن إحداث هذه المعجزات هل يقتضي إيمانهم أم لا كقوله ﴿ وعنده مفاتح الغيب  ﴾ أو المراد أنها وإن كانت معدومة في الحال إلا أنه  متى شاء أحدثها وليس لكم أن تتحكموا في طلبها كقوله ﴿ وإن من شيء إلا عندنا خزائنه  ﴾ ﴿ وما يشعركم ﴾ ما استفهام والجملة خبره، ثم من قرأ ﴿ انها ﴾ بكسر الهمزة على الابتداء - وهي القراءة الجيدة - فالتقدير وما يشعركم ما يكون منهم ثم ابتدأ فقال ﴿ إنها إذا جاءت لا يؤمنون ﴾ وأما قراءة الفتح فقال سيبويه: سألت الخليل عن ذلك فقال: لا تحسن لأنها تصير عذراً للكفار، لأن معنى قول القائل: ما يدريك أنه لا يفعل هو أنه يفعل.

فمعنى الآية أنها إذا جاءت آمنوا وذلك يوجب مجيء هذه الآيات ويصير هذا الكلام عذراً لهم في طلبها، لكن القراءة لما كانت متواترة فلا جرم ذكر العلماء فيه وجوها: قال الخليل: "أن" بمعنى "لعل" تقول العرب: ائت السوق أنك تشتري لنا شياً أي لعلك.

ويقوي هذا الوجه قراءة أبي ﴿ لعلها إذا جاءت لا يؤمنون ﴾ وثانيها "أن" تجعل "لا" صلة كما في قوله ﴿ ما منعك أن لا تسجد  ﴾ ﴿ وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون  ﴾ وثالثها أن المؤمنين كانوا يطمعون في إيمانهم إذا جاءت تلك الآية ويتمنون مجيئها فقال الله: وما يدريكم أيها المؤمنون أنهم لا يؤمنون على معنى أنكم لا تدرون ما سبق به على من أنهم لا يؤمنون.

وأما من قرأ ﴿ لا تؤمنون ﴾ بتاء الخطاب فالمراد وما يشعركم أيها الكفار.

قال القاضي والجبائي: في الآية دلالة على أنه  يجب أن يفعل كل ما في مقدوره من الألطاف إذ لو كان في المعلوم لطف يؤمنون عنده، ثم إنه لا يفعل ذلك لم يكن لتعليل ترك الإجابة بأنهم لا يؤمنون وجه.

وأيضاً لو كان الإيمان بخلق الله  ولم يكن لفعل الألطاف أثر في حمل المكلف على الطاعات لم يكن لإظهار تلك المعجزات أثر.

وأجيب بأن تأثير المعجزات عندهم مبني على وجوب اللطف، فلو أثبت اللطف به لزم الدور، وبأن الآية التي بعد هذه وهي قوله ﴿ ونقلب أفئدتهم وأبصارهم ﴾ تدل على أن الكفر والإيمان بقضاء الله وقدره.

ومعنى تقليب الأفئدة والأبصار هو أنهم إذا جاءتهم الآيات القاهرة التي اقترحوها عرفوا كيفية دلالتها على صدق الرسول إلا إنه  إذا قلب قلوبهم وأبصارهم عن ذلك الوجه الصحيح بقوا على الكفر ولم ينتفعوا بتلك الآيات.

والتقليب تحريك الشيء عن وجهه.

وكان  وآله يقول "يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلبي على دينك" والمراد أنه  يقلب القلوب تارة من داعي الخير إلى داعي الشر وبالعكس.

وإنما قدم ذكر تقليب الأفئدة على تقليب الأبصار، لأن موضع الدواعي والصوارف هو القلب فإذا حصلت الداعية في القلب انصرف البصر عنه، والحاصل أن السمع والبصر آلتان للقلب فلهذا السبب وقع الابتداء بتقليب القلب.

قال الجبائي: المراد ونقلب أفئدتهم وأبصارهم في جهنم على لهب النار وحرها لتعذيبهم.

وزيف بأن قوله ﴿ ونذرهم ﴾ إنما يحصل في الدنيا وهذا يستلزم سوء النظم.

وقال الكعبي: المراد ونقلب أفئدتهم وأبصارهم بأنا لا نفعل بهم ما نفعل بالمؤمنين من الفوائد والألطاف حيث أخرجوا أنفسهم عن هذا الحد بسبب كفرهم.

وضعف بأنه إنما استحق الحرمان من تلك الألطاف والفوائد بسبب إقدامه على الكفر وهو الذي أوقع نفسه في ذلك الحرمان فكيف يحسن إضافته إلى الله  في قوله ﴿ ونقلب ﴾ وقال القاضي: القلب باقٍ على حالة واحدة إلا أنه  أدخل التقليب والتبديل في الدلائل.

واعترض بأن تقليب القلب نقله من صفة إلى صفة ومن حالة إلى حالة.

وأما قوله ﴿ كما لم يؤمنوا به أول مرة ﴾ فقال الواحدي: فيه حذف والتقدير ولا يؤمنون بهذه الآيات كما لم يؤمنوا بظهور الآيات أول مرة يعني أول مرة أتتهم الآيات مثل انشقاق القمر وغيره.

والكناية في ﴿ به ﴾ إما عائدة إلى القرآن، أو إلى محمد  وآله، أو إلى ما طلبوا من الآيات وقيل: الكاف للجزاء أي كما لم يؤمنوا أول مرة فكذلك نقلب أفئدتهم وأبصارهم عقوبة لهم.

قال الجبائي: ﴿ ونذرهم ﴾ أي لا نحول بينهم وبين اختيارهم ولا نمنعهم بمعاجلة الهلاك وغيره لكنا نمهلهم، فإن أقاموا على طغيانهم فذلك من قبلهم وأنه يوجب تأكيد الحجة عليهم.

وقالت الأشاعرة: نقلب أفئدتهم من الحق إلى الباطل ونتركهم في ذلك الطغيان والضلال والعمى.

التأويل: ﴿ قد جاءكم بصائر ﴾ دلالات السعادات الباقية، فمن أبصرها بنظر البصيرة فاشتغل بتحصيلها وأقبل على الله لسلوك سبيلها فذلك تحصيل لنفسه ﴿ فإن الله غني عن العالمين ﴾ ﴿ ومن عمي ﴾ فبالعكس.

﴿ ولا تسبوا الذين يدعون ﴾ لا تخاطبوا أهل الضلال على مواجب نوازع النفس والطبيعة فيحملهم ذلك على ترك الإجلال وإظهار الضلال، بل خاطبوهم بلسان الحجة والتزام الحجة ونفي الشبهة.

﴿ وأقسموا بالله ﴾ حسبوا أن البرهان يوجب الإيمان ولم يعلموا أنهم مقهورون تحت حكم السلطان، وما يغني وضوح الأدلة لمن لم تدركه سوابق الرحمة ﴿ ونقلب أفئدتهم ﴾ عن الآخرة إلى الدنيا ﴿ وأبصارهم ﴾ عن شواهد المولى إلى مشاهدة النفس والهوى كأنهم لم يؤمنوا يوم الميثاق إذ قلت ألست بربكم؟

قالوا بلى.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَٰنِهِمْ ﴾ .

قالوا: جهد أيمانهم: [أيمانهم] بالله، فهذا يخرج على وجوه: أحدها: أن الحنث في اليمين يخرج مخرج الاستخفاف والتهاون، [وإن كان المسلم لا يقصد قصد الاستخفاف بالله  ] وإن كان في اليمين التعظيم، وفي الحنث استخفاف، ففي اليمين بالله جهد اليمين.

ويحتمل وجهين سوى هذا، وذلك ما قيل: إن الكفرة كانوا لا يحلفون بالله إلا عند العظيم من الأمور، [و] الجليل منها، وفي غير ذلك كانوا يحلفون بدونه؛ فسمي اليمين بالله جهد اليمين؛ تعظيماً لله وتبجيلا.

والثاني: يحتمل أنهم كانوا يحلفون بأشياء، ويؤكدون اليمين بالله ويشددونه؛ كقوله: ﴿ وَلاَ تَنقُضُواْ ٱلأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَئِن جَآءَتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا ﴾ .

قيل: إنهم كانوا يقسمون جهد أيمانهم ﴿ لَئِن جَآءَتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا ﴾ ، كانوا يسألون رسول الله  آيات: لئن جاءتهم ليؤمنن بها؛ من نحو ما قالوا: ﴿ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعاً  ﴾ ، وكقولهم: ﴿ وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ  ﴾ ، وغير ذلك من الآيات؛ فقال: ﴿ قُلْ ﴾ يا محمد: ﴿ إِنَّمَا ٱلآيَٰتُ عِندَ ٱللَّهِ ﴾ هو الذي يرسلها وينزلها، وأنا لا أملك إرسالها ولا إنزالها؛ كقوله: ﴿ قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ  ﴾ ، وغير ذلك من الآيات؛ إنباء منه أنه لا يملك إنزال ما كانوا يسألونه من الآيات، ثم قال: ﴿ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ اختلف فيه: قال الحسن وأبو بكر الأصم: إنه خاطب بقوله: ﴿ وَمَا يُشْعِرُكُمْ ﴾ أهل القسم الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم: لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها؛ فقال: ﴿ وَمَا يُشْعِرُكُمْ ﴾ ، أي: ما يدريكم أنكم تؤمنون إذا جاءكم آية ثم استأنف، فقال: ﴿ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ ، [وهكذا كان يقرؤه] الحسن بالخفض: ﴿ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ على الاستئناف والابتداء.

وقال غيرهم من أهل التأويل: الخطاب لأصحاب رسول الله  ؛ وذلك أنهم لما قالوا: ﴿ لَئِن جَآءَتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا ﴾ ، ظنوا أنهم لما أقسموا بالله جهد أيمانهم أنهم يؤمنون إذا جاءتهم آية، يفعلون ذلك ويؤمنون على ما يقولون؛ فقال [لهم]: ﴿ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ ، على طرح لا، أي ما يدريكم أنها إذا جاءت يؤمنون [ويحتمل فيه وجهاً آخر على الإضمار، وكأنه قال: وما يشعركم فاعلموا أنها إذا جاءت لا يؤمنون على الوقف في قوله ﴿ وَمَا يُشْعِرُكُمْ ﴾ ثم ابتدأ فقال: اعلموا أنها إذا جاءت لا يؤمنون] وهذا كأنه أقرب.

ويحتمل وجهاً آخر: وهو أن أهل الإسلام قالوا: إنهم - وإن جاءتم آية - لا يؤمنون؛ فقال عند ذلك: ﴿ وَمَا يُشْعِرُكُمْ ﴾ خاطب به هؤلاء ﴿ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ .

والثاني: أنهم، وإن آمنوا بها، إذا جاءت؛ فنقلب أفئدتهم من بعد.

وعلى هذا التأويل أن خلق تقلب أفئدتهم وأبصارهم كقوله: ﴿ فَلَمَّا زَاغُوۤاْ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ  ﴾ ، أي: خلق زيغ قلوبهم؛ فكذلك الأوّل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَٰرَهُمْ ﴾ .

أي: نقلب أفئدتهم وأبصارهم بالحجج والآيات، ويردونها؛ فلا يؤمنون كما لم يؤمنوا به أول مرة.

وقال أهل التأويل: ﴿ وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَٰرَهُمْ ﴾ ، أي: نحول بينهم وبين الإيمان لو جاءتهم تلك الآيات؛ فلا يؤمنون؛ كما حلنا بينهم وبين الإيمان أول مرة.

ويحتمل وجهاً آخر: وهو أن يقلب في أفئدتهم وأبصارهم آيات وحدانيته وألوهيته؛ فلا يؤمنون كما لم يؤمنوا به أول مرة.

ثم تخصيص الأفئدة والأبصار دون غيرها من الجوارح؛ لأن القلب والبصر لا يقع إلا على ما يشهد به [على] وحدانية الله وألوهيته.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ .

قال بعضهم: إن هؤلاء، وإن جاءتهم آية، فإنهم لا يؤمنون كما لم يؤمن أوائلهم من الأمم الخالية لما سألوا الآيات قبلهم؛ فكذلك هؤلاء لا يؤمنون بها، وإن جاءتهم الآية بعد السؤال.

وقال غيرهم: قوله: ﴿ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ ، أي: قد جاءتهم آيات قبل هذا على غير سؤال، فلم يؤمنوا بها؛ فكذلك إن جاءتهم بالسؤال، فلا يؤمنون بها.

ويحتمل وجهاً آخر: وهو أن مشركي العرب كانوا يقسمون بالله: أنه إن جاءهم نذير يؤمنون به، وهو قوله: ﴿ وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَآءَهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَىٰ مِنْ إِحْدَى ٱلأُمَمِ  ﴾ يعنون - والله أعلم - اليهود والنصارى، أي: لو جاءهم نذير ليكونون أهدى من اليهود والنصارى، فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا يخبر أنهم كما لم يؤمنوا بالنذير عند سؤالهم النذير في الابتداء إذا جاءهم نذير، فكذلك - أيضاً - لا يؤمنون عند سؤالهم الآيات، وإن جاءتهم آيات.

يخبر نبيه أنهم ليسوا يسألون الآيات سؤال استرشاد، ولكن يسألون سؤال عناد ومكابرة، وهذا التأويل كأنه أقرب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ .

إذا علم أنهم لا يؤمنون، تركهم في [ظلمات] ضلالتهم يعمهون، ويتحيرون، والعمه: الحيرة في اللغة.

وقوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ ٱلْمَوْتَىٰ ﴾ .

قيل: هذه الآية صلة قوله: ﴿ وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَٰنِهِمْ ﴾ إلى قوله: ﴿ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ ، ثم قال: ﴿ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ ﴾ الآية: أخبر أنهم وإن نزل إليهم الآيات بعد السؤال منهم الآيات: من إنزال الملائكة، وتكليم الموتى - أنهم لا يؤمنون؛ إذ سؤالهم الآيات سؤال تعنت واستهزاء وعناد، لا سؤال استرشاد؛ لأنهم قد جاءتهم آيات لو لم يعاندوا لآمنوا [بها] ثم إذا علم منهم أنهم لا يؤمنون، وأن ما يسألون من الآيات [إنما يسألون] سؤال تعنت وعناد جعل فيهم خصالا على الخذلان من [نحو] قساوة القلب، حتى أخبر أن قلوبهم أقصى من الحجارة، ومن نحو البغض والجهالة، وغير ذلك من الخصال [ما يدل] على ما ذكرنا، وهو كقوله: ﴿ وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِّنَ ٱلسَّمَاءِ فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ  ﴾ [يخبر] عن تعنتهم ومكابرتهم.

وفيه دليل أن الآيات لا تضطر أهلها على الإيمان؛ لأنه قال: ﴿ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ ٱلْمَوْتَىٰ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُوۤاْ...

﴾ الآية، لو كانت آية تضطرهم إلى الإيمان لكانت هذه، وهذا يدل على أن معنى قوله: ﴿ إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ  ﴾ أنهم لا يؤمنون بالآية، ولكن إذا شاء أن يؤمنوا لآمنوا، ولو كانت الآيات تضطر أهلها إلى الإيمان به لكان لا آية أعظم من القيامة، ولا أبين منها، ثم أخبر عنهم أنهم لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه، وقال: ﴿ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ  ﴾ قد كذبوا عند معاينتهم القيامة والعذاب؛ فهذا يدل على أن الآية لا تضطر أهلها إلى الإيمان بها، ويدل أن تأويل قوله: ﴿ إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ  ﴾ أنهم يخضعون إذا شاء أن يخضعوا، لا أن الآية تضطرهم على الخضوع بالدلائل التي ذكرنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ ﴾ .

قال الحسن: هذه المشيئة مشيئة القدرة، أي: لو شاء الله أن يعجزهم حتى يؤمنوا، وهو كقوله -  - ﴿ وَلَوْ نَشَآءُ لَطَمَسْنَا عَلَىٰ أَعْيُنِهِمْ  ﴾ ، ﴿ وَلَوْ نَشَآءُ لَمَسَخْنَاهُمْ  ﴾ ونحوه فهذه المشيئة؛ مشيئة القدرة، لكنا نقول: إنه أخبر أنه لو شاء أن يمسخهم لمسخهم؛ فقل - أيضاً -: إنه لو شاء أن يهديهم لهداهم، ولو شاء أن يهتدوا لاهتدوا، وكذلك يقول المعتزلة: إن المشيئة - هاهنا - مشيئة القهر والجبر، وقد ذكرنا ألا يكون في حال القهر والجبر إيمان؛ فيصير على قولهم: إلا أن يشاء الله أن يؤمنوا فآمنوا فلا يكون إيماناً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً ﴾ : اختلف في تلاوته وتأويله: [عن الحسن] قال ﴿ قُبُلاً ﴾ : عياناً، وعن قتادة كذلك ﴿ قُبُلاً ﴾ : عياناً: حتى يعاينوا ذلك معاينة.

﴿ مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُوۤاْ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ ﴾ ، وهو على ما ذكرنا إلا أن يشاء الله أن يؤمنوا فيؤمنوا.

وعن مجاهد: ﴿ قُبُلاً ﴾ ، أي: أفواجاً [قبيلاً] وفي حرف أبي عمرو بن العلاء: ﴿ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً ﴾ ، يقول: جيلا فجيلا.

وفي حرف أبي: ﴿ قَبِيلاً ﴾ ، أي: [قبيلة].

وقال القتبي: ﴿ قُبُلاً ﴾ ، أي: جماعة جماعة، وقبلا، أي: أصنافاً.

ويقال: القبيل: الكفيل؛ كقوله: ﴿ أَوْ تَأْتِيَ بِٱللَّهِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ قَبِيلاً  ﴾ ، أي: ضمينا كفيلا.

قال الكيساني: من قرأها ﴿ قُبُلاً ﴾ فقد تكون جمع (القبيل)؛ مثل (الجبيل) و (الجُبُل)، وقد يكون (القبيل) - أيضاً - من معنى الإقبال؛ كقوله: من قبل ومن دبر.

ومن قرأها (قِبَلا): أراد معاينة.

وقال أبو عوسجة: ﴿ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً ﴾ ، يقال أتانا الناس قبلا، أي: كلهم؛ وقبلا: من المقابلة، وتأويله ما ذكرنا: أن لو فعلنا هذا كله: من إنزال الملائكة إليهم، وتكليم الموتى إياهم، ﴿ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً ﴾ ، فأخبروهم بالذي يقول محمد إنه حق ﴿ مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُوۤاْ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ ﴾ لهم الإيمان فيؤمنوا، وفيه ما ذكرنا من الدليل أن الآيات لا تضطر أهلها إلى الإيمان بها إلا أن يشاء الله أن يؤمنوا؛ فيحنئذ يؤمنون.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ ﴾ .

أي: لكن أكثرهم لا ينتفعون بعلمهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً ﴾ .

قيل: كما جعلنا لكل نبي [من قبل] عدوا كذلك نجعل لك عدوا، [ويحتمل أن يكون صلة قوله: ﴿ وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَٰرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ ثم قوله: كذلك] ﴿ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً ﴾ ، قال الحسن: إن من حكم الله أن بعث رسلا، وأن كل من اتبع رسله يكون وليا له، ومن عصى رسله يكون عدوا له، هذا حكم الله في الكل.

وقال جعفر بن حرب والكعبي وغيرهما من المعتزلة: إن قوله: ﴿ جَعَلْنَا ﴾ ، أي: خلينا بينهم وبين ما اختاروا من الكفر والعداوة، يقال: جعل فلان كذا إذا كان مسلطاً على ذلك، وهو يقدر أن يمنعه عن ذلك؛ ويصير التأويل على قول المعتزلة، أي: لم نجعل لكل نبي عدوّاً؛ ولكن هم جعلوا أنفسهم أعداء لكل نبي.

وقلنا نحن: إن قوله: ﴿ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً ﴾ ، أي: خلقنا لكل نبي عداوة كل عدو، والجعل من الله: هو الخلق؛ كقوله: ﴿ وَجَعَلْنَا ٱلسَّمَآءَ سَقْفاً مَّحْفُوظاً  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَجَعَلْنَا ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ آيَتَيْنِ  ﴾ .

وقوله: ﴿ جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ مَهْداً  ﴾ .

كل جعل أضيف إلى الله فهو خلق؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً ﴾ ، أي: خلقنا لكل نبي عداوة كل عدو، ولو كان الحكم على ما قال الحسن، وما قال أولئك من التخلية لكان يجوز أن يضاف فعل الكفر وفعل الضلال إلى الله، وذلك بعيد.

والثاني: لم يوفق لهم فعل الولاية؛ لما علم منهم أنهم يختارون فعل العداوة على فعل الولاية.

وقوله - عز وجل -: ﴿ شَيَٰطِينَ ٱلإِنْسِ وَٱلْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ غُرُوراً ﴾ .

اختلف فيه: قال بعضهم: الشياطين كلهم يكونون من الجن، ثم إنهم يوحون إلى الإنس؛ فيكونون هم الذين يدعون الخلق إلى معصية الله؛ فيكونُ من الجن وحياً إلى الإنس، ومن الإنس إلى الخلق قولا ودُعاء.

وقال بعضهم: يكونُ من الجن شياطين، [ومن الإنس شياطين] تدعو شياطين الجن - الجن إلى معصية الله [وهكذا من دعا آخر إلى معصيته والكفر به، ويدعو شياطين الإنسِ الإنسَ إلى ذلك، يدعو كل فريق قومه إلى معصية الله، وهكذا من دعا آخر إلى معصية الله] فهو شيطان، وكذلك كبراء الكفرة ورؤساؤهم الذين كانوا يدعون أتباعهم وسفلتهم إلى الكفر والضلال بالله؛ فهم شياطينهم؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَٰبِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا  ﴾ .

وقوله  : ﴿ إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ  ﴾ .

[وقوله]: ﴿ قَالَ ٱدْخُلُواْ فِيۤ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ مِّن ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ فِي ٱلنَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّىٰ إِذَا ٱدَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعاً قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاَهُمْ رَبَّنَا هَـٰؤُلاۤءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِّنَ ٱلنَّارِ  ﴾ .

وغيره من الآيات؛ أن كلَّ من دعا غيره [إلى] معصية الله والكفر به، فهو شيطان.

والشيطان هو البعيدُ من رحمة الله؛ شطن أي: بَعُدَ.

وقيل: إن إبليس وكَّلَ [شياطين الإنس] يضلونهم ويدعونهم إلى معصية الله، ووكَّلَ شياطين بالجن يضلونهم.

وهو تأويل الأول.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ غُرُوراً ﴾ \[أي: يزين بعضهم لبعض القول غرورا\] يغرون به.

قال القتبي - رحمه الله -: زخرف القول غرورا: ما زين به وحسن وموه.

وقال واصل: الزخرف: الذهب؛ ويقال: [زخرف الشيء، أي: حسنه].

قال أبو عوسجة: الوحي أن يحى بعينه أو بشفتيه، وهي إشارة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ ﴾ قال بعضهم: [لو شاء] ربك خلقهم خلقا لم يركب فيهم الشهوات والحاجات حتى أطاعوه ولم يعصوا؛ كما خلق الملائكة لم يركب [فيهم] الشهوات والحاجات والأماني، فلم يعصوه.

وقالت المعتزلة: لو شاء ربك لأعجزهم وقهرهم؛ حتى لا يقدروا على معصية الله والكفر به فآمنوا واهتدوا.

[وعندنا] أنه لو شاء ربك لهداهم لاهتدوا، لكن لما علم منهم أنهم يختارون الضلال على الهدى شاء ألا يهديهم.

وقد ذكرنا قبح تأويلهم الآية في غير موضع.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ﴾ هذا يخرج على الوعيد لهم؛ كقوله: ﴿ ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ  ﴾ وكقوله: ﴿ ٱعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ  ﴾ أي: ذرهم وما يختارون؛ فإنك تراهم في العذاب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِتَصْغَىۤ إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ ﴾ قيل: ولتميل قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة إلى زخرف القول الذي كان يوحي ويلقي شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض ﴿ وَلِيَرْضَوْهُ ﴾ لما كان الذي أوحى وألقى بعضهم إلى بعض من زخرف القول الذي يوافق هواهم، وكل من ظفر بما يوافق هواه فإنه يرضى به؛ كقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا وَرَضُواْ بِٱلْحَيٰوةِ ٱلدُّنْيَا وَٱطْمَأَنُّواْ بِهَا  ﴾ لأنهم كانوا لا يؤمنون بالآخرة ولا يرجون لقاءه وكانت همتهم هذه الدنيا ورضوا بها واطمأنوا فيها.

ويحتمل قوله: ﴿ وَلِتَصْغَىۤ إِلَيْهِ ﴾ أي: إلى الكتاب ﴿ أَفْئِدَةُ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ ﴾ ؛ أي: ليس ميل قبول منهم له، ولكن ميل طلب الطعن فيه، وهكذا كانت [همة] أولئك الكفرة، وعادتهم طلب الطعن فيه، والأول أشبه.

ثم إن كان زخرف القول الذي أوحى بعضهم إلى بعض من كبرائهم وعظمائهم، فقد أشرك -  - هؤلاء وأولئك في الكذب الذي كان منهم كان من الكبراء الدعاء إلى ذلك، ومن الأتباع الرضا والإجابة، وكان منهم التزيينُ والزخرفة، ومن الأتباع القبولُ والرضا به، فقد اشتركوا جميعاً في ذلك الكذب، والقول: الغرور.

وقوله: ﴿ وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ ﴾ اختلف فيه: قال قائلون: قوله: ﴿ وَلِيَقْتَرِفُواْ ﴾ يعني: هؤلاء الأتباع ﴿ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ ﴾ أي: ليكتسبوا هؤلاء الأتباع من الكذب ما كان أولئك يكتسبون من الكذب.

وقيل: ﴿ وَلِيَقْتَرِفُواْ ﴾ أولئك المتبوعون من الكذب ﴿ مَا هُم ﴾ يعني: هؤلاء الأتباع ﴿ مُّقْتَرِفُونَ ﴾ من القول الغرور والزخرف.

ثم اختلف في الاقتراف: قال بعضهم: الاكتسابُ؛ اكتسابُ كلِّ شيء.

وقال قائلون: الاقترافُ هو موافقة الذنب والإثم والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وأقسم المشركون بالله أشد أيمانهم التي يقدرون عليها: لئن جاءهم محمد بآية من الآيات التي اقترحوها ليؤمِنُنَّ بها، قل لهم -أيها الرسول-: الآيات ليست عندي فأنزلها، إنما هي عند الله ينزلها متى شاء، وما يدريكم -أيها المؤمنون- أن هذه الآيات إذا جاءت وفق ما اقترحوه لا يؤمنون؛ بل يبقون على عنادهم وجحودهم؛ لأنهم لا يريدون الهداية.

<div class="verse-tafsir" id="91.jQ3Wq"

مزيد من التفاسير لسورة الأنعام

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله